فتح الباري
ابن حجر ج 13

[ 1 ]
فتح الباري شرح صحيح البخاري للامام الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى الثالث عشر درر المعرفة للطباعة والنشر للطباعة والنشر بيروت - لبنان
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الفتن في رواية كريمة والاصيلي تأخير البسملة والفتن جمع فتنة قال الراغب أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته ويستعمل في إدخال الانسان النار ويطلق على العذاب كقوله ذوقوا فتنتكم وعلى ما يحصل عند العذاب كقوله تعالى الا في الفتنة سقطوا وعلى الاختبار كقوله وفتناك فتونا وفيما يدفع إليه الانسان من شدة ورخاء وفي الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة ومنه قوله وان كادوا ليفتنونك أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحى إليك وقال أيضا الفتنة تكون من الافعال الصادرة من الله ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية وغيرها من المكروهات فان كانت من الله فهي على وجه الحكمة وان كانت من الانسان بغير أمر الله فهي مذمومة فقد ذم الله الانسان بايقاع الفتنة كقوله والفتنة أشد من القتل وقوله ان الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات وقوله ما أنتم عليه بفاتنين وقوله بأيكم المفتون وكقوله واحذرهم ان يفتنوك وقال غيره أصل الفتنة الاختبار ثم استعملت فيما اخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه ثم اطلقت على كل مكروه أو آيل إليه كالكفر والاثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك (0) قوله باب ما جاء في قول الله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة قلت ورد فيه ما أخرجه أحمد والبزار من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير قال قلنا للزبير يعني في قصة الجمل
[ 3 ]
يا أبا عبد الله ما جاء بكم ضيعتم الخليفة الذي قتل يعني عثمان بالمدينة ثم جئتم تطلبون بدمه يعني بالبصرة فقال الزبير أنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة لم نكن نحسب انا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت وأخرج الطبري من طريق الحسن البصري قال قال الزبير لقد خوفنا بهذه الآية ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ظننا أنا خصصنا بها وأخرجه النسائي من هذا الوجه نحوه وله طرق أخرى عن الزبير عند الطبري وغيره وأخرج الطبري من طريق السدى قال نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل وعند بن أبي شيبة نحوه وعند الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب ولهذا الاثر شاهد من حديث عدي بن عميرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الله عزوجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة أخرجه أحمد بسند حسن وهو عند أبي داود من حديث العرس بن عميرة وهو أخو عدي وله شواهد من حديث حذيفة وجرير وغيرهما عند أحمد وغيره قوله وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر بالتشديد من الفتن يشير إلى ما تضمنه حديث الباب من الوعيد على التبديل والاحداث فان الفتن غالبا انما تنشأ عن ذلك ثم ذكر حديث أسماء بنت أبي بكر مرفوعا أنا على حوضي انتظر من يرد علي فيأخذ بناس ذات الشمال الحديث وحديث عبد الله بن مسعود رفعه أنا فرطكم على الحوض فليرفعن إلى أقوام الحديث وحديث سهل بن سعد بمعناه ومعه حديث أبي سعيد وفي جميعها أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك لفظ بن مسعود والآخرين بمعناه وقد تقدمت في ذكر الحوض آخر كتاب الرقاق وتقدم شرحها في باب الحشر قبل ذلك في كتاب الرقاق أيضا وقوله (6641) في حديث أسماء حدثنا بشر بن السري هو بكسر الموحدة وسكون المعجمة وأبوه بفتح المهملة وكسر الراء بعدها ياء ثقيلة وبشر بصرى سكن مكة وكان صاحب مواعظ فلقب الافوه وهو ثقة عند الجميع الا انه كان تكلم في شئ يتعلق برؤية الله في الآخرة فقام عليه الحميدي فاعتذر وتنصل فتكلم فيه بعضهم حتى قال بن معين رأيته بمكة يدعو على من ينسبه لرأي جهم وقال بن عدي له أفراد وغرائب قلت وليس له في البخاري سوى هذا الموضع وقد وضح انه متابعة وقوله في حديث سهل من ورده شرب وقع في رواية الكشميهني يشرب وقوله (6643) لم يظمأ قيل هو كناية عن أنه يدخل الجنة لانه صفة من يدخلها وفي حديث أبي سعيد أنك لا تدري ما بدلوا وقع في رواية الكشميهني ما أحدثوا وحاصل ما حمل عليه حال المذكورين انهم ان كانوا ممن ارتد عن الاسلام فلا اشكال في تبري النبي صلى الله عليه وسلم منهم وابعادهم وان كانوا ممن لم يرتد لكن أحدث معصية كبيرة من أعمال البدن أو بدعة من اعتقاد القلب فقد أجاب بعضهم بأنه يحتمل أن يكون أعرض عنهم ولم يشفع لهم اتباعا لامر الله فيهم حتى يعاقبهم على جنايتهم ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته لاهل الكبائر من أمته فيخرجون عند إخراج الموحدين من النار والله أعلم (0) قوله باب قول النبي صلى الله
[ 4 ]
عليه وسلم سترون بعدي أمورا تنكرونها هذا اللفظ بعض المتن المذكور في ثاني أحاديث الباب وهي ستة أحاديث الاول قوله وقال عبد الله بن زيد الخ هو طرف من حديث وصله المصنف في غزوة حنين من كتاب المغازي وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال للانصار أنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض وتقدم شرحه هناك الحديث الثاني (6644) قوله حدثنا زيد بن وهب للاعمش فيه شيخ آخر أخرجه الطبراني في الاوسط من رواية يحيى بن عيسى الرملي عن الاعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة مثل رواية زيد بن وهب قوله عبد الله هو بن مسعود وصرح به في رواية الثوري عن الاعمش في علامات النبوة قوله أنكم سترون بعدي أثرة في رواية الثوري أثرة وتقدم ضبط الاثرة وشرحها في شرح الحديث الذي قبله وحاصلها الاختصاص بحظ دنيوى قوله وأمورا تنكرونها يعني من أمور الدين وسقطت الواو من بعض الروايات فهذا بدل من أثرة وفي حديث أبي هريرة الماضي في ذكر بني إسرائيل عن منصور هنا زيادة في أوله قال كان بنو إسرائيل تسوسهم الانبياء كلما مات نبي قام بعده نبي وانه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فيكثرون الحديث وفيه معنى ما في حديث بن مسعود قوله قالوا فما تأمرنا أي أن نفعل إذا وقع ذلك قوله أدوا إليهم أي إلى الامراء حقهم أي الذي وجب لهم المطالبة به وقبضه سواء كان يختص بهم أو يعم ووقع في رواية الثوري تؤدون الحق الذي عليكم أي بذل المال الواجب في الزكاة والنفس في الخروج إلى الجهاد عند التعيين ونحو ذلك قوله وسلوا الله حقكم في رواية الثوري وتسألون الله الذي لكم أي بأن يلهمهم انصافكم أو يبدلكم خيرا منهم وهذا ظاهره العموم في المخاطبين ونقل بن التين عن الداودي انه خاص بالانصار وكأنه أخذه من حديث عبد الله بن زيد الذي قبله ولا يلزم من مخاطبة الانصار بذلك أن يختص بهم فإنه يختص بهم بالنسبة إلى المهاجرين ويختص ببعض المهاجرين دون بعض فالمستأثر من يلي الامر ومن عداه هو الذي يستأثر عليه ولما كان الامر يختص بقريش ولا حظ للانصار فيه خوطب الانصار بأنكم ستلقون أثرة وخوطب الجميع بالنسبة لمن يلي الامر فقد ورد ما يدل على التعميم ففي حديث يزيد بن سلمة الجعفي عند الطبراني أنه قال يا رسول الله ان كان علينا أمراء يأخذون بالحق الذي علينا ويمنعونا الحق الذي لنا أنقاتلهم قال لا عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم وأخرج مسلم من حديث أم سلمة مرفوعا سيكون أمراء فيعرفون وينكرون فمن كره برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع قالوا أفلا نقاتلهم قال لا ما صلوا ومن حديث عوف بن مالك رفعه في حديث في هذا المعنى قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال لا ما أقاموا الصلاة وفي رواية له بالسيف وزاد وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة وفي حديث عمر في مسنده للاسماعيلي من طريق أبي مسلم الخولاني عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر رفعه قال أتاني جبريل فقال ان أمتك مفتتنة من بعدك فقلت من أين قال من قبل أمرائهم وقرائهم يمنع الامراء الناس الحقوق فيطلبون حقوقهم فيفتنون ويتبع القراء هؤلاء الامراء فيفتنون قلت فكيف يسلم من سلم منهم قال بالكف والصبر أن أعطوا الذي لهم أخذوه وان منعوه تركوه الحديث الثالث والرابع حديث بن عباس من وجهين في الثاني التصريح بالتحديث والسماع في موضعي العنعنة في الاول (6645) قوله عبد الوارث هو بن سعيد
[ 5 ]
والجعد هو أبو عثمان المذكور في السند الثاني وا قوله حدثنا إسماعيل بن إبراهيم هو الذي يقال له بن علية وشيخه عوف هو الاعرابي وأبو رجاء هو العطاردي واسمه عمران والسند كله بصريون قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني مما يكثر أن يقول لاصحابه كذا لابي ذر عن الكشميهني وله عن غيره بإسقاط يعني وكذا وقع عند الباقين وفي رواية النسفي وكذا في رواية محمد بن جعفر مما يقوله لاصحابه وقد تقدم في بدء الوحي ما نقل بن مالك انها بمعنى مما يكثر قال الطيبي قوله مما يكثر خير كان ة المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الامير ولو بأدنى شئ فكنى عنها بمقدار الشبر لان الاخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق قوله مات ميتة جاهلية في الرواية الاخرى فمات الا مات ميتة جاهلية وفي رواية لمسلم فميتته ميتة جاهلية وعنده في حديث بن عمر رفعه من خلع يدا من طاعة لقي الله ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية قال الكرماني الاستثناء هنا بمعنى الاستفهام الانكاري أي ما فارق الجماعة أحد الا جرى له كذا أو حذفت ما فهي مقدرة أو الا زائدة أو عاطفة على رأي الكوفيين والمراد بالميتة الجاهيلة وهي بكسر الميم حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له امام مطاع لانهم كانوا لا يعرفون ذلك وليس المراد أنه يموت كافر بل يموت عاصيا ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي وان لم يكن هو جاهليا أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير وظاهره غير مراد ويؤيد أن المراد بالجاهلية التشبيه (6646) قوله في الحديث الآخر من فارق الجماعة شبرا فكأنما خلع ربقة الاسلام من عنقه أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان ومصححا من حديث الحارث بن الحارث الاشعري في أثناء حديث طويل وأخرجه البزار والطبراني في الاوسط من حديث بن عباس وفي سنده خليد بن دعلج وفيه مقال وقال من رأسه بدل عنقه قال بن بطال في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها كما في الحديث الذي بعده الحديث الخامس (6647) قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس قوله عن عمرو هو بن الحارث وعند مسلم حدثنا عمرو بن الحارث قوله عن بكير هو بن عبد الله بن الاشج وعند مسلم حدثني بكير قوله عن بسر بضم الموحدة وسكون المهملة ووقع في بعض النسخ بكسر أوله وسكون المعجمة وهو تصحيف وجنادة بضم الجيم وتخفيف النون ووقع عند الاسماعيلي من طريق عثمان بن صالح حدثنا بن وهب أخبرني عمرو أن بكيرا حدثه أن بسر بن سعيد حدثه أن جنادة حدثه قوله دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض فقلنا أصلحك الله حدث بحديث في رواية مسلم حدثنا وقولهم أصلحك الله يحتمل أنه أراد الدعاء له بالصلاح في جسمه يعافي ليعافى من مرضه أو أعم من ذلك وهي كلمة اعتادوها عند افتتاح الطلب قوله دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه ليلة العقبة كما تقدم إيضاحه في أوائل كتاب الايمان أول الصحيح قوله فقال فيما أخذ علينا أي اشترط علينا قوله أن بايعنا بفتح العين على السمع والطاعة أي له في منشطنا بفتح الميم والمعجمة وسكون النون بينهما ومكرهنا أي في حالة نشاطنا وفي الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به ونقل بن التين عن الداودي أن المراد الاشياء التي
[ 6 ]
يكرهونها قال بن التين والظاهر انه أراد في وقت الكسل والمشقة في الخروج ليطابق قوله منشطنا قلت ويؤيده ما وقع في رواية إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن عبادة عند أحمد في النشاط والكسل قوله وعسرنا ويسرنا في رواية إسماعيل بن عبيد وعلى النفقة في العسر واليسر وزاد وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله وأثرة علينا بفتح الهمزة والمثلثة وقد تقدم موضع ضبطها في أول الباب والمراد أن طواعيتهم لمن يتولى عليهم لا تتوقف على إيصالهم حقوقهم بل عليهم الطاعة ولو منعهم حقهم قوله وأن لا ننازع الامر أهله أي الملك والامارة زاد أحمد من طريق عمير بن هانئ عن جنادة وأن رأيت أن لك أي وان اعتقدت أن لك في الامر حقا فلا تعمل بذلك الظن بل اسمع وأطع إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة زاد في رواية حبان أبي النضر عن جنادة عن بن حبان وأحمد وان أكلوا مالك وضربوا ظهرك وزاد في رواية الوليد بن عبادة عن أبيه وأن نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم وسيأتي في كتاب الاحكام قوله إلا أن تروا كفرا بواحا بموحدة ومهملة قال الخطابي معنى قوله بواحا يريد ظاهرا باديا من قولهم باح بالشئ يبوح به بوحا وبواحا إذا أذاعه وأظهره وأنكر ثابت في الدلائل بواحا وقال انما يجوز بوحا بسكون الواو وبؤاحا بضم أوله ثم همزة ممدودة وقال الخطابي من رواه بالراء فهو قريب من هذا المعنى وأصل البراح الارض القفراء التي لا أنيس فيها ولا بناء وقيل البراح البيان يقال برح الخفاء إذا ظهر وقال النووي هو في معظم النسخ من مسلم بالواو وفي بعضها بالراء قلت ووقع عند الطبراني من رواية أحمد بن صالح عن بن وهب في هذا الحديث كفرا صراحا بصاد مهملة مضمومة ثم راء ووقع في رواية حبان أبي النضر المذكورة الا أن يكون معصية لله بواحا وعند أحمد من طريق عمير بن هانئ عن جنادة ما لم يأمروك بإثم بواحا وفي رواية إسماعيل بن عبيد عند أحمد والطبراني والحاكم من روايته عن أبيه عن عبادة سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى الله وعند أبي بكر بن أبي شيبة من طريق أزهر بن عبد الله عن عبادة رفعه سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون ويفعلون ما تنكرون فليس لاولئك عليكم طاعة قوله عندكم من الله فيه برهان أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل قال النووي المراد بالكفر هنا المعصية ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الامور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا حققا تعلمونه من قواعد الاسلام فإذا رأيتم ذلك فانكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم انتهى وقال غيره المراد بالاثم هنا المعصية والكفر فلا يعترض على السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية فلا ينازعه بما يقدح في الولاية الا إذا ارتكب الكفر وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف ومحل ذلك إذا كان قادرا والله أعلم ونقل بن التين عن الداودي قال الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب والا فالواجب الصبر وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء فان أحدث جورا بعد أن كان عدلا فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج
[ 7 ]
عليه الحديث السادس حديث أنس عن أسيد بن حضير ذكره مختصرا وقد تقدم بتمامه مشروحا في مناقب الانصار والسر في جوابه عن طلب الولاية بقوله سترون بعدي أثرة إرادة نفي ظنه أنه آثر الذي ولاه عليه فبين له ان ذلك لا يقع في زمانه وانه لم يخصه بذلك لذاته بل لعموم مصلحة المسلمين وأن الاستئثار للحظ الدنيوي انما يقع بعده وأمرهم عند وقوع ذلك بالصبر (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء زاد في بعض النسخ لابي ذر من قريش ولم يقع لاكثرهم وقد ذكره في الباب من حديث أبي هريرة من بدون قوله سفهاء وذكر بن بطال أن علي بن معبد أخرجه يعني في كتاب الطاعة والمعصية من رواية سماك عن أبي هريرة بلفظ على رءوس غلمة سفهاء من قريش قلت وهو عند أحمد والنسائي من رواية سماك عن أبي ظالم عن أبي هريرة أن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش هذا لفظ أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن سماك عن عبد الله بن ظالم وتابعه أبو عوانة عن سماك عند النسائي ورواه أحمد أيضا عن زيد بن الحباب عن سفيان لكن قال مالك بدل عبد الله ولفظه سمعت أبا هريرة يقول لمروان أخبرني حبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم قال فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش وكذا أخرجه من طريق شعبة عن سماك ولم يقف عليه الكرماني فقال لم يقع في الحديث الذي أورده بلفظ سفهاء فلعله بوب به ليستدركه ولم يتفق له أو أشار إلى أنه ثبت في الجملة لكنه ليس على شرطه قلت الثاني هو المعتمد وقد أكثر البخاري من هذا قوله في الترجمة أغيلمة تصغير غلمة جمع غلام وواحد الجمع المصغر غليم بالتشديد يقال للصبي حين يولد إلى أن يحتلم غلام وتصغيره غليم وجمعه غلمان وغلمة وأغيلمة ولم يقولوا أغلمة مع كونه القياس كأنهم استغنوا عنه بغلمة وأغرب الداودي فيما نقله عنه بن التين فضبط أغيلمة بفتح الهمزة وكسر الغين المعجمة وقد يطلق على الرجل المستحكم القوة غلام تشبيها له بالغلام في قوته وقال بن الاثير المراد ب الاغيلمة هنا الصبيان ولذلك صغرهم قلت وقد يطلق الصبي والغليم بالتصغير على الضعيف العقل والتدبير والدين ولو كان محتلما وهو المراد هنا فان الخلفاء من بني أمية لم يكن فيهم من استخلف وهو دون البلوغ وكذلك من أمروه على الاعمال إلا أن يكون المراد بالاغيلمة أولاد بعض من استخلف فوقع الفساد بسببهم فنسب إليهم والاولى الحمل على أعم من ذلك (6649) قوله حدثنا عمر بن يحيى بن سعيد بن عمرو زاد في علامات النبوة عن أحمد بن محمد المكي حدثنا عمرو بن يحيى الاموي قوله أخبرني جدي هو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية وقد نسب يحيى في رواية عبد الصمد بن عبد الوارث عن عمرو بن يحيى إلى جد جده الاعلى فوقع في روايته حدثنا عمرو بن يحيى بن العاص سمعت جدي سعيد بن العاص فنسب سعيدا أيضا إلى والد جد جده وأبوه عمرو بن سعيد هو المعروف بالاشدق قتله عبد الملك بن مروان لما خرج عليه بدمشق بعد السبعين قوله كنت جالسا مع أبي هريرة كان ذلك زمن معاوية قوله ومعنا مروان هو بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الذي ولي الخلافة بعد ذلك وكان يلي لمعاوية امرة المدينة تارة وسعيد بن العاص والد عمرو يليها لمعاوية تارة قوله سمعت الصادق المصدوق تقدم بيانه في كتاب القدر والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم وقد وقع في رواية عبد الصمد المذكور أن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية له أخرى سمعت رسول الله صلى الله عليه
[ 8 ]
وسلم قوله هلكة أمتي في رواية المكي هلاك أمتي وهو المطابق لما في الترجمة وفي رواية عبد الصمد هلاك هذه الامة والمراد بالامة هنا أهل ذلك العصر ومن قاربهم لا جميع الامة إلى يوم القيامة قوله على يدي غلمة كذا للاكثر بالتثنية وللسرخسي والكشميهني أيدي بصيغة الجمع قال بن بطال جاء المراد بالهلاك مبينا في حديث آخر لابي هريرة أخرجه علي بن معبد وابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه أعوذ بالله من إمارة الصبيان الغلمان قالوا وما إمارة الصبيان قال ان أطعتموهم هلكتم أي في دينكم وان عصيتموهم أهلكوكم أي في دنياكم بازهاق النفس أو باذهاب المال أو بهما وفي رواية بن أبي شيبة أن أبا هريرة كان يمشي في السوق ويقول اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان وفي هذا إشارة إلى أن أول الاغيلمة كان في سنة ستين وهو كذلك فان يزيد بن معاوية استخلف فيها وبقي إلى سنة أربع وستين فمات ثم ولى ولده معاوية ومات بعد أشهر وهذه الرواية تخصص رواية أبي زرعة عن أبي هريرة الماضية في علامات النبوة بلفظ يهلك الناس هذا الحي من قريش وان المراد بعض قريش وهم الاحداث منهم لا كلهم والمراد أنهم يهلكون الناس بسبب طلبهم الملك والقتال لاجله فتفسد أحوال الناس ويكثر الخبط بتوالي الفتن وقد وقع الامر كما أخبر صلى الله عليه وسلم وأما قوله لو أن الناس اعتزلوهم محذوف الجواب وتقديره لكان أولى بهم والمراد باعتزالهم أن لا يداخلوهم ولا يقاتلوا معهم ويفروا بدينهم من الفتن ويحتمل أن يكون لو للتمني فلا يحتاج إلى تقدير جواب ويؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية فانها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك قال بن وهب عن مالك تهجر الارض التي يصنع فيها المنكر جهارا وقد صنع ذلك جماعة من السلف قوله فقال مروان لعنة الله عليهم غلمة في رواية عبد الصمد لعنة الله عليهم من أغيلمة وهذه الرواية تفسر المراد بقوله في رواية المكي فقال مروان غلمة كذا اقتصر على هذه الكلمة فدلت رواية الباب أنها مختصرة من قوله لعنة الله عليهم غلمة فكان التقدير غلمة عليهم لعنة الله أو ملعونون أو نحو ذلك ولم يرد التعجب ولا الاستثبات قوله فقال أبو هريرة لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت في رواية الاسماعيلي من بني فلان وبني فلان لقلت وكأن أبا هريرة كان يعرف أسمائهم وكان ذلك من الجواب الذي لم يحدث به وتقدمت الاشارة إليه في كتاب العلم وتقدم هناك قوله لو حدثت به لقطعتم هذا البلعوم قوله فكنت أخرج مع جدي قائل ذلك عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو وجده سعيد بن عمرو وكان مع أبيه لما غلب على الشام ثم لما قتل تحول سعيد بن عمرو إلى الكوفة فسكنها إلى أن مات قوله حين ملكوا الشام أي وغيرها لما ولوا الخلافة وانما خصت الشام بالذكر لانها كانت مساكنهم من عهد معاوية قوله فإذا رآهم غلمانا أحداثا هذا يقوي الاحتمال الماضي وأن المراد أولاد من استخلف منهم وأما تردده في أيهم المراد بحديث أبي هريرة فمن جهة كون أبي هريرة لم يفصح باسماءهم والذي يظهر أن المذكورين من جملتهم وأن أولهم يزيد كما دل عليه قول أبي هريرة رأس الستين وإمارة الصبيان فان يزيد كان غالبا ينتزع الشيوخ من امارة البلدان الكبار ويوليها الاصاغر من أقاربه وقوله قلنا أنت أعلم القائل له ذلك أولاده وأتباعه مما سمع منه ذلك وهذا مشعر بأن هذا القول صدر منه في أواخر دولة بني مروان بحيث يمكن عمرو بن يحيى أن يسمع منه ذلك وقد ذكر بن
[ 9 ]
عساكر أن سعيد بن عمرو هذا بقي إلى أن وفد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك وذلك قبيل الثلاثين ومائة ووقع في رواية الاسماعيلي أن بين تحديث عمرو بن يحيى بذلك وسماعه له من جده سبعين سنة قال بن بطال وفي هذا الحديث أيضا حجة لما تقدم من ترك القيام على السلطان ولو جار لانه صلى الله عليه وسلم أعلم أبا هريرة بأسماء هؤلاء وأسماء آبائهم ولم يأمرهم بالخروج عليهم مع اخباره ان هلاك الامة على أيديهم لكون الخروج أشد في الهلاك وأقرب إلى الاستئصال من طاعتهم فاختار اخف المفسدتين وأيسر الامرين تنبيه يتعجب من لعن مروان الغلمة المذكورين مع أن الظاهر انهم من ولده فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه ليكون أشد في الحجة عليهم لعلهم يتعظون وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد أخرجها الطبراني وغيره غالبها فيه مقال وبعضها جيد ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ويل للعرب من شر قد اقترب انما خص العرب بالذكر لانهم أول من دخل في الاسلام وللانذار بأن الفتن إذا وقعت كان الهلاك أسرع إليهم وذكر فيه حديثين أحدهما حديث زينب بنت جحش وهو مطابق للترجمة ومالك بن إسماعيل شيخه فيه وهو أبو غسان النهدي وكأنه اختار تخريج هذا الحديث عنه لتصريحه في روايته بسماع سفيان بن عيينة له من الزهري (6650) قوله عن عروة هو بن الزبير قوله عن زينب بنت أم سلمة في رواية شعيب عن الزهري حدثني عروة ان زينب بنت أبي سلمة حدثته قوله عن أم حبيبة في رواية شعيب ان أم حبيبة بنت أبي سفيان حدثتها هكذا قال بعض أصحاب سفيان بن عيينة منهم مالك بن إسماعيل هذا ومنهم عمرو بن محمد الناقد عند مسلم ومنهم سعيد بن منصور في السنن له ومنهم قتيبة وهارون بن عبد الله عند الاسماعيلي والقعنبي عند أبي نعيم وكذا قال مسدد في مسنده قلت وهكذا تقدم في أحاديث الانبياء من رواية عقيل وفي علامات النبوة من رواية شعيب ويأتي في أواخر كتاب الفتن من رواية محمد بن أبي عتيق كلهم عن الزهري ليس في السند حبيبة زاد جماعة من أصحاب بن عيينة عنه ذكر حبيبة فقالوا عن زينب بنت أم سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة هكذا أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وسعيد بن عمرو الاشعثي وزهير بن حرب ومحمد بن يحيى بن أبي عمر اربعتهم عن سفيان عن الزهري قال مسلم زادوا فيه حبيبة وهكذا أخرجه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد كلهم عن سفيان قال الترمذي جود سفيان هذا الحديث هكذا رواه الحميدي وعلي بن المديني وغير واحد من الحفاظ عن سفيان بن عيينة قال الحميدي قال سفيان حفظت عن الزهري في هذا الحديث أربع نسوة زينب بنت أم سلمة عن حبيبة وهما ربيبتا النبي صلى الله عليه وسلم عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش وهما زوجا النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق الحميدي فقال في روايته عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة وقال في آخره قال الحميدي قال سفيان أحفظ في هذا الحديث عن الزهري أربع نسوة قد رأين النبي صلى الله عليه وسلم ثنتين من أزواجه أم حبيبة وزينب بنت جحش وثنتين ربيبتاه زينب بنت أم سلمة وحبيبة بنت أم حبيبة أبوها عبيد الله بن جحش مات بأرض الحبشة انتهى كلامه وأخرجه أبو نعيم أيضا من رواية إبراهيم بن بشار الرمادي ونصر بن علي الجهضمي وأخرجه النسائي عن عبيد الله بن سعيد وابن ماجة عن أبي بكر
[ 10 ]
بن أبي شيبة والاسماعيلي من رواية الاسود بن عامر كلهم عن بن عيينة بزيادة حبيبة في السند وساق الاسماعيلي عن هارون بن عبد الله قال قال لي الاسود بن عامر كيف يحفظ هذا عن بن عيينة فذكره له بنقص حبيبة فقال لكنه حدثنا عن الزهري عن عروة عن أربع نسوة كلهن قد أدركن النبي صلى الله عليه وسلم بعضهن عن بعض قال الدارقطني أظن سفيان كان تارة يذكرها وتارة يسقطها قلت ورواه شريح بن يونس عن سفيان فأسقط حبيبة وزينب بنت جحش أخرجه بن حبان ومثله لابي عوانة عن الليث عن الزهري ومن رواية سليمان بن كثير عن الزهري وصرح فيه بالاخبار وسأذكر شرح المتن في آخر كتاب الفتن ان شاء الله تعالى وحبيبة بنت عبد الله بالتصغير بن جحش هذه ذكرها موسى بن عقبة فيمن هاجر إلى الحبشة فتنصر عبيد الله بن جحش ومات هناك وثبتت أم حبيبة على الاسلام فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وجهزها إليه النجاشي وحكى بن سعد ان حبيبة انما ولدت بأرض الحبشة فعلى هذا تكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صغيرة فهي نظير التي روت عنها في أن كلا منهما ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم وفي ان كلا منهما من صغار الصحابة وزينب بنت جحش هي عمة حبيبة المذكورة فروت حبيبة عن أمها عن عمتها وكانت وفاة زينب قبل وفاة أم حبيبة وزعم بعض الشراح ان رواية مسلم بذكر حبيبة تؤذن بانقطاع طريق البخاري قلت وهو كلام من لم يطلع على طريق شعيب التي نبهت عليها وقد جمع الحافظ عبد الغني بن سعيد الازدي جزءا في الاحاديث المسلسلة بأربعة من الصحابة وجملة ما فيه أربعة أحاديث وجمع ذلك بعده الحافظ عبد القادر الرهاوي ثم الحافظ يوسف بن خليل فزاد عليه قدرها وزاد واحدا خماسيا فصارت تسعة أحاديث وأصحها حديث الباب ثم حديث عمر في العمالة وسيأتي في كتاب الاحكام الحديث الثاني حديث أسامة بن زيد قوله عن الزهري في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة حدثنا الزهري وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم من طريقه قوله عن عروة عن أسامة بن زيد في رواية الحميدي وابن أبي عمر في مسنده عن بن عيينة عن الزهري أخبرني عروة انه سمع أسامة بن زيد وقوله حدثنا محمود هو بن غيلان قوله اشرف النبي صلى الله عليه وسلم عند الاسماعيلي في رواية معمر أوفى وهو بمعنى أشرف أي أطلع من علو قوله على أطم بضمتين هو الحصن وقد تقدم بيانه في آخر الحج قوله من أطام المدينة تقدم في علامات النبوة عن أبي نعيم بهذا السند بلفظ على أطم من الآطام فاقتضى ذلك ان اللفظ الذي ساقه هنا لفظ معمر قوله هل ترون ما أرى قالوا لا وهذه الزيادة أيضا لمعمر ولم أرها في شئ من الطرق عن بن عيينة قوله فاني لارى الفتن تقع خلال بيوتكم في رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان اني لارى مواقع الفتن والمراد بالمواقع مواضع السقوط والخلال النواحي قال الطيبي تقع مفعول ثان ويحتمل أن يكون حالا وهو أقرب والرؤية بمعنى النظر أي كشف لي فأبصرت ذلك عيانا قوله كوقع القطر في رواية المستملي والكشميهني المطر وفي رواية علامات النبوة كمواقع القطر وقد تقدم الكلام على هذه الرواية في آخر الحج وانما اختصت المدينة بذلك لان قتل عثمان رضي الله عنه كان بها ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان والقتال بالنهروان كمان بسبب التحكيم بصفين وكل قتال وقع في ذلك العصر انما تولد عن شئ من ذلك أو عن شئ تولد عنه ثم ان قتل عثمان
[ 11 ]
كان أشد أسبابه الطعن على أمراءه ثم عليه بتوليته لهم وأول ما نشأ ذلك من العراق وهي من جهة المشرق فلا منافاة بين حديث الباب وبين الحديث الآتي ان الفتنة من قبل المشرق وحسن التشبيه بالمطر لارادة التعميم لانه إذا وقع في أرض معينة عمها ولو في بعض جهاتها قال بن بطال انذر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زينب بقرب قيام الساعة كي يتوبوا قبل أن تهجم عليهم وقد ثبت أن خروج يأجوج ومأجوج قرب قيام الساعة فإذا فتح من ردمهم ذاك القدر في زمنه صلى الله عليه وسلم لم يزل الفتح يتسع على مر الاوقات وقد جاء في حديث أبي هريرة رفعه ويل للعرب من شر قد اقترب موتوا ان استطعتم قال وهذا غاية في التحذير من الفتن والخوض فيها حيث جعل الموت خيرا من مباشرتها وأخبر في حديث أسامة بوقوع الفتن خلال البيوت ليتأهبوا لها فلا يخوضوا فيها ويسألوا الله الصبر والنجاة من شرها (0) قوله باب ظهور الفتن ذكر فيه ثلاثة أحاديث الحديث الاول حديث أبي هريرة (6652) / + قوله حدثنا عياش بتحتانية ثقيلة ومعجمة وشيخه عبد الاعلى هو بن عبد الاعلى السامي بالمهملة البصري وسعيد هو بن المسيب ونسبه أبو بكر بن أبي شيبة في روايته له عن عبد الاعلى المذكور أخرجه بن ماجة وكذا عند الاسماعيلي من رواية عبد الاعلى وعبد الواحد وعبد المجيد بن أبي رواد كلهم عن معمر وهو عند مسلم عن أبي بكر لكن لم يسق لفظه قوله يتقارب الزمان كذا للاكثر وفي رواية السرخسي الزمن وهي لغة فيه قوله وينقص العلم كذا للاكثر وفي رواية المستملي والسرخسي العمل ومثله في رواية شعيب عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عند مسلم وعنده من رواية يونس عن الزهري في هذه الطريق ويقبض العلم ووقع مثله في رواية الاعرج عن أبي هريرة كما سيأتي في أواخر كتاب الفتن وهي تؤيد رواية من رواه بلفظ وينقص العمل ويؤيده أيضا الحديث الذي بعده بلفظ ينزل الجهل ويرفع العلم قوله ويكثر الهرج قالوا يا رسول الله أيما هو بفتح الهمزة وتشديد الياء الاخيرة بعدها ميم خفيفة وأصله أي شئ هو ووقعت للاكثر بغير ألف بعد الميم وضبطه بعضهم بتخفيف الياء كما قالوا أيش في موضع أي شئ وفي رواية الاسماعيلي وما هو وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة قالوا يا رسول الله وما الهرج وهذه رواية أكثر أصحاب الزهري وفي رواية عنبسة بن خالد عن يونس عند أبي داود قيل يا رسول الله أيش هو قال القتل القتل وفي رواية للطبراني عن بن مسعود القتل والكذب قوله قال القتل القتل صريح في أن تفسير الهرج مرفوع ولا يعارض ذلك مجيئه في غير هذه الرواية موقوفا ولا كونه بلسان الحبشة وقد تقدم في كتاب العلم من طريق سالم بن عبد الله بن عمر سمعت أبا هريرة فذكر نحو حديث الباب دون قوله يتقارب الزمان ودون قوله ويلقى الشح وزاد فيه ويظهر الجهل وقال في آخره قيل يا رسول وما الهرج فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل فيجمع بأنه جمع بين الاشارة والنطق فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض كما وقع لهم في الامور المذكورة وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه أحمد والطبراني بسند حسن من حديث خالد بن الوليد ان رجلا قال له يا أبا سليمان اتق الله فان الفتن ظهرت فقال اما وابن الخطاب حي فلا انما تكون بعده فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكانا لم ينزل به مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد فتلك الايام التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة أيام الهرج قوله وقال يونس
[ 12 ]
يعني بن يزيد وشعيب يعني بن أبي حمزة والليث وابن أخي الزهري عن الزهري عن حميد يعني بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة يعني ان هؤلاء الاربعة خالفوا معمرا في قوله عن الزهري عن سعيد فجعلوا شيخ الزهري حميدا لا سعيدا وصنيع البخاري يقتضي ان الطريقين صحيحان فإنه وصل طريق معمر هنا ووصل طريق شعيب في كتاب الادب وكأنه رأى ان ذلك لا يقدح لان الزهري صاحب حديث فيكون الحديث عنده عن شيخين ولا يلزم من ذلك اطراده في كل من اختلف عليه في شيخه الا ان يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ ولولا ذلك لكانت رواية يونس ومن تابعه أرجح وليست رواية معمر مدفوعة عن الصحة لما ذكرته فاما رواية يونس فوصلها مسلم كما ذكرت من طريق بن وهب عنه ولفظه ويقبض العلم وقدم وتظهر الفتن على ويلقى الشح وقال قالوا وما الهرج قال القتل ولم يكرر لفظ القتل ومثله له من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج فذكره مقتصرا عليه وأخرجه أبو داود من رواية عنبسة بن خالد عن يونس بن يزيد بلفظ وينقص العلم وأما رواية شعيب فوصلها المصنف في كتاب الادب عن أبي اليمان عنه وقال في روايته يتقارب الزمان وينقص العمل وفي رواية الكشميهمني العلم والباقي مثل لفظ معمر وقال في روايتي يونس وشعيب عن الزهري حدثني حميد بن عبد الرحمن وأما رواية الليث فوصلها الطبراني في الاوسط من رواية عبد الله بن صالح عنه به مثل رواية بن وهب واما رواية بن أخي الزهري فوصلها الطبراني أيضا في الاوسط من طريق صدقة بن خالد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بن أخي الزهري واسمه محمد بن عبد الله بن مسلم وقال في روايته سمعت أبا هريرة ولفظه مثل لفظ بن وهب الا انه قال قلنا وما الهرج يا رسول الله وأخرجه مسلم من رواية عبد الرحمن بن يعقوب وهمام بن منبه وأبي يونس مولى أبي هريرة ثلاثتهم عن أبي هريرة قال بمثل حديث حميد بن عبد الرحمن غير انهم لم يذكروا ويلقى الشح قلت وساق أحمد لفظ همام وأوله يقبض العلم ويقترب الزمن وقد جاء عن أبي هريرة من طريق أخرى زيادة في الامور المذكورة فأخرج الطبراني في الاوسط من طريق سعيد بن جبير عنه رفعه لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل ويخون الامين ويؤتمن الخائن وتهلك الوعول وتظهر التحوت قالوا يا رسول الله وما التحوت والوعول قال الوعول وجوه الناس وأشرافهم والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس ليس يعلم بهم وله من طريق أبي علقمة سمعت أبا هريرة يقول ان من أشراط الساعة نحوه وزاد كذلك أنبأنا عبد الله بن مسعود سمعته من حبي قال نعم قلنا وما التحوت قال فسول الرجال وأهل البيوت الغامضة قلنا وما الوعول قال أهل البيوت الصالحة قال بن بطال ليس في هذا الحديث ما يحتاج إلى تفسير غير قوله يتقارب الزمان ومعناه والله أعلم تقارب أحوال أهله في قلة الدين حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر لغلبة الفسق وظهور أهله وقد جاء في الحديث لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا فإذا تساووا هلكوا يعني لا يزالون بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح وخوف من الله يلجأ إليهم عند الشدائد ويستشفي بأرائهم ويتبرك بدعائهم ويؤخذ بتقويمهم وآثارهم وقال الطحاوي قد يكون معناه في ترك طلب العلم خاصة والرضى بالجهل وذلك لان الناس لا يتساوون في العلم لان درج العلم تتفوات قال تعالى وفوق كل ذي علم عليم وانما
[ 13 ]
يتساوون إذا كانوا جهالا وكأنه يريد غلبة الجهل وكثرته بحيث يفقد العلم بفقد العلماء قال بن بطال وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الاشراط قد رأيناها عيانا فقد نقص العلم وظهر الجهل والقي الشح في القلوب وعمت الفتن وكثر القتل قلت الذي يظهر ان الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله والمراد من الحديث استحكام ذلك حتى لا يبقى مما يقابله الا النادر واليه الاشارة بالتعبير بقبض العلم فلا يبقى الا الجهل الصرف ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم لانهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك ويؤيد ذلك ما أخرجه بن ماجة بسند قوي عن حذيفة قال يدرس الاسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ويسري على الكتاب في ليلة فلا يبقى في الارض منه آية الحديث وسأذكر مزيدا لذلك في أواخر كتاب الفتن وعند الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال ولينزعن القرآن من بين أظهركم يسري عليه ليلا فيذهب من أجواف الرجال فلا يبقى في الارض منه شئ وسنده صحيح لكنه موقوف وسيأتي بيان معارضه ظاهرا في كتاب الاحكام والجمع بينهما وكذا القول في باقي الصفات والواقع ان الصفات المذكورة وجدت مباديها من عهد الصحابة ثم صارت تكثر في بعض الاماكن دون بعض والذي يعقبه قيام الساعة استحكام ذلك كما قررته وقد مضى من الوقت الذي قال فيه بن بطال ما قال نحو ثلاثمائة وخمسين سنة والصفات المذكورة في ازدياد في جميع البلاد لكن يقل بعضها في بعض ويكثر بعضها في بعض وكلما مضت طبقة ظهر النقص الكثير في التي تليها والى ذلك الاشارة بقوله في حديث الباب الذي بعده لا يأتي زمان الا والذي بعده شر منه ثم نقل بن بطال عن الخطابي في معنى تقارب الزمان المذكور في الحديث الآخر يعني الذي أخرجه الترمذي من حديث أنس وأحمد من حديث أبي هريرة مرفوعا لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كاحتراق السعفة قال الخطابي هو من استلذاذ العيش يريد والله أعلم انه يقع عند خروج المهدي ووقوع الامنة في الارض وغلبة العدل فيها فيستلذ العيش عند ذلك وتستقصر مدته وما زال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وان طالت ويستطيلون مدة المكروه وان قصرت وتعقبه الكرماني بأنه لا يناسب أخواته من ظهور الفتن وكثرة الهرج وغيرهما وأقول انما احتاج الخطابي إلى تأويله بما ذكر لانه لم يقع النقص في زمانه والا فالذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا فانا نجد من سرعة مر الايام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا وان لم يكن هناك عيش مستلذ والحق ان المراد نزع البركة من كل شئ حتى من الزمان وذلك من علامات قرب الساعة وقال بعضهم معنى تقارب الزمان استواء الليل والنهار قلت وهذا مما قالوه في قوله إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب كما تقدم بيانه فيما مضى ونقل بن التين عن الداودي ان معنى حديث الباب ان ساعات النهار تقصر قرب قيام الساعة ويقرب النهار من الليل انتهى وتخصيصه ذلك بالنهار لا معنى له بل المراد نزع البركة من الزمان ليله ونهاره كما تقدم قال النووي تبعا لعياض وغيره المراد بقصره عدم البركة فيه وان اليوم مثلا يصير الانتفاع به بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة قالوا وهذا أظهر وأكثر فائدة وأوفق لبقية الاحاديث وقد قيل في تفسير قوله يتقارب الزمان قصر الاعمار بالنسبة إلى كل طبقة فالطبقة الاخيرة أقصر أعمارا من
[ 14 ]
الطبقة التي قبلها وقيل تقارب أحوالهم في الشر والفساد والجهل وهذا اختيار الطحاوي واحتج بان الناس لا يتساوون في العلم والفهم فالذي جنح إليه لا يناسب ما ذكر معه الا ان نقول ان الواو لا ترتب فيكون ظهور الفتن أولا ينشأ عنها الهرج ثم يخرج المهدي فيحصل الامن قال بن أبي جمرة يحتمل ان يكون المراد بتقارب الزمان قصره على ما وقع في حديث لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر وعلى هذا فالقصر يحتمل ان يكون حسيا ويحتمل ان يكون معنويا اما الحسي فلم يظهر بعد ولعله من الامور التي تكون قرب قيام الساعة واما المعنوي فله مدة منذ ظهر يعرف ذلك أهل العلم الديني ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي فانهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم ان يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك ويشكون ذلك ولا يدرون العلة فيه ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الايمان لظهور الامور المخالفة للشرع من عدة أوجه وأشد ذلك الاقوات ففيها من الحرام المحض ومن الشبه ما لا يخفى حتى ان كثيرا من الناس لا يتوقف في شئ ومهما قدر على تحصيل شئ هجم عليه ولا يبالي والواقع ان البركة في الزمان وفي الرزق وفي النبت انما يكون من طريق قوة الايمان واتباع الامر واجتناب النهي والشاهد لذلك قوله تعالى ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض انتهى ملخصا وقال البيضاوي يحتمل ان يكون المراد بتقارب الزمان تسارع الدول إلى الانقضاء والقرون إلى الانقراض فيتقارب زمانهم وتتدانى ايامهم واما قول بن بطال ان بقية الحديث لا تحتاج إلى تفسير فليس كما قال فقد اختلف أيضا فيه المراد بقوله ينقص العلم فقيل المراد نقص علم كل عالم بأن يطرأ عليه النسيان مثلا وقيل نقص العلم بموت أهله فكلما مات عالم في بلد ولم يخلفه غيره نقص العلم من تلك البلد واما نقص العمل فيحتمل ان يكون بالنسبة لكل فرد فرد فان العامل إذا دهمته الخطوب ألهته عن أورداه وعبادته ويحتمل ان يراد به ظهور الخيانة في الامانات والصناعات قال بن أبي جمرة نقص العمل الحسي ينشأ عن نقص الدين ضرورة واما المعنوي فبحسب ما يدخل من الخلل بسبب سوء المطعم وقلة المساعد على العمل والنفس ميالة إلى الراحة وتحن إلى جنسها ولكثرة شياطين الانس الذين هم أضر من شياطين الجن واما قبض العلم فسيأتي بسط القول فيه في كتاب الاعتصام ان شاء الله تعالى وأما قوله ويلقى الشح فالمراد القاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم حتى يبخل العالم بعلمه فيترك التعليم والفتوى ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير وليس المراد وجود أصل الشح لانه لم يزل موجودا والمحفوظ في الروايات يلقى بضم أوله من الرباعي وقال الحميدي لم تضبط الرواة هذا الحرف ويحتمل ان يكون بفتح اللام وتشديد القاف أي يتلقى ويتعلم ويتواصى به كما في قوله ولا يلقاها الا الصابرون قال والرواية بسكون اللام مخففا تفسد المعنى لان الالقاء بمعنى الترك ولو ترك لم يكن موجودا وكان مدحا والحديث ينبئ بالذم قلت وليس المراد بالالقاء هنا أن الناس يلقونه وانما أنه يلقى إليهم أي يوقع في قلوبهم ومنه اني ألقي الي كتاب كريم قال الحميدي ولو قيل بالفاء مع التخفيف لم يستقم لانه لم يزل موجودا قلت لو ثبتت الرواية بالفاء لكان مستقيما والمعنى أنه يوجد كثيرا مستفيضا عند كل أحد كما تقدمت الاشارة إليه وقال القرطبي في التذكرة يجوز أن يكون يلقي بتخفيف اللام والفاء أي يترك لاجل كثرة المال
[ 15 ]
وافاضته حتى يهم ذا المال من يقبل صدقته فلا يجد ولا يجوز أن يكون بمعنى يوجد لانه ما زال موجودا كذا جزم به وقد تقدم ما يرد عليه وأما قوله وتظهر الفتن فالمراد كثرتها واشتهارها وعدم التكاتم بها والله المستعان قال بن أبي جمرة يحتمل ان يكون القاء الشح عاما في الاشخاص والمحذور من ذلك ما يترتب عليه مفسدة والشحيح شرعا هو من يمنع ما وجب عليه وامساك ذلك ممحق للمال مذهب لبركته ويؤيده ما نقص مال من صدقة فان أهل المعرفة فهموا منه ان المال الذي يخرج منه الحق الشرعي لا يلحقه آفة ولا عاهة بل يحصل له النماء ومن ثم سميت الزكاة لان المال ينمو بها ويحصل فيه البركة انتهى ملخصا قال واما ظهور الفتن فالمراد بها ما يؤثر في أمر الدين وأما كثرة القتل فالمراد بها ما لا يكون على وجه الحق كاقامة الحد والقصاص الحديث الثاني والثالث (6653) قوله حدثنا مسدد حدثنا عبيد الله بن موسى كذا وقع عند أبي ذر عن شيوخه في نسخة معتمدة وسقط في غيرها وقال عياض ثبت للقابسي عن أبي زيد المروزي وسقط مسدد للباقين وهو الصواب قلت وعليه اقتصر أصحاب الاطراف قوله شقيق هو أبو وائل قوله كنت مع عبد الله هو بن مسعود وأبو موسى هو الاشعري قوله فقالا يظهر من الروايتين اللتين بعدها أن الذي تلفظ بذلك هو أبو موسى لقوله في روايته فقال أبو موسى فذكره ولا يعارض ذلك الرواية الثالثة من طريق واصل عن أبي وائل عن عبد الله وأحسبه رفعه قال بين يدي الساعة فذكره لاحتمال ان يكون أبو وائل سمعه من عبد الله أيضا لدخوله في قوله في رواية الاعمش قالا وقد اتفق أكثر الرواة عن الاعمش على أنه عن عبد الله وأبي موسى معا ورواه أبو معاوية عن الاعمش فقال عن أبي موسى ولم يذكر عبد الله أخرجه مسلم وأشار بن أبي خيثمة إلى ترجيح قول الجماعة واما رواية عاصم المعلقة التي ختم بها الباب فلولا أنه دون الاعمش وواصل في الحفظ لكانت روايته هي المعتمدة لانه جعل لكل من أبي موسى و عبد الله لفظ متن غير الآخر لكن يحتمل ان يكون المتن الآخر كان عند عبد الله بن مسعود مع المتن الاول قوله ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم معناه ان العلم يرتفع بموت العلماء فكلما مات عالم ينقص العلم بالنسبة إلى فقد حامله وينشأ عن ذلك الجهل بما كان ذلك العالم ينفرد به عن بقية العلماء قوله ان بين يدي الساعة لاياما في رواية الكشميهني بحذف اللام قوله ويكثر فيها الهرج والهرج القتل كذا في هاتين الروايتن وزاد في الرواية الثالثة وهي رواية جرير بن عبد الحميد عن الاعمش والهرج بلسان الحبشة القتل ونسب التفسير في رواية واصل لابي موسى وأصل الهرج في اللغة العربية الاختلاط يقال هرج الناس اختلطوا واختلفوا وهرج القوم في الحديث إذا كثروا وخلطوا وأخطا من قال نسبة تفسير الهرج بالقتل للسان الحبشة وهم من بعض الرواة والا فهي عربية صحيحة ووجه الخطأ انها لا تستعمل في اللغة العربية بمعنى القتل الاعلى طريق المجاز لكون الاختلاط مع الاختلاف يفضي كثيرا إلى القتل وكثيرا ما يسمى الشئ باسم ما يؤول إليه واستعمالها في القتل بطريق الحقيقة هو بلسان الحبش وكيف يدعى على مثل أبي موسى الاشعري الوهم في تفسير لفظة لغوية بل الصواب معه واستعمال العرب الهرج بمعنى القتل لا يمنع كونها لغة الحبشة وان ورد استعمالها في الاختلاط والاختلاف كحديث معقل بن يسار رفعه العبادة في الهرج كهجرة إلى أخرجه مسلم وذكر صاحب المحكم
[ 16 ]
للهرج معاني أخرى ومجموعها تسعة شدة القتل وكثرة القتل والاختلاط والفتنة في آخر الزمان وكثرة النكاح وكثرة الكذب وكثرة النوم وما يرى في النوم غير منضبط وعدم الاتقان للشئ وقال الجوهري أصل الهرج الكثرة في الشئ يعني حتى لا يتميز قوله في رواية واصل وأحسبه رفعه زاد في رواية القواريري عن غندر ان النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه الاسماعيلي وكذا أخرجه أحمد عن غندر ومحمد شيخ البخاري فيه لم ينسب عند الاكثر ونسبه أبو ذر في روايتة محمد ابن بشار قوله وقال أبو عوانة عن عاصم هو بن أبي النجود القارئ المشهور ووجدت لابي عوانة عن عاصم في المعنى سندا آخر أخرجه بن أبي خيثمة عن عفان وأبي الوليد جميعا عن أبي عوانة عن عاصم عن شقيق عن عروة بن قيس عن خالد بن الوليد فذكر قصة فيها فاولئك الايام التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة أيام الهرج وذكر فيه ان الفتنة تدهش حتى ينظر الشخص هل يجد مكانا لم ينزل به فلا يجد وقد وافقه على حديث بن مسعود الاخير زائدة أخرجه الطبراني من طريقه عن عاصم عن شقيق عن عبد الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء الحديث قوله انه قال لعبد الله يعني بن مسعود تعلم الايام التي ذكر إلى قوله نحوه يريد نحو الحديث المذكور بين يدي الساعة أيام الهرج وقد رواه الطبراني من طريق زائدة عن عاصم مقتصرا على حديث بن مسعود المرفوع دون القصة ووقع عند أحمد وابن ماجة من رواية الحسن البصري عن اسيد بن المتشمس عن أبي موسى في المرفوع زيادة قال رجل يا رسول الله انا نقتل في العام الواحد من المشركين كذا وكذا فقال ليس بقتلكم المشركين ولكن بقتل بعضكم بعضا الحديث قوله وقال بن مسعود هو بالسند المذكور قوله من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء قال بن بطال هذا وان كان لفظ العموم فالمراد به الخصوص ومعناه ان الساعة تقوم في الاكثر والاغلب على شرار الناس بدليل قوله لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة فدل هذا الخبر ان الساعة تقوم أيضا على قوم فضلاء قلت ولا يتعين ما قال فقد جاء ما يؤيد العموم المذكور كقوله في حديث بن مسعود أيضا رفعه لا تقوم الساعة الا على شرار الناس أخرجه مسلم ولمسلم أيضا من حديث أبي هريرة رفعه ان الله يبعث ريحا من اليمن الين من الحرير فلا تدع أحدا في قلبه مثقال ذرة من ايمان الا قبضته وله في آخر حديث النواس من سمعان الطويل في قصة الدجال وعيسى ويأجوج ومأجوج إذ بعث الله ريحا طيبة فتقبض روح كل مؤمن ومسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة وقد اختلفوا في المراد بقوله يتهارجون فقيل يتسافدون وقيل يتثاورون والذي يظهر انه هنا بمعنى يتقاتلون أو لاعم من ذلك ويؤيد حمله على التقاتل حديث الباب ولمسلم أيضا لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله وهو عند أحمد بلفظ على أحد يقول لا إله إلا الله والجمع بينه وبين حديث لا تزال طائفة حمل الغاية في حديث لا تزال طائفة على وقت هبوب الريح الطيبة التي تقبض روح كل مؤمن ومسلم فلا يبقى الا الشرار فتهجم الساعة عليهم بغتة كما سيأتي بيانه بعد قليل (0) قوله باب لا يأتي زمان الا الذي بعده شر منه كذا ترجم بالحديث الاول وأورد فيه حديثين الاول (6657) قوله سفيان هو الثوري والزبير بن عدي بفتح العين بعدها دال وهو كوفي همداني بسكون الميم ولي قضاء الري ويكنى
[ 17 ]
أبا عدي وهو من صغار التابعين وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وقد يلتبس به راو قريب من طبقته وهو الزبير بن عربي بفتح العين والراء بعدها موحدة مكسورة وهو اسم بلفظ النسب بصري يكنى أبا سلمة وليس له في البخاري سوى حديث واحد تقدم في الحج من روايته عن بن عمر وتقدمت الاشارة إلى شئ من ذلك هناك من كلام الترمذي قوله أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون فيه التفات ووقع في رواية الكشميهني فشكوا وهو على الجادة ووقع في رواية بن أبي مريم عن الفريابي شيخ البخاري فيه عند أبي نعيم نشكو بنون بدل الفاء وفي رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عند الاسماعيلي شكونا إلى أنس ما نلقى من الحجاج قوله من الحجاج أي بن يوسف الثقفي الامير المشهور والمراد شكواهم ما يلقون من ظلمه لهم وتعديه وقد ذكر الزبير في الموفقيات من طريق مجالد عن الشعبي قال كان عمر فمن بعده إذا أخذوا العاصي أقاموه للناس ونزعوا عمامته فلما كان زياد ضرب في الجنايات بالسياط ثم زاد مصعب بن الزبير حلق اللحية فلما كان بشر بن مروان سمر كف الجاني بمسمار فلما قدم الحجاج قال هذا كله لعب فقتل بالسيف قوله فقال اصبروا زاد عبد الرحمن بن مهدي في روايته اصبروا عليه قوله فإنه لا يأتي عليكم زمان في رواية عبد الرحمن بن مهدي لا يأتيكم عام وبهذا اللفظ أخرج الطبراني بسند جيد عن بن مسعود نحو هذا الحديث موقوفا عليه قال ليس عام الا والذي بعده شر منه وله عنه بسند صحيح قال امس خير من اليوم واليوم خير من غد وكذلك حتى تقوم الساعة قوله الا والذي بعده كذا لابي ذر وسقطت الواو للباقين وثبتت لابن مهدي قوله أشر منه كذا لابي ذر والنسفي وللباقين بحذف الالف وعلى الاول شرح بن التين فقال كذا وقع أشر بوزن أفعل وقد قال في الصحاح فلان شر من فلان ولا يقال أشر الا في لغة رديئة ووقع في رواية محمد بن القاسم الاسدي عن الثوري ومالك بن مغول ومسعر وابن سنان الشيباني أربعتهم عن الزبير بن عدي بلفظ لا يأتي على الناس زمان الا شر من الزمان الذي كان قبله سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه الاسماعيلي وكذا أخرجه بن منده من طريق مالك بن مغول بلفظ الا وهو شر من الذي قبله وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير من رواية مسلم بن إبراهيم عن شعبة عن الزبير بن عدي وقال تفرد به مسلم عن شعبة قوله حتى تلقوا ربكم أي حتى تموتوا وقد ثبت في صحيح وسلم في حديث آخر واعلموا انكم لن تروا ربكم حتى تموتوا قوله سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم في رواية أبي نعيم سمعت ذلك قال بن بطال هذا الخبر من أعلام النبوة لاخباره صلى الله عليه وسلم بفساد الاحوال وذلك من الغيب الذي لا يعلم بالرأي وانما يعلم بالوحي انتهى وقد استشكل هذا الاطلاق مع ان بعض الازمنة تكون في الشر دون التي قبلها ولو لم يكن في ذلك الا زمن عمر بن عبد العزيز وهو بعد زمن الحجاج بيسير وقد اشتهر الخبر الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز بل لو قيل ان الشر اضمحل في زمانه لما كان بعيدا فضلا عن ان يكون شرا من الزمن الذي قبله وقد حمله الحسن البصري على الاكثر الاغلب فسئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج فقال لا بد للناس من تنفيس وأجاب بعضهم أن المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر فان عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الاحياء وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي
[ 18 ]
بعده لقوله صلى الله عليه وسلم خير القرون قرني وهو في الصحيحين وقوله أصحابي أمنة لامتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون أخرجه مسلم ثم وجدت عن عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد وهو أولى بالاتباع فأخرج يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول لا يأتي عليكم يوم الا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة لست أعني رخاء من العيش يصيبه ولا مالا يفيده ولكن لا يأتي عليكم يوم الا وهو أقل علما من اليوم الذي مضى قبله فإذا ذهب العلماء استوى الناس فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر فعند ذلك يهلكون ومن طريق أبي إسحاق عن أبي الاحوص عن بن مسعود إلى قوله شر منه قال فأصابتنا سنة خصب فقال ليس ذلك أعني انما أعني ذهاب العلماء ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال لا يأتي عليكم زمان الا وهو أشر مما كان قبله اما أني لا أعني أميرا خيرا من أمير ولا عاما خيرا من عام ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا ويجئ قوم يفتون برأيهم وفي لفظ عنه من هذا الوجه وما ذاك بكثرة الامطار وقلتها ولكن بذهاب العلماء ثم يحدث قوم يفتون في الامور برأيهم فيثلمون الاسلام ويهدمونه وأخرج الدارمي الاول من طريق الشعبي بلفظ لست أعني عاما أخصب من عام والباقي مثله وزاد وخياركم قبل قوله وفقهاؤكم واستشكلوا أيضا زمان عيسى بن مريم بعد زمان الدجال وأجاب الكرماني بأن المراد الزمان الذي يكون بعد عيسى أو المراد جنس الزمان الذي فيه الامراء والا فمعلوم من الدين بالضرورة ان زمان النبي المعصوم لا شر فيه قلت ويحتمل ان يكون المراد بالازمنة ما قبل وجود العلامات العظام كالدجال وما بعده ويكون المراد بالازمنة المتفاضلة في الشر من زمن الحجاج فما بعده إلى زمن الدجال واما زمن عيسى عليه السلام فله حكم مستأنف والله أعلم ويحتمل ان يكون المراد بالازمنة المذكورة أزمنة الصحابة بناء على انهم هم المخاطبون بذلك فيختص بهم فأما من بعدهم فلم يقصد في الخبر المذكور لكن الصحابي فهم التعميم فلذلك أجاب من شكا إليه الحجاج بذلك وأمرهم بالصبر وهم أو جلهم من التابعين واستدل بن حبان في صحيحه بأن حديث أنس ليس على عمومه بالاحاديث الواردة في المهدي وانه يملا الارض عدلا بعد أن ملئت جورا ثم وجدت عن بن مسعود ما يصلح أن يفسر به الحديث وهو ما أخرجه الدارمي بسند حسن عن عبد الله قال لا يأتي عليكم عام الا وهو شر من الذي قبله أما أني لست أعني عاما الحديث الثاني (6658) قوله وحدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس وأخوه هو أبو بكر عبد الحميد ومحمد بن أبي عتيق هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الله بن أبي بكر نسب لجده هكذا عطف هذا الاسناد النازل على الذي قبله وهو أعلى منه بدرجتين لانه أورد الاول مجردا في آخر كتاب الادب بتمامه فلما أورده هنا عنه أردفه بالسند الآخر وساقه على لفظ السند الثاني وابن شهاب شيخ بن أبي عتيق هو الزهري شيخ شعيب قوله هند بنت الحارث الفراسية بكسر الفاء بعدها راء وسين مهملة نسبة إلى بني فراس بطن من كنانة وهم أخوة قريش وكانت هند زوج معبد بن المقداد وقد قيل ان لها صحبة وتقدم شئ من ذلك في كتاب العلم قوله استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فزعا بنصب ليلة وفزعا بكسر الزاي على الحال ووقع في رواية سفيان بن عيينة عن معمر كما مضى في العلم استيقظ ذات ليلة وتقدم هناك الكلام على لفظ ذات ورواية هذا
[ 19 ]
الباب تؤيد أنها زائدة وفي رواية هشام بن يوسف عن معمر في قيام الليل مثل الباب لكن بحذف فزعا وفي رواية شعيب يحذفهما قوله يقول سبحان الله في رواية سفيان فقال سبحان الله وفي رواية بن المبارك عن معمر في اللباس استيقظ من الليل وهو يقول لا إله إلا الله قوله ماذا أنزل الله من الخزائن وماذا انزل الليلة من الفتن في رواية غير الكشميهني وماذا أنزل بضم الهمزة وفي رواية سفيان ماذا انزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن وفي رواية شعيب ماذا أنزل من الخزائن وماذا انزل من الفتن وفي رواية بن المبارك مثله لكن بتقديم وتأخير وقال من الفتنة بالافراد وقد تقدم الكلام على المراد بالخزائن وما ذكر معها في كتاب العلم وما استفهامية فيها معنى التعجب قوله من يوقظ صواحب الحجرات كذا للاكثر وفي رواية سفيان ايقظوا بصيغة الامر مفتوح الاول مكسور الثالث وصواحب بالنصب على المفعولية وجوز الكرماني أيقظوا بكسر أوله وفتح ثالثه وصواحب منادى ودلت رواية ايقظوا على ان المراد بقوله من يوقظ التحريض على ايقاظهن قوله يريد أزواجه لكي يصلين في رواية شعيب حتى يصلين وخلت سائر الروايات من هذه الزيادة قوله رب كاسية في الدنيا في رواية سفيان فرب بزيادة فاء في أوله وفي رواية بن المبارك يا رب كاسية بزيادة حرف النداء في أوله وفي رواية هشام كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة وهو يؤيد ما ذهب إليه بن مالك من ان رب أكثر ما ترد للتكثير فإنه قال أكثر النحويين انها للتقليل وان معنى ما يصدر بها المضي والصحيح ان معناها في الغالب التكثير وهو مقتضى كلام سيبويه فإنه قال في باب كم واعلم ان كم في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه رب لان المعنى واحد الا ان كم اسم ورب غير اسم انتهى ولا خلاف ان معنى كم الخبرية التكثير ولم يقع في كتابه ما يعارض ذلك فصح ان مذهبه ما ذكرت وحديث الباب شاهد لذلك فليس مراده ان ذلك قليل بل المتصف بذلك من النساء كثير ولذلك لو جعلت كم موضع رب لحسن انتهى وقد وقعت كذلك في نفس هذا الحديث كما بينته ومما وردت فيه للكثير قول حسان رب حلم أضاعه عدم الما ل وجهل غطى عليه النعيم وقول عدي رب مأمول وراج أملا قد ثناه الدهر عن ذاك الامل قال والصحيح أيضا ان الذي يصدر برب لا يلزم كونه ماضى المعنى بل يجوز مضيه وحضوره واستقباله وقد اجتمع في الحديث الحضور والاستقبال وشواهد الماضي كثيرة انتهى ملخصا واما تصدير رب بحرف النداء في رواية بن المبارك فقيل المنادى فيه محذوف والتقدير يا سامعين قوله عارية في الآخرة قال عياض الاكثر بالخفض على الوصف المجرور برب وقال غيره الاولى الرفع على إضمار مبتدأ والجملة في موضع النعت أي هي عارية والفعل الذي يتعلق به رب محذوف وقال السهيلي الاحسن الخفض على النعت لان رب حرف جر يلزم صدر الكلام وهذا رأي سيبويه وعند الكسائي هو اسم مبتدأ والمرفوع خبره واليه كان يذهب بعض شيوخنا انتهى واختلف في المراد بقوله كاسية وعارية على أوجه أحدها كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا ثانيها كاسية بالثياب لكنها شفافة لا تستر عورتها فتعاقب في الآخرة بالعري جزاء على ذلك ثالثها كاسية من نعم الله عارية
[ 20 ]
من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب رابعها كاسية جسدها لكنها تشد خمارها من ورائها فيبدو صدرها فتصير عارية فتعاقب في الآخرة خامسها كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح عارية في الآخرة من العمل فلا ينفعها صلاح زوجها كما قال تعالى فلا انساب بينهم ذكر هذا الاخير الطيبي ورجحه لمناسبة المقام واللفظة وان وردت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لكن العبرة بعموم اللفظ وقد سبق لنحوه الداودي فقال كاسية للشرف في الدنيا لكونها أهل التشريف وعارية يوم القيامة قال ويحتمل ان يراد عارية في النار قال بن بطال في هذا الحديث ان الفتوح في الخزائن تنشأ عنه فتنة المال بأن يتنافس فيه فيقع القتال بسببه وان يبخل به فيمنع الحق أو يبطر صاحبه فيسرف فأراد صلى الله عليه وسلم تحذير أزواجه من ذلك كله وكذا غيرهن ممن بلغه ذلك وأراد بقوله من يوقظ بعض خدمه كما قال يوم الخندق من يأتيني بخبر القوم وأراد أصحابه لكن هناك عرف الذي انتدب كما تقدم وهنا لم يذكر وفي الحديث الندب إلى الدعاء والتضرع عند نزول الفتنة ولا سيما في الليل لرجاء وقت الاجابة لتكشف أو يسلم الداعي ومن دعى له وبالله التوفيق (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من حمل علينا السلاح فليس منا ذكره من حديث بن عمر ومن حديث أبي موسى وأورد معهما في الباب ثلاثة أحاديث أخرى الاول والثاني قوله من حمل علينا السلاح في حديث سلمة بن الاكوع عند مسلم من سل علينا السيف ومعنى الحديث حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حق لما في ذلك من تخويفهم وإدخال الرعب عليهم وكأنه كنى بالحمل عن المقاتلة أو القتل للملازمة الغالبة قال بن دقيق العيد يحتمل ان يراد بالحمل ما يضاد الوضع ويكون كناية عن القتال به ويحتمل ان يراد بالحمل حمله لارادة القتال به لقرينه قوله علينا ويحتمل ان يكون المراد حمله للضرب به وعلى كل حال ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه قلت جاء الحديث بلفظ من شهر علينا السلاح أخرجه البزار من حديث أبي بكرة ومن حديث سمرة ومن حديث عمرو بن عوف وفي سند كل منها لين لكنها يعضد بعضها بعضا وعند أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ من رمانا بالنبل فليس منا وهو عند الطبراني في الاوسط بلفظ الليل بدل النبل وعند البزار من حديث بريدة مثله قوله فليس منا أي ليس على طريقتنا أو ليس متبعا لطريقتنا لان من حق المسلم على المسلم ان ينصره ويقاتل دونه لا ان يرعبه بحمل السلاح عليه لارادة قتاله أو قتله ونظيره من غشنا فليس منا وليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب وهذا في حق من لا يستحل ذلك فاما من يستحله فإنه يكفر باستحلال المحرم بشرطه لا مجرد حمل السلاح والاولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر وكان سفيان بن عيينة ينكر على من يصرفه عن ظاهره فيقول معناه ليس على طريقتنا ويرى ان الامساك عن تأويله أولى لما ذكرناه والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحق فيحمل على البغاة وعلى من بدأ بالقتال ظالما الحديث الثالث (6661) قوله حدثنا محمد أخبرنا عبد الرزاق كذا في الاصول التي وقفت عليها وكذا ذكر أبو علي الجياني أنه وقع هنا وفي العتق حدثنا محمد غير منسوب عن عبد الرزاق وان الحاكم جزم بأنه محمد بن يحيى الذهلي إلى آخر كلامه ويحتمل ان يكون محمد هنا هو بن رافع فان مسلما أخرج هذا الحديث عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج
[ 21 ]
من مسند إسحاق بن راهويه ثم قال أخرجه البخاري عن إسحاق ولم أر ذلك لغير أبي نعيم ويدل على وهمه ان في رواية إسحاق عن عبد الرزاق حدثنا معمر والذي في البخاري عن معمر قوله لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح كذا فيه بإثبات الياء وهو نفي بمعنى النهي ووقع لبعضهم لا يشر بغير ياء وهو بلفظ النهي وكلاهما جائز قوله فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده بالغين المعجمة قال الخليل في العين نزغ الشيطان بين القوم نزغا حمل بعضهم على بعض بالفساد ومنه من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي وفي رواية الكشميهني بالعين المهملة ومعناه قلع ونزع بالسهم رمى به والمراد انه يغري بينهم حتى يضرب أحدهما الآخر بسلاحه فيحقق الشيطان ضربته له وقال بن التين معنى ينزعه يقلعه من يده فيصيب به الآخر أو يشد يده فيصيبه وقال النووي ضبطناه ونقله عياض عن جميع روايات مسلم بالعين المهملة ومعناه يرمي به في يده ويحقق ضربته ومن رواه بالمعجمة فهو من الاغراء أي يزين له تحقيق الضربة قوله فيقع في حفرة من النار هو كناية عن وقوعه في المعصية التي تفضي به إلى دخول النار قال بن بطال معناه ان أنفذ عليه الوعيد وفي الحديث النهي عما يفضي إلى المحذور وان لم يكن المحذور محققا سواء كان ذلك في جد أو هزل وقد وقع في حديث أبي هريرة عند أبي شيبة وغيره مرفوعا من رواية ضمرة بن ربيعة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه الملائكة تلعن أحدكم إذا أشار إلى الآخر بحديدة وان كان أخاه لابيه وأمه وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن أبي هريرة موقوفا من رواية أيوب عن بن سيرين عنه وأخرج الترمذي أصله موقوفا من رواية خالد الحذاء عن بن سيرين بلفظ من أشار إلى أخيه بحديدة لعنته الملائكة وقال حسن صحيح غريب وكذا صححه أبو حاتم من هذا الوجه وقال في طريق ضمرة منكر وأخرج الترمذي بسند صحيح عن جابر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يتعاطى السيف مسلولا ولاحمد والبزار من وجه آخر عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم في مجلس يسلون سيفا يتعاطونه بينهم غير مغمود فقال ألم أزجر عن هذا إذا سل أحدكم السيف فليغمده ثم ليعطيه أخاه ولاحمد والطبراني بسند جيد عن أبي بكرة نحوه وزاد لعن الله من فعل هذا إذا سل أحدكم سيفه فأراد ان يناوله أخاه فليغمده ثم يناوله إياه قال بن العربي إذا استحق الذي يشير بالحديدة اللعن فكيف الذي يصيب بها وانما يستحق اللعن إذا كانت اشارته تهديدا سواء كان جادا أم لاعبا كما تقدم وانما أوخذ اللاعب لما أدخله على أخيه من الروع ولا يخفى ان اثم الهازل دون اثم الجاد وانما نهى عن تعاطي السيف مسلولا لما يخاف من الغفلة عند التناول فيسقط فيؤذي الحديث الرابع حديث جابر (6662) قوله قلت لعمرو يعني بن دينار وقد صرح به في رواية مسلم وعمرو بن دينار هو القائل نعم جوابا لقول سفيان له اسمعت جابرا وقد تقدم البحث في ذلك في أوائل المساجد من كتاب الصلاة قوله في الطريق الثالثة بأسهم هو جمع قلة يدل على ان المراد بقوله في الطريق الاولى بسهام انها سهام قليلة وقد وقع في رواية لمسلم ان المار المذكور كان يتصدق بها (6663) قوله قد بدا في رواية غير الكشميهني ابدي والنصول بضمتين جمع نصل بفتح النون وسكون المهملة ويجمع على نصال بكسر أوله كما في الرواية الاولى والنصل حديدة السهم قوله فأمره ان يأخذ بنصولها يفسر قوله في الرواية الاخرى أمسك بنصالها قوله لا يخدش مسلما بمعجمتين هو تعليل للامر بالامساك على النصال والخدش أول
[ 22 ]
الجراح الحديث الخامس حديث أبي موسى وهو بإسناد من حمل علينا السلاح (6664) قوله إذا مر أحدكم الخ فيه ان الحكم عام في جميع المكلفين بخلاف حديث جابر فإنه واقعة حال لا تستلزم التعميم وقوله فليقبض بكفه أي على النصال وليس المراد خصوص ذلك بل يحرص على ان لا يصيب مسلما بوجهه بوجه من الوجوه كما دل عليه التعليل بقوله ان يصيب أحدا من المسلمين منها بشئ وقوله ان يصيب بها بفتح ان والتقدير كراهية ووقع في رواية مسلم لئلا يصيب بها وهو يؤيد مذهب الكوفيين في تقدير المحذوف في مثله وزاد مسلم في آخر الحديث سددنا بعضنا إلى وجوه بعض وهي بالسين المهملة أي قومناها إلى وجوههم وهي كناية عما وقع من قتال بعضهم بعضا في تلك الحروب الواقعة في الجمل وصفين وفي هذين الحديثين تحريم قتال المسلم وقتله وتغليظ الامر فيه وتحريم تعاطي الاسباب المفضية إلى أذيته بكل وجه وفيه حجة للقول بسد الذرائع (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا الخ ترجم بلفظ ثالث أحاديث الباب وفيه خمسة أحاديث الحديث الاول (6665) قوله حدثنا عمر بن حفص هو بن غياث وشقيق هو أبو وائل والسند كله كوفيون قوله سباب بكسر المهملة وموحدتين وتخفيف مصدر يقال سبه يسبه سبا وسبابا وهذا المتن قد تقدم في كتاب الايمان أول الكتاب من وجه آخر عن أبي وائل وفيه بيان الاختلاف في رفعه ووقفه وتقدم توجيه إطلاق الكفر على قتال المؤمن وان أقوى ما قيل في ذلك انه اطلق عليه مبالغة في التحذير من ذلك لينزجر السامع عن الاقدام عليه أو انه على سبيل التشبيه لان ذلك فعل الكافر كما ذكروا نظيره في الحديث الذي بعده وورد لهذا الحديث سبب أخرجه البغوي والطبراني من طريق أبي خالد الوالبي عن عمرو بن النعمان بن مقرن المزني قال انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجلس من مجالس الانصار ورجل من الانصار كان عرف بالبذاء ومشاتمة الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سباب المسلم فسوق وقتاله كفر زاد البغوي في روايته فقال ذلك الرجل والله لا أساب رجلا الحديث الثاني (6666) قوله واقد بن محمد أي بن زيد بن عبد الله بن عمر قوله لا ترجعون بعدي كذا لابي ذر بصيغة الخبر وللباقين لا ترجعوا بصيغة النهي وهو المعروف قوله كفارا تقدم بيان المراد به في أوائل كتاب الديات وجملة الاقوال فيه ثمانية ثم وقفت على تاسع وهو ان المراد ستر الحق والكفر لغة الستر لان حق المسلم على المسلم ان ينصره ويعينه فلما قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه وعاشر وهو ان الفعل المذكور يفضي إلى الكفر لان من اعتاد الهجوم على كبار المعاصي جره شؤم ذلك إلى أشد منها فيخشى ان لا يختم له بخاتمة الاسلام ومنهم من جعله من لبس السلاح يقول كفر فوق درعه إذا لبس فوقها ثوبا وقال الداودي معناه لا تفعلوا بالمؤمنين ما تفعلون بالكفار ولا تفعلوا بهم ما لا يحل وأنتم ترونه حراما قلت وهو داخل في المعاني المتقدمة واستشكل بعض الشراح غالب هذه الاجوبة بأن راوي الخبر وهو أبو بكرة فهم خلاف ذلك والجواب ان فهمه ذلك انما يعرف من توقفه عن القتال واحتجاجه بهذا الحديث فيحتمل ان يكون توقفه بطريق الاحتياط لما يحتمله ظاهر اللفظ ولا يلزم ان يكون يعتقد حقيقة كفر من باشر ذلك ويؤيده أنه لم يمتنع من الصلاة خلفهم ولا امتثال اوامرهم ولا غير ذلك مما يدل على انه يعتقد فيهم حقيقته والله المستعان قوله يضرب بعضكم
[ 23 ]
رقاب بعض بجزم يضرب على انه جواب النهي وبرفعه على الاستئناف أو يجعل حالا فعلى الاول يقوى الحمل على الكفر الحقيقي ويحتاج إلى التأويل بالمستحل مثلا وعلى الثاني لا يكون متعلقا بما قبله ويحتمل ان يكون متعلقا وجوابه ما تقدم الحديث الثالث (6667) قوله يحيى هو بن سعيد الفطان والسند كله بصريون قوله بن سيرين هو محمد قوله وعن رجل آخر هو حميد بن عبد الرحمن الحميري كما وقع مصرحا به في باب الخطبة أيام منى من كتاب الحج وقد تقدم شرح الخطبة المذكورة في كتاب الحج وقوله أبشاركم بموحدة ومعجمة جمع بشرة وهو ظاهر جلد الانسان واما البشر الذي هو الانسان فلا يثنى ولا يجمع واجازه بعضهم لقوله تعالى فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقوله فإنه الهاء ضمير الشأن وقوله رب مبلغ بفتح اللام الثقيلة ويبلغه بكسرها وقوله من هو في رواية الكشميهني لمن هو قوله أوعى له زاد في رواية الحج منه قوله فكان كذلك هذه جملة موقوفة من كلام محمد بن سيرين تخللت بين الجمل المرفوعة كما وقع التنبيه عليه واضحا في باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب من كتاب العلم قوله قال لا ترجعوا هو بالسند المذكور من رواية محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة وقد قال البزار بعد تخريجه بطوله لا نعلم من رواه بهذا اللفظ الا قرة عن محمد بن سيرين قوله فلما كان يوم حرق بن الحضرمي في رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن يحيى القطان عند الاسماعيلي قال فلما كان وفاعل قال هو عبد الرحمن بن أبي بكرة وحرق بضم أوله على البناء للمجهول ووقع في خط الدمياطي الصواب أحرق وتبعه بعض الشراح وليس الآخر بخطأ بل جزم أهل اللغة باللغتين أحرقه وحرقه والتشديد للتكثير والتقدير هنا يوم حرق بن الحضرمي ومن معه وابن الحضرمي فيما ذكره العسكري اسمه عبد الله بن عمرو بن الحضرمي وأبوه عمرو هو أول من قتل من المشركين يوم بدر وعلى هذا فلعبد الله رؤية وقد ذكره بعضهم في الصحابة ففي الاستيعاب قال الواقدي ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عن عمر وعند المدائني انه عبد الله بن عامر الحضرمي وهو بن عمرو المذكور والعلاء بن الحضرمي الصحابي المشهور عمه واسم الحضرمي عبد الله بن عماد وكان حالف بني أمية في الجاهلية وأم بن الحضرمي المذكور ارنب بنت كريز بن ربيعة وهي عمة عبد الله بن عامر بن كريز الذي كان أمير البصرة في زمن عثمان قوله حين حرقه جارية بجيم وتحتانية بن قدامة أي بن مالك بن زهير بن الحصين التميمي السعدي وكان السبب في ذلك ما ذكره العسكري في الصحابة كان جارية يلقب محرقا لانه أحرق بن الحضرمي بالبصرة وكان معاوية وجه بن الحضرمي إلى البصرة ليستنفرهم على قتال علي فوجه علي جارية بن قدامة وحصره فتحصن منه بن الحضرمي في دار فأحرقها جارية عليه وذكر الطبري في حوادث سنة ثمان وثلاثين من طريق أبي الحسن المدائني وكذا أخرجه عمر بن شبة في أخبار البصرة ان عبد الله بن عباس خرج من البصرة وكان عاملها لعلي واستخلف زياد بن سمية على البصرة فأرسل معاوية عبد الله بن عمرو بن الحضرمي ليأخذ له البصرة فنزل في بني تميم وانضمت إليه العثمانية فكتب زياد إلى علي يستنجده فأرسل إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي فقتل غلية فبعث علي بعده جارية بن قدامة فحاصر بن الحضرمي في الدار التي نزل فيها ثم أحرق الدار عليه وعلى من معه وكانوا سبعين رجلا أو أربعين وأنشد في ذلك أشعارا فهذا هو المعتمد واما ما حكاه بن بطال عن المهلب
[ 24 ]
ان بن الحضرمي رجل امتنع من الطاعة فأخرج إليه جارية بن قدامة فصلبه على جذع ثم ألقى النار في الجذع الذي صلب عليه فما أدري ما مستنده فيه وكأنه قاله بالظن والذي ذكره الطبري هو الذي ذكره أهل العلم بالاخبار وكان الاحنف يدعو جارية عما اعظاما له قاله الطبري ومات جارية في خلافة يزيد بن معاوية قاله بن حبان ويقال انه جويرية بن قدامة الذي روى قصة قتل عمر كما تقدم قوله قال اشرفوا على أبي بكرة أي اطلعوا من مكان مرتفع فرأوه زاد البزار عن يحيى بن حكيم عن القطان وهو في حائط له قوله فقالوا هذا أبو بكرة يراك قال المهلب لما فعل جارية بابن الحضرمي ما فعل أمر جارية بعضهم ان يشرفوا على أبي بكرة ليختبر ان كان محاربا أو في الطاعة وكان قد قال له خيثمة هذا أبو بكرة يراك وما صنعت بابن الحضرمي فربما انكر عليك بسلاح أو بكلام فلما سمع أبو بكرة ذلك وهو في علية له قال لو دخلوا علي داري ما رفعت عليهم قصبة لاني لا أرى قتال المسلمين فكيف ان أقاتلهم بسلاح قلت ومقتضى ما ذكره أهل العلم بالاخبار كالمدائني ان بن عباس كان استنفر أهل البصرة بأمر علي ليعاودوا محاربة معاوية بعد الفراغ من أمر التحكيم ثم وقع أمر الخوراج فسار بن عباس إلى علي فشهد معه النهروان فأرسل بعض عبد القيس في غيبته إلى معاوية يخبره ان بالبصرة جماعة من العثمانية ويسأله توجيه رجل يطلب بدم عثمان فوجه بن الحضرمي فكان من أمره ما كان فالذي يظهر أن جارية بن قدامة بعد أن غلب وحرق بن الحضرمي ومن معه استنفر الناس بأمر علي فكان من رأي أبي بكرة ترك القتال في الفتنة كرأي جماعة من الصحابة فدل بعض الناس على أبي بكرة ليلزموه الخروج إلى القتال فأجابهم بما قال قوله قال عبد الرحمن هو بن أبي بكرة الراوي وهو موصول بالسند المذكور قوله فحدثتني أمي هي هالة بنت غليظ العجلية ذكر ذلك خليفة بن خياط في تاريخه وتبعه أبو أحمد الحاكم وجماعة وسمى بن سعد أمه هولة والله أعلم وذكر البخاري في تاريخه وابن سعد أن عبد الرحمن كان أول مولود ولد بالبصرة بعد أن بنيت وأرخها بن زيد سنة أربع عشرة وذلك في أوائل خلافة عمر رضى الله عنه قوله لو دخلوا علي بتشديد الياء قوله ما بهشت بكسر الهاء وسكون المعجمة وللكشميهني بفتح الهاء وهما لغتان والمعنى ما دافعتهم يقال بهش بعض القوم إلى بعض إذا تراموا للقتال فكأنه قال ما مددت يدي إلى قصبة ولا تناولتها لادافع بها عني وقال بن التين ما قمت إليهم بقصبة يقال بهش له إذا ارتاح له وخف إليه وقيل معناه ما رميت وقيل معناه ما تحركت وقال صاحب النهاية المراد ما أقبلت إليهم مسرعا أدفعهم عني ولا بقصبة ويقال لمن نظر إلى شئ واعجبه واشتهاه أو أسرع إلى تناوله بهش إلى كذا ويستعمل أيضا في الخير والشر يقال بهش إلى معروف فلان في الخير وبهش إلى فلان تعرض له بالشر ويقال بهش القوم بعضهم إلى بعض إذا ابتدروا بالقتال وهذا الذي قاله أبو بكرة يوافق ما وقع عند أحمد من حديث بن مسعود في ذكر الفتنة قلت يا رسول الله فما تأمرني ان أدركت ذلك قال كف يدك ولسانك وادخل دارك قلت يا رسول الله أرأيت ان دخل رجل علي داري قال فادخل بيتك قال قلت أفرأيت ان دخل علي بيتي قال فادخل مسجدك وقبض بيمينه على الكوع وقل ربي الله حتى تموت على ذلك وعند الطبراني من حديث جندب ادخلوا بيوتكم واخملوا ذكركم قال أرأيت ان دخل على أحدنا بيته قال ليمسك بيده وليكن
[ 25 ]
عبد الله المقتول لا القاتل ولاحمد وأبي يعلى من حديث خرشة بن الحر فمن أتت عليه فليمش بسيفه إلى صفاة فليضربه بها حتى ينكسر ثم ليضطجع لها حتى تنجلي وفي حديث أبي بكرة عند مسلم قال رجل يا رسول الله أرأيت ان أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين فجاء سهم أو ضربني رجل بسيف قال يبوء بإثمه واثمك الحديث والاحاديث في هذا المعنى كثيرة الحديث الرابع (6668) قوله محمد بن فضيل عن أبيه هو بن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي قوله لا ترتدوا تقدم في الحج من وجه آخر عن فضيل بلفظ لا ترجعوا وساقه هناك أتم الحديث الخامس حديث جرير وهو بن عبد الله البجلي قوله لا ترجعوا كذا للاكثر وفي رواية الكشميهني لا ترجعن بعد العين المهملة المضمومة نون ثقيلة وأصله لا ترجعون وقد تقدم في العلم وفي أواخر المغازي وفي الديات بلفظ لا ترجعوا وليس لابي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده في البخاري الا هذا الحديث وعلي بن مدرك الراوي عنه نخعي كوفي متفق على توثيقه ولا أعرف له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد في المواضع المذكورة (0) قوله باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم كذا ترجم ببعض الحديث وأورده من رواية سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سلمة وهو عمه ومن رواية بن شهاب عن سعيد بن المسيب كلاهما عن أبي هريرة ومن رواية شعيب عن بن شهاب الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وكأنه صحح ان لابن شهاب فيه شيخين ولفظ الحديثين سواء الا ما سأبينه وقد أخرجه في علامات النبوة عن عبد العزيز الاويسي عن إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن بن شهاب عنهما جميعا وكذا أخرجه مسلم من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه ولم يسق البخاري لفظ سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة وساقه مسلم من طريق أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد وفي أوله تكون فتنة النائم فيها خير من اليقظان واليقظان فيها خير من القائم (6670) قوله ستكون فتن في رواية المستملي فتنة بالافراد قوله القاعد فيها خير من القائم زاد الاسماعيلي من طريق الحسن بن إسماعيل الكلبي عن إبراهيم بن سعد بسنده فيه في أوله النائم فيها خير من اليقظان واليقظان فيها خير من القاعد والحسن بن إسماعيل المذكور وثقه النسائي وهو من شيوخه ثم وجدت هذه الزيادة عند مسلم أيضا من رواية أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد وكان أخرجه اولا من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه كرواية محمد بن عبيد الله شيخ البخاري فيه فكأن إبراهيم بن سعد كان يذكره تاما وناقصا ووقع في رواية خرشة بن الحر عند أحمد وأبي يعلى مثل هذه الزيادة وقد وجدت لهذه الزيادة شاهدا من حديث بن مسعود عند أحمد وأبي داود بلفظ النائم فيها خير من المضطجع وهو المراد باليقظان في الرواية المذكورة لانه قابله بالقاعد قوله والماشي فيها خير من الساعي في حديث بن مسعود والماشي فيها خير من الراكب والراكب فيها خير من المجري قتلاها كلها في النار قوله خير من الساعي في حديث أبي بكرة عند مسلم من الساعي إليها وزاد الا فإذا نزلت فمن كانت له ابل فليلحق بابله الحديث قال بعض الشراح في قوله والقاعد فيها خير من القائم أي القاعد في زمانها عنها قال والمراد بالقائم الذي لا يستشرفها وبالماشي من يمشي في أسبابه لامر سواها فربما يقع بسبب مشيه في أمر يكرهه وحكى بن التين عن الداودي ان الظاهر ان المراد من يكون مباشرا لها في الاحوال كلها يعني ان
[ 26 ]
بعضهم في ذلك أشد من بعض فأعلاهم في ذلك الساعي فيها بحيث يكون سببا لاثارتها ثم من يكون قائما باسبابها وهو الماشي ثم من يكون مباشرا لها وهو القائم ثم من يكون مع النظارة ولا يقاتل وهو القاعد ثم من يكون مجتنبا لها ولا يباشر ولا ينظر وهو المضطجع اليقظان ثم من لا يقع منه شئ من ذلك ولكنه راض وهو النائم والمراد بالافضلية في هذه الخيرية من يكون أقل شرا ممن فوقه على التفصيل المذكور قوله من تشرف لها بفتح المثناة والمعجمة وتشديد الراء أي تطلع لها بان يتصدى ويتعرض لها ولا يعرض عنها وضبط أيضا من الشرف ومن الاشراف قوله تستشرفه أي تهلكه بأن يشرف منها على الهلاك يقال استشرفت الشئ علوته وأشرفت عليه يريد من انتصب لها انتصبت له ومن أعرض عنها أعرضت عنه وحاصله ان من طلع فيها بشخصه قابلته بشرها ويحتمل ان يكون المراد من خاطر فيها بنفسه أهلكته ونحوه قول القائل من غالبها غلبته قوله فمن وجد فيها في رواية الكشميهني منها قوله ملجأ أي يلتجئ إليه من شرها قوله أو معاذا بفتح الميم وبالعين المهملة وبالذال المعجمة هو بمعنى الملجأ قال بن التين ورويناه بالضم يعني معاذا قوله فليعذ به أي ليعتزل فيه ليسلم من شر الفتنة وفي رواية سعد بن إبراهيم فليستعذ ووقع تفسيره عند مسلم في حديث أبي بكرة ولفظه فإذا نزلت فمن كان له ابل فليلحق بأبله وذكر الغنم والارض قال رجل يا رسول الله أرأيت من لم يكن له قال يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج ان استطاع وفيه التحذير من الفتنة والحث على اجتناب الدخول فيها وان شرها يكون بحسب التعلق بها والمراد بالفتنة ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل قال الطبري اختلف السلف فحمل ذلك بعضهم على العموم وهم من قعد عن الدخول في القتال بين المسلمين مطلقا كسعد وابن عمر ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة في آخرين وتمسكوا بالظواهر المذكورة وغيرها ثم اختلف هؤلاء فقالت طائفة بلزوم البيوت وقالت طائفة بل بالتحول عن بلد الفتن أصلا ثم اختلفوا فمنهم من قال إذا هجم عليه شئ من ذلك يكف يده ولو قتل ومنهم من قال بل يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله وهو معذور ان قتل أو قتل وقال آخرون إذا بغت طائفة على الامام فامتنعت من الواجب عليها ونصبت الحرب وجب قتالها وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل قادر الاخذ على يد المخطئ ونصر المصيب وهذا قول الجمهور وفصل آخرون فقالوا كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا امام للجماعة فالقتال حينئذ ممنوع وتنزل الاحاديث التي في هذا الباب وغيرها على ذلك وهو قول الاوزاعي قال الطبري والصواب ان يقال ان الفتنة أصلها الابتلاء وانكار المنكر واجب على كل من قدر عليه فمن أعان المحق أصاب ومن أعان المخطئ أخطأ وان أشكل الامر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها وذهب آخرون إلى ان الاحاديث وردت في حق ناس مخصوصين وان النهي مخصوص بمن خوطب بذلك وقيل ان أحاديث النهي مخصوصة بآخر الزمان حيث يحصل التحقق ان المقاتلة انما هي في طلب الملك وقد وقع في حديث بن مسعود الذي أشرت إليه قلت يا رسول الله ومتى ذلك قال أيام الهرج قلت ومتى قال حين لا يأمن الرجل جليسه (0) قوله باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب وهو الحجبي بفتح المهملة والجيم قوله حماد هو بن زيد وقد نسبه في أثناء الحديث قوله عن رجل لم يسمه هو عمرو بن عبيد شيخ
[ 27 ]
المعتزلة وكان سئ الضبط هكذا جزم المزي في التهذيب بأنه المبهم في هذا الموضع وجوز غيره كمغلطاي ان يكون هو هشام بن حسان وفيه بعد قوله عن الحسن هو البصري قال خرجت بسلاحي ليالي الفتنة كذا وقع في هذه الرواية وسقط الاحنف بين الحسن وأبي بكر كما سيأتي والمراد بالفتنة الحرب التي وقعت بين علي ومن معه وعائشة ومن معها وقوله خرجت بسلاحي في رواية عمر بن شبة عن خالد بن خداش عن حماد بن زيد عن أيوب ويونس عن الحسن عن الاحنف قال التحفت علي بسيفي لآتي عليا فأنصره وقوله فاستقبلني أبو بكرة في رواية مسلم الآتي التنبيه عليها فلقيني أبو بكرة قوله أين تريد زاد مسلم في روايته يا احنف قوله نصرة بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم أريد نصر بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني عليا قال فقال لي يا أحنف ارجع قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فكلاهما من أهل النار في رواية الكشميهني في النار وفي رواية مسلم فالقاتل والمقتول في النار قوله قيل فهذا القاتل القائل هو أبو بكرة وقع مبينا في رواية مسلم لكن شك فقال فقلت أو قيل ووقع في رواية أيوب عند عبد الرزاق قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول وقوله هذا القاتل مبتدأ وخبره محذوف أي هذا القاتل يستحق النار وقوله فما بال المقتول أي فما ذنبه قوله انه أراد قتل صاحبه تقدم في الايمان بلفظ انه كان حريصا على قتل صاحبه قوله قال حماد بن زيد هو موصول بالسند المذكور قوله فقالا انما روى هذا الحديث الحسن عن الاحنف بن قيس عن أبي بكرة يعني ان عمرو بن عبيد أخطأ في حذف الاحنف بين الحسن وأبي بكرة لكن وافقه قتادة أخرجه النسائي من وجهين عنه عن الحسن عن أبي بكرة الا انه اقتصر على الحديث دون القصة فكأن الحسن كان يرسله عن أبي بكرة فإذا ذكر القصة أسنده وقد رواه سليمان التيمي عن الحسن عن أبي موسى أخرجه النسائي أيضا وتعقب بعض الشراح قول البزار لا يعرف الحديث بهذا اللفظ الا عن أبي بكرة وهو ظاهر ولكن لعل البزار يرى ان رواية التيمي شاذة لان المحفوظ عن الحسن رواية من قال عنه عن الاحنف عن أبي بكرة قوله حدثنا سليمان حدثنا حماد بهذا سليمان هو بن حرب والظاهر أن قوله بهذا إشارة إلى موافقة الرواية التي ذكرها حماد بن زيد عن أيوب ويونس بن عبيد وقد أخرجه مسلم والنسائي جميعا عن أحمد بن عبدة الضبي عن حماد بن زيد عن أيوب ويونس بن عبيد والمعلى بن زياد ثلاثتهم عن الحسن البصري عن الاحنف بن قيس فساق الحديث دون القصة وأخرجه أبو داود عن أبي كامل الجحدري حدثنا حماد فذكر القصة باختصار يسير قوله وقال مؤمل بواو مهموزة وزن محمد وهو بن إسماعيل أبو عبد الرحمن البصري نزيل مكة أدركه البخاري ولم يلقه لانه مات سنة ست ومائتين وذلك قبل أن يرحل البخاري ولم يخرج عنه الا تعليقا وهو صدوق كثير الخطأ قاله أبو حاتم الرازي وقد وصل هذا الطريق الاسماعيلي من طريق أبي موسى محمد بن المثنى حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا أحمد بن زيد عن أيوب ويونس هو بن عبيد وهشام عن الحسن عن الاحنف عن أبي بكرة فذكر الحديث دون القصة ووصله أيضا من طريق يزيد بن سنان حدثنا مؤمل حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب ويونس والمعلى بن زياد قالوا حدثنا الحسن فذكره وأخرجه أحمد عن مؤمل عن حماد عن الاربعة
[ 28 ]
فكأن البخاري أشار إلى هذه الطريق قوله ورواه معمر عن أيوب قلت وصله مسلم وأبو داود والنسائي والاسماعيلي من طريق عبد الرزاق عنه فلم يسق مسلم لفظه ولا أبو داود وساقه النسائي والاسماعيلي فقال عن أيوب عن الحسن عن الاحنف بن قيس عن أبي بكرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث دون القصة وفي هذا السند لطيفة وهو ان رجاله كلهم بصريون وفيهم ثلاثة من التابعين في نسق أولهم أيوب قال الدارقطني بعد ان ذكر الاختلاف في سنده والصحيح حديث أيوب من حديث حماد بن زيد ومعمر عنه قوله ورواه بكار بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي بكرة قلت عبد العزيز هو بن عبد الله بن أبي بكرة وقد وقع منسوبا عند بن ماجة ومنهم من نسبه إلى جده فقال عبد العزيز بن أبي بكرة وليس له ولا لولده بكار في البخاري الا هذا الحديث وهذه الطريق وصلها الطبراني من طريق خالد بن خداش بكسر المعجمة والدال المهملة وآخره شين معجمة قال حدثنا بكار بن عبد العزيز بالسند المذكور ولفظه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ان فتنة كائنة القاتل والمقتول في النار ان المقتول قد أراد قتل القاتل قوله وقال غندر حدثنا شعبة عن منصور هو بن المعتمر عن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة وهو اسم بلفظ النسب واسم أبيه حراش بكسر المهملة وآخره شين معجمة تابعي مشهور وقد وصله الامام أحمد قال حدثنا محمد بن جعفر وهو غندر بهذا السند مرفوعا ولفظه إذا التقي المسلمان حمل أحدهما على صاحبه السلاح فهما على جرف جهنم فإذا قتله وقعا فيها جميعا وهكذا أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة ومن طريقه أبو عوانة في صحيحه قوله ولم يرفعه سفيان يعني الثوري عن منصور يعني بالسند المذكور وقد وصله النسائي من رواية يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري بالسند المذكور إلى أبي بكرة قال إذا حمل الرجلان المسلمان السلاح أحدهما على الآخر فهما على جرف جهنم فإذا قتل أحدهما الآخر فهما في النار وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب الايمان أوائل الصحيح قال العلماء معنى كونهما في النار انهما يستحقان ذلك ولكن أمرهما إلى الله تعالى ان شاء عاقبهما ثم أخرجهما من النار كسائر الموحدين وان شاء عفى عنهما فلم يعاقبهما أصلا وقيل هو محمول على من استحل ذلك ولا حجة فيه للخوارج ومن قال من المعتزلة بأن أهل المعاصي مخلدون في النار لانه لا يلزم من قوله فهما في النار استمرار بقائهما فيها واحتج به من لم ير القتال في الفتنة وهم كل من ترك القتال مع علي في حروبه كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة وغيرهم وقالوا يجب الكف حتى لو أراد أحد قتله لم يدفعه عن نفسه ومنهم من قال لا يدخل في الفتنة فان أراد أحد قتله دفع عن نفسه وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين وحمل هؤلاء الاحاديث الواردة في ذلك على من ضعف عن القتال أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحق واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم لانهم لم يقاتلوا في تلك الحروب الا عن اجتهاد وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا وان المصيب يؤجر أجرين كما سيأتي بيانه في كتاب الاحكام وحمل هؤلاء الوعيد المذكور في الحديث على من قاتل بغير تأويل سائغ بل بمجرد طلب الملك ولا يرد على ذلك منع أبي بكرة الاحنف من القتال مع علي لان ذلك وقع عن اجتهاد من أبي بكرة أداه إلى الامتناع
[ 29 ]
والمنع احتياطا لنفسه ولمن نصحه وسيأتي في الباب الذي بعده مزيد بيان لذلك ان شاء الله تعالى قال الطبري لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حد ولا أبطل باطل ولوجد أهل الفسوق سبيلا إلى ارتكاب المحرمات من أخذ الاموال وسفك الدماء وسبي الحريم بأن يحاربوهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولوا هذه فتنة وقد نهينا عن القتال فيها وهذا مخالف للامر بالاخذ على أيدي السفهاء انتهى وقد أخرج البزار في حديث القاتل والمقتول في النار زيادة تبين المراد وهي إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار ويؤيده ما أخرجه مسلم بلفظ لا تذهب الدنيا حتي يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما قتل فقيل كيف يكون ذلك قال الهرج القاتل والمقتول في النار قال القرطبي فبين هذا الحديث ان القتال إذا كان على جهل من طلب الدنيا أو اتباع هوى فهو الذي أريد بقوله القاتل والمقتول في النار قلت ومن ثم كان الذين توقفوا عن القتال في الجمل وصفين أقل عددا من الذين قاتلوا وكلهم متأول مأجور ان شاء الله بخلاف ما جاء بعدهم ممن قاتل على طلب الدنيا كما سيأتي عن أبي برزة الاسلمي والله أعلم ومما يؤيد ما تقدم ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رفعه من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية واستدل بقوله انه كان حريصا على قتل صاحبه من ذهب إلى المؤاخذة بالعزم وان لم يقع الفعل وأجاب من لم يقل بذلك أن في هذا فعلا وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال ولا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار ان يكونا في مرتبة واحدة فالقاتل يعذب على القتال والقتل والمقتول يعذب على القتال فقط فلم يقع التعذيب على العزم المجرد وقد تقدم البحث في هذه المسألة في كتاب الرقاق عند الكلام على قوله من هم بحسنة ومن هم بسيئة وقالوا في قوله تعالى لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت اختيار باب الافتعال في الشر لانه يشعر بأنه لا بد فيه من المعالجة بخلاف الخير فإنه يثاب عليه بالنية المجردة ويؤيده حديث ان الله تجاوز لامتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا والحاصل ان المراتب ثلاث الهم المجرد وهو يثاب عليه ولا يؤاخذ به واقتران الفعل بالهم أو بالعزم ولا نزاع في المؤاخذة به والعزم وهو أقوى من الهم وفيه النزاع تنبيه ورد في اعتزال الاحنف القتال في وقعة الجمل سبب آخر فأخرج الطبري بسند صحيح عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن جاوان قال قلت له أرأيت اعتزال الاحنف ما كان قال سمعت الاحنف قال حججنا فإذا الناس مجتمعون في وسط المسجد يعني النبوي وفيهم علي والزبير وطلحة وسعد إذ جاء عثمان فذكر قصة مناشدته لهم في ذكر مناقبه قال الاحنف فلقيت طلحة والزبير فقلت اني لا أرى هذا الرجل يعني عثمان الا مقتولا فمن تأمراني به قالا علي فقدمنا مكة فلقيت عائشة وقد بلغنا قتل عثمان فقلت لها من تأمريني به قالت علي قال فرجعنا إلى المدينة فبايعت عليا ورجعت إلى البصرة فبينما نحن كذلك إذ أتاني آت فقال هذه عائشة وطلحة والزبير نزلوا بجانب الخريبة يستنصرون بك فأتيت عائشة فذكرتها بما قالت لي ثم أتيت طلحة والزبير فذكرتهما فذكر القصة وفيها قال فقلت والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقاتل رجلا أمرتموني ببيعته فاعتزل القتال مع الفريقين ويمكن الجمع بأنه هم بالترك ثم بدا له في القتال مع علي ثم ثبطه عن ذلك أبو بكرة أو هم
[ 30 ]
بالقتال مع علي فثبطه أبو بكرة وصادف مراسلة عائشة له فرجح عنده الترك وأخرج الطبري أيضا من طريق قتادة قال نزل علي بالزاوية فأرسل إليه الاحنف ان شئت أتيتك وان شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف فأرسل إليه كف من قدرت على كفه (0) قوله باب كيف الامر إذا لم تكن جماعة كان تامة والمعنى ما الذي يفعل المسلم في حال الاختلاف من قبل ان يقع الاجماع على خليفة (6673) قوله حدثنا بن جابر هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر كما صرح به مسلم في روايته عن محمد بن المثنى شيخ البخاري فيه قوله حدثني بسر بضم الموحدة وسكون المهملة بن عبيد الله بالتصغير تابعي صغير والسند كله شاميون الا شيخ البخاري والصحابي قوله مخافة ان يدركني في رواية نصر بن عاصم عن حذيفة عند بن أبي شيبة وعرفت ان الخير لن يسبقني قوله في جاهلية وشر يشير إلى ما كان قبل الاسلام من الكفر وقتل بعضهم بعضا ونهب بعضهم بعضا واتيان الفواحش قوله فجاءنا الله بهذا الخير يعني الايمان والامن وصلاح الحال واجتناب الفواحش زاد مسلم في رواية أبي الاسود عن حذيفة فنحن فيه قوله فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم في رواية نصر بن عاصم فتنة وفي رواية سبيع بن خالد عن حذيفة عند ابن أبي شيبة فما العصمة منه قال السيف قال فهل بعد السيف من تقية قال نعم هدنة والمراد بالشر ما يقع من الفتن من بعد قتل عثمان وهلم جرا أو ما يترتب على ذلك من عقوبات الآخرة قوله قال نعم وفيه دخن بالمهملة ثم المعجمة المفتوحتين بعدها نون وهو الحقد وقيل الدغل وقيل فساد في القلب ومعنى الثلاثة متقارب يشير إلى ان الخير الذي يجئ بعد الشر لا يكون خيرا خالصا بل فيه كدر وقيل المراد بالدخن الدخان ويشير بذلك إلى كدر الحال وقيل الدخن كل أمر مكروه و أبو عبيدة يفسر المراد بهذا الحديث الحديث الآخر لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه وأصله ان يكون في لون الدابة كدورة فكأن المعنى أن قلوبهم لا يصفو بعضها لبعض قوله قوم يهدون بفتح أوله بغير هدي بياء الاضافة بعد الياء للاكثر وبياء واحدة مع التنوين للكشميهني وفي رواية أبي الاسود يكون بعدي أئمة يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي قوله تعرف منهم وتنكر يعني من أعمالهم وفي حديث أم سلمة عند مسلم فمن أنكر برئ ومن كره سلم قوله دعاة بضم الدال المهملة جمع داع أي إلى غير الحق قوله على أبواب جهنم أطلق عليهم ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم كما يقال لمن أمر بفعل محرم وقف على شفير جهنم قوله هم من جلدتنا أي من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا وفيه إشارة إلى انهم من العرب وقال الداودي أي من بني آدم وقال القابسي معناه انهم في الظاهر على ملتنا وفي الباطن محالفون وجلدة الشئ ظاهره وهي في الاصل غشاء البدن قيل ويؤيد إرادة العرب ان السمرة غالبة عليهم واللون انما يظهر في الجلد ووقع في رواية أبي الاسود فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس وقوله جثمان بضم الجيم وسكون المثلثة هو الجسد ويطلق على الشخص قال عياض المراد بالشر الاول الفتن التي وقعت بعد عثمان والمراد بالخير الذي بعده ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز والمراد بالذين تعرف منهم وتنكر الامراء بعدهم فكان فيهم من يتمسك بالسنة والعدل وفيهم من يدعو إلى البدعة ويعمل بالجور قلت والذي يظهر ان المراد بالشر الاول ما أشار إليه من الفتن الاولى وبالخير ما وقع من الاجتماع مع علي ومعاوية وبالدخن ما كان في زمنهما من بعض الامراء كزياد بالعراق وخلاف
[ 31 ]
من خالف عليه من الخوارج وبالدعاة على أبواب جهنم من قام في طلب الملك من الخوارج وغيرهم والى ذلك الاشارة بقوله الزم جماعة المسلمين وامامهم يعني ولو جار ويوضح ذلك رواية أبي الاسود ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك وكان مثل ذلك كثيرا في امارة الحجاج ونحوه قوله تلزم جماعة المسلمين وامامهم بكسر الهمزة أي أميرهم زاد في رواية أبي الاسود تسمع وتطيع وان ضرب ظهرك وأخذ مالك وكذا في رواية خالد بن سبيع عند الطبراني فان رأيت خليفة فالزمه وان ضرب ظهرك فان لم يكن خليفة فالهرب قوله ولو ان تعض بفتح العين المهملة وتشديد الضاد المعجمة أي ولو كان الاعتزال بالعض فلا تعدل عنه وتعض بالنصب للجميع وضبطه الاشيري بالرفع وتعقب بأن جوازه متوقف على ان يكون ان التي تقدمته مخففة من الثقيلة وهنا لا يجوز ذلك لانها لا تلي لو نبه عليه صاحب المغني وفي رواية عبد الرحمن بن قرط عن حذيفة عند بن ماجة فلان تموت وأنت عاض على جذل خير لك من ان تتبع أحدا منهم والجذل بكسر الجيم وسكون المعجمة بعدها لام عود ينصب لتحتك به الابل وقوله وأنت على ذلك أي العض وهو كناية عن لزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عصوا قال البيضاوي المعنى إذا لم يكن في الارض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة كقولهم فلان يعض الحجارة من شدة الالم أو المراد اللزوم كقوله في الحديث الآخر وعضوا عليها بالنواجذ ويؤيد الاول قوله في الحديث الآخر فان مت وأنت عاض على جذل خير لك من ان تتبع أحد منهم وقال بن بطال فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخوارج على أئمة الجور لانه وصف الطائفة الاخيرة بانهم دعاة على أبواب جهنم ولم يقل فيهم تعرف وتنكر كما قال في الاولين وهم لا يكونون كذلك الا وهم على غير حق وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة قال الطبري اختلف في هذا الامر وفي الجماعة فقال قوم هو للوجوب والجماعة السواد الاعظم ثم ساق عن محمد بن سيرين عن أبي مسعود انه وصى من سأله لما قتل عثمان عليك بالجماعة فان الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة وقال قوم المراد بالجماعة الصحابة دون من بعدهم وقال قوم المراد بهم أهل العلم لان الله جعلهم حجة على الخلق والناس تبع لهم في أمر الدين قال الطبري والصواب أن المراد في الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة قال وفي الحديث انه متى لم يكن للناس امام فافترق الناس احزابا فلا يتبع أحدا في لفرقة ويعتزل الجميع ان استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الاحاديث وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها ويؤيده رواية عبد الرحمن بن قرط المتقدم ذكرها قال بن أبي جمرة في الحديث حكمة الله في عباده كيف أقام كلا منهم فيما شاء فحبب إلى أكثر الصحابة السؤال عن وجوه الخير ليعملوا بها ويبلغوها غيرهم وحبب لحذيفة السؤال عن الشر ليجتنبه ويكون سببا في دفعه عما أراد الله له النجاة وفيه سعة صدر النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته بوجوه الحكم كلها حتى كان يجيب كل من سأله بما يناسبه ويأخذ منه أن كل من حبب إليه شئ فإنه يفوق فيه غيره ومن ثم كان حذيفة صاحب السر الذي لا يعلمه غيره حتى خص بمعرفة أسماء المنافقين وبكثير من الامور الآتية ويؤخذ منه أن من أدب التعليم ان يعلم التلميذ من أنواع العلوم ما يراه مائلا إليه من العلوم المباحة فأنه أجدر
[ 32 ]
ان يسرع إلى تفهمه والقيام به وان كل شئ يهدي إلى طريق الخير يسمى خيرا وكذا بالعكس ويؤخذ منه ذم من جعل للدين أصلا خلاف الكتاب والسنة وجعلهما فرعا لذلك الاصل الذي ابتدعوه وفيه وجوب رد الباطل وكل ما خالف الهدي النبوي ولو قاله من قاله من رفيع أو وضيع (0) قوله باب من كره ان يكثر بالتشديد سواد الفتن والظلم أي أهلهما والمراد بالسواد هو بفتح المهملة وتخفيف الواو الاشخاص وقد جاء عن بن مسعود مرفوعا هن كثر سواد قوم فهو منهم ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمل به أخرجه أبو يعلى وفيه قصة لابن مسعود وله شاهد عن أبي ذر في الزهد لابن المبارك غير مرفوع (6674) قوله حدثنا حيوة بفتح المهملة والواو بينهما ياء آخر الحروف ساكنة قوله وغيره كأنه يريد بن لهيعة فان رواه عن أبي الاسود محمد بن عبد الرحمن أيضا وقد رواه عنه أيضا الليث لكن أخرج البخاري هذا الحديث في تفسير سورة النساء عن عبد الله بن يزيد شيخه فيه هنا بسنده هذا وقال بعده رواه الليث عن أبي الاسود وقد رويناه موصولا في معجم الطبراني الاوسط من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث حدثني الليث عن أبي الاسود عن عكرمة فذكر الحديث دون القصة قال الطبراني لم يروه عن أبي الاسود الا الليث وابن لهيعة قلت ووهم في هذا الحصر لوجود رواية حيوة المذكورة وقد أخرجه الاسماعيلي من وجه آخر عن المقبري عن حيوة وحده به وقد ذكرت من وصل رواية بن لهيعة في تفسير سورة النساء مع شرح الحديث وقوله فيأتي السهم فيرمي به قيل هو من القلب والتقدير فيرمي بالسهم فيأتي قلت ويحتمل ان تكون الفاء الثانية زائدة وثبت كذلك لابي ذر في سورة النساء فيأتي السهم يرمى به وقوله أو يضربه معطوف على فيأتي لا على فيصيب أو يقتل اما بالسهم واما بالسيف وفي تخطئة من يقيم بين أهل المعصية باختياره لا لقصد صحيح من إنكار عليهم مثلا أو رجاء انقاذ مسلم من هلكة وان القادر على التحول عنهم لا يعذر كما وقع للذين كانوا أسلموا ومنعهم المشركون من أهلهم من الهجرة ثم كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد قتال المسلمين بل لايهام كثرتهم في عيون المسلمين فحصلت لهم المؤاخذة بذلك فرأى عكرمة ان من خرج في جيش يقاتلون المسلمين يؤثم وان لم يقاتل ولا نوى ذلك ويتأيد ذلك في عكسه بحديث هم القوم لا يشقى بهم جليسهم كما مضى ذكره في كتاب الرقاق (0) قوله باب إذا بقي أي المسلم في حثالة من الناس أي ماذا يصنع والحثالة بضم المهملة وتخفيف المثلثة وتقدم تفسيرها في أوائل كتاب الرقاق وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الطبري وصححه بن حبان من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم واماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا وشبك بين أصابعه قال فما تأمرني قال عليك بخاصتك ودع عنك عوامهم قال بن بطال أشار البخاري إلى هذا الحديث ولم يخرجه لان العلاء ليس من شرطه فأدخل معناه في حديث حذيفة قلت يجتمع معه في قلة الامانة وعدم الوفاء بالعهد وشدة الاختلاف وفي كل منهما زيادة ليست في الآخر وقد ورد عن بن عمر مثل حديث أبي هريرة أخرجه حنبل بن إسحاق في كتاب الفتن من طريق عاصم بن محمد عن أخيه واقد وتقدم في أبواب المساجد من كتاب الصلاة من طريق واقد وهو
[ 33 ]
محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر سمعت أبي يقول قال عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الله بن عمرو كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس إلى هنا انتهى ما في البخاري وبقيته عند حنبل مثل حديث أبي هريرة سواء وزاد قال فكيف تأمرني يا رسول الله قال تأخذ بما تعرف وتدع ما تنكر وتقبل على خاصتك وتدع عوامهم وأخرجه أبو يعلى من هذا الوجه وأخرج الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو نفسه من طرق بعضها صحيح الاسناد وفيه قالوا كيف بنا يا رسول الله قال تأخذون ما تعرفون فذكر مثله بصيغة الجمع في جميع ذلك وأخرجه الطبراني وابن عدي من طريق عبد الحميد بن جعفر بن الحكم عن أبيه عن علباء بكسر المهملة وسكون اللام بعدها موحدة ومد رفعه لا تقوم الساعة الا على حثالة الناس الحديث وللطبراني من حديث سهل بن سعد قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس فيه عمرو بن العاص وابناه فقال فذكر مثله وزاد وإياكم والتلون في دين الله (6675) قوله حدثنا محمد بن كثير تقدم بهذا السند في كتاب الرقاق في باب رفع الامانة وان الجذر الاصل وتفتح جيمه وتكسر قوله ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة كذا في هذه الرواية بإعادة ثم وفيه إشارة إلى انهم كانوا يتعلمون القرآن قبل ان يتعلمون السنن والمراد بالسنن ما يتلقونه عن النبي صلى الله عليه وسلم واجبا كان أو مندوبا قوله وحدثنا عن رفعها هذا هو الحديث الثاني الذي ذكر حذيفة انه ينتظره وهو رفع الامانة أصلا حتى لا يبقى من يوصف بالامانة الا النادر ولا يعكر على ذلك ما ذكره في آخر الحديث مما يدل على قلة من ينسب للامانة فان ذلك بالنسبة إلى حال الاولين فالذين أشار إليهم بقوله ما كنت أبايع الا فلانا وفلانا هم من أهل العصر الاخير الذي أدركه والامانة فيهم بالنسبة إلى العصر الاول أقل وأما الذي ينتظره فإنه حيث تفقد الامانة من الجميع الا النادر قوله فيظل أثرها أي يصير وأصل ظل ما عمل بالنهار ثم أطلق على كل وقت وهي هنا على بابها لانه ذكر الحالة التي تكون بعد النوم وهي غالبا تقع عند الصبح والمعنى ان الامانة تذهب حتى لا يبقى منها الا الاثر الموصوف في الحديث قوله مثل آثر الوكت بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مثناة تقدم تفسيره في الرقاق وانه سواد في اللون وكذا المجل وهو بفتح الميم وسكون الجيم أثر العمل في اليد قوله فنفط بكسر الفاء بعد النون المفتوحة أي صار منتفطا وهو المنتبر بنون ثم مثناة ثم موحدة يقال انتبر الجرح وانتفط إذا ورم وامتلا ماء وحاصل الخبر أنه انذر برفع الامانة وان الموصوف بالامانة يسلبها حتى يصير خائنا بعد أن كان أمينا وهذا انما يقع على ما هو شاهد لمن خالط أهل الخيانة فإنه يصير خائنا لان القرين يقتدي بقرينه قوله ولقد اتى على زمان الخ يشير إلى ان حال الامانة أخذ في النقص من ذلك الزمان وكانت وفاة حذيفة في أول سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بقليل فأدرك بعض الزمن الذي وقع فيه التغير فأشار إليه قال بن التين الامانة كل ما يخفى ولا يعلمه الا الله من المكلف وعن بن عباس هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها وقيل هي الطاعة وقيل التكاليف وقيل العهد الذي أخذه الله على العباد وهذا الاختلاف وقع في تفسير الامانة المذكورة في الآية إنا عرضنا الامانة وقال صاحب التحرير الامانة المذكورة في الحديث هي الامانة المذكورة في الآية وهي عين الايمان فإذا استمكنت في القلب قام بأداء ما أمر به واجتنب ما نهي عنه وقال بن العربي المراد بالامانة في حديث
[ 34 ]
حذيفة الايمان وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها ان الاعمال السيئة لا تزال تضعف الايمان حتى إذا تناهى الضعف لم يبق الا أثر الايمان وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب فشبهه بالاثر في ظاهر البدن وكنى عن ضعف الايمان بالنوم وضرب مثلا لزهوق الايمان عن القلب حالا بزهوق الحجر عن الرجل حتى يقع بالارض قوله ولا أبالي أيكم بايعت تقدم في الرقاق ان مراده المبايعة في السلع ونحوها لا المبايعة بالخلافة ولا الامارة وقد اشتد إنكار أبي عبيد وغيره على من حمل المبايعة هنا على الخلافة وهو واضح ووقع في عبارته ان حذيفة كان لا يرضى بأحد بعد عمر يعني في الخلافة وهي مبالغة والا فقد كان عثمان ولاه على المدائن وقد قتل عثمان وهو عليها وبايع لعلي وحرض على المبايعة له والقيام في نصره ومات في أوائل خلافته كما مضى في باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما والمراد انه لوثوقه بوجود الامانة في الناس أولا كان يقدم على مبايعة من اتفق من غير بحث عن حاله فلما بدأ التغير في الناس وظهرت الخيانة صار لا يبايع الا من يعرف حاله ثم أجاب عن إيراد مقدر كأن قائلا قال له لم تزل الخيانة موجودة لان الوقت الذي أشرت إليه كان أهل الكفر فيه موجودين وهم أهل الخيانة فأجاب بأنه وان كان الامر كذلك لكنه كان يثق بالمؤمن لذاته وبالكافر لوجود ساعيه وهو الحاكم الذي يحكم عليه وكانوا لا يستعملون في كل عمل قل أو جل الا المسلم فكان واثقا بانصافه وتخليص حقه من الكافر ان خانه بخلاف الوقت الاخير الذي أشار إليه فإنه صار لا يبايع الا أفرادا من الناس يثق بهم وقال بن العربي قال حذيفة هذا القول لما تغيرت الاحوال التي كان يعرفها على عهد النبوة والخليفتين فأشار إلى ذلك بالمبايعة وكنى عن الايمان بالامانة وعما يخالف احكامه بالخيانة والله اعلم (0) قوله باب التعرب في الفتنة بالعين المهملة والراء الثقيلة أي السكنى مع الاعراب بفتح الالف وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر منها فيسكن البدو فيرجع بعد هجرته اعرابيا وكان إذ ذاك محرما الا ان أذن له الشارع في ذلك وقيده بالفتنة إشارة إلى ما ورد من الاذن في ذلك عند حلول الفتن كما في ثاني حديثي الباب وقيل بمنعه في زمن الفتنة لما يترتب عليه من خذلان أهل الحق ولكن نظر السلف اختلف في ذلك فمنهم من آثر السلامة واعتزل الفتن كسعد ومحمد بن مسلمة وابن عمر في طائفة ومنهم من باشر القتال وهم الجمهور ووقع في رواية كريمة التعزب بالزاي وبينهما عموم وخصوص وقال صاحب المطالع وجدته بخطي في البخاري بالزاي وأخشى أن يكون وهما فان صح فمعناه البعد والاعتزال (6676) قوله حدثنا حاتم بمهملة ثم مثناة هو بن إسماعيل الكوفي نزيل المدينة ويزيد بن أبي عبيد في رواية القعنبي عن حاتم أنبأنا يزيد بن أبي عبيد أخرجها أبو نعيم قوله عن سلمة بن الاكوع انه دخل على الحجاج هو بن يوسف الثقفي الامير المشهور وكان ذلك لما ولي الحجاج امرة الحجاز بعد قتل بن الزبير فسار من مكة إلى المدينة وذلك في سنة أربع وسبعين قوله ارتددت على عقبيك كأنه أشار إلى ما جاء من الحديث في ذلك كما تقدم عند عد الكبائر في كتاب الحدود فان من جملة ما ذكر في ذلك من رجع بعد هجرته أعرابيا وأخرج النسائي من حديث بن مسعود رفعه لعن الله آكل الربا وموكله الحديث وفيه والمرتد بعد هجرته أعرابيا قال بن الاثير في النهاية كان من رجع بعد هجرته إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد وقال غيره كان ذلك من جفاء الحجاج حيث خاطب هذا
[ 35 ]
الصحابي الجليل بهذا الخطاب القبيح من قبل ان يستكشف من عذره ويقال انه أراد قتله فبين الجهة التي يريد ان يجعله مستحقا للقتل بها وقد أخرج الطبراني من حديث جابر بن سمرة رفعه لعن الله من بدا بعد هجرته الا في الفتنة فإن البدو خير من المقام في الفتنة قوله قال لا أي لم اسكن البادية رجوعا عن هجرتي ولكن بالتشديد والتخفيف قوله أذن لي في البدو وفي رواية حماد بن مسعدة عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة انه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في البداوة فأذن له أخرجه الاسماعيلي وفي لفظ له استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم وقد وقع لسلمة في ذلك قصة أخرى مع غير الحجاج فأخرج أحمد من طريق سعيد بن إياس بن سلمة أن أباه حدثه قال قدم سلمة المدينة فلقيه بريدة بن الخصيب فقال ارتددت عن هجرتك فقال معاذ الله اني في اذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول ابدوا يا أسلم أي القبيلة المشهورة التي منها سلمة وأبو برزة وبريدة المذكور قالوا انا نخاف ان يقدح ذلك في هجرتنا قال أنتم مهاجرون حيث كنتم وله شاهد من رواية عمرو بن عبد الرحمن بن جرهد قال سمعت رجلا يقول لجابر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس بن مالك وسلمة بن الاكوع فقال رجل أما سلمة فقد ارتد عن هجرته فقال لا تقل ذلك فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لاسلم ابدوا قالوا انا نخاف ان نرتد بعد هجرتنا قال أنتم مهاجرون حيث كنتم وسند كل منهما حسن قوله وعن يزيد بن أبي عبيد هو موصول بالسند المذكور قوله لما قتل عثمان بن عفان خرج سلمة إلى الربذة بفتح الراء والموحدة بعدها معجمة موضع بالبادية بين مكة والمدينة ويستفاد من هذه الرواية مدة سكنى سلمة البادية وهي نحو الاربعين سنة لان قتل عثمان كان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وموت سلمة سنة أربع وسبعين على الصحيح قوله فلم يزل بها في رواية الكشميهني هناك حتى قبل ان يموت بليال كذا فيه بحذف كان بعد قوله حتى وقبل قوله قبل وهي مقدرة وهو استعمال صحيح قوله نزل المدينة في رواية المستملي والسرخسي فنزل بزيادة فاء وهذا يشعر بان سلمة لم يمت بالبادية كما جزم به يحيى بن عبد الوهاب بن منده في الجزء الذي جمعه في آخر من مات من الصحابة بل مات بالمدينة كما تقتضيه رواية يزيد بن أبي عبيد هذه وبذلك جزم أبو عبد الله بن منده في معرفة الصحابة وفي الحديث أيضا رد على من أرخ وفاة سلمة سنة أربع وستين فان ذلك كان في آخر خلافة يزيد بن معاوية ولم يكن الحجاج يومئذ أميرا ولا ذا أمر ولا نهي وكذا فيه رد على الهيثم بن عدي حيث زعم انه مات في آخر خلافة معاوية وهو أشد غلطا من الاول ان أراد معاوية بن أبي سفيان وان أراد معاوية بن يزيد بن معاوية فهو عين القول الذي قبله وقد مشى الكرماني على ظاهره فقال مات سنة ستين وهي السنة التي مات فيها معاوية بن أبي سفيان كذا جزم به والصواب خلافه وقد اعترض الذهبي على من زعم انه عاش ثمانين سنة ومات سنة أربع وسبعين لانه يلزم منه ان يكون له في الحديبية اثنتا عشرة سنة وهو باطل لانه ثبت انه قاتل يومئذ وبايع قلت وهو اعتراض متجه لكن ينبغي ان ينصرف إلى سنة وفاته لا إلى مبلغ عمره فلا يلزم منه رجحان قول من قال مات سنة أربع وستين فان حديث جابر يدل على انه تأخر عنها لقوله لم يبق من الصحابة الا أنس وسلمة وذلك لائق بسنة أربع وسبعين فقد عاش جابر بن عبد الله بعد ذلك إلى سنة سبع وسبعين على الصحيح وقيل مات في التي بعدها وقيل قبل ذلك ثم ذكر حديث أبي سعيد يوشك ان يكون خير مال
[ 36 ]
المسلم غنم الحديث وفي آخره يفر بدينه من الفتن وقد تقدم بعض شرحه في باب العزلة من كتاب الرقاق وأشار إلى حمل صنيع سلمة على ذلك لكونه لما قتل عثمان ووقعت الفتن اعتزل عنها وسكن الربذة وتأهل بها ولم يلابس شيئا من تلك الحروب والحق حمل عمل كل أحد من الصحابة المذكورين على السداد فمن لابس القتال اتضح له الدليل لثبوت الامر بقتال الفئة الباغية وكانت له قدرة على ذلك ومن قعد لم يتضح له أي الفئتين هي الباغية وإذا لم يكن له قدرة على القتال وقد وقع لخزيمة بن ثابت انه كان مع علي وكان مع ذلك لا يقاتل فلما قتل عمار قاتل حينئذ وحدث بحديث يقتل عمارا الفئة الباغية أخرجه أحمد وغيره وقوله (6677) يوشك هو بكسر الشين المعجمة أي يسرع وزنه ومعناه ويجوز يوشك بفتح الشين وقال الجوهري هي لغة رديئة وقوله أن يكون خير مال المسلم يجوز في خير الرفع والنصب فان كان غنم بالرفع فالنصب والا فالرفع وتقدم بيان ذلك في كتاب الايمان أول الكتاب والاشهر في الرواية غنم بالرفع وقد جوز بعضهم رفع خير مع ذلك على ان يقدر في يكون ضمير الشأن وغنم وخير مبتدأ وخبر ولا يخفى تكلفه وقوله شعف الجبال بفتح الشين المعجمة والعين المهملة بعدها فاء جمع شعفة كأكم وأكمه رءوس الجبال والمرعى فيها والماء ولا سيما في بلاد الحجاز أيسر من غيرها ووقع عند بعض رواة الموطأ بضم أوله وفتح ثانيه وبالموحدة بدل الفاء جمع شعبة وهي ما انفرج بين جبلين ولم يختلفوا في أن الشين معجمة ووقع لغير مالك كالاول لكن السين مهملة وسبق بيان ذلك في أواخر علامات النبوة وقد وقع في حديث أبي هريرة عند مسلم نحو هذا الحديث ولفظه ورجل في رأس شعبة من هذه الشعاب قوله يفر بدينه من الفتن قال الكرماني هذه الجملة حالية وذو الحال الضمير المستتر في يتبع أو المسلم إذا جوزنا الحال من المضاف إليه فقد وجد شرطه وهو شدة الملابسة وكأنه جزء منه واتحاد الخير بالمال واضح ويجوز ان تكون واستئنافية وهو واضح انتهى والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه وقد اختلف السلف في أصل العزلة فقال الجمهور الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الاسلام وتكثير سواد المسلمين وايصال أنواع الخير إليهم من إعانة واغاثة وعيادة وغير ذلك وقال قوم العزلة أولى لتحقق السلامة بشرط معرفة ما يتعين وقد مضى طرف من ذلك في باب العزلة من كتاب الرقاق قال النووي المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية فان أشكل الامر فالعزلة أولى وقال غيره يختلف باختلاف الاشخاص فمنهم من يتحتم عليه أحد الامرين ومنهم من يترجح وليس الكلام فيه بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الاحوال فان تعارضا اختلف باختلاف الاوقات فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه اما عينا واما كفاية بحسب الحال والامكان وممن يترجح من يغلب على ظنه انه يسلم في نفسه إذا قام في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وممن يستوي من يأمن على نفسه ولكنه يتحقق انه لا يطاع وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة فان وقعت الفتنة ترجحت العزلة لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع في المحذور وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها كما قال تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ويؤيد التفصيل المذكور حديث أبي سعيد أيضا خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره وقد تقدم في باب العزلة من كتاب
[ 37 ]
الرقاق حديث أبي هريرة الذي أشرت إليه آنفا فان أوله عند مسلم خير معاشر الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله الحديث وفيه ورجل في غنيمة الحديث وكأنه ورد في أي الكسب أطيب فان أخذ على عمومه دل على فضيلة العزلة لمن لا يتأتي له الجهاد في سبيل الله الا ان يكون قيد بزمان وقوع الفتن والله أعلم (0) قوله باب التعوذ من الفتن قال بن بطال في مشروعية ذلك الرد على من قال اسألوا الله الفتنة فان فيها حصاد المنافقين وزعم انه ورد في حديث وهو لا يثبت رفعه بل الصحيح خلافه قلت أخرجه أبو نعيم من حديث علي بلفظ لا تكرهوا الفتنة في آخر الزمان فانها تبين المنافقين وفي سنده ضعيف ومجهول وقد تقدم في الدعوات عدة تراجم للتعوذ من عدة أشياء منها الاستعاذة من فتنة الغنى والاستعاذة من فتنة الفقر والاستعاذة من أرذل العمر ومن فتنة الدنيا ومن فتنة النار وغير ذلك قال العلماء أراد صلى الله عليه وسلم مشروعية ذلك لامته (6678) قوله هشام هو الدستوائي قوله عن أنس في رواية سليمان التيمي عن قتادة ان أنسا حدثهم قوله احفوه أي الحوا عليه في السؤال وعند الاسماعيلي في رواية من هذا الوجه الحفوه أو أحفوه بالمسألة قوله ذات يوم المنبر في رواية الكشميهني ذات يوم على المنبر قوله فإذا كل رجل رأسه في ثوبه في رواية الكشميهني لاف رأسه في ثوبه وتقدم في تفسير المائدة من وجه آخر لهم خنين وهو بالمعجمة أي من البكاء قوله فانشأ رجل أي بدأ الكلام وفي رواية الاسماعيلي فقام رجل وفي لفظا له فاتى رجل قوله كان إذا لاحى بفتح المهملة من الملاحاة وهي المماراة والمجادلة قوله أبوك حذافة في رواية معتمر سمعت أبي عن قتادة عند الاسماعيلي واسم الرجل خارجة قلت والمعروف ان السائل عبد الله أخو خارجة وتقدم في تفسير المائدة من قال انه قيس بن حذافة وعند أحمد من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه لا تسألوني عن شئ الا أخبرتكم به فقال عبد الله بن حذافة من أبي يا رسول الله قال حذافة بن قيس فرجع إلى أمه فقالت له ما حملك على الذي صنعت فقد كنا في جاهلية فقال اني كنت لاحب أن أعلم من هو أبي من كان من الناس قوله ثم أنشأ عمر كذا وقع في هذه الرواية وتقدم في تفسير سورة المائدة من طريق أخرى أتم من هذا وعند الاسماعيلي من طريق معتمر المذكور من الزيادة فأرم براء مفتوحة ثم ميم ثقيلة وخشوا ان يكونوا بين يدي أمر عظيم قال أنس فجعلت التفت يمينا وشمالا فلا أرى كل رجل الا قد دس رأسه في ثوبه يبكي وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سلوني فذكر الحديث وعند أحمد عن أبي عامر العقدي عن هشام بعد قوله أبوك حذافة فقال رجل يا رسول الله في الجنة أنا أو في النار قال في النار وسيأتي ذلك في كتاب الاعتصام من رواية الزهري عن أنس قوله من سوء الفتن بضم السين المهملة بعدها واو ثم همزة وللكشميهني شر بفتح المعجمة وتشديد الراء قوله صورت الجنة والنار وفي رواية الكشميهني صورت لي قوله دون الحائط أي بينه وبين الحائط وزاد في رواية الزهري عن أنس فلم أر كاليوم في الخير والشر وسيأتي بيانه في كتاب الاعتصام قوله قال قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم هو بضم أول يذكر وفتح الكاف ووقع في رواية الكشميهني فكان قتادة يذكر بفتح أوله وضم الكاف وهي أوجه وكذا وقع في رواية الاسماعيلي قوله وقال عباس هو بموحدة ومهملة وهو بن الوليد النرسي بفتح النون
[ 38 ]
ثم سين مهملة ومضى في علامات النبوة له حديث وفي أواخر المغازي في باب بعث معاذ وأبي موسى إلى اليمن آخر ومن جاء بهذه السورة فيما عدا هذه المواضع الثلاثة في البخاري فهو عياش بن الوليد الرقام بمثناة تحتانية وآخره معجمة ويزيد شيخه هو بن زريع وسعيد هو بن أبي عروبة وقد وصله أبو نعيم في المستخرج من رواية محمد بن عبد الله بن رسته بضم الراء وسكون المهملة بعدها مثناة مفتوحة قال حدثنا العباس بن الوليد به وذلك يؤيد كونه بالمهملة لان الذي بالشين المعجمة ليس فيه الالف واللام قوله بهذا أي بهذا الحديث الماضي ثم بين ان فيه زيادة قوله لافا فدل على ان زيادتها في الاول وهم من الكشميهني قوله وقال عائذا الخ بين ان في رواية سعيد بالشك في سوء وسوأي قوله عائذا بالله هكذا وقع بالنصب وهو على الحال أي أقول ذلك عائذا أو على المصدر أي عياذا وجاء في رواية أخرى بالرفع أي أنا عائذ قوله وقال لي خليفة هو بن خياط العصفري وأكثر ما يخرج عنه البخاري يقع بهذه الصيغة لا يقول حدثنا ولا أخبرنا وكأنه أخذ ذلك عنه في المذاكرة وقوله سعيد هو بن أبي عروبة ومعتمر هو بن سليمان التيمي قوله عن أبيه يعني عن أبي معتمر وذكر هذه الطريق الاخرى لقوله في آخره من شر الفتن بالشين المعجمة والراء وقد تقدم التنبيه على المواضع التي ذكر فيها هذا الحديث في تفسير المائدة وان بقية شرحه يأتي في كتاب الاعتصام ان شاء الله تعالى (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الفتنة من قبل المشرق أي من جهته ذكر فيه ثلاثة أحاديث الاول ذكره من وجهين وقد ذكرت في شرح حديث أسامة في أوائل كتاب الفتن وجه الجمع بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم اني لارى الفتن خلال بيوتكم وكان خطابه ذلك لاهل المدينة (6679) قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قام إلى جنب المنبر في رواية عبد الرزاق عن معمر عند الترمذي ان النبي صلى الله عليه وسلم قام على المنبر في رواية شعيب عن الزهري كما تقدم في مناقب قريش بسنده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر وفي رواية يونس بن يزيد عن الزهري عند مسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو مستقبل المشرق قوله الفتنة ههنا الفتنة ههنا كذا فيه مرتين وفي رواية يونس ها ان الفتنة ههنا أعادها ثلاث مرات قوله من حيث يطلع قرن الشيطان أو قال قرن الشمس كذا هنا بالشك وفي رواية عبد الرزاق ههنا أرض الفتن وأشار إلى المشرق يعني حيث يطلع قرن الشيطان وفي رواية شعيب الا ان الفتنة ههنا يشير إلى المشرق حيث يطلع قرن الشيطان وفي رواية يونس مثل معمر لكن لم يقل أو قال قرن الشمس بل قال يعني المشرق ولمسلم من رواية عكرمة بن عمار عن سالم سمعت بن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده نحو المشرق ويقول ها ان الفتنة ههنا ثلاثا حيث يطلع قرن الشيطان وله من طريق حنظلة عن سالم مثله لكن قال ان الفتنة ههنا ثلاثا وله من طريق فضيلة بن غزوان سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم الكبيرة سمعت أبي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الفتنة تجئ من ههنا وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان كذا فيه بالتثنية وله في صفة إبليس من طريق مالك عن عبد الله بن دينار عن بن عمر مثل سياق حنظلة سواء وله نحوه من رواية سفيان الثوري عن عبد الله بن دينار أخرجه في الطلاق ثم ساق هنا من رواية الليث عن نافع عن بن
[ 39 ]
عمر مثل رواية يونس الا انه قال الا ان الفتنة ههنا ولم يكرر وكذا لمسلم وأورده الاسماعيلي من رواية أحمد بن يونس عن الليث فكررها مرتين الحديث الثاني (6681) قوله عن بن عون هو عبد الله عن نافع عن بن عمر قال ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اللهم بارك لنا في شأمنا الحديث كذا أورده عن علي بن عبد الله عن أزهر السمان وأخرجه الترمذي عن بشر بن آدم بن بنت أزهر حدثني جدي أزهر بهذا السند ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ومثله للاسماعيلي من رواية أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أزهر وأخرجه من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عون عن أبيه كذلك وقد تقدم من وجه آخر عن بن عون في الاستسقاء موقوفا وذكرت هناك الاختلاف فيه قوله قالوا يا رسول الله وفي نجدنا فأظنه قال في الثالثة هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان وقع في رواية الترمذي والدورقي بعد قوله وفي نجدنا قال اللهم بارك لنا في شأمنا وبارك لنا في يمننا قال وفي نجدنا قال هناك فذكره لكن شك هل قال بها أو منها وقال يخرج بدل يطلع وقد وقع في رواية الحسين بن الحسن في الاستسقاء مثله في الاعادة مرتين وفي رواية ولد بن عون فلما كان الثالثة أو الرابعة قالوا يا رسول وفي نجدنا قال بها الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان قال المهلب انما ترك صلى الله عليه وسلم الدعاء لاهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن وأما قوله قرن الشمس فقال الداودي للشمس قرن حقيقة ويحتمل ان يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الاضلال وهذا أوجه وقيل ان الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها ليقع سجود عبدتها له قيل ويحتمل ان يكون للشمس شيطان تطلع الشمس بين قرنيه وقال الخطابي القرن الامة من الناس يحدثون بعد فناء آخرين وقرن الحية أن يضرب المثل فيما لا يحمد من الامور وقال غيره كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الفتنة تكون من تلك الناحية فكان كما أخبر وأول الفتن كان من قبل المشرق فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين أو ذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة وقال الخطابي نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة وأصل النجد ما ارتفع من الارض وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة انتهى وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي ان نجدا من ناحية العراق فإنه توهم ان نجدا موضع مخصوص وليس كذلك بل كل شئ ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدا والمنخفض غورا الحديث الثالث (6682) قوله حدثنا إسحاق الواسطي هو بن شاهين وخالد هو بن عبد الله وبيان بموحدة ثم تحتانية خفيفة هو بن عمرو ووبره بفتح الواو والموحدة عند الجميع وبه جزم بن عبد البر وقال عياض ضبطناه في مسلم بسكون الموحدة قوله ان يحدثنا حديثا حسنا أي حسن اللفظ يشتمل على ذكر الترجمة والرخصه فشغله الرجل فصده عن اعادته حتى عدل إلى التحدث عن الفتنة قوله فقام إليه رجل تقدم في الانفال ان اسمه حكيم أخرجه البيهقي من رواية زهير بن معاوية عن بيان ان وبرة حدثه فذكره وفيه فمررنا برجل يقال له حكيم قوله يا أبا عبد الرحمن هي كنية عبد الله بن عمر قوله حدثنا عن القتال في الفتنة والله يقول يريد ان يحتج بالآية على مشروعية القتال في الفتنة وان فيها الرد على من ترك ذلك كابن عمر
[ 40 ]
وقوله ثكلتك أمك ظاهره الدعاء وقد يرد مورد الزجر كما هنا وحاصل جواب بن عمر له ان الضمير في قوله تعالى وقاتلوهم للكفار فأمر المؤمنين بقتال الكافرين حتى لا يبقى أحد يفتن عن دين الاسلام ويرتد إلى الكفر ووقع نحو هذا السؤال من نافع بن الازرق وجماعة لعمران بن حصين فأجابهم بنحو جواب بن عمر أخرجه بن ماجة وقد تقدم في سورة الانفال من رواية زهير بن معاوية عن بيان بزيادة فقال بدل قوله وكان الدخول في دينهم فتنة فكان الرجل يفتن عن دينه اما يقتلونه واما يوثقونه حتى كثر الاسلام فلم نكن فتنة أي لم يبق فتنة أي من أحد من الكفار لاحد من المؤمنين ثم ذكر سؤاله عن علي وعثمان وجواب بن عمر وقوله هنا وليس كقتالكم على الملك أي في طلب الملك يشير إلى ما وقع بين مروان ثم عبد الملك ابنه وبين بن الزبير وما أشبه ذلك وكان رأي بن عمر ترك القتال في الفتنة ولو ظهر ان إحدى الطائفتين محقة والاخرى مبطلة وقيل الفتنة مختصة بما إذا وقع القتال بسبب التغالب في طلب الملك واما إذا علمت الباغية فلا تسمى فتنة وتجب مقاتلتها حتى ترجع إلى الطاعة وهذا قول الجمهور (0) قوله باب الفتنة التي تموج كموج البحر كأنه يشير إلى ما أخرجه بن أبي شيبة من طريق عاصم بن ضمرة عن علي قال وضع الله في هذه الامة خمس فتن فذكر الاربعة ثم فتنة تموج كموج البحر وهي التي يصبح الناس فيها كالبهائم أي لا عقول لهم ويؤيده حديث أبي موسى تذهب عقول أكثر ذلك الزمان وأخرج بن أبي شيبة من وجه آخر عن حذيفة قال لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك انما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل قوله وقال بن عيينة هو سفيان وقد وصله البخاري في التاريخ الصغير عن عبد الله بن محمد المسندي حدثنا سفيان بن عيينة قوله عن خلف بن حوشب بمهملة ثم معجمة ثم موحدة بوزن جعفر وخلف كان من أهل الكوفة روى عن جماعة من كبار التابعين وأدرك بعض الصحابة لكن لم أجد له رواية عن صحابي وكان عابدا وثقه العجلي وقال النسائي لا بأس به وأثنى عليه بن عيينة والربيع بن أبي راشد وروى عنه أيضا شعبة وليس له في البخاري الا هذا الموضع قوله كانوا يستحبون ان يتمثلوا بهذه الابيات عند الفتن أي عند نزولها قوله قال امرؤ القيس كذا وقع عند أبي ذر في نسخة والمحفوظ ان الابيات المذكورة لعمرو بن معد يكرب الزبيدي كما جزم به أبو العباس المبرد في الكامل وكذا رويناه في كتاب الغرر من الاخبار لابي بكر خمد بن خلف القاضي المعروف بوكيع قال حدثنا معدان بن علي حدثنا عمرو بن محمد الناقد حدثنا سفيان بن عيينة عن خلف بن حوشب قال قال عمرو بن معد يكرب وبذلك جزم السهيلي في الروض ووقع لنا موصولا من وجه آخر وفيه زيادة رويناه في فوائد الميمون بن حمزة المصري عن الطحاوي فيما زاده في السنن التي رواها عن المزني عن الشافعي فقال حدثنا المزني حدثنا الحميدي عن سفيان عن خلف بن حوشب قال قال عيسى بن مريم للحواريين كما ترك لكم الملوك الحكمة فاتركوا لهم الدنيا وكان خلف يقول ينبغي للناس ان يتعلموا هذه الابيات في الفتنة قوله الحرب أول ما تكون فتية بفتح الفاء وكسر المثناة وتشديد التحتانية أي شابة حكى بن التين عن سيبويه الحرب مؤنثة وعن المبرد قد تذكر وأنشد له شاهدا قال وبعضهم يرفع أول وفتية لانه مثل ومن نصب أول قال انه الخبر ومنهم من قدره الحرب أول ما تكون أحوالها إذا كانت فتية ومنهم من أعرب أول حالا وقال غيره يجوز فيه أربعة أوجه
[ 41 ]
رفع أول ونصب فتية وعكسه ورفعهما جميعا ونصبهما فمن رفع أول ونصب فتية فتقديره الحرب أول أحوالها إذا كانت فتية فالحرب مبتدأ وأول مبتدا ثان وفتية حال سدت مسد الخبر والجملة خبر الحرب ومن عكس فتقديره الحرب في أول أحوالها فتية فالحرب مبتدأ وفتية خبرها وأول منصوب على الظرف ومن رفعهما فالتقدير الحرب أول أحوالها فأول مبتدأ ثان أو بدل من الحرب وفتية خبر ومن نصبهما جعل أول ظرفا وفتية حالا والتقدير الحرب في أول أحوالها إذا كانت فتية وتسعى خبر عنها أي الحرب في حال ما هي فتية أي في وقت وقوعها يفر من لم يجربها حتى يدخل فيها فتهلكه قوله بزينتها كذا فيه من الزينة ورواه سيبويه ببزتها بموحدة وزاي مشددة والبزة اللباس الجيد قوله إذا اشتعلت بشين معجمة وعين مهملة كناية عن هيجانها ويجوز في إذا ان تكون ظرفية وان تكون شرطية والجواب ولت وقوله وشب ضرابها هو بضم الشين المعجمة ثم موحدة تقول شبت الحرب إذا اتقدت وضرامها بكسر الضاد المعجمة أي اشتعالها قوله ذات حليل بحاء مهملة والمعنى انها صارت لا يرغب أحد في تزويجها ومنهم من قال بالخاء المعجمة قوله شمطاء بالنصب هو وصف العجوز والشمط بالشين المعجمة اختلاط الشعر الابيض بالشعر الاسود وقال الداودي هو كناية عن كثرة الشيب وقوله ينكر لونها أي يبدل حسنها بقبح ووقع في رواية الحميدي شمطاء جزت رأسها بدل قوله ينكر لونها وكذلك أنشده السهيلي في الروض وقوله مكروهة للشم والتقبيل يصف فاها بالبخر مبالغة في التنفير منها والمراد بالتمثل بهذه الابيات استحضار ما شاهدوه وسمعوه من حال الفتنة فانهم يتذكرون بانشادها ذلك فيصدهم عن الدخول فيها حتى لا يغتروا بظاهر أمرها أولا ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث أحدها حديث حذيفة (6683) قوله حدثنا شقيق هو أبو وائل بن سلمة الاسدي وقد تقدم في الزكاة من طريق جرير عن الاعمش عن أبي وائل قوله سمعت حذيفة يقول بينا نحن جلوس عند عمر تراجع شرحه مستوفى في علامات النبوة وسياقه هناك أتم وخالف أبو حمزة السكري أصحاب الاعمش فقال عن أبي وائل عن مسروق قال قال عمر وقوله هنا ليس عن هذا أسألك وقع في رواية ربعي بن حراش عن حذيفة عند الطبراني لم أسأل عن فتنة الخاصة وقوله ولكن التي تموج كموج البحر فقال ليس عليك منها بأس في رواية الكشميهني عليكم بصيغة الجمع ووقع في رواية ربعي فقال حذيفة سمعته يقول يأتيكم بعدي فتن كموج البحر يدفع بعضها بعضا فيؤخذ منه جهة التشبيه بالموج وانه ليس المراد به الكثرة فقط وزاد في رواية ربعي فرفع عمر يده فقال اللهم لا تدركني فقال حذيفة لا تخف وقوله إذا لا يغلق أبدا قلت أجل في رواية ربعي قال حذيفة كسرا ثم لا يغلق إلى يوم القيامة قوله كما يعلم ان دون غد ليلة أي علمه علما ضروريا مثل هذا قال بن بطال انما عدل حذيفة حين سأله عمر عن الاخبار بالفتنة الكبرى إلى الاخبار بالفتنة الخاصة لئلا يغم ويشتغل باله ومن ثم قال له ان بينك وبينها بابا مغلقا ولم يقل له أنت الباب وهو يعلم انه الباب فعرض له بما فهمه ولم يصرح وذلك من حسن ادبه وقول عمر إذا كسر لم يغلق أخذه من جهة ان الكسر لا يكون الا غلبة والغلبة لا تقع الا في الفتنة وعلم من الخبر النبوي ان بأس الامة بينهم واقع وان الهرج لا يزال إلى يوم القيامة كما وقع في حديث شداد رفعه إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة قلت أخرجه الطبري وصححه بن حبان وأخرج الخطيب في الرواة عن مالك
[ 42 ]
ان عمر دخل على أم كلثوم بنت علي فوجدها تبكي فقال ما يبكيك قالت هذا اليهودي لكعب الاحبار يقول انك باب من أبواب جهنم فقال عمر ما شاء الله ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه فقال يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة فقال ما هذا مرة في الجنة ومرة في النار فقال انا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها فإذا مت اقتحموا قوله فأمرنا مسروقا احتج به من قال ان الامر لا يشترط فيه العلو ولا الاستعلاء الحديث الثاني قوله عن شريك بن عبد الله هو بن أبي نمر ولم يخرج البخاري عن شريك بن عبد الله النخعي القاضي شيئا (6684) قوله خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حائط من حوائط المدينة لحاجته تقدم اسم الحائط المذكور مع شرح الحديث في مناقب أبي بكر وقوله هنا لاكونن اليوم بواب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرني قال الداودي في الرواية الاخرى أمرني بحفظ الباب وهو اختلاف ليس المحفوظ الا أحدهما وتعقب بامكان الجمع بأنه فعل ذلك ابتداء من قبل نفسه فلما استأذن أولا لابي بكر وأمره النبي صلى الله عليه وسلم ان يأذن له ويبشره بالجنة وافق ذلك اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لحفظ الباب عليه لكونه كان في حال خلوة وقد كشف عن ساقه ودلى رجليه فأمره بحفظ الباب فصادف أمره ما كان أبو موسى ألزم نفسه به قبل الامر ويحتمل ان يكون اطلق الامر على التقرير وقد مضى شئ من هذا في مناقب أبي بكر وقوله هنا وجلس على قف البئر في رواية غير الكشميهني في بدل على والقف ما ارتفع من متن البئر وقال الداودي ما حول البئر قلت والمراد هنا مكان يبنى حول البئر للجلوس والقف أيضا الشئ اليابس وفي أودية المدينة واد يقال له القف وليس مرادا هنا وقوله فدخل فجاء عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الكشميهني فجلس بدل فجاء وقوله فامتلا القف في رواية الكشميهني وامتلا بالواو والمراد من تخريجه هنا الاشارة إلى ان قوله في حق عثمان بلاء يصيبه هو ما وقع له من القتل الذي نشأت عنه الفتن الواقعة بين الصحابة في الجمل ثم في صفين وما بعد ذلك قال بن بطال انما خص عثمان بذكر البلاء مع ان عمر قتل أيضا لكون عمر لم يمتحن بمثل ما امتحن عثمان من تسلط القوم الذي أرادوا منه ان ينخلع من الامامة بسبب ما نسبوه إليه من الجور والظلم مع تنصله من ذلك واعتذاره عن كل ما اوردوه عليه ثم هجومهم عليه داره وهتكهم ستر أهله وكل ذلك زيادة على قتله قلت وحاصله ان المراد بالبلاء الذي خص به الامور الزائدة على القتل وهو كذلك قوله قال فتأولت ذلك قبورهم في رواية الكشميهني فأولت قال الداودي كان سعيد ابن المسيب لجودته في عبارة الرؤيا يستعمل التعبير فيما يشبهها قلت ويؤخذ منه ان التمثيل لا يستلزم التسوية فان المراد بقوله اجتمعوا مطلق الاجتماع لا خصوص كون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله كما كانوا على البئر وكذا عثمان انفرد قبره عنهم ولم يستلزم ان يكون مقابلهم الحديث الثالث (6685) قوله عن سليمان هو الاعمش وفي رواية أحمد عن محمد بن جعفر عن شعبة عن سليمان ومنصور وكذا للاسماعيلي عن القاسم بن زكريا عن بشر بن خالد شيخ البخاري فيه لكنه ساقه على لفظ سليمان وقال في آخره قال شعبة وحدثني منصور عن أبي وائل عن أسامة
[ 43 ]
نحوا منه الا انه زاد فيه فتندلق أقتاب بطنه قوله قيل لاسامة الا تكلم هذا كذا هنا بإبهام القائل وإبهام المشار إليه وتقدم في صفة النار من بدء الخلق من طريق سفيان بن عيينة عن الاعمش بلفظ لو أتيت فلانا فكلمته وجزاء الشرط محذوف والتقدير لكان صوابا ويحتمل ان تكون لو للتمني ووقع اسم المشار إليه عند مسلم من رواية أبي معاوية عن الاعمش عن شقيق عن أسامة قيل له ألا تدخل على عثمان فتكلمه ولاحمد عن يعلى بن عبيد عن الاعمش الا تكلم عثمان قوله قد كلمته ما دون أن افتح بابا أي كلمته فيما أشرتم إليه لكن على سبيل المصلحة والادب في السر بغير ان يكون في كلامي ما يثير فتنة أو نحوها وما موصوفة ويجوز ان تكون موصولة قوله أكون أول من يفتحه في رواية الكشميهني فتحه بصيغة الفعل الماضي وكذا في رواية الاسماعيلي وفي رواية سفيان قال انكم لترون أي تظنون اني لا أكلمه الا أسمعتكم أي الا بحضوركم وسقطت الالف من بعض النسخ فصار بلفظ المصدر أي الا وقت حضوركم حيث تسمعون وهي رواية يعلي بن عبيد المذكورة وقوله في رواية سفيان اني أكلمه في السر دون ان أفتح بابا لا اكون أول من فتحه عند مسلم مثله لكن قال بعد قوله الا اسمعتكم والله لقد كلمته فيما بيني وبينه دون أن أفتح أمرا لا أحب ان أكون أول من فتحه يعني لا أكلمه الا مع مراعاة المصلحة بكلام لا يهيج به فتنة قوله وما انا بالذي أقول لرجل بعد ان يكون أميرا على رجلين أنت خير في رواية الكشميهني ايت خيرا بصيغة فعل الامر من الايتاء ونصب خيرا على المفعولية والاول أولى فقد وقع في رواية سفيان ولا أقول لامير ان كان علي أميرا هو بكسر همزة ان ويجوز فتحها وقوله كان علي بالتشديد أميرا انه خير الناس وفي رواية أبي معاوية عند مسلم يكون علي أميرا وفي رواية يعلى وان كان علي أميرا قوله بعد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يجاء برجل في رواية سفيان بعد شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا وما سمعته يقول قال سمعته يقول يجاء بالرجل وفي رواية عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عند أحمد يجاء بالرجل الذي كان يطاع في معاصي الله فيقذف في النار قوله فيطحن فيها كطحن الحمار في رواية الكشميهني كما يطحن الحمار كذا رأيت في نسخة معتمدة فيطحن بضم أوله على البناء للمجهول وفي أخرى بفتح أوله وهو أوجه فقد تقدم في رواية سفيان وأبي معاوية فتندلق أقتابه فيدور كما يدور الحمار وفي رواية عاصم يستدير فيها كما يستدير الحمار وكذا في رواية أبي معاوية والاقتاب جمع قتب بكسر القاف وسكون المثناة بعدها موحدة هي الامعاء واندلاقها خروجها بسرعة يقال اندلق السيف من غمده إذا خرج من غير ان يسله أحد وهذا يشعر بان هذه الزيادة كانت أيضا عند الاعمش فلم يسمعها شعبة منه وسمع معناها من منصور كما تقدم قوله فيطيف به أهل النار أي يجتمعون حوله يقال أطاف به القوم إذا حلقوا حوله حلقة وان لم يدوروا وطافوا إذا داروا حوله وبهذا التقرير يظهر خطأ من قال انهما بمعنى واحد وفي رواية سفيان وأبي معاوية فيجتمع عليه أهل النار وفي رواية عاصم فيأتي عليه أهل اطاعته من الناس قوله فيقولون أي فلان في رواية سفيان وأبي معاوية فيقولون يا فلان وزاد ما شأنك وفي رواية عاصم أي قل أين ما كنت تأمرنا به قوله ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى في رواية سفيان أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا قوله اني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله وانهى عن المنكر وأفعله
[ 44 ]
في رواية سفيان آمركم وأنهاكم وله ولابي معاوية وآتيه ولا آتيه وفي رواية يعلى بل كنت آمر وفي رواية عاصم واني كنت آمركم بأمر وأخالفكم إلى غيره قال المهلب أرادوا من أسامة ان يكلم عثمان وكان من خاصته ومن يخفي عليه في شأن الوليد بن عقبة لانه كان ظهر عليه ريح نبيذ وشهر أمره وكان أخا عثمان لامه وكان يستعمله فقال أسامة قد كلمته سرا دون أن أفتح بابا أي باب الانكار على الائمة علانية خشية ان تفترق الكلمة ثم عرفهم انه لا يداهن أحدا ولو كان أميرا بل ينصح له في السر جهده وذكر لهم قصة الرجل الذي يطرح بالنار لكونه كان يأمر بالمعروف ولا يفعله ليتبرأ مما ظنوا به من سكوته عن عثمان في أخيه انتهى ملخصا وجزمه بأن مراد من سأل اسمة الكلام مع عثمان ان يكلمه في شأن الوليد ما عرفت مستنده فيه وسياق مسلم من طريق جرير عن الاعمش يدفعه ولفظه عن أبي وائل كنا عند أسامة بن زيد فقال له رجل ما يمنعك ان تدخل على عثمان فتكلمه فيما يصنع قال وساق الحديث بمثله وجزم الكرماني بأن المراد ان يكلمه فيما أنكره الناس على عثمان من تولية أقاربه وغير ذلك مما اشتهر وقوله ان السبب في تحديث أسامة بذلك ليتبرأ مما ظنوه به ليس بواضح بل الذي يظهر ان أسامة كان يخشى على من ولي ولاية ولو صغرت انه لا بد من أن يأمر الرعية بالمعروف وينهاهم عن المنكر ثم لا يأمن من أن يقع منه تقصير فكان أسامة يرى انه لا يتأمر على أحد وإلى ذلك أشار بقوله لا أقول للامير أنه خير الناس بل غايته ان ينجو كفافا وقال عياض مراد أسامة انه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الامام لما يخشى من عاقبة ذلك بل يتلطف به وينصحه سرا فذلك أجدر بالقبول وقوله لا أقول لاحد يكون علي أميرا انه خير الناس فيه ذم مداهنة الامراء في الحق وإظهار ما يبطن خلافه كالمتملق بالباطل فأشار أسامة إلى المداراة المحمودة والمداهنة المذمومة وضابط المداراة ان لا يكون فيها قدح في الدين والمداهنة المذمومة ان يكون فيها تزيين القبيح وتصويب الباطل ونحو ذلك وقال الطبري اختلف السلف في الامر بالمعروف فقالت طائفة يجب مطلقا واحتجوا بحديث طارق بن شهاب رفعه أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر وبعموم قوله من رأى منكم منكرا فليغيره بيده الحديث وقال بعضهم يجب إنكار المنكر لكن شرطه الا يلحق المنكر بلاء لا قبل له من قتل ونحوه وقال آخرون ينكر بقلبه لحديث أم سلمة مرفوعا يستعمل عليكم أمراء بعدي فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع الحديث قال والصواب اعتبار الشرط المذكور ويدل عليه حديث لا ينبغي لمؤمن ان يذل نفسه ثم فسره بأن يتعرض من البلاء لما لا يطيق انتهى ملخصا وقال غيره يجب الامر بالمعروف لمن قدر عليه ولم يخف على نفسه منه ضررا ولو كان الآمر متلبسا بالمعصية لانه في الجملة يؤجر على الامر بالمعروف ولا سيما ان كان مطاعا واما اثمه الخاص به فقد يغفره الله له وقد يؤاخذه به واما من قال لا يأمر بالمعروف الا من ليست فيه وصمة فان أراد أنه الاولى فجيد والا فيستلزم سد باب الامر إذا لم يكن هناك غيره ثم قال الطبري فان قيل كيف صار المأمورون بالمعروف في حديث أسامة المذكور في النار والجواب انهم لم يمتثلوا ما أمروا به فعذبوا بمعصيتهم وعذب أميرهم بكونه كان يفعل ما ينهاهم عنه وفي الحديث تعظيم الامراء والادب معهم وتبليغهم ما يقول الناس فيهم ليكفوا ويأخذوا حذرهم بلطف وحسن تأدية بحيث يبلغ المقصود من غير أذية للغير (0)
[ 45 ]
قوله باب كذا للجميح بغير ترجمة وسقط لابن بطال وذكر فيه ثلاثة أحاديث تتعلق بوقعة الجمل ثالثها من رواية ثلاثة وتعلقه بما قبله ظاهر فانها كانت أول وقعة تقاتل فيها المسلمون الحديث الاول (6686) قوله عوف هو الاعرابي والحسن هو البصري والسند كله بصريون وقد تقدم القول في سماع الحسن بن أبي بكرة في كتاب الصلح وقد تابع عوفا حميد الطويل عن الحسن أخرجه البزار وقال رواه عن الحسن جماعة وأحسنها إسنادا رواية حميد قوله لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل في رواية حميد عصمني الله بشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جمع عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة قصة الجمل مطولة وها أنا ألخصها واقتصر على ما أورده بسند صحيح أو حسن وأبين ما عداه فأخرج من طريق عطية بن سفيان الثقفي عن أبيه قال لما كان الغد من قتل عثمان أقبلت مع علي فدخل المسجد فإذا جماعة علي وطلحة فخرج أبو جهم بن حذيفة فقال يا علي ألا ترى فلم يتكلم ودخل بيته فأتى بثريد فأكل ثم قال يقتل بن عمي ونغلب على ملكه فخرج إلى بيت المال ففتحه فلما تسامع الناس تركوا طلحة ومن طريق مغيرة عن إبراهيم عن علقمة قال قال الاشتر رأيت طلحة والزبير بايعا عليا طائعين غير مكرهين ومن طريق أبي نضرة قال كان طلحة يقول انه بايع وهو مكره ومن طريق داود بن أبي هند عن الشعبي قال لما قتل عثمان اتى الناس عليا وهو في سوق المدينة فقالوا له ابسط يدك نبايعك فقال حتى يتشاور الناس فقال بعضهم لان رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقم بعده قائم لم يؤمن الاختلاف وفساد الامة فأخذ الاشتر بيده فبايعوه ومن طريق بن شهاب قال لما قتل عثمان وكان علي خلا بينهم فلما خشي انهم يبايعون طلحة دعا الناس إلى بيعته فلم يعدلوا به طلحة ولا غيره ثم أرسل إلى طلحة والزبير فبايعاه ومن طريق بن شهاب ان طلحة والزبير استأذنا عليا في العمرة ثم خرجا إلى مكة فلقيا عائشة فاتفقوا على الطلب بدم عثمان حتى يقتلوا قتلته ومن طريق عوف الاعرابي قال استعمل عثمان يعلى بن أمية على صنعاء وكان عظيم الشأن عنده فلما قتل عثمان وكان يعلى قدم حاجا فاعان طلحة والزبير باربعمائة ألف وحمل سبعين رجلا من قريش واشترى لعائشة جملا يقال له عسكر بثمانين دينارا ومن طريق عاصم بن كليب عن أبيه قال قال علي أتدرون بمن بليت أطوع الناس في الناس عائشة وأشد الناس الزبير وأدهى الناس طلحة وأيسر الناس يعلى بن أمية ومن طريق بن أبي ليلى قال خرج علي في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ومن طريق محمد بن علي بن أبي طالب قال سار علي من المدينة ومعه تسعمائة راكب فنزل بذي قار ومن طريق قيس بن أبي حازم قال لما أقبلت عائشة فنزلت بعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب فقال أي ماء هذا قالوا الحوأب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها همزة ثم موحدة قالت ما أظنني الا راجعة فقال لها بعض من كان معها بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم فقالت ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لنا ذات يوم كيف باحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب وأخرج هذا أحمد وأبو يعلى والبزار وصححه بن حبان والحاكم وسنده على شرط الصحيح وعند أحمد فقال لها الزبير تقدمين فذكره ومن طريق عصام بن قدامة عن عكرمة عن بن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه أيتكن صاحبة الجمل الادبب بهمزة مفتوحة ودال ساكنة ثم موحدتين الاولى مفتوحة تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب يقتل
[ 46 ]
عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة وتنجوا من بعد ما كادت وهذا رواه البزار ورجاله ثقات وأخرج البزار من طريق زيد بن وهب قال بينا نحن حول حذيفة إذ قال كيف أنتم وقد خرج أهل بيت نبيكم فرقتين يضرب بعضكم وجوه بعض بالسيف قلنا يا أبا عبد الله فكيف نصنع إذا أدركنا ذلك قال انظروا إلى الفرقة التي تدعو إلى أمر علي بن أبي طالب فانها على الهدى وأخرج الطبراني من حديث بن عباس قال بلغ أصحاب علي حين ساروا معه ان أهل البصرة اجتمعوا بطلحة والزبير فشق عليهم ووقع في قلوبهم فقال علي والذي لا اله غيره لنظهرن على أهل البصرة ولنقتلن طلحة والزبير الحديث وفي سنده إسماعيل بن عمرو البجلي وفيه ضعف وأخرج الطبراني من طريق محمد بن قيس قال ذكر لعائشة يوم الجمل قالت والناس يقولون يوم الجمل قالوا نعم قالت وددت اني جلست كما جلس غيري فكان احب الي من ان اكون ولدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وفي سنده أبو معشر نجيح المدني وفيه ضعف وأخرج إسحاق بن راهويه من طريق سالم المرادي سمعت الحسن يقول لما قدم على البصرة في أمر طلحة وأصحابه قام قيس بن عباد وعبد الله بن الكواء فقالا له أخبرنا عن مسيرك هذا فذكر حديثا طويلا في مبايعته أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم ذكر طلحة والزبير فقال بايعاني بالمدينة وخالفاني بالبصرة ولو ان رجلا ممن بايع أبا بكر خالفه لقاتلناه وكذلك عمر وأخرج أحمد والبزار بسند حسن من حديث أبي رافع ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب انه سيكون بينك وبين عائشة أمر قال فانا أشقاهم يا رسول الله قال لا ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها وأخرج إسحاق من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن عبد السلام رجل من حيه قال خلا علي بالزبير يوم الجمل فقال أنشدك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأنت لاوي يدي لتقاتلنه وأنت ظالم له ثم لينصرن عليك قال قد سمعت لا جرم لا أقاتلك وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة من طريق عمر بن الهجنع بفتح الهاء والجيم وتشديد النون بعدها مهملة عن أبي بكرة وقيل له ما منعك ان تقاتل مع أهل البصرة يوم الجمل فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج قوم هلكى لا يفلحون قائدهم امرأة في الجنة فكأن أبا بكرة أشار إلى هذا الحديث فامتنع من القتال معهم ثم استصوب رأيه في ذلك الترك لما رأى غلبة علي وقد أخرج الترمذي والنسائي الحديث المذكور من طريق حميد الطويل عن الحسن البصري عن أبي بكرة بلفظ عصمني الله بشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث قال فلما قدمت عائشة ذكرت ذلك فعصمني الله وأخرج عمر بن شبة من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن أن عائشة أرسلت إلى أبي بكرة فقال انك لام وان حقك لعظيم ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لن يفلح قوم تملكهم امرأة قوله لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارسا قال بن مالك كذا وقع مصروفا والصواب عدم صرفه وقال الكرماني هو يطلق على الفرس وعلى بلادهم فعلى الاول يصرف الا ان يراد القبيلة وعلى الثاني يجوز الامران كسائر البلاد انتهى وقد جوز بعض أهل اللغة صرف الاسماء كلها قوله ملكوا ابنة كسرى في رواية حميد لما هلك كسرى قال النبي صلى الله عليه وسلم من استخلفوا قالوا ابنته قوله لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة بالنصب على المفعولية وفي رواية حميد ولي أمرهم امرأة بالرفع على انها الفاعل
[ 47 ]
وكسرى المذكور هو شيرويه بن ابرويز بن هرمز واسم ابنته المذكورة بوران وقد تقدم في آخر المغازي في باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى شرح ذلك وقوله ولوا أمرهم امرأة زاد الاسماعيلي من طريق النضر بن شميل عن عوف في آخره قال أبو بكرة فعرفت ان أصحاب الجمل لن يفلحوا ونقل بن بطال عن المهلب أن ظاهر حديث أبي بكرة يوهم توهين رأي عائشة فيما فعلت وليس كذلك لان المعروف من مذهب أبي بكرة أنه كان على رأي عائشة في طلب الاصلاح بين الناس ولم يكن قصدهم القتال لكن لما انتشبت الحرب لم يكن لمن معها بد من المقاتلة ولم يرجع أبو بكرة عن رأي عائشة وانما تفرس بأنهم يغلبون لما رأى الذين مع عائشة تحت أمرها لما سمع في أمر فارس قال ويدل لذلك ان أحدا لم ينقل ان عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة وانما أنكرت هي ومن معها على علي منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم وكان علي ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه فاختلفوا بحسب ذلك وخشي من نسب إليهم القتل أن يصطلحوا على قتلهم فأنشبوا الحرب بينهم إلى ان كان ما كان فلما انتصر علي عليهم حمد أبو بكرة رأيه في ترك القتال معهم وان كان رأيه كان موافقا لرأي عائشة في الطلب بدم عثمان انتهى كلامه وفي بعضه نظر يظهر مما ذكرته ومما سأذكره وتقدم قريبا في باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما من حديث الاحنف انه كان خرج لينصر عليا فلقيه أبو بكرة فنهاه عن القتال وتقدم قبله بباب من قول أبي بكرة لما حرق بن الحضرمي ما يدل على انه كان لا يرى القتال في مثل ذلك أصلا فليس هو على رأي عائشة ولا على رأي علي في جواز القتال بين المسلمين أصلا وانما كان رأيه الكف وفاقا لسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر وغيرهم ولهذا لم يشهد صفين مع معاوية ولا علي قال بن التين احتج بحديث أبي بكرة من قال لا يجوز أن تولى المرأة القضاء وهو قول الجمهور وخالف بن جرير الطبري فقال يجوز ان تقضي فيما تقبل شهادتها فيه وأطلق بعض المالكية الجواز وقال بن التين أيضا كلام أبي بكرة يدل على انه لولا عائشة لكان مع طلحة والزبير لانه لو تبين له خطؤهما لكان مع علي كذا قال وأغفل قسما ثالثا وهو انه كان يرى الكف عن القتال في الفتنة كما تقدم تقريره وهذا هو المعتمد ولا يلزم من كونه ترك القتال مع أهل بلده للحديث المذكور ان لا يكون مانعه من القتال سبب آخر وهو ما تقدم من نهيه الاحنف عن القتال واحتجاجه بحديث إذا التقى المسلمان بسيفيهما كما تقدم قريبا الحديث الثاني حديث عمار في حق عائشة أخرجه من وجهين مطولا ومختصرا (6687) قوله حدثنا عبد الله بن محمد هو الجعفي المسندي وأبو حصين بفتح أوله هو عثمان بن عاصم وأبو مريم المذكور أسدي كوفي هو وجميع رواة الاسناد الا شيخه وشيخ البخاري وقد وثق أبا مريم المذكور العجلي والدارقطني وما له في البخاري الا هذا الحديث قوله لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة ذكر عمر بن شبة بسند جيد انهم توجهوا من مكة بعد ان أهلت السنة وذكر بسند له آخر ان الوقعة بينهم كانت في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وذكر من رواية المدائني عن العلاء أبي محمد عن أبيه قال جاء رجل إلى علي وهو بالزاوية فقال علام تقاتل هؤلاء قال على الحق قال فانهم يقولون انهم على الحق قال اقاتلهم على الخروج من الجماعة ونكث البيعة وأخرج الطبري من طريق
[ 48 ]
عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه قال رأيت في زمن عثمان أن رجلا أميرا مرض وعند رأسه امرأة والناس يريدونه فلو نهتهم المرأة لانتهوا ولكنها لم تفعل فقتلوه ثم غزوت تلك السنة فبلغنا قتل عثمان فلما رجعنا من غزاتنا وانتهينا إلى البصرة قيل لنا هذا طلحة والزبير وعائشة فتعجب الناس وسألوهم عن سبب مسيرهم فذكروا انهم خرجوا غضبا لعثمان وتوبة مما صنعوا من خذلانه وقالت عائشة غضبنا لكم على عثمان في ثلاث امارة الفتى وضرب السوط والعصا فما انصفناه ان لم نغضب له في ثلاث حرمة الدم والشهر والبلد قال فسرت انا ورجلان من قومي إلى علي وسلمنا عليه وسألناه فقال عدا الناس على هذا الرجل فقتلوه وانا معتزل عنهم ثم ولوني ولولا الخشية على الدين لم أجبهم ثم استأذنني الزبير وطلحة في العمرة فأخذت عليهما العهود واذنت لهما فعرضا أم المؤمنين لما لا يصلح لها فبلغني أمرهم فخشيت ان ينفتق في الاسلام فتق فأتبعتهم فقال أصحابه والله ما نريد قتالهم الا ان يقاتلوا وما خرجنا الا للاصلاح فذكر القصة وفيها ان أول ما وقعت الحرب أن صبيان العسكرين تسابوا ثم تراموا ثم تبعهم العبيد ثم السفهاء فنشبت الحرب وكانوا خندقوا على البصرة فقتل قوم وجرح آخرون وغلب أصحاب علي ونادى مناديه لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا جريحا ولا تدخلوا دار أحد ثم جمع الناس وبايعهم واستعمل بن عباس على البصرة ورجع إلى الكوفة وأخرج بن أبي شيبة بسند جيد عن عبد الرحمن بن أبزى قال انتهى عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة يوم الجمل وهي في الهودج فقال يا أم المؤمنين أتعلمين اني أتيتك عندما قتل عثمان فقلت ما تأمريني فقلت الزم عليا فسكتت فقال اعقروا الجمل فعقروه فنزلت أنا وأخوها محمد فاحتملنا هودجها فوضعناه بين يدي علي فأمر بها فأدخلت بيتا وأخرج أيضا بسند صحيح عن زيد بن وهب قال فكف علي يده حتى بدءوه بالقتال فقاتلهم بعد الظهر فما غربت الشمس وحول الجمل أحد فقال علي لا تتمموا جريحا ولا تقتلوا مدبرا ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن وأخرج الشافعي من رواية علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال دخلت على مروان بن الحكم فقال ما رأيت أحدا أكرم غلبة من أبيك يعني عليا ما هو الا ان ولينا يوم الجمل فنادى مناديه لا يقتل مدبر ولا يذقف على جريح واخرج الطبري وابن أبي شيبة وإسحاق من طريق عمرو بن جاوان عن الاحنف قال حججت سنة قتل عثمان فدخلت المدينة فذكر كلام عثمان في تذكيرهم بمناقبه وقد تقدم في باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما ثم ذكر اعتزاله الطائفتين قال ثم التقوا فكان أول قتيل طلحة ورجع الزبير فقتل وأخرج الطبري بسند صحيح عن علقمة قال قلت للاشتر قد كنت كارها لقتل عثمان فكيف قاتلت يوم الجمل قال ان هؤلاء بايعوا عليا ثم نكثوا عهده وكان الزبير هو الذي حرك عائشة على الخروج فدعوت الله ان يكفينيه فلقيني كفه بكفه فما رضيت لشدة ساعدي ان قمت في الركاب فضربته على رأسه ضربة فصرعته فذكر القصة في انهما سلما قوله بعث علي عمار بن ياسر وحسن بن علي فقدما علينا الكوفة ذكر عمر بن شبة والطبري سبب ذلك بسندهما إلى بن أبي ليلى قال كان علي أقر أبا موسى على امرة الكوفة فلما خرج من المدينة أرسل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إليه ان انهض من قبلك من المسلمين وكن من اعواني على الحق فاستشار أبو موسى السائب بن مالك الاشعري فقال اتبع ما أمرك به قال اني لا أرى ذلك وأخذ في تخذيل الناس عن النهوض فكتب هاشم إلى علي
[ 49 ]
بذلك وبعث بكتابه مع محل بن خليفة الطائي فبعث على عمار بن ياسر والحسن بن علي يستنفران الناس وامر قرظة بن كعب علي الكوفة فلما قرأ كتابه على أبي موسى اعتزل ودخل الحسن وعمار المسجد وأخرج بن أبي شيبة بسند صحيح عن زيد بن وهب قال اقبل طلحة والزبير حتى نزلا البصرة فقبضا على عامل علي عليها بن حنيف وأقبل علي حتى نزل بذي قار فأرسل عبد الله بن عباس إلى الكوفة فابطؤا عليه فأرسل إليهم عمارا فخرجوا إليه قوله فصعد المنبر فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل من الحسن فاجتمع إليه فسمعت عمارا يقول زاد الاسماعيلي من وجه آخر عن أبي بكر بن عياش صعد عمار المنبر وحض الناس في الخروج إلى قتال عائشة وفي رواية إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم بالسند المذكور فقال عمار ان أمير المؤمنين بعثنا اليكم لنستنفركم فان أمنا قد سارت إلى البصرة وعند عمر بن شبة عن حبان بن بشر عن يحيى بن آدم في حديث الباب فكان عمار يخطب والحسن ساكت ووقع في رواية بن أبي ليلى في القصة المذكورة فقال الحسن ان عليا يقول اني أذكر الله رجلا رعى لله حقا الا نفر فان كنت مظلوما اعانني وان كنت ظالما أخذلني والله ان طلحة والزبير لاول من بايعني ثم نكثا ولم استأثر بمال ولا بدلت حكما قال فخرج إليه اثنا عشر ألف رجل قوله ان عائشة قد سارت إلى البصرة ووالله انها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي في رواية إسحاق ليعلم انطيعه أم إياها وفي رواية الاسماعيلي من طريق أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عياش بعد قوله قد سارت إلى البصرة والله اني لاقول لكم هذا ووالله انها لزوجة نبيكم زاد عمر بن شبة في روايته وان أمير المؤمنين بعثنا اليكم وهو بذي قار ووقع عند بن أبي شيبة من طريق شمر بن عطية عن عبد الله بن زياد قال قال عمار ان امنا سارت مسيرها هذا وانها والله زوج محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أو إياها ومراد عمار بذلك ان الصواب في تلك القصة كان مع علي وان عائشة مع ذلك لم تخرج بذلك عن الاسلام ولا ان تكون زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة فكان ذلك يعد من انصاف عمار وشدة ورعه وتحريه قول الحق وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن أبي يزيد المديني قال قال عمار بن ياسر لعائشة لما فرغوا من الجمل ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد اليكم يشير إلى قوله تعالى وقرن في بيوتكن فقالت أبو اليقظان قال نعم قالت والله انك ما علمت لقوال بالحق قال الحمد لله الذي قضى لي على لسانك وقوله ليعلم إياه تطيعون أم هي قال بعض الشراح الضمير في إياه لعلي والمناسب ان يقال أم إياها لا هي وأجاب الكرماني بأن الضمائر يقوم بعضها مقام بعض انتهى وهو على بعض الآراء وقد وقع في رواية إسحاق بن راهويه في مسنده عن يحيى بن آدم بسند حديث الباب ولكن الله ابتلانا بها ليعلم انطيعه أم إياها فظهر ان ذلك من تصرف الرواة وأما قوله ان الضمير في إياه لعلي فالظاهر خلافه وانه لله تعالى والمراد إظهار المعلوم كما في نظائره (6688) الله تبارك وتعالى قوله عن بن أبي غنية بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد التحتانية هو عبد الملك بن حميد ماله في البخاري الا هذا الحديث وصرح بذلك أبو زرعة الدمشقي في روايته عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه أخرجه أبو نعيم الاصبهاني في مستخرجه والحكم هو بن عيينة والسند كله كوفيون قوله قام عمار على منبر الكوفة هذا طرف من الحديث الذي قبله وأراد البخاري بإيراد
[ 50 ]
تقوية حديث أبي مريم لكونه ممن فرد به عنه أبو حصين وقد رواه أيضا عن الحكم شعبة أخرجه الاسماعيلي وزاد في أوله قال لما بعث علي عمارا والحسن إلى الكوفة يستنفرهم خطب عمار فذكره قال بن هبيرة في هذا الحديث ان عمارا كان صادق اللهجة وكان لا تستخفه الخصومة إلى ان ينتقص خصمه فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من الحرب انتهى وفيه جواز ارتفاع ذي الامر فوق من هو أسن منه وأعظم سابقة في الاسلام وفضلا لان الحسن ولد أمير المؤمنين فكان حينئذ هو الامير على من أرسلهم علي وعمار من جملتهم فصعد الحسن أعلى المنبر فكان فوق عمار وان كان في عمار من الفضل ما يقتضي رجحانه فضلا عن مساواته ويحتمل ان يكون عمار فعل ذلك تواضعا مع الحسن واكراما له من أجل جده صلى الله عليه وسلم وفعله الحسن مطاوعة له لا تكبرا عليه الحديث الثالث حديث أبي موسى وأبي مسعود وعمار بن ياسر فيما يتعلق بوقعة الجمل أخرجه من طريقين (6689) قوله أخبرني عمرو هو بن مرة وصرح به في رواية أحمد بن حنبل عن محمد بن جعفر وكذا الاسماعيلي في روايته من طريق عبد الله بن المبارك كلاهما عن شعبة قوله حيث بعثه علي إلى أهل الكوفة يستنفرهم في رواية الكشميهني حين بدل حيث وفي رواية الاسماعيلي يستنفر أهل الكوفة إلى أهل البصرة قوله ما رأيناك أتيت أمرا أكره عندنا من اسراعك في هذا الامر منذ أسلمت زاد في الرواية الثانية ان الذي تولى خطاب عمار ذلك هو أبو مسعود وهو عقبة بن عمرو الانصاري وكان يومئذ يلي لعلي بالكوفة كما كان أبو موسى يلي لعثمان قوله وكساهما حلة في رواية الاسماعيلي فكساهما حلة حلة وبين في الرواية التي تلي هذه ان فاعل كسى هو أبو مسعود وهو في هذه الرواية محتمل فيحمل على ذلك قوله ثم راحوا إلى المسجد في رواية الاسماعيلي ثم خرجوا إلى الصلاة يوم الجمعة وفي رواية محمد بن جعفر فقام أبو مسعود فبعث إلى كل واحد منهما حلة قال بن بطال فيما دار بينهما دلالة على ان كلا من الطائفتين كان مجتهدا ويرى ان الصواب معه قال وكان أبو مسعود موسرا جوادا وكان اجتماعهم عند أبي مسعود في يوم الجمعة فكسى عمارا حلة ليشهد بها الجمعة لانه كان في ثياب السفر وهيئة الحرب فكره ان يشهد الجمعة في تلك الثياب وكره ان يكسوه بحضرة أبي موسى ولا يكسو أبا موسى فكسا أبا موسى أيضا وقوله أعيب بالعين المهملة والموحدة أفعل تفضيل من العيب وجعل كل منهم الابطاء والاسراع عيبا بالنسبة لما يعتقده فعمار لما في الابطاء من مخالفة الامام وترك امتثال فقاتلوا التي تبغي والآخران لما ظهر لهما من ترك مباشرة القتال في الفتنة وكان أبو مسعود على رأي أبي موسى في الكف عن القتال تمسكا بالاحاديث الواردة في ذلك وما في حمل السلاح على المسلم من الوعيد وكان عمار على رأي علي في قتال الباغين والناكثين والتمسك بقوله تعالى فقاتلوا التي تبغي وحمل الوعيد الوارد في القتال على من كان متعديا على صاحبه تنبيه وقع في رواية النسفي وكذا الاسماعيلي قبل سياق سند بن أبي غنية باب بغير ترجمة وسقط للباقين وهو الصواب لان فيه الحديث الذي قبله وان كان فيه زيادة في القصة (0) قوله باب إذا انزل الله بقوم عذابا حذف الجواب اكتفاء بما وقع في الحديث (6691) قوله عبد الله بن عثمان هو عبدان وعبد الله شيخه هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد قوله إذا انزل الله بقوم عذابا أي عقوبة لهم على سئ أعمالهم قوله أصاب العذاب
[ 51 ]
من كان فيهم في رواية أبي النعمان عن بن المبارك أصاب به من بين أظهرهم أخرجه الاسماعيلي والمراد من كان فيهم ممن ليس هو على رأيهم قوله ثم بعثوا على أعمالهم أي بعث كل واحد منهم على حسب عمله ان كان صالحا فعقباه صالحة والا فسيئة فيكون ذلك العذاب طهرة للصالحين ونقمة على الفاسقين وفي صحيح بن حبان عن عائشة مرفوعا ان الله إذا انزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم ثم بعثوا على نياتهم واعمالهم وأخرجه البيهقي في الشعب وله من طريق الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب عنها مرفوعا إذا ظهر السوء في الارض أنزل الله بأسه فيهم قيل يا رسول الله وفيهم أهل طاعته قال نعم ثم يبعثون إلى رحمة الله تعالى قال بن بطال هذا الحديث يبين حديث زينب بنت جحش حيث قالت انهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث فيكون اهلاك الجميع عند ظهور المنكر والاعلان بالمعاصي قلت الذي يناسب كلامه الاخير حديث أبي بكر الصديق سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك ان يعمهم الله بعقاب أخرجه الاربعة وصححه ابن حبان وأما حديث بن عمر في الباب وحديث زينب بنت جحش فتناسبان وقد أخرجه مسلم عقبه ويجمعهما ان الهلاك يعم الطائع مع العاصي وزاد حديث بن عمر ان الطائع عند البعث يجازى بعمله ومثله حديث عائشة مرفوعا العجب ان ناسا من أمتي يؤمون هذا البيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم فقلنا يا رسول الله ان الطريق قد تجمع الناس قال نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم أخرجه مسلم وله من حديث أم سلمة نحوه ولفظه فقلت يا رسول الله فكيف بمن كان كارها قال يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته وله من حديث جابر رفعه يبعث كل عبد على ما مات عليه وقال الداودي معنى حديث بن عمر ان الامم التي تعذب على الكفر يكون بينهم أهل أسواقهم ومن ليس منهم فيصاب جميعهم بآجالهم ثم يبعثون على أعمالهم ويقال إذا أراد الله عذاب أمة أعقم نساؤهم خمس عشرة سنة قبل ان يصابوا لئلا يصاب الولدان الذين لم يجر عليهم القلم انتهى وهذا ليس له أصل وعموم حديث عائشة يرده وقد شوهدت السفينة ملاى من الرجال والنساء والاطفال تغرق فيهلكون جميعا ومثله الدار الكبيرة تحرق والرفقة الكثيرة تخرج عليها قطاع الطريق فيهلكون جميعا أو أكثرهم والبلد من بلاد المسلمين يهجمها الكفار فيبذلون السيف في أهلها وقد وقع ذلك من الخوارج قديما ثم من القرامطة ثم من الططر أخيرا والله المستعان قال القاضي عياض أورد مسلم حديث جابر يبعث كل عبد على ما مات عليه عقب حديث جابر أيضا رفعه لا يموتن أحدكم الا وهو يحسن الظن بالله يشير إلى انه مفسر له ثم أعقبه بحديث ثم بعثوا على أعمالهم مشيرا إلى انه وان كان مفسرا لما قبله لكنه ليس مقصورا عليه بل هو عام فيه وفي غيره ويؤيده الحديث الذي ذكره بعده ثم يبعثهم الله على نياتهم انتهى ملخصا والحاصل انه لا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب أو العقاب بل يجازى كل أحد بعمله على حسب نيته وجنح بن أبي جمرة إلى ان الذين يقع لهم ذلك انما يقع بسبب سكوتهم عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واما من أمر ونهى فهم المؤمنون حقا لا يرسل الله عليهم العذاب بل يدفع بهم العذاب ويؤيده قوله تعالى وما كنا مهلكي القرى الا وأهلها ظالمون وقوله
[ 52 ]
تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ويدل على تعميم العذاب لمن لم ينه عن المنكر وان لم يتعاطاه قوله تعالى فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انكم إذا مثلهم ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة لان الاقامة معهم من القاء النفس إلى التهلكة هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم فان أعان أو رضي فهو منهم ويؤيده أمره صلى الله عليه وسلم بالاسراع في الخروج من ديار ثمود وأما بعثهم على أعمالهم فحكم عدل لان أعمالهم الصالحة انما يجازون بها في الآخرة واما في الدنيا فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيرا لما قدموه من عمل سئ فكان العذاب المرسل في الدنيا على الذي ظلموا يتناول من كان معهم ولم ينكر عليهم فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم ثم يوم القيامة يبعث كل منهم فيجازى بعمله وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي فكيف بمن داهن فكيف بمن رضي فكيف بمن عاون نسأل الله السلامة قلت ومقتضى كلامه ان أهل الطاعة لا يصيبهم العذاب في الدنيا بجريرة العصاة والى ذلك جنح القرطبي في التذكرة وما قدمناه قريبا أشبه بظاهر الحديث والى نحوه مال القاضي بن العربي وسيأتي ذلك في الكلام على حديث زينب بنت جحش أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث في آخر كتاب الفتن (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي ان ابني هذا لسيد في رواية المروزي والكشميهني سيد بغير لام وكذا لهم في مثل هذه الترجمة في كتاب الصلح وبحذف ان وساق المتن هناك بلفظ ان ابني هذا سيد وساقه هنا بحذفها فأشار إلى في من الموضعين إلى ما وقع في الآخر وقد أخرجه هناك عن عبد الله بن محمد عن سفيان بتمامه ثم نقل عن علي بن عبد الله ما يتعلق بسماع الحسن من أبي بكرة وساقه هنا عن علي بن عبد الله فلم يذكر ذلك ولم أر في شئ من طرق المتن لسيد باللام كما وقع في هذه الترجمة وقد أخرجه الاسماعيلي من رواية سبعة أنفس عن سفيان بن عيينة وبين اختلاف ألفاظهم وذكر في الباب الحديث المذكور وحديثا لاسامة بن زيد (6692) قوله حدثنا إسرائيل أبو موسى هي كنية إسرائيل واسم أبيه موسى فهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه فيؤمن فيه من التصحيف وهو بصري كان يسافر في التجارة إلى الهند وأقام بها مدة قوله ولقيته بالكوفة قائل ذلك هو سفيان بن عيينة والجملة حالية قوله وجاء إلى بن شبرمة هو عبد الله قاضي الكوفة في خلافة أبي جعفر المنصور ومات في خلافته سنة أربع وأربعين ومائة وكان صارما عفيفا ثقة فقيها قوله فقال أدخلني على عيسى فأعظه بفتح الهمزة وكسر العين المهملة وفتح الظاء المشالة من الوعظ وعيسى هو بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن أخي المنصور وكان أميرا على الكوفة إذ ذاك قوله فكأن بالتشديد بن شبرمة خاف عليه أي على إسرائيل فلم يفعل أي فلم يدخله على عيسى بن موسى ولعل سبب خوفه عليه انه كان صادعا بالحق فخشي انه لا يتلطف بعيسى فيبطش به لما عنده من غرة الشباب وغرة الملك قال بن بطال دل ذلك من صنيع بن شبرمة على ان من خاف على نفسه سقط عنه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وكانت وفاة عيسى المذكور في خلافة المهدي سنة ثمان وستين ومائة قوله قال حدثنا الحسن يعني البصري والقائل حدثنا هو إسرائيل المذكور قال البزار في مسنده بعد ان أخرج هذا الحديث عن خلف بن خليفة عن سفيان بن عيينة لا نعلم رواه عن إسرائيل
[ 53 ]
غير سفيان وتعقبه مغلطاي بأن البخاري أخرجه في علامات النبوة من طريق حسين بن علي الجعفي عن أبي موسى وهو إسرائيل هذا وهو تعقب جيد ولكن لم ار فيه القصة وانما اخرج فيه الحديث المرفوع فقط قوله لما سار الحسن بن علي إلى معاوية بالكتائب في رواية عبد الله بن محمد عن سفيان في كتاب الصلح استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال والكتائب بمثناة وآخره موحدة جمع كتيبة بوزن عظيمة وهي طائفة من الجيش تجتمع وهي فعيلة بمعنى مفعولة لان أمير الجيش إذا رتبهم وجعل كل طائفة على حدة كتبهم في ديوانه كذلك ذكر ذلك بن التين عن الداودي ومنه قيل مكتب بني فلان قال وقوله أمثال الجبال أي لا يرى لها طرف لكثرتها كما لا يرى من قابل الجبل طرفه ويحتمل ان يريد شدة البأس وأشار الحسن البصري بهذه القصة إلى ما اتفق بعد قتل علي رضي الله عنه وكان علي لما انقضى أمر التحكيم ورجع إلى الكوفة تجهز لقتال أهل الشام مرة بعد أخرى فشغله أمر الخوارج بالنهروان كما تقدم وذلك في سنة ثمان وثلاثين ثم تجهز في سنة تسع وثلاثين فلم يتهيأ ذلك لافتراق آراء أهل العراق عليه ثم وقع الجد منه في ذلك في سنة أربعين فأخرج إسحاق من طريق عبد العزيز بن سياه بكسر المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف قال لما خرج الخوارج قام علي فقال اتسيرون إلى الشام أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في دياركم قالوا بل نرجع إليهم فذكر قصة الخوراج قال فرجع علي إلى الكوفة فلما قتل واستخلف الحسن وصالح معاوية كتب إلى قيس بن سعد بذلك فرجع عن قتال معاوية وأخرج الطبري بسند صحيح عن يونس بن يزيد عن الزهري قال جعل علي على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة وكانوا أربعين ألفا بايعوه على الموت فقتل علي فبايعوا الحسن بن علي بالخلافة وكان لا يحب القتال ولكن كان يريد أن يشترط على معاوية لنفسه فعرف ان قيس بن سعد لا يطاوعه على الصلح فنزعه وأمر عبد الله بن عباس فاشترط لنفسه كما اشترط الحسن وأخرج الطبري والطبراني من طريق إسماعيل بن راشد قال بعث الحسن قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفا يعني من الاربعين فسار قيس إلى جهة الشام وكان معاوية لما بلغه قتل علي خرج في عساكر من الشام وخرج الحسن بن علي حتى نزل المدائن فوصل معاوية إلى مسكن وقال بن بطال ذكر أهل العلم بالاخبار ان عليا لما قتل سار معاوية يريد العراق وسار الحسن يريد الشام فالتقيا بمنزل من ارض الكوفة فنظر الحسن إلى كثرة من معه فنادى يا معاوية اني اخترت ما عند الله فان يكن هذا الامر لك فلا ينبغي لي ان أنازعك فيه وان يكن لي فقد تركته لك فكبر أصحاب معاوية وقال المغيرة عند ذلك أشهد اني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ان ابني هذا سيد الحديث وقال في آخره فجزاك الله عن المسلمين خيرا انتهى وفي صحة هذا نظر من أوجه الاول ان المحفوظ ان معاوية هو الذي بدأ بطلب الصلح كما في حديث الباب الثاني ان الحسن ومعاوية لم يتلاقيا بالعسكرين حتى يمكن ان يتخاطبا وانما تراسلا فيحمل قوله فنادى يا معاوية على المراسلة ويجمع بأن الحسن راسل معاوية بذلك إسرا فراسله معاوية جهرا والمحفوظ ان كلام الحسن الاخير انما وقع بعد الصلح والاجتماع كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في الدلائل من طريقه ومن طريق غيره بسندهما إلى الشعبي إقال لما صالح الحسن بن علي معاوية قال له معاوية قم فتكلم فقام فحمد الله واثنى عليه ثم قال
[ 54 ]
اما بعد فان أكيس الكيس التقى وان اعجز العجز الفجور الا وان هذا الامر الذي اختلفت فيه انا ومعاوية حق لامرئ كان أحق به مني أو حق لي تركته لارادة إصلاح المسلمين وحقن دمائهم وان أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ثم استغفر ونزل وأخرج يعقوب بن سفيان ومن طريقه أيضا البيهقي في الدلائل من طريق الزهري فذكر القصة وفيها فخطب معاوية ثم قال قم يا حسن فكلم الناس فتشهد ثم قال أيها الناس ان الله هداكم بأولنا وحقن دمائكم بآخرنا وان لهذا الامر مدة والدنيا دول وذكر بقية الحديث والثالث ان الحديث لابي بكرة لا للمغيرة لكن الجمع ممكن بأن يكون المغيرة حدث به عندما سمع مراسلة الحسن بالصلح وحدث به أبو بكرة بعد ذلك وقد روى أصل الحديث جابر أورده الطبراني والبيهقي في الدلائل من فوائد يحيى بن معين بسند صحيح إلى جابر وأورده الضياء في الاحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين وعجبت للحاكم في عدم استدراكه مع شدة حرصه على مثله قال بن بطال سلم الحسن لمعاوية الامر وبايعه على إقامة كتاب الله وسنة نيبه ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس فسميت سنة الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب وبايع معاوية كل من كان معتزلا للقتال كابن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وأجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألف وألف ثوب وثلاثين عبدا ومائة جمل وانصرف إلى المدينة وولى معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة والبصرة عبد الله بن عامر ورجع إلى دمشق قوله قال عمرو بن العاص لمعاوية أرى كتيبة لا تولى بالتشديد أي لا تدبر قوله حتى تدبر أخراها أي التي تقابلها ونسبها إليها لتشاركهما في المحاربة وهذا على ان يدبر من أدبر رباعيا ويحتمل ان يكون من دبر يدبر بفتح أوله وضم الموحدة أي يقوم مقامها يقال دبرته إذا بقيت بعده وتقدم في رواية عبد الله بن محمد في الصلح اني لارى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها وهي أبين قال عياض هي الصواب ومقتضاه ان الاخرى خطأ وليس كذلك بل توجيهها ما تقدم وقال الكرماني يحتمل أيضا ان تراد الكتيبة الاخيرة التي هي من جملة تلك الكتائب أي لا ينهزمون بأن ترجع الاخرى أولى قوله قال معاوية من لذراري المسلمين أي من يكفلهم إذا قتل آباؤهم زاد في الصلح فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين يعني معاوية أي عمرو ان قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بامور الناس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم يشير إلى ان رجال العسكرين معظم من في الاقليمين فإذا قتلوا ضاع أمر الناس وفسد حال أهليهم بعدهم وذراريهم والمراد بقوله ضيعتهم الاطفال والضعفاء سموا باسم ما يؤول إليه أمرهم لانهم إذا تركوا ضاعوا لعدم استقلالهم بأمر المعاش وفي رواية الحميدي عن سفيان في هذه القصة من لي بأمورهم من لي بدمائهم من لي بنسائهم واما قوله هنا في جواب قول معاوية من لذراري المسلمين فقال انا فظاهره يوهم ان المجيب بذلك هو عمرو بن العاص ولم أر في طرق الخبر ما يدل على ذلك فان كانت محفوظة فلعلها كانت فقال اني بتشديد النون المفتوحة قالها عمرو على سبيل الاستبعاد وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في بعث ذات السلاسل فذكر أخبارا كثيرة من التاريخ إلى ان قال وكان قيس بن سعد بن عبادة على مقدمة الحسن بن علي فأرسل إليه معاوية سجلا قد ختم في أسفله فقال أكتب فيه ما تريد فهو لك فقال له عمرو بن العاص بل نقاتله فقال معاوية وكان خير الرجلين على رسلك يا أبا عبد الله
[ 55 ]
لا تخلص إلى قتل هؤلاء حتى يقتل عددهم من أهل الشام فما خير الحياة بعد ذلك واني والله لا أقاتل حتى لا أجد من القتال بدا قوله فقال عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة نلقاه فنقول له الصلح أي نشير عليه بالصلح وهذا ظاهره انهما بدآ بذلك والذي تقدم في كتاب الصلح ان معاوية هو الذي بعثهما فيمكن الجمع بانهما عرضا انفسهما فوافقهما ولفظه هناك فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس أي بن عبد مناف بن قصي عبد الرحمن بن سمرة زاد الحميدي في مسنده عن سفيان بن حبيب بن عبد شمس قال سفيان وكانت له صحبة قلت وهو راوي حديث لا تسأل الامارة وسيأتي شئ من خبره في كتاب الاحكام وعبد الله بن عامر بن كريز بكاف وراء ثم زاي مصغر زاد الحميدي بن حبيب بن عبد شمس وقد مضى له ذكر في كتاب الحج وغيره وهو الذي ولاه معاوية البصرة بعد الصلح وبنو حبيب بن عبد شمس بنو عم بني أمية بن عبد شمس ومعاوية هو بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية فقال معاوية اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه أي ما شاء من المال وقولا له أي في حقن دماء المسلمين بالصلح واطلبا إليه أي اطلبا منه خلعه نفسه من الخلافة وتسليم الامر لمعاوية وابذلا له في مقابله ذلك ما شاء قال فقال لهما الحسن بن علي انا بنو عبد المطلب قد اصبنا من هذا المال وان هذه الامة قد عاثت في دمائها قالا فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك قال فمن لي بهذا قالا نحن لك به فما سألهما شيئا الا قالا نحن لك به فصالحه قال بن بطال هذا يدل على ان معاوية كان هو الراغب في الصلح وأنه عرض على الحسن المال ورغبه فيه وحثه على رفع السيف وذكره ما وعده به جده صلى الله عليه وسلم من سيادته في الاصلاح به فقال له الحسن انا بنو عبد المطلب أصبنا من هذا المال أي انا جبلنا على الكرم والتوسعة على اتباعنا من الاهل والموالي وكنا نتمكن من ذلك بالخلافة حتى صار ذلك لنا عادة وقوله أن هذه الامة أي العسكرين الشامي والعراقي قد عاثت بالمثلثة أي قتل بعضها بعضا فلا يكفون عن ذلك الا بالصفح عما مضى منهم والتألف بالمال وأراد الحسن بذلك كله تسكين الفتنة وتفرقة المال على من لا يرضيه الا المال فوافقاه على ما شرط من جميع ذلك والتزما له من المال في كل عام والثياب والاقوات ما يحتاج إليه لكل من ذكر وقوله من لي بهذا أي من يضمن لي الوفاء من معاوية فقالا نحن نضمن لان معاوية كان فوض لهما ذلك ويحتمل ان يكون قوله أصبنا من هذا المال أي فرقنا منه في حياة علي وبعده ما رأينا في ذلك صلاحا فنبه على ذلك خشية ان يرجع عليه بما تصرف فيه وفي رواية إسماعيل بن راشد عند الطبري فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الله بن سمرة بن حبيب كذا قال عبد الله وكذا وقع عند الطبراني والذي في الصحيح أصح ولعل عبد الله كان مع أخيه عبد الرحمن قال فقدما على الحسن بالمدائن فاعطياه ما أراد وصالحاه على ان يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء أشترطها ومن طريق عوانة بن الحكم نحوه وزاد وكان الحسن صالح معاوية على ان يجعل له ما في بيت مال الكوفة وان يكون له خراج دار أبجرد وذكر محمد بن قدامة في كتاب الخوارج بسند قوي إلى أبي بصرة انه سمع الحسن بن علي يقول في خطبته عند معاوية اني اشترطت على معاوية لنفسي الخلافة بعده وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح إلى الزهري قال كاتب الحسن بن علي معاوية واشترط لنفسه فوصلت الصحيفة لمعاوية وقد أرسل إلى الحسن يسأله الصلح ومع
[ 56 ]
الرسول صحيفة بيضاء مختوم على اسفلها وكتب إليه ان اشترط ما شئت فهو لك فاشترط الحسن أضعاف ما كان سأل أولا فلما التقيا وبايعه الحسن سأله ان يعطيه ما اشترط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله فتمسك معاوية الا ما كان الحسن سأله أولا واحتج بأنه أجاب سؤاله أول ما وقف عليه فاختلفا في ذلك فلم ينفذ للحسن من الشرطين شئ واخرج بن أبي خيثمة من طريق عبد الله بن شوذب قال لما قتل علي سار الحسن بن علي في أهل العراق ومعاوية في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على ان يجعل العهد للحسن من بعده فكان أصحاب الحسن يقولون له يا عار المؤمنين فيقول العار خير من النار قوله قال الحسن هو البصري وهو موصول بالسند المتقدم ووقع في رجال البخاري لابي الوليد الباجي في ترجمة الحسن بن علي بن أبي طالب ما نصه اخرج البخاري قول الحسن سمعت أبا بكرة فتأوله الدارقطني وغيره على انه الحسن بن علي لان الحسن البصري عندهم لم يسمع من أبي بكرة وحمله بن المديني والبخاري على انه الحسن البصري قال الباجي وعندي ان الحسن الذي قال سمعت هذا من أبي بكرة انما هو الحسن بن علي انتهى وهو عجيب منه فان البخاري قد أخرج متن هذا الحديث في علامات النبوة مجردا عن القصة من طريق حسين بن علي الجعفي عن أبي موسى وهو إسرائيل بن موسى عن الحسن عن أبي بكرة وأخرجه البيهقي في الدلائل من رواية مبارك بن فضالة ومن رواية علي بن زيد كلاهما عن الحسن عن أبي بكرة وزاد في آخره قال الحسن فلما ولي ما أهريق في سببه محجمة دم فالحسن القائل هو البصري والذي ولي هو الحسن بن علي وليس للحسن بن علي في هذا رواية وهؤلاء الثلاثة إسرائيل بن موسى ومبارك بن فضالة وعلي بن زيد لم يدرك واحد منهم الحسن بن علي وقد صرح إسرائيل بقوله سمعت الحسن وذلك فيما أخرجه الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن الصلت بن مسعود عن سفيان بن عيينة عن أبي موسى وهو إسرائيل سمعت الحسن سمعت أبا بكرة وهؤلاء كلهم من رجال الصحيح والصلت من شيوخ مسلم وقد استشعر بن التين خطأ الباجي فقال قال الداودي الحسن مع قربه من النبي صلى الله عليه وسلم بحيث توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو بن سبع سنين لا يشك في سماعه منه وله مع ذلك صحبة قال بن التين الذي في البخاري انما أراد سماع الحسن بن أبي الحسن البصري من أبي بكرة قلت ولعل الداودي انما أراد رد توهم من يتوهم انه الحسن بن علي فدفعه بما ذكر وهو ظاهر وانما قال ابن المديني ذلك لان الحسن كان يرسل كثيرا عمن لم يلقهم بصيغة عن فخشي ان تكون روايته عن أبي بكرة مرسلة فلما جاءت هذه الرواية مصرحة بسماعه من أبي بكرة ثبت عنده انه سمعه منه ولم أر ما نقله الباجي عن الدارقطني من ان الحسن هنا هو بن علي في شئ من تصانيفه وانما قال في التتبع لما في الصحيحين أخرج البخاري أحاديث عن الحسن عن أبي بكرة والحسن انما روى عن الاحنف عن أبي بكرة وهذا يقتضي انه عنده لم يسمع من أبي بكرة لكن لم ار من صرح بذلك ممن تكلم في مراسيل الحسن كابن المديني وأبي حاتم وأحمد والبزار وغيرهم نعم كلام بن المديني يشعر بانهم كانوا يحملونه على الارسال حتى وقع هذا التصريح قوله بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب جاء الحسن فقال وقع في رواية علي بن زيد عن الحسن في الدلائل للبيهقي يخطب اصحابه يوما إذ جاء الحسن بن علي فصعد إليه المنبر وفي رواية عبد الله بن محمد المذكورة
[ 57 ]
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول ومثله في رواية بن أبي عمر عن سفيان لكن قال وهو يلتفت إلى الناس مرة واليه أخرى قوله ابني هذا سيد في رواية عبد الله بن محمد ان ابني هذا سيد وفي رواية مبارك بن فضالة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضم الحسن بن علي إليه وقال ان ابني هذا سيد وفي رواية علي بن زيد فضمه إليه وقال الا ان ابني هذا سيد قوله ولعل الله ان يصلح به كذا استعمل لعل استعمال عسى لاشتراكهما في الرجاء والاشهر في خبر لعل بغير ان كقوله تعالى لعل الله يحدث قوله بين فئتين من المسلمين زاد عبد الله بن محمد في روايته عظيمتين وكذا في رواية مبارك بن فضالة وفي رواية علي بن زيد كلاهما عن الحسن عند البيهقي واخرج من طريق أشعث ابن عبد الملك عن الحسن كالاول لكنه قال واني لارجو ان يصلح الله به وجزم في حديث جابر ولفظه عند الطبراني والبيهقي قال للحسن ان ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين قال البزار روى هذا الحديث عن أبي بكرة وعن جابر وحديث أبي بكرة أشهر وأحسن إسنادا وحديث جابر غريب وقال الدارقطني اختلف على الحسن فقيل عنه عن أم سلمة وقيل عن بن عيينة عن أيوب عن الحسن وكل منهما وهم ورواه داود بن أبي هند وعوف الاعرابي عن الحسن مرسلا وفي هذه القصة من الفوائد علم من أعلام النبوة ومنقبة للحسن بن علي فإنه ترك الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين فراعى أمر الدين ومصلحة الامة وفيها رد على الخوارج الذين كانوا يكفرون عليا ومن معه ومعاوية ومن معه بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم للطائفتين بأنهم من المسلمين ومن ثم كان سفيان بن عيينة يقول عقب هذا الحديث قوله من المسلمين يعجبنا جدا أخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه عن الحميدي وسعيد بن منصور عنه وفيه فضيلة الاصلاح بين الناس ولا سيما في حقن دماء المسلمين ودلالة على رأفة معاوية بالرعية وشفقته على المسلمين وقوة نظره في تدبير الملك ونظره في العواقب وفيه ولاية المفضول الخلافة مع وجود الافضل لان الحسن ومعاوية ولي كل منهما الخلافة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد في الحياة وهما بدريان قاله بن التين وفيه جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحا للمسلمين والنزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال وجواز أخذ المال على ذلك واعطائه بعد استيفاء شرائطه بأن يكون المنزول له أولى من النازل وأن يكون المبذول من مال الباذل فان كان في ولاية عامة وكان المبذول من بيت المال اشترط ان تكون المصلحة في ذلك عامة أشار إلى ذلك بن بطال قال يشترط ان يكون لكل من الباذل والمبذول له سبب في الولاية يستند إليه وعقد من الامور يعول عليه وفيه ان السيادة لا تختص بالافضل بل هو الرئيس على القوم والجمع سادة وهو مشتق من السؤدد وقيل من السواد لكونه يرأس على السواد العظيم من الناس أي الاشخاص الكثيرة وقال المهلب الحديث دال على ان السيادة انما يستحقها من ينتفع به الناس لكونه علق السيادة بالاصلاح وفيه إطلاق الابن على ابن البنت وقد انعقد الاجماع على ان امرأة الجد والد الام محرمة على بن بنته وان امرأة بن البنت محرمة على جده وان اختلفوا في التوارث واستدل به على تصويب رأي من قعد عن القتال مع معاوية وعلي وان كان علي أحق بالخلافة وأقرب إلى الحق وهو قول سعد بن أبي
[ 58 ]
وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسائر من اعتزل تلك الحروب وذهب جمهور أهل السنة إلى تصويب من قاتل مع علي لامتثال قوله تعالى وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الآية ففيها الامر بقتال الفئة الباغية وقد ثبت ان من قاتل عليا كانوا بغاة وهؤلاء مع هذا التصويب متفقون على انه لا يذم واحد من هؤلاء بل يقولون اجتهدوا فأخطئوا وذهب طائفة قليلة من أهل السنة وهو قول كثير من المعتزلة إلى ان كلا من الطائفتين مصيب وطائفة إلى ان المصيب طائفة لا بعينها الحديث الثاني (6693) قوله سفيان هو بن عيينة قوله قال قال عمرو هو بن دينار قوله أخبرني محمد بن علي أي بن الحسن بن علي وهو أبو جعفر الباقر وفي رواية محمد بن عباد عند الاسماعيلي عن سفيان عن عمرو عن أبي جعفر قوله ان حرملة قال في رواية محمد بن عباد ان حرملة مولى أسامة أخبره وحرملة هذا في الاصل مولى أسامة بن زيد وكان يلازم زيد بن ثابت حتى صار يقال له مولى زيد بن ثابت وقيل هما اثنان وفي هذا السند ثلاثة من التابعين في نسق عمرو وأبو جعفر وحرملة قوله ان عمرو بن دينار قال قد رأيت حرملة فيه إشارة إلى ان عمرا كان يمكنه الاخذ عن حرملة لكنه لم يسمع منه هذا قوله أرسلني أسامة أي من المدينة إلى علي أي بالكوفة لم يذكر مضمون الرسالة ولكن دل مضمون قوله فلم يعطني شيئا على انه كان أرسله يسأل عليا شيئا من المال قوله وقال انه سيسألك الآن فيقول ما خلف صاحبك الخ هذا هيأه أسامة اعتذارا عن تخلفه عن علي لعلمه ان عليا كان ينكر على من تخلف عنه ولا سيما مثل أسامة الذي هو من أهل البيت فاعتذر بأنه لم يتخلف ضنا منه بنفسه عن علي ولا كراهة له وانه لو كان في أشد الاماكن هولا لاحب ان يكون معه فيه ويواسيه بنفسه ولكنه انما تخلف لاجل كراهيته في قتال المسلمين وهذا معنى قوله ولكن هذا أمر لم أره قوله لو كنت في شدق الاسد بكسر المعجمة ويجوز فتحها وسكون الدال المهملة بعدها قاف أي جانب فمه من داخل ولكل فم شدقان إليهما ينتهي شق الفم وعند مؤخرهما ينتهى الحنك الاعلى والاسفل ورجل أشدق واسع الشدقين ويتشدق في كلامه إذا فتح فمه وأكثر القول فيه واتسع فيه وهو كناية عن الموافقة حتى في حالة الموت لان الذي يفترسه الاسد بحيث يجعله في شدقه في عداد من هلك ومع ذلك فقال لو وصلت إلى هذا المقام لاحببت ان أكون معك فيه مواسيا لك بنفسي ومن المناسبات اللطيفة تمثيل أسامة بشئ يتعلق بالاسد ووقع في تنقيح الزركشي ان القاضي يعني عياضا ضبط الشدق بالذال المعجمة قال وكلام الجوهري يقتضي أنه بالدال المهملة وقال لي بعض من لقيته من الائمة انه غلط على القاضي قلت وليس كذلك فإنه ذكره في المشارق في الكلام على حديث سمرة الطويل في الذي يشرشر شدقه فإنه ضبط شدق بالذال المعجمة وتبعه بن قرقول في المطالع نعم هو غلط فقد ضبط في جميع كتب اللغة بالدال المهملة والله أعلم قال بن بطال أرسل أسامة إلى علي يعتذر عن تخلفه عنه في حروبه ويعلمه انه من أحب الناس إليه وانه يحب مشاركته في السراء والضراء الا انه لا يرى قتال المسلم قال والسبب في ذلك انه لما قتل ذلك الرجل يعني الماضي ذكره في باب ومن أحياها في أوائل الديات ولامه النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك آلى على نفسه ان لا يقاتل مسلما فذلك سبب تخلفه عن علي في الجمل وصفين انتهى ملخصا وقال بن التين انما منع عليا ان يعطي رسول أسامة شيئا لانه لعله سأله شيئا من مال الله فلم ير ان يعطيه لتخلفه عن القتال معه وأعطاه الحسن والحسين
[ 59 ]
وعبد الله بن جعفر لانهم كانوا يرونه واحدا منهم لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلسه على فخذه ويجلس الحسن على الفخذ الآخر ويقول اللهم اني احبهما كما تقدم في مناقبه قوله فلم يعطني شيئا هذه الفاء هي الفصيحة والتقدير فذهبت إلى علي فبلغته ذلك فلم يعطني شيئا ووقع في رواية بن أبي عمر عن سفيان عند الاسماعيلي فجئت بها أي المقالة فأخبرته فلم يعطني شيئا قوله فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر فأوقروا لي راحلتي أي حملوا لي على راحلتي ما أطاقت حمله ولم يعين في هذه الرواية جنس ما اعطوه ولا نوعه والراحلة التي صلحت للركوب من الابل ذكرا كان أو أنثى وأكثر ما يطلق الوقر وهو بالكسر على ما يحمل البغل والحمار واما حمل البعير فيقال له الوسق وابن جعفر هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وصرح بذلك في رواية محمد بن عباد وابن أبي عمر المذكورة وكانهم لما علموا ان عليا لم يعطه شيئا عوضوه من أموالهم من ثياب ونحوها قدر ما تحمله راحلته التي هو راكبها (0) قوله باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه ذكر فيه حديث بن عمر ينصب لكل غادر لواء وفيه قصة لابن عمر في بيعة يزيد بن معاوية وحديث أبي برزة في إنكاره على الذين يقاتلون على الملك من أجل الدنيا وحديث حذيفة في المنافقين ومطابقة الاخير للترجمة ظاهرة ومطابقة الاول لها من جهة ان في القول في الغيبة بخلاف ما في الحضور نوع غذر وسيأتي في كتاب الاحكام ترجمة ما يكره من ثناء السلطان فإذا خرج قال غير ذلك وذكر فيه قول بن عمر لمن سأله عن القول عند الامراء بخلاف ما يقال بعد الخروج عنهم كنا نعده نفاقا وقد وقع في بعض طرقه ان الامير المسئول عنه يزيد بن معاوية كما سيأتي في الاحكام ومطابقة الثاني من جهة أن الذين عابهم أبوبرزة كانوا يظهرون انهم يقاتلون لاجل القيام بأمر الدين ونصر الحق وكانوا في الباطن انما يقاتلون لاجل الدنيا ووقع لابن بطال هنا شئ فيه نظر فقال وأما قول أبي برزة فوجه موافقته للترجمة ان هذا القول لم يقله أبوبرزة عند مروان حين بايعه بل بايع مروان واتبعه ثم سخط ذلك لما بعد عنه ولعله أراد منه ان يترك ما نوزع فيه طلبا لما عند الله في الآخرة ولا يقاتل عليه كما فعل عثمان يعني من عدم المقاتلة لا من ترك الخلافة فلم يقاتل من نازعه بل ترك ذلك وكما فعل الحسن بن علي حين ترك قتال معاوية حين نازعه الخلافة فسخط أبوبرزة على مروان تمسكه بالخلافة والقتال عليها فقال لابي المنهال وابنه بخلاف ما قال لمروان حين بايع له قلت ودعواه أن أبا برزة بايع مروان ليس بصحيح فان أبا برزة كان مقيما بالبصرة ومروان انما طلب الخلافة بالشام وذلك أن يزيد بن معاوية لما مات دعى بن الزبير إلى نفسه وبايعوه بالخلافة فأطاعه أهل الحرمين ومصر والعراق وما وراءها وبايع له الضحاك بن قيس الفهري بالشام كلها الا الاردن ومن بها من بني أمية ومن كان على هواهم حتى هم مروان أن يرحل إلى بن الزبير ويبايعه فمنعوه وبايعوا له بالخلافة وحارب الضحاك بن قيس فهزمه وغلب على الشام ثم توجه إلى مصر فغلب عليها ثم مات في سنته فبايعوا بعده ابنه عبد الملك وقد أخرج ذلك الطبري واضحا وأخرج الطبراني بعضه من رواية عروة بن الزبير وفيه ان معاوية بن يزيد بن معاوية لما مات دعا مروان لنفسه فأجابه أهل فلسطين وأهل حمص فقاتله الضحاك بن قيس بمرج راهط فقتل الضحاك ثم مات مروان وقام عبد الملك فذكر قصة الحجاج في قتاله عبد الله بن الزبير وقتله ثم قال بن بطال واما يمينه يعني أبا برزة على الذي بمكة يعني بن الزبير
[ 60 ]
فإنه لما وثب بمكة بعد ان دخل فيما دخل فيه المسلمون جعل أبوبرزة ذلك نكثا منه وحرصا على الدنيا وهو أي أبوبرزة في هذه أي قصة بن الزبير أقوى رأيا منه في الاولى أي قصة مروان قال وكذلك القراء بالبصرة لان أبا برزة كان لا يرى قتال المسلمين أصلا فكان يرى لصاحب الحق ان يترك حقه لمن نازعه فيه ليؤجر على ذلك ويمدح بالايثار على نفسه لئلا يكون سببا لسفك الدماء انتهى ملخصا ومقتضى كلامه ان مروان لما ولي الخلافة بايعه الناس أجمعون ثم نكث بن الزبير بيعته ودعا إلى نفسه وأنكر عليه أبوبرزة قتاله على الخلافة بعد ان دخل في طاعته وبايعه وليس كذلك والذي ذكرته هو الذي توارد عليه أهل الاخبار بالاسانيد الجيدة وابن الزبير لم يبايع لمروان قط بل مروان هم ان يبايع لابن الزبير ثم ترك ذلك ودعا إلى نفسه الحديث الاول (6694) قوله لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية في رواية أبي العباس السراج في تاريخه عن أحمد بن منيع وزياد بن أيوب عن عفان عن صخر بن جويرية عن نافع لما انتزى أهل المدينة مع عبد الله بن الزبير وخلعوا يزيد بن معاوية جمع عبد الله بن عمر بنيه ووقع عند الاسماعيلي من طريق مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد في أوله من الزيادة عن نافع ان معاوية أراد بن عمر على ان يبايع ليزيد فأبى وقال لا أبايع لاميرين فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم فأخذها فدس إليه رجلا فقال له ما يمنعك ان تبايع فقال ان ذاك لذاك يعني عطاء ذلك المال لاجل وقوع المبايعة ان ديني عندي إذا لرخيص فلما مات معاوية كتب بن عمر إلى يزيد ببيعته فلما خلع أهل المدينة فذكره قلت وكان السبب فيه ما ذكره الطبري مسندا ان يزيد بن معاوية كان أمر على المدينة بن عمه عثمان بن محمد بن أبي سفيان فأوفد إلى يزيد جماعة من أهل المدينة منهم عبد الله بن غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص المخزومي في آخرين فأكرمهم وأجازهم فرجعوا فأظهروا عيبه ونسبوه إلى شرب الخمر وغير ذلك ثم وثبوا على عثمان فأخرجوه وخلعوا يزيد بن معاوية فبلغ ذلك يزيد فجهز إليهم جيشا مع مسلم بن عقبة المري وأمره ان يدعوهم ثلاثا فان رجعوا والا فقاتلهم فإذا ظهرت فأبحها للجيش ثلاثا ثم أكفف عنهم فتوجه إليهم فوصل في ذي الحجة سنة ثلاثين فحاربوه وكان الامير على الانصار عبد الله بن حنظلة وعلى قريش عبد الله بن مطيع وعلى غيرهم من القبائل معقل بن يسار الاشجعي وكانوا اتخذوا خندقا فلما وقعت الوقعة انهزم أهل المدينة فقتل بن حنظلة وفر بن مطيع وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثا فقتل جماعة صبرا منهم معقل بن سنان ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة ويزيد بن عبد الله بن زمعة وبايع الباقين على انهم خول ليزيد وأخرج أبو بكر بن أبي خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بن أسماء سمعت أشياخ أهل المدينة يتحدثون ان معاوية لما احتضر دعى يزيد فقال له أن لك من أهل المدينة يوما فان فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فاني عرفت نصيحته فلما ولي يزيد وفد عليه عبد الله بن حنظلة وجماعة فأكرمهم وأجازهم فرجع فحرض الناس على يزيد وعابه ودعاهم إلى خلع يزيد فأجابوه فبلغ يزيد فجهز إليهم مسلم بن عقبة فاستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة فهابهم أهل الشام وكرهوا قتالهم فلما نشب القتال سمعوا في جوف المدينة التكبير وذلك ان بني حارثة أدخلوا قوما من الشاميين من جانب الخندق فترك أهل المدينة القتال ودخلوا المدينة خوفا على أهلهم فكانت الهزيمة وقتل من قتل وبايع مسلم الناس على انهم خول ليزيد يحكم في دمائهم
[ 61 ]
وأموالهم وأهلهم بما شاء وأخرج الطبراني من طريق محمد بن سعيد بن رمانة ان معاوية لما حضره الموت قال ليزيد قد وطأت لك البلاد ومهدت لك الناس ولست أخاف عليك الا أهل الحجاز فان رابك منهم ريب فوجه إليهم مسلم بن عقبة فاني قد جربته وعرفت نصيحته قال فلما كان من خلافهم عليه ما كان دعاه فوجهه فأباحها ثلاثا ثم دعاهم إلى بيعة يزيد وانهم اعبد له قن في طاعة الله ومعصيته ومن رواية عروة بن الزبير قال لما مات معاوية أظهر عبد الله بن الزبير الخلاف على يزيد بن معاوية فوجه يزيد مسلم بن عقبة في جيش أهل الشام وأمره ان يبدأ بقتال أهل المدينة ثم يسير إلى بن الزبير بمكة قال فدخل مسلم بن عقبة المدينة وبها بقايا من الصحابة فأسرف في القتل ثم سار إلى مكة فمات في بعض الطريق وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند صحيح عن بن عباس قال جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة قال يعقوب وكانت وقعة الحرة في ذي القعدة سنة ثلاث وستين قوله حشمه بفتح المهملة ثم المعجمة قال بن التين الحشمه العصبة والمراد هنا خدمه ومن يغضب له وفي رواية صحر بن جويرية عن نافع عن أحمد لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع بن عمر بنيه وأهله ثم تشهد ثم قال اما بعد قوله ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة زاد في رواية مؤمل بقدر غدرته وزاد في رواية صخر يقال هذه غدرة فلان أي علامة غدرته والمراد بذلك شهرته وان يفتضح بذلك على رءوس الاشهاد وفيه تعظيم الغدر سواء كان من قبل الآمر أو المأمور وهذا القدر هو المرفوع من هذه القصة وقد تقدم معناه في باب اثم الغادر للبر والفاجر في أواخر كتاب الجزية والموادعة قبيل بدء الخلق قوله على بيع الله ورسوله أي على شرط ما أمر الله ورسوله به من بيعة الامام وذلك ان من بايع أميرا فقد أعطاه الطاعة وأخذ منه العطية فكان شبيه من باع سلعة وأخذ ثمنها وقيل ان أصله ان العرب كانت إذا تبايعت تصافقت بالاكف عند العقد وكذا كانوا يفعلون إذا تحالفوا فسموا معاهدة الولاة والتماسك فيه بالايدي بيعة ووقع في رواية مؤمل وصخر على بيعة الله وقد أخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فان جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر قوله ولا غدر أعظم في رواية صخر بن جويرية عن نافع المذكور وان من أعظم الغدر بعد الاشراك بالله ان يبايع رجل رجلا على بيع الله ثم ينكث بيعته قوله ثم ينصب له القتال بفتح أوله وفي رواية مؤمل نصب له يقاتله قوله خلعه في رواية مؤمل خلع يزيد وزاد أو خف في هذا الامر وفي رواية صخر بن جويرية فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسعى في هذا الامر قوله ولا تابع في هذا الامر كذا للاكثر بمثناة فوقانية ثم موحدة وللكشميهني بموحدة ثم تحتانية قوله الا كانت الفيصل بيني وبينه أي القاطعة وهي فيعل من فصل الشئ إذا قطعه وفي رواية مؤمل فيكون الفيصل فيما بيني وبينه وفي رواية صخر بن جويرية فيكون صيلما بيني وبينه والصيلم بمهملة مفتوحة وياء آخر الحروف ثم لام مفتوحة القطيعة وفي هذا الحديث وجوب طاعة الامام الذي انعقدت له البيعة والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه وانه لا ينخلع بالفسق وقد وقع في نسخة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصة الرجل الذي سأله عن قول
[ 62 ]
الله تعالى وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الآية ان بن عمر قال ما وجدت في نفسي في شئ من أمر هذه الامة ما وجدت في نفسي اني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمر الله زاد يعقوب بن سفيان في تاريخه من وجه آخر عن الزهري قال حمزة فقلنا له ومن ترى الفئة الباغية قال بن الزبير بغي على هؤلاء القوم يعني بني أمية فأخرجهم من ديارهم ونكث عهدهم الحديث الثاني (6695) قوله أبو شهاب هو عبد ربه بن نافع وعوف هو الاعرابي والسند كله بصريون الا بن يونس وأبو المنهال هو سيار بن سلامة قوله لما كان بن زياد ومروان بالشام وثب بن الزبير بمكة ووثب القراء بالبصرة ظاهره ان وثوب بن الزبير وقع بعد قيام بن زياد ومروان بالشام وليس كذلك وانما وقع في الكلام حذف وتحريره ما وقع عند الاسماعيلي من طريق يزيد بن زريع عن عوف قال حدثنا أبو المنهال قال لما كان زمن اخرج بن زياد يعني من البصرة وثب مروان بالشام ووثب بن الزبير بمكة ووثب الذين يدعون القراء بالبصرة غم أبي غما شديدا وكذا أخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق عبد الله بن المبارك عن عوف ولفظه وثب مروان بالشام حيث وثب والباقي مثله ويصحح ما وقع في رواية أبي شهاب بأن تزاد وأو قبل قوله وثب بن الزبير فان بن زياد لما أخرج من البصرة توجه إلى الشام فقام مع مروان وقد ذكر الطبري بأسانيده ما ملخصه ان عبيد الله بن زياد كان أميرا بالبصرة ليزيد بن معاوية وانه لما بلغته وفاته خطب لاهل البصرة وذكر ما وقع من الاختلاف بالشام فرضي أهل البصرة ان يستمر أميرا عليهم حتى يجتمع الناس على خليفة فمكث على ذلك قليلا ثم قام سلمة بن ذؤيب بن عبد الله اليربوعي يدعو إلى بن الزبير فبايعه جماعة فبلغ ذلك بن زياد وأراد منهم كف سلمة عن ذلك فلم يجيبوه فلما خشي على نفسه القتل استجار بالحارث بن قيس بن سفيان فأردفه ليلا إلى ان أتى به مسعود بن عمرو بن عدي الازدي فأجاره ثم وقع بين أهل البصرة اختلاف فأمروا عليهم عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الملقب ببه بموحدتين الثانية ثقيلة وأمه هند بنت أبي سفيان ووقعت الحرب وقام مسعود بأمر عبيد الله بن زياد فقتل مسعود وهو على المنبر في شوال سنة أربع وستين فبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فهرب فتبعوه وانتهبوا ما وجدوا له وكان مسعود رتب معه مائة نفس يحرسونه فقدموا به الشام قبل أن يبرموا أمرهم فوجدوا مروان قد هم ان يرحل إلى بن الزبير ليبايعه ويستأمن لبني أمية فثنى رأيه عن ذلك وجمع من كان يهوى بني أمية وتوجهوا إلى دمشق وقد بايع الضحاك بن قيس بها لابن الزبير وكذا النعمان بن بشير بحمص وكذا ناتل بنون ومثناة بن قيس بفلسطين ولم يبق على رأي الامويين الا حسان بن بحدل بموحدة ومهملمة وزن جعفر وهو خال يزيد بن معاوية وهو بالاردن فيمن أطاعه فكانت الوقعة بين مروان ومن معه وبين الضحاك بن قيس بمرج راهط فقتل الضحاك وتفرق جمعه وبايعوا حينئذ مروان بالخلافة في ذي القعدة منها وقال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه حدثنا أبو مسهر عبد الاعلى بن مسهر قال بويع لمروان بن الحكم بايع له أهل الاردن وطائفة من أهل دمشق وسائر الناس زبيريون ثم اقتتل مروان وشعبة بن الزبير بمرج راهط فغلب مروان وصارت له الشام ومصر وكانت مدته تسعة أشهر فهلك بدمشق وعهد لعبد الملك وقال خليفة بن خياط في تاريخه حدثنا الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وأبو اليقظان وغيرهما قالوا قدم بن زياد الشام وقد بايعوا بن الزبير ما خلا
[ 63 ]
أهل الجابية ثم ساروا إلى مرج راهط فذكر نحوه وهذا يدفع ما تقدم عن بن بطال ان بن الزبير بايع مروان ثم نكث قوله ووثب القراء بالبصرة يريد الخوارج وكانوا قد ثاروا بالبصرة بعد خروج بن زياد ورئيسهم نافع بن الازرق ثم خرجوا إلى الاهواز وقد استوفى خبرهم الطبري وغيره ويقال انه أراد الذين بايعوا على قتال من قتل الحسين وساروا مع سليمان بن صرد وغيره من البصرة إلى جهة الشام فلقيهم عبيد الله بن زياد في جيش الشام من قبل مروان فقتلوا بعين الوردة وقد قص قصتهم الطبري وغيره قوله فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الاسلمي في رواية يزيد بن زريع فقال لي أبي وكان يثني عليه خيرا انطلق بنا إلى هذا الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي برزة الاسلمي فانطلقت معه حتى دخلنا عليه وفي رواية عبد الله بن المبارك عن عوف فقال أبي انطلق بنا لا أبا لك إلى هذا الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي برزة وعند يعقوب بن سفيان عن سكين بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي المنهال قال دخلت مع أبي على أبي برزة الاسلمي وان في اذني يومئذ لقرطين واني لغلام قوله في ظل علية له من قصب زاد في رواية يزيد بن زريع في يوم حار شديد الحر والعلية بضم المهملة وبكسرها وكسر اللام وتشديد التحتانية هي الغرفة وجمعها علالي والاصل عليوه فأبدلت الواو ياء وادغمت وفي رواية بن المبارك في ظل علولة قوله يستطعمه الحديث في رواية الكشميهني بالحديث أي يستفتح الحديث ويطلب منه التحديث قوله اني احتسبت عند الله في رواية الكشميهني احتسب وكذا في رواية يزيد بن زريع ومعناه انه يطلب بسخطه على الطوائف المذكورين من الله الاجر على ذلك لان الحب في الله والبغض في الله من الايمان قوله ساخطا في رواية سكين لائما قوله انكم يا معشر العرب في رواية بن المبارك العريب قوله كنتم على الحال الذي علمتم في رواية يزيد بن يزرع على الحال التي كنتم عليها في جاهليتكم قوله وان الله قد أنقذكم بالاسلام وبمحمد عليه الصلاة والسلام في رواية يزيد بن زريع وان الله نعشكم بفتح النون والمهملة ثم معجمة وسيأتي في أوائل الاعتصام من رواية معتمر بن سليمان عن عوف ان أبا المنهال حدثه انه سمع أبا برزة قال ان الله يغنيكم قال أبو عبد الله هو البخاري وقع هنا يغنيكم يعني بضم أوله وسكون المعجمة بعدها نون مكسورة ثم تحتانية ساكنة قال وانما هو نعشكم ينظر في أصل الاعتصام كذا وقع عند المستملي ووقع عند بن السكن نعشكم على الصواب ومعنى نعشكم رفعكم وزنه ومعناه وقيل عضدكم وقواكم قوله ان ذاك الذي بالشام زاد يزيد بن زريع يعني مروان وفي رواية سكين عبد الملك بن مروان والاول أولى قوله وان هؤلاء الذين بين أظهركم في رواية يزيد بن زريع وابن المبارك نحوه ان الذين حولكم الذين تزعمون انهم قراءكم وفي رواية سكين وذكر نافع بن الازرق وزاد في آخره فقال أبي فما تأمروني إذا فاني لا أراك تركت أحدا قال لا أرى خير الناس اليوم الا عصابة خماص البطون من أموال الناس خفاف الظهور من دمائهم وفي رواية سكين ان احب الناس الي لهذه العصابة الخمصة بطونهم من أموال الناس الخفيفة ظهورهم من دمائهم وهذا يدل على ان أبا برزة كان يرى الانعزال في الفتنة وترك الدخول في كل شئ من قتال المسلمين ولا سيما إذا كان ذلك في طلب الملك وفيه استشارة أهل العلم والدين عند نزول الفتن وبذل العالم النصيحة لمن يستشيره وفيه الاكتفاء في إنكار المنكر بالقول
[ 64 ]
ولو في غيبة من ينكر عليه لى تعظ من يسمعه فيحذر من الوقوع فيه قوله وان ذاك الذي بمكة زاد يزيد بن زريع يعني بن الزبير الحديث الثالث (6696) قوله عن واصل الاحدب هو بن حيان بمهملة ثم تحتانية ثقيلة أسدى كوفي يقال له بياع السابري بمهملة وموحدة من طبقة الاعمش ولكنه قديم الموت قوله ان المنافقين اليوم شر منهم في رواية إبراهيم بن الحسين عن آدم شيخ البخاري فيه ان المنافقين اليوم هم شر منهم أخرجه أبو نعيم قوله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الكرماني هو متعلق بمقدر نحو الناس إذ لا يجوز ان يقال انه متعلق بالضمير القائم مقام المنافقين لان الضمير لا يعمل قال بن بطال انما كانوا شرا ممن قبلهم لان الماضين كانوا يسرون قولهم فلا يتعدى شره إلى غيرهم واما الآخرون فصاروا يجهرون بالخروج على الائمة ويوقعون الشر بين الفرق فيتعدى ضررهم لغيرهم قال ومطابقته بالترجمة من جهة ان جهرهم بالنفاق وشهر السلاح على الناس هو القول بخلاف ما بذلوه من الطاعة حين بايعوا أولا من خرجوا عليه آخرا انتهى وقال بن التين أراد انهم أظهروا من الشر ما لم يظهر أولئك غير انهم لم يصرحوا بالكفر وانما هو النفث يلقونه بأفواههم فكانوا يعرفون به كذا قال ويشهد لما قال بن بطال ما أخرجه البزار من طريق عاصم عن أبي وائل قلت لحذيفة النفاق اليوم شر أم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فضرب بيده على جبهته وقال أوه هو اليوم ظاهر انهم كانوا يستخفون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث الرابع (6697) قوله عن أبي الشعثاء هو بفتح المعجمة وسكون المهملة بعدها مثلثة واسمه سليم بن اسود المحاربي قوله عن حذيفة لم أر لابي الشعثاء عن حذيفة في الكتب الستة الا هذا الحديث ولم أره الا معنعنا وكأنه تسمح فيه لانه بمعنى حديث زيد بن وهب عن حذيفة وهو المذكور قبله أو ثبت عنده لقيه حذيفة في غير هذا قوله انما كان النفاق أي موجدودا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية يحيى بن آدم عن مسعر عند الاسماعيلي كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فأما اليوم فانما هو الكفر بعد الايمان كذا للاكثر وفي رواية فانما هو الكفر أو الايمان وكذا حكى الحميدي في جمعه انهما روايتان وأخرجه الاسماعيلي من طريق عن مسعر فانما هو اليوم الكفر بعد الايمان قال وزاد محمد بن بشر في روايته عن مسعر فضحك عبد الله قال حبيب فقلت لابي الشعثاء مما ضحك عبد الله قال لا أدري قلت لعله عرف مراده فتبسم تعجبا من حفطه أو فهمه قال بن التين كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم واما من جاء بعدهم فإنه ولد في الاسلام وعلى فطرته فمن كفر منهم فهو مرتد ولذلك اختلفت أحكام المنافقين والمرتدين انتهى والذي يظهر ان حذيفة لم يرد نفي الوقوع وانما أراد نفي اتفاق الحكم لان النفاق إظهار الايمان واخفاء الكفر ووجود ذلك ممكن في كل عصر وانما اختلف الحكم لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من الاسلام ولو ظهر منهم احتمال خلافه واما بعده فمن أظهر شيئا فإنه يؤاخذ به ولا يترك لمصلحة التآلف لعدم الاحتياج إلى ذلك وقيل غرضه ان الخروج عن طاعة الامام جاهيلة ولا جاهلية في الاسلام أو تفريق للجماعة فهو بخلاف قول الله تعالى ولا تفرقوا وكل ذلك غير مستور فهو كالكفر بعد الايمان (0) قوله باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور بضم أوله
[ 65 ]
وفتح ثالثه على البناء للمجهول بغين معجمة ثم موحدة ثم مهملة قال بن التين غبطه بالفتح يغبطه بالكسر غبطة وغبطا بالسكون والغبطة تمني مثل حال المغبوط مع بقاء حاله (6698) قوله حدثنا إسماعيل هو بن أويس قوله عن أبي الزناد وافق مالكا شعيب بن أبي حمزة عنه كما سيأتي بعد بابين في اثناء حديث قوله حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه أي كنت ميتا قال بن بطال تغبط أهل القبور وتمنى الموت عند ظهور الفتن انما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي والمنكر انتهى وليس هذا عاما في حق كل أحد وانما هو خاص بأهل الخير واما غيرهم فقد يكون لما يقع لاحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وان لم يكن في ذلك شئ يتعلق بدينه ويؤيده ما أخرجه في رواية أبي حازم عن أبي هريرة عند مسلم لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول يا ليتني مكان صاحب هذا القبر وليس به الدين الا البلاء وذكر الرجل فيه للغالب والا فالمرأة يتصور فيها ذلك والسبب في ذلك ما ذكر في رواية أبي حازم انه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده وبهذا جزم القرطبي وذكره عياض احتمالا وأغرب بعض شراح المصابيح فقال المراد بالدين هنا العبادة والمعنى أنه يتمرغ على القبر ويتمنى الموت في حالة ليس المتمرغ فيها من عادته وانما الحامل عليه البلاء وتعقبه الطيبي بان حمل الدين على حقيقته أولى أي ليس التمني والتمرغ لامر اصابه من جهة الدين بل من جهة الدنيا وقال بن عبد البر ظن بعضهم ان هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت وليس كذلك وانما في هذا ان هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه لا لضرر ينزل في الجسم كذا قال وكأنه يريد ان النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم واما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا وقد ذكره عياض احتمالا أيضا وقال غيره ليس بين هذا الخبر وحديث النهي عن تمني الموت معارضة لان النهي صريح وهذا انما فيه أخبار عن شدة ستحصل ينشأ عنها هذا التمني وليس فيه تعرض لحكمه وانما سيق للاخبار عما سيقع قلت ويمكن أخذ الحكم من الاشارة في قوله وليس به الدين انما هو البلاء فإنه سيق مساق الذم والانكار وفيه إيماء إلى انه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودا ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف قال النووي لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف منهم عمر بن الخطاب وعيسى الغفاري وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ثم قال القرطبي كأن في الحديث إشارة إلى ان الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره ولا يبقى لاحد اعتناء الا بأمر دنياه ومعاشه نفسه وما يتعلق به ومن ثم عظم قدر العبادة أيام الفتنة كما أخرج مسلم من حديث معقل بن يسار رفعه العبادة في الهرج كهجرة الي ويؤخذ من قوله حتى يمر الرجل بقبر الرجل ان التمني المذكور انما يحصل عند رؤية القبر وليس ذلك مرادا بل فيه إشارة إلى قوة هذا التمني لان الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد يذهب ذلك التمني أو يخف عند مشاهدة القبر والمقبور فيتذكر هول المقام فيضعف تمنيه فإذا تمادى على ذلك دل على تأكد أمر تلك الشدة عنده حيث لم يصرفه ما شاهده من وحشة القبر وتذكر ما فيه من الاهوال عن استمراره على تمني الموت وقد أخرج الحاكم من طريق أبي سلمة قال عدت أبا هريرة
[ 66 ]
فقلت اللهم اشف أبا هريرة فقال اللهم لا ترجعها ان استطعت يا أبا سلمة فمت والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الاحمر وليأتين أحدهم قبر أخيه فيقول ليتني مكانه وفي كتاب الفتن من رواية عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال يوشك ان تمر الجنازة في السوق على الجماعة فيراها الرجل فيهز رأسه فيقول يا ليتني مكان هذا قلت يا أبا ذر ان ذلك لمن أمر عظيم قال اجل (0) قوله باب تغير الزمان حتى تعبد الاوثان ذكر فيه حديثين أحدهما حديث أبي هريرة (6699) قوله عن الزهري في إحدى روايتي الاسماعيلي حدثني الزهري قوله حتى تضطرب أي يضرب بعضها بعضا قوله أليات بفتح الهمزة واللام جمع ألية بالفتح أيضا مثل جفنة وجفنات والالية العجيزة وجمعها اعجاز قوله على ذي الخلصة في رواية معمر عن الزهري عند مسلم حول ذي الخلصة قوله وذو الخلصة طاغية دوس أي صنمهم وقوله التي كانوا يعبدون كذا فيه بحذف المفعول ووقع في رواية معمر وكان صنما تعبدها دوس قوله في الجاهلية زاد معمر بتبالة وتبالة بفتح المثناة وتخفيف الموحدة وبعد الالف لام ثم هاء تأنيث قرية بين الطائف واليمن بينهما ستة أيام وهي التي يضرب بها المثل فيقال أهون من تبالة على الحجاج وذلك انها أول شئ وليه فلما قرب منها سأل من معه عنها فقال هي وراء تلك الاكمة فرجع فقال لا خير في بلد يسترها اكمة وكلام صاحب المطالع يقتضي انهما موضعان وان المراد في الحديث غير تبالة الحجاج وكلام ياقوت يقتضي انها هي ولذلك لم يذكرها في المشترك وعند بن حبان من هذا الوجه قال معمر ان عليه الآن بيتا مبنيا مغلقا وقد تقدم ضبط ذي الخلصة في أواخر المغازي وبيان الاختلاف في انه واحد أو اثنان قال بن التين فيه الاخبار بأن نساء دوس يركبن الدواب من البلدان إلى الصنم المذكور فهو المراد باضطراب الياتهن قلت ويحتمل ان يكون المراد انهن يتزاحمن بحيث تضرب عجيزة بعضهن الاخرى عند الطواف حول الصنم المذكور وفي معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر لا تقوم الساعة حتى تدافع مناكب نساء بني عامر على ذي الخلصة وابن عدي من رواية أبي معشر عن سعيد عن أبي هريرة رفعه لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى قال بن بطال هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به ان الدين ينقطع كله في جميع اقطار الارض حتى لا يبقى منه شئ لانه ثبت ان الاسلام يبقى إلى قيام الساعة الا انه يضعف ويعود غريبا كما بدأ ثم ذكر حديث لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق الحديث قال فتبين في هذا الحديث تخصيص الاخبار الاخرى وان الطائفة التي تبقى على الحق تكون ببيت المقدس إلى ان تقوم الساعة قال فبهذا تأتلف الاخبار قلت ليس فيما احتج به تصريح إلى بقاء أولئك إلى قيام الساعة وانما فيه حتى يأتي أمر الله فيحتمل ان يكون المراد بأمر الله ما ذكر من قبض من بقى من المؤمنين وظواهر الاخبار تقضتي ان الموصوفين بكونهم ببيت المقدس ان آخرهم من كان مع عيسى عليه السلام ثم إذا بعث الله الريح الطيبة فقبضت روح كل مؤمن لم يبق الا شرار الناس وقد أخرج مسلم من حديث بن مسعود رفعه لا تقوم الساعة الا على شرار الناس وذلك انما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وسائر الآيات العظام وقد ثبت ان الآيات العظام مثل السلك إذا انقطع تناثر الخرز بسرعة وهو عند أحمد وفي مرسل أبي العالية الآيات كلها في ستة أشهر وعن أبي هريرة في ثمانية أشهر وقد أورد مسلم عقب
[ 67 ]
حديث أبي هريرة من حديث عائشة ما يشير إلى بيان الزمان الذي يقع فيه ذلك ولفظه لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى وفيه يبعث الله ريحا طيبة فتوفي كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من ايمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم وعنده في حديث عبد الله بن عمرو رفعه يخرج الدجال في أمتي الحديث وفيه فيبعث الله عيسى بن مريم فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الارض أحد في قلبه مثقال حبة من خير أو ايمان الا قبضته وفيه فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فيتمثل لهم الشيطان فيأمرهم بعبادة الاوثان ثم ينفخ في الصور فظهر بذلك ان المراد بأمر الله في حديث لا تزال طائفة وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة ولا يتخلف عنها الا شيئا يسيرا ويؤيده حديث عمران بن حصين رفعه لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال أخرجه أبو داود والحاكم ويؤخذ منه صحة ما تأولته فان الذين يقاتلون الدجال يكونون بعد قتله مع عيسى ثم يرسل عليهم الريح الطيبة فلا يبقى بعدهم الا الشرار كما تقدم ووجدت في هذا مناظرة لعقبة بن عامر ومحمد بن مسلمة فأخرج الحاكم من رواية عبد الرحمن بن شماسة ان عبد الله بن عمرو قال لا تقوم الساعة الا على شرار الخلق هم شر من أهل الجاهلية فقال عقبة بن عامر عبد الله أعلم ما يقول واما انا فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك فقال عبد الله أجل ويبعث الله ريحا ريحها ريح المسك ومسها مس الحرير فلا تترك أحدا في قلبه مثقال حبة من ايمان الا قبضته ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة فعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة حتى تأتيهم الساعة ساعتهم هم وهي وقت موتهم بهبوب الريح والله أعلم وقد تقدم بيان شئ من هذا في أواخر الرقاق عند الكلام على حديث طلوع الشمس من المغرب الحديث الثاني (6700) قوله حدثنا عبد العزيز بن عبد الله هو الاويسي وسليمان هو بن بلال وثور هو بن زيد وأبو الغيث هو سالم والسند كله مدنيون قوله حتى يخرج رجل من قحطان تقدم شرحه في أوائل مناقب قريش قال القرطبي في التذكرة قوله يسوق الناس بعصاه كناية عن غلبته عليهم وانقيادهم له ولم يرد نفس العصا لكن في ذكرها إشارة إلى خشونته عليهم وعسفه بهم قال وقد قيل انه يسوقهم بعصاه حقيقة كما تساق الابل والماشية لشدة عنفه وعدوانه قال ولعله جهجاه المذكور في الحديث الآخر وأصل الجهجاه الصياح وهي صفة تناسب ذكر العصا قلت ويرد هذا الاحتمال إطلاق كونه من قحطان فظاهره انه من الاحرار وتقييده في جهجاه بأنه من الموالي ما تقدم انه يكون بعد المهدي وعلى سيرته وانه ليس دونه ثم وجدت في كتاب التيجان لابن هشام ما يعرف منه ان ثبت اسم القحطاني وسيرته وزمانه فذكر ان عمران بن عامر كان ملكا متوجا وكان كاهنا معمرا وانه قال لاخيه عمرو بن عامر المعروف بمزيقيا لما حضرته الوفاة ان بلادكم ستخرب وان لله في أهل اليمن سخطتين ورحمتين فالسخطة الاولى هدم سد مأرب وتخرب البلاد بسببه والثانية غلبة الحبشة على أرض اليمن والرحمة الاولى بعثة نبي من تهامة اسمه محمد يرسل بالرحمة ويغلب أهل الشرك والثانية إذا خرب بيت الله يبعث الله رجلا يقال له شعيب بن
[ 68 ]
صالح فيهلك من خربه ويخرجهم حتى لا يكون بالدنيا ايمان إلى بأرض اليمن انتهى وقد تقدم في الحج ان البيت يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج وتقدم الجمع بينه وبين حديث لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت وان الكعبة يخربها ذو السويقتين من الحبشة فينتظم من ذلك ان الحبشة إذا خربت البيت خرج عليهم القحطاني فأهلكهم وان المؤمنين قبل ذلك يحجون في زمن عيسى بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم وان الريح التي تقبض أرواح المؤمنين تبدأ بمن بقي بعد عيسى ويتأخر أهل اليمن بعدها ويمكن ان يكون هذا مما يفسر به قوله الايمان يمان أي يتأخر الايمان بها بعد فقده من جميع الارض وقد أخرج مسلم حديث القحطاني عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين فلعله رمز إلى هذا وسيأتي في اواخر الاحكام في الكلام على حديث جابر بن سمرة في الخلفاء الاثني عشر شئ يتعلق بالقحطاني وقال الاسماعيلي هنا ليس هذا الحديث من ترجمة الباب في شئ وذكر بن بطال ان المهلب أجاب بأن وجهه أن القحطاني إذا قام وليس من بيت النبوة ولا من قريش الذين جعل الله فيهم الخلافة فهو من أكبر تغير الزمان وتبديل الاحكام بأن يطاع في الدين من ليس أهلا لذلك انتهى وحاصله انه مطابق لصدر الترجمة وهو تغير الزمان وتغيره أعم من ان يكون فيما يرجع إلى الفسق أو الكفر وغايته ان ينتهى إلى الكفر فقصة القحطاني مطابقة للتغير بالفسق مثلا وقصة ذي الخلصة للتغير بالكفر واستدل بقصة القحطاني عن ان الخلافة يجوز ان تكون في غير قريش وأجاب بن العربي بأنه انذار بما يكون من الشر في آخر الزمان من تسور العامة على منازل الاستقامة فليس فيه حجة لانه لا يدل على المدعى ولا يعارض ما ثبت من ان الائمة من قريش انتهى وسيأتي بسط القول في ذلك في باب الامراء من قريش أول كتاب الاحكام ان شاء الله تعالى (0) قوله باب خروج النار أي من أرض الحجاز ذكر فيه ثلاثة أحاديث الاول قوله وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وتقدم في اواخر باب الهجرة في قصة إسلام عبد الله بن سلام موصولا من طريق حميد عن أنس ولفظه وأما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب ووصله في أحاديث الانبياء من وجه آخر عن حميد بلفظ نار تحشر الناس والمراد بالاشراط العلامات التي يعقبها قيام الساعة وتقدم في باب الحشر من كتاب الرقاق صفة حشر النار لهم الحديث الثاني (6701) قوله عن الزهري قال سعيد بن المسيب في رواية أبي نعيم في المستخرج عن سعيد بن المسيب قوله حتى تخرج نار من أرض الحجاز قال القرطبي في التذكرة قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الاربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط عليه شراريف وابراج ومآذن وترى رجال يقودونها لا تمر على جبل الا دكته وأذابته ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهى إلى محط الركب العراقي واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم فانتهت النار إلى قرب المدينة ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر وقال لي بعض أصحابنا رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام وسمعت انها رؤيت من مكة ومن جبال بصرى وقال
[ 69 ]
النووي تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام وقال أبو شامة في ذيل الروضتين وردت في أوائل شعبان سنة أربع وخمسين كتب من المدينة الشريفة فيها شرح أمر عظيم حدث بها فيه تصديق لما في الصحيحين فذكر هذا الحديث قال فأخبر بي بعض من أثق به ممن شاهدها انه بلغه انه كتب بتيماء على ضوئها الكتب فمن الكتب فذكر نحو ما تقدم ومن ذلك ان في بعض الكتب ظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة في شرقي المدينة نار عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الارض وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد وفي كتاب آخر انبجست الارض من الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد المدينة وهي برأي العين من المدينة وسال منها واد يكون مقداره أربع فراسخ وعرضه أربع أميال يجري على وجه الارض ويخرج منه مهاد وجبال صغار وفي كتاب آخر ظهر ضوؤها إلى ان رأوها من مكة قال ولا أقدر أصف عظمها ولها دوي قال أبو شامة ونظم الناس في هذا أشعارا ودام امرها أشهرا ثم خمدت والذي ظهر لي ان النار المذكورة في حديث الباب هي التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره واما النار التي تحشر الناس فنار أخرى وقد وقع في بعض بلاد الحجاز في الجاهلية نحو هذه النار التي ظهرت بنواحي المدينة في زمن خالد بن سنان العبسي فقام في أمرها حتى أخمدها ومات بعد ذلك في قصة له ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثني في كتاب الجماجم وأوردها الحاكم في المستدرك من طريق يعلى بن مهدي عن أبي عوانة عن أبي يونس عن عكرمة عن بن عباس ان رجلا من بني عبس يقال له خالد بن سنان قال لقومه اني أطفي عنكم نار الحدثان فذكر القصة وفيها فانطلق وهي تخرج من شق جبل من حرة يقال لها حرة أشجع فذكر القصة في دخوله الشق والنار كأنها جبل سقر فضربها بعصاه حتى أدخلها وخرج وقد أوردت لهذه القصة طرفا من ترجمته في كتابي في الصحابة قوله تضئ أعناق الابل ببصرى قال بن التين يعني من آخرها يبلغ ضوؤها إلى الابل التي تكون ببصرى وهي من ارض الشام وأضاء يجئ لازما ومتعديا يقال أضاءت النار واضاءت النار غيرها وبصرى بضم الموحدة وسكون المهملة مقصور بلد بالشام وهي حوران وقال أبو البقاء اعناق بالنصب على ان تضئ متعد والفاعل النار أي تجعل على اعناق الابل ضوءا قال ولو روى بالرفع لكان متجها أي تضئ اعناق الابل به كما جاء في حديث آخر اضاءت له قصور الشام وقد وردت في هذا الحديث زيادة من وجه آخر أخرجه بن عدي في الكامل من طريق عمر بن سعيد التنوخي عن بن شهاب عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمر بن الخطاب يرفعه لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من اودية الحجاز بالنار تضئ له أعناق الابل ببصرى وعمر ذكره بن حبان في الثقات ولينه بن عدي والدارقطني وهذا ينطبق على النار المذكورة التي ظهرت في المائة السابعة وأخرج أيضا الطبراني في آخر حديث حذيفة بن اسيد الذي مضى التنبيه عليه وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من رومان أو ركوبة تضئ منها اعناق الابل ببصرى قلت وركوبه ثنية صعبة المرتقى في طريق المدينة إلى الشام مر بها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ذكره البكري ورومان لم يذكره البكري ولعل المراد رومة البئر المعروفة بالمدينة فجمع في هذا الحديث بين النارين وان إحداهما تقع قبل قيام الساعة مع جملة الامور التي أخبر بها الصادق صلى الله عليه وسلم والاخرى هي التي
[ 70 ]
يعقبها قيام الساعة بغير تخلل شئ آخر وتقدم الثانية على الاولى في الذكر لا يضر والله أعلم الحديث الثالث (6702) قوله حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي هو أبو سعيد الاشج مشهور بكنيته وصفته وهو من الطبقة الوسطى الثالثة من شيوخ البخاري وعاش بعد البخاري سنة واحدة وعبيد الله هو بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري قوله عن خبيب بن عبد الرحمن بمعجمة وموحدتين مصغر وهو بن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف الانصاري قوله عن جده حفص بن عاصم أي بن عمر بن الخطاب والضمير لعبيد الله بن عمر لا لشيخه قوله يوشك بكسر المعجمة أي يقرب قوله ان يحسر بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثة والحاء والسين مهملتان أي ينكشف قوله الفرات أي النهر المشهور وهو بالتاء المجرورة على المشهور ويقال يجوز انه يكتب بالهاء كالتابوت والتابوه والعنكبوت والعنكبوه أفاده الكمال بن العديم في تاريخه نقلا عن إبراهيم بن أحمد بن الليث قوله فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا هذا يشعر بان الاخذ منه ممكن وعلى هذا فيجوز ان يكون دنانير ويجوز ان يكون قطعا ويجوز ان يكون تبرا قوله قال عقبة هو بن خالد وهو موصول بالسند المذكور وقد أخرجه هو والذي قبله الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان وأبي القاسم البغوي والفضل بن عبد الله المخلدي ثلاثتهم عن أبي سعيد الاشج عن الشيخين قوله وحدثنا عبيد الله هو بن عمر المذكور قوله قال حدثنا أبو الزناد يعني ان لعبيد الله في هذا الحديث اسنادين قوله يحسر جبل من ذهب يعني ان الروايتين اتفقتا الا في قوله كنز فقال الاعرج جبل وقد ساق أبو نعيم في المستخرج الحديثين بسند واحد من رواية بكر بن أحمد بن مقبل عن أبي سعيد الاشج وفرقهما ولفظهما واحد الا لفظ كنز وجبل وتسميته كنزا باعتبار حاله قبل ان ينكشف وتسميته جبلا للاشارة إلى كثرته ويؤيده ما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه تقئ الارض أفلاذ كبدها أمثال الاسطوان من الذهب والفضة فيجئ القاتل فيقول في هذا قتلت ويجئ السارق فيقول في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا قال بن التين انما نهي عن الاخذ منه لانه للمسلمين فلا يؤخذ الا بحقه قال ومن أخذه وكثر المال ندم لاخذه مالا ينفعه وإذا ظهر جبل من ذهب كسد الذهب ولم يرد قلت وليس الذي قاله ببين والذي يظهر ان النهي عن اخذه لما ينشأ عن اخذه من الفتنة والقتال عليه وقوله وإذا ظهر جبل من ذهب الخ في مقام المنع وانما يتم ما زعم من الكساد ان لو اقتسمه الناس بينهم بالسوية ووسعهم كلهم فاستغنوا أجمعين فحينئذ تبطل الرغبة فيه واما إذا حواه قوم دون قوم فحرص من لم يحصل له منه شئ باق على حاله ويحتمل ان تكون الحكمة في النهي عن الاخذ منه لكونه يقع في آخر الزمان عند الحشر الواقع في الدنيا وعند عدم الظهور أو قلته فلا ينتفع بما أخذ منه ولعل هذا هو السر في إدخال البخاري له في ترجمة خروج النار ثم ظهر لي رجحان الاحتمال الاول لان مسلما أخرج هذا الحديث أيضا من طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتل عليه الناس فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم لعلي أكون انا الذي أنجو وأخرج مسلم أيضا عن أبي بن كعب قال لا يزال الناس مختلفة اعناقهم في طلب الدنيا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوشك ان يحسر الفرات عن جبل من ذهب فإذا سمع به الناس ساروا إليه فيقول من عنده لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله
[ 71 ]
قال فيقتتلون عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون فبطل ما تخيله بن التين وتوجه التعقب عليه ووضح ان السبب في النهي عن الاخذ منه ما يترتب على طلب الاخذ منه من الاقتتال فضلا عن الاخذ ولا مانع ان يكون ذلك عند خروج النار للمحشر لكن ليس ذلك السبب في النهي عن الاخذ منه وقد أخرج بن ماجة عن ثوبان رفعه قال يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم بن خليفة فذكر الحديث في المهدي فهذا ان كان المراد بالكنز فيه الكنز الذي في حديث الباب دل على انه انما يقع عند ظهور المهدي وذلك قبل نزول عيسى وقبل خروج النار جزما والله اعلم تنبيه وقع عند أحمد وابن ماجة من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مثل حديث الباب إلى قوله من ذهب فيقتتل عليه الناس فيقتل من كل عشرة تسعة وهي رواية شاذة والمحفوظ ما تقدم من عند مسلم وشاهده من حديث أبي بن كعب من كل مائة تسعة وتسعون ويمكن الجمع باختلاف تقسيم الناس إلى قسمين (0) رضي الله تعالى عنها قوله باب كذا للجميع بغير ترجمة لكن سقط من شرح بن بطال وذكر أحاديثه في الباب الذي قبله وعلى الاول فهو كالفصل من الذي قبله وتعلقه به من جهة الاحتمال الذي تقدم وهو ان ذلك يقع في الزمان الذي يستغني فيه الناس عن المال اما لاشتغال كل منهم بنفسه عند طروق الفتنة فلا يلوي على الاهل فضلا عن المال وذلك في زمن الدجال واما بحصول الامن المفرط والعدل البالغ بحيث يستغني كل أحد بما عنده عما في يد غيره وذلك في زمن المهدي وعيسى بن مريم واما عند خروج النار التي تسوقهم إلى المحشر فيعز حينئذ الظهر وتباع الحديقة بالبعير الواحد ولا يلتفت أحد حينئذ إلى ما يثقله من المال بل يقصد نجاة نفسه من يقدر عليه من ولده واهله وهذا أظهر الاحتمالات وهو المناسب لصنيع البخاري والعلم عند الله تعالى وذكر بن بطال من طريق عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن بن عمر عن كعب الاحبار قال تخرج نار تحشر الناس فإذا سمعتم بها فأخرجوا إلى الشام قال وفي حديث أبي سريحة بمهملات وزن عظيمة واسمه حذيفة بن أسد بفتح أوله ان آخر الآيات المؤذنة بقيام الساعة خروج النار قلت ولفظه عند مسلم في بعض طرقه اطلع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر فقال ما تذاكرون قالوا نذكر الساعة قال انها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن فتطرد الناس إلى محشرهم قلت وهذا في الظاهر يعارض حديث أنس المشار إليه في أول الباب فان فيه ان أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب وفي هذا انها آخر الاشراط ويجمع بينهما بأن آخريتها باعتبار ما ذكر معها من الآيات وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شئ بعدها من أمور الدنيا أصلا بل يقع بانتهائها النفخ في الصور بخلاف ما ذكر معها فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا (6703) قوله حدثنا مسدد حدثنا يحيى هو بن سعيد القطان عن شعبة ولمسدد فيه شيخ آخر أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق يوسف بن يعقوب القاضي عن مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا شعبة قوله حدثنا معبد يعني بن خالد تقدم في الزكاة عن آدم حدثنا شعبة حدثنا معبد بن خالد قوله حارثة بن وهب أي الخزاعي قوله تصدقوا فسيأتي على الناس زمان تقدم
[ 72 ]
الكلام على ألفاظه في أوائل الزكاة وقوله قال مسدد هو شيخه في هذا الحديث قوله يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها يحتمل ان يكون ذلك وقع كما ذكر في خلافة عمر بن عبد العزيز فلا يكون من أشراط الساعة وهو نظير ما وقع في حديث عدي بن حاتم الذي تقدم في علامات النبوة وفيه ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه ذهبا يلتمس من يقبله فلا يجد وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق عمر بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بسند جيد قال لا والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكر من يضعه فيهم فلا يجد فيرجع به قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس قلت وهذا بخلاف حديث أبي هريرة الذي بعده كما سيأتي البحث فيه وقد تقدم في ترجمة عيسى عليه السلام من أحاديث الانبياء حديث ليوشكن ان ينزل فيكم بن مريم وفيه ويفيض المال وفي رواية أخرى حتى لا يقبله أحد فيحتمل ان يكون المراد والاول أرجح لان الذي رواه عدي ثلاثة أشياء أمن الطرق والاستيلاء على كنوز كسرى وفقد من يقبل الصدقة من الفقراء فذكر عدي ان الاولين وقعا وشاهدهما وان الثالث سيقع فكان كذلك لكن بعد موت عدي في زمن عمر بن عبد العزيز وسببه بسط عمر العدل وايصال الحقوق لاهلها حتى استغنوا واما فيض المال الذي يقع في زمن عيسى عليه السلام فسببه كثرة المال وقلة الناس واستشعارهم بقيام الساعة وبيان ذلك في حديث أبي هريرة الذي بعده قوله حارثة يعني بن وهب صحابي هذا الحديث قوله أخو عبيد الله بن عمر بالتصغير قوله لامه هي أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب بن ربيعة بن أصرم الخزاعية ذكرها بن سعد قال وكان الاسلام فرق بينها وبين عمر قلت وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب الشروط في آخر باب الشروط في الجهاد وقد أخرج الطبراني من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق حدثنا حارثة بن وهب الخزاعي وكانت أمه تحت عمر فولدت له عبيد الله بن عمر قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في حجة الوداع الحديث وأصله عند مسلم وأبي داود من رواية زهير وتقدم للبخاري من طريق شعبة عن أبي إسحاق بدون الزيادة قوله عن عبد الرحمن هو الاعرج ووقع في رواية الطبراني لهذه النسخة عن الاعرج وكذا تقدم في الاستسقاء بعض هذا حديث بهذا الاسناد وفيه عن عبد الرحمن الاعرج قوله لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان الحديث وحتى يبعث دجالون الحديث وحتى يقبض العلم الخ هكذا ساق هذه الاشراط السبعة مساق الحديث الواحد هنا وأورده البيهقي في البعث من طريق شعيب بن أبي حمزة عن أبيه فقال في كل واحد منها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أخرج البخاري هذه الاحاديث السبعة عن أبي اليمان عن شعيب قلت فسماها سبعة مع ان في بعضها أكثر من واحد كقوله حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج فإذا فصلت زادت على العشرة وقد افرد البخاري من هذه النسخة حديث قبض العلم فساقه كالذي هنا في كتاب الاستسقاء ثم قال وحتى يكثر فيكم المال فيفيض اقتصر على هذا القدر منه ثم ساقه في كتاب الزكاة بتمامه وذكر في علامات النبوة بهذا السند حديث لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر الحديث وفيه أشياء غير ذلك من هذا النمط وهذه المذكورات وأمثالها مما أخبر صلى الله عليه وسلم
[ 73 ]
بأنه سيقع بعد قبل أن تقوم الساعة لكنه على أقسام أحدها ما وقع على وفق ما قال والثاني ما وقعت مباديه ولم يستحكم والثالث ما لم يقع منه شئ ولكنه سيقع فالنمط الاول تقدم معظمه في علامات النبوة وقد استوفى البيهقي في الدلائل ما ورد من ذلك بالاسانيد المقبولة والمذكور منه هنا اقتتال الفئتين العظيمتين وظهور الفتن وكثرة الهرج وتتطاول الناس في البنيان وتمني بعض الناس الموت وقتال الترك وتمني رؤيته صلى الله عليه وسلم وما ورد منه حديث المقبري عن أبي هريرة أيضا لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها الحديث وسيأتي في الاعتصام وله شواهد ومن النمط الثاني تقارب الزمن وكثرة الزلازل وخروج الدجالين الكذابين وقد تقدمت الاشارة في شرح حديث أبي موسى في أوائل كتاب الفتن إلى ما ورد في معنى تقارب الزمان ووقع في حديث أبي موسى عند الطبراني يتقارب الزمان وتنقص السنون والثمرات وتقدم في باب ظهور الفتن ويلقى الشح ومنها حديث بن مسعود لا تقوم الساعة حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة أخرجه مسلم وحديث حذيفة بن أسيد الذي نبهت عليه آنفا لا ينافي ان قبل الساعة يقع عشر آيات فذكر منها وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب أخرجه مسلم وذكر منها الدخان وقد أختلف فيه وتقدم ذلك في حديث بن مسعود في سورة الدخان وقد أخرج أحمد وأبو يعلى والطبراني من حديث صحارى بضم الصاد وتخفيف الحاء المهملتين حديث لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل من العرب الحديث وقد وجد الخسف في مواضع ولكن يحتمل ان يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرا زائدا على ما وجد كأن يكون أعظم منه مكانا أو قدرا وحديث بن مسعود لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها أخرجه الطبراني وفي لفظ رذالها وأخرج البزار عن أبي بكرة نحوه وعن الترمذي من حديث أبي هريرة وكان زعيم القوم أرذلهم وساد القبيلة فاسقهم وقد تقدم في كتاب العلم حديث أبي هريرة إذا وسد الامر إلى غير أهله فانتظر الساعة وحديث بن مسعود لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظا والمطر قيظا وتفيض الايام فيضا أخرجه الطبراني وعن أم الضراب مثله وزاد ويجترئ الصغير على الكبير واللئيم على الكريم ويخرب عمران الدنيا ويعمر خرابها ومن النمط الثالث طلوع الشمس من مغربها وقد تقدم من طرق أخرى عن أبي هريرة وفي بدء الخلق من حديث أبي ذر وحديث لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر الحديث أخرجه مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة وقد تقدم في علامات النبوة من رواية أبي زرعة عن أبي هريرة واتفقا عليه من حديث الزهري عن سالم عن بن عمر ومضى شرحه في علامات النبوة وان ذلك يقع قبل الدجال كما ورد في حديث سمرة عند الطبراني وحديث أنس ان أمام الدجال سنون خداعات يكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب ويخون فيها الامين ويؤتمن فيها الخائن ويتكلم فيها الرويبضة الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار وسنده جيد ومثله لابن ماجة في حديث أبي هريرة وفيه قيل وما الرويبضة قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة وحديث سمرة لا تقوم الساعة حتى تروا أمورا عظاما لم تحدثوا بها أنفسكم وفي لفظ يتفاقم شأنها في أنفسكم وتسألون هل كان نبيكم ذكر لكم منها ما ذكرا الحديث وفيه وحتى تروا الجبال تزول عن اماكنها أخرجه أحمد والطبراني في حديث طويل
[ 74 ]
وأصله عند الترمذي دون المقصود منه هنا وحديث عبد الله بن عمرو لا تقوم الساعة حتى يتسافد في الطريق تسافد الحمر أخرجه البزار والطبراني وصححه بن حبان والحاكم ولابي يعلى عن أبي هريرة لا تفنى هذه الامة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذ من يقول لو وأريناها وراء هذا الحائط وللطبراني في الاوسط من حديث أبي ذر نحوه وفيه يقول أمثلهم لو اعتزلتم الطريق وفي حديث أبي امامة عند الطبراني قوله وحتى تمر المرأة بالقوم فيقوم إليها أحدهم فيرفع بذيلها كما يرفع ذنب النعجة فيقول بعضهم الا واريتها وراء الحائط فهو يومئذ فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم وحديث حذيفة بن اليمان عند بن ماجة يدرس الاسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ويقولون أدركنا آبائنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها وحديث أنس لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الارض لا إله إلا الله أخرجه أحمد بسند قوي وهو عند مسلم بلفظ الله الله وله من حديث بن مسعود لا تقوم الساعة الا على شرار الناس ولاحمد مثله من حديث علباء السلمي بكسر العين المهملة وسكون اللام بعدها موحدة خفيفة ومد بلفظ حثالة بدل شرار وقد تقدمت شواهده في باب إذا بقي حثالة من الناس وللطبراني من وجه آخر عنه لا تقوم الساعة على مؤمن ولاحمد بسند جيد عن عبد الله بن عمر لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الارض فيبقى عجاج لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا وللطيالسي عن أبي هريرة لا تقوم الساعة حتى يرجع ناس من أمتي إلى الاوثان يعبدونها من دون الله وقد تقدم حديثه في ذكر ذي الخلصة قريبا ولابن ماجة من حديث حذيفة ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آبائنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها ولمسلم وأحمد من حديث ثوبان ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الاوثان ولمسلم أيضا عن عائشة لا تذهب الايام والليالي حتى تعبد اللات والعزى من دون الله الحديث وفيه ثم يبعث الله ريحا طيبة فيتوفى بها كل مؤمن في قلبه مثقال حبة من ايمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم وفي حديث حذيفة بن أسيد شاهده وفيه ان ذلك بعد موت عيسى بن مريم قال البيهقي وغيره الاشراط منها صغار وقد مضى أكثرها ومنها كبار ستأتي قلت وهي التي تضمنها حديث حذيفة بن اسيد عند مسلم وهي الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها كالحامل المتم ونزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج والريح التي تهب بعد موت عيسى فتقبض أرواح المؤمنين وقد استشكلوا على ذلك حديث لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله فان ظاهر الاول أنه لا يبقى أحد من المؤمنين فضلا عن القائم بالحق وظاهر الثاني البقاء ويمكن ان يكون المراد بقوله أمر الله هبوب تلك الريح فيكون الظهور قبل هبوبها فبهذا الجمع يزول الاشكال بتوفيق الله تعالى فأما بعد هبوبها فلا يبقى الا الشرار وليس فيهم مؤمن فعليهم تقوم الساعة وعلى هذا فآخر الآيات المؤذنة بقيام الساعة هبوب تلك الريح وسأذكر في آخر الباب قول عيسى عليه السلام ان الساعة حينئذ تكون كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تضع فصل واما (6704) 2 . قوله حتى تقتتل فئتان الحديث تقدم في كتاب الرقاق ان المراد بالفئتين علي ومن معه ومعاوية ومن معه ويؤخذ من تسميتهم مسلمين ومن قوله دعوتهما
[ 75 ]
واحدة الرد على الخوارج ومن تبعهم في تكفيرهم كلا من الطائفتين ودل حديث تقتل عمارا الفئة الباغية على ان عليا كان المصيب في تلك الحرب لان أصحاب معاوية قتلوه وقد أخرج البزار بسند جيد عن زيد بن وهب قال كنا عند حذيفة فقال كيف أنتم وقد خرج أهل دينكم يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف قالوا فما تأمرنا قال انظروا الفرقة التي تدعوا إلى أمر علي فالزموها فانها على الحق وأخرج يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الزهري قال لما بلغ معاوية غلبة علي على أهل الجمل دعا إلى الطلب بدم عثمان فأجابه أهل الشام فسار إليه علي فالتقيا بصفين وقد ذكر يحيى بن سليمان الجعفي أحد شيوخ البخاري في كتاب صفين في تأليفه بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني انه قال لمعاوية أنت تنازع عليا في الخلافة أو أنت مثله قال لا وأني لاعلم أنه أفضل مني وأحق بالامر ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما وأنا بن عمه ووليه أطلب بدمه فأتوا عليا فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان فأتوه فكلموه فقال يدخل في البيعة ويحاكمهم الي فامتنع معاوية فسار علي في الجيوش من العراق حتى نزل بصفين وسار معاوية حتى نزل هناك وذلك في ذي الحجة سنة ست وثلاثين فتراسلوا فلم يتم لهم أمر فوقع القتال إلى أن قتل من الفريقين فيما ذكر بن أبي خيثمة في تاريخه نحو سبعين ألفا وقيل كانوا أكثر من ذلك ويقال كان بينهم أكثر من سبعين زحفا وقد تقدم في تفسير سورة الفتح ما زادها أحمد وغيره في حديث سهل بن حنيف المذكور هناك من قصة التحكيم بصفين وتشبيه سهل بن حنيف ما وقع لهم بها وقع يوم الحديبية وأخرج بن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي الرضا سمعت عمارا يوم صفين يقول من سره أن يكتنفه الحور العين فليتقدم بين الصفين محتسبا ومن طريق زياد بن الحارث كنت إلى جنب عمار فقال رجل كفر أهل الشام فقال عمار لا تقولوا ذلك نبينا واحد ولكنهم قوم حادوا عن الحق فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا وذكر بن سعد ان عثمان لما قتل وبويع علي أشار بن عباس عليه أن يقر معاوية على الشام حتى يأخذ له البيعة ثم يفعل فيه ما شاء فامتنع فبلغ ذلك معاوية فقال والله لا ألي له شيئا أبدا فلما فرغ علي من أهل الجمل أرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس فامتنع وأرسل أبا مسلم كما تقدم فلم ينتظم الامر وسار علي في الجنود إلى جهة معاوية فالتقيا بصفين في العشر الاول من المحرم وأول ما اقتتلوا في غرة صفر فلما كاد أهل الشام ان يغلبوا رفعوا المصاحف بمشورة عمرو بن العاص ودعوا إلى ما فيها فآل الامر إلى الحكمين فجرى ما جرى من اختلافهما واستبداد معاوية بملك الشام واشتغال علي بالخوارج وعند أحمد من طريق حبيب بن أبي ثابت أتيت أبا وائل فقال كنا بصفين فلما استحر القتل بأهل الشام قال عمرو لمعاوية أرسل إلى علي المصحف فادعه إلى كتاب الله فإنه لا يأبي عليك فجاء به رجل فقال بيننا وبينكم كتاب الله ألم تر إلى الذين أوتو نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهو معرضون فقال علي نعم أنا أولى بذلك فقال القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج يا أمير المؤمنين ما ننظر بهؤلاء القوم ألا نمشي عليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا فقال سهل بن حنيف يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فقد رأيتنا يوم الحديبية فذكر قصة الصلح مع المشركين وقد تقدم بيان ذلك من هذا الوجه عن سهل بن حنيف وقد أشرت إلى قصة التحكيم في باب قتل الخوارج والملحدين من كتاب استتابة
[ 76 ]
المرتدين وقد اخرج بن عساكر في ترجمة معاوية من طريق بن مندة ثم من طريق أبي القاسم بن أخي أبي زرعة الرازي قال جاء رجل إلى عمي فقال له اني أبغض معاوية قال له لم قال لانه قاتل عليا بغير حق فقال له أبو زرعة رب معاوية رب رحيم وخصم معاوية خصم كريم فما دخولك بينهما قوله وحتى يبعث دجالون جمع دجال وسيأتي تفسيره في الباب الذي بعده والمراد ببعثهم اظهارهم لا البعث بمعنى الرسالة ويستفاد منه ان أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وان جميع الامور بتقديره قوله قريب من ثلاثين وقع في بعض الاحاديث بالجزم وفي بعضها بزيادة على ذلك وفي بعضها بتحرير ذلك فاما الجزم ففي حديث ثوبان وانه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم انه نبي وانا خاتم النبيين لا نبي بعدي أخرجه أبو داود والترمذي وصححه بن حبان وهو طرف من حديث أخرجه مسلم ولم يسق جميعه ولاحمد وأبو يعلي من حديث عبد الله بن عمرو بين يدي الساعة ثلاثون دجالا كذابا وفي حديث علي عند أحمد ونحوه وفي حديث بن مسعود عند الطبراني نحوه وفي حديث سمرة المصدر أوله بالكسوف وفيه ولا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الاعور الدجال أخرجه أحمد والطبراني وأصله عند الترمذي وصححه وفي حديث بن الزبير ان بين يدي الساعة ثلاثين كذابا منهم الاسود العنسي صاحب صنعاء وصاحب اليمامة يعني مسيلمة قلت وخرج في زمن أبي بكر طليحة بالتصغير بن خويلد وادعى النبوة ثم تاب ورجع إلى الاسلام وتنبأت أيضا سجاح ثم تزوجها مسيلمة ثم رجعت بعده واما الزيادة ففي لفظ لاحمد وأبي يعلى في حديث عبد الله بن عمرو ثلاثون كذابون أو أكثر قلت ما آيتهم قال يأتونكم بسنة لم تكونوا عليها يغيرون بها سنتكم فإذا رأيتموهم فاجتنبوهم وفي رواية عبد الله بن عمرو عند الطبراني لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابا وسندها ضعيف وعند أبي يعلى من حديث أنس نحوه وسنده ضعيف أيضا وهو محمول ان ثبت على المبالغة في الكثرة لا على التحديد وأما التحرير ففيما أخرجه أحمد عن حذيفة بسند جيد سيكون في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة واني خاتم النبيين لا نبي بعدي وهذا يدل على ان رواية الثلاثين بالجزم على طريق جبر الكسر ويؤيده قوله في حديث الباب قريب من ثلاثين قوله كلهم يزعم انه رسول الله ظاهر في ان كلا منهم يدعي النبوة وهذا هو السر في قوله في آخر الحديث الماضي واني خاتم النبيين ويحتمل ان يكون الذين يدعون النبوة منهم ما ذكر من الثلاثين أو نحوها وان من زاد على العدد المذكور يكون كذابا فقط لكن يدعو إلى الضلالة كغلاة الرافضة والباطنية وأهل الوحدة والحلولية وسائر الفرق الدعاة إلى ما يعلم بالضرورة انه خلاف ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤيده ان في حديث علي عند أحمد فقال علي لعبد الله بن الكواء وانك لمنهم وابن الكواء لم يدع النبوة وانما كان يغلو في الرفض قوله وحتى يقبض العلم تقدم في كتاب العلم ويأتي أيضا في كتاب الاحكام قوله وتكثر الزلازل قد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل ولكن الذي يظهر ان المراد بكثرتها شمولها ودوامها وقد وقع في حديث سلمة بن نفيل عند أحمد وبين يدي الساعة سنوات الزلازل وله عن أبي سعيد تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة قوله ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج تقدم البحث في ذلك قريبا قوله وحتى يكثر فيكم المال فيفيض
[ 77 ]
تقدم شرحه في كتاب الزكاة والتقييد بقوله فيكم يشعر بأنه محمول على زمن الصحابة فيكون إشارة إلى ما وقع من الفتوح واقتسامهم أموال الفرس والروم فيكون قوله فيفيض حتى يهم رب المال إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز فقد تقدم انه وقع في زمنه ان الرجل كان يعرض ماله للصدقة فلا يجد من يقبل صدقته ويكون قوله وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب لي به إشارة إلى ما سيقع في زمن عيسى بن مريم فيكون في هذا الحديث إشارة إلى ثلاثة أحوال الاولى إلى كثرة المال فقط وقد كان ذلك في زمن الصحابة ومن ثم قيل فيه يكثر فيكم وقد وقع في حديث عوف بن مالك الذي مضى في كتاب الجزية ذكر علامة أخرى مباينة لعلامة الحالة الثانية في حديث عوف بن مالك رفعه أعدد ستا بين يدي الساعة موتى ثم فتح بيت المقدس وموتان ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل منه مائة دينار فيظل ساخطا الحديث وقد أشرت إلى شئ من هذا عند شرحه الحالة الثانية الاشارة إلى فيضه من الكثرة بحيث ان يحصل استغناء كل أحد عن أخذ مال غيره وكان ذلك في آخر عصر الصحابة وأول عصر من بعدهم ومن ثم قيل يهم رب المال وذلك ينطبق على ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز الحالة الثالثة فيه الاشارة إلى فيضه وحصول الاستغناء لكل أحد حتى يهتم صاحب المال بكونه لا يجد من يقبل صدقته ويزداد بأنه يعرضه على غيره ولو كان ممن لا يستحق الصدقة فيأبى أخذه فيقول لا حاجة لي فيه وهذا في زمن عيسى عليه السلام ويحتمل ان يكون هذا الاخير خروج النار واشتغال الناس بأمر الحشر فلا يلتفت أحد حينئذ إلى المال بل يقصد ان يتخفف ما استطاع قوله وحتى يتطاول الناس في البنيان تقدم في كتاب الايمان من وجه آخر عن أبي هريرة في سؤال جبريل عن الايمان قوله في أشراط الساعة ويتطاول الناس في البنيان وهي من العلامات التي وقعت عن قرب في زمن النبوة ومعنى التطاول في البنيان ان كلا ممن كان يبني بيتا يريد ان يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر ويحتمل ان يكون المراد المباهاة به في الزينة والزخرفة أو أعم من ذلك وقد وجد الكثير من ذلك وهو في ازدياد قوله وحتى يمر الرجل بقبر الرجل تقدم شرحه قبل ببابين قوله وحتى تطلع الشمس من مغربها تقدم شرحه في آخر كتاب الرقاق وذكرت هناك ما ابداه البيهقي ثم القرطبي احتمالا ان الزمن الذي لا ينفع نفسا ايمانها يحتمل ان يكون وقت طلوع الشمس من المغرب ثم إذا تمادت الايام وبعد العهد بتلك الآية عاد نفع الايمان والتوبة وذكرت من جزم بهذا الاحتمال وبينت أوجه الرد عليه ثم وقفت على حديث لعبد الله ابن عمرو ذكر فيه طلوع الشمس من المغرب وفيه فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل الآية أخرجه الطبراني والحاكم وهو نص في موضع النزاع وبالله التوفيق قوله ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه وقع عند مسلم من رواية سفيان عن أبي الزناد ويتبايعان الثوب فلا يتبايعانه حتى تقوم وللبيهقي في البعث من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة ولتقومن الساعة على رجلين قد نشرا بينهما ثوبا يتبايعانه فلا يتبايعانه ولا يطويانه ونسبة الثوب إليهما في الرواية الاولى باعتبار الحقيقة في أحدهما والمجاز في الآخر كأن أحدهما مالك والآخر مستام وقوله في الرواية الاخرى يتبايعانه أي يتساومان فيه مالكه والذي يريد شراءه فلا يتم بينهما ذلك من بغتة قيام الساعة فلا يتبايعانه ولا يطويانه وعند
[ 78 ]
عبد الرزاق عن معمر عن محمد بز زياد عن أبي هريرة رفعه ان الساعة تقوم على الرجلين وهما ينشران الثوب فما يطويانه ووقع في حديث عقبة بن عامر عند الحاكم لهذه القصة وما بعدها مقدمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس فما تزال ترتفع حتى تملا السماء ثم ينادي مناديا أيها الناس ثلاثا يقول في الثالثة أتى أمر الله قال والذي نفسي بيده ان الرجلين لينشران الثوب بينهما فما يطويانه الحديث قوله ولتقومن الساعة وهو أي الرجل قوله يليط حوضه بفتح أوله من الثلاثي وبضمه من الرباعي والمعنى يصلحه بالطين والمدر فيسد شقوقه ليملاه ويسقي منه دوابه يقال لاط الحوض يليطه إذ أصلحه بالمدر ونحوه ومنه قيل اللائط لمن يفعل الفاحشة وجاء في مضارعه يلوط تفرقة بينه وبين الحوض وحكى القزاز في الحوض أيضا يلوط والاصل في اللوط اللصوق ومنه كان عمر يليط أهل الجاهلية بمن ادعاهم في الاسلام كذا قال والذي يتبادر ان فاعل الفاحشة نسب إلى قوم لوط والله اعلم ووقع في حديث عقبة بن عامر المذكور وان الرجل ليمدر حوضه فما يسقي منه شيئا وفي حديث عبد الله بن عمرو عند الحاكم وأصله في مسلم ثم ينفخ في الصور فيكون أول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق ففي هذا بيان السبب في كونه لا يسقي من حوضه شيئا ووقع عند مسلم والرجل يليط في حوضه فما يصدر أي يفرغ أو ينفصل عنه حتى تقوم قوله فلا يسقي فيه أي تقوم القيامة من قبل أن يستقي منه قوله ولتقومن الساعة وقد رفع اكلته بالضم أي لقمته إلى فيه فلا يطعمها أي تقوم الساعة من قبل أن يضع لقمته في فيه أو من قبل ان يمضغها أو من قبل أن يبتلعها وقد أخرجه البيهقي في البعث من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة رفعه تقوم الساعة على رجل أكلته في فيه يلوكها فلا يسيغها ولا يلفظها وهذا يؤيد الاحتمال الاخير وتقدم في أواخر كتاب الرقاق في باب طلوع الشمس من مغربها بسند حديث الباب طرف منه وهو من قوله لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها وذكر بعده ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما وبعده ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطمعه وبعده ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه وبعده ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته فزاد واحدة وهي الحلب وما أدري لم حذفها هنا مع انه أورد الحديث هنا بتمامه الا هذه الجملة وقد أوردها الطبراني في جملة الحديث على التفصيل الذي ذكرته في أول الكلام على هذا الحديث ثم وجدتها ثابتة في الاصل في رواية كريمة والاصيلي وسقطت لابي ذر والقابسي وقد أخرجه البيهقي من رواية بشر بن شعيب عن أبيه بلفظ بلبن لقحته من تحتها لا يطعمه وأخرج معه الثلاثة الاخرى واللقحة بكسر اللام وسكون القاف بعدها مهملة الناقة ذات الدر وهي إذا نتجت لقوح شهرين أو ثلاثة ثم لبون وهذا كله إشارة إلى ان القيامة تقوم بغتة واسرعها رفع اللقمة إلى الفم وقد أخرج مسلم منه في آخر كتاب الفتن هذه الامور الاربعة الا رفع اللقمة من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزناد بسنده هذا ولفظه تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الاناء إلى فيه حتى تقوم والرجلان يتبايعان الثوب والرجل يليط في حوضه وقد ذكرت لفظه فيهما وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو ما يعرف منه المراد من التثميل بصاحب الحوض ولفظه ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد الا أصغى وأول من يسمعه رجل يلوط حوض ابله فيصعق أخرجه مسلم
[ 79 ]
وأخرج بن ماجة وأحمد وصححه الحاكم عن بن مسعود قال لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم لقي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا الساعة فبدأوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم ثم سألوا موسى فلم يكن عنده منها علم فرد الحديث إلى عيسى فقال قد عهد الي فيما دون وجبتها فأما وجبتها فلا يعلمها الا الله فذكر خروج الدجال قال فأنزل إليه فاقتله ثم ذكر خروج يأجوج ومأجوج ثم دعاءه بموتهم ثم بإرسال المطر فيلقي جيفهم في البحر ثم تنسف الجبال وتمد الارض مد الاديم فعهد الي إذا كان ذلك كانت الساعة من الناس كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجئهم بولادتها ليلا كان أو نهارا (0) قوله باب ذكر الدجال هو فعال بفتح أوله والتشديد من الدجل وهو التغطية وسمي الكذاب دجالا لانه يغطي الحق بباطله ويقال دجل البعير بالقطران إذا غطاه والاناء بالذهب إذا طلاه وقال ثعلب الدجال المموه سيف مدجل إذا طلي وقال بن دريد سمي دجالا لانه يغطي الحق بالكذب وقيل لضربه نواحي الارض يقال دجل مخففا ومشددا إذا فعل ذلك وقيل بل قيل ذلك لانه يغطي الارض فرجع إلى الاول وقال القرطبي في التذكرة اختلف في تسميته دجالا على عشرة أقوال ومما يحتاج إليه في أمر الدجال أصله وهل هو بن صياد أو غيره وعلى الثاني فهل كان موجودا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا ومتى يخرج وما سبب خروجه ومن أين يخرج وما صفته وما الذي يدعيه وما الذي يظهر عند خروجه من الخوارق حتى تكثر أتباعه ومتى يهلك ومن يقتله فاما الاول فيأتي بيانه في كتاب الاعتصام في شرح حديث جابر انه كان يحلف ان بن صياد هو الدجال واما الثاني فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي أخرجه مسلم انه كان موجودا في العهد النبوي وانه محبوس في بعض الجزائر وسيأتي بيان ذلك عند شرح حديث جابر أيضا وأما الثالث ففي حديث النواس عند مسلم انه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية واما سبب خروجه فأخرج مسلم في حديث بن عمر عن حفصة انه يخرج من غضبة يغضبها واما من أين يخرج فمن قبل المشرق جزما ثم جاء في رواية انه يخرج من خراسان اخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكر وفي أخرى انه يخرج من أصبهان أخرجها مسلم وأما صفته فمذكورة في أحاديث الباب واما الذي يدعيه فإنه يخرج اولا فيدعي الايمان والصلاح ثم يدعي النبوة ثم يدعى الالهية كما أخرج الطبراني من طريق سليمان بن شهاب قال نزل علي عبد الله بن المعتمر وكان صحابيا فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال الدجال ليس به خفاء يجئ من قبل المشرق فيدعو إلى الدين فيتبع ويظهر فلا يزال حتى يقدم الكوفة فيظهر الدين ويعمل به فيتبع ويحث على ذلك ثم يدعي انه نبي فيفزع من ذلك كل ذي لب ويفارقه فيمكث بعد ذلك فيقول انا الله فتغشى عينه وتقطع اذنه ويكتب بين عينيه كافر فلا يخفى على كل مسلم فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثقال حبة من خردل من ايمان وسنده ضعيف تنبيه اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن مع ما ذكر عنه من الشر وعظم الفتنة به وتحذير الانبياء منه والامر بالاستعاذة منه حتى في الصلاة وأجيب بأجوبة أحدها انه ذكر في قوله يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ايمانها فقد أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة رفعه ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها الثاني
[ 80 ]
قد وقعت الاشارة في القرآن إلى نزول عيسى بن مريم في قوله تعالى وان من أهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته وفي قوله تعالى وانه لعلم للساعة وصح انه الذي يقتل الدجال فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر ولكونه يلقب المسيح كعيسى لكن الدجال مسيح الضلاله وعيسى مسيح الهدى الثالث انه ترك ذكره احتقارا وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال والذي قبله وتعقب بأن السؤال باق وهو ما الحكمة في ترك التنصيص عليه وأجاب شيخنا الامام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذكر في القرآن من المفسدين فوجد كل من ذكر انما هم ممن مضى وانقضى أمره واما من لم يجئ بعد فلم يذكر منهم أحدا انتهى وهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج وقد وقع في تفسير البغوي ان الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى لخلق السماوات والارض أكبر من خلق الناس وان المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على البعض وهذا ان ثبت أحسن الاجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبي صلى الله عليه وسلم ببيانه والعلم عند الله تعالى واما ما يظهر على يده من الخوارق فسيذكر هنا واما متى يهلك ومن يقتله فإنه يهلك بعد ظهوره على الارض كلها الا مكة والمدينة ثم يقصد بيت المقدس فينزل عيسى فيقتله أخرجه مسلم أيضا وسأذكر لفظه وفي حديث هشام بن عامر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال أخرجه الحاكم وعند الحاكم من طريق قتادة عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد رفعه انه يخرج يعني الدجال في نقص من الدنيا وخفة من الدين وسوء ذات بين فيرد كل منهل وتطوى له الارض الحديث وأخرج نعيم بن حماد في كتاب الفتن من طريق كعب الاحبار قال يتوجه الدجال فينزل عند باب دمشق الشرقي ثم يلتمس فلا يقدر عليه ثم يرى عند المياه التي عند نهر الكسوة ثم يطلب فلا يدري أين توجه ثم يظهر بالمشرق فيعطى الخلافة ثم يظهر السحر ثم يدعي النبوة فتتفرق الناس عنه فيأتي النهر فيأمره ان يسيل إليه فيسيل ثم يأمره أن يرجع فيرجع ثم يأمره ان ييبس فييبس ويأمر جبل طور وجبل زيتا ان ينتطحا فينتطحا ويأمر الريح أن تثير سحابا من البحر فتمطر الارض ويخوض البحر في يوم ثلاث خوضات فلا يبلغ حقويه وإحدى يديه أطول من الاخرى فيمد الطويلة في البحر فتبلغ قعره فيخرج من الحيتان ما يريد وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من الحلية بسند حسن صحيح إليه قال لا ينجو من فتنة الدجال الا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة وهذا لا يقال من قبل الرأي فيحتمل ان يكون مرفوعا أرسله ويحتمل ان يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب وذكر المصنف في الباب أحد عشر حديثا الحديث الاول (6705) قوله يحيى هو القطان وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم قوله قال لي المغيرة بن شعبة عند مسلم من رواية إبراهيم بن حميد عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة قوله ما سأل أحد النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال ما سألته في رواية مسلم أكثر مما سألته قوله وانه قال لي ما يضرك منه في رواية مسلم قال وما ينصبك منه بنون وصاد مهملة ثم موحدة من النصب بمعنى التعب ومثله عنده من رواية يزيد بن هارون عن إسماعيل وزاد فقال لي أي بني وما ينصبك منه وعنده من طريق هشيم عن إسماعيل وما سؤالك عنه أي وما سبب سؤالك عنه وقال أبو نعيم
[ 81 ]
في المستخرج معنى قوله ما ينصبك أي ما الذي يغمك منه من الغم حتى يهولك أمره قلت وهو تفسير باللازم والا فالنصب التعب وزنه ومعناه ويطلق على المرض لان فيه تعبا قال بن دريد يقال نصبه المرض وأنصبه وهو تغير الحال من تعب أو وجع قوله قلت لانهم يقولون هو متعلق بمحذوف تقديره الخشية منه مثلا في رواية المستملي انهم يقولون وهي رواية مسلم والضمير في انهم للناس أو لاهل الكتاب قوله جبل خبز بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة بعدها زاي والمراد ان معه من الخبز قدر الجبل وأطلق الخبز وأراد به أصله وهو القمح مثلا زاد في رواية هشيم عند مسلم معه جبال من خبز ولحم ونهر من ماء وفي رواية إبراهيم بن حميد ان معه الطعام والانهار وفي رواية يزيد بن هارون ان معه الطعام والشراب قوله ونهر ماء بسكون الهاء وبفتحها قوله قال بل هو أهون على الله من ذلك سقط لفظ بل من رواية مسلم وقال عياض معناه هو أهون من أن يجعل ما يخلقه على يديه مضلا للمؤمنين ومشككا لقلوب الموقنين بل ليزداد الذين آمنوا ايمانا ويرتاب الذين في قلوبهم مرض فهو مثل قول الذي يقتله ما كنت أشد بصيرة مني فيك لا ان قوله هو أهون على الله من ذلك انه ليس شئ من ذلك معه بل المراد اهون من ان يجعل شيئا من ذلك آية على صدقه ولا سيما وقد جعل فيه آية ظاهرة في كذبه وكفره يقرأها من قرأ ومن لا يقرأ زائدة على شواهد كذبه من حدثه ونقصه قلت الحامل على هذا التأويل انه ورد في حديث آخر مرفوع ومعه جبل من خبز ونهر من ماء أخرجه أحمد والبيهقي في البعث من طريق جنادة بن أبي أمية عن مجاهد قال انطلقنا إلى رجل من الانصار فقلنا حدثنا بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدجال ولا تحدثنا عن غيره فذكر حديثا فيه تمطر الارض ولا ينبت الشجر ومعه جنة ونار فناره جنة وجنته نار ومعه جبل خبز الحديث بطوله ورجاله ثقات ولاحمد من وجه آخر عن جنادة عن رجل من الانصار معه جبال الخبز وأنهار الماء ولاحمد من حديث جابر معه جبال من خبز والناس في جهد الا من تبعه ومعه نهران الحديث فدل ما ثبت من ذلك على ان قوله هو أهون على الله من ذلك ليس المراد به ظاهره وانه لا يجعل على يديه شيئا من ذلك بل هو على التأويل المذكور وسيأتي في الحديث الثامن ان معه جنة ونار وغفل القاضي بن العربي فقال في الكلام على حديث المغيرة عند مسلم لما قال له لن يضرك قال ان معه ماء ونارا قلت ولم أر ذلك في حديث المغيرة قال بن العربي أخذ بظاهر قوله هو اهون على الله من ذلك من رد من المبتدعة الاحاديث الثابتة ان معه جنة ونارا وغير ذلك قال وكيف يرد بحديث محتمل ما ثبت في غيره من الاحاديث الصحيحة فلعل الذي جاء في حديث المغيرة جاء قبل أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم أمره ويحتمل ان يكون قوله هو أهون أي لا يجعل له ذلك حقيقة وانما هو تخييل وتشبيه على الابصار فيثبت المؤمن ويزل الكافر ومال بن حبان في صحيحه إلى الآخر فقال هذا لا يضاد خبر أبي مسعود بل معناه انه اهون على الله من أن يكون نهر ماء يجري فان الذي معه يرى انه ماء وليس بماء الحديث الثاني (6706) قوله حدثنا سعد بن حفص بسكون العين وفي بعض النسخ بكسرها وزيادة ياء وهو تحريف قوله شيبان هو بن عبد الرحمن نسبه عباس الدوري عن سعد بن حفص شيخ البخاري فيه أخرجه الاسماعيلي ويحيى هو بن أبي كثير قوله يجئ الدجال حتى ينزل في ناحية المدينة في حديث أبي سعيد الآتي بعد باب ينزل بعض
[ 82 ]
السباخ التي في المدينة وفي رواية حماد بن سلمة عن إسحاق عن أنس فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه فيخرج إليه كل منافق ومنافقة والجرف بضم الجيم والراء بعدها فاء مكان بطريق المدينة من جهة الشام على ميل وقيل على ثلاثة أميال والمراد بالرواق الفسطاط ولابن ماجة من حديث أبي أمامة نزل عند الطريق الاحمر عند منقطع السبخة قوله ترجف ثلاثة رجفات في رواية الدوري فترجف وهي أوجه وقد تقدم في آخر كتاب الحج من طريق الاوزاعي عن إسحاق أتم من هذا وفيه ليس من بلد الا سيطؤه الدجال الا مكة والمدينة وتقدم شرحه هناك والجمع بين قوله ترجف ثلاث رجفات وبين قوله في الحديث الذي يلي هذا لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال وفي حديث محجن بن الادرع عند أحمد والحاكم رفعه يجئ الدجال فيصعد أحدا فيتطلع فينظر إلى المدينة فيقول لاصحابه الا ترون إلى هذا القصر الابيض هذا مسجد أحمد ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقب من نقابها ملكا مصلتا سيفه فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة الا خرج إليه فتخلص المدينة فذلك يوم الخلاص وفي حديث أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الذي تقدمت الاشارة إليه أول الباب وتطوى له الارض طي فروة الكبش حتى يأتي المدينة فيغلب على خارجها ويمنع داخلها ثم يأتي ايليا فيحاصر عصابة من المسلمين وحاصل ما وقع به الجمع ان الرعب المنفي هو الخوف والفزع حتى لا يحصل لاحد فيها بسبب نزوله قربها شئ منه أو هو عبارة عن غايته وهو غلبته عليها والمراد بالرجفة الارفاق وهو اشاعة مجيئه وانه لا طاقة لاحد به فيسارع حينئذ إليه من كان يتصف بالنفاق أو الفسق فيظهر حينئذ تمام انها تنفي خبثها الحديث الثالث (6707) قوله حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الخ ثبت هذا للمستملي وحده هنا وسقط لسائرهم وقد مضى في آخر كتاب الحج سندا ومتنا وإبراهيم بن سعد أي بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وسعد هو الذي روى عنه محمد بن بشر في السند الثاني قوله لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال تقدم ضبط المسيح في باب الدعاء قبل السلام من كتاب الصلاة وهو قبيل كتاب الجمعة وتقدم فيه أيضا ان من قاله بالخاء المعجمة صحف والقول في سبب تسميته المسيح بما يغني عن اعادته هنا وحكى شيخنا مجد الدين الشيرازي صاحب القاموس في اللغة انه اجتمع له من الاقوال في سبب تسمية الدجال المسيح خمسون قولان وبالغ القاضي بن العربي فقال ضل قوم فرووه المسيخ بالخاء المعجمة وشدد بعضهم السين ليفرقوا بينه وبين المسيح عيسى بن مريم بزعمهم وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما بقوله في الدجال مسيح الضلالة فدل على ان عيسى مسيح الهدى فأراد هؤلاء تعظيم عيسى فحرفوا الحديث قوله لها يومئذ سبعة أبواب قال عياض هذا يؤيد أن المراد بالانقاب في حديث أبي هريرة يعني ثاني أحاديث الباب الذي يليه الابواب وفوهات الطريق قوله على كل باب ملكان كذا في رواية إبراهيم بن سعد وفي رواية محمد بن بشر لكل باب ملكان وأخرجه الحاكم من رواية الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن عياض بن مسافع عن أبي بكرة قال أكثر الناس في شأن مسيلمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم انه كذاب من ثلاثين كذابا قبل الدجال وانه ليس بلد الا ويدخله رعب الدجال الا المدينة على كل نقب من انقابها ملكان يذبان عنها رعب المسيح الحديث الرابع قوله حدثنا وهيب بالتصغير وأيوب هو السختياني قوله عن بن عمر أراه عن النبي
[ 83 ]
صلى الله عليه وسلم القائل أراه عن النبي صلى الله عليه وسلم هو البخاري وقد سقط قوله أراه الخ للمستملي ولابي زيد المروزي وأبي أحمد الجرجاني فصارت صورته موقوفا وبذلك جزم الاسماعيلي فقال بعد أن أورده من رواية أحمد بن منصور الرمادي عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري بسنده إلى بن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رواه البخاري عن موسى فلم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم ورواه أبو نعيم في المستخرج عن الطبراني عن أحمد بن داود المكي عن موسى وصرح برفعه أيضا واقتصر المزي على ما وقع في رواية السرخسي وغيره بلفظ آراه والحديث في الاصل مرفوع فقد أخرجه مسلم من رواية حماد بن زيد عن أيوب فقال فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في أحاديث الانبياء في ترجمة عيسى بن مريم من طريق موسى بن عقبة عن نافع قال قال عبد الله هو بن عمر ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الناس المسيح الدجال فذكر هذا الحديث وسياقه هناك أتم قوله أعور العين اليمنى في رواية غير أبي ذر أعور عين اليمنى بغير ألف ولام ومثله في رواية الطبراني وقد تقدم في ترجمة عيسى بلفظ أعور عينه اليمنى وتقدم توجيهه والبحث في اعرابه قوله كأنها عنبة طافية يأتي الكلام عليه في الحديث السادس هكذا وقع في هذا الموضع عند الجميع لم يذكر الموصوف بذلك ومثله في رواية الاسماعيلي لكن قال في آخره يعني الدجال ووقع في رواية الطبراني في أوله الدجال أعور عين اليمنى قوله وقال بن إسحاق هو محمد صاحب المغازي قوله عن صالح بن إبراهيم أي بن عبد الرحمن بن عوف وهو أخو سعد بن إبراهيم قوله عن أبيه قال قدمت البصرة أراد بهذا التعليق ثبوت لقاء إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف لابي بكرة لان إبراهيم مدني وقد تستنكر روايته عن أبي بكرة لانه نزل البصرة من عهد عمر إلى ان مات قوله فقال لي أبو بكرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بهذا هذا التعليق وصله الطبراني في الاوسط من رواية محمد بن مسلمة الحراني عن محمد بن إسحاق بهذا السند وبقيته بعد قوله فلقيت أبا بكرة فقال أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل قرية يدخلها فزع الدجال الا المدينة يأتيها ليدخلها فيجد على بابها ملكا مصلتا بالسيف فيرده عنها قال الطبراني لم يروه عن صالح الا بن إسحاق قلت وصالح المذكور ثقة مقل أخرجا له في الصحيحين حديثا واحدا غير هذا وقوله بهذا يريد أصل الحديث والا فبين لفظ صالح بن إبراهيم ولفظ سعد بن إبراهيم مغايرات تظهر من سياقهما الحديث الخامس (6708) قوله حدثنا عبد العزيز بن عبد الله هو الاويسي وإبراهيم هو بن سعد وصالح هو بن كيسان وابن شهاب هو الزهري قوله قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال هكذا أورده هنا وطوله في كتاب الجهاد من طريق معمر عن الزهري بهذا السند وأوله ان عمر انطلق مع النبي صلى الله عليه وسلم في رهط قبل بن صياد القصة بطولها وفيه خبأت لك خبيا وفيه فقال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنقه ثم ذكر بعده قال بن عمر انطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها بن صياد فذكر القصة الاخرى وفيها وهو مضطجع في قطيفة وفيها لو تركته بين ثم ذكر بعده قال بن عمر ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس الحديث فجمع هذه الاحاديث الثلاثة في اواخر كتاب الجهاد في باب كيف يعرض الاسلام على الصبي وكذا صنع في كتاب الادب أورده فيه من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري واقتصر في أواخر كتاب
[ 84 ]
الجنائز على الاولين ولم يذكر الثالث أورده فيه من طريق يونس بن يزيد عن الزهري وكذا صنع في الشهادات أورده فيه من طريق شعيب وقد شرحتهما هناك وأورده مسلم من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بسنده في هذا الباب بتمامه مشتملا على الاحاديث الثلاثة قوله وما من نبي الا وقد أنذره قومه زاد في رواية معمر لقد أنذره نوح قومه وفي حديث أبي عبيدة بن الجراح عند أبي داود والترمذي وحسنه لم يكن نبي بعد نوح الا وقد أنذر قومه الدجال وعند أحمد لقد أنذره نوح أمته والنبيون من بعده أخرجه من وجه آخر عن بن عمر وقد استشكل انذار نوح قومه بالدجال مع ان الاحاديث قد ثبتت أنه يخرج بعد أمور ذكرت وأن عيسى يقتله بعد أن ينزل من السماء فيحكم بالشريعة المحمدية والجواب أنه كان وقت خروجه أخفى على نوح ومن بعده فكأنهم أنذروا به ولم يذكر لهم وقت خروجه فحذروا قومهم من فتنته ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرقه ان يخرج وانا فيكم فانا حجيجه فإنه محمول على ان ذلك كان قبل ان يتبين له وقت خروجه وعلاماته فكان يجوز ان يخرج في حياته صلى الله عليه وسلم ثم بين له بعد ذلك حاله ووقت خروجه فأخبر به فبذلك تجتمع الاخبار وقال بن العربي انذار الانبياء قومهم بأمر الدجال تحذير من الفتن وطمأنينة لها حتى لا يزعزعها عن حسن الاعتقاد وكذلك تقريب النبي صلى الله عليه وسلم له زيادة في التحذير وأشار مع ذلك إلى انهم إذا كانوا على الايمان ثابتين دفعوا الشبه باليقين قوله ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه قيل ان السر في اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بالتنبيه المذكور مع انه أوضح الادلة في تكذيب الدجال ان الدجال انما يخرج في أمته دون غيرها ممن تقدم من الامم ودل الخبر على ان علم كونه يختص خروجه بهذه الامة كان طوى عن غير هذه الامة كما طوي عن الجميع علم وقت قيام الساعة قوله انه أعور وان الله ليس بأعور انما اقتصر على ذلك مع أن أدلة الحدوث في الدجال ظاهرة لكون العور أثر محسوس يدركه العالم والعامي ومن لا يهتدي إلى الادلة العقلية فإذا ادعى الربوبية وهو ناقص الخلقة والاله يتعالى عن النقص علم انه كاذب وزاد مسلم في رواية يونس والترمذي في رواية معمر قال الزهري فأخبرني عمرو بن ثابت الانصاري أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يومئذ للناس وهو يحذرهم تعلمون انه لن ير أحد منكم ربه حتى يموت وعند بن ماجة نحو هذه الزيادة من حديث أبي أمامة وعند البزار من حديث عبادة بن الصامت وفيه تنبيه على ان دعواه الربوبية كذب لان رؤية الله تعالى مقيدة بالموت والدجال يدعي انه الله ويراه الناس مع ذلك وفي هذا الحديث رد على من يزعم انه يرى الله تعالى في اليقظة تعالى الله عن ذلك ولا يرد على ذلك رؤية النبي صلى الله عليه وسلم له ليلة الاسراء لان ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم فأعطاه الله تعالى في الدنيا القوة التي ينعم بها على المؤمنين في الآخرة الحديث السادس (6709) قوله عن عقيل بالضم هو بن خالد قوله بينا أنا نائم أطوف بالكعبة زاد في ذكر عيسى من أحاديث الانبياء عن أحمد بن محمد المكي عن إبراهيم ابن سعد بهذا السند إلى بن عمر قال لا والله ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعيسى أحمر ولكن قال بينما الحديث وزاد في رواية شعيب عن بن شهاب رأيتني قبل قوله أطوف وهو بضم المثناة وتقدم في التعبير من طريق مالك عن نافع عن بن عمر أراني الليلة عند الكعبة وهو
[ 85 ]
بفتح الهمزة وكل ذلك يقتضي انها رؤيا منام والذي نفاه بن عمر في هذه الرواية جاء عنه إثباته في رواية مجاهد عنه قال رأيت عيسى وموسى وإبراهيم فاما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر أما موسى فذكر الحديث وتقدم القول في ذلك في ترجمته مستوفي وان الصواب ان مجاهدا انما روى هذا عن بن عباس قوله فإذا رجل آدم بالمد في رواية مالك رأيت رجلا آدم كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال بضم الهمزة وسكون الدال قوله سبط الشعر بفتح المهملة وكسر الموحدة وسكونها أيضا قوله ينطف بكسر الطاء المهملة أو يهراق كذا بالشك ولم يشك في رواية شعيب وزاد في رواية مالك له لمة بكسر اللام وتشديد الميم كأحسن ما أنت راء من اللمم وفي رواية موسى بن عقبة عن نافع تضرب به لمته بين منكبيه رجل الشعر يقطر رأسه ماء قوله قد رجلها بتشديد الجيم يقطر ماء ووقع في رواية شعيب بين رجلين وفي رواية مالك متكئا على عواتق رجلين يطوف بالبيت وفي حديث بن عباس ورأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس زاد في حديث أبي هريرة بنحوه كأنما خرج من ديماس يعني الحمام وفي رواية حنظلة عن سالم عن بن عمر يسكب رأسه أو يقطر وفي حديث جابر عند مسلم فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود قوله قلت من هذا قالوا بن مريم في رواية مالك فسألت من هذا فقيل المسيح بن مريم وفي رواية حنظلة فقالوا عيسى بن مريم قوله ثم ذهبت التفت فإذا رجل جسيم أحمر جعد الرأس أعور العين زاد في رواية مالك جعد قطط أعور وزاد شعيب أعور العين اليمنى وقد تقدم القول فيه أول الباب وفي رواية حنظلة ورأيت وراءه رجلا أحمر جعد الرأس أعور العين اليمنى ففي هذه الطرق انه أحمر ووقع في حديث عبد الله بن مغفل عند الطبراني انه آدم جعد فيمكن أن تكون ادمته صافية ولا ينافي ان يوصف مع ذلك بالحمرة لان كثيرا من الادم قد تحمر وجنته ووقع في حديث سمرة عند الطبراني وصححه بن حبان والحاكم ممسوح العين اليسرى كأنها عين أبي يحيى شيخ من الانصار انتهى وهو بكسر المثناة الفوقانية ضبطه بن ماكولا عن جعفر المستغفري ولا يعرف الا من هذا الحديث قوله كأن عينه عنبة طافية بياء غير مهموزة أي بارزة ولبعضهم بالهمز أي ذهب ضوؤها قال القاضي عياض رويناه عن الاكثر بغير همز وهو الذي صححه الجمهور وجزم به الاخفش ومعناه انها ناتئة نتوء حبة العنب من بين أخواتها قال وضبطه بعض الشيوخ بالهمز وأنكره بعضهم ولا وجه لانكاره فقد جاء في آخر انه ممسوح العين مطموسة وليست جحراء ولا ناتئة وهذه صفة حبة العنب إذا سأل ماؤها وهو يصحح رواية الهمز قلت الحديث المذكور عند أبي داود يوافقه حديث عبادة بن الصامت ولفظه رجل قصير أفحج بفاء ساكنة ثم مهملة مفتوحة ثم جيم من الفحج وهو تباعد ما بين الساقين أو الفخذين وقيل تداني صدور القدمين مع تباعد العقبين وقيل هو الذي في رجله اعوجاج وفي الحديث المذكور جعد أعور مطموس العين ليست بناتئة بنون ومثناة ولا جحراء بفتح الجيم وسكون المهملة ممدود أي عميقة وبتقديم الحاء أي ليست متصلبة وفي حديث عبد الله بن مغفل ممسوح العين وفي حديث سمرة مثله وكلاهما عند الطبراني ولكن في حديثهما أعور العين اليسرى ومثله لمسلم من حديث حذيفة وهذا بخلاف قوله في حديث الباب أعور العين اليمنى وقد اتفقا عليه من حديث بن عمر فيكون أرجح والى ذلك أشار بن عبد البر لكن جمع بينهما
[ 86 ]
القاضي عياض فقال تصحح الروايتان معا بأن تكون المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة بالهمز أي التي ذهب ضوؤها وهي العين اليمنى كما في حديث بن عمر وتكون الجاحظة التي كأنها كوكب وكانها نخاعة في حائط هي الطافية بلا همز وهي العين اليسرى كما جاء في الرواية الاخرى وعلى هذا فهو أعور العين اليمنى واليسرى معا فكل واحدة منهما عوراء أي معيبة فإن الاعور من كل شئ المعيب وكلا عيني الدجال معيبة فاحداهما معيبة بذهاب ضوئها حتى ذهب ادراكها والاخرى بنتوئها انتهى قال النووي هو في نهاية الحسن وقال القرطبي في المفهم حاصل كلام القاضي ان كل واحدة من عيني الدجال عوراء إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها والاخرى بأصل خلقها معيبة لكن يبعد هذا التأويل أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الرواية بمثل ما وصفت به الاخرى من العور فتأمله وأجاب صاحبه القرطبي في التذكرة بأن الذي تأوله القاضي صحيح فان المطموسة وهي التي ليست ناتئة ولا جحراء هي التي فقدت الادراك والاخرى وصفت بأن عليها ظفرة غليظة وهي جلدة تغشى العين وإذا لم تقطع عميت العين وعلى هذا فالعور فيهما لان الظفرة مع غلظها تمنع الادراك أيضا فيكون الدجال أعمى أو قريبا منه الا انه جاء ذكر الظفرة في العين اليمنى في حديث سفينة وجاء في العين الشمال في حديث سمرة فالله أعلم قلت وهذا هو الذي أشار إليه شيخه بقوله ان كل واحدة منهما جاء وصفها بمثل ما وصفت الاخرى ثم قال في التذكرة يحتمل ان تكون كل واحدة منهما عليها ظفرة فان في حديث حذيفة انه ممسوح العين عليها ظفرة غليظة قال وإذا كانت الممسوحة عليها ظفرة فالتي ليست كذلك أولى قال وقد فسرت الظفرة بأنها لحمة كالعلقة قلت وقع في حديث أبي سعيد عند أحمد وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخاعة في حائط مجصص وعينه اليسرى كأنها كوكب دري فوصف عينيه معا ووقع عند أبي يعلى من هذا الوجه أعور ذو حدقة جاحظة لا تخفى كأنها كوكب دري ولعلها أبين لان المراد بوصفها بالكوكب شدة اتقادها وهذا بخلاف وصفها بالطمس ووقع في حديث أبي بن كعب عند أحمد والطبراني إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء وهو يوافق وصفها بالكوكب ووقع في حديث سفينة عند أحمد والطبراني أعور عينه اليسرى بعينه اليمنى ظفرة غليظة والذي يتحصل من مجموع الاخبار ان الصواب في طافية انه بغير همز فانها قيدت في رواية الباب بأنها اليمنى وصرح في حديث عبد الله بن مغفل وسمرة وأبي بكرة بأن عينه اليسرى ممسوحة والطافية هي البارزة وهي غير الممسوحة والعجب ممن يجوز رواية الهمز في طافية وعدمه مع تضاد المعنى في حديث واحد فلو كان ذلك في حديثين لسهل الامر وأما الظفرة فجائز ان تكون في كلا عينيه لانه لا يضاد الطمس ولا النتوء وتكون التي ذهب ضوؤها هي المطموسة والمعيبة مع بقاء ضوئها هي البارزة وتشبيهها بالنخاعة في الحائط المجصص في غاية البلاغة واما تشبيهها بالزجاجة الخضراء وبالكوكب الدري فلا ينافي ذلك فان كثيرا ممن يحدث له في عينه النتوء يبقى معه الادراك فيكون الدجال من هذا القبيل والله أعلم قال بن العربي في اختلاف صفات الدجال بما ذكر من النقص بيان أنه لا يدفع النقص عن نفسه كيف كان وانه محكوم عليه في نفسه وقال البيضاوي الظفرة لحمة تنبت عند الماق وقيل جلدة تخرج في العين من الجانب الذي يلي الانف ولا يمنع ان تكون في العين السالمة بحيث لا تواري الحدقة بأسرها بل تكون على حدثتها قوله هذا الدجال
[ 87 ]
في رواية شعيب قلت من هذا قالوا وكذا في رواية حنظلة وفي رواية مالك فقيل المسيح الدجال ولم أقف على اسم القائل معينا قوله أقرب الناس به شبها بن قطن زاد في رواية شعيب وابن قطن رجل من بني المصطلق من خزاعة وفي رواية حنظلة أشبه من رأيت به بن قطن وزاد أحمد بن محمد المكي في روايته قال الزهري هلك في الجاهلية وقدمت هناك سياق نسبه إلى خزاعة من فوائد الدمياطي وسأذكر اسمه في آخر الباب مع بقية صفته ان شاء الله تعالى واستشكل كون الدجال يطوف بالبيت وكونه يتلو عيسى بن مريم وقد ثبت انه إذا رآه يذوب وأجابوا عن ذلك بأن الرؤيا المذكورة كانت في المنام ورؤيا الانبياء وان كانت وحيا لكن فيها ما يقبل التعبير وقال عياض لا اشكال في طواف عيسى بالبيت واما الدجال فلم يقع في رواية مالك انه طاف وهي أثبت ممن روى طوافه وتعقب بأن الترجيح مع إمكان الجمع مردود لان سكوت مالك عن نافع عن ذكر الطواف لا يرد رواية الزهري عن سالم وسواء ثبت انه طاف أم لم يطف فرؤيته إياه بمكة مشكلة مع ثبوت انه لا يدخل مكة ولا المدينة وقد انفصل عنه القاضي عياض بان منعه من دخولها انما هو عند خروجه في آخر الزمان قلت ويؤيده ما دار بين أبي سعيد وبين بن صياد فيما أخرجه مسلم وان بن صياد قال له ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم انه لا يدخل مكة ولا المدينة وقد خرجت من المدينة أريد مكة فتأوله من جزم بان بن صياد هو الدجال على أن المنع انما هو حيث يخرج وكذا الجواب عن مشيه وراء عيسى عليه السلام الحديث السابع حديث عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال وهو مختصر من حديث تقدم بتمامه في باب الدعاء قبل السلام وهو قبيل كتاب الجمعة أورده من طريق شعيب عن الزهري بهذا السند مطولا ثم قال وعن الزهري فذكر هذا الحديث هنا الحديث الثامن (6711) قوله أخبرني أبي هو عثمان بن جبلة بفتح الجيم والموحدة بن أبي رواد بفتح الراء وتشديد الواو قوله عن عبد الملك هو بن عمير ونسب عند مسلم في رواية محمد بن جعفر عن شعبة فقال عن عبد الملك بن عمير قوله ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة اسم بلفظ النسب وهو بن حراش بمهملة وآخره معجمة وحذيفة هو بن اليمان قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الدجال ان معه كذا ذكره شعبة مختصرا وتقدم في أول ذكر بني إسرائيل من طريق أبي عوانة عن عبد الملك عن ربعي قال قال عقبة بن عمرو لحذيفة الا تحدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمعته يقول ان مع الدجال إذا خرج وكذا لمسلم من طريق شعيب بن صفوان عن عبد الملك قوله ان معه ماء ونارا عند مسلم من طريق نعيم بن أبي نعيم بن أبي هند عن ربعي اجتمع حذيفة وأبو مسعود فقال حذيفة لانا بما مع الدجال أعلم منه وفي رواية أبي مالك الاشجعي عن ربعي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لانا اعلم بما مع الدجال منه معه نهران يجريان أحدهما رأي العين ماء أبيض والآخر رأي العين نار تأجج وفي رواية شعيب بن صفوان فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق واما الذي يراه الناس نارا فماء بارد الحديث وفي حديث سفينة عند أحمد والطبراني معه واديان أحدهما جنة والآخر نار فناره جنة وجنته نار وفي حديث أبي أمامة عند بن ماجة وان من فتنته ان معه جنة ونارا فناره جنة وجنته نار فمن ابتلي بناره فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه بردا وسلاما قوله فناره ماء
[ 88 ]
بارد وماؤه نار زاد محمد بن جعفر في روايته فلا تهلكوا وفي رواية أبي مالك فان أدركه أحد فليأت النهر الذي يراه نارا وليغمض ثم ليطأطئ رأسه فيشرب وفي رواية شعيب بن صفوان فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارا فإنه ماء عذب طيب وكذا في رواية أبي عوانة وفي حديث أبي سلمة عن أبي هريرة وانه يجئ معه مثل الجنة والنار فالتي يقول انها الجنة هي النار أخرجه أحمد وهذا كله يرجع إلى اختلاف المرئي بالنسبة إلى الرائي فاما ان يكون الدجال ساحرا فيخيل الشئ بصورة عكسه واما ان يجعل الله باطن الجنة التي يسخرها الدجال نارا وباطن النار جنة وهذا الراجح واما ان يكون ذلك كناية عن النعمة والرحمة بالجنة وعن المحنة والنقمة بالنار فمن أطاعه فانعم عليه بجنته يؤل أمره إلى دخول نار الآخرة وبالعكس ويحتمل ان يكون ذلك من جملة المحنة والفتنة فيرى الناظر إلى ذلك من دهشته النار فيظنها جنة وبالعكس الحديث التاسع (6712) قوله عن قتادة عن أنس يأتي في التوحيد عن حفص بن عمر عن شعبة أنبأنا قتادة سمعت أنسا قوله ما بعث نبي الا أنذر أمته الاعور الكذاب في رواية حفص ما بعث الله من نبي وقد تقدم بيانه في الحديث الخامس قوله الا انه أعور بتخفيف اللام وهي حرف تنبيه قوله وان ربكم ليس بأعور تقدم بيان الحكمة فيه في الحديث الخامس بما فيه مقنع قوله وان بين عينيه مكتوب كافر كذا للاكثر وللجمهور مكتوبا ولا اشكال فيه لانه أما اسم أن واما حال وتوجيه الاول أنه حذف اسم ان والجملة بعده مبتدأ وخبر في موضع خبر ان والاسم المحذوف اما ضمير الشأن أو يعود على الدجال ويجوز ان يكون كافر مبتدأ والخبر بين عينيه وعند مسلم من رواية محمد بن جعفر عن شعبة مكتوب بين عينيه ك ف ر ومن طريق هشام عن قتادة حدثني أنس بلفظ الدجال مكتوب بين عينيه ك ف ر أي كافر ومن طريق شعيب بن الحبحاب عن أنس مكتوب بين عينيه كافر ثم تهجاها ك ف ر يقرؤه كل مسلم وفي رواية عمر بن ثابت عن بعض الصحابة يقرؤه كل من كره عمله أخرجه الترمذي وهذا أخص من الذي قبله وفي حديث أبي بكرة عند أحمد يقرؤه الامي والكاتب ونحوه في حديث معاذ عند البزار وفي حديث أبي امامة عند بن ماجة يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب ولاحمد عن جابر مكتوب بين عينيه كافر مهجاة ومثله عند الطبراني من حديث أسماء بنت عميس قال بن العربي في قوله ك ف ر إشارة إلى ان فعل وفاعل من الكفر انما يكتب بغير ألف وكذا هو في رسم المصحف وان كان أهل الخط أثبتوا في فاعل ألفا فذاك لزيادة البيان وقوله يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب أخبار بالحقيقة وذلك ان الادراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء فهذا يراه المؤمن بغير بصره وان كان لا يعرف الكتابة ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة كما يرى المؤمن الادلة بعين بصيرته ولا يراها الكافر فيخلق الله للمؤمن الادراك دون تعلم لان ذلك الزمان تنخرق فيه العادات في ذلك ويحتمل قوله يقرؤه من كره عمله ان يراد به المؤمنون عموما ويحتمل ان يختص ببعضهم ممن قوي ايمانه وقال النووي الصحيح الذي عليه المحققون أن الكتابة المذكورة حقيقة جعلها الله علامة قاطعة بكذب الدجال فيظهر الله المؤمن عليها ويخفيها على من أراد شقاوته وحكى عياض خلافا وأن بعضهم قال هي مجاز عن سمة الحدوث عليه وهو مذهب ضعيف ولا يلزم من قوله يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب أن لا تكون
[ 89 ]
الكتابة حقيقة بل يقدر الله على غير الكاتب علم الادراك فيقرأ ذلك وأن لم يكن سبق له معرفة الكتابة وكأن السر اللطيف في أن الكاتب وغير الكاتب يقرأ ذلك لمناسبة أن كونه أعور يدركه كل من رآه فالله أعلم الحديث العاشر والحادي عشر قوله فيه أبو هريرة وابن عباس أي يدخل في الباب حديث أبي هريرة وحديث بن عباس فيحتمل أن يريد أصل الباب فيتناول كلامه كل شئ ورد مما يتعلق بالدجال من حديث المذكورين ويحتمل أن يريد خصوص الحديث الذي قبله وهو أن كل نبي أنذر قومه الدجال وهو أقرب فمما ورد عن أبي هريرة في ذلك ما تقدم في ترجمة نوح من أحاديث الانبياء من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم ألا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبي قومه أنه أعور وانه يجئ معه تمثال الجنة والنار فالتي يقول انها الجنة هي النار واني أنذركم كما أنذر به نوح قومه وأخرج البزار بسند جيد عن أبي هريرة سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق يقول يخرج مسيح الضلالة فيبلغ ما شاء الله أن يبلغ من الارض في أربعين يوما فيلقى المؤمنون منه شدة شديدة الحديث ومما ورد في ذلك من حديث بن عباس ما تقدم أيضا في الملائكة من طريق أبي العالية عن بن عباس في ذكر صفة موسى عليه السلام وفيه وذكر أنه رأى الدجال ووقع عند أحمد والطبراني من طريق أخرى عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في الدجال أعور هجان بكسر أوله وتخفيف الجيم أي أبيض أزهر كأن رأسه أصلة أشبه الناس بعبد العزى بن قطن فأما هلك الهلك فان ربكم ليس بأعور وفي لفظ للطبراني ضخم فيلماني بفتح الفاء وسكون التحتانية وفتح اللام وبعد الالف نون أي عظيم الجثة كأن رأسه أغصان شجرة يريد أن شعر رأسه كثير متفرق قائم أشبه الناس بعبد العزى بن قطن رجل من خزاعة وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم والترمذي وابن ماجة شاب قطط عينه قائمة ولابن ماجة كأني أشبهه بعبد العزي بن قطن وعند البزار من حديث الغلتان بن عاصم أجلى الجبهة عريض النحر ممسوح العين اليسرى كأنه عبد العزى بن قطن وقد تقدم في ترجمة عيسى سياق نسب عبد العزى بن قطن ووقع في حديث أبي هريرة عند أحمد نحوه لكن قال كأنه قطن بن عبد العزي وزاد فقال يا رسول الله هل يضرني شبهه قال لا أنت مؤمن وهو كافر وهذه الزيادة ضعيفة فان في سنده المسعودي وقد اختلط والمحفوظ انه عبد العزى بن قطن وانه هلك في الجاهلية كما قال الزهري والذي قال هل يضرني شبهه هو أكتم بن أبي الجون وان ما قاله في حق عمرو بن لحي كما أخرجه أحمد والحاكم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه عرضت على النار فرأيت فيها عمرو بن لحي الحديث وفيه وأشبه من رأيت به أكتم بن أبي الجون فقال أكتم يا رسول الله أيضرني شبهه قال لا انك مسلم وهو كافر فاما الدجال فشبهه بعبد العزى بن قطن وشبه عينه الممسوحة بعين أبي يحيى الانصاري كما تقدم والله أعلم وفي حديث حذيفة عند مسلم جفال الشعر وهو بضم الجيم وتخفيف الفاء أي كثيره (0) الله تعالى قوله باب لا يدخل الدجال المدينة أي المدينة النبوية ذكر فيه ثلاثة أحاديث الاول (6713) قوله حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم يوما حديثا طويلا عن الدجال كذا ورد من هذا الوجه مبهما وقد ورد من غير هذا الوجه عن أبي سعيد ما لعله يؤخذ منه ما لم يذكر كما في رواية أبي نضرة عن أبي سعيد انه يهودي وانه لا يولد له وانه لا يدخل المدينة
[ 90 ]
ولا مكة أخرجه مسلم وفي رواية عطية عن بن أبي سعيد رفعه في صفة عين الدجال كما تقدم وفيه ومعه مثل الجنة والنار وبين يديه رجلان ينذران أهل القرى كلما خرجا من قرية دخل أوائله أخرجه أبو يعلى والبزار وهو عند أحمد بن منيع مطول وسنده ضعيف وفي رواية أبي الوداك عن أبي سعيد رفعه في صفة عين الدجال أيضا وفيه معه من كل لسان ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء وصورة النار سوداء تدخن قوله يأتي الدجال أي إلى ظاهر المدينة قوله فينزل بعض السباخ بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سبخة بفتحتين وهي الارض الرملة التي لا تنبت لملوحتها وهذه الصفة خارج المدينة من غير جهة الحرة قوله التي تلي المدينة أي من قبل الشام قوله فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خيار الناس في رواية صالح عن بن شهاب عند مسلم أو من خير الناس وفي رواية أبي الوداك عن أبي سعيد عند مسلم فيتوجه قبله رجل من المؤمنين فيلقاه مسالح الدجال فيقولون أو ما تؤمن بربنا فيقول ما بربنا خفاء فينطلقون به إلى الدجال بعد ان يريد قتله فإذا رآه قال يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية عطية فيدخل القرى كلها غير مكة والمدينة حرمتا عليه والمؤمنون متفرقون في الارض فيجمعهم الله فيقول رجل منهم والله لانطلقن فلانظرن هذا الذي أنذرناه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمنعه أصحابه خشية أن يفتتن به فيأتي حتى إذا أتى أدنى مسلحة من مسالحه أخذوه فسألوه ما شأنه فيقول أريد الدجال الكذاب فيكتبون إليه بذلك فيقول ارسلوا به الي فلما رآه عرفه قوله فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه في رواية عطية أنت الدجال الكذاب الذي أنذرناه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد فيقول له الدجال لتطيعني فيما آمرك به أو لاشقنك شقتين فينادي يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب قوله فيقول الدجال أرأيتم ان قلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الامر فيقولون لا في رواية عطية ثم يقول الدجال لاوليائه وهذا يوضح ان الذي يجيبه بذلك اتباعه ويرد قول من قال ان المؤمنين يقولون له ذلك تقية أو مرادهم لا نشك أي في كفرك وبطلان قولك قوله فيقتله ثم يحييه في رواية أبي الوداك فيأمر به الدجال فيشبح فيشبع ظهره وبطنه ضربا فيقول اما تؤمن بي فيقول أنت المسيح الكذاب فيأمر به فيوشر بالميشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول قم فيستوي قائما وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم فيدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك وفي رواية عطية فيأمر به فيمد برجليه ثم يأمر بحديدة فتوضع على عجب ذنبه ثم يشقه شقتين ثم قال الدجال لاوليائه أرأيتم ان احييت لكم هذا ألستم تعلمون اني ربكم فيقولون نعم فيأخذ عصا فضرب أحد شقيه فاستوى قائما فلما رأى ذلك أولياؤه صدقوه وأحبوه وأيقنوا بذلك أنه ربهم وعطية ضعيف قال بن العربي هذا اختلاف عظيم يعني في قتله بالسيف وبالميشار قال فيجمع بأنهما رجلان يقتل كلا منهما قتله غير قتله الآخر كذا قال والاصل عدم التعدد ورواية الميشار تفسير رواية الضرب بالسيف فلعل السيف كان فيه فلول فصار كالميشار وأراد المبالغة في تعذيبه بالقتلة المذكورة ويكون قوله فضربه بالسيف مفسرا لقوله أنه نشره وقوله فيقطعه جزلتين إشارة إلى آخر أمره لما ينتهي نشره قال بن العربي وقد وقع في قصة الذي
[ 91 ]
قتله الخضر انه وضع يده في رأسه فاقتلعه وفي أخرى فاضجعه بالسكين فذبحه فلم يكن بد من ترجيح إحدى الروايتين على الاخرى لكون القصة واحدة قلت وقد تقدم في تفسير الكهف بيان التوفيق بين الروايتين أيضا بحمد الله تعالى قال الخطابي فان قيل كيف يجوز ان يجري الله الآية على يد الكافر فان احياء الموتى آية عظيمة من آيات الانبياء فكيف ينالها الدجال وهو كذاب مفتر يدعي الربوبية فالجواب انه على سبيل الفتنة للعباد إذ كان عندهم ما يدل على انه مبطل غير محق في دعواه وهو أنه أعور مكتوب على جبهته كافر يقرؤه كل مسلم فدعواه داحضة مع وسم الكفر ونقص الذات والقدر إذ لو كان اله لا زال ذلك عن وجهه وآيات الانبياء سالمة من المعارضة فلا يشتبهان وقال الطبري لا يجوز ان تعطى أعلام الرسل لاهل الكذب والافك في الحالة التي لا سبيل لمن عاين ما أتى به فيها الا الفصل بين المحق منهم والمبطل فاما إذا كان لمن عاين ذلك السبيل إلى علم الصادق من الكاذب فمن ظهر ذلك على يده فلا ينكر إعطاء الله ذلك للكذابين فهذا بيان الذي أعطيه الدجال من ذلك فتنة لمن شاهده ومحنة لمن عاينه انتهى وفي الدجال مع ذلك دلالة بينه لمن عقل على كذبه لانه ذو أجزاء مؤلفة وتأثير الصنعة فيه ظاهر مع ظهور الآفة به من عور عينيه فإذا دعى الناس إلى أنه ربهم فأسوأ حال من يراه من ذوي العقول أن يعلم أنه لم يكن ليسوي خلق غيره ويعدله ويحسنه ولا يدفع النقص عن نفسه فأقل ما يجب ان يقول يا من يزعم أنه خالق السماء والارض صور نفسك وعدلها وأزل عنها العاهة فان زعمت ان الرب لا يحدث في نفسه شيئا فازل ما هو مكتوب بين عينيك وقال المهلب ليس في اقتدار الدجال على احياء المقتول المذكور ما يخالف ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم هو أهون على الله من ذلك أي من أن يمكن من المعجزات تمكينا صحيحا فان اقتداره على قتل الرجل ثم احيائه لم يستمر له فيه ولا في غيره ولا استضر به المقتول الا ساعة تألمه بالقتل مع حصول ثواب ذلك له وقد لا يكون وجد للقتل ألما لقدرتة الله تعالى على دفع ذلك عنه وقال بن العربي الذي يظهر على يد الدجال من الآيات من إنزال المطر والخصب على من يصدقه والجدب على من يكذبه واتباع كنوز الارض له وما معه من جنة ونار ومياه تجري كل ذلك محنة من الله واختبار ليهلك المرتاب وينجو المتيقن وذلك كله أمر مخوف ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لا فتنة أعظم من فتنة الدجال وكان يستعيذ منها في صلاته تشريعا لامته وأما قوله في الحديث الآخر عند مسلم غير الدجال أخوف لي عليكم فانما قال ذلك للصحابة لان الذي خافه عليهم أقرب إليهم من الدجال فالقريب المتيقن وقوعه لمن يخاف عليه يشتد الخوف منه على البعيد المظنون وقوعه به ولو كان أشد قوله فيقول والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم في رواية أبي الوداك ما أزددت فيك الا بصيرة ثم يقول يا أيها الناس انه لا يفعل بعدي بأحد من الناس وفي رواية عطية فيقول له الدجال اما تؤمن بي فيقول انا الآن أشد بصيرة فيكم مني ثم نادى في الناس يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب من اطاعه فهو في النار ومن عصاه فهو في الجنة ونقل بن التين عن الداودي ان الرجل إذا قال ذلك للدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء كذا قال والمعروف ان ذلك انما يحصل للدجال إذا رأى عيسى بن مريم قوله فيريد الدجال ان يقتله فلا يسلط عليه في رواية أبي الوداك فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس فلا يستطيع إليه سبيلا
[ 92 ]
وفي رواية عطية فقال له الدجال لتطيعني أو لاذبحنك فقال والله لا أطيعك أبدا فأمر به فاضجع فلا يقدر عليه ولا يتسلط عليه مرة واحدة زاد في رواية عطية فأخذ يديه ورجليه فألقي في النار وهي غبراء ذات دخان وفي رواية أبي الوداك فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس انه قذفه إلى النار وانما ألقي في الجنة زاد في رواية عطية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل أقرب أمتي مني وأرفعهم درجة وفي رواية أبي الوداك هذا أعظم شهادة عند رب العالمين ووقع عند أبي يعلى وعبد بن حميد من رواية حجاج بن أرطاة عن عطية انه يذبح ثلاث مرات ثم يعود ليذبحه الرابعة فيضرب الله على حلقه بصفيحة نحاس فلا يستطيع ذبحه والاول هو الصواب ووقع في حديث عبد الله بن عمرو رفعه في ذكر الدجال يدعو برجل لا يسلطه الله الا عليه فذكر نحو رواية أبي الوداك وفي آخره فيهوي إليه بسفيه فلا يستطيعه فيقول أخروه عني وقد وقع في حديث عبد الله بن معتمر ثم يدعو برجل فيما يرون فيؤمر به فيقتل ثم يقطع اعضاؤه كل عضو على حدة فيفرق بينها حتى يراه الناس ثم يجمعها ثم يضرب بعصاه فإذا هو قائم فيقول انا الله الذي أميت وأحي قال وذلك كله سحر سحر أعين الناس ليس يعمل من ذلك شيئا وهو سند ضعيف جدا وفي رواية أبي يعلى من الزيادة قال أبو سعيد كنا نرى ذلك الرجل عمر بن الخطاب لما نعلم من قوته وجلده ووقع في صحيح مسلم عقب رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال أبو إسحاق يقال ان هذا الرجل هو الخضر كذا أطلق فظن القرطبي ان أبا إسحاق المذكور هو السبيعي أحد الثقات من التابعين ولم يصب في ظنه فان السند المذكور لم يجر لابي إسحاق فيه ذكر وانما أبو إسحاق الذي قال ذلك هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد راوي صحيح مسلم عنه كما جرم به عياض والنووي وغيرهما وقد ذكر ذلك القرطبي في تذكرته أيضا قبل فكأن قوله في الموضع الثاني السبيعي سبق قلم ولعل مستنده في ذلك ما قاله معمر في جامعه بعد ذكر هذا الحديث قال معمر بلغني ان الذي يقتل الدجال الخضر وكذا أخرجه بن حبان من طريق عبد الرزاق عن معمر قال كانوا يرون انه الخضر وقال بن العربي سمعت من يقول ان الذي يقتله الدجال هو الخضر وهذه دعوى لا برهان لها قلت وقد تمسك من قاله بما أخرجه بن حبان في صحيحه من حديث أبي عبيدة بن الجراح رفعه في ذكر الدجال لعله ان يدركه بعض من رآني أو سمع كلامي الحديث ويعكر عليه قوله في رواية لمسلم تقدم التنبيه عليها شاب ممتلئ شبابا ويكمن ان يجاب بأن من جملة خصائص الخضر ان لا يزال شابا ويحتاج إلى دليل الحديث الثاني حديث نعيم عن أبي هريرة (6714) على أنقاب المدينة ملائكة تقدم شرحه في فضائل المدينة أواخر كتاب الحج وتقدم هناك من حديث أنس ليس من بلد الا سيطؤه الدجال الا مكة والمدينة وكذا وقع في حديث جابر يسيح في الاض أربعين يوما يرد كل بلدة غير هاتين البلدتين مكة والمدينة حرمهما الله تعالى عليه يوم من أيامه كالسنة ويوم كالشهر ويوم كالجمعة وبقية أيامه كأيامكم هذه أخرجه الطبراني وهو عند أحمد بنحوه بسند جيد ولفظه تطوى له الارض في أربعين يوما الا ما كان من طيبة الحديث واصله عند مسلم من حديث النواس بن سمعان بلفظ قلنا يا رسول الله فما لبثه في الارض قال أربعون يوما فذكره وزاد قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كالسنة يكفينا فيه صلاة يوم قال لا أقدر له قدره قلنا يا رسول الله وما اسراعه في الارض قال كالغيث استدبرته الريح وله عن عبد الله بن عمرو يخرج الدجال في
[ 93 ]
أمتي فيمكث اربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما الحديث والجزم بأنها أربعين يوما مقدم على هذا الترديد فقد أخرجه الطبراني من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بلفظ يخرج يعني الدجال فيمكث في الارض أربعين صباحا يرد فيها كل منهل الا الكعبة والمدينة وبيت المقدس الحديث ووقع في حديث سمرة المشار إليه قبل يظهر على الارض كلها الا الحرمين وبيت المقدس فيحصر المؤمين فيه ثم يهلكه الله وفي حديث جنادة بن أبي أمية أتينا رجلا من الانصار من الصحابة قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنذركم المسيح الحديث وفيه يمكث في الارض أربعين صباحا يبلغ سلطانه كل منهل لا يأتي أربعة مساجد الكعبة ومسجد الرسول ومسجد الاقصى والطور أخرجه أحمد ورجاله ثقات الحديث الثالث حديث أنس (6715) قوله يأتيها الدجال أي المدينة فيجد الملائكة يحرسونها في حديث محجن بن الادرع عند أحمد والحاكم في ذكر المدينة ولا يدخلها الدجال ان شاء الله كلما أراد دخولها تلقاه بكل نقب من أنقابها ملك مصلط سيفه يمنعه عنها وعند الحاكم من طريق أبي عبد الله القراظ سمعت سعد بن مالك وأبا هريرة يقولان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم بارك لاهل المدينة الحديث وفيه الا ان الملائكة مشتبكة بالملائكة على كل نقب من أنقابها ملكان يحرسانها لا يدخلها الطاعون ولا الدجال قال بن العربي يجمع بين هذا وبين قوله على كل نقب ملكان ان سيف أحدهما مسلول والآخر بخلافه قوله فلا يقربها الدجال ولا الطاعون ان شاء الله قيل هذا الاستثناء محتمل للتعليق ومحتمل للتبرك وهو أولى وقيل انه يتعلق بالطاعون فقط وفيه نظر وحديث محجن بن الادرع المذكور آنفا يؤيد أنه لكل منهما وقال القاضي عياض في هذه الاحاديث حجة لاهل السنة في صحة وجود الدجال وانه شخص معين يبتلي الله به العباد ويقدره على أشياء كاحياء الميت الذي يقتله وظهور الخصب والنهار والجنة والنار واتباع كنوز الارض له وأمره السماء فتمطر والارض فتنبت وكل ذلك بمشيئة الله ثم يعجزه الله فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ثم يبطل أمره ويقتله عيسى بن مريم وقد خالف في ذلك بعض الخوارج والمعتزلة والجهمية فأنكروا وجوده وردوا الاحاديث الصحيحة وذهب طوائف منهم كالجبائي إلى انه صحيح الوجود لكن كل الذي معه مخاريق وخيالات لا حقيقة لها وألجأهم إلى ذلك انه لو كان ما معه بطريق الحقيقة لم يوثق بمعجزات الانبياء وهو غلط منهم لانه لم يدع النبوة فتكون الخوارق تدل على صدقه وانما ادعى الالهية وصورة حاله تكذبه لعجزه ونقصه فلا يغتر به الا رعاع الناس اما لشدة الحاجة والفاقة واما تقية وخوفا من أذاه وشره مع سرعة مروره في الارض فلا يمكث حتى يتأمل الضعفاء حاله فمن صدقه في تلك الحال لم يلزم منه بطلان معجزات الانبياء ولهذا يقول له الذي يحيه بعد ان يقتله ما ازددت فيك الا بصيرة قلت ولا يعكر على ذلك ما ورد في حديث أبي أمامة عند بن ماجة انه يبدأ فيقول انا نبي ثم يثني فيقول انا ربكم فإنه يحمل على انه انما يظهر الخوارق بعد قوله الثاني ووقع في حديث أبي امامة المذكور وان من فتنته أن يقول للاعرابي أرأيت ان بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك فيقول نعم فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه يقولان له يا بني اتبعه فإنه ربك وان من فتنته ان يمر بالحي فيكذبونه فلا تبقى لهم سائمة الا هلكت ويمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء ان تمطر والارض ان تنبت فتمطر وتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن
[ 94 ]
ما كانت وأعظم وامدة خواصر وأدرة ضروعا (0) قوله باب يأجوج ومأجوج تقدم شئ من خبرهم في ترجمة ذي القرنين من أحاديث الانبياء وانهم من بني آدم ثم بني يافث بن نوح وبه جزم وهب وغيره وقيل انهم من الترك قاله الضحاك وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الديلم وعن كعب هم من ولد آدم من غير حواء وذلك ان آدم نام فاحتلم فامتزجت نطفته بالتراب فخلق منها يأجوج ومأجوج ورد بان النبي لا يحتلم وأجيب عنه بأن المنفى أن يرى في المنام انه يجامع فيحتمل ان يكون دفق الماء فقط وهو جائز كما يجوز ان يبول والاول المعتمد والا فأين كانوا حين الطوفان ويأجوج ومأجوج بغير همزة لاكثر القراء وقرأ عاصم بالهمزة الساكنة فيهما وهي لغة بني أسد وقرأ العجاج وولده رؤية أأجوج بهمزة بدل الياء وهما اسمان اعجميان عند الاكثر منعا من الصرف للعلمية والعجمة وقيل بل عربيان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها وقيل من الاجة بالتشديد وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الاج وهو سرعة العدو وقيل من الاجاج هو الماء الشديد الملوحة ووزنهما يفعول ومفعول وهو ظاهر قراءة عاصم وكذا الباقين ان كانت الالف مسهلة من الهمزة فقيل فاعول من يج مج وقيل ماجوج من ماج إذا اضطرب ووزنه أيضا مفعول قاله أبو حاتم قال والاصل موجوج وجميع ما ذكر من الاشتقاق مناسب لحالهم ويؤيد الاشتقاق وقول من جعله من ماج إذا اضطرب قوله تعالى وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض وذلك حين يخرجون من السد وجاء في صفتهم ما أخرجه بن عدي وابن أبي حاتم والطبراني في الاوسط وابن مردويه من حديث حذيفة رفعه قال يأجوج أمة ومأجوج أمه كل أمة أربعمائة ألف لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى الف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح وهو من رواية يحيى بن سعيد العطار عن محمد بن إسحاق عن الاعمش والعطار ضعيف جدا ومحمد بن إسحاق قال بن عدي ليس هو صاحب المغازي بل هو العكاشي قال والحديث موضوع وقال بن أبي حاتم منكر قلت لكن لبعضه شاهد صحيح أخرجه بن حبان من حديث بن مسعود رفعه ان يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم لصلبه ألفا من الذرية وللنسائي من رواية عمرو بن أوس عن أبيه رفعه ان يأجوج ومأجوج يجامعون ما شاءوا ولا يموت رجل منهم الا ترك من ذريته ألفا فصاعدا وأخرج الحاكم وابن مردويه من طريق عبد الله بن عمرو ان يأجوج ومأجوج من ذرية آدم ووراءهم ثلاث أمم ولن يموت منهم رجل الا ترك من ذريته ألفا فصاعدا وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عبد الله بن سلام مثله وأخرج بن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو قال الجن والانس عشرة أجزاء فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج وجزء سائر الناس ومن طريق شريح بن عبيد عن كعب قال هم ثلاثة أصناف صنف أجسادهم كالارز بفتح الهمزة وسكون الراء ثم زاي هو شجر كبار جدا وصنف أربعة أذرع في أربعة أذرع وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالاخرى ووقع نحو هذا في حديث حذيفة وأخرج أيضا هو والحاكم من طريق أبي الجوزاء عن بن عباس يأجوج ومأجوج شبرا شبرا وشبرين شبرين وأطولهم ثلاثة أشبار وهم من ولد آدم ومن طريق أبي هريرة رفعه ولد لنوح سام وحام ويافث فولد لسام العرب وفارس والروم وولد لحام القبط والبربر والسودان وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالية وفي سنده ضعف ومن
[ 95 ]
رواية سعيد بن بشير عن قتادة قال يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة بنى ذو القرنين السد على إحدى وعشرين وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو وهم الاتراك فبقوا دون السد وأخرج بن مردويه من طريق السدي قال الترك سرية من سرايا يأجوج ومأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فبنى السد فبقوا خارجا ووقع في فتاوي الشيخ محيي الدين يأجوج ومأجوج من أولاد آدم لا من حواء عند جماهير العلماء فيكون إخواننا لاب كذا قال ولم نر هذا عن أحد من السلف الا عن كعب الاحبار ويرده الحديث المرفوع انهم من ذرية نوح ونوح من ذرية حواء قطعا (6716) ظ ! قوله وحدثنا إسماعيل هو بن أويس عبد الله الاصبحي وأخوه هو أبو بكر عبد الحميد وسليمان هو بن بلال ومحمد بن أبي عتيق نسب لجده وهو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكرة وهذا السند كله مدنيون وهو أنزل من الذي قبله بدرجتين ويقال انه أطول سندا في البخاري فإنه تساعي وغفل الزركشي فقال فيه أربع نسوة صحابيات وليس كما قال بل فيه ثلاثة كما قدمت إيضاحه في أوائل الفتن في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ويل للعرب وذكرت هناك الاختلاف على سفيان بن عيينة في زيادة حبيبة بنت أم حبيبة في الاسناد قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوما فزعا بفتح الفاء وكسر الزاي في رواية بن عيينة استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من النوم محمرا وجهه يقول فيجمع على انه دخل عليها بعد أن استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فزعا وكانت حمرة وجهه من ذلك الفزع وجمع بينهما في رواية سليمان بن كثير عن الزهري عند أبي عوانة فقال فزعا محمرا وجهه قوله ويل للعرب من شر قد اقترب خص العرب بذلك لانهم كانوا حينئذ معظم من أسلم والمراد بالشر ما وقع بعده من قتل عثمان ثم توالت الفتن حتى صارت العرب بين الامم كالقصعة بين الاكلة كما وقع في الحديث الآخر يوشك أن تداعى عليكم الامم كما تداعى الاكلة على قصعتها وان المخاطب بذلك العرب قال القرطبي ويحتمل ان يكون المراد بالشر ما أشار إليه في حديث أم سلمة ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا أنزل من الخزائن فأشار بذلك إلى الفتوح التي فتحت بعده فكثرت الاموال في أيديهم فوقع التنافس الذي جر الفتن وكذلك التنافس على الامرة فان معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أمية وغيرهم حتى أفضى ذلك ان قتله وترتب على قتله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمر قوله فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج المراد بالردم السد الذي بناه ذو القرنين وقد قدمت صفته في ترجمته من أحاديث الانبياء قوله مثل هذا وحلق بأصبعيه الابهام والتي تليها أي جعلهما مثل الحلقة وقد تقدم في رواية سفيان بن عيينة وعقد سفيان تسعين أو مائة وفي رواية سليمان بن كثير عن الزهري عند أبي عوانة وابن مردويه مثل هذه وعقد تسعين ولم يعين الذي عقد أيضا وفي رواية مسلم عن عمرو الناقد عن بن عيينة وعقد سفيان عشرة ولابن حبان من طريق شريح بن يونس عن سفيان وحلق بيده عشرة ولم يعين ان الذي حلق هو سفيان وأخرجه من طريق يونس عن الزهري بدون ذكر العقد وكذا تقدم في علامات النبوة من رواية شعيب وفي ترجمة ذي القرنين من طريق عقيل وسيأتي في الحديث الذي بعده وعقد وهيب تسعين وهو عند مسلم أيضا قال عياض وغيره هذه الروايات متفقة الا قوله عشرة قلت وكذا الشك في المائة لان صفاتها عند أهل المعرفة بعقد الحساب مختلفة وان اتفقت في أنها تشبه الحلقة فعقد العشرة
[ 96 ]
أن يجعل طرف السبابة اليمنى في باطن طي عقدة الابهام العليا وعقد التسعين ان يجعل طرف السبابة اليمنى في أصلها ويضمها ضما محكما بحيث تنطوي عقدتاها حتى تصير مثل الحية المطوقة ونقل بن التين عن الداودي ان صورته ان يجعل السبابة في وسط الابهام ورده بن التين بما تقدم فإنه المعروف وعقد المائة مثل عقد التسعين لكن بالخنصر اليسرى فعلى هذا فالتسعون والمائة متقاربان ولذلك وقع فيهما الشك واما العشرة فمغايرة لهما قال القاضي عياض لعل حديث أبي هريرة متقدم فزاد الفتح بعده القدر المذكور في حديث زينب قلت وفيه نظر لانه لو كان الوصف المذكور من أصل الرواية لاتجه ولكن الاختلاف فيه من الرواة عن سفيان بن عيينة ورواية من روى عنه تسعين أو مائة أتقن وأكثر من رواية من روى عشرة وإذا اتحد مخرج الحديث ولا سيما في اواخر الاسناد بعد الحمل على التعدد جدا قال بن العربي في الاشارة المذكورة دلالة على انه صلى الله عليه وسلم كان يعلم عقد الحساب حتى أشار بذلك لمن يعرفه وليس في ذلك ما يعارض قوله في الحديث الآخر انا أمة لا نحسب ولا نكتب فان هذا انما جاء لبيان صورة معينة خاصة قلت والاولى ان يقال المراد بنفي الحساب ما يتعاناه أهل صناعته من الجمع والفذلكة والضرب ونحو ذلك ومن ثم قال ولا نكتب واما عقد الحساب فإنه اصطلاح للعرب تواضعوه بينهم ليستغنوا به عن التلفظ وكان أكثر استعمالهم له عند المساومة في البيع فيضع أحدهما يده في يد الآخر فيفهمان المراد من غير تلفظ لقصد ستر ذلك عن غيرهما مما يحضرهما فشبه صلى الله عليه وسلم قدر ما فتح من السد بصفة معروفة عندهم وقد أكثر الشعراء التشبيه بهذه العقود ومن ظريف ما وقفت عليه من النظم في ذلك قول بعض الادباء رب برغوث ليلة بت منه وفؤادي في قبضة التسعين أسرته يد الثلاثين حتى ذاق طعم الحمام في السبعين وعقد الثلاثين ان يضم طرف الابهام إلى طرف السبابة مثل من يمسك شيئا لطيفا كالابرة وكذلك البرغوث وعقد السبعين ان يجعل طرف ظفر الابهام بين عقدتي السبابة من باطنها ويلوي طرف السبابة عليها مثل ناقد الدينار عند النقد وقد جاء في خبر مرفوع ان ياجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم وهو فيما أخرجه الترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم وصححاه من طريق قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة رفعه في السد يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدا فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا بلغ مدتهم وأراد الله ان يبعثهم قال الذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدا ان شاء الله واستثنى قال فيرجعون فيجدونه كهيئته حين تركوه فيخرقونه فيخرجون على الناس الحديث قلت أخرجه الترمذي والحاكم من رواية أبي عوانة وعبد بن حميد من رواية حماد بن سلمة وابن حبان من رواية سليمان التيمي كلهم عن قتادة ورجاله رجال الصحيح الا ان قتادة مدلس وقد رواه بعضهم عنه فادخل بينهما واسطة أخرجه بن مردويه لكن وقع التصريح في رواية سليمان التيمي عن قتادة بان أبا رافع حدثه وهو في صحيح بن حبان وأخرجه بن ماجة من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال حدث أبو رافع وله طريق آخر عن أبي هريرة أخرجه عبد بن حميد من طريق عاصم عن أبي صالح عنه لكنه موقوف قال بن العربي في هذا الحديث ثلاث آيات الاولى ان الله
[ 97 ]
منعهم ان يوالوا الحفر ليلا ونهارا الثانية منعهم ان يحاولوا الرقي على السد بسلم أو آلة فلم يلهمهم ذلك ولا علمهم إياه ويحتمل ان تكون أرضهم لا خشب فيها ولا آلات تصلح لذلك قلت وهو مردود فان في خبرهم عند وهب في المبتدأ ان لهم أشجارا وزروعا وغير ذلك من الآلات فالاول أولى وأخرج بن أبي حاتم وابن مردويه من طريق بن عمرو بن أوس عن جده رفعه ان ياجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاءوا وشجر يلقحون ما شاءوا الحديث الثالثة انه صدهم عن أن يقولوا ان شاء الله حتى يجئ الوقت المحدود قلت وفيه ان فيهم أهل صناعة وأهل ولاية وسلاطة ورعية تطيع من فوقها وان فيهم من يعرف الله ويقر بقدرته ومشيئته ويحتمل ان تكون تلك الكلمة تجري على لسان ذلك الوالي من غير ان يعرف معناها فيحصل المقصود ببركتها وقد أخرج عبد بن حميد من طريق كعب الاحبار نحو حديث أبي هريرة وقال فيه فإذا بلغ الامر ألقى على بعض ألسنتهم نأتي ان شاء الله غدا فنفرغ منه وأخرج بن مودويه من حديث حذيفة نحو حديث أبي هريرة وفيه فيصبحون وهو أقوى منه بالامس حتى يسلم رجل منهم حين يريد الله أن يبلغ أمره فيقول المؤمن غدا نفتحه ان شاء الله فيصبحون ثم يغدون عليه فيفتح الحديث وسنده ضعيف جدا قوله قالت زينب بنت جحش هذا يخصص رواية سليمان بن كثير بلفظ قالوا أنهلك ويعين أن اللافظ بهذا السؤال هي زينب بنت جحش في راوية الحديث قوله انهلك بكسر اللام في رواية يزيد بن الاصم عن ميمونة عن زينب بنت جحش في نحو هذا الحديث فرج الليلة من ردم يأجوج ومأجوج فرجة قلت يا رسول الله أيعذبنا الله وفينا الصالحون قوله وفينا الصالحون كأنها أخذت ذلك من قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم قوله قال نعم إذا كثر الخبث بفتح المعجمة والموحدة ثم مثلثة فسروه بالزنا وأبا ولاد الزنا وبالفسوق والفجور وهو أولى لانه قابله بالصلاح قال بن العربي فيه البيان بأن الخير يهلك بهلاك الشرير إذا لم يغير عليه خبثه وكذلك إذا غير عليه لكن حيث لا يجدي ذلك ويصر الشرير على عمله السئ ويفشو ذلك ويكثر حتى يعم الفساد فيهلك حينئذ القليل والكثير ثم يحشر كل أحد على نيته وكأنها فهمت من فتح القدر المذكور من الردم ان الامر ان تمادى على ذلك اتسع الخرق بحيث يخرجون وكان عندها علم ان في خروجهم على الناس اهلاكا عاما لهم وقد ورد في حالهم عند خروجهم ما أخرجه مسلم من حديث النواس بن سمعان بعد ذكر الدجال وقتله على يد عيسى قال ثم يأتيه قوم قد عصمهم الله من الدجال فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لاحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء ويحصر عيسى نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لاحدهم خير من مائة دينار فيرغب عيسى نبي الله وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم النغف بفتح النون والعين المعجمة ثم فاء في رقابهم فيصبحون فرسى بفتح الفاء وسكون الراء بعدها مهملة مقصور كموت نفس واحدة ثم يهبط عيسى نبي الله وأصحابه إلى الارض فلا يجدون في الارض موضع شبر الا ملاه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه مدر ولا وبر فيغسل الارض حتى يتركها
[ 98 ]
كالزلفة ثم يقال للارض أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون تحتها فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت اباطهم فتقبض روح كل مؤمن ومسلم فيبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة قلت والزلفة بفتح الزاي واللام وقيل بتسكينها وقيل بالقاف هي المرآة بكسر الميم وقيل المصنع الذي يتخذ لجمع الماء والمراد ان الماء يعم جميع الارض فينظفها حتى تصير بحيث يرى الرائي وجهه فيها وفي رواية لمسلم أيضا فيقولون لقد قتلنا من في الارض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيردها الله عليهم مخضوبة دما وأخرج الحاكم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة نحوه في قصة يأجوج ومأجوج وسنده صحيح وعند عبد بن حميد من حديث عبد الله بن عمرو فلا يمرون بشئ الا أهلكوه ومن حديث أبي سعيد رفعة يفتح يأجوج ومأجوج فيعمون الارض وتنحاز منهم المسلمون فيظهرون على أهل الارض فيقول قائلهم هؤلاء أهل الارض قد فرغنا منهم فيهز آخر حربته إلى السماء فترجع مخضبة بالدم فيقولون قد قتلنا أهل السماء فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم دواب كنغف الجراد فتأخذ بأعناقهم فيموتون موت الجراد يركب بعضهم بعضا الحديث الثاني (6717) قوله وهيب هو بن خالد وابن طاوس هو عبد الله قوله يفتح الردم كذا هنا وتقدم في ترجمة ذي القرنين عن مسلم بن إبراهيم عن وهيب فتح بضم الفاء وكسر المثناة وهي رواية أحمد عن عفان عن وهيب قوله مثل هذه وعقد وهيب تسعين أخرجه أبو عوانة من طريق أحمد بن إسحاق الحضرمي عن وهيب فقال فيه وعقد تسعين ولم يعيد الذي عقد فأوهم انه مرفوع وقد تبين من رواية عفان ومن وافقه ان الذي عقد تسعين هو وهيب وهو موافق لما تقدم في حديث أم حبيبة من رواية شريح بن يونس عند بن حبان وسبق الكلام على ذلك مفصلا وقد جاء عن أبي هريرة مثل أو ل حديث أم حبيبة لكن فيه زيادة رواها الاعمش عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال الاعمش لا أراه الا قد رفعه ويل للعرب من شر قد اقترب أفلح من كف يده قال أحمد حدثنا محمد بن عبيد حدثنا الاعمش بهذا قال ووقفه أبو معاوية يعني عن الاعمش بهذا السند عن أبي هريرة خاتمة اشتمل كتاب الفتن من الاحاديث المرفوعة على مائة حديث وحديث الموصول منها سبعة وثمانون والباقية معلقات ومتابعات المكرر منها فيه وفيما مضى ثمانون والخالص إحدى وعشرون وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث بن مسعود شر الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء وحديث أنس لا يأتي زمان الا والذي بعده شر منه وحديث عمار وابن مسعود في قصة الجمل وحديث أبي برزة في الانكار على من يقاتل للدنيا وحديث حذيفة في المنافقين وحديثه في النفاق وحديث أنس في المدينة لا يدخلها الدجال ولا الطاعون ان شاء الله تعالى وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم خمسة عشر أثرا والله أعلم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاحكام كذا للجميع وسقط لفظ باب بعده لغير أبي ذر والاحكام جمع حكم والمراد بيان آدابه وشروطه وكذا الحاكم ويتناول لفظ الحاكم الخليفة والقاضي فذكر ما يتعلق بكل منهما والحكم الشرعي عند الاصوليين خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ومادة الحكم من
[ 99 ]
الاحكام وهو الاتقان للشئ ومنعه من العيب (0) قوله) *) *) * (0) قوله باب قول الله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم في هذا إشارة من المصنف إلى ترجيح القول الصائر إلى ان الآية نزلت في طاعة الامراء خلافا لمن قال نزلت في العلماء وقد رجح ذلك أيضا الطبري وتقدم في تفسيرها في سورة النساء بسط القول في ذلك وقال بن عيينة سألت زيد بن أسلم عنها ولم يكن بالمدينة أحد يفسر القرآن بعد محمد بن كعب مثله فقال اقرأ ما قبلها تعرف فقرأت ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الآية فقال هذه في الولاة والنكتة في اعادة العامل في الرسول دون أولي الامر مع ان المطاع في الحقيقة هو الله تعالى كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسنة فكأن التقدير أطيعوا الله فيما نص عليكم في القرآن وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن وما ينصه عليكم من السنة أو المعنى أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبد بتلاوته وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن ومن بديع الجواب قول بعض التابيعن لبعض الامراء من بني أمية لما قال له أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله وأولي الامر منكم فقال له أليس قد نزعت عنكم يعني الطاعة إذا خالفتم الحق بقوله فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله قال الطيبي أعاد الفعل في قوله وأطيعوا الرسول إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة ولم يعده في أولى الامر إشارة إلى انه يوجد فيهم من لا تجب طاعته ثم بين ذلك بقوله فان تنازعتم في شئ كأنه قيل فان لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله وذكر فيه حديثين أحدهما حديث أبي هريرة (6718) قوله عبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد قوله من أطاعني فقد أطاع الله هذه الجملة منتزعة من قوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله أي لاني لا آمر الا بما أمر الله به فمن فعل ما آمره به فانما أطاع من أمرني أن آمره ويحتمل ان يكون المعنى لان الله أمر بطاعتي فمن أطاعني فقد أطاع أمر الله له بطاعتي وفي المعصية كذلك والطاعة هي الاتيان بالمأمور به والانتهاء عن المنهي عنه والعصيان بخلافه قوله ومن أطاع أميري فقد أطاعني في رواية همام والاعرج وغيرهما عند مسلم ومن أطاع الامير ويمكن رد اللفظين لمعنى واحد فان كل من يأمر بحق وكان عادلا فهو أمير الشارع لانه تولى بأمره وبشريعته ويؤيده توحيد الجواب في الامرين وهو قوله فقد أطاعني أي عمل بما شرعته وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر انه المراد وقت الخطاب ولانه سبب ورود الحديث واما الحكم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ووقع في رواية همام أيضا ومن يطع الامير فقد أطاعني بصيغة المضارعة وكذا ومن يعص الامير فقد عصاني وهو أدخل في إرادة تعيم من خوطب ومن جاء من بعد ذلك قال بن التين قيل كانت قريش ومن يليها من العرب لا يعرفون الامارة فكانوا يمتنعون على الامراء فقال هذا القول يحثهم على طاعة من يأمرهم عليهم والانقياد لهم إذا بعثهم في السرايا وإذا ولاهم البلاد فلا يخرجوا عليهم لئلا تفترق الكلمة قلت هي عبارة الشافعي في الام ذكره في سبب نزولها وعجبت لبعض شيوخنا الشراح من الشافعية كيف قنع بنسبة هذه الكلام إلى بن التين معبرا عنه بصيغة قيل وابن التين انما أخذه من كلام الخطابي ووقع عند أحمد وأبي يعلى والطبراني من حديث بن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال ألستم تعلمون أن
[ 100 ]
من أطاعني فقد أطاع الله وان من طاعة الله طاعتي قالوا بلى نشهد قال فان من طاعتي أن تطيعوا أمراءكم وفي لفظ أئمتكم وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الامور وهي مقيدة بغير الامر بالمعصية كما تقدم في أوائل الفتن والحكمة في الامر بطاعتهم المحافظة على اتفاق الكلمة لما في الافتراق من الفساد الحديث الثاني (6719) قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس قوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وقع هنا وكذا في العتق من طريق يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر كذلك ووقع عند الطبراني من طريق محمد بن إبراهيم بن دينار عن عبيد الله بن عمر بهذا فقال عن بن عمر ان أبا لبابة بن عبد المنذر أخبره فذكر حديث النهي عن قتل الجنان التي في البيوت وقال كلكم راع الحديث هكذا أورده في مسند أبي لبابة ولكن تقدم في العتق أيضا من رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديث الباب فدل على ان قوله وقال معطوف على بن عمر لا على أبي لبابة وثبت انه من مسند بن عمر لا من مرسله قوله ألا كلكم راع كذا فيه والا بتخفيف اللام حرف افتتاح وسقطت من رواية نافع وسالم عن بن عمر والراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه قوله فالامام الذي على الناس أي الامام الاعظم ووقع في رواية عبيد الله بن عمر الماضية في العتق فالامير بدل الامام وكذا في رواية موسى بن عقبة في النكاح ولم يقل الذي على الناس قوله راع وهو مسئول عن رعيته في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الماضية في الجمعة الامام راع ومسئول عن رعيته وكذا في الجميع بحذف وهو وهي مقدرة وثبتت في الاستقراض قوله والرجل راع على أهل بيته في رواية سالم في أهل بيته قوله والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده في رواية عبيد الله بن عمر على بيت بعلها وفي رواية سالم في بيت زوجها ومثله لموسى لكن قال على قوله وعبد الرجل راع على مال سيده في رواية سالم والخادم راع في مال سيده وفي رواية عبيد الله والعبد بدل الخادم وزاد سالم في روايته وحسبت انه قال وفي رواية الاستقراض سمعت هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته قال الخطابي اشتركوا أي الامام والرجل ومن ذكر في التسمية أي في الوصف بالراعي ومعانيهم مختلفه فرعاية الامام الاعظم حياطة الشريعة بإقامة الحدود والعدل في الحكم ورعاية الرجل أهله سياسته لامرهم وايصالهم حقوقهم ورعاية المرأة تدبير أمر البيت والاولاد والخدم والنصيحة للزوج في كل ذلك ورعاية الخادم حفظ ما تحت يده والقيام بما يجب عليه من خدمته قوله ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته في رواية أيوب في النكاح مثله وفي رواية سالم في الجمعة وكلكم وفي الاستقراض فكلكم ومثله في رواية نافع قال الطيبي في هذا الحديث ان الراعي ليس مطلوبا لذاته وانما اقيم لحفظ ما استرعاه المالك فينبغي أن لا يتصرف الا بما أذن الشارع فيه وهو تمثيل ليس في الباب ألطف ولا أجمع ولا أبلغ منه فإنه أجمل أولا ثم فصل وأتى بحرف التنبيه مكررا قال والفاء في قوله ألا فكلكم جواب شرط محذوف وختم بما يشبه الفذلكة إشارة إلى استيفاء التفصيل وقال غيره دخل في هذا العموم المنفرد الذي لا زوج له ولا خادم ولا ولد فإنه يصدق عليه انه راع على جوارحه حتى يعمل المأمورات ويجتنب المنهيات فعلا ونطقا واعتقادا
[ 101 ]
فجوارحه وقواه وحواسه رعيته ولا يلزم من الاتصاف بكونه راعيا ان لا يكون مرعيا باعتبار آخر وجاء في حديث أنس مثل حديث بن عمر فزاد في آخره فاعدوا للمسألة جوابا قالوا وما جوابها قال أعمال البر أخرجه بن عدي والطبراني في الاوسط وسنده حسن وله من حديث أبي هريرة ما من راع الا يسأل يوم القيامة أقام أمر الله أم أضاعه ولابن عدي بسند صحيح عن أنس ان الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ ذلك أم ضيعه واستدل به على ان المكلف يؤاخذ بالتقصير في أمر من هو في حكمه وترجم له في النكاح باب قوا أنفسكم وأهليكم نارا وعلى ان للعبد أن يتصرف في مال سيده بإذنه وكذا المرأة والولد وترجم لكراهة التطاول على الرقيق وتقدم توجيهه هناك وفي هذا الحديث بيان كذب الخبر الذي افتراه بعض المتعصبين لبني أمية قرأت في كتاب القضاء لابي علي الكرابيسي أنبأنا الشافعي عن عمه هو محمد بن علي قال دخل بن شهاب على الوليد بن عبد الملك فسأله عن حديث ان الله إذا استرعى عبدا الخلافة كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات فقال له هذا كذب ثم تلا يا داود انا جعلناك خليفة في الارض إلى قوله بما نسوا يوم الحساب فقال الوليد ان الناس ليغروننا عن ديننا (0) قوله باب بالتنوين الامراء من قريش كذا للاكثر وفي رواية نقلها عياض عن بن أبي صفرة الامر بسكون الميم أمر قريش قال وهو تصحيف قلت ووقع في نسخة لابي ذر عن الكشميهني مثل ما نقل عن بن أبي صفرة والاول هو المعروف ولفظ الترجمة لفظ حديث أخرجه يعقوب بن سفيان وأبو يعلى والطبراني من طريق سكين بن عبد العزيز حدثنا سيار بن سلامة أبو المنهال قال دخلت مع أبي على أبي برزة الاسلمي فذكر الحديث الذي أوله اني أصبحت ساخطا على احياء قريش وفيه أن ذاك الذي بالشام ان يقاتل الا على الدنيا وفي آخره سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الامراء من قريش الحديث قد تقدم التنبيه عليه في الفتن في باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه وفي لفظ للطبراني الائمة بدل الامراء وله شاهد من حديث علي رفعه الا ان الامراء من قريش ما أقاموا ثلاثا الحديث أخرجه الطبراني وأخرجه الطيالسي والبزار والمصنف في التاريخ من طريق سعد بن إبراهيم عن أنس بلفظ الائمة من قريش ما إذا حكموا فعدلوا الحديث وأخرجه النسائي والبخاري أيضا في التاريخ وأبو يعلى من طريق بكير الجزري عن أنس وله طرق متعددة عن أنس منها للطبراني من رواية قتادة عن أنس بلفظ ان الملك في قريش الحديث وأخرج أحمد هذا اللفظ مقتصرا عليه من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي بكر الصديق بلفظ الائمة من قريش ورجاله رجال الصحيح لكن في سنده انقطاع وأخرجه الطبراني والحاكم من حديث علي بهذا اللفظ الاخير ولما لم يكن شئ منها على شرط المصنف في الصحيح اقتصر على الترجمة وأورد الذي صح على شرطه مما يؤدي معناه في الجملة وذكر فيه حديثين الاول (6720) قوله كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث قال صالح جزرة الحافظ لم يقل أحد في روايته عن الزهري عن محمد بن جبير الا ما وقع في رواية نعيم بن حماد عن عبد الله بن المبارك يعني التي ذكرها البخاري عقب هذا قال صالح ولا أصل له من حديث بن المبارك وكانت عادة الزهري إذا لم يسمع الحديث يقول كان فلان يحدث وتعقبه البيهقي بما أخرجه من طريق يعقوب بن سفيان عن حجاج بن أبي منيع الرصافي عن جده عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم وأخرجه الحسن بن رشيق في فوائده من طريق عبد الله بن وهب عن بن لهيعة
[ 102 ]
عن عقيل عن الزهري عن محمد بن جبير قوله انه بلغ معاوية لم أقف على اسم الذي بلغه ذلك قوله وهم عنده أي محمد بن جبير ومن كان وفد معه على معاوية بالشام حينئذ وكأن ذلك كان لما بويع بالخلافة عندما سلم له الحسن بن علي فأرسل أهل المدينة جماعة منهم إليه ليبايعوه قوله في وفد من قريش لم أقف على أسمائهم قال بن التين وفد فلان على الامير أي ورد رسولا والوفد بالسكون جمع وافد كصحب وصاحب قلت ورويناه في فوائد أبي يعلى الموصلي قال حدثنا يحيى بن معين حدثنا أبو اليمان عن شعيب فقال فيه عن محمد بن جبير أيضا وكذا هو في مسند الشاميين للطبراني من رواية بشر بن شعيب عن أبيه قوله ان عبد الله بن عمرو أي بن العاص قوله انه يكون ملك من قحطان لم أقف على لفظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في ذلك وهل هو مرفوع أو موقوف وقد مضى في الفتن قريبا من حديث أبي هريرة مرفوعا لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه أورده في باب تغيير الزمان حتى تعبد الاوثان وفي ذلك إشارة إلى ان ملك القحطاني يقع في آخر الزمان عند قبض أهل الايمان ورجوع كثير ممن يبقى بعدهم إلى عبادة الاوثان وهم المعبر عنهم بشرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة كما تقدم تقريره هناك وذكرت له هناك شاهدا من حديث بن عمر فان كان حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا موافقا لحديث أبي هريرة فلا معنى لانكاره أصلا وان كان لم يرفعه وكان فيه قدر زائد يشعر بأن خروج القحطاني يكون في أوائل الاسلام فمعاوية معذور في إنكار ذلك عليه وقد ذكرت نبذة من أخبار القحطاني في شرح حديث أبي هريرة في الفتن وقال بن بطال سبب إنكار معاوية انه حمل حديث عبد الله بن عمرو على ظاهره وقد يكون معناه ان قحطانيا يخرج في ناحية من النواحي فلا يعارض حديث معاوية والمراد بالامر في حديث معاوية الخلافة كذا قال ونقل عن المهلب انه يجوز ان يكون ملك يغلب على الناس من غير ان يكون خليفة وانما أنكر معاوية خشية أن يظن أحد ان الخلافة تجوز في غير قريش فلما خطب بذلك دل على ان الحكم عندهم كذلك إذ لم ينقل ان أحدا منهم أنكر عليه قلت ولا يلزم من عدم انكارهم صحة إنكار معاوية ما ذكره عبد الله بن عمرو فقد قال بن التين الذي أنكره معاوية في حديثه ما يقويه لقوله ما أقاموا الدين فربما كان فيهم من لا يقيمه فيتسلط القحطاني عليه وهو كلام مستقيم قوله فإنه بلغني ان رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر أي تنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الكلام ان معاوية كان يراعي خاطر عمرو بن العاص فما آثر أن ينص على تسمية ولده بل نسب ذلك إلى رجال بطريق الابهام ومراده بذلك عبد الله بن عمرو ومن وقع منه التحديث بما يضاهي ذلك وقوله ليست في كتاب الله أي القرآن وهو كذلك فليس فيه تنصيص على ان شخصا بعينه أو بوصفه يتولى الملك في هذه الامة المحمدية وقوله لا يؤثر فيه تقوية لان عبد الله بن عمرو لم يرفع الحديث المذكور إذ لو رفعه لم يتم نفي معاوية ان ذلك لا يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعل أبا هريرة لم يحدث بالحديث المذكور حينئذ فإنه كان يتوقى مثل ذلك كثيرا وانما يقع منه التحديث به في حالة دون حالة وحيث يأمن الانكار عليه ويحتمل ان يكون مراد معاوية غير عبد الله بن عمرو فلا يكون ذلك نصا على ان عبد الله بن عمرو لم يرفعه قوله وأولئك جهالكم أي الذين يتحدثون بأمور من أمور الغيب لا يستندون فيها إلى الكتاب
[ 103 ]
ولا السنة قوله فاياكم والاماني بالتشديد ويجوز التخفيف قوله التي تضل أهلها بضم أول تضل من الرباعي وأهلها بالنصب على المفعولية وروى بفتح أول تضل ورفع أهلها والاماني جمع أمنية راجع إلى التمني وسيأتي تفسيره في آخر كتاب الاحكام ومناسبة ذكر ذلك تحذير من يسمع من القحطانيين من التمسك بالخبر المذكور فتحدثه نفسه ان يكون هو القحطاني وقد تكون له قوة وعشيرة فيطمع في الملك ويستند إلى هذا الحديث فيضل لمخالفته الحكم الشرعي في ان الائمة من قريش قوله فاني سمعت لما أنكر وحذر أراد ان يبين مستنده في ذلك قوله ان هذا الامر في قريش قد ذكرت شواهد هذا المتن في الباب الذي قبله قوله لا يعاديهم أحد الا كبه الله في النار على وجهه أي لا ينازعهم أحد في الامر الا كان مقهورا في الدنيا معذبا في الآخرة قوله ما أقاموا الدين أي مدة أقامتهم أمور الدين قيل يحتمل ان يكون مفهومه فإذا لم يقيمه لا يسمع لهم وقيل يحتمل ان لا يقام عليهم وان كان لا يجوز ابقاؤهم على ذلك ذكرهما بن التين ثم قال وقد أجمعوا انه أي الخليفة إذا دعى إلى كفر أو بدعة أنه يقام عليه واختلفوا إذا غصب الاموال وسفك الدماء وانتهك هل يقام عليه أو لا انتهى وما أدعاه من الاجماع على القيام فيما إذا دعى الخليفة إلى البدعة مردود الا ان حمل على بدعة تؤدي إلى صريح الكفر والا فقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول بخلق القرآن وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وانواع الاهانة ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك ودام الامر بضع عشرة سنة حتى ولي المتوكل الخلافة فأبطل المحنة وأمر بإظهار السنة وما نقله من الاحتمال في قوله ما أقاموا الدين خلاف ما تدل عليه الاخبار الواردة في ذلك الدالة على العمل بمفهومه أو انهم إذا لم يقيموا الدين يخرج الامر عنهم وقد ورد في حديث أبي بكر الصديق نظير ما وقع في حديث معاوية ذكره محمد بن إسحاق في الكتاب الكبير فذكر قصة سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر وفيها فقال أبو بكر وان هذا الامر في قريش ما أطاعوا الله واستقاموا على أمره وقد جاءت الاحاديث التي أشرت إليها على ثلاثة أنحاء الاول وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به كما في الاحاديث التي ذكرتها في الباب الذي قبله حيث قال الامراء من قريش ما فعلوا ثلاثا ما حكموا فعدلوا الحديث وفيه فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله وليس في هذا ما يقتضي خروج الامر عنهم الثاني وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في اذيتهم فعند أحمد وأبي يعلى من حديث بن مسعود رفعه يا معشر قريش انكم أهل هذا الامر ما لم تحدثوا فان غيرتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب ورجاله ثقات الا انه من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عم أبيه عبد الله بن مسعود ولم يدركه هذه رواية صالح بن كيسان عن عبيد الله وخالفه حبيب بن أبي ثابت فرواه عن القاسم بن محمد بن عبد الرحمن عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي مسعود الانصاري ولفظه لا يزال هذا الامر فيكم وأنتم ولاته الحديث أخرجه أحمد وفي سماع عبيد الله من أبي مسعود نظر مبني على الخلاف في سنة وفاته وله شاهد من مرسل عطاء بن يسار أخرجه الشافعي والبيهقي من طريقه بسند صحيح إلى عطاء ولفظه قال لقريش أنتم أولى الناس بهذا الامر ما كنتم على الحق الا ان تعدلوا عنه فتلحون كما تلحى هذه الجريدة وليس في هذا أيضا تصريح بخروج الامر عنه وان كان فيه اشعار به الثالث الاذن في القيام عليهم وقتالهم والايذان بخروج الامر عنهم كما
[ 104 ]
أخرجه الطيالسي والطبراني من حديث ثوبان رفعه استقيموا لقريش ما استقموا لكم فان لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فابيدوا خضراءهم فان لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء ورجاله ثقات الا ان فيه انقطاعا لان راويه سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان وله شاهد في الطبراني من حديث النعمان بن بشير بمعناه وأخرج أحمد من حديث ذي مخبر بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة بعدهما راء وهو بن أخي النجاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان هذا الامر في حمير فنزعه الله منهم وصيره في قريش وسيعود إليهم وسنده جيد وهو شاهد قوي لحديث القحطاني فان حمير يرجع نسبها إلى قحطان وبه يقوى أن مفهوم حديث معاوية ما أقاموا الدين انهم إذا لم يقوموا الدين خرج الامر عنهم ويؤخذ من بقية الاحاديث ان خروجه عنهم انما يقع بعد إيقاع ما هددوا به من اللعن اولا وهو الموجب للخذلان وفساد التدبير وقد وقع ذلك في صدر الدولة العباسية ثم التهديد بتسليط من يؤذيهم عليهم ووجد ذلك في غلبة مواليهم بحيث صاروا معهم كالصبي المحجور عليه يقتنع بلذاته ويباشر الامور غيره ثم اشتد الخطب فغلب عليهم الديلم فضايقوهم في كل شئ حتى لم يبق للخليفة الا الخطبة واقتسم المتغلبون الممالك في جميع الاقاليم ثم طرأ عليهم طائفة بعد طائفة حتى انتزع الامر منهم في جميع الاقطار ولم يبق للخليفة الا مجرد الاسم في بعض الامصار قوله تابعه نعيم بن حماد عن بن المبارك عن معمر عن الزهري عن محمد بن جبير يعني عن معاوية به وقد رويناه موصولا في معجم الطبراني الكبير والاوسط قال حدثنا بكر بن سهل حدثنا نعيم بن حماد فذكره مثل رواية شعيب الا انه قال بعد قوله فغضب فقال سمعت ولم يذكر ما قبل قوله سمعت وقال في روايته كب على وجهه بضم الكاف مبنيا لما لم يسم فاعله قال الطبراني في الاوسط لم يروه عن معمر الا بن المبارك تفرد به نعيم وكذا أخرجه الذهلي في الزهريات عن نعيم وقال كبه الله الحديث الثاني (6721) قوله عاصم بن محمد أي بن زيد بن عبد الله بن عمر قوله قال بن عمر هو جد الرواي عنه قوله لا يزال هذا الامر في قريش أي الخلافة يعني لا يزال الذي يليها قرشيا قوله ما بقى منهم اثنان قال بن هبيرة يحتمل ان يكون على ظاهره وانهم لا يبقى منهم في آخر الزمان الا اثنان أمير ومؤمر عليه والناس لهم تبع قلت في رواية مسلم عن شيخ البخاري في هذا الحديث ما بقي من الناس اثنان وفي رواية الاسماعيلي ما بقي في الناس اثنان وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى وليس المراد حقيقة العدد وانما المراد به انتفاء ان يكون الامر في غير قريش ويحتمل ان يحمل المطلق على المفيد في الحديث الاول ويكون التقدير لا يزال هذا الامر أي لا يسمى بالخليفة الا من يكون من قريش الا ان يسمى به أحد من غيرهم غلبة وقهرا واما ان يكون المراد بلفظه الامر وان كان لفظه لفظ الخبر ويحتمل ان يكون بقاء الامر في قريش في بعض الاقطار دون بعض فان بالبلاد اليمنية وهي لا نجود منها طائفة من ذرية الحسن بن علي لم تزل مملكة تلك البلاد معهم من أواخر المائة الثالثة واما من بالحجاز من ذرية الحسن بن علي وهم امراء مكة وأمراء ينبع ومن ذرية الحسين بن علي وهم أمراء المدينة فانهم وان كانوا من صميم قريش لكنهم تحت حكم غيرهم من ملوك الديار المصرية فبقي الامر في قريش بقطر من الاقطار في الجملة وكبير أولئك أي أهل اليمن يقال له الامام ولا يتولى الامامة فيهم الا من يكون عالما متحريا للعدل وقال الكرماني لم يخل الزمان عن وجود خليفة من قريش إذ في المغرب خليفة منهم
[ 105 ]
على ما قيل وكذا في مصر قلت الذي في مصر لا شك في كونه قرشيا لانه من ذرية العباس والذي في صعدة وغيرها من اليمن لا شك في كونه قرشيا لانه من ذرية الحسين بن علي واما الذي في المغرب فهو حفصي من ذرية أبي حفص صاحب بن تومرت وقد انتسبوا إلى عمر بن الخطاب وهو قرشي ولحديث بن عمر شاهد من حديث بن عباس أخرجه البزار بلفظ لا يزال هذا الدين واصبا ما بقي من قريش عشرون رجلا وقال النووي حكم حديث بن عمر مستمر إلى يوم القيامة ما بقي من الناس اثنان وقد ظهر ما قاله صلى الله عليه وسلم فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم على ذلك ومن تغلب على الملك بطريق الشركة لا ينكر ان الخلافة في قريش وانما يدعي ان ذلك بطريق النيابة عنهم انتهى وقد أورد عليه ان الخوارج في زمن بني أمية تسموا بالخلافة واحدا بعد واحد ولم يكونوا من قريش وكذلك ادعى الخلافة بنو عبيد وخطب لهم بمصر والشام والحجاز ولبعضهم بالعراق أيضا وأزيل الخلافة ببغداد قدر سنة وكانت مدة بني عبيد بمصر سوى ما تقدم لهم بالمغرب تزيد على مائتي سنة وادعى الخلافة عبد المؤمن صاحب بن تومرت وليس بقرشي وكذلك كل من جاء بعده بالمغرب إلى اليوم والجواب عنه أما عن بني عبيد فانهم كانوا يقولون انهم من ذرية الحسين بن علي ولم يبايعوه الا على هذا الوصف والذين أثبتوا نسبتهم ليسوا بدون من نفاه وأما سائر من ذكر ومن لم يذكر فهم من المتغلبين وحكمهم حكم البغاة فلا عبرة بهم وقال القرطبي هذا الحديث خبر عن المشروعية أي لا تنعقد الامامة الكبرى الا لقرشي مهما وجد منهم أحد وكأنه جنح إلى انه خبر بمعنى الامر وقد ورد الامر بذلك في حديث جبير بن مطعم رفعه قدموا قريشا ولا تقدموها أخرجه البيهقي وعند الطبراني من حديث عبد الله بن حنطب ومن حديث عبد الله بن السائب مثله وفي نسخة أبي اليمان عن شعيب عن أبي هريرة عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة مرسلا انه بلغه مثله وأخرجه الشافعي من وجه آخر عن بن شهاب أنه بلغه مثله وفي الباب حديث أبي هريرة رفعه الناس تبع لقريش في هذا الشأن أخرجاه في الصحيحين من رواية المغيرة بن عبد الرحمن ومسلم أيضا من رواية سفيان بن عيينة كلاهما عن الاعرج عن أبي هريرة وتقدم في مناقب قريش وأخرجه مسلم أيضا من رواية همام عن أبي هريرة ولاحمد من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة مثله لكن قال في هذا الامر وشاهده عند مسلم عن جابر كالاول وعند الطبراني من حديث سهل بن سعد وعند أحمد وابن أبي شيبة من حديث معاوية وعند البزار من حديث علي وأخرج أحمد من طريق عبد الله بن أبي الهزيل قال لما قدم معاوية الكوفة قال رجل من بكر بن وائل لئن لم تنته قريش لنجعلن هذا الامر في جمهور من جماهير العرب غيرهم فقال عمرو بن العاص كذبت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قريش قادة الناس قال بن المنير وجه الدلالة من الحديث ليس من جهة تخصيص قريش بالذكر فإنه يكون مفهوم لقب ولا حجة فيه عند المحققين وانما الحجة وقوع المبتدأ معرفا باللام الجنسية لان المبتدأ بالحقيقة ههنا هو الامر الواقع صفة لهذا وهذا لا يوصف الا بالجنس فمقتضاه حصر جنس الامر في قريش فيصير كأنه قال لا أمر الا في قريش وهو كقوله الشفعة فيما لم يقسم والحديث وان كان بلفظ الخبر فهو بمعنى الامر كأنه قال ائتموا بقريش خاصة وبقية طرق الحديث تؤيد ذلك ويؤخذ منه ان الصحابة اتفقوا على افادة المفهوم للحصر خلافا
[ 106 ]
لمن أنكر ذلك والى هذا ذهب جمهور أهل العلم ان شرط الامام ان يكون قرشيا وقيد ذلك طوائف ببعض قريش فقالت طائفة لا يجوز الا من ولد علي وهذا قول الشيعة ثم اختلفوا اختلافا شديدا في تعيين بعض ذرية علي وقالت طائفة يختص بولد العباس وهو قول أبي مسلم الخرساني واتباعه ونقل بن حزم ان طائفة قالت لا يجوز الا في ولد جعفر بن أبي طالب وقالت أخرى في ولد عبد المطلب وعن بعضهم لا يجوز الا في بني أمية وعن بعضهم لا يجوز الا في ولد عمر قال بن حزم ولا حجة لاحد من هؤلاء الفرق وقالت الخوارج وطائفة من المعتزلة يجوز ان يكون الامام غير قرشي وانما يستحق الامامة من قام بالكتاب والسنة سواء كان عربيا أم عجميا وبالغ ضرار بن عمرو فقال تولية غير القرشي أولى لانه يكون أقل عشيرة فإذا عصي كان أمكن لخلعه وقال أبو بكر بن الطيب لم يعرج المسلمون على هذا القول بعد ثبوت حديث الائمة من قريش وعمل المسلمون به قرنا بعد قرن وانعقد الاجماع على اعتبار ذلك قبل ان يقع الاختلاف قلت قد عمل بقول ضرار من قبل ان يوجد من قام بالخلافة من الخوارج على بني أمية كقطري بفتح القاف والطاء المهملة ودامت فتنتهم حتى ابادهم المهلب بن أبي صفرة أكثر من عشرين سنة وكذا تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج ممن قام على الحجاج كابن الاشعث ثم تسمى بالخلافة من قام في قطر من الاقطار في وقت ما فتسمى بالخلافة وليس من قريش كبني عباد وغيرهم بالاندلس كعبد المؤمن وذريته ببلاد المغرب كلها وهؤلاء ضاهوا الخوارج في هذا ولم يقولوا بأقوالهم ولا تمذهبوا بأرائهم بل كانوا من أهل السنة داعين إليها وقال عياض اشتراط كون الامام قرشيا مذهب العلماء كافة وقد عدوها في مسائل الاجماع ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف وكذلك من بعدهم في جميع الامصار قال ولا اعتداد بقول الخوارج ومن وافقهم من المعتزلة لما فيه من مخالفة المسلمين قلت ويحتاج من نقل الاجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات انه قال ان ادركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته فذكر الحديث وفيه فان أدركني أجلي وقد ومات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل الحديث ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش فيحتمل ان يقال لعل الاجماع انعقد بعد عمر على اشتراط ان يكون الخليفة قرشيا أو تغير اجتهاد عمر في ذلك والله أعلم واما ما احتج به من لم يعين الخلافة في قريش من تأمير عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب فليس من الامامة العظمى في شئ بل فيه انه يجوز للخليفة استنابة غير القرشي في حياته والله اعلم واستدل بحديث بن عمر على عدم وقوع ما فرضه الفقهاء من الشافعية وغيرهم انه إذا لم يوجد قرشي يستخلف كناني فان لم يوجد فمن بني إسماعيل فان لم يوجد منهم أحد مستجمع الشرائط فعجمي وفي وجه جرهمي والا فمن ولد إسحاق قال وانما فرض الفقهاء ذلك على عادتهم في ذكر ما يمكن ان يقع عقلا وان كان لا يقع عادة أو شرعا قلت والذي حمل قائل هذا القول عليه انه فهم منه الخبر المحض وخبر الصادق لا يتخلف واما من حمله على الامر فلا يحتاج إلى هذا التأويل واستدل بقوله قدموا قريشا ولا تقدموها وبغيره من أحاديث الباب على رجحان مذهب الشافعي لورود الامر بتقديم القرشي على من ليس قرشيا قال عياض ولا حجة فيها لان المراد بالائمة في هذه الاحاديث الخلفاء والا فقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم سالما مولى أبي حذيفة في امامة الصلاة ووراءه جماعة من قريش وقدم
[ 107 ]
زيد بن حارثة وابنه أسامة بن زيد ومعاذ بن جبل وعمرو بن العاص في التأمير في كثير من البعوث والسرايا ومعهم جماعة من قريش وتعقبه النووي وغيره بان في الاحاديث ما يدل على ان للقرشي مزية على غيره فيصح الاستدلال به لترجيح الشافعي على غيره وليس مراد المستدل به ان الفضل لا يكون الا للقرشي بل المراد ان كونه قرشيا من أسباب الفضل والتقدم كما ان من أسباب الفضل والتقدم الورع والفقه والقراءة والسن وغيرها فالمستويان في جميع الخصال إذا اختص أحدهما بخصلة منها دون صاحبه ترجح عليه فيصح الاستدلال على تقديم الشافعي على من ساواه في العلم والدين من غير قريش لان الشافعي قرشي وعجب قول القرطبي في المفهم بعد ان ذكر ما ذكره عياض ان المستدل بهذه الاحاديث على ترجيح الشافعي صحبته غفلة قارنها من صميم التقليد طيشه كذا قال ولعل الذي أصابته الغفلة من لم يفهم مراد المستدل والعلم عند الله تعالى (0) قوله باب أجر من قضى بالحكمة سقط لفظ أجر من رواية أبي زيد المروزي وعلى تقدير ثبوتها فليس في الباب ما يدل عليه فيمكن ان يؤخذ من لازم الاذن في تغبيط من قضى بالحكمة فإنه يقتضي ثبوت الفضل فيه وما ثبت فيه الفضل ترتب عليه الاجر والعلم عند الله قوله لقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون وجه الاستدلال بالآية لما ترجم به ان منطوق الحديث دل على ان من قضى بالحكمة كان محمودا حتى انه لا حرج على من تمنى ان يكون له مثل الذي له من ذلك ليحصل له مثل ما يحصل له من الاجر وحسن الذكر ومفهومه يدل على ان من لم يفعل ذلك فهو على العكس من فاعله وقد صرحت الآية بأنه فاسق واستدلال المصنف بها يدل على انه يرجح قول من قال انها عامة في أهل الكتاب وفي المسلمين وحكى بن التين عن الداودي ان البخاري اقتصر على هذه الآية دون ما قبلها عملا بقول من قال ان الآيتين قبلها نزلتا في اليهود والنصارى وتعقبه بن التين بأنه لا قائل بذلك قال ونسق الآية لا يقتضي ما قال قلت وما نفاه ثابت عن بعض التابعين في تفسير الطبري وغيره ويظهر ان يقال ان الآيات وان كان سببها أهل الكتاب لكن عمومها يتناول غيرهم لكن لما تقرر من قواعد الشريعة ان مرتكب المعصية لا يسمى كافرا ولا يسمى أيضا ظالما لان الظلم قد فسر بالشرك بقيت الصفة الثالثة فمن ثم اقتصر عليها وقال إسماعيل القاضي في احكام القرآن بعد ان حكى الخلاف في ذلك ظاهر الآيات يدل على ان من فعل مثل ما فعلوا واخترع حكما يخالف به حكم الله وجعله دينا يعمل به فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور حاكما كان أو غيره وقال بن بطال مفهوم الآية ان من حكم بما أنزل الله استحق جزيل الاجر ودل الحديث على جواز منافسته فاقتضى ان ذلك من أشرف الاعمال واجل ما يتقرب به إلى الله ويؤيده حديث عبد الله بن أبي أوفى رفعه الله مع القاضي ما لم يجر الحديث أخرجه بن المنذر قلت وأخرجه أيضا بن ماجة والترمذي واستغربه وصححه بن حبان والحاكم (6722) قوله حدثنا شهاب بن عباد هو بن عمر العبدي وإبراهيم بن حميد هو الرؤاسي بضم الراء وتخفيف الهمزة ثم مهملة وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم وعبد الله هو بن مسعود والسند كله كوفيون قوله لا حسد الا في اثنتين رجل بالجر ويجوز الرفع على الاستئناف والنصب بإضمار اعني قوله على هلكته بفتحات أي على اهلاكه أي انفاقه في الحق قوله وآخر آتاه الله حكمة في رواية بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد
[ 108 ]
الماضية في كتاب العلم ورجل آتاه الله الحكمة وقد مضى شرحه مستوفى هناك وان المراد بالحكمة القرآن كما في حديث بن عمر أو أعم من ذلك وضابطها ما منع الجهل وزجر عن القبح قال بن المنير المراد بالحسد هنا الغبطة وليس المراد بالنفي حقيقته والا لزم الخلف لان الناس حسدوا في غير هاتين الخصلتين وغبطوا من فيه سواهما فليس هو خبرا وانما المراد به الحكم ومعناه حصر المرتبة لعليا من الغبطة في هاتين الخصلتين فكأنه قال هما آكد القربات التي يغبط بها وليس المراد نفي أصل الغبطة مما سواهما فيكون من مجاز التخصيص أي لا غبطة كاملة التأكيد لتأكيد أجر متعلقها إلى الغبطة بهاتين الخصلتين وقال الكرماني الخصلتان المذكورتان هنا غبطة لا حسد لكن قد يطلق أحدهما على الاخر أو المعنى لا حسد الا فيهما وما فيهما ليس بحسد فلا حسد فهو كما قيل في قوله تعالى لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الاولى وفي الحديث الترغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شروطه وقوي على أعمال الحق ووجد له اعوانا لما فيه من الامر بالمعروف ونصر المظلوم واداء الحق لمستحقه وكف يد الظالم والاصلاح بين الناس وكل ذلك من القربات ولذلك تولاه الانبياء ومن بعدهم من الخلفاء الراشدين ومن ثم اتفقوا على انه من فروض الكفاية لان أمر الناس لا يستقيم بدونه فقد أخرج البيهقي بسند قوي أن أبا بكر لما ولي الخلافة ولى عمر القضاء وبسند آخر قوى ان عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء وكتب عمر إلى عماله استعملوا صالحيكم على القضاء وأكفوهم وبسند آخر لين ان معاوية سأل أبا الدرداء وكان يقضي بدمشق من لهذا الامر بعدك قال فضالة بن عبيد وهؤلاء من أكابر الصحابة وفضلائهم وانما فر منه من فر خشية العجز عنه وعند عدم المعين عليه وقد يتعارض الامر حيث يقع تولية من يشتد به الفساد إذا امتنع المصلح والله المستعان وهذا حيث يكون هناك غيره ومن ثم كان السلف يمتنعون منه ويفرون إذا طلبوا له واختلفوا هل يستحب لمن استجمع شرائطه وقوي عليه أولا والثاني قول الاكثر لما فيه من الخطر والغرر ولما ورد فيه من التشديد وقال بعضهم ان كان من أهل العلم وكان خاملا بحيث لا يحمل عنه العلم أو كان محتاجا وللقاضي رزق من جهة ليس بحرام استحب له ليرجع إليه في الحكم بالحق وينتفع بعلمه وان كان مشهورا فالاولى له الاقبال على العلم والفتوى واما ان لم يكن في البلد من يقوم مقامه فإنه يتعين عليه لكونه من فروض الكفاية لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه وعن أحمد لا يأثم لانه لا يجب عليه إذا اضر به نفع غيره ولا سيما من لا يمكنه عمل الحق لانتشار الظلم (0) قوله باب السمع والطاعة للامام ما لم تكن معصية انما قيده بالامام وان كان في أحاديث الباب الامر بالطاعة لكل أمير ولو لم يكن إماما لان محل الامر بطاعة الامير ان يكون مؤمرا من قبل الامام وذكر فيه أربعة أحاديث الاول (6723) قوله عن أبي التياح بمثناة مفتوحة وتحتانية مشددة وآخره مهملة وهو يزيد بن حميد الضبعي وتقدم في الصلاة من وجه آخر التصريح بقول شعبة حدثني أبوالتياح قوله اسمعوا واطيعوا وان استعمل بضم المثناة على البناء المجهول أي جعل عاملا بأن أمر امارة عامة على البلد مثلا أو ولي فيها ولاية خاصة كالامامة في الصلاة أو جباية الخراج أو مباشرة الحرب فقد كان في زمن الخلفاء الراشدين من يجتمع له الامور الثلاثة ومن يختص ببعضها قوله حبشي بفتح المهملة والموحدة بعدها معجمة منسوب إلى
[ 109 ]
الحبشة ومضى في الصلاة في باب امامة العبد عن محمد بن بشار عن يحيى القطان بلفظ اسمعوا واطيعوا وان استعمل حبشي وفيه بعد باب من رواية غندر عن شعبة بلفظ قال النبي صلى الله عليه وسلم لابي ذر اسمع واطع ولو لحبشي وقد أخرج مسلم من طريق غندر عن شعبة بإسناد آخر إلى أبي ذر انه انتهى إلى الربذة فإذا عبد يؤمهم فذهب يتأخر لاجل أبي ذر فقال أبو ذر أوصاني خليلي فذكر نحوه وظهرت بهذه الرواية الحكمة في تخصيص أبي ذر بالامر في هذه الرواية وقد جاء في حديث آخر الامر بذلك عموما ولمسلم أيضا من حديث أم الحصين اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله قوله كأن رأسه زبيبة واحدة الزبيب المأكول المعروف الكائن من العنب إذا جف انما شبه رأس الحبشي بالزبيبة لتجمعها ولكون شعره أسود وهو تمثيل في الحقارة وبشاعة الصورة وعدم الاعتداد بها وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفي في كتاب الصلاة ونقل بن بطال عن المهلب قال قوله اسمعوا واطيعوا لا يوجب أن يكون المستعمل للعبد الا امام قرشي لما تقدم ان الامامة لا تكون الا في قريش وأجمعت الامة على انها لا تكون في العبيد قلت ويحتمل ان يسمى عبدا باعتبار ما كان قبل العتق وهذا كله انما هو فيما يكون بطريق الاختيار واما لو تغلب عبد حقيقة بطريق الشوكة فان طاعته تجب اخمادا للفتنة ما لم يأمر بمعصية كما تقدم تقريره وقيل المراد ان الامام الاعظم إذا استعمل العبد الحبشي على امارة بلد مثلا وجبت طاعته وليس فيه ان العبد الحبشي يكون هو الامام الاعظم وقال الخطابي قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود يعني وهذا من ذاك اطلق العبد الحبشي مبالغة في الامر بالطاعة وان كان لا يتصور شرعا ان يلي ذلك الحديث الثاني (6724) قوله حماد هو بن زيد والجعد هو أبو عثمان وأبو رجاء هو العطاردي وتقدم الكلام على هذا السند في أوائل الفتن قوله يرويه هو في معنى قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم كذلك في أوائل الفتن من طريق عبد الوارث عن الجعد وتقدمت مباحثه هناك الحديث الثالث (6725) قوله عن عبيد الله هو بن عمر العمري وعبد الله صحابيه هو بن عمر قوله فيما أحب وكره في رواية أبي ذر فيما أحب أو كره قوله ما لم يؤمر بمعصية هذا يقيد ما أطلق في الحديثين الماضيين من الامر بالسمع والطاعة ولو لحبشي ومن الصبر على ما يقع من الامير مما يكره والوعيد على مفارقة الجماعة قوله فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة أي لا يجب ذلك بل يحرم على من كان قادرا على الامتناع وفي حديث معاذ عند أحمد لا طاعة لمن لم يطع الله وعنده وعند البزار في حديث عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري لا طاعة في معصية الله وسنده قوي وفي حديث عبادة بن الصامت عند أحمد والطبراني لا طاعة لمن عصى الله تعالى وقد تقدم البحث في هذا الكلام على حديث عبادة في الامر بالسمع والطاعة الا أن تروا كفرا بواحا بما يغني عن اعادته وهو في كتاب الفتن وملخصه انه ينعزل بالكفر إجماعا فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب ومن داهن فعليه الاثم ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الارض الحديث الرابع (6726) قوله عن أبي عبد الرحمن هو السلمي وعلي هو بن أبي طالب قوله وأمر عليهم رجلا من الانصار تقدم البحث فيه والجواب عمن غلط راويه في كتاب المغازي قوله فأوقدوا نارا كذا وقع وتقدم بيانه في المغازي والاحكام ان أميرهم غضب منهم فقال أوقدوا نارا وقوله قد عزمت
[ 110 ]
عليكم لما بالتخفيف وجاء بالتشديد فقيل انها بمعنى الا وقوله خمدت بالمعجمة وفتح الميم وضبط في بعض الروايات بكسر الميم ولا يعرف في اللغة قاله بن التين قال ومعنى خمدت سكن لهبها وان لم يطفأ جمرها فان طفئ قيل همدت وقوله لو دخلوها ما خرجوا منها قال الداودي يريد تلك النار لانهم يموتون بتحريقها فلا يخرجون منها أحياء قال وليس المراد بالنار نار جهنم ولا انهم مخلدون فيها لانه قد ثبت في حديث الشفاعة يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من ايمان قال وهذا من المعاريض التي فيها مندوحة يريد انه سيق مساق الزجر والتخويف ليفهم السامع ان من فعل ذلك خلد في النار وليس ذلك مرادا وانما أريد به الزجر والتخويف وقد تقدم له توجيهات في كتاب المغازي وكذا قوله انما الطاعة في المعروف وتقدم شرحه مستوفى في باب سرية عبد الله بن حذافة من كتاب المغازي وتقدم شئ منه أيضا في تفسير سورة النساء في قوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم وقد قيل أنه لم يقصد دخولهم النار حقيقة وانما أشار لهم بذلك إلى ان طاعة الامير واجبة ومن ترك الواجب دخل النار فإذا شق عليكم دخول هذه النار فكيف بالنار الكبرى وكأن قصده أنه لو رأى منهم الجد في ولوجها لمنعهم (0) قوله باب من لم يسأل الامارة أعانه الله عليها ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الامارة ثم قال بعده باب من سأل الامارة وكل إليها وذكر الحديث المذكور وقد تقدم الكلام على سنده في كتاب كفارة الايمان وعلى (6728) قوله وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منا فكفر وأما قوله لا تسأل الامارة فهو الذي في أكثر طرق الحديث ووقع في رواية يونس بن عبيد عن الحسن بلفظ ليتمنين بصيغة النهي عن التمني مؤكدا بالنون الثقيلة والنهي عن التمني أبلغ من النهي عن الطلب قوله عن مسألة أي سؤال قوله وكلت إليها بضم الواو وكسر الكاف مخففا ومشددا وسكون اللام ومعنى المخفف أي صرف إليها ومن وكل إلى نفسه هلك ومنه في الدعاء ولا تكلني إلى نفسي ووكل أمره إلى فلان صرفه إليه ووكله بالتشديد استحفظه ومعنى الحديث ان من طلب الامارة فاعطيها تركت اعانته عليها من أجل حرصه ويستفاد منه ان طلب ما يتعلق بالحكم مكروه فيدخل في الامارة القضاء والحسبة ونحو ذلك وان من حرص على ذلك لا يعان ويعارضه في الظاهر ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رفعه من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار والجمع بينهما انه لا يلزم من كونه لا يعان بسبب طلبه ان لا يحصل منه العدل إذا ولى أو يحمل الطلب هنا على القصد وهناك على التولية وقد تقدم من حديث أبي موسى انا لا نولي من حرص ولذلك عبر في مقابله بالاعانة فان من لم يكن له من الله عون على عمله لا يكون فيه كفاية لذلك العمل فلا ينبغي أن يجاب سؤاله ومن المعلوم ان كل ولاية لا تخلو من المشقة فمن لم يكن له من الله إعانة تورط فيما دخل فيه وخسر دنياه وعقباه فمن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلا بل إذا كان كافيا وأعطيها من غير مسألة فقد وعده الصادق بالاعانة ولا يخفى ما في ذلك من الفضل قال المهلب جاء تفسير الاعانة عليها في حديث بلال بن مرداس عن خيثمة عن أنس رفعه من طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده أخرجه بن المنذر قلت وكذا أخرجه الترمذي من طريق أبي عوانة عن عبد الاعلى الثعلبي وأخرجه هو وأبو داود وابن ماجة من طريق أبي عوانة
[ 111 ]
ومن طريق إسرائيل عن عبد الاعلى فأسقط خيثمة من السند قال الترمذي ورواية أبي عوانة أصح وقال في رواية أبي عوانة حديث حسن غريب وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل وصححه وتعقب بان بن معين لين خيثمة وضعف عبد الاعلى وكذا قال الجمهور في عبد الاعلى ليس بقوي قال المهلب وفي معنى الاكراه عليه ان يدعى إليه فلا يرى نفسه أهلا لذلك هيبة له وخوفا من الوقوع في المحذور فإنه يعان عليه إذا دخل فيه ويسدد والاصل فيه ان من تواضع لله رفعه الله وقال بن التين هو محمول على الغالب والا فقد قال يوسف اجعلني على خزائن الارض وقال سليمان وهب لي ملكا قال ويحتمل ان يكون في غير الانبياء (0) قوله باب ما يكره من الحرص على الامارة أي على تحصيلها ووجه الكراهة مأخوذ مما سبق في الباب الذي قبله (6729) قوله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة هكذا رواه بن أبي ذئب مرفوعا وأدخل عبد الحميد بن جعفر بين سعيد وأبي هريرة رجلا ولم يرفعه وابن أبي ذئب أتقن من عبد الحميد وأعرف بحديث المقبري منه فرواياته هي المعتمدة وعقبه البخاري بطريق عبد الحميد إشارة منه إلى إمكان تصحيح القولين فلعله كان عند سعيد عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفا على ما رواه عنه عبد الحميد وكان عنده عن أبي هريرة بغير واسطة مرفوعا إذا وجدت عند كل من الراويين عن سعيد زيادة ورواية الوقف لا تعارض رواية الرفع لان الراوي قد ينشط فيسند وقد لا ينشط فيقف قوله انكم ستحرصون بكسر الراء ويجوز فتحها ووقع في رواية شبابة عن بن أبي ذئب ستعرضون بالعين وأشار إلى انها خطأ قوله على الامارة يدخل فيه الامارة العظمى وهي الخلافة والصغرى وهي الولاية على بعض البلاد وهذا أخبار منه صلى الله عليه وسلم بالشئ قبل وقوعه فوقع كما أخبر قوله وستكون ندامة يوم القيامة أي لمن لم يعمل فيها بما ينبغي وزاد في رواية شبابة وحسره ويوضح ذلك ما أخرجه البزار والطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك بلفظ أولها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة الا من عدل وفي الطبراني الاوسط من رواية شريك عن عبد الله بن عيسى عن أبي صالح عن أبي هريرة قال شريك لا أدري رفعه أم لا قال الامارة أولها ندامة وأوسطها غرامة وآخرها عذاب يوم القيامة وله شاهد من حديث شداد بن أوس رفعه بلفظ أولها ملامة وثانيها ندامة أخرجه الطبراني وعند الطبراني من حديث زيد بن ثابت رفعه نعم الشئ الامارة لمن اخذها بحقها وحلها وبئس الشئ الامارة لمن أخذها بغير حقها تكون عليه حسرة ى يوم القيامة وهذا يقيد ما أطلق في الذي قبله ويقيده أيضا ما اخرج مسلم عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال انك ضعيف وانها امانة وانها يوم القيامة خزي وندامة الا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها قال النووي هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية ولا سيما لمن كان فيه ضعف وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالخزي يوم القيامة واما من كان أهلا وعدل فيها فأجره عظيم كما تظاهرت به الاخبار ولكن في الدخول فيها خطر عظيم ولذلك امتنع الاكابر منها والله أعلم قوله فنعم المرضعة وبئست الفاطمة قال الداودي نعم المرضعة أي في الدنيا وبئست الفاطمة أي بعد الموت لانه يصير إلى المحاسبة على ذلك فهو كالذي يفطم قبل ان يستغني فيكون في ذلك هلاكه وقال غيره نعم المرضعة لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال حصولها
[ 112 ]
وبئست الفاطمة عند الانفصال عنها بموت أو غيره وما يترتب عليها من التبعات في الآخرة تنبيه الحقت التاء في بئست دون نعم والحكم فيهما إذا كان فاعلهما مؤنثا جواز الالحاق وتركه فوقع التفنن في هذا الحديث بحسب ذلك وقال الطيبي انما لم يلحقها بنعم لان المرضعة مستعارة للامارة وتأنيثها غير حقيقي فترك الحاق التاء بها والحاقها بئس نظرا إلى كون الامارة حينئذ داهية دهياء قال وانما اتي بالتاء في الفاطمة والمرضعة إشارة إلى تصوير تينك الحالتين المتجددتين في الارضاع والفطام قوله وقال محمد بن بشار هو بندار ووقع في مستخرج بن نعيم ان البخاري قال حدثنا محمد بن بشار وعبد الله بن حمران هو بصري صدوق وقد قال بن حبان في الثقات يخطئ وماله في الصحيح الا هذا الموضع وعبد الحميد بن جعفر هو المدني لم يخرج له البخاري الا تعليقا وعمر بن الحكم أي بن ثوبان مدني ثقة أخرج له البخاري في غير هذا الموضع تعليقا كما تقدم في الصيام قوله عن أبي هريرة أي موقوفا عليه قوله في حديث أبي موسى (6730) ولا من حرص عليه بفتح المهملة والراء وقد تقدم مطولا من وجه آخر عن أبي بردة عن أبي موسى في استتابة المرتدين وذكرت شرحه هناك وفي الحديث ان الذي يناله المتولي من النعماء والسراء دون ما يناله من البأساء والضراء اما بالعزل في الدنيا فيصير خاملا واما بالمؤاخذة في الآخرة وذلك أشد نسأل الله العفو قال القاضي البيضاوي فلا ينبغي لعاقل أن يفرح بلذة يعقبها حسرات قال المهلب الحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها حتى سفكت الدماء واستبيحت الاموال والفروج وعظم الفساد في الارض بذلك ووجه الندم انه قد يقتل أو يعزل أو يموت فيندم على الدخول فيها لانه يطالب بالتبعات التي ارتكبها وقد فاته ما حرص عليه بمفارقته قال ويستثنى من ذلك من تعين عليه كأن يموت الوالي ولا يوجد بعده من يقوم بالامر غيره وإذا لم يدخل في ذلك يحصل الفساد بضياع الاحوال قلت وهذا لا يخالف ما فرض في الحديث الذي قبله من الحصول بالطلب أو بغير طلب بل في التعبير بالحرص إشارة إلى ان من قام بالامر عند خشية الضياع يكون كمن أعطى بغير سؤال لفقد الحرص غالبا عمن هذا شأنه وقد يغتفر الحرص في حق من تعين عليه لكونه يصير واجبا عليه وتولية القضاء على الامام فرض عين وعلى القاضي فرض كفاية إذا كان هناك غيره (0) رحمه اللهقوله باب من استرعي بضم المثناة على البناء للمجهول قوله رعية فلم ينصح أي لها (6731) قوله أبو الأشهب هو جعفر بن حبان بمهملة وتحتانية ثقيلة قوله عن الحسن هو البصري وفي رواية الاسماعيلي من طريق شيبان عن أبي الاشهب حدثنا الحسن قوله ان عبيد الله بن زياد يعني أمير البصرة في زمن معاوية وولده يزيد ووقع في رواية هشام المذكورة بعد هذه ما يدل على ان الحسن حضر ذلك من عبيد الله بن زياد عند معقل قوله عاد معقل بن يسار بتحتانية ثم مهملة خفيفة هو المزني الصحابي المشهور قوله في مرضه الذي مات فيه كانت وفاة معقل بالبصرة فيما ذكره البخاري في الاوسط ما بين الستين إلى السبعين وذلك في خلافة يزيد بن معاوية قوله فقال له معقل اني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد مسلم عن شيبان بن فروخ عن أبي الاشهب لو علمت ان لي حياة ما حدثتك قوله يسترعيه الله في نسخة الصغاني استرعاه قوله فلم يحطها بفتح أوله وضم الحاء وسكون الطاء المهملتين أي يكلؤها أو يصنها وزنه ومعناه والاسم الحياطة يقال حاطه
[ 113 ]
إذا استولى عليه وأحاط به مثله قوله بنصحه كذا للاكثر بهاء الضمير وفي رواية المستملي بالنصيحة ووقع لمسلم في رواية شيبان يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته قوله لم يجد في نسخة الصغاني الا لم يجد بزيادة الا رائح الجنة زاد في رواية الطبراني من حديث عبد الله بن مغفل وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاما ووقع في رواية مسلم الا حرم الله عليه الجنة وله مثله من طريق يونس بن عبيد عن الحسن قال الكرماني مفهوم الحديث انه يجدها وهو عكس المقصود والجواب ان الا مقدرة أي الا لم يجد والخبر محذوف والتقدير ما من عبد فعل كذا الا حرم الله عليه الجنة ولم يجد رائحة الجنة استئناف كالمفسر له أو ليست ما للنفي وجازت زيادة من للتأكيد في الاثبات عند بعض النحاة وقد ثبت الا في بعض النسخ قلت لم يقع الجمع بين اللفظين المتوعد بهما في طريق واحدة فقوله لم يجد رائحة الجنة وقع في رواية أبي الاشهب وقوله (6732) حرم الله عليه الجنة وقع في رواية هشام فكأنه أراد أن الاصل في الحديث الجمع بين اللفظين فحفظ بعض ما لم يحفظ بعض وهو محتمل لكن الظاهر انه لفظ واحد تصرفت فيه الرواة وزاد مسلم في آخره قال الا كنت حدثتني هذا قبل اليوم قال لم أكن لاحدثك قيل سبب ذلك هو ما وصفه به الحسن البصري من سفك الدماء ووقع في رواية الاسماعيلي من الوجه الذي أخرجه مسلم لولا اني ميت ما حدثتك فكأنه كان يخشى بطشه فلما نزل به الموت أراد ان يكف بذلك بعض شره عن المسلمين والى ذلك وقعت الاشارة في رواية لمسلم من طريق أبي المليح ان عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار فقال له معقل لولا أني في الموت ما حدثتك وقد أخرج الطبراني في الكبير من وجه آخر عن الحسن قال لما قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرا أمره علينا معاوية غلاما سفيها يسفك الدماء سفكا شديدا وفينا عبد الله بن مغفل المزني فدخل عليه ذات يوم فقال له انته عما أراك تصنع فقال له وما أنت وذاك قال ثم خرج إلى المسجد فقلنا له ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رءوس الناس فقال انه كان عندي علم فأحببت أن لا اموت حتى أقول به على رؤوس الناس ثم قام فما لبث ان مرض مرضه الذي توفي فيه فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده فذكر نحو حديث الباب فيحتمل ان تكون القصة وقعت للصحابيين قوله قال زائدة ذكره هشام هو بحذف قال الثانية والتقدير قال الحسين الجعفي قال زائدة ذكره أي الحديث الذي سيأتي هشام وهو بن حسان ووقع في رواية مسلم عن القاسم بن زكريا عن الحسين الجعفي بالعنعنة في جميع السند وحاصل الروايتين انه أثبت الغش في إحداهما ونفى النصيحة في الاخرى فكأنه لا واسطة بينهما ويحصل ذلك بظلمه لهم بأخذ أموالهم أو سفك دمائهم أو انتهاك أعراضهم وحبس حقوقهم وترك تعريفهم ما يجب عليهم في أمر دينهم ودنياهم وباهمال إقامة الحدود فيهم وردع المفسدين منهم وترك حمايتهم ونحو ذلك قوله فقال له معقل أحدثك حديثا قد ذكرت زيادة أبي المليح عند مسلم قوله ما من وال يلي رعية من المسلمين الخ وقع في رواية أبي المليح ما من أمير بدل وال وقال فيه ثم لا يجد له بجيم ودال مشددة من الجد بالكسر ضد الهزل وقال فيه الا لم يدخل معهم الجنة وللطبراني في الاوسط فلم يعدل فيهم الا كبه الله على وجهه في النار قال بن التين يلي جاء على غير القياس لان ماضيه ولى بالكسر ومستقبله يولي بالفتح وهو مثل ورث يرث وقال بن بطال هذا وعيد شديد على أئمة الجور فمن ضيع من استرعاه الله أو خانهم
[ 114 ]
أو ظلمهم فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة فكيف يقدر على التحلل من ظلم امة عظيمة ومعنى حرم الله عليه الجنة أي انفذ الله عليه الوعيد ولم يرض عنه المظلومين ونقل بن التين عن الداودي نحوه قال ويحتمل ان يكون هذا في حق الكافر لان المؤمن لا بد له من نصيحة قلت وهو احتمال بعيد جدا والتعليل مردود فالكافر أيضا قد يكون ناصحا فيما تولاه ولا يمنعه ذلك الكفر وقال غيره يحمل على المستحل والاولى انه محمول على غير المستحل وانما أريد به الزجر والتغليظ وقد وقع في رواية لمسلم بلفظ لم يدخل معهم الجنة وهو يؤيد أن المراد انه لا يدخل الجنة في وقت دون وقت وقال الطيبي الفاء في قوله فلم يحطها وفي قوله فيموت مثل اللام في قوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا وقوله وهو غاش قيد للفعل مقصود بالذكر يريد ان الله انما ولاه على عباده ليديم لهم النصيحة لا ليغشهم حتى يموت على ذلك فلما قلب القضية استحق ان يعاقب (0) قوله باب من شاق شق الله عليه في رواية النسفي من شق بغير ألف والمعنى من أدخل على الناس المشقة أدخل الله عليه المشقة فهو من الجزاء بجنس العمل (6733) قوله خالد هو بن عبد الله الطحان قوله عن الجريري بضم الجيم هو سعيد بن إياس ولم يخرج البخاري للعباس الجرير شيئا وهو من هذه الطبقة وخالد الطحان معدود فيمن سمع من سعيد الجريري قبل الاختلاط وكانت وفاة الجريري سنة أربع وأربعين ومائة واختلط قبل موته بثلاث سنين وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود من أدرك أيوب فسماعه من الجريري جيد قلت وخالد قد أدرك أيوب فان أيوب لما مات كان خالد المذكور بن إحدى وعشرين سنة قوله عن طريف بالطاء المهملة وزن عظيم قوله أبي تميمة بالمثناة وزن عظيمة هو بن مجالد بضم الميم وتخفيف الجيم الهجيمي بالجيم مصغر نسبة إلى بني الهجيم بطن من تميم وكان مولاهم وهو بصري ماله في البخاري عن أحد من أصحابه الا هذا الحديث وله حديث آخر تقدم في الادب من روايته عن أبي عثمان النهدي قوله شهدت صفوان هو بن محرز بن زياد التابعي الثقة المشهور من أهل البصرة قوله وجندبا هو بن عبد الله البجلي الصحابي المشهور وكان من أهل الكوفة ثم تحول إلى البصرة قاله الكلاباذي قوله وأصحابه أي أصحاب صفوان قوله وهو أي جندب يوصيهم ذكره المزي في الاطراف بلفظ شهدت صفوان وأصحابه وجندبا يوصيهم ووقع في صحيح مسلم من طريق خالد بن عبد الله بن محرز عن عمه صفوان بن محرز ان جندب بن عبد الله بعث إلى عسعس بن سلامة زمن فتنة بن الزبير فقال اجمع لي نفرا من إخواني حتى أحدثهم فذكر القصة في تحديثه لهم بقصة الذي حمل على رجل فقال لا إله إلا الله فقتله وأظن ان القصتين واحدة ويجمعهما انه حذرهم من التعرض لقتل مسلم وزمن فتنة بن الزبير كانت عقب موت يزيد بن معاوية ووقع عند الطبراني من طريق ليث بن أبي سليم عن صفوان بن محرز عن جندب بن عبد الله انه مر بقوم فقال ائتني بنفر من قراء القرآن وليكونوا شيوخا قال فأتيته بنافع بن الازرق وأبي بلال مرداس ونفر معهما ستة أو ثمانية فقال اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الحديث قلت وأخرجه أيضا من طريق الاعمش عن أبي تميمة انه انطلق مع جندب إلى البصرة فقال هل كنت تدارس أحد القرآن قلت نعم قال فاتني بهم قال فأتيته بنافع وأبي بلال مرداس ونجدة وصالح بن مشرح فأنشأ يحدث قلت وهؤلاء الاربعة من رءوس الخوارج الذين خرجوا إلى مكة لنصر بن
[ 115 ]
الزبير لما جهز إليه يزيد بن معاوية الجيوش فشهدوا معه الحصار الاول فلما جاءهم الخبر بموت يزيد بن معاوية سألوا بن الزبير عن قوله في عثمان فأثنى عليه فغضبوا وفارقوه فحجوا وخرج نجدة باليمامة فغلب عليها وعلى بعض بلاد الحجاز وخرج نافع بن الازرق بالعراق فدامت فتنته مدة واما أبو بلال مرداس فكان خرج على عبيد الله بن زياد قبل ذلك فقتله قوله من سمع سمع الله به يوم القيامة قلت تقدم هذا المتن من حديث جندب من وجه آخر مع شرحه في باب الرياء والسمعة من كتاب الرقاق وفيه ومن رايا ولم يقع فيه مقصود هذا الباب قوله ومن شاق شق الله عليه كذا للكشميهني وللسرخسي والمستملي ومن يشاقق يشاقق الله عليه بصيغة المضارع وبفك القاف في الموضعين وفي رواية الطبراني عن أحمد بن زهير التستري عن إسحاق بن شاهين شيخ البخاري فيه ومن يشاقق يشقق الله عليه قوله فقالوا أوصنا فقال ان أول ما ينتن من الانسان بطنه يعني بعد الموت وصرح به في رواية صفوان بن محرز عن جندب ولفظه واعلموا ان أول ما ينتن من أحدكم إذا مات بطنه قوله فمن استطاع ان لا يأكل الا طيبا فليفعل في رواية صفوان فلا يدخل بطنه الا طيبا هكذا وقع هذا الحديث من هذا الوجه موقوفا وكذا أخرجه الطبراني من طريق قتادة عن الحسن هو البصري عن جندب موقوفا وأخرجه من طريق صفوان بن محرز وسياقه يحتمل الرفع والوقف فإنه صدر بقوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سمع الحديث واعلموا ان أول ما ينتن وينتن بنون ومثناة وضم أوله من الرباعي وماضيه أنتن ونتن والنتن الرائحة الكريهة قوله ومن استطاع الا يحال بينه وبين الجنة بملء كف في رواية الكشميهني يحول وبلفظ ملء بغير موحدة ووقع في رواية كريمة والاصيلي كفه قوله من دم هراقه أي صبه فليفعل قال بن التين وقع في روايتنا اهراقة وهو بفتح الهمزة وكسرها قلت هي لمن عدا أبا ذر كذا وقع هذا المتن أيضا موقوفا وكذا أخرجه الطبراني من طريق صفوان بن محرز ومن طريق قتادة عن الحسن عن جندب موقوفا وزاد الحسن بعد قوله يهريقه كانما يذبح دجاجة كلما تقدم لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينه ووقع مرفوعا عند الطبراني أيضا من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب ولفظه تعلمون اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحولن بين أحدكم وبين الجنة وهو يراها ملء كف دم من مسلم أهرقه بغير حله وهذا لو لم يرد مصرحا برفعه لكان في حكم المرفوع لانه لا يقال بالرأي وهو وعيد شديد لقتل المسلم بغير حق قال الكرماني في معنى قوله ملء كف من دم هو عبارة عن مقدار دم انسان واحد كذا قال ومن أين هذا الحصر والمتبادر ان ذكر ماء الكف كالمثال والا فلو كان دون ذلك لكان الحكم كذلك وعن الطبراني من حديث الاعمش عن أبي تميمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحولن بين أحدكم وبين الجنة فذكر نحو رواية الجريري وزاد في آخره قال فبكى القوم فقال جندب لم أر كاليوم قط قوما أحق بالنجاة من هؤلاء ان كانوا صادقين قلت ولعل هذا هو السر في تصديره كلامه بحديث من سمع وكأنه تفرس فيهم ذلك ولهذا قال ان كانوا صادقين ولقد صدقت فراسته فانهم لما خرجوا بذلوا السيف في المسلمين وقتلوا الرجال والاطفال وعظم البلاء بهم كما تقدمت إليه الاشارة في كتاب المحاربين قال بن بطال المشاقة في اللغة مشتقة من الشقاق وهو الخلاف ومنه قوله تعالى ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى والمراد بالحديث النهي عن القول القبيح في المؤمنين
[ 116 ]
وكشف مساويهم وعيوبهم وترك مخالفة سبيل المؤمنين ولزوم جماعتهم والنهي عن إدخال المشقة عليهم والاضرار بهم قال صاحب العين شق الامر عليك مشقة أضر بك انتهى وظاهره انه جعل المشقة والمشاقة بمعنى واحد وليس كذلك فقد جوز الخطابي في هذا ان تكون المشقة من الاضرار وفي حمل الناس على ما يشق عليهم وان تكون من الشقاق وهو الخلاف ومفارقة الجماعة وهو ان يكون في شق أي ناحية عن الجماعة ورجح الداودي الثاني ومن الاول قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه أخجره مسلم ووقع لغير أبي ذر في آخر هذا الحديث قلت لابي عبد الله من يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جندب قال نعم جندب انتهى وأبو عبد الله المذكور هو المصنف والسائل له الفربري وقد خلت رواية النسفي عن ذلك وقد سيق من الطرق التي أوردتها ما يصرح بأن جندبا هو القائل وليس فيمن سمي في هذه القصة أحد من الصحابة غيره (0) قوله باب القضاء والفتيا في الطريق كذا سوى بينهما والاثران المذكوران في الترجمة صريحان فيما يتعلق بالقضاء والحديث المرفوع يؤخذ منه جواز الفتيا فيلحق به الحكم قوله وقضى يحيى بن يعمر بفتح الميم هو التابعي الجليل المشهور وكان من أهل البصرة فانتقل إلى مرو بأمر الحجاج فولي قضاء مرو لقتيبة بن مسلم وكان من أهل الفصاحة والورع قال الحاكم قضى في أكثر مدن خراسان وكان إذا تحول إلى بلد استخلف في التي انتقل منها قوله في الطريق وصله محمد بن سعد في الطبقات عن شبابه عن موسى بن يسار قال رأيت يحيى بن يعمر على القضاء بمرو فربما رأيته يقضي في السوق وفي الطريق وربما جاءه الخصمان وهو على حمار فيقضي بينهما وأخرج البخاري في التاريخ من طريق حميد بن أبي حكيم انه رأى يحيى بن يعمر يقضي في الطريق قوله وقضى الشعبي على باب داره قال بن سعد في الطبقات أخبرنا أبو نعيم حدثنا أبو إسرائيل رأيت الشعبي يقضي عند باب الفيل بالكوفة وأخرج الكرابيسي في القضاء من وجه آخر عن العشبي ان عليا قضى في السوق وأخرج من طريق القاسم بن عبد الرحمن انه مر على قوم وهو على راحلته فتظلموا من كرى لهم فنزل فقضى بينهم ثم ركب فمضى إلى منزله ثم ذكر حديث سالم بن أبي الجعد عن أنس في الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة وقد تقدم من وجه آخر عن سالم في كتاب الادب مشروحا وقوله (6734) هنا فلقينا رجل عند سدة المسجد السدة بضم السين وتشديد الدال المهملتين هي باب الدار وقيل لاسماعيل بن عبد الرحمن السدي بأنه كان يبيع المقانع عند سدة مسجد الكوفة وهي ما يبقى من الطاق المسدود وقيل هي المظلة على الباب لوقاية المطر والشمس وقيل هي الباب نفسه وقيل عتبته وقيل الساحة امام الباب وقوله ما عددت لها كذا لابي ذر ولغيره عددت وهو بالتشديد مثل جمع مالا وعدده أي هيأه وقوله استكان أي خضع وهو استفعل من السكون الدال على الخضوع قال بن التين لعل سبب سؤال الرجل عن الساعة اشفاقا مما يكون فيها ولو سأل استعجالا لدخل في قوله تعالى يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها وقوله كبير عمل بالموحدة للاكثر وبالمثلثة لبعضهم قال بن بطال في حديث أنس جواز سكوت العالم عن جواب السائل والمستفتي إذا كانت المسألة لا تعرف أو كانت مما لا حاجة بالناس إليها أو كانت مما يخشى منها الفتنة أو سوء التأويل ونقل عن المهلب الفتيا
[ 117 ]
في الطريق وعلى الدابة ونحو ذلك من التواضع فان كانت لضعيف فهو محمود وان كانت لرجل من أهل الدنيا أو لمن يخشى لسانه فهو مكروه قلت والمثال الثاني ليس بجيد فقد يترتب على المسئول من ذلك ضرر فيجيب ليأمن شره فيكون في هذه الحالة محمودا قال واختلف في القضاء سائرا أو ماشيا فقال أشهب لا بأس به إذا لم يشغله عن الفهم وقال سحنون لا ينبغي وقال بن حبيب لا بأس بما كان يسيرا واما الابتداء بالنظر ونحوه فلا قال بن بطال وهو حسن وقول أشهب أشبه بالدليل وقال بن التين لا يجوز الحكم في الطريق فيما يكون غامضا كذا أطلق والاشبه التفصيل وقال بن المنير لا تصح حجة من منع الكلام في العلم في الطريق واما الحكاية التي تحكى عن مالك في تعزيره الحاكم الذي سأله في الطريق ثم حدثه فكان يقول وددت لو زادني سياطا وزادني تحديثا فلا يصح ثم قال ويحتمل ان يفرق بين حالة النبي صلى الله عليه وسلم وحالة غيره فان غيره في مظنة ان يتشاغل بلغو الطرقات وقد تقدم في كتاب العلم ترجمة الفتيا على الدابة ووقع في حديث جابر الطويل في حجة الوداع عند مسلم وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته ليراه الناس وليشرف لهم ليسألوه والاحاديث في سؤال الصحابة وهو سائر ماشيا وراكبا كثيرة (0) قوله باب ما ذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له بواب ذكر فيه حديث أنس في قصة المرأة التي جاءت تعتذر عن قولها إليك عني لما أمرها النبي صلى الله عليه وسلم ووجدها تبكي عند قبر بالصبر ففي الحديث فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابا (6735) قوله ان الصبر عند أول صدمة في رواية الكشميهني هنا ان الصبر عند الصدمة الاولى وقد تقدم شرحه مستوفى في باب زيارة القبور من كتاب الجنائز وان المراة لم تسم وان المقبور كان ولدها ولم يسم أيضا وان الذي ذكر لها ان الذي خاطبها هو النبي صلى الله عليه وسلم هو الفضل بن العباس ووقع هنا ان أنس بن مالك قال لامرأة من أهله هل تعرفين فلانة يعني صاحبة هذه القصة ولم أعرف اسم المرأة التي من أهل أنس أيضا وقولها إليك عني أي كف نفسك ودعني وقولها فإنك خلو بكسر المعجمة وسكون اللام أي خال من همي قال المهلب لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم بواب راتب يعني فلا يرد ما تقدم في المناقب من حديث أبي موسى انه كان بوابا للنبي صلى الله عليه وسلم لما جلس على القف قال فالجمع بينهما انه إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد لشئ من أمره انه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة إليه وقال الطبري دل حديث عمر حين استأذن له الاسود يعني في قصة حلفه صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل على نسائه شهرا كما تقدم في النكاح أنه صلى الله عليه وسلم كان في وقت خلوته بنفسه يتخذ بوابا ولولا ذلك لاستأذن عمر لنفسه ولم يحتج إلى قوله يا رباح استأذن لي قلت ويحتمل ان يكون سبب استئذان عمر أنه خشي ان يكون وجد عليه بسبب ابنته فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه فلما أذن له اطمأن وتبسط في القول كما تقدم بيانه وقال الكرماني ملخصا لما تقدم معنى قوله لم يجد عليه بوابا انه لم يكن له بواب راتب أو في حجرته التي كانت مسكنا له أو لم يكن البواب بتعيينه بل باشرا ذلك بأنفسهما يعني أبا موسى ورباحا قلت الاول كاف وفي الثاني نظر لانه إذا انتفى في الحجرة مع كونها مظنة الخلوة فانتفاؤه في غيرها أولى وان أراد اثبات البواب في الحجرة دون غيرها كان بخلاف حديث الباب فان المرأة انما جاءت إليه وهو في منزل سكنه فلم تجد عليه بوابا وفي الثالث أيضا نظر لانه على تقدير أنهما فعلا ذلك من
[ 118 ]
قبل أنفسهما بغير أمره لكن تقريره لهما على ذلك يفيد مشروعيته فيمكن ان يؤخذ منه الجواز مطلقا ويمكن ان يقيد بالحاجة وهو الاولى وقد اختلف في مشروعية الحجاب للحاكم فقال الشافعي وجماعة ينبغي للحاكم ان لا يتخذ حاجبا وذهب آخرون إلى جوازه وحمل الاول على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير وطواعيتهم للحاكم وقال آخرون بل يستحب ذلك حينئذ ليرتب الخصوم ويمنع المستطيل ويدفع الشرير ونقل بن التين عن الداودي قال الذي أحدثه بعض القضاة من شدة الحجاب وإدخال بطائق الخصوم لم يكن من فعل السلف انتهى فأما اتخاذ الحاجب فقد ثبت في قصة عمر في منازعة العباس وعلي انه كان له حاجب يقال له يرفا ومضى ذلك في فرض الخمس واضحا ومنهم من قيد جوازه بغير وقت جلوسه للناس لفصل الاحكام ومنهم من عمم الجواز كما مضى واما البطائق فقال بن التين ان كان مراده البطائق التي فيها الاخبار بما جرى فصحيح يعني انه حادث قال واما البطائق التي تكتب للسبق ليبدأ بالنظر في خصومة من سبق فهو من العدل في الحكم وقال غيره وظيفة البواب أو الحاجب ان يطالع الحاكم بحال من حضر ولا سيما من الاعيان لاحتمال ان يجئ مخاصما والحاكم يظن انه جاء زائرا فيعطيه حقه من الاكرام الذي لا يجوز لمن يجئ مخاصما وايصال الخبر للحاكم بذلك اما بالمشافهة واما بالمكاتبة ويكره دوام الاحتجاب وقد يحرم فقد أخرج أبو داود والترمذي بسند جيد عن أبي مريم الاسدي انه قال لمعاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ولاه الله من أمر الناس شيئا فاحتجب عن حاجتهم احتجب الله عن حاجته يوم القيامة وفي هذا الحديث وعيد شديد لمن كان حاكما بين الناس فاحتجب عنهم لغير عذر لما في ذلك من تأخير إيصال الحقوق أو تضييعها واتفق العلماء على انه يستحب تقديم الاسبق فالاسبق والمسافر على المقيم ولا سيما ان خشي فوات الرفقة وان من اتخذ بوابا أو حاجبا أن يتخذه ثقة عفيفا أمينا عارفا حسن الاخلاق عارفا بمقادير الناس (0) قوله باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الامام الذي فوقه أي الذي ولاه من غير احتياج إلى استئذانه في خصوص ذلك ذكر فيه ثلاثة أحاديث الحديث الاول (6736) قوله حدثنا محمد بن خالد قال الحاكم والكلاباذي أخرج البخاري عن محمد بن يحيى الذهلي فلم يصرح به وانما يقول حدثنا محمد وتارة محمد بن عبد الله فينسبه لجده وتارة حدثنا محمد بن خالد فكأنه نسبه إلى جد أبيه لانه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس قلت ويؤيده انه وقع منسوبا في حديث آخر أخرجه عند الاكثر في الطب عن محمد بن خالد حدثنا محمد بن وهب بن عطية فوقع في رواية الاصيلي حدثنا محمد بن خالد الذهلي وكذا هو في نسخة الصغائي وأخرج بن الجارود الحديث المذكور عن محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن وهب المذكور وقال خلف في الاطراف هو محمد بن خالد بن جبلة الرافقي وتعقبه بن عساكر فقال عندي أنه الذهلي وقال المزي في التهذيب قول خلف انه الرافقي ليس بشئ قلت قد ذكر أبو أحمد بن عدي في شيوخ البخاري محمد بن خالد بن جبلة لكن عرفه بروايته عنه عن عبيد الله بن موسى والحديث الذي أشار إليه وقع في التوحيد لكن قال فيه حدثنا محمد بن خالد فقط ولم ينسبه لجده جبلة وهو بفتح الجيم والموحدة ولا لبلده الرافقة وهي بفاء ثم قاف وقد ذكر الدارقطني أيضا في شيوخ البخاري محمد بن خالد الرافقي وأخرج النسائي عنه فنسبه لجده فقال أخبرنا محمد بن جبلة فقال المزي في
[ 119 ]
ترجمته هو محمد بن خالد بن جبلة الرافقي وقد أخرج البخاري عن محمد بن خالد عن محمد بن موسى بن أعين حديثا فقال المزي في التهذيب قيل هو الرافقي وقيل هو الذهلي وهو أشبه وسقط محمد بن خالد من هذا السند من أطراف أبي مسعود فقال خ في الاحكام عن محمد بن عبد الله الانصاري نفسه عن أبيه قال المزي في الاطراف كذا قال أبو مسعود يعني والصواب ما وقع في جميع النسخ ان بين البخاري وبين الانصاري في هذا الحديث واسطة وهو محمد بن خالد المذكور وبه جزم خلف في الاطراف أيضا كما تقدم والله اعلم قلت ويؤيد كونه عن الذهلي أن الترمذي أخرجه في المناقب عن محمد بن يحيى وهو الذهلي به قوله حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري هكذا للاكثر وفي رواية أبي زيد المروزي حدثنا الانصاري محمد فقدم النسبة على الاسم ولم يسم أباه قوله حدثني أبي في رواية أبي زيد حدثنا وهو عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس وثمامة شيخه هو عم أبيه وقد أخرج البخاري عن الانصاري بلا واسطة عدة أحاديث في الزكاة والقصاص وغيرهما وروى عنه بواسطة في عدة في الاستسقاء وفي بدء الخلق وفي شهود الملائكة بدرا وغيرها قوله إن قيس بن سعد زاد في رواية المروزي بن عبادة وهو الانصاري الخزرجي الذي كان والده رئيس الخزرج وصنيع الترمذي يوهم انه قيس بن سعد بن معاذ فإنه أخرج حديث الباب في مناقب سعد بن معاذ فلا يغتر بذلك قوله كان يكون بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قال الكرماني فائدة تكرار لفظ الكون أراده بيان الدوام والاستمرار انتهى وقد وقع في رواية الترمذي وابن حبان والاسماعيلي وأبي نعيم وغيرهم من طرق عن الانصاري بلفظ كان قيس بن سعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فظهر ان ذلك من تصرف الرواة قوله بمنزلة صاحب الشرطة من الامير زاد الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن محمد بن مرزوق عن الانصاري لما ينفذ من أموره وهذه الزيادة مدرجة من كلام الانصاري بين ذلك الترمذي فإنه أخرج الحديث عن محمد بن مرزوق إلى قوله الامير ثم قال قال الانصاري لما يلي من أموره وقد خلت سائر الروايات عنها وقد ترجم بن حبان لهذا الحديث احتراز المصطفى من المشركين في مجلسه إذا دخلوا عليه وهذا يدل على انه فهم من الحديث ان ذلك وقع لقيس بن سعد على سبيل الوظيفة الراتبة وهو الذي فهمه الانصاري راوي الحديث لكن يعكر عليه ما زاده الاسماعيلي فقال حدثنا الهيثم بن خلف عن محمد بن المثنى عن الانصار حدثني أبي عن ثمامة قال الانصاري ولا أعلمه الا عن أنس قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم كان قيس بن سعد في مقدمته بمنزلة صاحب الشرطة من الامير فكلم سعد النبي صلى الله عليه وسلم في قيس ان يصرفه من الموضع الذي وضعه فيه مخافة ان يقدم على شئ فصرفه عن ذلك ثم أخرجه الاسماعيلي عن أبي يعلى ومحمد بن أبي سويد جميعا عن محمد بن المثنى عن الانصاري بمثل لفظ محمد بن مرزوق بدون الزيادة التي في آخره قال ولم يشك في كونه عن أنس قلت وكذا أخرجه بن حبان في صحيحه من طريق بشر بن آدم بن بنت السمان عن الانصاري لكن لم ينفرد الهيثم ولا شيخه محمد بن المثنى بالزيادة المذكورة فقد أخرجه بن منده في المعرفة عن محمد بن عيسى قال حدثنا أبو حاتم الرازي عن الانصاري بطوله فكأن القدر المحقق وصله من الحديث هو الذي اقتصر عليه البخاري وأكثر من أخرج الحديث واما الزيادة فكان الانصاري يتردد في وصلها وعلى تقدير ثبوتها فلم يقع ذلك لقيس بن سعد الا في تلك المرة ولم يستمر مع ذلك فيها والشرطة بضم المعجمة والراء
[ 120 ]
والنسبة إليها شرطي بضمتين وقد تفتح الراء فيهما هم أعوان الامير والمراد بصاحب الشرطة كبيرهم فقيل سموا بذلك لانهم رذالة الجند ومنه في حديث الزكاة ولا الشرطة اللئيمة أي ردئ المال وقيل لانهم الاشداء الاقوياء من الجند ومنه في حديث الملاحم وتشترط شرطة للموت أي متعاقدون على ان لا يفروا ولو ماتوا قال الازهري شرط كل شئ خياره ومنه الشرطة لانهم نخبة الجند وقيل هو أول طائفة تتقدم الجيش وتشهد الوقعة وقيل سموا شرطا لان لهم علامات يعرفون بها من هيئة وملبس وهو اختيار الاصمعي وقيل لانهم أعدوا أنفسهم لذلك يقال أشرط فلان نفسه لامر كذا إذا أعدها قاله أبو عبيد وقيل مأخوذ من الشريط وهو الحبل المبرم لما فيه من الشدة وقد استشكلت مطابقة الحديث للترجمة فأشار الكرماني إلى انها تؤخذ من قوله دون الحاكم لان معناه عند وهذا جيد ان ساعدته اللغة وعلى هذا فكأن قيسا كان من وظيفته ان يفعل ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بأمره سواء كان خاصا أم عاما قال الكرماني ويحتمل ان تكون دون بمعنى غير قال وهو الذي يحتمله الحديث الثاني لا غير قلت فيلزم ان يكون استعمل في الترجمة دون في معنيين وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده لان صاحب الشرطة لم يكن موجودا في العهد النبوي عند أحد من العمال وانما حدث في دولة بني أمية فأراد أنس تقريب حال قيس بن سعد عند السامعين فشبهه بما يعهدونه الحديث الثاني (6737) رضي الله تعالى عنه قوله عن أبي موسى ان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه واتبعه بمعاذ هذه قطعة من حديث طويل تقدم في استتابة المرتدين بهذا السند وأوله أقبلت ومعي رجلان من الاشعريين الحديث وفيه بعد قوله لا نستعمل على عملنا من أراده ولكن اذهب أنت يا أبا موسى ثم اتبعه معاذ بن جبل وفيه قصة اليهودي الذي أسلم ثم ارتد وهي التي اقتصر عليها هنا بعد هذا الحديث الثالث (6738) قوله محبوب بمهملة وموحدتين بن الحسن بن هلال بصري واسمه محمد ومحبوب لقب له وهو به أشهر وهو مختلف في الاحتجاج به وليس له في البخاري سوى هذا الموضع وهو في حكم المتابعة لانه تقدم في استتابة المرتدين من وجه آخر عن حميد بن هلال قوله حدثنا خالد هو الحذاء قوله ان رجلا أسلم ثم تهود قد تقدم شرحه هناك مستوفى قوله لا أجلس حتى أقتله قضاء الله ورسوله قد تقدم هناك فأمر به فقتل وبذلك يتم مراد الترجمة والرد على من زعم ان الحدود لا يقيمها عمال البلاد الا بعد مشاورة الامام الذي ولاهم قال بن بطال اختلف العلماء في هذا الباب فذهب الكوفيون إلى ان القاضي حكمه حكم الوكيل لا يطلق يده الا فيما اذن له فيه وحكمه عند غيرهم حكم الوصي له التصرف في كل شئ ويطلق يده على النظر في جميع الاشياء الا ما استثنى ونقل الطحاوي عنهم ان الحدود لا يقيمها الا أمراء الامصار ولا يقيمها عامل السواد ولا نحوه ونقل بن القاسم لا تقام الحدود في المياه بل تجلب إلى الامصار ولا يقام القصاص في القتل في مصر كلها الا بالفسطاط يعني لكونها منزل متولي مصر قال أو يكتب الي والى الفسطاط بذلك أي يستأذنه وقال أشهب بل من فوض له الوالي ذلك من عمال المياه جاز له ان يفعله وعن الشافعي نحوه قال بن بطال والحجة في الجواز حديث معاذ فإنه قتل المرتد دون ان يرفع أمره إلى النبي صلى الله عليه وسلم (0) قوله باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان في رواية الكشميهني الحاكم ذكر فيه ثلاثة أحاديث أحدهما (6739) قوله كتب أبو بكرة يعني والد عبد الرحمن الراوي المذكور قوله
[ 121 ]
إلى ابنه كذا وقع هنا غير مسمى ووقع في أطراف المزي إلى ابنه عبيد الله وقد سمي في رواية مسلم ولكن بغير هذا اللفظ أخرجه من طريق أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن قال كتب أبي وكتبت له إلى عبيد الله بن أبي بكرة ووقع في العمدة كتب أبي وكتبت له إلى ابنه عبيد الله وقد سمي الخ وهو موافق لسياق مسلم الا انه زاد لفظ ابنه قيل معناه كتب أبو بكرة بنفسه مرة وأمر ولده عبد الرحمن ان يكتب لاخيه فكتب له مرة أخرى قلت ولا يتعين ذلك بل الذي يظهر ان قوله كتب أبي أي أمر بالكتابة وقوله وكتبت له أي باشرت الكتابة التي أمر بها والاصل عدم التعدد ويؤيده قوله في المتن المكتوب اني سمعت فان هذه العبارة لابي بكرة لا لابنه عبد الرحمن فإنه لا صحبة له وهو أول مولود ولد بالبصرة كما تقدم في الكلام على قول أبي بكرة لو دخلوا على ما بهشت لهم بقصبة قوله وكان بسجستان في رواية مسلم وهو قاض بسجستان وهي جملة حالية وسجستان بكسر المهملة والجيم على الصحيح بعدهما مثناة ساكنة وهي إلى جهة الهند بينها وبين كرمان مائة فرسخ منها أربعون فرسخا مفازة ليس فيها ماء وينسب إليها سجستاني وسجزتي بزاي بدل السين الثانية والتاء وهو على غير قياس وسجستان لا تصرف للعلمية والعجمية أو زيادة الالف والنون قال بن سعد في الطبقات كان زياد في ولايته على العراق قرب أولاد أخيه لامه أبي بكرة وشرفهم وأقطعهم وولى عبيد الله بن أبي بكرة سجستان قال ومات أبو بكرة في ولاية زياد قوله أن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان في رواية مسلم ان لا تحكم قوله لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان وفي رواية مسلم لا يحكم أحد والباقي سواء وفي رواية الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير بسنده لا يقضي القاضي أو لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان ولم يذكر القصة والحكم بفتحتين هو الحاكم وقد يطلق على القيم بما يسند إليه قال المهلب سبب هذا النهي ان الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق فمنع وبذلك قال فقهاء الامصار وقال بن دقيق العيد فيه النهي عن الحكم حالة الغضب لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه قال وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغله عن استيفاء النظر وهو قياس مظنة على مظنة وكأن الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره وقد أخرج البيهقي بسند ضعيف عن أبي سعيد رفعه لا يقض القاضي الا وهو شبعان ريان وقول الشيخ وهو قياس مظنة على مظنة صحيح وهو استنباط معنى دل عليه النص فإنه لما نهى عن الحكم حالة الغضب فهم منه ان الحكم لا يكون الا في حالة استقامة الفكر فكانت علة النهي المعنى المشترك وهو تغير الفكر والوصف بالغضب يسمى علة بمعنى انه مشتمل عليه فالحق ما في معناه كالجائع قال الشافعي في الام أكره للحاكم ان يحكم وهو جائع أو تعب أو مشغول القلب فان ذلك يغير القلب فرع لو خالف فحكم في حال الغضب صح ان صادف الحق مع الكراهة هذا قول الجمهور وقد تقدم انه صلى الله عليه وسلم قضى للزبير بشراح الحرة بعد ان اغضبه خصم الزبير لكن لا حجة فيه لرفع الكراهة عن غيره لعصمته صلى الله عليه وسلم فلا يقول في الغضب الا كما يقول في الرضى قال النووي في حديث اللقطة فيه جواز الفتوى في حال
[ 122 ]
الغضب وكذلك الحكم وينفذ ولكنه مع الكراهة في حقنا ولا يكره في حقه صلى الله عليه وسلم لانه لا يخاف عليه في الغضب ما يخاف على غيره وأبعد من قال يحمل على انه تكلم في الحكم قبل وصوله في الغضب إلى تغير الفكر ويؤخذ من الاطلاق انه لا فرق بين مراتب الغضب ولا أسبابه وكذا أطلقه الجمهور وفصل امام الحرمين والبغوي فقيدا الكراهية بما إذا كان الغضب لغير الله واستغرب الروياني هذا التفصيل واستبعده غيره لمخالفته لظواهر الحديث وللمعنى الذي لاجله نهي عن الحكم حال الغضب وقال بعض الحنابلة لا ينفذ الحكم في حال الغضب بثبوت النهي عنه والنهي يقتضي الفساد وفصل بعضهم بين ان يكون الغضب طرأ عليه بعد ان استبان له الحكم فلا يؤثر والا فهو محل الخلاف وهو تفصيل معتبر وقال بن المنير ادخل البخاري حديث أبي بكرة الدال على المنع ثم حديث أبي مسعود الدال على الجواز تنبيها منه على طريق الجمع بأن يجعل الجواز خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم لوجود العصمة في حقه والامن من التعدي أو ان غضبه انما كان للحق فمن كان في مثل حاله جاز والا منع وهو كما قيل في شهادة العدو ان كانت دنيوية ردت وان كانت دينية لم ترد قاله بن دقيق العيد وغيره وفي الحديث ان الكتابة بالحديث كالسماع من الشيخ في وجوب العمل واما في الرواية فمنع منها قوم إذا تجردت عن الاجازة والمشهور الجواز نعم الصحيح عند الاداء الا يطلق الاخبار بل يقول كتب الي أو كاتبني أو أخبرني في كتابه وفيه ذكر الحكم مع دليله في التعليم ويجيئ مثله في الفتوى وفيه شفقة الاب على ولده واعلامه بما ينفعه وتحذيره من الوقوع فيما ينكر وفيه نشر العلم للعمل به والاقتداء وان لم يسأل العالم عنه الحديث الثاني (6740) قوله عبد الله هو بن المبارك قوله جاء رجل تقدم في باب تخفيف الامام من أبواب الامامة انه لم يسم ووهم من قال انه حزم بن كعب وان المراد هنا بفلان هو معاذ بن جبل وتقدم شرح الحديث هناك مستوفى وتقدم القول في الغضب في باب الغضب في الموعظة من كتاب العلم الحديث الثالث حديث بن عمر في طلاق امرأته وهي حائض (6741) قوله يونس هو بن يزيد الايلي قوله فتغيظ فيه وفي رواية الكشميهني عليه والضمير في قوله فيه يعود للفعل المذكور وهو الطلاق الموصوف وفي عليه للفاعل وهو بن عمر وقد تقدم الحديث مشروحا في كتاب الطلاق (0) قوله باب من رأى للقاضي ان يحكم بعلمه في أمر الناس إذا لم يخف الظنون والتهمة أشار إلى قول أبي حنيفة ومن وافقه ان للقاضي ان يحكم بعلمه في حقوق الناس وليس له ان يقضي بعلمه في حقوق الله كالحدود لانها مبنية على المسامحة وله في حقوق الناس تفصيل قال ان كان ما علمه قبل ولايته لم يحكم لانه بمنزلة ما سمعه من الشهود وهو غير حاكم بخلاف ما علمه في ولايته وأما قوله إذا لم يخف الظنون والتهمة فقيد به قول من أجاز للقاضي ان يقضي بعلمه لان الذين منعوا ذلك مطلقا اعتلوا بأنه غير معصوم فيجوز ان تلحقه التهمة إذا قضى بعلمه ان يكون حكم لصديقه على عدوه فحسمت المادة فجعل المصنف محل الجواز ما إذا لم يخف الحاكم الظنون والتهمة وأشار إلى انه يلزم من المنع من أجل حسم المادة ان يسمع مثلا رجلا طلق امرأته طلاقا بائنا ثم رفعته إليه فأنكر فإذا حلفه فحلف لزم ان يديمه على فرج حرام فيفسق به فلم يكن له بد من ان لا يقبل قوله ويحكم عليه بعلمه فان خشي التهمة فله أن يدفعه ويقيم شهادته عليه عند حاكم آخر وسيأتي مزيد لذلك
[ 123 ]
في باب الشهادة تكون عند الحاكم وقال الكرابيسي الذي عندي ان شرط جواز الحكم بالعلم ان يكون الحاكم مشهورا بالصلاح والعفاف والصدق ولم يعرف بكبير زلة ولم يؤخذ عليه خربة بحيث تكون أسباب التقى فيه موجودة واسباب التهم فيه مفقودة فهذا الذي يجوز له ان يحكم بعلمه مطلقا قلت وكأن البخاري أخذ ذلك عنه فإنه من مشايخه قوله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف هذا اللفظ وصله المؤلف في النفقات من طريق هشام بن عروة عن أبيه وقد ساق القصة في هذا الباب بغير هذا اللفظ من طريق الزهري عن عروة وقوله وذلك إذا كان أمرا مشهورا هذا تفسير قول من قال يقضي بعلمه مطلقا ويحتمل ان يكون المراد المشهور الشئ المأمور بأخذه ثم ذكر قصة هند بنت عتبة (6742) قوله ما كان على ظهر الارض أهل خباء أحب الخ تقدم في السيرة النبوية في المناقب والكلام عليه وتقدم شرح ما تضمنه الحديث المذكور في كتاب النفقات وفيه بيان استدلال من استدل به على جواز حكم الحاكم بعلمه ورد قول المستدل به على الحكم على الغائب قال بن بطال احتج من أجاز للقاضي ان يحكم بعلمه بحديث الباب فإنه صلى الله عليه وسلم قضى لها بوجوب النفقة لها ولولدها لعلمه بأنها زوجة أبي سفيان ولم يلتمس على ذلك بينة ومن حيث النظر ان علمه أقوى من الشهادة لانه يتيقن ما علمه والشهادة قد تكون كذبا وحجة من منع قوله في حديث أم سلمة انما أقضي له بما أسمع ولم يقل بما أعلم وقال للحضرمي شاهداك أو يمينه وفيه وليس لك الا ذلك ولما يخشى من قضاة السوء ان يحكم أحدهم بما شاء ويحيل على علمه احتج من منع مطلقا بالتهمة واحتج من فصل بأن الذي علمه الحاكم قبل القضاء كان على طريق الشهادة فلو حكم به لحكم بشهادة نفسه فصار بمنزلة من قضى بدعواه على غيره وأيضا فيكون كالحاكم بشاهد واحد وقد تقدم له تعليل آخر واما في حال القضاء ففي حديث أم سلمة فانما أقضي له على نحو ما أسمع ولم يفرق بين سماعه من شاهد أو مدع وسيأتي تفصيل المذاهب في الحكم بالعلم في باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء وقال بن المنير لم يتعرض بن بطال لمقصود الباب وذلك ان البخاري احتج لجواز الحكم بالعلم بقصة هند فكان ينبغي للشارح ان يتعقب ذلك بأن لا دليل فيه لانه خرج مخرج الفتيا وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة انهاء المستفتى فكأنه قال ان ثبت انه يمنعك حقك جاز لك استيفاؤه مع الامكان قال وقد أجاب بعضهم بأن الاغلب من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم الحكم والالزام فيجب تنزيل لفظه عليه لكن يرد عليه انه صلى الله عليه وسلم ما ذكر في قصة هند انه يعلم صدقها بل ظاهر الامر انه لم يسمع هذه القصة الا منها فكيف يصح الاستدلال به على حكم الحاكم بعلمه قلت وما ادعى نفيه بعيد فإنه لو لم يعلم صدقها لم يأمرها بالاخذ واطلاعه على صدقها ممكن بالوحي دون من سواه فلا بد من سبق علم ويؤيد اطلاعه على حالها من قبل ان تذكر ما ذكرت من المصاهرة ولانه قبل قولها انها زوجة أبي سفيان بغير بينة واكتفي فيه بالعلم ولانه لو كانت فتيا لقال مثلا تأخذ فلما اتى بصيغة الامر بقوله خذي دل على الحكم وسيأتي لهذا مزيد في باب القضاء على الغائب ثم قال بن المنير أيضا لو كان حكما لاستدعى معرفة المحكوم به والواقع ان المحكوم به غير معين كذا قال والله أعلم (0) قوله باب الشهادة على الخط المختوم كذا للاكثر بمعجمة ثم مثناة وفي رواية الكشميهني المحكوم بمهملة ثم كاف أي المحكوم به
[ 124 ]
وسقطت هذه اللفظة لابن بطال ومراده هل تصح الشهادة على الخط أي بأنه خط فلان وقيد بالمختوم لانه أقرب إلى عدم التزوير على الخط قوله وما يجوز من ذلك وما يضيق عليه يريد ان القول بذلك لا يكون على التعميم اثباتا ونفيا بل لا يمنع ذلك مطلقا فتضيع الحقوق ولا يعمل بذلك مطلقا فلا يؤمن فيه التزوير فيكون جائزا بشروط قوله وكتاب الحاكم على عامله والقاضي إلى القاضي يشير إلى الرد على من أجاز الشهادة على الخط ولم يجزها في كتاب القاضي وكتاب الحاكم وسيأتي بيان من قاله والبحث معه فيه قوله وقال بعض الناس كتاب الحاكم جائز الا في الحدود ثم قال ان كان القتل خطأ فهو جائز لان هذا مال بزعمه وانما صار مالا بعد ان ثبت القتل قال بن بطال حجة البخاري على من قال ذلك من الحنفية واضحة لانه إذا لم يجز الكتاب بالقتل فلا فرق بين الخطأ والعمد في أول الامر وانما يصير مالا بعد الثبوت عند الحاكم والعمد أيضا ربما آل إلى المال فاقتضى النظر التسوية قوله وقد كتب عمر إلى عامله في الحدود في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني في الجارود بجيم خفيفة وبعد الالف راء مضمومة وهو بن المعلى ويقال بن عمرو بن المعلى العبدي ويقال كان اسمه بشرا والجارود لقبه وكان الجارود المذكور قد أسلم وصحب ثم رجع إلى البحرين فكان بها وله قصة مع قدامة بن مظعون عامل عمر على البحرين أخرجها عبد الرازق من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة قال استعمل عمر قدامة بن مظعون فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر فقال ان قدامة شرب فسكر فكتب عمر إلى قدامة في ذلك فذكر القصة بطولها في قدوم قدامة وشهادة الجارود وأبي هريرة عليه وفي احتجاج قدامة بآية المائدة وفي رد عمر عليه وجلده الحد وسندها صحيح وقد تقدم في آخر الحدود ونزول الجارود البصرة بعد ذلك واستشهد في خلافة عمر سنة عشرين قوله وكتب عمر بن عبد العزيز في سن كسرت وصله أبو بكر الخلال في كتاب القصاص والديات من طريق عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق عن أبيه قال كتب إلى عمر بن عبد العزيز كتابا أجاز فيه شهادة رجل على سن كسرت قوله وقال إبراهيم كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف الكتاب والخاتم وصله بن أبي شيبة عن عيسى ابن يونس عن عبيدة عن إبراهيم قوله وكان الشعبي يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضي وصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق عيسى بن أبي عزة قال كان عامر يعني الشعبي يجيز الكتاب المختوم يجيئه من القاضي وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر عن الشعبي قال لا يشهد ولو عرف الكتاب والخاتم حتى يذكر ويجمع بينهما بان الاول إذا كان من القاضي إلى القاضي والثاني في حق الشاهد قوله ويروى عن بن عمر نحوه قلت لم يقع لي هذا الاثر عن بن عمر إلى الآن قوله وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي هو المعروف بالضال بضاد معجمة ولام ثقيلة سمي بذلك لانه ضل في طريق مكة قاله عبد الغني بن سعيد المصري ووثقه أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي ومات سنة ثمانين ومائة وكان معمرا أدرك أبا رجاء العطاردي وقد وصل أثره هذا وكيع في مصنفة عنه قوله شهدت أي حضرت عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة وهو الليثي تابعي ثقة وكان يزيد بن هبيرة ولاه قضاء البصرة لما ولي امارتها من قبل يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر ذلك عمر بن شبة في أخبار البصرة وقال انه مات وهو على القضاء وأرخه بن حبان في الثقات سنة مائة فوهم وذكر بن سعد انه كان قاضيا قبل الحسن ومات في خلافة عمر بن عبد العزيز
[ 125 ]
والصواب بعد الحسن وقول عمر بن شبة هو المعتمد وان بن هبيرة هو الذي ولاه ومات على القضاء بعد ذلك بعد المائة بسنتين أو ثلاثة ويقال بل عاش إلى خلافة هشام بن عبد الملك فعزله خالد بن عبد الله القسري وولى ثمامة بن عبد الله بن أنس قوله وإياس بن معاوية بكسر الهمزة وتخفيف التحتانية هو المزني المعروف بالذكاء وكان قد ولي قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز ولاه عدي بن أرطاة عامل عمر عليها بعد امتناعه منه وله في ذلك أخبار منها ما ذكره الكرابيسي في أدب القضاء قال حدثنا عبيد الله بن عائشة حدثنا عبد الله بن عمر القيسي قال قالوا لاياس لما امتنع من الولاية يا أبا واثلة اختر لنا قال لا اتقلد ذلك قيل له لو وجدت رجلا ترضاه أكنت تشير به قال نعم قيل وترضى له ان يلي إذا كان رضا قال نعم قيل له فإنك خيار رضا فلم يزالوا به حتى ولي قلت ثم وقع بينهما فركب إياس إلى عمر بن عبد العزيز فبادر عدي فولى الحسن البصري القضاء فكتب عمر ينكر على عدي ما ذكره عنه إياس ويوفق صنعه في تولية الحسن القضاء ذكر ذلك عمر بن شبة ومات إياس سنة اثنتين وعشرين ومائة وهو ثقة عند الجميع قوله والحسن هو بن أبي الحسن البصري الامام المشهور وكان ولي قضاء البصرة مدة لطيفة ولاه عدي أميرها لما ذكرنا ومات الحسن سنة عشر ومائة قوله وثمامة بن عبد الله بن أنس هو الراوي المشهور وكان تابعيا ثقة ناب في القضاء بالبصرة عن أبي بردة ثم ولي قضاء البصرة أيضا في أوائل خلافة هشام بن عبد الملك ولاه خالد القسري سنة ست ومائة وعزله سنة عشر وقيل سنة تسع وولى بلال بن أبي بردة ومات ثمامة بعد ذلك قوله وبلال بن أبي بردة أي بن أبي موسى الاشعري وكان صديق خالد بن عبد الله القسري فولاه قضاء البصرة لما ولي امرتها من قبل هشام بن عبد الملك وضم إليه الشرطة فكان أميرا قاضيا ولم يزل قاضيا إلى ان قتله يوسف بن عمر الثقفي لما ولي الامرة بعد خالد وعذب خالدا وعماله ومنهم بلال وذلك في سنة عشرين ومائة ويقال انه مات في حبس يوسف وقد أخرج له الترمذي حديثا واحدا ولم يكن محمودا في أحكامه ويقال انه كان يقول ان الرجلين ليختصمان الي فاجد أحدهما اخف على قلبي فأقضي له ذكر ذلك أبو العباس المبرد في الكامل قوله وعبد الله بن بريدة الاسلمي هو التابعي المشهور وكان ولي قضاء مرو بعد أخيه سليمان سنة خمس عشرة ومائة إلى ان مات وهو على قضائها سنة خمس عشرة ومائة وذلك في ولاية أسد بن عبد الله القسري على خراسان وهو أخو خالد القسري وحديث عبد الله بن بريدة بن الخصيب هذا في الكتب الستة قوله وعامر بن عبدة هو بفتح الموحدة وقيل بسكونها ذكره بن ماكولا بالوجهين وقيل فيه أيضا عبيدة بكسر الموحدة وزيادة ياء وجميع من في البخاري بالسكون الا بحالة بن عبدة المقدم ذكره في كتاب الجزية فإنه بالتحريك وعامر هو البجلي أبو إياس الكوفي ووثقه بن معين وغيره وهو من قدماء التابعين له رواية عن بن مسعود وروى عنه المسيب بن رافع وأبو إسحاق وحديثه عند النسائي وكان ولي القضاء بالكوفة مرة وعمر قوله وعباد بن منصور أي الناجي بالنون والجيم يكنى أبا سلمة بصري قال أبو داود ولي قضاء البصرة خمس مرات وذكر عمر بن شبة انه أول ما ولي سنة سبع وعشرين ولاه يزيد بن عمر بن هبيرة فلما عزل وولى مسلم بن قتيبة عزله وولى معاوية بن عمرو ثم استعفى فأعفاه مسلم وأعاد عباد بن منصور وكان عباد يرمي بالقدر ويدلس فضعفوه بسب ذلك ويقال انه تغير وحديثه في السنن الاربعة وعلق له
[ 126 ]
البخاري شيئا ومات سنة اثنتين وخمسين ومائة قوله يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود الخ يعني قوله فالتمس المخرج وهو بفتح الميم وسكون المعجمة وآخره جيم اطلب الخروج من عهدة ذلك اما بالقدح في البينة بما يقبل فتبطل الشهادة واما بما يدل على البراءة من المشهود به قوله وأول من سأل على كتاب القاضي البينة بن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة وامامها وليها في زمن يوسف بن عمر الثقفي في خلافة الوليد بن يزيد ومات سنة ثمان وأربعين ومائة وهو صدوق اتفقوا على ضعف حديثه من قبل سوء حفظه وقال الساجي كان يمدح في قضائه فاما في الحديث فليس بحجة وقال أحمد فقه بن أبي ليلى أحب الي من حديثه وحديثه في السنن الاربعة وأغفل المزي ان يعلم له في التهذيب علامة تعليق البخاري كما اغفل أن يترجم لسوار بن عبد الله المذكور بعده أصلا مع انه اعلم لكل من ذكره معاوية بن عبد الكريم هنا ممن لم يخرج له شيئا موصولا قوله وسوار بن عبد الله بفتح المهملة وتشديد الواو وهو العنبري نسبة إلى بني العنبر من بني تميم قال بن حبان في الثقات كان فقيها ولاه المنصور قضاء البصرة سنة ثمان وثلاثين ومائة فبقي على قضائها إلى ان مات في ذي القعدة سنة ست وخمسين وحفيده سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله ولي قضاء الرصافة ببغداد والجانب الشرقي وحديثه في السنن الثلاثة ومات سنة خمس وأربعين ومائتين قوله وقال لنا أبو نعيم هو الفضل بن دكين قوله حدثنا عبيد الله بالتصغير ابن محرز بضم الميم وسكون المهملة وكسر الراء بعدها زاي هو كوفي ما رأيت له راويا غير أبي نعيم وما له في البخاري سوى هذا الاثر ولم يزد المزي في ترجمته على ما تضمنه هذا الاثر قوله جئت بكتاب من موسى بن أنس قاضي البصرة أي بن مالك التابعي المشهور وكان ولي قضاء البصرة في ولاية الحكم بن أيوب الثقفي وهو ثقة حديثه في الكتب الستة وقال بن حبان في الثقات مات بعد أخيه النضر بالبصرة وكانت وفاة النضر قبل وفاة الحسن البصري سنة ثمان أو تسع ومائة قوله فجئت به القاسم بن عبد الرحمن أي بن عبد الله بن مسعود المسعودي يكنى أبا عبد الرحمن وقال العجلي ثقة وكان على قضاء الكوفة زمن عمر بن عبد العزيز وكان لا يأخذ علي القضاء أجرا وكان ثقة صالحا وهو تابعي قال بن المديني لم يلق من الصحابة الا جابر بن سمرة ويقال انه مات سنة ست عشرة ومائة قوله فأجازه بجيم وزاي أي امضاه وعمل به تنبيه وقع في المغني لابن قدامة يشترط في قول أئمة الفتوى أن يشهد بكتاب القاضي إلى القاضي شاهدان عدلان ولا تكفي معرفة خط القاضي وختمه وحكى عن الحسن وسوار والحسن العنبري انهم قالوا إذا كان يعرف خطه وختمه قبله وهو قول أبي ثور قلت وهو خلاف ما نقله البخاري عن سوار انه أول من سأل البينة وينضم إلى من ذكرهم بن قدامة سائر من ذكرهم البخاري من قضاة الامصار من التابعين فمن بعدهم قوله وكره الحسن هو البصري وأبو قلابة هو الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء قوله ان يشهد بفتح أوله والفاعل محذوف أي الشاهد قوله على وصية حتى يعلم ما فيها اما أثر الحسن فوصله الدارمي من رواية هشام بن حسان عنه قال لا تشهد على وصية حتى تقرأ عليك ولا تشهد على من لا تعرف وأخرجه سعيد بن منصور من طريق يونس بن عبيد عن الحسن نحوه واما أثر أبي قلابة فوصله بن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان جميعا من طريق حماد بن زيد عن أيوب قال قال
[ 127 ]
أبو قلابة في الرجل يقول اشهدوا على ما في هذه الصحيفة قال لا حتى يعلم ما فيها زاد يعقوب وقال لعل فيها جورا وفي هذه الزيادة بيان السبب في المنع المذكور وقد وافق الداودي من المالكية هذا القول فقال هذا هو الصواب انه لا يشهد على وصية حتى يعرف ما فيها وتعقبه بن التين بأنها إذا كان فيها جور لم يمنع التحمل لان الحاكم قادر على رده إذا أوجب حكم الشرع رده وما عداه يعمل به فليس خشية الجور فيها مانعا من التحمل وانما المانع الجهل بما يشهد به قال ووجه الجور ان كثيرا من الناس يرغب في اخفاء أمره لاحتمال ان لا يموت فيحتاط بالاشهاد ويكون حاله مستمرا على الاخفاء قوله وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل خيبر الخ هذا طرف من حديث سهل بن أبي حثمة في قصة حويصة ومحيصة وقتل عبد الله بن سهل بخيبر وقد تقدم شرحه مستوفى في الديات في باب القسامة ويأتي بهذا اللفظ في باب كتابة الحاكم إلى عماله بعد أحد وعشرين بابا قوله وقال الزهري في الشهادة على المرأة من الستر أي من ورائه قوله ان عرفتها فاشهد وصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق جعفر بن برقان عن الزهري بنحوه ومقتضاه انه لا يشترط ان يراها حالة الاشهاد بل يكفي ان يعرفها بأي طريق فرض وفي ذلك خلاف أشير إليه في كتاب الشهادات (6743) رحمه اللهقوله لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم ان يكتب إلى الروم كان ذلك في سنة ست كما تقدم بيانه في شرح حديث أبي سفيان الطويل المذكور في بدء الوحي قوله قالوا انهم لا يقرءون كتابا الا مختوما لم أعرف اسم القائل بعينه قوله فاتخذ خاتما الخ تقدم شرحه مستوفي في أواخر اللباس وجملة ما تضمنته هذه الترجمة بآثارها ثلاثة أحكام الشهادة على الخط وكتاب القاضي إلى القاضي والشهادة على الاقرار بما في الكتاب وظاهر صنيع البخاري جواز جميع ذلك فاما الحكم الاول فقال بن بطال اتفق العلماء على ان الشهادة لا تجوز للشاهد إذا رأى خطه الا إذا تذكر تلك الشهادة فان كان لا يحفظها فلا يشهد فإنه من شاء انتقش خاتما ومن شاء كتب كتابا وقد فعل مثله في أيام عثمان في قصة مذكورة في سبب قتله وقد قال الله تعالى الا من شهد بالحق وهم يعلمون وأجاز مالك الشهادة على الخط ونقل بن شعبان عن بن وهب انه قال لا آخذ بقول مالك في ذلك وقال الطحاوي خالف مالكا جميع الفقهاء في ذلك وعدوا قوله في ذلك شذوذا لان الخط قد يشبه الخط وليست شهادة على قول منه ولا معاينة وقال محمد بن الحارث الشهادة على الخط خطأ فقد قال مالك في رجل قال سمعت فلانا يقول رأيت فلانا قتل فلانا أو طلق امرأته أو قذف لا يشهد على شهادته الا ان أشهده قال فالخط ابعد من هذا وأضعف قال والشهادة على الخط في الحقيقة استشهاد الموتى وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم لا يقضي في دهرنا بالشهادة على الخط لان الناس قد أحدثوا ضروبا من الفجور وقد قال مالك يحدث للناس أقضية على نحو ما احدثوا من الفجور وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم القاضي ثم رأى مالك ان ذلك لا يجوز فهذه أقوال جماعة من أئمة المالكية توافق الجمهور وقال أبو علي الكرابيسي في كتاب أدب القضاء له أجاز الشهادة على الخط قوم لا نظر لهم فان الكتاب يشبهون الخط بالخط حتى يشكل ذلك على أعلمهم انتهى وإذا كان هذا في ذلك العصر فكيف بمن جاء بعدهم وهم أكثر مسارعة إلى الشر ممن مضى وادق نظرا فيه وأكثر هجوما عليه وأما الحكم الثاني فقال بن بطال اختلفوا في كتب القضاة فذهب الجمهور إلى الجواز
[ 128 ]
واستثنى الحنفية الحدود وهو قول الشافعي والذي احتج به البخاري على الحنفية قوي لانه لم يصر مالا الا بعد ثبوت القتل قال وما ذكره عن القضاة من التابعين من إجازة ذلك حجتهم فيه ظاهرة من الحديث لان النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى الملوك ولم ينقل أنه أشهد أحدا على كتابه قال ثم أجمع فقهاء الامصار على ما ذهب إليه سوار وابن أبي ليلى من اشتراط الشهود لما دخل الناس من الفساد فاحتيط للدماء والاموال وقد روى عبد الله بن نافع عن مالك قال كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتيم حتى ان القاضي ليكتب للرجل الكتاب فما يزيد على ختمه فيعمل به حتى اتهموا فصار لا يقبل الا بشاهدين واما الحكم الثالث فقال بن بطال اختلفوا إذا أشهد القاضي شاهدين على ما كتبه ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه فقال مالك يجوز ذلك وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز لقوله تعالى وما شهدنا الا بما علمنا قال وحجة مالك أن الحاكم إذا أقر أنه كتابه فالغرض من الشهادة عليه أن يعلم القاضي المكتوب إليه ان هذا كتاب القاضي إليه وقد يثبت عند القاضي من أمور الناس ما لا يحب ان يعلمه كل أحد كالوصية إذا ذكر الموصي ما فرط فيه مثلا قال وقد أجاز مالك أيضا أن يشهدا على الوصية المختومة وعلى الكتاب المطوي ويقولان للحاكم نشهد على اقراره بما في هذا الكتاب والحجة في ذلك كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عماله من غير ان يقرأها على من حملها وهي مشتملة على الاحكام والسنن وقال الطحاوي يستفاد من حديث أنس ان الكتاب إذا لم يكن مختوما فالحجة بما فيه قائمة لكونه صلى الله عليه وسلم أراد ان يكتب إليهم وانما اتخذ الخاتم لقولهم انهم لا يقبلون الكتاب الا إذا كان مختوما فدل على ان كتاب القاضي حجة مختوما كان أو غير مختوم واختلف في الحكم بالخط المجرد كأن يرى القاضي خطه بالحكم فيطلب منه المحكوم له العمل به فالاكثر ليس له ان يحكم حتى يتذكر الواقعة كما في الشاهد وهو قول الشافعي وقيل ان كان المكتوم في حرز الحاكم أو الشاهد منذ حكم فيه أو تحمل إلى ان طلب منه الحكم أو الشهادة جاز ولو لم يتذكر والا فلا وقيل إذا تيقن انه خطه ساغ له الحكم والشهادة وان لم يتذكر والاوسط اعدل المذاهب وهو قول أبي يوسف ومحمد ورواية عن أحمد رجحها كثير من اتباعه والاول قول مالك ورواية عن أحمد قال بن المنير لم يتعرض الشارح لمقصود الباب لان البخاري استدل على الخط بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الروم ولقائل ان يقول ان مضمون الكتاب دعاؤهم إلى الاسلام وذلك أمر قد اشتهر لثبوت المعجزة والقطع بصدقه فيما دعى إليه فلم يلزمهم بمجرد الخط فإنه عند القائل به انما يفيد ظنا والاسلام لا يكتفى فيه بالظن إجماعا فدل على ان العلم حصل بمضمون الخط مقرونا بالتواتر السابق على الكتاب فكان الكتاب كالتذكرة والتوكيد في الانذار مع ان حامل الكتاب قد يحتمل أن يكون اطلع على ما فيه وأمر بتبليغه والحق ان العمدة على أمره المعلوم مع قرائن الحال المصاحبة لحامل الكتاب ومسألة الشهادة على الخط مفروضة في الاكتفاء بمجرد الخط قال والفرق بين الشهادة على الخط وبين كتاب القاضي إلى القاضي في ان القائل بالاول أقل من القائل بالثاني تطرق الاحتمال في الاول وندوره في الثاني لبعد احتمال التزوير على القاضي ولا سيما حيث تمكن المراجعة ولذلك شاع العمل به فيما بين القضاة ونوابهم والله أعلم (0) قوله باب متى يستوجب الرجل القضاء أي متى يستحق ان يكون قاضيا قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في كتاب
[ 129 ]
آداب القضاء له لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافا ان أحق الناس ان يقض بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه قارئا لكتاب الله عالما بأكثر أحكامه عالما بسنن رسول الله حافظا لاكثرها وكذا أقوال الصحابة عالما بالوفاق والخلاف وأقوال فقهاء التابعين يعرف الصحيح من السقيم يتبع في النوازل الكتاب فان لم يجد فالسنن فان لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة فان اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسنة ثم بفتوى أكابر الصحابة عمل به ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم والمشاورة لهم مع فضل وورع ويكون حافظا للسانه وبطنه وفرجه فهما بكلام الخصوم ثم لا بد ان يكون عاقلا مائلا عن الهوى ثم قال وهذا وان كنا نعلم انه ليس على وجه الارض أحد يجمع هذه الصفات ولكن يجب ان يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم وقال المهلب لا يكفي في استحباب القضاء ان يرى نفسه أهلا لذلك بل ان يراه الناس أهلا لذلك وقال بن حبيب عن مالك لا بد ان يكون القاضي عالما عاقلا قال بن حبيب فان لم يكن علم فعقل وورع لانه بالورع يقف وبالعقل يسأل وهو إذا طلب العلم وجده وإذا طلب العقل لم يجده قال بن العربي واتفقوا على انه لا يشترط ان يكون غنيا والاصل قوله تعالى ولم يؤت سعة من المال قال ان الله اصطفاه عليكم الآية قال والقاضي لا يكون في حكم الشرع الا غنيا لان غناه في بيت المال فإذا منع من بيت المال واحتاج كان تولية من يكون غنيا أولى من تولية من يكون فقيرا لانه يصير في مظنة من يتعرض بتناول ما لا يجوز تناوله قلت وهذا قاله بالنسبة إلى الزمان الذي كان فيه ولم يدرك زمانه هذا الذي صار من يطلب القضاء فيه يصرح بأن سبب طلبه الاحتياج إلى ما يقوم بأوده مع العلم بأنه لا يحصل له شئ من بيت المال واتفقوا على اشتراط الذكورية في القاضي الا عن الحنفية واستثنوا الحدود وأطلق بن جرير وحجة الجمهور الحديث الصحيح ما أفلح قوم ولوا أمورهم امرأة وقد تقدم ولان القاضي يحتاج إلى كمال الرأي ورأي المرأة ناقص ولا سيما في محافل الرجال قوله وقال الحسن هو البصري قوله أخذ الله على الحكام ان لا يتبعوا الهوى ولا يخشوا الناس ولا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ثم قرأ يا داود انا جعلناك خليفة في الارض إلى يوم الحساب وقرأ انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور إلى قوله ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون قلت فأراد من آية يا داود قوله ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله وأراد من آية المائدة بقية ما ذكر وأطلق على هذه المناهي أمرا إشارة إلى ان النهي عن الشئ أمر بضده ففي النهي عن الهوى أمر بالحكم بالحق وفي النهي عن خشية الناس أمر بخشية الله ومن لازم خشية الله الحكم بالحق وفي النهي عن بيع آياته الامر باتباع ما دلت عليه وانما وصف الثمن بالقلة إشارة إلى انه وصف لازم له بالنسبة للعوض فإنه أغلى من جميع ما حوته الدنيا قوله بما استحفظوا استودعوا من كتاب الله الآية ثبت هذا للمستملي وهو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى بما استحفظوا من كتاب الله أي بما استودعوا استحفظته كذا استودعته إياه قوله وقرأ أي الحسن البصري المذكور وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إلى آخرها رويناه موصولا في حلية الاولياء لابي نعيم من رواية محمد بن إبراهيم الحافظ المعروف بمربع بموحدة ومهملة وزن محمد قال حدثنا سعيد هو بن سليمان الواسطي حدثنا أبو العوام هو عمران القطان عن قتادة عن الحسن وهو بن أبي الحسن البصري فذكره ومعنى أخذ الله على الحكام عهد إليهم
[ 130 ]
قوله فحمد سليمان ولم يلم داود ولولا ما ذكر الله من أمر هذين يعني داود وسليمان وقوله لرأيت في رواية الكشميهني لرويت ان القضاة هلكوا يعني لما تضمنته الآيتان الماضيتان ان من لم يحكم بما أنزل الله كافر فدخل في عمومه العامد والمخطئ وكذا قوله تعالى ان الذين يضلون عن سبيل الله يشمل العامد والمخطئ فاستدل بالآية الاخرى في قصة الحرث ان الوعيد خاص بالعامد فأشار إلى ذلك بقوله فإنه أثنى على هذا بعلمه أي بسبب علمه أي معرفته وفهمه وجه الحكم والحكم به وعذر بفتح الذال المعجمة هذا باجتهاده وروينا بعضه في تفسير بن أبي حاتم وفي المجالسة لابي بكر الدينوري وفي أمالي الصولي جميعا يزيد بعضهم على بعض من طريق حماد بن سلمة عن حميد الطويل قال دخلنا مع الحسن على إياس بن معاوية حين استقضى قال فبكى إياس وقال يا أبا سعيد يعني الحسن البصري المذكور يقولون القضاة ثلاثة رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار ورجل مال مع الهوى فهو في النار ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة فقال الحسن ان فيما قص الله عليك من نبأ سليمان ما يرد على من قال هذا وقرأ وداود وسليمان إذا يحكمان في الحرث إلى قوله شاهدين قال فحمد سليمان لصوابه ولم يذم داود لخطئه ثم قال ان الله اخذ على الحكام عهدا بأن لا يشتروا به ثمنا ولا يتبعوا فيه الهوى ولا يخشوا فيه أحدا ثم تلا يا داود انا جعلناك خليفة إلى آخر الآية قلت والحديث الذي أشار إليه إياس أخرجه أصحاب السنن من حديث بريدة ولكن عندهم الثالث قضى بغير علم وقد جمع طرقه في جزء مفرد وليس في شئ منها انه اجتهد فأخطأ وسيأتي حكم من اجتهد فأخطأ بعد أبواب واستدل بهذه القصة على ان للنبي ان يجتهد في الاحكام ولا ينتظر نزول الوحي لان داود عليه السلام على ما ورد اجتهد في المسألة المذكورة قطعا لانه لو كان قضى فيها بالوحي ما خص الله سليمان بفهمها دونه وقد اختلف من أجاز للنبي ان يجتهد هل يجوز عليه الخطأ في اجتهاده فاستدل من أجاز ذلك بهذه القصة وقد اتفق الفريقان على انه لو أخطأ في اجتهاده لم يقر على الخطأ وأجاب من منع الاجتهاد انه ليس في الآية دليل على ان داود اجتهد ولا أخطأ وانما ظاهرها ان الواقعة اتفقت فعرضت على داود وسليمان فقضى فيها سليمان لان الله فهمه حكمها ولم يقضي فيها داود بشئ ويرد على من تمسك بذلك بما ذكره أهل النقل في سورة هذه الواقعة وقد تضمن أثر الحسن المذكور انهما جميعا حكما وقد تعقب بن المنير قول الحسن البصري ولم يذم داود بان فيه نقصا لحق داود وذلك ان الله تعالى قد قال وكلا آتينا حكما وعلما فجمعهما في الحكم والعلم وميز سليمان بالفهم وهو علم خاص زاد على العام بفصل الخصومة قال والاصح في الواقعة ان داود أصاب الحكم وسليمان أرشد إلى الصلح ولا يخلو قوله تعالى وكلا آتينا حكما وعلما ان يكون عاما أو في واقعة الحرث فقط وعلى التقدرين يكون اثنى على داود فيها بالحكم والعلم فلا يكون من قبيل عذر المجتهد إذا أخطأ لان الخطأ ليس حكما ولا علما وانما هو ظن غير مصيب وان كان في غير الواقعة فلا يكون تعالى أخبر في هذه الواقعة بخصوصها عن داود بأصابة ولا خطأ وغايته انه أخبر بتفهيم سليمان ومفهومه لقب والاحتجاج به ضعيف فلا يقال فهمها سليمان دون داود وانما خص سليمان بالتفهيم لصغر سنه فيستغرب ما يأتي به قلت ومن تأمل ما نقل في القصة ظهر له ان الاختلاف بين الحكمين كان في الاولوية لا في العمد والخطأ ويكون معنى قول الحسن حمد سليمان أي لموافقته الطريق الارجح ولم يذم داود
[ 131 ]
لاقتصاره على الطريق الراجح وقد وقع لعمر رضي الله عنه قريب مما وقع لسليمان وذلك ان بعض الصحابة مات وخلف مالا له نماء وديونا فأراد أصحاب الديون بيع المال في وفاء الدين لهم فاسترضاهم عمر بأن يؤخروا التقاضي حتى يقبضوا ديونهم من النماء ويتوفر لايتام المتوفى أصل المال فاستحسن ذلك من نظره ولو ان الخصوم امتنعوا لما منعهم من البيع وعلى هذا التفصيل يمكن تنزيل قصة أصحاب الحرث والغنم والله أعلم وتقدم في أحاديث الانبياء شرح القصة التي وقعت لداود وسليمان في المرأتين اللتين اخذ الذئب بن إحداهما واختلاف حكم داود وسليمان في ذلك وتوجيه حكم داود بما يقرب مما ذكر هنا في هذه القصة ووقعت لهما قصة ثالثة في التفرقة بين الشهود في قصة المرأة التي اتهمت بأنها تحمل على نفسها فشهد عليها أربعة بذلك فأمر داود برجمها فعمد سليمان وهو غلام فصور مثل قصتها بين الغلمان ثم فرق بين الشهود وامتحنهم فتخالفوا فدرأ عنها ووقعت لهما رابعة في قصة المرأة التي صب في دبرها ماء البيض وهي نائمة وقيل انها زنت فأمر داود برجمها فقال سليمان يشوى ذلك الماء فان اجتمع فهو بيض والا فهو مني فشوي فاجتمع وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن مسروق قال كان حرثهم عنبا نفشت فيه الغنم أي رعت ليلا فقضى داود بالغنم لهم فمروا على سليمان فأخبروه الخبر فقال سليمان لا ولكن أقضي بينهم ان يأخذوا الغنم فيكون لهم لبنها وصوفها ومنفعتها ويقوم هؤلاء على حرثهم حتى إذا عاد كما كان ردوا عليهم غنمهم وأخرجه الطبري من وجه آخر لين فقال فيه عن مسروق عن بن مسعود وأخرجه بن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن بن مسعود وسنده حسن وعن معمر عن قتادة قضى داود ان يأخذوا الغنم ففهمها الله سليمان فقال خذوا الغنم فلكم ما خرج من رسلها وأولادها وصوفها إلى الحول وأخرج عبد بن حميد من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد قال أعطاهم داود رقاب الغنم بالحرث فحكم سليمان بجزة الغنم وألبانها لاهل الحرث وعليهم رعايتها ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون كهيئة يوم أكل ثم يدفع لاهله ويأخذون غنمهم وأخرج الطبري القصة من طريق علي بن زيد عن خليفة عن بن عباس نحوه ومن طريق قتادة قال ذكر لنا فذكر نحوه ومن طريق العوفي عن عطية عن بن عباس ولكن قال فيها قال سليمان ان الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه كل عام فله من صاحب الغنم ان يبيع من أولادها وصوفها حتى يستوفي ثمن حرثه فقال داود قد أصبت وأخرج بن مردويه من طريق الحسن عن الاحنف بن قيس نحو الاول قال بن التين قيل علم سليمان ان قيمة ما أفسدت الغنم مثل ما يصير إليهم من لبنها وصوفها وقال أيضا ورد في قصة ناقة البراء التي أفسدت في حائط ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وان الذي افسدت المواشي بالليل ضمانة على أهلها أي ضمان قيمته هذا خلاف شرع سليمان قال فلو تراضيا بالدفع عن قيمة ما أفسدت فالمشهور انه لا يجوز حتى يعرفا القيمة قلت ورواية العوفي ان كانت محفوظة ترفع الاشكال والا فالجواب ما نقل بن التين اولا ولا يكون بين الشرعين مخالفة قوله وقال مزاحم بضم الميم وتخفيف الزاي وبعد الالف حاء مهملة بن زفر بزاي وفاء وزن عمر هو الكوفي ويقال مزاحم بن أبي مزاحم ثقة أخرج له مسلم قوله قال لنا عمر بن عبد العزيز أي الخليفة المشهور العادل قوله خمس إذا أخطا القاضي منهن خطة بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء كذا لابي ذر عن غير الكشميهني
[ 132 ]
وله عنه خصلة بفتح أوله وسكون الصاد المهملة وكذا في رواية الباقين وهما بمعنى قوله وصمة بفتح الواو وسكون الصاد المهملة أي عيبا قوله ان يكون تفسير لحال القاضي المذكور قوله فهما بفتح الفاء وكسر الهاء وهو من صيغ المبالغة ويجوز تسكين الهاء أيضا ووقع في رواية المستملي فقيها والاول أولى لان خصلة الفقه داخلة في خصلة العلم وهي مذكورة بعد قوله حليما أي يغضي على من يؤذيه ولا يبادر إلى الانتقام ولا ينافي ذلك قوله بعد ذلك صليبا لان الاول في حق نفسه والثاني في حق غيره قوله عفيفا أي يعف عن الحرام فإنه إذا كان عالما ولم يكن عفيفا كان ضرره أشد من ضرر الجاهل قوله صليبا بصاد مهملة وباء موحدة من الصلابة بوزن عظيم أي قويا شديدا يقف عند الحق ولا يميل مع الهوى ويستخلص حق المحق من المبطل ولا يحابيه قوله عالما سئولا عن العلم هي خصلة واحدة أي يكون مع ما يستحضره من العلم مذاكرا له غيره لاحتمال ان يظهر له ما هو أقوى مما عنده وهذا الاثر وصله سعيد بن منصور في السنن عن عباد بن عباد ومحمد بن سعد في الطبقات عن عفان كلاهما قال حدثنا مزاحم بن زفر قال قدمنا على عمر بن عبد العزيز في خلافته وفد من أهل الكوفة فسألنا عن بلادنا وقاضينا وأمره وقال خمس إذا أخطأ ورواه يحيى بن سعيد الانصاري عن عمر بن عبد العزيز بلفظ آخر أخرجه أيضا محمد بن سعد في الطبقات عن محمد بن عبد الله الاسدي هو أحمد الزبيري عن سفيان هو الثوري عن يحيى بن سعيد عن عمر بن عبد العزيز قال لا ينبغي للقاضي ان يكون قاضيا حتى يكون فيه خمس خصال عفيف حليم عالم بما كان قبله يستشير ذوي الرأي لا يبالي بملامة الناس وجاء في استحباب الاستشارة آثار جياد وأخرج يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الشعبي قال من سره أن يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ بقضاء عمر فإنه كان يستشير (0) قوله باب رزق الحاكم والعاملين عليها هو من إضافة المصدر إلى المفعول والرزق ما يرتبه الامام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين وقال المطرزي الرزق ما يخرجه الامام كل شهر للمرتزقة من بيت المال والعطاء ما يخرجه كل عام ويحتمل ان يكون قوله والعاملين عليها عطفا على الحاكم أي ورزق العاملين عليها أي على الحكومات ويحتمل ان يكون أورد الجملة على الحكاية يريد الاستدلال على جواز أخذ الرزق بآية الصدقات وهم من جملة المستحقين لها لعطفهم على الفقراء والمساكين بعد قوله انما الصدقات قال الطبري ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الاجرة على الحكم لكونه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه غير ان طائفة من السلف كرهت ذلك ولم يحرموه مع ذلك وقال أبو علي الكرابيسي لا بأس للقاضي ان يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبة من الصحابة ومن بعدهم وهو قول فقهاء الامصار لا أعلم بينهما اختلافا وقد كره ذلك قوم منهم مسروق ولا أعلم أحدا منهم حرمه وقال المهلب وجه الكراهة انه في الاصل محمول على الاحتساب لقوله تعالى لنبيه قل لا أسألكم عليه أجرا فأرادوا ان يجري الامر فيه على الاصل الذي وضعه الله لنبيه ولئلا يدخل فيه من لا يستحقه فيتحيل على أموال الناس وقال غيره أخذ الرزق على القضاء إذا كانت جهة الاخذ من الحلال جائزا إجماعا ومن تركه انما تركه تورعا واما إذا كانت هناك شبهة فالاولى الترك جزما ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه واختلف إذا كان الغالب حراما وأما من غير بيت المال ففي جواز الاخذ من المتحاكمين خلاف ومن أجازه شرط فيه شروطا لا بد منها
[ 133 ]
وقد جر القول بالجواز إلى الغاء الشروط وفشا ذلك في هذه الاعصار بحيث تعذر إزالة ذلك والله المستعان قوله وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرا هو شريح بن الحارث بن قيس النخعي الكوفي قاضي الكوفة ولاه عمر ثم قضى لمن بعده بالكوفة دهرا طويلا وله مع علي أخبار في ذلك وهو ثقة مخضرم أدرك الجاهلية والاسلام ويقال ان له صحبة مات قبل الثمانين وقد جاوز المائة وهذا الاثر وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طريق مجالد عن الشعبي بلفظ كان مسروق لا يأخذ على القضاء أجرا وكان شريح يأخذ قوله وقالت عائشة يأكل الوصي بقدر عمالته قلت وصله بن أبي شيبة من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله تعالى ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قالت أنزل الله ذلك في والي مال اليتيم يقوم عليه بما يصلحه ان كان محتاجا ان يأكل منه قوله وأكل أبو بكر وعمر أما أثر أبي بكر فوصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق بن شهاب عن عروة عن عائشة قالت لما استخلف أبو بكر قال قد علم قومي ان حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي وقد شغلت بأمر المسلمين الحديث وفيه قصة عمر وقد أسنده البخاري في البيوع من هذا الوجه وبقيته فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين فيه وفيه ان عمر لما ولي أكل هو واهله من المال واحترف في مال نفسه واما أثر عمر فوصله بن أبي شيبة وابن سعد من طريق حارثة بن مضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء بعدها موحدة قال قال عمر اني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيم اليتيم ان استغنيت عنه تركت وان افتقرت إليه أكلت بالمعروف وسنده صحيح وأخرج الكرابيسي بسند صحيح عن الاحنف قال كنا بباب عمر فذكر قصة وفيها فقال عمر انا أخبركم بما استحل ما احج عليه واعتمر وحلتي الشتاء والقيظ وقوتي وقوت عيالي كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا أسفلهم ورخص الشافعي وأكثر أهل العلم وعن أحمد لا يعجبني وان كان فبقدر عمله مثل ولي اليتيم واتفقوا على انه لا يجوز الاستئجار عليه (6744) قوله بن أخت نمر بفتح النون وكسر الميم بعدها راء هو الصحابي المشهور تقدم ذكره مرارا من أقربها في الحدود وأدرك من زمان النبي صلى الله عليه وسلم ست سنين وحفظ عنه وهو من اواخر الصحابة موتا وآخر من مات منهم بالمدينة وقيل محمود بن الربيع وقيل محمود بن لبيد قوله ان حويطب بن عبد العزى أي بن أبي قيس بن عبد شمس القرشي العامري كان من أعيان قريش وأسلم في الفتح وكان حميد الاسلام وكانت وفاته بالمدينة سنة أربع وخمسين من الهجرة وهو بن مائة وعشرين سنة وهو ممن اطلق عليه انه عاش ستين في الجاهلية وستين في الاسلام تجوزا ولا يتم ذلك تحقيقا لانه ان أريد بزمان الاسلام أول البعثة فيكون عاش فيها سبعا وستين أو الهجرة فيكون عاش فيه أربعا وخمسين أو زمن إسلامه هو فيكون ستا وأربعين والاول أقرب إلى الاطلاق على طريقة جبر الكسر تارة والغائه أخرى قوله ان عبد الله بن السعدي هو عبد الله بن وقدان بن عبد شمس ويقال اسم أبيه عمر ووقدان جده ويقال قدامة بدل وقدان وعبد شمس هو ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر وهو أيضا من بني عامر بن لؤي من قريش وانما قيل له بن السعدي لان أباه كان مسترضعا في بني سعد ومات عبد الله بالمدينة سنة سبع وخمسين بعد حويطب الراوي عنه بثلاث سنين ويقال بل مات في خلافة عمر والاول أقوى وليس له في البخاري الا هذا الحديث الواحد ووقع عند مسلم في رواية الليث عن بكير بن الاشج عن بسر بن
[ 134 ]
سعيد عن بن الساعدي وخالفه عمرو بن الحارث عن بكير فقال عن بن السعدي وهو المحفوظ تنبيه أخرج مسلم أيضا هذا الحديث من طريق عمرو بن الحارث عن الزهري عن السائب بن يزيد عن عبد الله بن السعدي عن عمر فلم يسق لفظه بل أحال على سياق رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه وسقط من السند حويطب بن عبد العزى بين السائب وابن السعدي ووهم المزي في الاطراف تبعا لخلف فأثبت حويطب بن عبد العزى في السند في رواية مسلم وزعم انه وقع في روايته بن الساعدي بزيادة الف وليس ذلك في شئ من نسخ صحيح مسلم لا اثبات حويطب ولا الالف في الساعدي وقد نبه على سقوط حويطب من سند مسلم أبو علي الجياني والمازري وعياض وغيرهم ولكنه ثابت في رواية عمرو بن الحارث في غير كتاب مسلم كما أخرجه أبو نعيم في المستخرج ووقع عند بن خزيمة من طريق سلامة عن عقيل عن بن شهاب حدثني السائب ان حويطبا أخبره ان عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخبره فذكره وهو وهم من سلامة قاله الرهاوي قوله انه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر ألم أحدث بضم أوله وفتح المهملة وتشديد الدال قوله انك تلي من أعمال الناس أي الولايات من إمرة أو قضاء ووقع في رواية بسر بن سعيد عند مسلم استعملني عمر على الصدقة فعين الولاية قوله العمالة بضم المهملة وتخفيف الميم أي اجرة العمل واما العمالة بفتح العين فهي نفس العمل قوله ما تريد إلى ذلك أي ما غاية قصدك بهذا الرد وقد فسره بقوله وأريد ان تكون عمالتي صدقة على المسلمين قوله فقلت ان لي أفراسا بفاء ومهملة جمع فرس قوله وأعبدا للاكثر بضم الموحدة وللكشميهني بمثناة بدل الموحدة جمع عتيد وهو المال المدخر وقد تقدم تفسيره في كتاب الزكاة ووقع عند بن حبان في صحيحه من طريق قبيصة بن ذؤيب ان عمر أعطى بن السعدي ألف دينار فذكر بقية الحديث نحو الذي هنا ورويناه في الجزء الثالث من فوائد أبي بكر النيسابوري الزيادات من طريق عطاء الخراساني عن عبد الله بن السعدي قال قدمت على عمر فأرسل الي ألف دينار فرددتها وقلت انا عنها غني فذكره أيضا بنحوه واستفيد منه قدر العمالة المذكورة قوله فاني كنت أردت الذي أردت بالفتح على الخطاب قوله يعطيني العطاء أي المال الذي يقسمه الامام في المصالح ووقع في رواية بسر بن سعيد عند مسلم فاني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني بتشديد الميم أي أعطاني أجرة عملي فقلت مثل قولك قوله فأقول أعطه أفقر إليه مني في رواية سالم فأقول يا رسول الله والباقي سواء قال الكرماني جاز الفصل بين أفعل التفضيل وبين كلمة من لان الفاصل ليس أجنبيا بل هو ألصق به من الصلة لانه يحتاج إليه بحسب جوهر اللفظ والصلة محتاج إليها بحسب الصيغة قوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذه فتموله وتصدق به في رواية سالم بن عبد الله أو تصدق به بلفظ أو بدل الواو وهو أمر إرشاد على الصحيح قال بن بطال أشار صلى الله عليه وسلم على عمر بالافضل لانه وان كان مأجورا بايثاره لعطائه عن نفسه من هو أفقر إليه منه فان اخذه للعطاء ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم لاجره وهذا يدل على عظيم فضل الصدقة بعد التمول لما في النفوس من الشح على المال قوله غير مشرف بضم أوله وسكون المعجمة كسر الراء بعدها فاء أي متطلع إليه يقال أشرف الشئ علاه وقد تقدم بيانه في كتاب الزكاة في باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة قوله ولا سائل أي طالب قال النووي فيه النهي عن السؤال وقد اتفق
[ 135 ]
العلماء على النهي عنه لغير الضرورة واختلف في مسألة القادر على الكسب والاصح التحريم وقيل يباح بثلاث شروط ان لا يذل نفسه ولا يلح في السؤال ولا يؤذي المسئول فان فقد شرط من هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق قوله فخذه والا فلا تتبعه نفسك أي ان لم يجئ إليك فلا تطلبه بل اتركه وليس المراد منعه من الايثار بل لان أخذه ثم مباشرته الصدقة بنفسه أعظم لاجره كما تقدم قال النووي في هذا الحديث منقبة لعمر وبيان فضله وزهده وايثاره قلت وكذا لابن السعدي فقد طابق فعله فعل عمر سواء وفي سند الزهري عن السائب أربعة من الصحابة في نسق السائب وحويطب وابن السعدي وعمر وقد أشرت إلى ذلك في الباب المذكور من كتاب الزكاة وذكرت ان مسلما أخرجه من طريق عمرو بن الحارث عن الزهري وأوهم كلام المزي في الاطراف ان رواية شعيب وعمرو بن الحارث متفقتان وليس كذلك فان حويطب بن عبد العزى سقط من رواية عمرو بن الحارث عند مسلم وقد وقعت المقارضة لمسلم والبخاري في هذين الحديثين الرباعيين فأورد مسلم الرباعي الذي في سنده أربع نسوة بتمام الاربع وأورده البخاري بنقصان واحدة كما تقدم في أوائل كتاب الفتن وأورد البخاري الرباعي الذي في سنده أربعة رجال بتمام الاربعة وأورده مسلم بنقصان رجل وهذا من لطائف ما اتفق وقد وافق شعيبا على زيادة حويطب في السند الزبيدي عن النسائي وسفيان بن عيينة عنده ومعمر عند الحميدي في مسنده ثلاثتهم عن الزهري وقد جزم النسائي وأبو علي بن السكن بأن السائب لم يسمعه من بن السعدي قال النووي روينا عن الحافظ عبد القادر الرهاوي في كتابه الرباعيات ان الزبيدي وشعيب بن حمزة وعقيل بن خالد ويونس بن يزيد وعمر بن الحارث رووه عن الزهري بذكر حويطب ثم ذكر طرقهم بأسانيد مطولة قال ورواه النعمان بن راشد عن الزهري فأسقط ذكر حويطب واختلف على معمر فرواه بن المبارك عنه كالنعمان ورواه سفيان بن عيينة وموسى بن أعين عنه كالجماعة ورواه عبد الرزاق عن معمر فأسقط اثنين جعله عن السائب عن عمر قال والصحيح الاول قلت ومقتضاه ان يكون سقوط حويطب من رواية مسلم وهما منه أو من شيخه والا فذكره ثابت من رواية غيره كما تقدم والله اعلم وقد نظم بعضهم السند المذكور في بيتين فقال وفي العمالة إسناد بأربعة من الصحابة فيه عنهم ظهرا السائب بن يزيد عن حويطب عبد الله حدثه بذاك عن عمرا قوله وعن الزهري قال حدثني سالم هو موصول بالسند المذكور اولا إلى الزهري وقد أخرج النسائي عن عمرو بن منصور عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه الحديثين المذكورين بالسندين المذكورين إلى عمر واما مسلم فإنه لما أخرجه من طريق يونس عن بن شهب ساقه على رواية سالم عن أبيه ثم عقبه برواية بن شهاب عن السائب بن يزيد فقال مثل ذلك وليس بين السياقين تفاوت الا في قصة بن السعدي عن عمر فلم يسقها مسلم والا ما بينته وزاد سالم فمن اجل ذلك كان بن عمر لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا اعطيه قلت وهذا بعمومه ظاهر في انه كان لا يرد ما فيه شبهة وقد ثبت انه كان يقبل هدايا المختار بن أبي عبيد الثقفي وهو أخو صفية زوج بن عمر بنت أبي عبيد وكان المختار غلب على الكوفة وطرد عمال عبد الله بن الزبير وأقام أميرا عليها مدة في غير طاعة خليفة وتصرف فيما يتحصل منها من المال على ما يراه ومع ذلك فكان بن عمر يقبل هداياه
[ 136 ]
وكان مستنده ان له حقا في بيت المال فلا يضره على أي كيفية وصل إليه أو كان يرى ان التبعة في ذلك على الآخذ الاول أو ان للمعطي المذكور مالا آخر في الجملة وحقا ما في المال المذكور فلما لم يتميز وأعطاه له عن طيب نفس دخل في عموم قوله ما أتاك من هذا المال من غير سؤال ولا استشراف فخذه فرأى انه لا يستثنى من ذلك الا ما علمه حراما محضا قال الطبري في حديث عمر الدليل الواضح على ان لمن شغل بشئ من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك كالولاة والقضاة وجباة الفئ وعمال الصدقة وشبههم لاعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر العمالة على عمله وذكر بن المنذر ان زيد بن ثابت كان يأخذ الاجر على القضاء واحتج أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة وجعل لهم منها حقا لقيامهم وسعيهم فيها وحكى الطبري عن العلماء هل الامر في قوله في هذا الحديث خذه وتموله للوجوب أو للندب ثالثها ان كانت العطية من السلطان فهي حرام أو مكروهة أو مباحة وان كانت من غيره فمستحبة قال النووي والصحيح انه ان غلب الحرام حرمت وكذا ان كان مع عدم الاستحقاق وان لم يغلب الحرام وكان الآخذ مستحقا فيباح وقيل يندب في عطية السلطان دون غيره والله اعلم وقال بن المنذر وحديث بن السعدي حجة في جواز أرزاق القضاة من وجوهها وقال بن بطال في الحديث ان أخذ ما جاء من المال عن غير سؤال أفضل من تركه لانه يقع في اضاعة المال وقد ثبت النهي عن ذلك وتعقبه بن المنير بأنه ليس من الاضاعة في شئ لان الاضاعة التبذير بغير وجه صحيح واما الترك توفيرا على المعطي تنزيها عن الدنيا وتحرجا ان لا يكون قائما بالوظيفة على وجهها فليس من الاضاعة ثم قال والوجه في تعليل الافضلية ان الآخذ أعون في العمل وألزم للنصيحة من التارك لانه ان لم يأخذ كان عند نفسه متطوعا بالعمل فقد لا يجد جد من اخذ ركونا إلى انه غير ملتزم بخلاف الذي يأخذ فإنه يكون مستشعرا بأن العمل واجب عليه فيجد جده فيها وقال بن التين وفي هذا الحديث كراهة أخذ الرزق على القضاء مع الاستغناء وان المال طيبا كذا قال قال وفيه جواز الصدقة بما لم يقبض إذا كان التصدق واجبا ولكن قوله خذه فتموله وتصدق به يدل على أن التصدق به انما يكون بعد القبض لان المال إذا ملكه الانسان وتصدق به طيبة به نفسه كان أفضل من تصدقه به قبل قبضه لان الذي يحصل بيده هو أحرص عليه مما لم يدخل في يده فان استوت عند أحد الحالان فمرتبته أعلى ولذلك امره بأخذه وبين له جواز تموله ان احب أو التصدق به قال وذهب بعض الصوفية إلى ان المال إذا جاء بغير سؤال فلم يقبله فان الراد له يعاقب بحرمان العطاء وقال القرطبي في المفهم فيه ذم التطلع إلى ما في أيدي الاغنياء والتشوف إلى فضوله واخذه منهم وهي حالة مذمومة تدل على شدة الرغبة في الدنيا والركون إلى التوسع فيها فنهى الشارع عن الاخذ على هذه الصورة المذمومة قمعا للنفس ومخالفة لها في هواها انتهى وتقدمت سائر مباحثه وفوائده في الباب المذكور من كتاب الزكاة ولله الحمد (0) قوله باب من قضى ولاعن في المسجد الظرف يتعلق بالامرين فهو من تنازع الفعلين ويحتمل ان يتعلق بقضى لدخول لاعن فيه فإنه من عطف الخاص على العام ومعنى قوله ولاعن حكم بايقاع التلاعن بين الزوجين فهو مجاز ولا يشترط ان يباشر تلقينهما ذلك بنفسه قوله ولاعن عمر عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا أبلغ في التمسك به على جواز اللعان في المسجد وانما خص عمر المنبر لانه كان
[ 137 ]
يرى التحليف عند المنبر أبلغ في التغليظ وورد في التحليف عنده حديث جابر لا يحلف عند منبري الحديث ويؤخذ منه التغليظ في الايمان بالمكان وقاسوا عليه الزمان وانما ما كان كذلك مع ان المحلوف به عظيم لان للمعظم الذي شهده الحالف تأثيرا في التوقي عن الكذب قوله وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر في رواية الكشميهني على المنبر وهذا طرف من أثر مضى في كتاب الشهادات وذكرت هناك من وصله وهو في الموطأ ولفظه على المنبر كما في رواية الكشميهني قوله وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد أما أثر شريح فوصله بن أبي شيبة ومحمد بن سعد من طريق إسماعيل بن أبي خالد قال رأيت شريحا يقضي في المسجد وعليه برنس خز وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الحكم بن عتيبة انه رأى شريحا يقضي في المسجد واما أثر الشعبي فوصله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي في جامع سفيان من طريق عبد الله بن شبرمة رأيت الشعبي جلد يهوديا في قرية في المسجد وكذا أخرجه عبد الرزاق عن سفيان واما أثر يحيى بن يعمر فوصله بن أبي شيبة من رواية عبد الرحمن بن قيس قال رأيت يحيى بن يعمر يقضي في المسجد وأخرج الكرابيسي في أدب القضاء من طريق أبي الزناد قال كان سعد بن إبراهيم وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابنه ومحمد بن صفوان ومحمد بن مصعب بن شرحبيل يقضون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك جماعة آخرون قوله وكان الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجا من المسجد الرحبة بفتح الراء والحاء المهلة بعدها موحدة هي بناء يكون امام باب المسجد غير منفصل عنه هذه رحبة المسجد ووقع فيها الاختلاف والراجح ان لها حكم المسجد فيصح فيها الاعتكاف وكل ما يشترط له المسجد فان كانت الرحبة منفصلة فليس لها حكم المسجد واما الرحبة بسكون الحاء فهي مدينة مشهورة والذي يظهر من مجموع هذه الآثار ان المراد بالرحبة هنا الرحبة المنسوبة للمسجد فقد أخرج بن أبي شيبة من طريق المثنى بن سعيد قال رأيت الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في المسجد وأخرج الكرابيسي في أدب القضاة من وجه آخر ان الحسن وزرارة وإياس بن معاوية كانوا إذا دخلوا المسجد للقضاء صلوا ركعتين قبل ان يجلسوا ثم ذكر حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين مختصرا من طريقين إحداهما من رواية سفيان وهو بن عيينة قال قال الزهري عن سهل بن سعد فذكره مختصرا ولفظه (6745) شهدت المتلاعنين وانا بن خمس عشرة سنة فرق بينهما وقد أخرجه في كتاب اللعان مطولا وتقدمت فوائده هناك ثانيهما من رواية بن جريج أخبرني بن شهاب وهو الزهري فذكره مختصرا أيضا ولفظه ان رجلا من الانصار جاء فذكره إلى (6746) قوله ايقتله فتلاعنا في المسجد وقد تقدم مطولا وشرحه هناك أيضا قال بن بطال استحب القضاء في المسجد طائفة وقال مالك هو الامر القديم لانه يصل إلى القاضي فيه المرأة والضعيف وإذا كان في منزله لم يصل إليه الناس لا مكان الاحتجاب قال وبه قال أحمد وإسحاق وكرهت ذلك طائفة وكتب عمر ابن عبد العزبز إلى القاسم بن عبد الرحمن ان لا تقضي في المسجد فإنه يأتيك الحائض والمشرك وقال الشافعي أحب الي ان يقضى في غير المسجد لذلك وقال الكرابيسي كره بعضهم الحكم في المسجد من اجل انه قد يكون الحكم بين مسلم ومشرك فيدخل المشرك المسجد قال ودخول المشرك المسجد مكروه ولكن الحكم بينهم لم يزل من صنيع السلف في مسجد رسول الله صلى الله
[ 138 ]
عليه وسلم وغيره ثم ساق في ذلك آثارا كثيرة قال بن بطال وحديث سهل بن سعد حجة للجواز وان كان الاولى صيانة المسجد وقد قال مالك كان من مضى يجلسون في رحاب المسجد اما في موضع الجنائز واما في رحبة دار مروان قال واني لاستحب ذلك في الامصار ليصل إليه اليهودي والنصراني والحائض والضعيف وهو أقرب إلى التواضع وقال بن المنير لرحبة المسجد حكم المسجد الا ان كانت منفصلة عنه والذي يظهر انها كانت منفصلة عنه ويمكن ان يكون جلوس القاضي في الرحبة المتصلة وقيام الخصوم خارجا عنها أو في الرحبة المتصلة وكأن التابعي المذكور يرى ان الرحبة لا تعطى حكم المسجد ولو اتصلت بالمسجد وهو خلاف مشهور فقد وقع للشافعية في حكم رحبة المسجد اختلاف في التعريف مع اتفاقهم على صحة صلاة من في الرحبة المتصلة بالمسجد بصلاة من في المسجد قال والفرق بين الحريم والرحبة ان لكل مسجد حريما وليس لكل مسجد رحبة فالمسجد الذي يكون امامه قطعه من البقعة هي الرحبة وهي التي لها حكم المسجد والحريم هو الذي يحيط بهذه الرحبة وبالمسجد وان كان سور المسجد محيطا بجميع البقعة فهو مسجد بلا رحبة ولكن له حريم كالدور انتهى ملخصا وسكت عما إذا بنى صاحب المسجد قطعة منفصلة عن المسجد هل هي رحبة تعطى حكم المسجد وعما إذا كان في الحائط القبلي من المسجد رحاب بحيث لا تصح صلاة من صلى فيها خلف امام المسجد هل تعطى حكم المسجد والذي يظهر ان كلا منهما يعطى حكم المسجد فتصح الصلاة في الاولى ويصح الاعتكاف في الثانية وقد يفرق حكم الرحبة من المسجد في جواز اللغظ ونحوه فيها بخلاف المسجد مع اعطائها حكم المسجد في الصلاة فيها فقد أخرج مالك في الموطأ من طريق سالم بن عبد الله بن عمر قال بنى عمر إلى جانب المسجد رحبة فسماها البطحاء فكان يقول من أراد ان يلغط أو ن ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إلى هذه الرحبة (0) قوله باب من حكم في المسجد حتى إذا اتى على حد أمر ان يخرج من المسجد فيقام كأنه يشير بهذه الترجمة إلى من خص جواز الحكم في المسجد بما إذا لم يكن هناك شئ يتأذى به من في المسجد أو يقع به للمسجد نقص كالتلويث قوله وقال عمر أخرجاه من المسجد وضربه ويذكر عن علي نحوه اما أثر عمر فوصله بن أبي شيبة وعبد الرزاق كلاهما من طريق طارق بن شهاب قال أتى عمر بن الخطاب برجل في حد فقال أخرجاه من المسجد ثم اضرباه وسنده على شرط الشيخين واما أثر علي فوصله بن أبي شيبة من طريق بن معقل وهو بمهملة ساكنة وقاف مكسورة ان رجلا جاء إلى عمر فساره فقال يا قنبر أخرجه من المسجد فأقم عليه الحد وفي سنده من فيه مقال ثم ذكر حديث أبي هريرة في قصة الذي أقر انه زنى فأعرض عنه وفيه أبك جنون قال لا قال اذهبوا به فأرجموه وهذا القدر هو المراد في الترجمة ولكنه لا يسلم من خدش لان الرجم يحتاج إلى قدر زائد من حفر وغيره مما لا يلائم المسجد فلا يلزم من تركه فيه ترك إقامة غيره من الحدود وقد تقدم شرحه في باب رجم المحصن من كتاب الحدود (6747) قوله رواه يونس ومعمر وابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر يريد انهم خالفوا عقيلا في الصحابي فإنه جعل أصل الحديث من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة وقول بن شهاب أخبرني من سمع جابر بن عبد الله كنت فيمن رجمه بالمصلى وهؤلاء جعلوا الحديث كله عن جابر ورواية معمر وصلها المؤلف في الحدود وكذلك رواية يونس واما
[ 139 ]
رواية بن جريج فوصلها وتقدمت الاشارة إليها هناك أيضا حيث قال عقب رواية معمر لم يقل يونس وابن جريج فصلى عليه وتقدم شرحه مستوفى هناك ولله الحمد قال بن بطال ذهب إلى المنع من إقامة الحدود في المسجد الكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق واجازه الشعبي وابن أبي ليلى وقال مالك لا بأس بالضرب بالسياط اليسيرة فإذا كثرت الحدود فليكن ذلك خارج المسجد قال بن بطال وقول من نزه المسجد عن ذلك أولى وفي الباب حديثان ضعيفان في النهي عن إقامة الحدود في المساجد انتهى والمشهور فيه حديث مكحول عن أبي الدرداء وواثله وأبي امامة مرفوعا جنبوا مساجدكم صبيانكم الحديث وفيه وإقامة حدودكم أخرجه البيهقي في الخلافيات وأصله في بن ماجة من حديث واثلة فقط وليس فيه ذكر الحدود وسنده ضعيف ولابن ماجة من حديث بن عمر رفعه خصال لا تنبغي في المسجد لا يتخذ طريقا الحديث وفيه ولا يضرب فيه حد وسنده ضعيف أيضا وقال بن المنير من كره إدخال الميت المسجد للصلاة عليه خشية أن يخرج منه شئ أولى بأن يقول لا يقام الحد في المسجد إذ لا يؤمن خروج الدم من المجلود وينبغي ان يكون في القتل أولى بالمنع (0) قوله باب موعظة الامام الخصوم ذكر فيه حديث أم سلمة ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض وسيأتي شرحه بعد سبعة أبواب ومناسبته للترجمة ظاهره وبالله التوفيق (0) قوله باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء أو قبل ذلك للخصم أي هل يقضي له على خصمه بعلمه ذلك أو يشهد له عن حاكم آخر هكذا أورد الترجمة مستفهما بغير جزم لقوة الخلاف في المسألة وان كان آخر كلامه يقتضي اختيار ان لا يحكم بعلمه فيها قوله وقال شريح القاضي هو بن الحارث الماضي ذكره قريبا قوله وسأله انسان الشهادة فقال ائت الامير حتى أشهد لك وصله سفيان الثوري في جامعه عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبي قال أشهد رجل شريحا ثم جاء فخاصم إليه فقال ائت الامير وانا أشهد لك وأخرجه عبد الرزاق عن بن عيينة عن بن شبرمة قال قلت للشعبي يا أبا عمرو أرأيت رجلين استشهدا على شهادة فمات أحدهما واستقضى الآخر فقال اتى شريح فيها وانا جالس فقال ائت الامير وانا أشهد لك قوله وقال عكرمة قال عمر لعبد الرحمن بن عوف لو رأيت رجلا على حد الخ وصله الثوري أيضا عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة به ووقع في الاصل لو رأيت بالفتح وأنت أمير وفي الجواب فقال شهادتك ووقع في الجامع بلفظ أرأيت بالفتح لو رأيت بالضم رجلا سرق أو زنا قال أرى شهادتك وقال أصبت بدل قوله صدقت وأخرجه بن أبي شيبة عن شريك عن عبد الكريم بلفظ أرأيت لو كنت القاضي أو الوالي وأبصرت انسانا على حد أكنت تقيمه عليه قال لا حتى يشهد معي غيري قال أصبت لو قلت غير ذلك لم تجد وهو بضم المثناة وكسر الجيم وسكون الدال من الاجادة قلت وقد جاء عن أبي بكر الصديق نحو هذا وسأذكره بعد وهذا السند منقطع بين عكرمة ومن ذكره عنه لانه لم يدرك عبد الرحمن فضلا عن عمر وهذا من المواضع التي ينبه عليها من يغتر بتعميم قولهم ان التعليق الجازم صحيح فيجب تقييد ذلك بأن يزاد إلى من علق عنه ويبقى النظر فيما فوق ذلك قوله وقال عمر لولا ان يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي هذا طرف من حديث أخرجه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر كما تقدم التنبيه عليه في باب الاعتراف بالزنا في شرح حديثه الطويل
[ 140 ]
في قصة الرجم الذي هو طرف من قصة بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة قال المهلب استشهد البخاري لقول عبد الرحمن بن عوف المذكور قبله بقول عمر هذا انه كانت عنده شهادة في آية الرجم انها من القرآن فلم يلحقها بنص المصحف بشهادته وحده وأفصح في العلة في ذلك بقوله لولا ان يقال زاد عمر في كتاب الله فأشار إلى ان ذلك من قطع الذرائع لئلا تجد حكام السوء سبيلا إلى ان يدعوا العلم لمن أحبوا له الحكم بشئ قوله وأقر ماعز عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا أربعا فأمر برجمه ولم يذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم أشهد من حضره هذا طرف من الحديث الذي ذكر قبل بباب وقد تقدم موصولا من حديث أبي هريرة وحكاية الخلاف على أبي سلمة في اسم صحابيه قوله وقال حماد هو بن أبي سليمان فقيه الكوفة قوله إذا أقر مرة عند الحاكم رجم وقال الحكم هو بن عتيبة بمثناة ثم موحدة مصغر وهو فقيه الكوفة أيضا قوله أربعا أي لا يرجم حتى يقر أربع مرات كما في حديث ماعز وقد وصله بن أبي شيبة من طريق شعبة قال سألت حمادا عن الرجل يقر بالزنا كم يرد قال مرة قال وسألت الحكم فقال أربع مرات وقد تقدم البحث في ذلك في شرح قصة ماعز في أبواب الرجم ثم ذكر حديث أبي قتادة في قصة سلب القتيل الذي قتله في غزوة حنين وقد تقدم شرحه مستوفى هناك وقوله (6749) هنا قال فأرضه منه هي رواية الاكثر وعند الكشميهني مني وقوله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأداه الي في رواية أبي ذر عن غير الكشمهني فعلم بفتح المهملة وكسر اللام بدل فقام وكذا لاكثر رواة الفربري وكذا أخرجه أبو نعيم من رواية الحسن بن سفيان عن قتيبة وهو المحفوظ في رواية قتيبة هذه ومن ثم عقبها البخاري بقوله وقال لي عبيد الله عن الليث فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأداه إلى ووقع في رواية كريمة فأمر بفتح الهمزة والميم بعدها راء وعبد الله المذكور هو بن صالح أبو صالح وهو كاتب الليث والبخاري يعتمده في الشواهد ولو كانت رواية قتيبة بلفظ فقام لم يكن لذكر رواية عبد الله بن صالح معنى قال المهلب قوله في رواية قتيبة فعلم النبي صلى الله عليه وسلم يعني علم ان أبا قتادة هو قاتل القتيل المذكور قال وهي وهم قال والصحيح فيه رواية عبد الله بن صالح بلفظ فقام قال وقد رد بعض الناس الحجة المذكورة فقال ليس في اقرار ماعز عند النبي صلى الله عليه وسلم ولا حكمه بالرجم دون أن يشهد من حضره ولا في اعطائه السلب لابي قتادة حجة للقضاء بالعلم لان ماعزا انما كان اقراره عند النبي صلى الله عليه وسلم بحضرة الصحابة إذ معلوم انه كان صلى الله عليه وسلم لا يقعد وحده فلم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم ان يشهدهم على اقراره لسماعهم منه ذلك وكذلك قصة أبي قتادة انتهى وقال بن المنير لا حجة في قصة أبي قتادة لان معنى قوله فعلم النبي صلى الله عليه وسلم علم بإقرار الخصم فحكم عليه فهي حجة للمذهب يعني الصائر إلى جواز القضاء بالعلم فيما يقع في مجلس الحكم وقال غيره ظاهر أول القصة يخالف آخرها لانه شرط البينة بالقتل على استحقاق السلب ثم دفع السلب لابي قتادة بغير بينة وأجاب الكرماني بأن الخصم اعترف يعني فقام مقام البينة وبأن المال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي منه من شاء ويمنع من شاء قلت والاول أولى والبينة لا تنحصر في الشهادة بل كل ما كشف الحق يسمى بينة قوله وقال أهل الحجاز الحاكم لا يقضي بعلمه شهد بذلك في ولايته أو قبلها هو قول مالك قال أبو علي الكرابيسي لا يقضي القاضي بما علم لوجود التهمة إذ لا يؤمن على التقي ان يتطرق إليه التهمة
[ 141 ]
قال وأظنه ذهب إلى ما رواه بن شهاب عن زبيد بن الصلت ان أبا بكر الصديق قال لو وجدت رجلا على حد ما أقمته عليه حتى يكون معي غيري ثم ساقه بسند صحيح عن بن شهاب قال ولا أحسب مالكا ذهب عليه هذا الحديث فان كان كذلك فقد قلد أكثر هذه الامة فضلا وعلما قلت ويحتمل ان يكون ذهب إلى الاثر المقدم ذكره عن عمر وعبد الرحمن بن عوف قال ويلزم من أجاز للقاضي أن يقضي بعلمه مطلقا أنه لو عمد إلى رجل مستور لم يعهد منه فجور قط ان يرجمه ويدعي انه رآه يزني أو يفرق بينه وبين زوجته ويزعم أنه سمعه يطلقها أو بينه وبين أمته ويزعم أنه سمعه يعتقها فان هذا الباب لو فتح لوجد كل قاض السبيل إلى قتل عدوه وتفسيقه والتفريق بينه وبين من يحب ومن ثم قال الشافعي لولا قضاة السوء لقلت ان للحاكم ان يحكم بعلمه انتهى وإذا كان هذا في الزمان الاول فما الظن بالمتأخر فيتعين حسم مادة تجويز القضاء بالعلم في هذه الازمان المتأخرة لكثرة من يتولى الحكم ممن لا يؤمن على ذلك والله اعلم قوله ولو أقر خصم عنده لآخر بحق في مجلس القضاء فإنه لا يقضي عليه في قول بعضهم حتى يدعو بشاهدين فيحضرهما اقراره قال بن التين ما ذكر عن عمر وعبد الرحمن هو قول مالك وأكثر أصحابه وقال بعض أصحابه يحكم بما علمه فيما أقر به أحد الخصمين عنده في فجلس الحكم وقال بن القاسم وأشهب لا يقضي بما يقع عنده في مجلس الحكم الا إذا شهد به عنده وقال بن المنير مذهب مالك أن من حكم بعلمه يقضي على المشهور الا ان كان علمه حادثا بعد الشروع في المحاكمة فقولان واما ما أقر به عنده في مجلس الحكم فيحكم ما لم ينكر الخصم بعد اقراره وقبل الحكم عليه فان بن القاسم قال لا يحكم عليه حينئذ ويكون شاهدا وقال بن الماجشون يحكم بعلمه وفي المذهب تفاريع طويلة في ذلك ثم قال بن المنير وقول من قال لا بد أن يشهد عليه في المجلس شاهدان يؤول إلى الحكم بالاقرار لانه لا يخلو أن يؤديا أولا ان أديا فلا بد من الاعذار فان أعذر احتيج إلى الاثبات وتسلسلت القضية وان لم يحتج رجع إلى الحكم بالاقرار وان لم يؤديا فهي كالعدم وأجاب غيره ان فائدة ذلك ردع الخصم عن الانكار لانه إذا عرف ان هناك من يشهد امتنع من الانكار خشية التعزير بخلاف ما إذا أمن ذلك قوله وقال بعض أهل العراق ما سمع أو رآه في مجلس القضاء قضى به وما كان في غيره لم يقض الا بشاهدين يحضرهما اقراره بضم أوله من الرباعي قلت وهذا قول أبي حنيفة ومن تبعه ويوافقهم مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون من المالكية قال بن التين وجرى به العمل ويوافقه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن بن سيرين قال اعترف رجل عند شريح بأمر ثم أنكره فقضى عليه باعترافه فقال أتقضي علي بغير بينة فقال شهد عليك بن أخت خالتك يعني نفسه قوله وقال آخرون منهم بل يقضي به لانه مؤتمن بفتح الميم اسم مفعول وانما يراد بالشهادة معرفة الحق فعلمه أكبر من الشهادة وهو قول أبي يوسف و من تبعه ووافقهم الشافعي قال أبو علي الكرابيسي قال الشافعي بمصر فيما بلغني عنه ان كان القاضي عدلا لا يحكم بعلمه في حد ولا قصاص الا ما أقر به بين يديه ويحكم بعلمه في كل الحقوق مما علمه قبل أن يلي القضاء أو بعدما ولى فقيد ذلك بكون القاضي عدلا إشارة إلى انه ربما ولي القضاء من ليس بعدل بطريق التغلب قوله وقال بعضهم يعني أهل العراق يقضي بعلمه في الاموال ولا يقضي في غيرها هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف فيما نقله الكرابيسي عنه إذا رأى الحاكم رجلا
[ 142 ]
يزني مثلا لم يقض بعلمه حتى تكون بينة تشهد بذلك عنده وهي رواية عن أحمد قال أبو حنيفة القياس انه يحكم في ذلك كله بعلمه ولكن أدع القياس واستحسن ان لا يقضي في ذلك بعلمه تنبيه اتفقوا على انه يقضي في قبول الشاهد ورده بما يعلمه منه من تجريح أو تزكية ومحصل الآراء في هذه المسألة سبعة ثالثها في زمن قضائه خاصة رابعها في مجلس حكمه خامسها في الاموال دون غيرها سادسها مثله وفي القذف أيضا وهو عن بعض المالكية سابعها في كل شئ الا في الحدود وهذا هو الراجح عند الشافعية وقال بن العربي لا يقضي الحاكم بعلمه والاصل فيه عندنا الاجماع على انه لا يحكم بعلمه في الحدود ثم أحدث بعض الشافعية قولا مخرجا انه يجوز فيها أيضا حين رأوا انها لازمة لهم كذا قال فجرى على عادته في التهويل والاقدام على نقل الاجماع مع شهرة الاختلاف قوله وقال القاسم لا ينبغي للحاكم ان يقضي قضاء بعلمه في رواية الكشميهني يمضي قوله دون علم غيره أي إذا كان وحده عالما به لا غيره قوله ولكن بالتشديد وفي نسخة بالتخفيف وتعرض بالرفع قوله وايقاعا عطف على تعرضا أو نصب على انه مفعول معه والعامل فيه متعلق الظرف والقاسم المذكور كنت أظن انه بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة لانه إذا أطلق في الفروع الفقهية انصرف الذهن إليه لكن رأيت في رواية عن أبي ذر انه القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وهو الذي تقدم ذكره قريبا في باب الشهادة على الخط فان كان كذلك فقد خالف أصحابه الكوفيين ووافق أهل المدينة في هذا الحكم والله أعلم قوله وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم الظن فقال انما هذه صفية هو طرف من الحديث الذي وصله بعد وقوله في الطريق الموصولة عن علي بن الحسين أي بن علي بن أبي طالب وهو الملقب زين العابدين (6750) قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم أتته صفية بنت حيي هذا صورته مرسل ومن ثم عقبه البخاري بقوله رواه شعيب وابن مسافر وابن أبي عتيق وإسحاق بن يحيى عن الزهري عن علي أي بن الحسين عن صفية يعني فوصلوه فتحمل رواية إبراهيم بن سعد على ان علي بن حسين تلقاه عن صفية وقد تقدم مثل ذلك في رواية سفيان عن الزهري مع شرح حديث صفية مستوفي في كتاب الاعتكاف فإنه ساقه هناك تاما وأورده هنا مختصرا ورواية شعيب وهو بن أبي حمزة وصلها المصنف في الاعتكاف أيضا في وكتاب الادب ورواية بن مسافر وهو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي وصلها أيضا في الصوم وفي فرض الخمس ورواية بن أبي عتيق وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وصلها المصنف في الاعتكاف وأوردها في الادب أيضا مقرونه برواية شعيب ورواية إسحاق بن يحيى وصلها الذهلي في الزهريات ورواه عن الزهري أيضا معمر فاختلف عليه في وصله وارساله تقدم موصولا في صفة إبليس من رواية عبد الرزاق عنه ومرسلا في فرض الخمس من رواية هشام بن يوسف عن معمر وأوردها النسائي موصولة من رواية موسى بن أعين عن معمر ومرسلة من رواية بن المبارك عنه ووصله أيضا عن الزهري عثمان بن عمر بن موسى التيمي عند بن ماجة وأبي عوانة في صحيحه وعبد الرحمن بن إسحاق عند أبي عوانة أيضا وهشيم عند سعيد بن منصور وآخرون ووجه الاستدلال بحديث صفية لمن منع الحكم بالعلم انه صلى الله عليه وسلم كره أن يقع في قلب الانصاريين من وسوسة الشيطان شئ فمراعاة نفي التهمة عنه مع عصمته تقتضي مراعاة
[ 143 ]
نفي التهمة عمن هو دونه وقد تقدم في باب من رأى للقاضي ان يحكم بعلمه بيان حجة من أجاز ومن منع بما يغني عن اعادته هنا (0) قوله باب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا بمهملتين وياء تحتانية ولبعضهم بمعجمتين وموحدة ذكر فيه حديث أبي بردة بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبي يعنى أبا موسى ومعاذ بن جبل وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الديات وقبل ذلك في أواخر المغازي (6751) قوله بشرا تقدم شرحه في المغازي قوله وتطاوعا أي توافقا في الحكم ولا تختلفا لان ذلك يؤدي إلى اختلاف اتباعكما فيفضى إلى العداوة ثم المحاربة والمرجع في الاختلاف إلى ما جاء في الكتاب والسنة كما قال تعالى فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول وسيأتي مزيد بيان لذلك قي كتاب الاعتصام ان شاء الله تعالى قوله وقال النضر وأبو داود ويزيد بن هارون ووكيع عن شعبة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده يعني موصولا ورواية النضر وأبي داود ووكيع تقدم الكلام عليها في أواخر المغازي في باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ورواية يزيد بن هارون وصلها أبو عوانة في صحيحه والبيهقي قال بن بطال وغيره في الحديث الحض على الاتفاق لما فيه من ثبات المحبة والالفة والتعاون على الحق وفيه جواز نصب قاضيين في بلد واحد فيقعد كل منهما في ناحية وقال بن العربي كان النبي صلى الله عليه وسلم أشركهما فيما ولاهما فكان ذلك أصلا في تولية اثنين قاضيين مشتركين في الولاية كذا جزم به قال وفيه نظر لان محل ذلك فيما إذا نفذ حكم كل منهما فيه لكن قال بن المنير يحتمل ان يكون ولاهما ليشتركا في الحكم في كل واقعة ويحتمل ان يستقل كل منهما بما يحكم به ويحتمل ان يكون لكل منهما عمل يخصه والله أعلم كيف كان وقال بن التين الظاهر اشتراكهما لكن جاء في غير هذه الرواية انه أقر كلا منهما على مخلاف والمخلاف الكورة وكان اليمن مخلافين قلت وهذا هو المعتمد والرواية التي أشار إليها تقدمت في غزوة حنين باللفظ المذكور وتقدم في المغازي ان كلا منهما كان إذا سار في عمله زار رفيقه وكان عمل معاذ النجود وما تعالى من بلاد اليمن وعمل أبي موسى التهائم وما انخفض منها فعلى هذا فأمره صلى الله عليه وسلم لهما بأن يتطاوعا ولا يتخالفا محمول على ما إذا اتفقت قضية يحتاج الامر فيها إلى اجتماعهما والى ذلك أشار في الترجمة ولا يلزم من قوله تطاوعا ولا تختلفا ان يكونا شريكين كما استدل به بن العربي وقال أيضا فإذا اجتمعا فان اتفقا في الحكم والا تباحثا حتى يتفقا على الصواب والا رفعا الامر لمن فوقهما وفي الحديث الامر بالتيسير في الامور والرفق بالرعية وتحبيب الايمان إليهم وترك الشدة لئلا تنفر قلوبهم ولا سيما فيمن كان قريب العهد بالاسلام أو قارب حد التكليف من الاطفال ليتمكن الايمان من قلبه ويتمرن عليه وكذلك الانسان في تدريب نفسه على العمل إذا صدقت ارادته لا يشدد عليها بل يأخذها بالتدريج والتيسير حتى إذا أنست بحالة دولت عليها نقلها لحال آخر وزاد عليها أكثر من الاولى حتى يصل إلى قدر احتمالها ولا يكلفها بما لعلها تعجز عنه وفيه مشروعية الزيادة واكرام الزائر وأفضليه معاذ في الفقه على أبي موسى وقد جاء أعلمكم بالحلال والحرام معاذا بن جبل أخرجه الترمذي وغيره من حديث أنس (0) قوله باب إجابة الحاكم الدعوة الاصل فيه عموم الخبر ورود الوعيد في الترك من قوله ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله وقد تقدم شرحه في أواخر النكاح وقال العلماء
[ 144 ]
لا يجيب الحاكم دعوة شخص بعينه دون غيره من الرعية لما في ذلك من كسر قلب من لم يجبه الا ان كان له عذر في ترك الاجابة كرؤية المنكر الذي لا يجاب إلى إزالته فلو كثرت بحيث تشغله عن الحكم الذي تعين عليه ساغ له ان لا يجيب قوله وقد أجاب عثمان بن عفان عبدا للمغيرة بن شعبة لم أقف على اسم العبد المذكور والاثر رويناه موصولا في فوائد أبي محمد بن صاعد وفي زوائد البر والصلة لابن المبارك بسند صحيح إلى أبي عثمان النهدي ان عثمان بن عفان أجاب عبدا للمغيرة بن شعبة دعاه وهو صائم فقال أردت ان أجيب الداعي وأدعو بالبركة ثم ذكر حديث أبي موسى (6752) فكوا العاني بمهملة ثم نون هو الاسير وأجيبوا الداعي وهو طرف من حديث تقدم في الوليمة وغيرها بأتم من هذا قال بن بطال عن مالك لا ينبغي للقاضي ان يجيب الدعوة الا في الوليمة خاصة ثم ان شاء أكل وان شاء ترك والترك أحب إلينا لانه أنزه الا ان يكون لاخ في الله أو خالص قرابة أو مودة وكره مالك لاهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم انتهى وقد تقدم تفصيل احكام إجابة الدعوى في الوليمة وغيرها بما يغني عن اعادته (0) قوله باب هدايا العمال هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد وأبو عوانة من طريق يحيى بن سعيد الانصاري عن عروة عن أبي حميد رفعه هدايا العمال غلول وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن يحيى وهو من رواية إسماعيل عن الحجازيين وهي ضعيفة ويقال انه اختصره من حديث الباب كما تقدم بيان ذلك في الهبة وأورد فيه قصة بن اللتبية وقد تقدم بعض شرحها في الهبة وفي الزكاة وفي ترك الحيل وفي الجمعة وتقدم شئ مما يتعلق بالغلول في كتاب الجهاد (6753) قوله سفيان هو بن عيينة قوله عن الزهري قد ذكر في آخره ما يدل على ان سفيان سمعه من الزهري وهو قوله قال سفيان قصه علينا الزهري ووقع في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان حدثنا الزهري وأخرجه أبو نعيم من طريقه وعند الاسماعيلي من طريق محمد بن منصور عن سفيان قال قصه علينا الزهري وحفظناه قوله انه سمع عروة في رواية شعيب عن الزهري في الايمان والنذور أخبرني عروة قوله استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من بني أسد بفتح الهمزة وسكون السين المهملة كذا وقع هنا وهو يوهم انه بفتح السين نسبة إلى بني أسد بن خزيمة القبيلة المشهورة أو إلى بني أسد بن عبد العزى بطن من قريش وليس كذلك وانما قلت انه يوهمه لان الازدي تلازمه الاف واللام في الاستعمال أسماء وانسابا بخلاف بني أسد فبغير ألف ولام في الاسم ووقع في رواية الاصيلي هنا من بني الاسد بزياة الالف واللام ولا اشكال فيها مع سكون السين وقد وقع في الهبة عن عبد الله بن محمد الجعفي عن سفيان استعمل رجلا من الازد وكذا قال أحمد والحميدي في مسنديهما عن سفيان ومثله لمسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان وفي نسخة بالسين المهملة بدل الزاي ثم وجدت ما يزيل الاشكال ان ثبت وذلك ان أصحاب الانساب ذكروا أن في الازد بطنا يقال لهم بنو أسد بالتحريك ينسبون إلى أسد بن شريك بالمعجمة مصغرا بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم وبنو فهم بطن شهير من الازد فيحتمل ان بن الاتبية كان منهم فيصح ان يقال فيه الازدي بسكون الزاي والاسدي بسكون السين وبفتحها من بني أسد بفتح السين ومن بني الازد أو الاسد بالسكون فيهما لا غير وذكروا ممن ينسب كذلك مسددا شيخ البخاري قوله يقال له بن الاتبية كذا في رواية أبي ذر بفتح الهمزة والمثناة وكسر الموحدة وفي الهامش باللام بدل الهمزة كذلك ووقع كالاول لسائرهم
[ 145 ]
وكذا تقدم في الهبة وفي رواية مسلم باللام المفتوحة ثم المثناة الساكنة وبعضهم يفتحها وقد اختلف على هشام بن عروة عن أبيه أيضا انه باللام أو بالهمزة كما سيأتي قريبا في باب محاسبة الامام عماله بالهمزة ووقع لمسلم باللام وقال عياض ضبطه الاصيلي بخطه في هذا الباب بضم اللام وسكون المثناة وكذا قيده بن السكن قال وهو الصواب وكذا قال بن السمعاني بن اللتبية بضم اللام وفتح المثناة ويقال بالهمز بدل اللام وقد تقدم ان اسمه عبد الله واللتبية أمه لم نقف على تسميتها قوله على صدقة وقع في الهبة على الصدقة وكذا لمسلم تقدم في الزكاة تعيين من استعمل عليهم قوله فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدي لي في رواية معمر عن الزهري عند مسلم فجاء بالمال فدفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال هذا مالكم وهذه هدية أهديت لي وفي رواية هشام الآتية قريبا فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحاسبه قال هذا الذي لكم وهذه هدية أهديت لي وفي رواية أبي الزناد عن عروة عند مسلم فجاء بسواد كثير وهو بفتح المهملة وتخفيف الواو فجعل يقول هذا لكم وهذا أهدي لي وأوله عند أبي عوانة بعث مصدقا إلى اليمن فذكره والمراد بالسواد الاشياء الكثيرة والاشخاص البارزة من حيوان وغيره ولفظ السواد يطلق على كل شخص ولابي نعيم في المستخرج من هذا الوجه فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من يتوفى منه وهذا يدل على ان قوله في الرواية المذكورة فلما جاء حاسبه أي أمر من يحاسبه ويقبض منه وفي رواية أبي نعيم أيضا فجعل يقول هذا لكم وهذا لي حتى ميزه قال يقولون من أين هذا لك قال اهدي لي فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما اعطاهم قوله فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر زاد في رواية هشام قبل ذلك فقال ألا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك ان كنت صادقا ثم قام فخطب قوله قال سفيان أيضا فصعد المنبر يريد أن سفيان كان تارة يقول قام وتارة صعد ووقع في رواية شعيب ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم عشية بعد الصلاة وفي رواية معمر عن مسلم ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا وفي رواية أبي الزناد عند أبي نعيم فصعد المنبر وهو مغضب قوله ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول في رواية الكشميهني يقول بحذف الفاء وفي رواية شعيب فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول ووقع في رواية هشام بن عروة فاني استعمل الرجل منكم على أمور مما ولاني الله قوله هذا لك وهذا لي في رواية عبد الله بن محمد هذا لكم وهذا أهدي لي وفي رواية هشام فيقول هذا الذي لكم وهذه هدية أهديت لي وقد تقدم ما في رواية أبي الزناد من الزيادة قوله فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا في رواية هشام حتى تأتيه هديته ان كان صادقا قوله والذي نفسي بيده تقدم شرحه في أوائل كتاب الايمان النذور قوله لا يأتي بشئ الا جاء به يوم القيامة يعني لا يأتي بشئ يحوزه لنفسه ووقع في رواية عبد الله بن محمد لا يأخذ أحد منها شيئا وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة لا ينال أحد منكم منها شيئا وفي رواية أبي الزناد عند أبي عوانة لا يغل منه شيئا الا جاء به وكذا وقع في رواية شعيب عند المصنف وفي رواية معمر عند الاسماعيلي كلاهما بلفظ لا يغل بضم الغين المعجمة من الغلول وأصله الخيانة في الغنيمة ثم استعمل في كل خيانة قوله يحمله على رقبته في رواية أبي بكر على عنقه وفي رواية هشام لا يأخذ أحدكم منها شيئا قال هشام بغير حقه ولم يقع قوله قال هشام عند مسلم في رواية أبي أسامة المذكورة وأورده من
[ 146 ]
رواية بن نمير عن هشام بدون قوله بغير حقه وهذا مشعر بادراجها قوله ان كان أي الذي غله بعيرا له رغاء بضم الراء وتخفيف المعجمة مع المد هو صوت البعير قوله خوار يأتي ضبطه قوله أو شاة تيعر بفتح المثناة الفوقانية وسكون التحتانية بعدها مهملة مفتوحة ويجوز كسرها ووقع عند بن التين أو شاة لها يعار ويقال يعار قال وقال القزاز هو يعار بغير شك يعني بفتح التحتانية وتخفيف المهملة وهو صوت الشاة الشديد قال واليعار ليس بشئ كذا فيه وكذا لم أره هنا في شئ من نسخ الصحيح وقال غيره اليعار بضم أوله صوت المعز يعرت العنز تيعر بالكسر وبالفتح يعارا إذا صاحت قوله ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه وفي رواية عبد الله بن محمد عفرة إبطه بالافراد ولابي ذر عفر بفتح أوله ولبعضهم بفتح الفاء أيضا بلا هاء وكالاول في رواية شعيب بلفظ حتى انا لننظر إلى والعفرة بضم المهملة وسكون الفاء تقدم شرحها في كتاب الصلاة وحاصله ان العفر بياض ليس بالناصع قوله الا بالتخفيف هل بلغت بالتشديد ثلاثا أي أعادها ثلاث مرات وفي رواية عبد الله بن محمد في الهبة اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت ثلاثا وفي رواية مسلم قال اللهم هل بلغت مرتين ومثله لابي داود ولم يقل مرتين وصرح في رواية الحميدي بالثالثة اللهم بلغت والمراد بلغت حكم الله اليكم امتثالا لقوله تعالى له بلغ واشارة إلى ما يقع في القيامة من سؤال الامم هل بلغهم أنبياؤهم ما أرسلوا به إليهم قوله وزاد هشام هو من مقول سفيان وليس تعليقا من البخاري وقد وقع في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا الزهري وهشام بن عروة قالا حدثنا عروة بن الزبير وساقه عنهما مساقا واحدا وقال في آخره قال سفيان زاد فيه هشام قوله سمع اذني بفتح السين وكسر الميم وأذني بالافراد بقرينة قوله وأبصرته عيني قال عياض بسكون الصاد المهملة والميم وفتح الراء والعين للاكثر وحكى عن سيبويه قال العرب تقول سمع اذني زيدا بضم العين قال عياض والذي في ترك الحيل وجهه النصب على المصدر لانه لم يذكر المفعول وقد تقدم القول في ذلك في ترك الحيل ووقع عند مسلم في رواية أبي أسامة بصر وسمع بالسكون فيها والتثنية في أذني وعيني وعنده في رواية بن نمير بصر عيناي وسمع اذناي وفي رواية بن جريج عن هشام عند أبي عوانة بصر عينا أبي حميد وسمع أذناه قلت وهذا يتعين أن يكون بضم الصاد وكسر الميم وفي رواية مسلم من طريق أبي الزناد عن عروة قلت لابي حميد أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من فيه إلى أذني قال النووي معناه أنني أعلمه علما يقينا لا أشك في علمي به قوله وسلوا زيد بن ثابت فإنه سمعه معي في رواية الحميدي فإنه كان حاضرا معي وفي رواية الاسماعيلي من طريق معمر عن هشام يشهد على ما أقول زيد بن ثابت يحك منكبه منكبي رأى من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي رأيت وشهد مثل الذي شهدت وقد ذكرت في الايمان والنذور أني لم أجده من حديث زيد بن ثابت قوله ولم يقل الزهري سمع اذني هو مقول سفيان أيضا قوله خوار صوت والجؤار من تجأرون كصوت البقرة هكذا وقع هنا وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني والاول بضم الخاء المعجمة يفسر قوله في حديث أبي حميد بقرة لها خوار وهو في الرواية بالخاء المعجمة ولبعضهم بالجيم وأشار إلى ما في سورة طه عجلا جسدا له خوار وهو صوت العجل ويستعمل في غير البقر من الحيوان وأما قوله والجؤار فهو بضم الجيم واو مهموزة ويجوز تسهيلها وأشار بقوله يجأرون إلى ما في سورة قد أفلح بالعذاب إذا هم يجأرون قال
[ 147 ]
أبو عبيدة أي يرفعون أصواتهم كما يجأر الثور والحاصل انه بالجيم وبالخاء المعجمة بمعنى الا انه بالخاء للبقر وغيرها من الحيوان وبالجيم للبقر والناس قال الله تعالى فإليه تجأرون وفي قصة موسى له جؤار إلى الله بالتلبية أي صوت عال وهو عند مسلم من طريق داود بن أبي هند عن أبي العالية عن بن عباس وقيل أصله في البقر واستعمل في الناس ولعل المصنف أشار أيضا إلى قراءة الاعمش عجلا جسدا له جؤار بالجيم وفي الحديث من الفوائد ان الامام يخطب في الامور المهمة واستعمال اما بعد في الخطبة كما تقدم في الجمعة ومشروعية محاسبة المؤتمن وقد تقدم البحث فيه في الزكاة ومنع العمال من قبول الهدية ممن له عليه حكم وتقدم تفصيل ذلك في ترك الحيل ومحل ذلك إذا لم يأذن له الامام في ذلك لما أخرجه الترمذي من رواية قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال لا تصيبن شيئا بغير اذني فإنه غلول وقال المهلب فيه انها إذا أخذت تجعل في بيت المال ولا يختص العامل منها الا بما أذن له فيه الامام وهو مبني على ان بن اللتبية أخذ منه ما ذكر انه اهدي له وهو ظاهر السياق ولا سيما في رواية معمر قبل ولكن لم أر ذلك صريحا ونحوه قول بن قدامة في المغني لما ذكر الرشوة وعليها ردها لصاحبها ويحتمل ان تجعل في بيت المال لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بن اللتبية برد الهدية التي أهديت له لمن اهداها وقال بن بطال يلحق بهدية العامل الهدية لمن له دين ممن عليه الدين ولكن له أن يحاسب بذلك من دينه وفيه ابطال كل طريق يتوصل بها من يأخذ المال إلى محاباة المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ وقال بن المنير يؤخذ من قوله هلا جلس في بيت أبيه وأمه جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك كذا قال ولا يخفى ان محل ذلك إذا لم يزد على العادة وفيه ان من رأى متأولا أخطأ في تأويل يضر من اخذ به ان يشهر القول للناس ويبين خطأه ليحذر من الاغترار به وفيه جواز توبيخ المخطئ واستعمال المفضول في الامارة والامامة والامانة مع وجود من هو أفضل منه وفيه استشهاد الراوي والناقل بقول من يوافقه ليكون أوقع في نفس السامع وأبلغ في طمأنينته والله اعلم (0) قوله باب استقضاء الموالي أي توليتهم القضاء واستعمالهم أي على امرة البلاد حربا أو خراجا أو صلاة (6754) قوله كان سالم مولى أبي حذيفة تقدم التعريف به في الرضاع قوله يأم المهاجرين الاولين أي الذين سبقوا بالهجرة إلى المدينة قوله فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة أي بن عبد الاسد المخزومي زوج أم سلمة أم المؤمنين قبل النبي صلى الله عليه وسلم وزيد أي بن حارثة وعامر بن ربيعة أي العنزي بفتح المهملة والنون بعدها زاي وهو مولى عمر وقد تقدم في كتاب الصلاة في أبواب الامامة من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر لما قدم المهاجرون الاولون العصبة موضع بقباء قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنا فأفاد سبب تقديمه للامامة وقد تقدم شرحه مستوفى هناك في باب امامة المولى والجواب عن استشكال عد أبي بكر الصديق فيهم لانه انما هاجر صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وقد وقع في حديث بن عمر ان ذلك كان قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت جواب البيهقي بأنه يحتمل ان يكون سالم استمر يؤمهم بعد ان تحول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ونزل بدار أبي أيوب قبل بناء مسجده بها فيحتمل ان يقال فكان أبو بكر يصلي خلفه إذا جاء إلى قباء وقد تقدم في باب الهجرة إلى المدينة من حديث البراء بن عازب أول من
[ 148 ]
قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان الناس ثم قدم بلال وسعد وعمار ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين وذكرت هناك ان بن إسحاق سمى منهم ثلاثة عشر نفسا وان البقية يحتمل ان يكونوا من الذين ذكرهم بن جريج وذكرت هناك الاختلاف فيمن قدم مهاجرا من المسلمين وان الراجح انه أبو سلمة بن عبد الاسد فعلى هذا لا يدخل أبو بكر ولا أبو سلمة في العشرين المذكورين وقد تقدم أيضا في أول الهجرة ان بن إسحاق ذكر ان عامر بن ربيعة أول من هاجر ولا ينافي ذلك حديث الباب لانه كان يأتم بسالم بعد ان هاجر سالم ومناسبة الحديث للترجمة من جهة تقديم سالم وهو مولى علي من ذكر من الاحرار في امامة الصلاة ومن كان رضا في أمر الدين فهو رضا في أمور الدنيا فيجوز أن يولى القضاء والامرة على الحرب وعلى جباية الخراج واما الامامة العظمى فمن شروط صحتها ان يكون الامام قرشيا وقد مضى البحث في ذلك في أول كتاب الاحكام ويدخل في هذا ما أخرجه مسلم من طريق أبي الطفيل ان نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان وكان عمر استعمله على مكة فقال من استعملت عليهم فقال بن أبزى يعني بن عبد الرحمن قال استعملت عليهم مولى قال انه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض فقال عمر ان نبيكم قد قال ان الله يرفع بهذا الكتاب أقوما ويضع به آخرين (0) قوله باب العرفاء للناس بالمهملة والفاء جمع عريف بوزن عظيم وهو القائم بأمر طائفة من الناس من عرفت بالضم وبالفتح على القوم أعرف بالضم فأنا عارف وعريف أي وليت أمر سياستهم وحفظ امورهم وسمي بذلك لكونه يتعرف أمورهم حتى يعرف بها من فوقه عند الاحتياج وقيل العريف دون المنكب وهو دون الامير (6755) قوله إسماعيل بن إبراهيم هو بن عقبة والسند كله مدنيون قوله قال بن شهاب في رواية محمد بن فليح عن موسى بن عقبة قال لي بن شهاب أخرجها أبو نعيم قوله حين أذن لهم المسلمون في عتق سبي هوازن في رواية النسائي من طريق محمد بن فليح حتى أذن له بالافراد وكذا للاسماعيلي وأبي نعيم ووجه الاول أن الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه أو من أقامه في ذلك وهذه القطعة مقتطعة من قصة السبي الذي غنمه المسلمون في وقعة حنين ونسبوا إلى هوازن لانهم كانوا رأس تلك الوقعة وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك وتفصيل الامر فيه في وقعة حنين وأخرجها هناك مطولة من رواية عقيل عن بن شهاب وفيه وأني رأيت اني أرد إليهم سبيهم فمن أحب ان يطيب بذلك فليفعل وفيه فقال الناس قد طيبنا ذلك يا رسول الله فقال انا لا ندري الخ قوله من أذن فيكم في رواية الكشميهني منكم وكذا للنسائي والاسماعيلي قوله فأخبروه ان الناس قد طيبوا وأذنوا تقدم في غزوة حنين ما يؤخذ منه أن نسبة الاذن وغيره إليهم حقيقة ولكن سبب ذلك مختلف فالاغلب الاكثر طابت أنفسهم ان يردوا السبي لاهله بغير عوض وبعضهم رده بشرط التعويض ومعنى طيبوا وهو بالتشديد حملوا أنفسهم على ترك السبايا حتى طابت بذلك يقال طيبت نفسي بكذا إذا حملتها على السماح به من غير اكراه فطابت بذلك ويقال طيبت بنفس فلان إذا كلمته بكلام يوافقه وقيل هو من قولهم طاب الشئ إذا صار حلالا وانما عداه بالتضعيف ويؤيده قوله فمن احب ان يطيب ذلك أي يجعله حلالا وقولهم طيبنا فيحمل عليه قول العرفاء انهم طيبوا قال بن بطال في الحديث مشروعية إقامة العرفاء لان الامام لا يمكنه أن يباشر جميع الامور بنفسه فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه قال
[ 149 ]
والامر والنهي إذا توجه إلى الجميع يقع التوكل فيه من بعضهم فربما وقع التفريط فإذا أقام على كل قوم عريفا لم يسع كل أحد الا القيام بما أمر به وقال بن المنير في الحاشية يستفاد منه جواز الحكم بالاقرار بغير اشهاد فان العرفاء ما أشهدوا على كل فرد فرد شاهدين بالرضا وانما أقر الناس عندهم وهم نواب للامام فاعتبر ذلك وفيه ان الحاكم يرفع حكمه إلى حاكم آخر مشافهة فينفذه إذا كان كل منهما في محل ولايته قلت وقع في سير الواقدي ان أبا رهم الغفاري كان يطوف على القبائل حتى جمع العرفاء واجتمع الامناء على قول واحد وفيه ان الخبر الوارد في ذم العرفاء لا يمنح إقامة العرفاء لانه محمول ان ثبت على ان الغالب على العرفاء الاستطالة ومجاوزة الحد وترك الانصاف المفضي إلى الوقوع في المعصية والحديث المذكور أخرجه أبو داود من طريق المقدام بن معد يكرب رفعه العرافة حق ولا بد للناس من عريف والعرفاء في النار ولاحمد وصححه بن خزيمة من طريق عباد بن أبي علي عن أبي حازم عن أبي هريرة رفعه ويل للامراء ويل للعرفاء قال الطيبي قوله والعرفاء في النار ظاهر أقيم مقام الضمير يشعر بأن العرافة على خطر ومن باشرها غير آمن من الوقوع في المحذور المفضي إلى العذاب فهو كقوله تعالى ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا فينبغي للعاقل ان يكون على حذر منها لئلا يتورط فيما يؤديه إلى النار قلت ويؤيد هذا التأويل الحديث الآخر حيث توعد الامراء بما توعد به العرفاء فدل على ان المراد بذلك الاشارة إلى ان كل من يدخل في ذلك لا يسلم وأن الكل على خطر والاستثناء مقدر في الجميع واما قوله العرافة حق فالمراد به أصل نصبهم فان المصلحة تقتضيه لما يحتاج إليه الامير من المعاونة على ما يتعاطاه بنفسه ويكفي في الاستدلال لذلك وجودهم في العهد النبوي كما دل عليه حديث الباب (0) قوله ما يكره من ثناء السلطان الاضافة فيه المفعول أي من الثناء على السلطان بحضرته بقرينة قوله وإذا خرج أي من عنده قال غير ذلك ووقع عند بن بطال من الثناء على السلطان وكذا عند أبي نعيم عن أبي أحمد الجرجاني عن الفربري وقد تقدم معنى هذه الترجمة في أواخر كتاب الفتن إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه وهذه أخص من تلك (6756) قوله قال أناس لابن عمر قلت سمى منهم عروة بن الزبير ومجاهد وأبو إسحاق الشيباني ووقع عند الحسن بن سفيان من طريق معاذ عن عاصم عن أبيه دخل رجل على بن عمر أخرجه أبو نعيم من طريقه قوله انا ندخل على سلطاننا في رواية الطيالسي عن عاصم سلاطيننا بصيغة الجمع قوله فنقول لهم أي نثني عليهم في رواية الطيالسي فنتكلم بين أيديهم بشئ ووقع عند بن أبي شيبة من طريق أبي الشعثاء قال دخل قوم على بن عمر فوقعوا في يزيد بن معاوية فقال اتقولون هذا في وجوههم قالوا بل نمدحهم ونثني عليهم وفي رواية عروة بن الزبير عند الحارث بن أبي أسامة والبيهقي قال أتيت بن عمر فقلت انا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء فيتكلمون في شئ نعلم ان الحق غيره فنصدقهم فقال كنا نعد هذا نفاقا فلا أدري كيف هو عندكم لفظ البيهقي في رواية الحارث يا أبا عبد الرحمن انا ندخل على الامام يقضي بالقضاء نراه جورا فنقول تقبل الله فقال انا نحن معاشر محمد فذكر نحوه وفي كتاب الايمان لعبد الرحمن بن عمر الاصبهاني بسنده عن عريب الهمداني قلت لابن عمر فذكر نحوه وعريب بمهملة وموحدة وزن عظيم وللخرائطي في المساوى من طريق الشعبي قلت لابن عمر انا ندخل على أمرائنا فنمدحهم فإذا خرجنا قلنا لهم خلاف ذلك فقال كنا نعد هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاقا وفي
[ 150 ]
مسند مسدد من رواية يزيد بن أبي زياد عن مجاهد ان رجلا قدم على بن عمر فقال له كيف أنتم وأبو أنيس الضحاك بن قيس قال إذا لقيناه قلنا له ما يحب وإذا ولينا عنه قلنا له غير ذلك قال ذاك ما كنا نعده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من النفاق وفي الاوسط للطبراني من طريق الشيباني يعنى أبا إسحاق وسليمان بن فيروز الكوفي قوله كنا نعدها بضم العين من العد هكذا اختصره أبو ذر وله عن الكشميهني نعد هذا وعند غير أبي ذر مثله وزادوا نفاقا وعند بن بطال ذلك بدل هذا ومثله للاسماعيلي من طريق يزيد بن هارون عن عاصم بن محمد وعنده من النفاق وزاد قال عاصم فسمعني أخى يعني عمر أحدث بهذا الحديث فقال قال أبي قال بن عمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا أخرجه الطيالسي في مسنده عن عاصم بن محمد إلى قوله نفاقا قال عاصم فحدثني أخي عن أبي ان بن عمر قال كنا نعده نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقع في الاطراف للمزي ما نصه خ في الاحكام عن أبي نعيم عن عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه به قال ورواه معاذ بن معاذ عن عاصم وقال في آخره فحدثت به أخي عمر فقال ان أباك كان يزيد فيه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قوله وقال معاذ إلى آخره لم يذكره أبو مسعود فيحتمل أن يكون نقله من كتاب خلف ولم أره في شئ من الروايات التي وقعت لنا على الفربري ولا غيره عن البخاري وقد قال الاسماعيلي عقب الزيادة المذكورة ليس في حديث البخاري على عهد رسول الله (6757) قوله عن يزيد بن أبي حبيب هو المصري من صغار التابعين قوله عن عراك بكسر العين المهملة وتخفيف الراء وآخره كاف هو بن مالك الغفاري المدني فالسند دائر بين مصري ومدني قوله ان شر الناس ذو الوجهين تقدم في باب ما قيل في ذي الوجهين من كتاب الادب من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ من شر الناس وتقدم شرحه وسائر فوائده هناك وتعرض بن بطال هنا لذكر ما يعارض ظاهره من قوله صلى الله عليه وسلم للذي استأذن عليه بئس أخو العشيرة فلما دخل ألان له القول وتكلم على الجمع بينهما وحاصله انه حيث ذمه كان لقصد التعريف بحاله وحيث تلقاه بالبشر كان لتأليفه أو لاتقاء شره فما قصد بالحالتين الا نفع المسلمين ويؤيده أنه لم يصفه في حال لقائه بأنه فاضل ولا صالح وقد تقدم الكلام عليه أيضا في باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا من كتاب الادب وتقدم فيه أيضا بيان ما يجوز من الاغتياب في باب آخر بعد ذلك (0) قوله القضاء على الغائب أي في حقوق الآدميين دون حقوق الله بالاتفاق حتى لو قامت البينة على غائب بسرقة مثلا حكم بالمال دون القطع قال بن بطال أجاز مالك والليث والشافعي وأبو عبيد وجماعة الحكم على الغائب واستثنى بن القاسم عن مالك ما يكون للغائب فيه حجج كالارض والعقار الا ان طالت غيبته أو انقطع خبره وأنكر بن الماجشون صحة ذلك عن مالك وقال العمل بالمدينة على الحكم على الغائب مطلق حتى لو غاب بعد ان توجه عليه الحكم قضي عليه وقال بن أبي ليلى وأبو حنيفة لا يقضى على الغائب مطلقا واما من هرب أو استتر بعد إقامة البينة فينادي القاضي عليه ثلاثا فان جاء والا انفذ الحكم عليه وقال بن قدامة إجازة أيضا بن شبرمة والاوزاعي وإسحاق وهو أحد الروايتين عن أحمد ومنعه أيضا الشعبي والثوري وهي الرواية الاخرى عن أحمد قال واستثنى أبو حنيفة من له وكيل مثلا فيجوز الحكم عليه بعد الدعوى على وكيله واحتج من منع بحديث على رفعه لا تقضى لاحد الخصمين حتى تسمع من الآخر وهو حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما وبحديث الامر بالمساواة بين
[ 151 ]
الخصمين وبأنه لو حضر لم تسمع بينة المدعي حتى يسأل المدعى عليه فإذا غاب فلا تسمع وبأنه لو جاز الحكم مع غيبته لم يكن الحضور واجبا عليه وأجاب من أجاز بأن ذلك كله لا يمنع الحكم على الغائب لان حجته إذا حضر قائمة فتسمع ويعمل بمقتضاها ولو أدى إلى نقض الحكم السابق وحديث علي محمول على الحاضرين وقال بن العربي حديث علي انما هو مع إمكان السماع فأما مع تعذره بمغيب فلا يمنع الحكم كما لو تعذر باغماء أو جنون أو حجر أو صغر وقد عمل الحنفية بذلك في الشفعة والحكم على من عنده للغائب ماله ان يدفع منه نفقة زوج الغائب ثم ذكر المصنف حديث عائشة في قصة هند وقد احتج بها الشافعي وجماعة لجواز القضاء على الغائب وتعقب بأن أبا سفيان كان حاضرا في البلد وتقدم بيان ذلك مستوفي في كتاب النفقات مع شرح الحديث المذكور ولله الحمد وذكر بن التين فيه من الفوائد غير ما تقدم خروج المراة في حوائجها وان صوتها ليس بعورة قلت وفي كل منهما نظر أما الاول فلانه جاء ان هندا كانت جاءت للبيعة فوقع ذكر النفقة تبعا وأما الثاني فحال الضرورة مستثنى وانما النزاع حيث لا ضرورة (0) قوله باب بالتنوين من قضي له بضم أوله بحق أخيه أي خصمه فهي أخوة بالمعنى الاعم وهو الجنس لان المسلم والذمي والمعاهد والمرتد في هذا الحكم سواء فهو مطرد في الاخ من النسب ومن الرضاع وفي الدين وغير ذلك ويحتمل ان يكون تخصيص الاخوة بالذكر من باب التهييج وانما عبر بقوله بحق أخيه مراعاة للفظ الخبر ولذلك قال فلا يأخذه لانه بقية الخبر وهذا اللفظ وقع في رواية هشام بن عروة عن أبيه وقد تقدم في ترك الحيل من طريق الثوري عنه قوله فإن قضاء الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا هذا الكلام أخذه من قول الشافعي فإنه لما ذكر هذا الحديث قال فيه دلالة على ان الامة انما كلفوا القضاء على الظاهر وفيه ان قضاء القاضي لا يحرم حلالا ولا يحل حراما (6759) قوله عن صالح هو بن كيسان وصرح به في رواية الاسماعيلي قوله سمع خصومة في رواية شعيب عن الزهري سمع جلبة خصام والجلبة بفتح الجيم واللام اختلاط الاصوات ووقع في رواية يونس عند مسلم جلبة خصم بفتح الخاء وسكون الصاد وهو اسم مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمثنى مذكرا ومؤنثا ويجوز جمعه وتثنيته كما في رواية الباب خصوم وكما في قوله تعالى هذان خصمان ولمسلم من طريق معمر عن هشام لجبة بتقديم اللام على الجيم وهي لغة فيها فأما الخصوم فلم أقف على تعيينهم ووقع التصريح بأنهما كانا اثنين في رواية عبد الله بن رافع عن أم سلمة عند أبي داود ولفظه اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان يختصمان واما الخصومة فبين في رواية عبد الله بن رافع انها كانت في مواريث لهما وفي لفظ عنده في مواريث وأشياء قد درست قوله باب حجرته في رواية شعيب ويونس عند مسلم عن بابه والحجرة المذكورة هي منزل أم سلمة ووقع عند مسلم في رواية معمر بباب أم سلمة قوله انما أنا بشر البشر الخلق يطلق على الجماعة والواحد بمعنى انه منهم والمراد أنه مشارك للبشر في أصل الخلقة ولو زاد عليهم بالمزايا التي أختص بها في ذاته وصفاته والحصر هنا مجازي لانه يختص بالعلم الباطن ويسمى قصر قلب لان أتى به ردا على من زعم ان من كان رسولا فإنه يعلم كل غيب حتى لا يخفى عليه المظلوم قوله وانه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ابلغ من بعض في رواية سفيان الثوري في ترك الحيل وانكم تختصمون الي ولعل بعضكم ان يكون
[ 152 ]
الحن بحجته من بعض ومثله لمسلم من طريق أبي معاوية وتقدم البحث في المراد بقوله ألحن في ترك الحيل قوله فأحسب أنه صادق هذا يؤذن أن في الكلام حذفا تقديره وهو في الباطن كاذب وفي رواية معمر فاظنه صادقا قوله فأقضي له بذلك في رواية أبي داود من طريق الثوري فأقضي له عليه على نحو مما أسمع ومثله في رواية أبي معاوية وفي رواية عبد الله بن رافع اني انما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه قوله فمن قضيت له بحق مسلم في رواية مالك ومعمر فمن قضيت له بشئ من حق أخيه وفي رواية الثوري فمن قضيت له من أخيه شيئا وكأنه ضمن قضيت معنى أعطيت ووقع عند أبي داود عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه فمن قضيت له من حق أخيه بشئ فلا يأخذه وفي رواية عبد الله بن رافع عند الطحاوي والدارقطني فمن قضيت له بقضية أراها يقطع بها قطعة ظلما فانما يقطع له بها قطعة من نار أسطاما يأتي بها في عنقه يوم القيامة والاسطام بكسر الهمزة وسكون المهملة والطاء المهملة قطعة فكأنها للتأكيد قوله فانما هي الضمير للحالة أو القصة قوله قطعة من النار أي الذي قضيت له به بحسب الظاهر إذا كان في الباطن لا يستحقه فهو عليه حرام يئول به إلى النار وقوله قطعة من النار تمثيل يفهم منه شدة التعذيب على من يتعاطاه فهو من مجاز التشبيه كقوله تعالى انما يأكلون في بطونهم نارا قوله فليأخذها أو ليتركها في رواية يونس فليحملها أو ليذرها وفي رواية مالك عن هشام فلا يأخذه فانما أقطع له قطعة من النار قال الدارقطني هشام وان كان ثقة لكن الزهري أحفظ منه وحكاه الدارقطني عن شيخه أبي بكر النيسابوري قلت ورواية الزهري ترجع إلى رواية هشام فان الامر فيه للتهديد لا لحقيقة التخيير بل هو كقوله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر قال بن التين هو خطاب للمقضي له ومعناه أنه أعلم من نفسه هل هو محق أو مبطل فان كان محقا فليأخذ وان كان مبطلا فليترك ف ان الحكم لا ينقل الاصل عما كان عليه تنبيه زاد عبد الله بن رافع في آخر الحديث فبكى الرجلان وقال كل منهما حقي لك فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم أما إذا فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق ثم استهما ثم تحاللا وفي هذا الحديث من الفوائد اثم من خاصم في باطل حتى استحق به في الظاهر شيئا هو في الباطل حرام عليه وفيه ان من ادعى مالا ولم يكن له بينة فحلف المدعى عليه وحكم الحاكم ببراءة الحالف أنه لا يبرأ في الباطن وان المدعي لو أقام بينة بعد ذلك تنافي دعواه سمعت وبطل الحكم وفيه أن من احتال لامر باطل بوجه من وجوه الحيل حتى يصير حقا في الظاهر ويحكم له به أنه لا يحل له تناوله في الباطن ولا يرتفع عنه الاثم بالحكم وفيه ان المجتهد قد يخطئ فيرد به على من زعم أن كل مجتهد مصيب وفيه ان المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه اثم بل يؤجر كما سيأتي وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شئ وخالف في ذلك قوم وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم وفيه انه ربما أداه اجتهاده إلى أمر فيحكم به ويكون في الباطن بخلاف ذلك لكن مثل ذلك لو وقع لم يقر عليه صلى الله عليه وسلم لثبوت عصمته واحتج من منع مطلقا بأنه لو جاز وقوع الخطأ في حكمه للزم أمر المكلفين بالخطأ لثبوت الامر باتباعه في جميع أحكامه حتى قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية وبأن الاجماع معصوم من الخطأ فالرسول أولى بذلك لعلو رتبته والجواب عن الاول ان الامر إذا استلزم إيقاع الخطأ لا محذور فيه لانه موجود في حق المقلدين فانهم مأمورن باتباع المفتي والحاكم
[ 153 ]
ولو جاز عليه الخطأ والجواب عن الثاني أن الملازمة مردودة فان الاجماع إذا فرض وجوده دل على أن مستندهم ما جاء عن الرسول فرجع الاتباع إلى الرسول لا إلى نفس الاجماع والحديث حجة لمن اثبت انه قد يحكم بالشئ في الظاهر ويكون الامر في الباطن بخلافه ولا مانع من ذلك إذ لا يلزم منه محال عقلا ولا نقلا وأجاب من منع بأن الحديث يتعلق بالحكومات الواقعة في فصل الخصومات المبنية على الاقرار أو البينة ولا مانع من وقوع ذلك فيها ومع ذلك فلا يقر على الخطأ وانما الممتنعة أن يقع فيه الخطأ أن يخبر عن أمر بأن الحكم الشرعي فيه كذا ويكون ذلك ناشئا عن اجتهاده فإنه لا يكون إلا حقا لقوله تعالى وما ينطق عن الهوى الآية وأجيب بأن ذلك يستلزم الحكم الشرعي فيعود الاشكال كما كان ومن حجج من أجاز ذلك قوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم فيحكم بإسلام من تلفظ بالشهادتين ولو كان في نفس الامر يعتقد خلاف ذلك والحكمة في ذلك مع أنه كان يمكن اطلاعه بالوحي على كل حكومة أنه لما كان مشرعا كان يحكم بما شرع للمكلفين ويعتمده الحكام بعده ومن ثم قال انما أنا بشر أي في الحكم بمثل ما كلفوا به والى هذه النكتة أشار المصنف بإيراده حديث عائشة في قصة بن وليدة زمعة حيث حكم صلى الله عليه وسلم بالولد لعبد بن زمعة وألحقه بزمعة ثم لما رأى شبهة بعتبة أمر سودة ان تحتجب منه احتياطا ومثله قوله في قصة المتلاعنين لما وضعت التي لوعنت ولدا يشبه الذي رميت به لولا الايمان لكان لي ولها شأن فأشار البخاري إلى انه صلى الله عليه وسلم حكم في بن وليدة زمعة بالظاهر ولو كان في نفس الامر ليس من زمعة ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد ولا هو من موارد الاختلاف في ذلك وسبقه إلى ذلك الشافعي فإنه لما تكلم على حديث الباب قال وفيه ان الحكم بين الناس يقع على ما يسمع من الخصمين بما لفظوا به وان كان يمكن أن يكون في قلوبهم غير ذلك وانه لا يقضى على أحد بغير ما لفظ به فمن فعل ذلك فقد خالف كتاب الله وسنة نبيه قال ومثل هذا قضاؤه لعبد بن زمعة بابن الوليدة فلما رأى الشبه بينا بعتبة قال احتجبي منه يا سودة انتهى ولعل السر في قوله انما أنا بشر امتثال قول الله تعالى قل انما انا بشر مثلكم أي في اجراء الاحكام على الظاهر الذي يستوي فيه جميع المكلفين فأمر ان يحكم بمثل ما أمروا أن يحكموا به ليتم الاقتداء به وتطيب نفوس العباد للانقياد إلى الاحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن والحاصل ان هنا مقامين أحدهما طريق الحكم وهو الذي كلف المجتهد بالتبصر فيه وبه يتعلق الخطأ والصواب وفيه البحث والآخر ما يبطنه الخصم ولا يطلع عليه الا الله ومن شاء من رسله فلم يقع التكليف به قال الطحاوي ذهب قوم إلى ان الحكم بتمليك مال أو إزالة ملك أو اثبات نكاح أو فرقة أو نحو ذلك ان كان في الباطن كما هو في الظاهر نفذ على ما حكم به وان كان في الباطن على خلاف ما استند إليه الحاكم من الشهادة أو غيرها لم يكن الحكم موجبا للتمليك ولا الازالة ولا النكاح ولا الطلاق ولا غيرها وهو قول الجمهور ومعهم أبو يوسف وذهب آخرون إلى ان الحكم ان كان في مال وكان الامر في الباطن بخلاف ما استند إليه الحاكم من الظاهر لم يكن ذلك موجبا لحله للمحكوم له وان كان في نكاح أو طلاق فإنه ينفذ باطنا وظاهرا وحملوا حديث الباب على ما ورد فيه وهو المال واحتجوا لما عداه بقصة المتلاعنين فإنه صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين مع احتمال أن يكون الرجل
[ 154 ]
قد صدق فيما رماها به قال فيؤخذ من هذا أن كل قضاء ليس في تمليك مال انه على الظاهر ولو كان الباطن بخلافه وان حكم الحاكم يحدث في ذلك التحريم والتحليل بخلاف الاموال وتعقب بأن الفرقة في اللعان انما وقعت عقوبة للعلم بأن أحدهما كاذب وهو أصل برأسه فلا يقاس عليه وأجاب غيره من الحنفية بأن ظاهر الحديث يدل على ان ذلك مخصوص بما يتعلق بسماع كلام الخصم حيث لا بينة هناك ولا يمين وليس النزاع فيه وانما النزاع في الحكم المرتب على الشهادة وبأن من في قوله فمن قضيت له شرطية وهي لا تسلتزم الوقوع فيكون من فرض ما لم يقع وهو جائز فيما تعلق به غرض وهو هنا محتمل لان يكون للتهديد والزجر عن الاقدام على أخذ أموال الناس باللسن والابلاغ في الخصومة وهو وان جاز أن يستلزم عدم نفوذ الحكم باطنا في العقود والفسوخ لكنه لم يسق لذلك فلا يكون فيه حجة لمن منع وبأن الاحتجاج به يستلزم أنه صلى الله عليه وسلم يقر على الخطأ لانه لا يكون ما قضى به قطعة من النار الا إذا استمر الخطأ والا فمتى فرض انه يطلع عليه فإنه يجب ان يبطل ذلك الحكم ويرد الحق لمستحقه وظاهر الحديث يخالف ذلك فاما ان يسقط الاحتجاج به ويؤول على ما تقدم واما ان يستلزم استمرار التقرير على الخطأ وهو باطل والجواب عن الاول أنه خلاف الظاهر وكذا الثاني والجواب عن الثالث ان الخطأ الذي لا يقر عليه هو الحكم الذي صدر عن اجتهاد فيما لم يوح إليه فيه وليس النزاع فيه وانما النزاع في الحكم الصدار منه بناء على شهادة زور أو يمين فاجرة فلا يسمى خطأ للاتفاق على وجوب العمل بالشهادة وبالايمان والا لكان الكثير من الاحكام يسمى خطأ وليس كذلك كما تقدمت الاشارة إليه في حديث أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وحديث أني لم أومر بالتنقيب عن قلوب الناس وعلى هذا فالحجة من الحديث ظاهرة في شمول الخبر الاموال والعقود والفسوخ والله اعلم ومن ثم قال الشافعي أنه لا فرق في دعوى حل الزوجة لمن أقام بتزويجها بشاهدي زور وهو يعلم بكذبهما وبين من ادعى على حر أنه في ملكه وأقام بذلك شاهدي زور وهو يعلم حريته فإذا حكم له الحاكم بأنه ملكه لم يحل له أن يسترقه بالاجماع قال النووي والقول بأن حكم الحاكم يحل ظاهرا وباطنا مخالف لهذا الحديث الصحيح وللاجماع السابق على قائله ولقاعدة أجمع العلماء عليها ووافقهم القائل المذكور وهو ان الابضاع أولى بالاحتياط من الاموال وقال بن العربي ان كان حاكما نفذ على المحكوم له أو عليه وان كان مفتيا لم يحل فان كان المفتي له مجتهدا يرى ب خلاف ما أفتاه به لم يجز والا جاز والله اعلم قال ويستفاد من قوله وتوخيا الحق جواز الابراء من المجهول لان التوخي لا يكون في المعلوم وقال القرطبي شنعوا على من قال ذلك قديما وحديثا لمخالفة الحديث الصحيح ولان فيه صيانة المال وابتذال الفروج وهي أحق أن يحتاط لها وتصان واحتج بعض الحنفية بما جاء عن علي ان رجلا خطب امرأة فأبت فادعى انه تزوجها وأقام شاهدين فقالت المرأة أنهما شهدا بالزور فزوجني أنت منه فقد رضيت فقال شاهداك زوجاك وأمضى عليها النكاح وتعقب بأنه لم يثبت عن علي واحتج المذكور من حيث النظر بأن الحاكم قضى بحجة شرعية فيما له ولاية الانشاء فيه فجعل الانشاء تحرزا عن الحرام والحديث صريح في المال وليس النزاع فيه فان القاضي لا يملك دفع مال زيد إلى عمرو ويملك إنشاء العقود والفسوخ فإنه يملك بيع أمة زيد مثلا من عمرو حال خوف الهلاك للحفظ وحال الغيبة ويملك
[ 155 ]
إنشاء النكاح على الصغيرة والفرقة على العنين فيجعل الحكم إنشاء احترازا عن الحرام ولانه لو لم ينفذ باطنا فلو حكم بالطلاق لبقي حلالا للزوج الاول باطنا وللثاني ظاهرا فلو ابتلى الثاني مثل ما ابتلى الاول حلت للثالث وهكذا فتحل لجمع متعدد في زمن واحد ولا يخفى فحشه بخلاف ما إذا قلنا بنفاذه باطنا فانها لا تحل الا لواحد انتهى وتعقب بأن الجمهور انما قالوا في هذا تحرم على الثاني مثلا إذا علم أن الحكم ترتب على شهادة الزور فإذا اعتمد الحكم وتعمد الدخول بها فقد ارتكب محرما كما لو كان الحكم بالمال فأكله ولو ابتلى الثاني كان حكم الثالث كذلك والفحش انما لزم من الاقدام على تعاطي المحرم فكان كما لو زنوا ظاهرا واحد بعد واحد وقال بن السمعاني شرط صحة الحكم وجود الحجة واصابة المحل وإذا كانت البينة في نفس الامر شهود زور لم تحصل الحجة لان حجة الحكم هي البينة العادلة فان حقيقة الشهادة إظهار الحق وحقيقة الحكم انفاذ ذلك وإذا كان الشهود كذبة لم تكن شهادتهم حقا قال فان احتجوا بأن القاضي حكم بحجة شرعية أمر الله بها وهي البينة العادلة في علمه ولم يكلف بالاطلاع على صدقهم في باطن الامر فإذا حكم بشهادتهم فقد امتثل ما أمر به فلو قلنا لا ينفذ في باطن الامر للزم ابطال ما وجب بالشرع لان صيانة الحكم عن الابطال مطلوبة فهو بمنزلة القاضي في مسألة اجتهادية على مجتهد لا يعتقد ذلك وانه يجب عليه قبول ذلك وان كان لا يعتقده صيانة للحكم وأجاب بن السمعاني بأن هذه الحجة للنفوذ ولهذا لا يأثم القاضي وليس من ضرورة وجوب القضاء نفوذ القضاء حقيقة في باطن الامر وانما يجب صيانة القضاء عن الابطال إذا صادف حجة صحيحة والله أعلم فرع لو كان المحكوم له يعتقد خلاف ما حكم له به الحاكم هل يحل له أخذ ما حكم له به أو لا كمن مات بن ابنه وترك أخا شقيقا فرفعه لقاض يرى في الجد رأي أبا بكر الصديق فحكم له بجميع الارث دون الشقيق وكان الجد المذكور يرى رأي الجمهور نقل بن المنذر عن الاكثر انه يجب على الجد ان يشارك الاخ الشقيق عملا بمعتقده والخلاف في المسألة مشهور واستدل بالحديث لمن قال ان الحاكم لا يحكم بعلمه بدليل الحصر في قوله انما أقضي له بما أسمع وقد تقدم البحث فيه قبل وفيه ان التعمق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين الباطن في صورة الحق وعكسه مذموم فان المراد بقوله أبلغ أي أكثر بلاغة ولو كان ذلك في التوصل إلى الحق لم يذم وانما يذم من ذلك ما يتوصل به إلى الباطل في صورة الحق فالبلاغة اذن لا تذم لذاتها وانما تذم بحسب التعلق الذي يمدح بسببه وهي في حد ذاتها ممدوحة وهذا كما يذم صاحبها إذا طرأ عليه بسببها الاعجاب وتحقير غيره ممن لم يصل إلى درجته ولا سيما ان كان الغير من أهل الصلاح فان البلاغة انما تذم من هذه الحيثية بحسب ما ينشأ عنها من الامور الخارجية عنها ولا فرق في ذلك بين البلاغة وغيرها بل كل فتنة توصل إلى المطلوب محمودة في حد ذاتها وقد تذم أو تمدح بحسب متعلقها واختلف في تعريف البلاغة فقيل ان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه وقيل إيصال المعنى إلى الغير بأحسن لفظ وقيل الايجاز مع الافهام والتصرف من غير إضمار وقيل قليل لا يبهم وكثير لا يسأم وقيل اجمال اللفظ واتساع المعنى وقيل تقليل اللفظ وتكثير المعنى وقيل حسن الايجاز مع إصابة المعنى وقيل سهولة اللفظ مع البديهة وقيل لمحة دالة أو كلمة تكشف عن البغية وقيل الايجاز من غير عجز والاطناب من غير خطأ وقيل النطق في موضعه والسكوت في موضعه وقيل معرفة الفصل
[ 156 ]
والوصل وقيل الكلام الدال أوله على آخر وعكسه وهذا كله عن المتقدمين وعرف أهل المعاني والبيان البلاغة بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال والفصاحة وهي خلوه عن التعقيد وقال المراد بالمطابقة ما يحتاج إليه المتكلم بحسب تفاوت المقامات كالتأكيد وحذفه والحذف وعدمه أو الايجاز والاسهاب ونحو ذلك والله أعلم وفيه الرد على من حكم بما يقع في خاطره من غير استناد إلى أمر خارجي من بينة ونحوها واحتج بأن الشاهد المتصل به أقوى من المنفصل عنه ووجه الرد عليه كونه صلى الله عليه وسلم أعلى في ذلك من غيره مطلقا ومع ذلك فقد دل حديثه هذا على انه انما يحكم بالظاهر في الامور العامة فلو كان المدعي صحيحا لكان الرسول أحق بذلك فإنه اعلم انه تجري الاحكام على ظاهرها ولو كان يمكن ان الله يطلعه على غيب كل قضية وسبب ذلك ان تشريع الحكام واقع على يده فكأنه أراد تعليم غيره من الحكام أن يعتمدوا ذلك نعم لو شهدت البينة مثلا بخلاف ما يعلمه علما حسيا بمشاهدة أو سماع يقينيا أو ظنيا راجحا لم يجز له أن يحكم بما قامت به البينة ونقل بعضهم الاتفاق وان وقع الاختلاف في القضاء بالعلم كما تقدم في باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء وفي الحديث أيضا موعظة الامام الخصوم ليعتمدوا الحق والعمل بالنظر الراجح وبناء الحكم عليه وهو أمر اجماعي للحاكم والمفتي والله سبحانه وتعالى اعلم (0) قوله باب الحكم في البئر ونحوها ذكر فيه حديث عبد الله وهو بن مسعود في نزول قوله تعالى (6761) ان الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلا وفيه قول الاشعث في نزلت وفي رجل خاصمته في بئر وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الايمان والنذور قال بن بطال هذا الحديث حجة في ان حكم الحاكم في الظاهر لا يحل الحرام ولا يبيح المحظور لانه صلى الله عليه وسلم حذر أمته عقوبة من اقتطع من حق أخيه شيئا بيمين فاجرة والآية المذكورة من أشد وعيد جاء في القرآن فيؤخذ من ذلك ان من تحيل على أخيه وتوصل إلى شئ من حقه بالباطل فإنه لا يحل له لشدة الاثم فيه قال بن المنير وجه دخول هذه الترجمة في القصة مع انه لا فرق بين البئر والدار والعبد حتى ترجم على البئر وحدها انه أراد الرد على من زعم ان الماء لا يملك فحقق بالترجمة أنه يملك لوقوع الحكم بين المتخاصمين فيها انتهى وفيه نظر من وجهين أحدهما انه لم يقتصر في الترجمة على البئر بل قال ونحوها والثاني لو اقتصر لم يكن في حجة على من منع بيع الماء لانه يجوز بيع البئر ولا يدخل الماء وليس في الخبر تصريح بالماء فكيف يصبح الرد (0) قوله باب بالتنوين القضاء في قليل المال وكثيره سواء قال بن المنير كأنه خشي غائلة التخصيص في الترجمة التي قبل هذه فترجم بأن القضاء عام في كل شئ قل أو جل ثم ذكر فيه حديث أم سلمة المذكور قبل بباب لقوله فيه فمن قضيت له بحق مسلم وهو يتناول القليل والكثير وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال ان للقاضي أن يستنيب بعض من يريد في بعض الامور دون بعض بحسب قوة معرفته ونفاذ كلمته في ذلك وهو منقول عن بعض المالكية أو على من قال لا يجب اليمين الا في قدر معين من المال ولا تجب في الشئ التافه أو على من كان من القضاة لا يتعاطى الحكم في الشئ التافه بل إذا رفع إليه رده إلى نائبه مثلا قاله بن المنير قال وهو نوع من الكبر والاول أليق بمراد البخاري قوله وقال بن عيينة هو سفيان الهلالي عن بن شبرمة هو عبد الله الضبي القضاء في قليل المال وكثيره سواء ولم يقع لي
[ 157 ]
هذا الاثر موصولا (0) قوله باب بيع الامام على الناس أموالهم وضياعهم قال بن المنير أضاف البيع إلى الامام ليشير إلى ان ذلك يقع في مال السفيه أو في وفاء دين الغائب أو من يمتنع أو غير ذلك ليتحقق ان للامام التصرف في عقود الاموال في الجملة قوله وقد باع النبي صلى الله عليه وسلم مدبرا من نعيم بن النحام قال بن المنير ذكر في الترجمة الضياع ولم يذكر الا بيع العبد فكأنه أشار إلى قياس العقار على الحيوان ثم أسند حديث جابر قال بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من أصحابه اعتق غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره فباعه بثمانمائة درهم ثم أرسل بثمنه إليه وقد مضى شرحه في كتاب العتق ووقع هنا للكشميهني عن دين بفتح الدال وسكون التحتانية بعدها نون بدل (6763) قوله عن دبر بضم الدال والموحدة بعدها راء والثاني هو المعروف والمشهور في الروايات كلها والاول تصحيف قال المهلب انما يبيع الامام على الناس أموالهم إذا رأى منهم سفها في أموالهم واما من ليس بسفيه فلا يباع عليه شئ من ماله الا في حق يكون عليه يعني إذا امتنع من أداء الحق وهو كما قال لكن قصة بيع المدبر ترد على هذا الحصر وقد أجاب عنها بأن صاحب المدبر لم يكن له مال غيره فلما رآه أنفق جميع ماله وانه تعرض بذلك للتهلكة نقض عليه فعله ولو كان لم ينفق جميع ماله لم ينقض فعله كما قال للذي كان يخدع في البيوع قل لا خلابة لانه لم يفوت على نفسه جميع ماله انتهى فكأنه كان في حكم السفيه فلذلك باع عليه ماله والله اعلم (0) قوله باب من لم يكترث بطعن من لا يعلم في الامراء حديثا أي لم يلتفت وزنه ومعناه وهو افتعال من الكرث بفتح أوله وسكون ثانيه وآخره مثلثة وهو المشقة ويستعمل نفيه في موضع عدم المبالاة قال المهلب معنى هذه الترجمة ان الطاعن إذا لم يعلم حال المطعون عليه فرماه بما ليس فيه لا يعبأ بذلك الطعن ولا يعمل به وقيده في الترجمة بمن لا يعلم إشارة إلى ان من طعن بعلم انه يعمل به فلو طعن بأمر محتمل كان ذلك راجعا إلى رأي الامام وعلى هذا يتنزل فعل عمر مع سعد حتى عزله مع براءته مما رماه به أهل الكوفة وأجاب المهلب بأن عمر لم يعلم من مغيب سعد ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم من زيد وأسامة يعني فكان سبب عزله قيام الاحتمال وقال غيره كان رأي عمر احتمال أخف المفسدتين فرأى ان عزل سعد أسهل من فتنة يثيرها من قام عليه من أهل تلك البلد وقد قال عمر في وصيته لم اعزله لضعف ولا لخيانة وقال بن المنير قطع النبي صلى الله عليه وسلم بسلامة العاقبة في امرة أسامة فلم يلتفت لطعن من طعن واما عمر فسلك سبيل الاحتياط لعدم قطعه بمثل ذلك وذكر حديث بن عمر في بعث أسامة وقد تقدم شرحه مستوفي في أواخر الوفاة النبوية من كتاب المغازي (6764) قوله فطعن في امارته بضم الطاء على البناء للمجهول وقوله ان تطعنوا في امارته فقد كنتم تطعنون في امارة أبيه أي ان طعنتم فيه فأخبركم بأنكم طعنتم من قبل في أبيه والتقرير ان تطعنوا في امارته فقد أثمتم بذلك لان طعنكم بذلك ليس حقا كما كنتم تطعنون في امارة أبيه وظهرت كفايته وصلاحيته للامارة وانه كان مستحقا لها فلم يكن لطعنكم مستند فلذلك لا اعتبار بطعنكم في امارة ولده ولا التفات إليه وقد قيل انما طعنوا فيه لكونه مولى وقيل انما كان الطاعن فيه من ينسب إلى النفاق وفيه نظر لان من جملة من سمى ممن طعن فيه عياش بتحتانية وشين معجمة بن أبي ربيعة المخزومي وكان من مسلمة الفتح لكنه كان من فضلاء الصحابة فعلى هذا فالخطاب بقوله ان تطعنوا لعموم الطاعنين سواء اتحد الطاعن فيهما
[ 158 ]
أم اختلف وقوله ان كان لخليقا أي مستحقا وقوله للامرة بكسر الهمزة وفي رواية الكشميهني للامارة وهما بمعنى (0) قوله باب الالد الخصم بفتح المعجمة وكسر الصاد المهملة وقد تقدم بيان المراد به في كتاب المظالم وفي تفسير سورة البقرة وقوله وهو الدائم في الخصومة من تفسير المصنف ويحتمل ان يكون المراد الشديد الخصومة فان الخصم من صيغ المبالغة فيحتمل الشدة ويحتمل الكثرة وقوله لدا عوجا وقع في رواية الكشميهني ألد أعوج وهو يرد على أين المنير حيث صحف هذه اللفظة فقال قوله أدا عوجا لا أعلم لهذا في هذه الترجمة وجها الا ان كان أراد أن الالد مشتق من اللدد وهو الاعوجاج والانحراف عن الحق وأصله من اللديد وهو جانب الوادي ويطلق على جانب الفم ومنه اللدود وهو صب الدواء منحرفا عن وسط الفم إلى جانبه فأراد ان يبين ان العوج يستعمل في المعاني كما يستعمل في الاعيان فمن استعماله في المعاني اللدود والالد وهو قوله تعالى لقد جئتم شيئا ادا أي شيئا منحرفا عن الصواب ومعوجا عن سمة الاعتدال قلت ولم أرها في شئ من نسخ البخاري هنا الا باللام وقد تقدم في تفسير سورة مريم نقله عن بن عباس انه قال ادا عظيما وعن مجاهد انه قال لدا عوجا وذكرت هناك من وصلهما ووجدت في تفسير عبد بن حميد من طريق معمر عن قتادة في قوله تعالى قوما لدا قال جدلا بالباطل ومن طريق سليمان التيمي عن قتادة قال الجدل الخصم ومن طريق مجاهد قال لا يستقيمون وهذا نحو قوله عوجا وأسند بن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله وتنذر به قوما ندا قال عوجا عن الحق وهو بضم العين وسكون الواو وفيه تقوية لما وقع في نسخ الصحيح واللد بضم اللام وتشديد الدال جمع الد وقد اسند بن أبي حاتم عن الحسن انه قال اللد الخصم وكأنه تفسير باللازم لانه من أعوج عن الحق كان كأنه لم يسمع وعن محمد بن كعب قال الالد الكذاب وكأنه أراد ان من يكثر المخاصمة يقع في الكذب كثيرا وتفسير الالد بالاعوج على ما وقع عند الكشميهني يحمل على انحرافه عن الحق وتفسير الالد بالشديد الخصومة لانه كلما اخذ عليه جانب من الحجة اخذ في آخر أو لاعماله لديدية وهما جانبا فمه في المخاصمة وقال أبو عبيدة في كتاب المجاز في قوله قوما لدا واحدهم ألد وهو الذي يدعي الباطل ولا يقبل الحق وذكر حديث عائشة في الالد وقد سبق شرحه وقوله (6765) أبغض الرجال الخ قال الكرماني الابغض هو الكافر فمعنى الحديث ابغض الرجال الكفار الكافر المعاند أو بعض الرجال المخاصمين قلت والثاني هو المعتمد وهو أعم من أن يكون كافرا أو مسلما فان كان كافرا فأفعل التفضيل في حقه على حقيقتها في العموم وان كان مسلما فسبب البغض أن كثرة المخاصمة تفضي غالبا إلى ما يذم صاحبه أو يخص في حق المسلمين بمن خاصم في باطل ويشهد للاول حديث كفى بك اثما ان لا تزال مخاصما أخرجه الطبراني عن أبي امامة بسند ضعيف وورد الترغيب في ترك المخاصمة فعند أبي داود من طريق سليمان بن حبيب عن أبي أمامة رفعه أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وان كان محقا وله شاهد عند الطبراني من حديث معاذ بن جبل والربض بفتح الراء والموحدة بعدها ضاد معجمة الاسفل (0) رضي الله تعالى عنه قوله باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد أي مردود (6766) قوله حدثنا محمود هو بن غيلان وقوله وحدثني أبو عبد الله نعيم بن حماد كذا لابي ذر عن بن عمر ولغيره قال أبو عبد الله وهو المصنف حدثني نعيم وساق غير أبي ذر أيضا السند إلى قوله عن بن عمر بعث النبي صلى
[ 159 ]
الله عليه وسلم خالدا ووقع في رواية عبد الرزاق بسنده إلى سالم وهو بن عبد الله بن عمر عن أبيه وقد تقدم شرح هذا الحديث في المغازي في باب بعث خالد إلى بني جذيمة والغرض منه قوله صلى الله عليه وسلم اللهم اني ابرأ إليك مما صنع خالد يعني من قتله الذين قالوا صبأنا قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك القول فان فيه إشارة إلى تصويب فعل بن عمر ومن تبعه في تركهم متابعة خالد على قتل من أمرهم بقتلهم من المذكورين وقال الخطابي الحكمة في تبرئة صلى الله عليه وسلم من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدا ان يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية ان يعتقد أحد انه كان بإذنه ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله اه ملخصا وقال بن بطال الاثم وان كان ساقطا عن المجتهد في الحكم إذا تبين انه بخلاف جماعة أهل العلم لكن الضمان لازم للمخطئ عند الاكثر مع الاختلاف هل يلزم ذلك عاقلة الحاكم أو بيت المال وقد تقدمت الاشارة إلى شئ من ذلك في كتاب الديات والذي يظهر ان التبرأ من الفعل لا يستلزم اثم فاعله ولا الزامه الغرامة فان اثم المخطئ مرفوع وان كان فعله ليس بمحمود (0) الله تبارك وتعالى قوله باب الامام يأتي قوما فيصلح بينهم في رواية الكشميهني ليصلح باللام بدل الفاء (6767) قوله كان قتال بين بني عمرو في رواية مالك عن أبي حازم الماضية في أبواب الامامة ان النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم وقد تقدم شرحه مستوفى هناك وذكره هناك بلفظ فليصفق والتصفيق ووقع هنا بلفظ فليصفح والتصفيح وهما بمعنى وقوله في هذه الطريق فلما حضرت صلاة العصر فأذن وأقام قال الكرماني جواب الفاء في قوله فلما محذوف سواء كانت لما شرطية أو ظرفية والتقدير جاء المؤذن قلت انما اختصره البخاري وقد أخرجه أبو داود عن عمرو بن عوف عن حماد فقال فيه بعد قوله ثم أتاهم ليصلح بينهم فقال لبلال أن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس فلما حضرت العصر أذن بلال ثم أقام فذكره وقوله ان امضه فعل أمر بالمضي والهاء للسكت وقوله هكذا أي أشار إليه بالمكث في مكانه وقوله يحمد الله في رواية الكشميهني فحمد الله بالفاء بدل التحتانية وفي قوله لم يكن لابن أبي قحافة هضم لنفسه وتواضع حيث لم يقل لي ولا لابي بكر وعادة العرب إذا عظمت الرجل ذكرته باسمه وكنيته أو لقبه وفي غير ذلك تنسبه إلى أبيه ولا تسميه قال بن المنير فقه الترجمة التنبيه على جواز مباشرة الحاكم الصلح بين الخصوم ولا يعد ذلك تصحيفا في الحكم وعلى جواز ذهاب الحاكم إلى موضع الخصوم للفصل بينهم اما عند عظم الخطب واما ليكشف مالا يحاط به الا بالمعاينة ولا يعد ذلك تخصيصا ولا تمييزا ولا وهنا تنبيه وقع في نسخة الصغاني في اخر هذا الحديث قال أبو عبد الله لم يقل هذا الحرف يا بلال فمر أبا بكر غير حماد (0) قوله باب يستحب للكاتب ان يكون أمينا عاقلا أي كاتب الحكم وغيره ذكر
[ 160 ]
فيه حديث زيد بن ثابت في قصته مع أبي بكر وعمر في جمع القرآن وقد تقدم شرحه مستوفى في فضائل القرآن والغرض منه قول أبي بكر لزيد انك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقوله (6768) في آخره قال محمد بن عبيد الله بالصغير وهو شيخ البخاري الذي روى عنه هذا الحديث فسر اللخاف التي ذكرت في هذا الحديث وهي بكسر اللام وتخفيف الخاء المعجمة بالخزف وهي بفتح الخاء المعجمة والزاي بعدها فاء وقد تقدم بيان الاختلاف في تفسيرها هناك وحكى بن بطال عن المهلب في هذا الحديث ان العقل أصل الخلال المحمودة لانه لم يصف زيدا بأكثر من العقل وجعله سببا لائتمانه ورفع التهمة عنه قلت وليس كما قال فان أبا بكر ذكر عقب الوصف المذكور وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ثم اكتفى بوصفه بالعقل لانه لو لم تثبت امانته وكفايته وعقله لما استكتبه النبي صلى الله عليه وسلم الوحي وانما وصفه بالعقل وعدم الاتهام دون ما عداهما إشارة إلى استمرار ذلك له والا فمجرد قوله لا نتهمك مع قوله عاقل لا يكفي في ثبوت الكفاية والامانة فكم من بارع في العقل والمعرفة وجدت منه الخيانة قال وفيه اتخاذ الكاتب للسلطان والقاضي وان من سبق له علم بأمر يكون أولى به من غيره إذا وقع وعند البيهقي بسند حسن عن عبد الله بن الزبير ان النبي صلى الله عليه وسلم استكتب عبد الله بن الارقم فكان يكتب له إلى الملوك فبلغ من امانته عنده انه كان يأمره ان يكتب ويختم ولا يقرؤه ثم استكتب زيد بن ثابت فكان يكتب الوحي ويكتب إلى الملوك وكان إذا غابا كتب جعفر بن أبي طالب وكتب له أيضا أحيانا جماعة من الصحابة ومن طريق عياض الاشعري عن أبي موسى انه استكتب نصرانيا فانتهره عمر وقرأ يا أيها الذي آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء الآية فقال أبو موسى والله ما توليته وانما كان يكتب فقال اما وجدت في أهل الاسلام من يكتب لا تدنهم إذ اقصاهم الله ولا تأتمنهم إذ خونهم الله ولا تعزهم بعد ان ذلهم الله (0) قوله باب كتاب الحاكم إلى عماله بضم العين وتشديد الميم جمع عامل وهو الوالي على بلد مثلا لجمع خراجها أو زكواتها أو الصلاة بأهلها أو التأمير على جهاد عدوها قوله والقاضي إلى أمنائه أي الذين يقيمهم في ضبط أمور الناس ذكر فيه حديث سهل بن أبي حثمة في قصة عبد الله بن سهل وقتله بخيبر وقيام حويصة ومن معه في ذلك والغرض منه (6769) قوله فيه فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أي إلى أهل خيبر به أي بالخبر الذي نقل إليه وقد تقدم بيانه مع شرح الحديث في باب القسامة وقوله هنا فكتب ما قتلناه في رواية الكشميهني فكتبوا بصيغة الجمع وهو أولى ووجه الكرماني الاول بأن المراد به الحي المسمى باليهود قال وفيه تكلف قلت وأقرب منه ان يراد الكاتب عنهم لان الذي يباشر الكتابة انما هو واحد فالتقدير فكتب كاتبهم قال بن المنير ليس في الحديث انه صلى الله عليه وسلم كتب إلى نائبه ولا إلى أمينه وانما كتب إلى الخصوم أنفسهم لكن يؤخذ من مشروعية مكاتبة الخصوم والبناء على ذلك جواز مكاتبة النواب والكتاب في حق غيرهم بطريق الاولى
[ 161 ]
(0) قوله باب هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلا وحده للنظر في الامور كذا للاكثر وفي رواية المستملي والكشميهني ينظر وكذا عند أبي نعيم ذكر فيه حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف وقد مضى شرحه مستوفى والغرض منه (6770) قوله عليه الصلاة والسلام واغد يا أنيس على امرأة هذا وقد تقدم الاختلاف في أن أنيسا كان حاكما أو مستخبرا والحكمة في إيراده الترجمة بصيغة الاستفهام الاشارة إلى خلاف محمد بن الحسن فإنه قال لا يجوز للقاضي أن يقول أقر عندي فلان بكذا لشئ يقضي به عليه من قتل أو مال أو عتق أو طلاق حتى يشهد معه على ذلك غيره وادعى أن مثل هذا الحكم الذي في حديث الباب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم قال وينبغي أن يكون في مجلس القاضي أبدا عدلان يسمعان من يقر ويشهدان على ذلك فينفذ الحكم بشهادتهما نقله بن بطال وقال المهلب فيه حجة لمالك في جواز انفاذ الحاكم رجلا واحدا في الاعذار وفي أن يتخذ واحدا يثق به يكشف عن حال الشهود في السر كما يجوز قبول الفرد فيما طريقه الخبر لا الشهادة قال وقد استدل به قوم في جواز تنفيذ الحكم دون اعذار إلى المحكوم عليه قال وهذا ليس بشئ لان الاعذار يشترط فيما كان الحكم فيه بالبينة لا مكان بالاقرار كما في هذه القصة لقوله فان اعترفت قلت وقد تقدم شئ من مسألة الاعذار عند شرح هذا الحديث (0) قوله باب ترجمة الحكام في رواية الكشميهني الحاكم بالافراد قوله وهل يجوز ترجمان واحد يشير إلى الاختلاف في ذلك فالاكتفاء بالواحد قول الحنفية ورواية عن أحمد واختارها البخاري وابن المنذر وطائفة وقال الشافعي وهي الرواية الراجحة عند الحنابلة إذا لم يعرف الحاكم لسان الخصم لم يقبل فيه الا عدلين لانه نقل ما خفي على الحاكم إليه فيما يتعلق بالحكومة فيشترط فيه العدل كالشهادة ولانه أخبر الحاكم بما لم يفهمه فكان كنقل الاقرار إليه من غير مجلسة قوله وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت هو أبوه قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود في رواية الكشميهني اليهودية بزيادة النسبة والمراد بالكتاب الخط قوله حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه يعني إليهم وأقرأته كتبهم أي التي يكتبونها إليه وهذا التعليق من الاحاديث التي لم يخرجها البخاري الا معلقة وقد وصله مطولا في كتاب التاريخ عن إسماعيل بن أبي أويس حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد قال اتى بي النبي صلى الله عليه وسلم مقدمة المدينة فأعجب بي فقيل له هذا غلام من بني النجار قد قرأ فيما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة فاستقرأني فقرأت ق فقال لي تعلم كتاب يهود فاني ما آمن يهود على كتابي فتعلمته في نصف شهر حتى كتبت له إلى يهود وأقرأ له إذا كتبوا إليه ووقع لنا بعلو في فوائد الفاكهي عن بن أبي ميسرة حدثنا يحيى بن قزعة حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه فذكره وفيه فما مر بي سوى خمس عشرة ليلة حتى تعلمته وأخرجه أبو داود والترمذي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد قال الترمذي حسن صحيح وقد رواه الاعمش عن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت ان النبي صلى الله عليه وسلم أمره ان يتعلم السريانية قلت وهذه الطريق وقعت لي بعلو في فوائد هلال الحفار قال حدثنا الحسين بن عياش حدثنا يحيى بن أيوب بن السرى حدثنا جرير عن الاعمش فذكره وزاد فتعلمتها في سبعة عشر يوما وأخرجه أحمد وإسحاق في مسنديهما
[ 162 ]
وأبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف من طريق الاعمش وأخرجه أبو يعلى من طريقه وعنده أني أكتب إلى قوم فاخاف أن يزيدوا علي وينقصوا فتعلم السريانية فذكره وله طريق آخرى أخرجها بن سعد وفي كل ذلك رد على من زعم ان عبد الرحمن بن أبي الزناد تفرد به نعم لم يروه عن أبيه عن خارجة الا عبد الرحمن فهو تفرد نسبي وقصة ثابت يمكن أن تتحد مع قصة خارجة بأن من لازم تعلم كتابة اليهودية تعلم لسانهم ولسانهم السريانية لكن المعروف أن لسانهم العبرانية فيحتمل ان زيدا تعلم اللسانين لاحتياجه إلى ذلك وقد اعترض بعضهم على بن الصلاح ومن تبعه في ان الذي يجزم به البخاري يكون على شرط الصحيح وقد جزم بهذا مع أن عبد الرحمن بن أبي الزناد قد قال فيه بن معين ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث ليس بشئ وفي رواية عنه ضعيف وعنه هو دون الدراوردي وقال يعقوب بن شبة صدوق وفي حديثه ضعف سمعت علي بن المديني يقول حديثه بالمدينة مقارب وبالعراق مضطرب وقال صالح بن أحمد عن أبيه مضطرب الحديث وقال عمرو بن علي نحو قول علي وقالا كان عبد الرحمن بن مهدي يحط على حديثه وقال أبو حاتم والنسائي لا يحتج بحديثه ووثقه جماعة غيرهم كالعجلي والترمذي فيكون غاية أمره أنه مختلف فيه فلا يتجه الحكم بصحة ما ينفرد به بل غايته أن يكون حسنا وكنت سألت شيخي الامامين العراقي والبلقيني عن هذا الموضع فكتب لي كل منهما بأنهما لا يعرفان له متابعا وعولا جميعا على أنه عند البخاري ثقة فاعتمده وزاد شيخنا العراقي أن صحة ما يجزم به البخاري لا يتوقف ان يكون على شرطه وهو تنقيب جيد ثم ظفرت بعد ذلك بالمتابع الذي ذكرته فانتفى الاعتراض من أصله ولله الحمد قوله وقال عمر أي بن الخطاب وعنده علي أي بن أبي طالب وعبد الرحمن أي بن عوف وعثمان أي بن عفان ماذا تقول هذه أي المرأة التي وجدت حبلى قال عبد الرحمن بن حاطب فقلت تخبرك بصاحبها الذي صنع بها وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طرق عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه نحوه قوله وقال أبو جمرة كنت أترجم بين بن عباس وبين الناس هذا طرف من حديث أخرجه المؤلف في العلم من رواية شعبة عن أبي جمرة فذكره وبعده فقال ان وفد عبد القيس اتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث في قصتهم وهو عند النسائي بزيادة بعد قوله وبين الناس فأتته امرأة فسألته عن نبيذ الجر فنهى عنه وقال ان وفد عبد القيس الحديث قوله وقال بعض الناس لا بد للحاكم من مترجمين نقل صاحب المطالع انها رويت بصيغة الجمع وبصيغة التثنية ووجه الاول بأن الالسنة قد تكثر فيحتاج إلى تكثير المترجمين قلت والثاني هو المعتمد والمراد ببعض الناس محمد بن الحسن فإنه الذي اشترط أن لا بد في الترجمة من اثنين ونزلها منزلة الشهادة وخالف أصحابه الكوفيين ووافقه الشافعي فتعلق بذلك مغلطاي فقال فيه رد لقول من قال ان البخاري إذا قال قال بعض الناس يريد الحنفية وتعقبه الكرماني فقال يحمل على الاغلب أو أراد هنا بعض الحنفية لان محمدا قائل بذلك ولا يمنع ذلك ان يوافقه الشافعي كما لا يمنع أن يوافق الحنفية في غير هذه المسألة بعض الائمة ثم ذكر طرفا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل وقد أخرجه في بدء الوحي بهذا السند مطولا والغرض منه (6771) قوله ثم قال لترجمانه قل له الخ قال بن بطال لم يدخل البخاري حديث هرقل حجة على جواز الترجمان المشترك لان ترجمان هرقل كان على دين قومه وانما أدخله ليدل على ان
[ 163 ]
الترجمان كان يجري عند الامم مجرى الخبر لا مجرى الشهادة وقال بن المنير وجه الدليل من قصة هرقل مع أن فعله لا يحتج به أن مثل هذا صواب من رأيه لان كثيرا مما أورده في هذه القصة صواب موافق للحق فموضع الدليل تصويب حملة الشريعة لهذا وأمثاله من رأيه وحسن تفطنه ومناسبة استدلاله وان كان غلبت عليه الشقاوة انتهى وتكملة هذا ان يقال يؤخذ من صحة استدلاله فيما يتعلق بالنبوة والرسالة أنه كان مطلعا على شرائع الانبياء فتحمل تصرفاته على وفق الشريعة التي كان متمسكا بها كما سأذكره من عند الكرماني والذي يظهر لي أن مستند البخاري تقرير بن عباس وهو من الائمة الذين يقتدى بهم على ذلك ومن ثم احتج باكتفائه بترجمة أبي جمرة له فالاثران راجعان لابن عباس أحدهما من تصرفه والآخر من تقريره وإذا انضم إلى ذلك فعل عمر ومن معه من الصحابة ولم ينقل عن غيرهم خلافه قويت الحجة ولما نقل الكرماني كلام بن بطال تعقبه بأن قال أقول وجه الاحتجاج انه كان يعني هرقل نصرانيا وشرع من قبلنا حجة لنا ما لم ينسخ قال وعلى قول من قال أنه أسلم فالامر ظاهر قلت بل هو أشد اشكالا لانه لا حجة في فعله عند أحد إذ ليس صحابيا ولا ثبت أنه أسلم فالمعتمد ما تقدم والله أعلم قال بن بطال أجاز الاكثر ترجمة واحد وقال محمد بن الحسن لا بد من رجلين أو رجل وامرأتين وقال الشافعي هو كالبينة وعن مالك روايتان قال وحجة الاول ترجمة زيد بن ثابت وحده للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي جمرة لابن عباس وان الترجمان لا يحتاج إلى أن يقول أشهد بل يكفيه مجرد الاخبار وهو تفسير ما يسمعه من الذي يترجم عنه ونقل الكرابيسي عن مالك والشافعي الاكتفاء بترجمان واحد وعن أبي حنيفة الاكتفاء بواحد وعن أبي يوسف اثنين وعن زفر لا يجوز أقل من اثنين وقال الكرماني الحق ان البخاري لم يحرر هذه المسألة إذ لا نزاع لاحد انه يكفي ترجمان واحد عند الاخبار وانه لا بد من اثنين عند الشهادة فيرجع الخلاف إلى انها أخبار أو شهادة فلو سلم الشافعي انها أخبار لم يشترط العدد ولو سلم الحنفي انها شهادة لقال بالعدد والصور المذكورة في الباب كلها اخبارات أما المكتوبات فظاهر واما قصة المرأة وقول أبي جمرة فأظهر فلا محل لان يقال على سبيل الاعتراض وقال بعض الناس بل الاعتراض عليه أوجه فإنه نصب الادلة في غير ما ترجم عليه وهو ترجمة الحاكم إذ لا حكم فيما استدل به انتهى وهو أولى بأن يقال في حقه أنه ما حرر فان أصل ما احتج به اكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم بترجمة زيد بن ثابت واكتفائه به وحده وإذا اعتمد عليه في قراءة الكتب التي ترد وفي كتابه ما يرسله إلى من يكاتبه التحق به اعتماده عليه فيما يترجم له عمن حضر من أهل ذلك اللسان فإذا اكتفى بقوله في ذلك وأكثر تلك الامور يشتمل على تلك الاحكام وقد يقع فيما طريقه منها الاخبار ما يترتب عليه الحكم فكيف لا تتجه الحجة به للبخاري وكيف يقال أنه ما حرر المسألة وقد ترجم المحب الطبري في الاحكام ذكر اتخاذ مترجم والاكتفاء بواحد وأورد فيه حديث زيد بن ثابت وما علقه البخاري عن عمر وعن بن عباس ثم قال احتج بظاهر هذه الاحاديث من ذهب إلى جواز الاقتصار على مترجم واحد ولم يتعقبه وأما قصة المرأة مع عمر فظاهر السياق أنها كانت فيما يتعلق بالحكم لانه درأ الحد عن المراة لجهلها بتحريم الزنا بعد ان ادعى عليها وكاد يقيم عليها الحد واكتفى في ذلك بأخبار واحد يترجم له عن لسانها وأما قصة أبي جمرة مع بن عباس وقصة هرقل فإنهما وان كانا في مقام الاخبار المحض فلعله انما ذكرهما
[ 164 ]
استظهارا وتأكيدا وأما دعواه ان الشافعي لو سلم انها أخبار لما اشترط العدد الخ فصحيح ولكن ليس فيه ما يمنع من نصب الخلاف مع من يشترط العدد وأقل ما فيه انه إطلاق في موضع التقييد فيحتاج إلى التنبيه عليه والى ذلك يشير البخاري بتقييده بالحاكم فيؤخذ منه ان غير الحاكم يكتفي بالواحد لانه أخبار محض وليس النزاع فيه وانما النزاع فيما يقع عند الحاكم فان غالبه يؤول إلى الحكم ولا سيما عند من يقول ان تصرف الحاكم بمجرده حكم وقد قال بن المنذر القياس يقتضي اشتراط العدد في الاحكام لان كل شئ غاب عن الحاكم لا يقبل فيه الا البينة الكاملة والواحد ليس بينة كاملة حتى يضم إليه كمال النصاب غير أن الحديث إذا صح سقط النظر وفي الاكتفاء بزيد بن ثابت وحده حجة ظاهرة لا يجوز خلافها انتهى ويمكن ان يجاب ان ليس غير النبي صلى الله عليه وسلم من الحكام في ذلك مثله لامكان اطلاعه على ما غاب عنه بالوحي بخلاف غيره بل لا بد له من أكثر من واحد فمهما كان طريقة الاخبار يكتفى فيه بالواحد ومهما كان طريقة الشهادة لا بد فيه من استيفاء النصاب وقد نقل الكرابيسي ان الخلفاء الراشدين والملوك بعدهم لم يكن لهم الا ترجمان واحد وقد نقل بن التين من رواية بن عبد الحكم لا يترجم الا حر عدل وإذا أقر المترجم بشئ فأحب إلى ان يسمع ذلك منه شاهدان ويرفعان ذلك إلى الحاكم (0) قوله باب محاسبة الامام عماله ذكر فيه حديث أبي حميد في قصة بن اللتبية وقد مضى شرحه مستوفى في باب هدايا العمال وقوله (6772) حدثنا محمد حدثنا عبدة محمد هو بن سلام وعبدة هو بن سليمان وقوله فهلا في رواية غير الكشميهني في الموضوعين الا بفتح الهمزة وهما بمعنى والمقصود هنا قوله فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحاسبه أي على ما قبض وصرف (0) قوله باب بطانة الامام وأهل مشورته بضم المعجمة وسكون الواو وفتح الراء من يستشيره في أموره قوله البطانة الدخلاء هو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا البطانة الدخلاء والخبال الشر انتهى والدخلاء بضم ثم فتح جمع دخيل وهو الذي يدخل على الرئيس في مكان خلوته ويفضي إليه بسره ويصدقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمر رعيته ويعمل بمقتضاه وعطف أهل مشورته على البطانة من عطف الخاص على العام وقد ذكرت حكم المشورة في باب متى يستوجب الرجل القضاء وأخرج أبو داود في المراسيل من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين أن رجلا قال يا رسول الله ما الحزم قال ان تشاور ذا لب ثم تطيعه ومن رواية خالد بن معدان مثله غير أنه قال ذا رأي قال الكرماني فسر البخاري البطانة بالدخلاء فجعله جمعا انتهى ولا محذور في ذلك (6773) قوله ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة في رواية صفوان بن سليم ما بعث الله من نبي ولا بعده من خليفة والرواية التي في الباب تفسر المراد بهذا وان المراد ببعث الخليفة استخلافه ووقع في رواية الاوزاعي ومعاوية بن سلام ما من وال وهي أعم قوله بطانة تأمره بالمعروف في رواية سليمان بالخير وفي رواية معاوية بن سلام بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وهي تفسر المراد بالخير قوله وتحضه عليه بالحاء المهملة وضاد معجمة ثقيلة أي ترغبه فيه وتؤكده عليه قوله وبطانة تأمره بالشر في رواية الاوزاعي وبطانة لاتألوه خبالا وقد استشكل هذا التقسيم بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم لانه وان جاز عقلا أن يكون فيمن يداخله من يكون من أهل الشر لكنه لا يتصور منه ان يصغى إليه ولا يعمل بقوله لوجود
[ 165 ]
العصمة وأجيب بأن في بقية الحديث الاشارة إلى سلامة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله فالمعصوم من عصم الله تعالى فلا يلزم من وجود من يشير على النبي صلى الله عليه وسلم بالشر أن يقبل منه وقيل المراد بالبطانتين في حق النبي الملك والشيطان واليه الاشارة بقوله صلى الله عليه وسلم ولكن الله أعانني عليه فأسلم وقوله لا تألوه خبالا أي لا تقصر في افساد أمره لعمل مصلحتهم وهو اقتباس من قوله تعالى لا يألونكم خبالا ونقل بن التين عن أشهب انه ينبغي للحاكم أن يتخذ من يستكشف له أحوال الناس في السر وليكن ثقة مأمونا فطنا عاقلا لان المصيبة انما تدخل على الحاكم المأمون من قبوله قول من لا يوثق به إذا كان هو حسن الظن به فيجب عليه ان يتثبت في مثل ذلك قوله فالمعصوم من عصم الله في رواية بعضهم من عصمه الله بزيادة الضمير وهو مقدر في الرواية الاخرى ووقع في رواية الاوزاعي ومعاوية بن سلام ومن وقى شرها فقد وقى وهو من الذي غلب غليه منهما وفي رواية صفوان بن سليم فمن وقى بطانة السوء فقد وقى وهو بمعنى الاول والمراد به اثبات الامور كلها لله تعالى فهو الذي يعصم من شاء منهم فالمعصوم من عصمه الله لا من عصمته نفسه إذ لا يوجد من تعصمه نفسه حقيقة الا ان كان الله عصمه وفيه إشارة إلى ان ثم قسما ثالثا وهو أن من يلي أمور الناس قد يقبل من بطانة الخير دون بطانة الشر دائما وهذا اللائق بالنبي ومن ثم عبر في آخر الحديث بلفظه العصمة وقد يقبل من بطانة الشر دون بطانة الخير وهذا قد يوجد ولا سيما ممن يكون كافرا وقد يقبل من هؤلاء تارة ومن هؤلاء تارة فان كان على حد سواء فلم يتعرض له في الحديث لوضوح الحال فيه وان كان الاغلب عليه القبول من أحدهما فهو ملق به ان خيرا فخير وان شرا فشر وفي معنى حديث الباب حديث عائشة مرفوعا من ولى منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا ان نسي ذكره وان ذكر أعانه قال بن التين يحتمل ان يكون المراد بالبطانتين الوزيرين ويحتمل ان يكون الملك والشيطان وقال الكرماني يحتمل ان يكون المراد بالبطانتين النفس الامارة بالسوء والنفس اللوامة المحرضة على الخير إذ لكل منهما قوة ملكية وقوة حيوانية انتهى والحمل على الجميع أولى الا انه جائز أن لا يكون لبعضهم الا البعض وقال المحب الطبري البطانة الاولياء والاصفياء وهو مصدر وضع موضع الاسم يصدق على الواحد والاثنين والجمع مذكرا ومؤنثا قوله وقال سليمان هو بن بلال عن يحيى هو بن سعيد الانصاري أخبرني بن شهاب بهذا وصله الاسماعيلي من طريق أيوب بن سليمان بن بلال عن أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال قال قال يحيى بن سعيد أخبرني بن شهاب قال فذكر مثله قوله وعن بن أبي عتيق وموسى عن بن شهاب مثله هو معطوف على يحيى بن سعيد وابن أبي عتيق هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وموسى هو بن عقبة قال الكرماني روى سليمان عن الثلاثة لكن الفرق بينهما ان المروي في الطريق الاول هو المذكور بعينه وفي الثاني هو مثله قلت ولا يظهر بين هذين فرق والذي يظهر ان سر الافراد ان سليمان ساق لفظ يحيى ثم عطف عليه رواية الآخرين وأحال بلفظهما عليه فأورده البخاري على وفقه وقد وصله البيهقي من طريق أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة به وأخرجه الاسماعيلي من طريق محمد بن الحسن المخزومي عن سليمان بن بلال عنهما به ومحمد بن الحسن المخزومي ضعيف
[ 166 ]
جدا كذبه مالك وهو أحد المواضع التي يستدل بها على ان المستخرج لا يطرد كون رجاله من رجال الصحيح قوله وقال شعيب هو بن أبي حمزة عن الزهري الخ وقوله قوله يعني أنه لم يرفعه بل جعله من كلام أبي سعيد وهو بالنصب على نزع الخافض أي من قوله ورواية شعيب هذه الموقوفة وصلها الذهلي في جمعه حديث الزهري وقال الاسماعيلي لم تقع بيدي قلت وقد رويناها في فوائد علي بن محمد الجكاني بكسر الجيم وتشديد الكاف ثم نون عن أبي اليمان مرفوعة قوله وقال الاوزاعي ومعاوية بن سلام حدثني الزهري حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة يريد انهما خالفا من تقدم فجعلاه عن أبي هريرة بدل أبي سعيد وخالفا شعيبا أيضا في وقفه فرفعاه فاما رواية الاوزاعي فوصلها أحمد وابن حبان والحاكم والاسماعيلي من رواية الوليد بن مسلم عنه وأخرجه الاسماعيلي أيضا من رواية عبد الحميد بن حبيب عن الاوزاعي فقال عن الزهري ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قلت فعلى هذا فلعل الوليد حمل رواية الزهري على رواية يحيى فكأنه عند يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة وعند الزهري عن يحيى عن أبي سعيد فلعل الاوزاعي حدث به مجموعا فظن الراوي عنه انه عنده عن كل منهما بالطريقين فلما أفرد أحد الطريقين انقلبت عليه لكن رواية معمر التي بعدها قد تدفع هذا الاحتمال ويقرب انه عند الزهري عن أبي سلمة عنهما جميعا وقد قيل عن الاوزاعي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بدل أبي سلمة أخرجه إسحاق في مسنده من طريق الفضل بن يونس عن الاوزاعي والفضل صدوق وقال بن حبان لما ذكره في الثقات ربما أخطأ فكان هذا من ذاك وأما رواية معاوية بن سلام وهو بتشديد اللام فوصلها النسائي والاسماعيلي من رواية معمر بالتشديد أيضا بن يعمر بفتح أوله وسكون المهملة حدثنا معاوية بن سلام حدثنا الزهري حدثني أبو سلمة ان أبا هريرة قال فذكره قوله وقال بن أبي حسين وسعيد بن زياد عن أبي سلمة عن أبي سعيد قوله أي وقفاه أيضا وابن أبي حسين هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي المكي وسعيد بن زياد هو الانصاري المدني من صغار التابعين روى عن جابر وحديثه عنه عند أبي داود والنسائي وما له راو الا سعيد بن أبي هلال وقد قال فيه أبو حاتم الرازي مجهول وما له في البخاري ذكر الا في هذا الموضع قوله وقال عبيد الله بن أبي جعفر حدثني صفوان عن أبي سلمة عن أبي أيوب أما عبيد الله فهو المصري واسم أبي جعفر يسار بتحتانية ومهملة خفيفة وعبيد الله تابعي صغير وقد وصل هذا الطريق النسائي والاسماعيلي من طريق الليث عن عبيد الله بن أبي جعفر حدثنا صفوان بن سليم هو المدني عن أبي سلمة عن أبي أيوب الانصاري فذكره قال الكرماني محصل ما ذكره البخاري ان الحديث مرفوع من رواية ثلاثة أنفس من الصحابة انتهى وهذا الذي ذكره انما هو بحسب صورة الواقعة واما على طريقة المحدثين فهو حديث واحد واختلف على التابعي في صحابيه فاما صفوان فجزم بأنه عن أبي أيوب واما الزهري فاختلف عليه هل هو أبو سعيد أو أبو هريرة واما الاختلاف في وقفه ورفعه فلا تأثير له لان مثله لا يقال من قبل الاجتهاد فالرواية الموقوفة لفظا مرفوعة حكما ويرجح كونه عن أبي سعيد موافقة بن أبي حسين وسعيد بن زياد لمن قال عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد وإذا لم يبق الا الزهري وصفوان فالزهري أحفظ من صفوان بدرجات فمن ثم يظهر قوة نظر البخاري في اشارته إلى ترجيح طريق أبي سعيد فلذلك ساقها
[ 167 ]
موصولة وأورد البقية بصيغ التعليق إشارة إلى ان الخلاف المذكور لا يقدح في صحة الحديث اما على الطريقة التي بينتها من الترجيح واما على تجويز ان يكون الحديث عند أبي سلمة على الاوجه الثلاثة ومع ذلك فطريق أبي سعيد أرجح والله أعلم ووجدت في الادب المفرد للبخاري ما يترجح به رواية أبي سلمة عن أبي هريرة فإنه أخرجه من طريق عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة كذلك في آخر حديث طويل (0) قوله باب كيف يبايع الامام الناس المراد بالكيفية الصيغ القولية لا الفعلية بدليل ما ذكره فيه من الاحاديث الستة وهي البيعة على السمع والطاعة وعلى الهجرة وعلى الجهاد وعلى الصبر وعلى عدم الفرار ولو وقع الموت وعلى بيعة النساء وعلى الاسلام وكل ذلك وقع عند البيعة بينهم فيه بالقول الحديث الاول حديث عبادة بن الصامت بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة الحديث وقد تقدم شرحه في أوائل كتاب الفتن مستوفى الحديث الثاني حديث أنس والمراد منه (6775) قوله نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا وقد تقدم بأتم مما هنا مشروحا في غزوة الخندق من كتاب المغازي الحديث الثالث حديث بن عمر في البيعة على السمع والطاعة وفيه يقول لنا فيما استطعتم ووقع في رواية المستملي والسرخسي فيما استطعت بالافراد والاول هو الذي في الموطأ وهو يقيد ما أطلق في الحديثين قبله وكذلك حديث جرير وهو الرابع وسيار في السند بفتح المهملة وتشديد التحتانية هو بن وردان واما حديث بن عمر فذكر له طريقا قبل حديث جرير وآخر بعده وفيهما معا أقر بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت وهو منتزع من حديثه الاول فالثلاثة في حكم حديث واحد وقوله (6777) في رواية مسدد عن يحيى هو القطان ان بن عمر قال اني أقر الخ بين في رواية عمرو بن علي انه كتب بذلك إلى عبد الملك ومن ثم قال في آخره وان بني قد أقروا بمثل ذلك فهو أخبار من بن عمر عن بنيه بأنه سبق منهم الاقرار المذكور بحضرته كتب به بن عمر إلى عبد الملك وقوله قد أقروا بمثل ذلك زاد الاسماعيلي من طريق بندار عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن سفيان في آخره والسلام وقوله (6779) في الرواية الثانية كتب إليه عبد الله بن عمر إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين اني أقر بالسمع والطاعة الخ ووقع في رواية الاسماعيلي من وجه آخر عن سفيان بلفظ رأيت بن عمر يكتب وكان إذا كتب يكتب بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فاني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك وقال في آخره أيضا والسلام قال الكرماني قال اولا إليه وثانيا إلى عبد الملك ثم بالعكس وليس تكرارا والثاني هو المكتوب لا المكتوب إليه أي كتب هذا وهو إلى عبد الملك وتقديره من بن عمر إلى عبد الملك وقوله حيث اجتمع الناس على عبد الملك يريد بن مروان بن الحكم والمراد بالاجتماع اجتماع الكلمة وكانت قبل ذلك مفرقة وكان في الارض قبل ذلك اثنان كل منهما يدعى له بالخلافة وهما عبد الملك بن مراون وعبد الله بن الزبير فاما بن الزبير فكان أقام بمكة وعاذ بالبيت بعد موت
[ 168 ]
معاوية وامتنع من المبايعة ليزيد بن معاوية فجهز إليه يزيد الجيوش مرة بعد أخرى فمات يزيد وجيوشه محاصرون بن الزبير ولم يكن بن الزبير ادعى الخلافة حتى مات يزيد في ربيع الاول سنة أربع وستين فبايعه الناس بالخلافة بالحجاز وبايع أهل الآفاق لمعاوية بن يزيد بن معاوية فلم يعش الا نحو أربعين يوما ومات فبايع معظم الآفاق لعبد الله بن الزبير وانتظم له ملك الحجاز واليمن ومصر والعراق والمشرق كله وجميع بلاد الشام حتى دمشق ولم يتخلف عن بيعته الا جميع بني أمية ومن يهوى هواهم وكانوا بفلسطين فاجتمعوا على مروان بن الحكم فبايعوه بالخلافة وخرج بمن أطاعه إلى جهة دمشق والضحاك بن قيس قد بايع فيها لابن الزبير فاقتتلوا بمرج راهط فقتل الضحاك وذلك في ذي الحجة منها وغلب مروان على الشام ثم لما انتظم له ملك الشام كله توجه إلى مصر فحاصر بها عبد الرحمن بن جحدر عامل بن الزبير حتى غلب عليها في ربيع الآخر سنة خمس وستين ثم مات في سنته فكانت مدة ملكه ستة أشهر وعهد إلى ابنه عبد الملك بن مروان فقام مقامه وكمل له ملك الشام ومصر والمغرب ولابن الزبير ملك الحجاز والعراق والمشرق الا ان المختار بن أبي عبيد غلب على الكوفة وكان يدعو إلى المهدي من أهل البيت فأقام على ذلك نحو السنتين ثم سار إليه مصعب بن الزبير أمير البصرة لاخيه فحاصره حتى قتل في شهر رمضان سنة سبع وستين وانتظم أمر العراق كله لابن الزبير فدام ذلك إلى سنة إحدى وسبعين فسار عبد الملك إلى مصعب فقاتله حتى قتله في جمادى الآخرة منها وملك العراق كله ولم يبق مع بن الزبير الا الحجاز واليمن فقط فجهز إليه عبد الملك الحجاج فحاصره في سنة اثنتين وسبعين إلى ان قتل عبد الله بن الزبير في جمادى الاولى سنة ثلاث وسبعين وكان عبد الله بن عمر في تلك المدة امتنع ان يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك كما كان امتنع ان يبايع لعلي أو معاوية ثم بايع لمعاوية لما اصطلح مع الحسن بن علي واجتمع عليه الناس وبايع لابنه يزيد بعد موت معاوية لاجتماع الناس عليه ثم امتنع من المبايعة لاحد حال الاختلاف إلى ان قتل بن الزبير وانتظم الملك كله لعبد الملك فبايع له حينئذ فهذا معنى قوله لما اجتمع الناس على عبد الملك وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق سعيد بن حرب العبدي قال بعثوا إلى بن عمر لما بويع بن الزبير فمد يده وهي ترعد فقال والله ما كنت لاعطي بيعتي في فرقة ولا امنعها من جماعة ثم لم يلبث بن عمر ان توفي في تلك السنة بمكة وكان عبد الملك وصى الحجاج ان يقتدي به في مناسك الحج كما تقدم في كتاب الحج فدس الحجاج عليه الحربة المسمومة كما تقدم بيان ذلك في كتاب العيدين فكان ذلك سبب موته رضي الله عنه الحديث الخامس حديث سلمة في المبايعة على الموت ذكره مختصرا وقد تقدم بتمامه في كتاب الجهاد في باب البيعة على الحرب ان لا يفروا الحديث السادس (6781) ش (قوله حدثنا جويرية بالجيم مصغر جارية هو بن أسماء الضبعي وهو عم عبد الله بن محمد بن أسماء الراوي عنه قوله ان الرهط الذين ولاهم عمر أي عينهم فجعل الخلافة شورى بينهم أي ولاهم التشاور فيمن يعقد له الخلافة منهم وقد تقدم بيان ذلك مفصلا في مناقب عثمان في الحديث الطويل الذي أورده من طريق عمرو بن ميمون الاودي أحد كبار التابعين في ذكر قتل عمر وقولهم لعمر لما طعنه أبو لؤلؤة استخلف فقال ما أحد أحق بهذا الامر من هؤلاء الرهط فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وفيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط وأورده الدارقطني في غرائب مالك من
[ 169 ]
طريق سعيد بن عامر عن جويرية مطولا وأوله عنده لما طعن عمر قيل له استخلف قال وقد رأيت من حرصهم ما رأيت إلى ان قال هذا الامر بين ستة رهط من قريش فذكرهم وبدأ بعثمان ثم قال وعلي عبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثا فان قدم فيهن فهو شريكهم في الامر وقال ان الناس لن يعدوكم أيها الثلاثة فان كنت يا عثمان في شئ من أمر الناس فاتق الله ولا تحملن بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس وان كنت يا علي فاتق الله ولا تحملن بني هاشم على رقاب الناس وان كنت يا عبد الرحمن فاتق الله ولا تحملن أقاربك على رقاب الناس قال ويتبع الاقل الاكثر ومن تأمر من غير أن يؤمر فاقتلوه قال الدارقطني أغرب سعيد بن عامر عن جويرية بهذه الالفاظ وقد رواه عبد الله بن محمد بن أسماء عن عمه فلم يذكرها يشير إلى رواية البخاري قال وتابع عبد الله بن محمد إبراهيم بن طهمان وسعيد الزبير وحبيب ثلاثتهم عن مالك قلت وساق الثلاثة لكن رواية حبيب مختصرة والآخرين موافقتان لرواية عبد الله بن محمد بن أسماء وقد أخرج بن سعد بسند صحيح من طريق الزهري عن سالم عن بن عمر قال دخل الرهط على عمر قبل أن ينزل به فسمى الستة فذكر قصة إلى ان قال فانما الامر إلى ستة إلى عبد الرحمن وعثمان وعلي والزبير وطلحة وسعد وكان طلحة غائبا في امواله بالسراة وهو بفتح المهملة وراء خفيفة بلاد معروفة بين الحجاز والشام فبدأ في هذا بعبد الرحمن قبل الجميع وبعثمان قبل علي فدل على انه في السياق الاول لم يقصد الترتيب قوله فقال لهم عبد الرحمن الخ تقدم بيان ذلك في مناقب عثمان بأتم من سياقه وفيه ما يدل على حضور طلحة وان سعدا جعل أمره إلى عبد الرحمن والزبير إلى علي وطلحة إلى عثمان وفيه قول عبد الرحمن أيكم يبرأ من هذا الامر ويكون له الاختيار فيمن بقي فاتفقوا عليه فتروى بعد ذلك في عثمان أو علي وقوله أنافسكم بالنون والفاء المهملة أي انازعكم فيه إذا ليس في الاستقلال في الخلافة رغبة وقوله عن هذا الامر أي من جهته ولاجله وفي رواية الكشميهني على بدل عن وهي أوجه قوله فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم يعني أمر الاختيار منهم قوله فمال الناس في رواية سعيد بن عامر فانثال الناس وهي بنون ومثلثة أي قصدوه كلهم شيئا بعد شئ وأصل النثل الصب يقال نثل كنانته أي صب ما فيها من السهام قوله ولا يطأ عقبه بفتح العين وكسر القاف بعدها موحدة أي يمشي وخففه وهي كناية عن الاعراض قوله ومال الناس على عبد الرحمن اعادها لبيان سبب الميل وهو قوله يشاورونه تلك الليالي زاد الزبيدي في روايته عن الزهري يشاورونه ويناجونه تلك الليالي لا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان أحدا قوله بعد هجع بفتح الهاء وسكون الجيم بعدها عين مهملة أي بعد طائفة من الليل يقال لقيته بعد هجع من الليل كما تقول بعد هجعة والهجع والهجعة والهجيع والهجوع بمعنى وقد أخرجه البخاري في التاريخ الصغير من طريق يونس عن الزهري بلفظ بعد هجيع بوزن عظيم قوله فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث كذا للاكثر وللمستملي الليلة ويؤيد الاول قوله في رواية سعيد بن عامر والله ما حملت فيها غمضا منذ ثلاث وفي رواية إبراهيم بن طهمان عند الاسماعيلي في هذه الليالي وقوله بكثير نوم بالمثلثة وبالموحدة أيضا وهو مشعر بأنه لم يستوعب الليل سهرا بل نام لكن يسيرا منه والاكتحال كناية عن دخول النوم جفن العين كما يدخلها الكحل ووقع في رواية يونس ما ذاقت عيناي كثير نوم
[ 170 ]
قوله فادع الزبير وسعدا فدعوتهما له فشاورهما في رواية المستملي فسارهما بمهملة وتشديد الراء ولم أر في هذه الرواية لطلحة ذكر فلعله كان شاوره قبلهما قوله حتى أبهار الليل بالموحدة ساكنة وتشديد الراء ومعناه انتصف وبهرة كل شئ وسطه وقيل معظمه وقد تقدم القول فيه في كتاب الصلاة زاد سعيد بن عامر في روايته فجعل يناجيه ترتفع اصواتهما أحيانا فلا يخفى علي شئ مما يقولان ويخفيان أحيانا قوله ثم قام علي من عنده وهو على طمع أي ان يوليه وقوله وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئا قال بن هبيرة أظنه أشار الا الدعاية التي كانت في علي أو نحوها ولا يجوز أن يحمل على أن عبد الرحمن خاف من علي على نفسه قلت والذي يظهر لي انه خاف ان بايع لغيره ان لا يطاوعه والى ذلك الاشارة بقوله فيما بعد فلا تجعل على نفسك سبيلا ووقع في رواية سعيد بن عامر فأصبحنا وما أراه يبايع الا لعلي يعني مما ظهر له من قرائن تقديمة قوله ثم قال ادع لي عثمان ظاهر في انه تكلم مع علي في تلك الليلة قبل عثمان ووقع في رواية سعيد بن عامر عكس ذلك وانه قال له أولا اذهب فادع عثمان وفيه فخلا به وفيه لا أفهم من قولهما شيئا فاما ان تكون إحدى الروايتين وهما واما ان يكون ذلك تكرر منه في تلك الليلة فمرة بدأ بهذا ومرة بدأ بهذا قوله وأرسل إلى أمراء الاجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر أي قدموا إلى مكة فحجوا مع عمر ورافقوه إلى المدينة وهم معاوية أمير الشام وعمير بن سعد أمير حمص والمغيرة بن شعبة أمير الكوفة وأبو موسى الاشعري أمير البصرة وعمرو بن العاص أمير مصر قوله فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن وفي رواية إبراهيم بن طهمان جلس عبد الرحمن على المنبر وفي رواية سعيد بن عامر فلما صلى صهيب بالناس صلاة الصبح جاء عبد الرحمن يتخطى حتى صعد المنبر فجاءه رسول سعد ى قول لعبد الرحمن ارفع رأسك وانظر لامة محمد وبايع لنفسك قوله أما بعد زاد سعيد بن عامر فأعلن عبد الرحمن فحمد الله وأثنا عليه ثم قال أما بعد يا علي اني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان أي لا يجعلون له مساويا بل يرجحونه قوله فلا تجعلن على نفسك سبيلا أي من الملامة إذا لم توافق الجماعة وهذا ظاهر في عبدان الرحمن لم يتردد عند البيعة في عثمان لكن قد تقدم في رواية عمرو بن ميمون التصريح بأنه بدأ بعلي فأخذ بيده فقال لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الاسلام ما قد علمت والله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال ارفع يدك يا عثمان فبايعه وبايع له علي وطريق الجمع بينهما ان عمرو بن ميمون حفظ ما لم يحفظه الآخر ويحتمل ان يكون الآخر حفظه لكن طوى بعض الرواة ذكره ويحتمل ان يكون ذلك وقع في الليل لما تكلم معهما واحد بعد واحد فأخذ على كل منهما العهد والميثاق فلما أصبح عرض على علي فلم يوافقه على بعض الشروط وعرض على عثمان فقبل ويؤيده رواية عاصم بن بهدلة عن أبي وائل قال قلت لعبد الرحمن بن عوف كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا فقال ما ذنبي بدأت بعلي فقلت له أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر فقال فيما استطعت وعرضتها على عثمان فقبل أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند عن سفيان بن وكيع عن أبي بكر بن عياش عنه وسفيان بن وكيع ضعيف وقد أخرج أحمد من طريق زائدة عن عاصم عن أبي وائل قال الوليد بن عقبة لعبد الرحمن بن عوف مالك جفوت أمير المؤمنين يعني عثمان فذكر قصة وفيها قول عثمان واما
[ 171 ]
قوله سيرة عمر فاني لا أطيقها ولا هو وفي هذا إشارة إلى انه بايعه على أن يسير سيرة عمر فعاتبه على تركها ويمكن ان يأخذ من هذا ضعف رواية سفيان بن وكيع إذ لو كان استخلف بشرط ان يسير بسيرة عمر لم يكن ما أجاب به عذرا في الترك قال بن التين وانما قال لعلي ذلك دون من سواه لان غيره لم يكن يطمع في الخلافة مع وجوده ووجود عثمان وسكوت من حضر من أهل الشورى والمهاجرين والانصار وأمراء الاجناد دليل على تصديقهم عبد الرحمن فيما قال وعلى الرضى بعثمان قلت وقد أخرج بن أبي شيبة من طريق حارثة بن مضرب قال حججت في خلافة عمر فلم أرهم يشكون أن الخليفة بعده عثمان وأخرج يعقوب بن شبة في مسنده من طريق صحيح إلى حذيفة قال قال لي عمر من ترى قومك يؤمرون بعدي قال قلت قد نظر الناس إلى عثمان وشهروه لها وأخرج البغوي في معجمه وخيثمة في فضائل الصحابة بسند صحيح عن حارثة بن مضرب حججت مع عمر فكان الحادي يحدو أن الامير بعده عثمان بن عفان قوله فقال أي عبد الرحمن مخاطبا لعثمان أبايعك على سنة الله وسنة رسوله وخليفتين من بعده فبايعه عبد الرحمن في الكلام حذف تقديره فقال نعم فبايعه عبد الرحمن وأخرج الذهلي في الزهريات وابن عساكر في ترجمة عثمان من طريقه ثم من رواية عمران بن عبد العزيز عن محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري عن الزهري عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبيه قال كنت اعلم الناس بأمر الشورى لاني كنت رسول عبد الرحمن بن عوف فذكر القصة وفي آخره فقال هل أنت يا علي مبايعي ان وليتك هذا الامر على سنة الله وسنة رسوله وسنة الماضين قبل قال لا ولكن على طاقتي فأعادها ثلاثا فقال عثمان أنا يا أبا محمد أبايعك على ذلك قال ثلاثا فقام عبد الرحمن وأعتم ولبس السيف فدخل المسجد ثم رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم أشار إلى عثمان فبايعه فعرفت أن خالي أشكل عليه أمرهما فأعطاه أحدهما وثيقة ومنعه الآخر إياها واستدل بهذه القصة الاخيرة على جواز تقليد المجتهد وان عثمان وعبد الرحمن كانا يريان ذلك بخلاف علي وأجاب من منعه وهم الجمهور بأن المراد بالسيرة ما يتعلق بالعدل ونحوه لا التقليد في الاحكام الشرعية وإذا فرعنا على جواز تجزئ الاجتهاد احتمل ان يراد بالاقتداء بهما فيما لم يظهر للتابع فيه الاجتهاد فيعمل بقولهما للضرورة قال الطبري لم يكن في أهل الاسلام أحد له من المنزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم والمعرفة بالسياسة ما للستة الذين جعل عمر الامر شورى بينهم فان قيل كان بعض هؤلاء الستة أفضل من بعض وكان رأي عمر أن الاحق بالخلافة أرضاهم دينا وانه لا تصح ولاية المفضول مع وجود الفاضل فالجواب أنه لو صرح بالافضل منهم لكان قد نص على استخلافه وهو قصد ان لا يتقلد العهدة في ذلك فجعلها في ستة متقاربين في الفضل لانه يتحقق أنهم لا يجتمعون على تولية المفضول ولا يألون المسلمين نصحا في النظر والشورى وان المفضول منهم لا يتقدم على الفاضل ولا يتكلم في منزلة وغيره أحق بها منه وعلم رضى الامة بمن رضي به الستة ويؤخذ منه بطلان قول الرافضة وغيرهم ان النبي صلى الله عليه وسلم نص على ان الامامة في اشخاص بأعيانهم إذ لو كان كذلك لما اطاعوا عمر في جعلها شورى ولقال قائل منهم ما وجه التشاور في أمر كفيناه ببيان الله لنا على لسان رسوله ففي رضى الجميع بما أمرهم به دليل على ان الذي كان عندهم من العهد في الامامة أوصاف من وجدت فيه استحقها وادراكها يقع بالاجتهاد وفيه ان الجماعة
[ 172 ]
الموثوق بديانتهم إذا عقدوا عقد الخلافة لشخص بعد التشاور والاجتهاد لم يكن لغيرهم ان يحل ذلك العقد إذ لو كان العقد لا يصح الا باجتماع الجميع قال قائل لا معنى لتخصيص هؤلاء الستة فلما لم يعترض منهم معترض بل رضوا وبايعوا دل ذلك على صحة ما قلناه انتهى ملخصا من كتاب بن بطال ويتحصل منه جواب من ظن انه يلزم منه ان عمر كان يرى جواز ولاية المفضول مع وجود الفاضل والذي يظهر من سيرة عمر في امرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد انه كان لا يراعي الافضل في الدين فقط بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها فلاجل هذا استخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل منهم في أمر الدين والعلم كأبي الدرداء في الشام وابن مسعود في الكوفة وفيه ان الشركاء في الشئ إذا وقع بينهم التنازع في أمر من الامور يسندون أمرهم إلى واحد ليختار لهم بعد أن يخرج نفسه من ذلك الامر وفيه ان من أسند إليه ذلك يبذل وسعه في الاختيار ويهجر أهله وليله اهتماما بما هو فيه حتى يكمله وقال بن المنير في الحديث دليل على ان الوكيل المفوض له أن يوكل وان لم ينص على ذلك لان الخمسة أسندوا الامر لعبد الرحمن وأفردوه به فاستقل مع ان عمر لم ينص لهم على الانفراد قال وفيه تقوية لقول الشافعي في المسألة الفلانية قولان أي انحصر الحق عندي فيهما وانا في مهلة النظر في التعيين وفيه ان احداث قول زائد على ما اجمع عليه لا يجوز وهو كاحداث سابع في أهل الشورى قال وفي تأخير عبد الرحمن مؤامرة عثمان عن مؤامرة علي سياسة حسنة منتزعة من تأخير يوسف تفتيش رحل أخيه في قصة الصاع ابعادا للتهمة وتغطية للحدس لانه رأى ان لا ينكشف اختياره لعثمان قبل وقوع البيعة (0) قوله باب من بايع مرتين أي في حالة واحدة (6782) قوله عن سلمة تقدم في باب البيعة في الحرب من كتاب الجهاد من رواية المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بأتم من هذا السياق وفيه بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ثم عدلت إلى ظل شجرة فلما خف الناس قال يا بن الاكوع ألا تبايع قوله قد بايعت في الاول قال وفي الثاني والمراد بذلك الوقت وفي رواية الكشميهني في الاولى بالتأنيث قال وفي الثانية والمراد الساعة أو الطائفة ووقع في رواية مكي قلت قد بايعت يا رسول الله قال وأيضا فبايعته الثانية وزاد فقلت له يا أبا مسلم على أي شئ كنتم تبايعون يومئذ قال على الموت وقد تقدم البحث في ذلك هناك وقال المهلب فيما ذكره بن بطال أراد أن يؤكد بيعة سلمة لعلمه بشجاعته وعنائه في الاسلام وشهرته بالثبات فلذلك امره بتكرير المبايعة ليكون له في ذلك فضيلة قلت ويحتمل ان يكون سلمة لما بادر إلى المبايعة ثم قعد قريبا واستمر الناس يبايعون إلى ان خفوا أراد صلى الله عليه وسلم منه ان يبايع لتتوالى المبايعة معه ولا يقع فيها تخلل لان العادة في مبدأ كل أمر أن يكثر من يباشره فيتوالى فإذا تناهى قد يقع بين من يجئ آخرا تخلل ولا يلزم من ذلك اختصاص سلمة بما ذكر والواقع ان الذي أشار إليه بن بطال من حال سلمة في الشجاعة وغيرها لم يكن ظهر بعد لانه انما وقع منه بعد ذلك في غزوة ذي قرد حيث استعاد السرح الذي كان المشركين اغاروا عليه فاستلب ثيابهم وكان آخر أمره أن أسهم له النبي صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل فالاولى أن يقال تفرس فيه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فبايعه مرتين وأشار بذلك إلى انه سيقوم في الحرب مقام رجلين فكان كذلك وقال بن المنير يستفاد من هذا الحديث ان اعادة لفظ العقد في النكاح وغيره
[ 173 ]
ليس فسخا للعقد الاول خلافا لمن زعم ذلك من الشافعية قلت الصحيح عندهم انه لا يكون فسخا كما قال الجمهور (0) قوله باب بيعة الاعراب أي مبايعتهم على الاسلام والجهاد (6783) قوله أن أعرابيا تقدم التنبيه على اسمه في فضل المدينة اواخر الحج قوله على الاسلام ظاهر في ان طلبه الاقالة كان فيما يتعلق بنفس الاسلام ويحتمل ان يكون في شئ من عوارضه كالهجرة وكانت في ذلك الوقت واجبه ووقع الوعيد على من رجع اعرابيا بعد هجرته كما تقدم التنبيه عليه قريبا والوعك بفتح الواو وسكون المهملة وقد تفتح بعدها كاف الحمى وقيل ألمها وقيل أرعادها وقال الاصمعي أصله شدة الحر فأطلق على حر الحمى وشدتها قوله أقلني بيعتي فأبى تقدم في فضل المدينة من رواية الثوري عن بن المنكدر أنه أعاد ذلك ثلاثا وكذا سيأتي بعد باب قوله فخرج أي من المدينة راجعا إلى البدو قوله المدينة كالكير الخ ذكر عبد الغني بن سعيد في كتاب الاسباب له عند ذكر حديث المدينة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الحديد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله في هذه القصة وفيه نظر والاشبه انه قاله في قصة الذين رجعوا عن القتال معه يوم أحد كما تقدم بيان ذلك في غزوة أحد من كتاب المغازي قوله تنفى بفتح أوله خبثها بمعجمة وموحدة مفتوحتين قوله وتنصع تقدم ضبطه في فضل المدينة وبيان الاختلاف فيه قال بن التين انما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من اقالته لانه لا يعين على معصية لان البيعة في أول الامر كانت ع لى ان لا يخرج من المدينة الا بإذن فخروجه عصيان قال وكانت الهجرة إلى المدينة فرضا قبل فتح مكة على كل من اسلم ومن لم يهاجر لم يكن بينه وبين المؤمنين موالاة لقوله تعالى والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا فلما فتحت مكة قال صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح ففي هذا اشعار بان مبايعة الاعرابي المذكور كانت قبل الفتح وقال بن المنير ظاهر الحديث ذم من خرج من المدينة وهو مشكل فقد خرج منها جمع كثير من الصحابة وسكنوا غيرها من البلاد وكذا من بعده من الفضلاء والجواب ان المذموم من خرج عنها كراهة فيها ورغبة عنها كما فعل الاعرابي المذكور وأما المشار إليهم فانما خرجوا لمقاصد صحيحه كنشر العلم وفتح بلاد الشرك والمرابطة في الثغور وجهاد الاعداء وهم مع ذلك على اعتقاد فضل المدينة وفضل سكناها وسيأتي شئ من هذا في كتاب الاعتصام ان شاء الله تعالى (0) قوله باب بيعة الصغير أي هل تشرع أو لا قال بن المنير الترجمة موهمة والحديث يزيل ايهامها فهو دال على عدم انعقاد بيعة الصغير ذكر فيه حديث عبد الله بن هشام التيمي وهو طرف من حديث تقدم بكماله في كتاب الشركة من رواية عبد الله بن وهب عن سعيد بن أبي أيوب وفيه فقالت يا رسول الله بايعه فقال هو صغير فمسح رأسه ودعا له (6784) قوله وكان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله هو عبد الله بن هشام المذكور وهذا الاثر الموقوف صحيح بالسند المذكور إلى عبد الله وقد تقدم الحكم المذكور في باب الاضحية عن المسافر والنساء والنقل عمن قال لا تجزئ أضحية الرجل عن نفسه وعن أهل بيته وانما ذكره البخاري مع ان من عادته انه يحذف الموقوفات غالبا لان المتن قصير وفيه إشارة إلى ان عبد الله بن هشام عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم زمانا ببركة دعائه له وقد تقدم ما يتعلق به من ذلك في كتاب الدعوات (0) قوله باب من بايع ثم استقال البيعة ذكر فيه حديث جابر في قصة الاعرابي وقد تقدم شرحه قبل بباب (0) قوله باب من بايع رجلا
[ 174 ]
لا يبايعه الا للدنيا أي ولا يقصد طاعة الله في مبايعة من يستحق الامامة (6786) قوله عن أبي حمزة بالمهملة والزاي هو محمد بن ميمون السكري قوله عن أبي صالح في رواية عبد الواحد بن زياد عن الاعمش سمعت أبا صالح يقول سمعت أبا هريرة كما تقدم في كتاب الشرب قوله ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة زاد جرير عن الاعمش ولا ينظر إليهم وسقط من روايته يوم القيامة وقد مر في الشهادات وفي رواية عبد الواحد لا ينظر الله إليهم يوم القيامة وسقط من روايته ولا يكلمهم وثبت الجميع لابي معاوية عن الاعمش عند مسلم على وفق الآية التي في آل عمران وقال في آخر الحديث ثم قرأ هذه الآية ان الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلا يعني إلى آخر الآية قوله رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه بن السبيل في رواية عبد الواحد رجل كان له فضل ماء منعه من بن السبيل والمقصود واحد وان تغاير المفهومان لتلازمهما لانه إذا منعه من الماء فقد منع الماء منه وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الشرب ووقع في رواية أبي معاوية بالفلاة وهي المراد بالطريق في هذه الرواية وفي رواية عمرو بن دينار عن أبي صالح في الشرب أيضا ورجل منع فضل ماء فيقول الله تعالى له اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك وقد تقدم الكلام عليه في الشرب أيضا وتقدم شئ من فوائده في كتاب ترك الحيل قوله ورجل بايع إماما في رواية عبد الواحد امامه قوله ان أعطاه ما يريد وفي له في رواية عبد الواحد رضا قوله والا لم يف له في رواية عبد الواحد سخط قوله ورجل بايع رجلا في رواية المستملي والسرخسي يبايع بصيغة المضارعة وفي رواية عبد الواحد أقام سلعة بعد العصر وفي رواية جرير ورجل ساوم رجلا سلعة بعد العصر قوله فحلف بالله في رواية عبد الواحد فقال والله الذي لا اله غيره قوله لقد أعطي بها كذا وكذا وقع مضبوطا بضم الهمزة وكسر الطاء على البناء للمجهول وكذا قوله في آخر الحديث ولم يعط بضم أوله وفتح الطاء وفي بعضها بفتح الهمزة والطاء على البناء للفاعل والضمير للحالف وهي أرجح ووقع في رواية عبد الواحد بلفظ لقد أعطيت بها وفي رواية أبي معاوية فحلف له بالله لاخذها بكذا أي لقد أخذها وفي رواية عمرو بن دينار عن أبي صالح لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وضبط بفتح الهمزة والطاء وفي بعضها بضم أوله وكسر الطاء والاول أرجح قوله فصدقه وأخذها أي المشتري ولم يعط بها أي القدر الذي حلف انه أعطي عوضها وفي رواية أبي معاوية فصدقه وهو على غير ذلك تنبيهان أحدهما خالف الاعمش في سياق هذا المتن عمرو بن دينار عن أبي صالح فمضى في الشرب ويأتي في التوحيد من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة ونحو صدر حديث الباب وقال فيه ورجل على سلعة الحديث ورجل منع فضل ماء الحديث ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم قال الكرماني ذكر عوض الرجل الثاني وهو المبايع للامام آخر وهو الحالف ليقتطع مال المسلم وليس ذلك باختلاف لان التخصيص بعدد لا ينفى ما زاد عليه انتهى ويحتمل ان يكون كل من الراويين حفظ ما لم يحفظ الاخر لان المجتمع من الحديثين أربع خصال وكل من الحديثين مصدر بثلاثة فكأنه كان في الاصل أربعة فأقتصر كل من الراويين على واحد ضمه مع الاثنين الذين توافقا عليهما فصار في رواية كل منهما ثلاثة ويؤيده ما سيأتي في التنبيه الثاني ثانيهما أخرج مسلم هذا الحديث من رواية الاعمش أيضا لكن عن شيخ له آخر
[ 175 ]
بسياق آخر فذكر من طريق أبي معاوية ووكيع جميعا عن الاعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة كصدر حديث الباب لكن قال شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر والظاهر ان هذا حديث آخر أخرجه من هذا الوجه عن الاعمش فقال عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة المنان الذي لا يعطي شيئا الا منه والمنفق سلعته بالحلف الفاجر والمسبل إزاره وليس هذا الاختلاف على الاعمش فيه بقادح لانها ثلاثة أحاديث عنده بثلاثة طرق ويجتمع من مجموع هذه الاحاديث تسع خصال ويحتمل أن تبلغ عشرا لان المنفق سلعته بالحلف الكاذب مغاير للذي حلف لقد أعطي بها كذا لان هذا خاص بمن يكذب في أخبار الشراء والذي قبله أعم منه فتكون خصلة أخرى قال النووي قيل معنى لا يكلمهم الله تكليم من رضا عنه بإظهار الرضا بل بكلام يدل على السخط وقيل المراد أنه يعرض عنهم وقيل لا يكلمهم كلاما يسرهم وقيل لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية ومعنى لا ينظر إليهم يعرض عنهم ومعنى نظره لعباده رحمته لهم ولطفه بهم ومعنى لا يزكيهم لا يطهرهم من الذنوب وقيل لا يثني ع ليهم والمراد بابن السبيل المسافر المحتاج إلى الماء لكن يستثنى منه الحربي والمرتد إذا أصرا على الكفر فلا يجب بذل الماء لهما وخص بعد العصر بالحلف لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار وغير ذلك واما الذي بايع الامام بالصفة المذكورة فاستحقاقه هذا الوعيد لكونه غش امام المسلمين ومن لازم غش الامام غش الرعية لما فيه من التسبب إلى اثارة الفتنة ولا سيما ان كان ممن يتبع على ذلك انتهى ملخصا وقال الخطابي خص وقت العصر بتعظيم الاثم فيه وان كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت لان الله عظم شأن هذا الوقت بأن جعل الملائكة تجتمع فيه وهو وقت ختام الاعمال والامور بخواتيمها فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها تجرؤا فان من تجرأ عليها فيه اعتادها في غيره وكان السلف يحلفون بعد العصر وجاء ذلك في الحديث أيضا وفي الحديث وعيد شديد في نكث البيعة والخروج على الامام لما في ذلك من تفرق الكلمة ولما في الوفاء من تحصين الفروج والاموال وحقن الدماء والاصل في مبايعة الامام ان يبايعه على ان يعمل بالحق ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فمن جعل مبايعته لمال يعطاه دون ملاحظة المقصود في الاصل فقد خسر خسرانا مبينا ودخل في الوعيد المذكور وحاق به ان لم يتجاوز الله عنه وفيه ان كل عمل لا يقصد به وجه الله وأريد به عرض الدنيا فهو فاسد وصاحبه آثم والله الموفق (0) قوله باب بيعة النساء ذكر فيه أربعة أحاديث الاول قوله رواه بن عباس كأنه يريد ما تقدم في العيدين من طريق الحسن بن مسلم عن طاوس عن بن عباس شهدت الفطر فذكر الحديث وفيه خرج النبي صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه حين يجلس بيده ثم اقبل يشقهم حتى جاء النساء معه بلال فقال يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الآية ثم ق ال حين فرغ منها أنتن على ذلك وقد تقدم فوائده هناك في تفسير الممتحنة الحديث الثاني حديث عبادة بن الصامت في مبايعتهم النبي صلى الله عليه وسلم على مثل ما في هذه الآية وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الايمان أوائل الكتاب ووقع في بعض طرقه عن عبادة قال أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اخذ على النساء ان لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني الحديث
[ 176 ]
أخرجه مسلم من طريق الاشعث الصنعاني عن عبادة والى هذه الطريق أشار في هذه الترجمة قال بن المنير أدخل حديث عبادة في ترجمة بيعة النساء لانها وردت في القرآن في حق النساء فتعرفت بهن ثم استعملت في الرجال الحديث الثالث حديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية (6788) لا يشركن بالله شيئا كذا أورده مختصرا وقد أخرجه البزار من طريق عبد الرزاق بسند حديث الباب إلى عائشة قالت جاءت فاطمة بنت عتبة أي بن ربيعة بن عبد شمس أخت هند بنت عتبة تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عليها أن لا تزني فوضعت يدها على رأسها حياء فقالت لها عائشة بايعي أيتها المرأة فوالله ما بايعناه الا على هذا قالت فنعم إذا وقد تقدمت فوائد هذا الحديث في تفسير سورة الممتحنة وفي أول هذا الحديث هناك زيادة غير الزيادة التي ذكرتها هنا من عند البزار قوله قالت وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة الا امرأة يملكها هذا القدر أفرده النسائي فأخرجه عن محمد بن يحيى عن عبد الرزاق بسند حديث الباب بلفظ لكن ما مس وقال يد امرأة قط وكذا أفرده مالك عن الزهري بلفظ ما مس رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة قط الا أن يأخذ عليها فإذا اخذ عليها فأعطته قال اذهبي فقد بايعتك أخرجه مسلم قال النووي هذا الاستثناء منقطع وتقدير الكلام ما مس يد امرأة قط ولكن يأخذ عليها البيعة ثم يقول لها اذهبي الخ قال وهذا التقدير مصرح به في الرواية الاخرى فلا بد منه انتهى وقد ذكرت في تفسير الممتحنة من خالف ظاهر ما قالت عائشة من اقتصاره في مبايعته صلى الله عليه وسلم النساء على الكلام وما ورد أنه بايعهن بحائل أن بواسطة بما يغني عن اعادته ويعكر على ما جزم به من التقدير وقد يؤخذ من قول أم عطية في الحديث الذي بعده فقبضت امرأة يدها ان بيعة النساء كانت أيضا بالايدي فتخالف ما نقل عن عائشة من هذا الحصر وأجيب بما ذكر من الحائل ويحتمل انهن كن يشرن بايديهن عن المبايعة بلا مماسة وقد أخرج إسحاق بن راهويه بسند حسن عن أسماء بنت يزيد مرفوعا أني لا أصافح النساء وفي الحديث ان كلام الاجنبية مباح سماعه وان صوتها ليس بعورة ومنع لمس بشرة الاجنبية من غير ضرورة لذلك الحديث الرابع (6789) قوله عن أيوب هو السختياني وحفصة هي بنت سيرين أخت محمد والسند كله بصريون وتقدم شرح حديث أم عطية هذا في كتاب الجنائز مستوفى وفيه تسمية النسوة المذكورات في هذا الحديث وتقدم ما يتعلق بالكلام على قولها اسعدتني في تفسير سورة الممتحنة (0) قوله باب من نكث بيعة في رواية الكشميهني بيعته بزيادة الضمير قوله وقال الله تعالى في رواية غير أبي ذر وقوله تعالى قوله ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله الآية ساق في رواية أبي ذر إلى قوله فانما ينكث على نفسه ثم قال إلى قوله فسيؤتيه أجرا عظيما وساق في رواية كريمة الآية كلها ذكر فيه حديث جابر في قصة الاعرابي وقد تقدمت الاشارة إليه قريبا في باب بيعة الاعراب وورد في الوعيد على نكث البيعة حديث بن عمر لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال وقد تقدم في أواخر كتاب الفتن وجاء نحوه عنه مرفوعا باللفظ من أعطى بيعة ثم نكثها لقي الله وليست معه يمينه أخرجه الطبراني بسند جيد وفيه حديث أبي هريرة رفعه الصلاة كفارة الا من ثلاث الشرك بالله ونكث الصفقة الحديث وفيه تفسير نكث الصفقة أن تعطي رجلا
[ 177 ]
بيعتك ثم تقاتله أخرجه أحمد (0) قوله باب الاستخلاف أي تعيين الخليفة عند موته خليفة بعده أو يعين جماعة ليتخيروا منهم واحدا ذكر فيه خمسة أحاديث الحديث الاول (6791) قوله عن يحيى بن سعيد هو الانصاري والسند كله مدنيون وقد تقدم ما يتعلق بالسند في كتاب ك فارة المرض وتقدم الكثير من فوائد المتن هناك قوله فاعهد أي أعين القائم بالامر بعدي هذا هو الذي فهمه البخاري فترجم به وان كان العهد أعم من ذلك لكن وقع في رواية عروة عن عائشة بلفظ ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا وقال في آخره ويأبى الله والمؤمنون الا أبا بكر وفي رواية لمسلم ادعى لي أبا بكر أكتب كتابا فاني أخاف أن يتمنى متمن ويأبى الله والمؤمنون الا أبا بكر وفي رواية للبزار معاذ الله ان تختلف الناس على أبي بكر فهذا يرشد إلى ان المراد الخلافة وأفرط المهلب فقال فيه دليل قاطع في خلافة أبي بكر والعجب أنه قرر بعد ذلك انه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف الحديث الثاني (6792) قوله سفيان هو الثوري ومحمد بن يوسف الراوي عنه هو الفريابي قوله قيل لعمر ألا تستخلف في رواية مسلم من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن بن عمر حضرت أبي حين أصيب قالوا استخلف وأورد من وجه آخر أن قائل ذلك هو بن عمر راوي الحديث أخرجه من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن حفصة قالت له أعلمت أن أباك غير مستخلف قال فحلفت أن أكلمه في ذلك فذكر القصة وأنه قال له لو كان لك راعي غنم ثم جاءك وتركها لرأيت أن قد ضيع فرعاية الناس أشد وفيه قول عمر في جواب ذلك أن الله يحفظ دينه قوله ان استخلف الخ في رواية سالم أن لا أستخلف فان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف وأن استخلف فان أبا بكر قد استخلف قال عبد الله فوالله ما هو الا ان ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فعلمت أنه لم يعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وأنه غير مستخلف وأخرج بن سعد من طريق عبد الله بن عبيد الله وأظنه بن عمير قال قال أناس لعمر ألا تعهد قال أي ذلك آخذ فقد تبين لي أن الفعل والترك وهو مشكل ويزيله ان دليل الترك من فعله صلى الله عليه وسلم واضح ودليل الفعل يؤخذ من عزمه الذي حكته عائشة في الحديث الذي قبله وهو لا يعزم الا على جائز فكأن عمر قال ان استخلف فقد عزم صلى الله عليه وسلم على الاستخلاف فدل على جوازه وان أترك فقد ترك فدل على جوازه وفهم أبو بكر من عزمه الجواز فاستعمله واتفق الناس على قبوله قاله بن المنير قلت والذي يظهر ان عمر رجح عنده الترك لانه الذي وقع منه صلى الله عليه وسلم بخلاف العزم وهو يشبه عزمه صلى الله عليه وسلم على التمتع في الحج وفعله الافراد فرجح الافراد قوله فأثنوا عليه فقال راغب وراهب قال بن بطال يحتمل أمرين أحدهما ان الذين أثنوا عليه اما راغب في حسن رأيي فيه وتقربي له واما راهب من إظهار ما يضمره من كراهته أو المعنى راغب فيما عندي وراهب مني أو المراد الناس راغب في الخلافة وراهب منها فان وليت الراغب فيها خشيت أن لا يعان عليها وان وليت الراهب منها خشيت أن لا يقوم بها وذكر القاضي عياض توجيها آخر انهما وصفان لعمر أي راغب فيما عند الله راهب من عقابه فلا أعول على ثنائكم وذلك يشغلني عن العناية بالاستخلاف عليكم قوله وددت أني نجوت منها أي من الخلافة كفافا بفتح الكاف وتخفيف الفاء أي مكفوفا عني شرها وخيرها وقد فسره في الحديث بقوله لا لي ولا علي وقد تقدم نحو هذا من قول
[ 178 ]
عمر في مناقبه في مراجعته لابي موسى فيما عملوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية أبي أسامة لوددت لو أن حظي منها الكفاف قوله لا أتحملها حيا وميتا في رواية أبي أسامة أتحمل أمركم حيا وميتا وهو استفهام إنكار حذفت منه اداته وقد بين عذره في ذلك لكنه لما أثر فيه قول عبد الله بن عمر حيث مثل له أمر الناس بالغنم مع الراعي خص الامر بالستة وأمرهم أن يختاروا منهم واحدا وانما خص الستة لانه اجتمع في كل واحد منهم أمران كونه معدودا في أهل بدر ومات النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض وقد صرح بالثاني الحديث الماضي في مناقب عثمان وأما الاول فأخرجه بن سعد من طريق عبد الرحمن بن ابزى عن عمر قال هذا الامر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ثم في أهل أحد ثم في كذا وليس فيها لطليق ولا لمسلمة الفتح شئ وهذا مصير منه إلى اعتبار تقديم الافضل في الخلافة قال بن بطال ما حاصله ان عمر سلك في هذا الامر مسلكا متوسطا خشية الفتنة فرأى ان الاستخلاف أضبط لامر المسلمين فجعل الامر معقودا موقوفا على الستة لئلا يترك الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فأخذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم طرفا وهو ترك التعيين ومن فعل أبي بكر طرفا وهو العقد لاحد الستة وان لم ينص عليه انتهى ملخصا قال وفي هذه القصة دليل على جواز عقد الخلافة من الامام المتولي لغيره بعده وان امره في ذلك جائز على عامة المسلمين لاطباق الصحابة ومن معهم على العمل بما عهده أبو بكر لعمر وكذا لم يختلفوا في قبول عهد عمر إلى الستة قال وهو شبيه بايصاء الرجل على ولده لكون نظره فيما يصلح تم من غيره فكذلك الامام انتهى وفيه رد على من جزم كالطبري وقبله بكر بن أخت عبد الواحد وبعده بن حزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر قال ووجهه جزم عمر بأنه لم يستخلف لكن تمسك من خالفه باطباق الناس على تسمية أبي بكر خليفة رسول الله واحتج الطبري أيضا بما أخرجه بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم رأيت عمر يجلس الناس ويقول اسمعوا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت ونظيره ما في الحديث الخامس من قول أبي بكر حتى يرى الله خليفة نبيه ورد بأن الصيغة يحتمل ان تكون من مفعول ومن فاعل فلا حجة فيها ويترجح كونها من فاعل جزم عمر بأنه لم يستخلف وموافقة بن عمر له على ذلك فعلى هذا فمعنى خليفة رسول الله الذي خلفه فقام بالامر بعده فسمى خليفة رسول الله لذلك وان عمر أطلق على أبي بكر خليفة رسول الله بمعنى انه أشار إلى ذلك بما تضمنه حديث الباب وغيره من الادلة وان لم يكن في شئ منها تصريح لكن مجموعها يؤخذ منه ذلك فليس في ذلك خلاف لما روى بن عمر عن عمر وكذا فيه رد على من زعم من الراوندية ان النبي صلى الله عليه وسلم نص على العباس وعلى قول الروافض كلها انه نص على علي ووجه الرد عليهم اطباق الصحابة على متابعة أبي بكر ثم على طاعته في مبايعة عمر ثم على العمل بعهد عمر في الشورى ولم يدع العباس ولا علي انه صلى الله عليه وسلم عهد له بالخلافة وقال النووي وغيره اجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لانسان حيث لا يكون هناك استخلاف غيره وعلى جواز جعل الخليفة الامر شورى بين عدد محصور أو غيره وأجمعوا على انه يجب نصب خليفة وعلى ان وجوبه بالشرع لا بالعقل وخالف بعضهم كالاصم وبعض الخوارج فقالوا يجب نصب الخليفة وخالف بعض المعتزلة فقالوا يجب بالعقل لا بالشرع وهما باطلان اما الاصم فاحتج ببقاء الصحابة
[ 179 ]
بلا خليفة مدة التشاور أيام السقيفة وأيام الشورى بعد موت عمر ولا حجة له في ذلك لانهم لم يطبقوا على الترك بل كانوا ساعين في نصب الخليفة آخذين في النظر فيمن يستحق عقدها له ويكفي في الرد على الاصم انه محجوج بإجماع من قبله وأما القول الآخر ففساده ظاهر لان العقل لا مدخل له في الايجاب والتحريم ولا التحسين والتقبيح وانما يقع ذلك بحسب العادة انتهى وفي قول المذكور مدة التشاور أيام السقيفة خدش يظهر من الحديث الذي بعده وانهم بايعوا أبا بكر في أول يوم لتصريحه فيه بان عمر خطب الغد من يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أبا بكر فقال فقوموا فبايعوه وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة فلم يكن بين الوفاة النبوية وعقد الخلافة لابي بكر الا دون اليوم والليلة وقد تقدم إيضاح ذلك في مناقب أبي بكر رضي الله عنه الحديث الثالث قوله هشام هو بن يوسف الصنعاني (6793) قوله انه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم هذا الذي حكاه أنس انه شاهده وسمعه كان بعد عقد البيعة لابي بكر في سقيفة بني ساعدة كما سبق بسطه وبيانه في باب رجم الحبلى من الزنا وذكر هناك انه بايعه المهاجرون ثم الانصار فكأنهم لما انهوا الامر هناك وحصلت المبايعة لابي بكر جاءوا إلى المسجد النبوي فتشاغلوا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر عمر لمن لم يحضر عقد البيعة في سقيفة بني ساعدة ما وقع هناك ثم دعاهم إلى مبايعة أبي بكر فبايعه حينئذ من لم يكن حاضرا وكل ذلك في يوم واحد ولا يقدح فيه ما وقع في رواية عقيل عن بن شهاب عند الاسماعيلي ان عمر قال أما بعد فاني قلت لكم أمس مقالة لانه يحمل على أن خطبته المذكورة كانت في اليوم الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذلك وزاد في هذه الرواية قلت لكم أمس مقالة وانها لم تكن كما قلت والله ما وجدت الذي قلت لكم في كتاب الله ولا في عهد عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن رجوت ان يعيش الخ قوله قال يعني عمر كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا ضبطه بن بطال وغيره بفتح أوله وسكون الدال وضم الموحدة أي يكون آخرنا قال الخليل دبرت الشئ دبرا اتبعته ودبرني فلان جاء خلفي وقد فسره في الخبر بقوله يريد بذلك ان يكون آخرهم ووقع في رواية عقيل ولكن رجوت ان يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبر أمرنا وهو بتشديد الموحدة وعلى هذا فيقرأ الذي في الاصل كذلك والمراد بقوله يدبرنا يدبر أمرنا لكن وقع في رواية عقيل أيضا حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم آخرنا وهذا كله قاله عمر معتذرا عما سبق منه حيث خطب قبل أبي بكر حين مات النبي صلى الله عليه وسلم فقال أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت وقد سبق ذلك واضحا قوله فان يك محمد صلى الله عليه وسلم قد مات هو بقية كلام عمر وزاد في رواية عقيل فاختار الله لرسوله الذي يبقى على الذي عندكم قوله فان الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به بما هدى الله محمدا يعني القرآن ووقع بيانه في رواية معمر عن الزهري في أوائل الاعتصام بلفظ وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم فخذوا به تهتدوا كما هدى الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ووقع في رواية عبد الرزاق عن معمر عند أبي نعيم في المستخرج وهدى الله به محمدا فاعتصموا به تهتدوا فانما هدى الله محمدا به وفي رواية عقيل قد جعل بين أظهركم كتابه الذي هدى به محمدا صلى الله عليه وسلم فخذوا به تهتدوا قوله وان أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ قال
[ 180 ]
بن التين قدم الصحبة لشرفها ولما كان غيره قد يشاركه فيها عطف عليها ما انفرد به أبو بكر وهو كونه ثاني اثنين وهي أعظم فضائله التي استحق بها ان يكون الخليفة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك قال وانه أولى الناس بأموركم قوله فقوموا فبايعوه وكان طائفة الخ فيه إشارة إلى بيان السبب في هذه المبايعة وأنه لاجل من لم يحضر في سقيفة بني ساعدة قوله وكانت بيعة العامة على المنبر أي في اليوم المذكور وهو صبيحة اليوم الذي بويع فيه في سقيفة بني ساعدة قوله قال الزهري عن أنس هو موصول بالاسناد المذكور وقد أخرجه الاسماعيلي مختصرا من طريق عبد الرزاق عن معمر قوله سمعت عمر يقول لابي بكر يومئذ اصعد المنبر في رواية عبد الرزاق عن معمر عند الاسماعيلي لقد رأيت عمر يزعج أبا بكر إلى المنبر ازعاجا قوله حتى صعد المنبر في رواية الكشميهني حتى أصعده المنبر قال بن التين سبب الحاح عمر في ذلك ليشاهد أبا بكر من عرفه ومن لم يعرفه انتهى وكان توقف أبي بكر في ذلك من تواضعه وخشيته قوله فبايعه الناس عامة أي كانت البيعة الثانية أعم وأشهر وأكثر من المبايعة التي وقعت في سقيفة بني ساعدة وقد تقدمت الاشارة إلى بيان ذلك عند شرح أصل بيعة أبي بكر من كتاب الحدود الحديث الرابع حديث جبير بن مطعم الذي فيه ان لم تجديني فأتى أبا بكر وقد تقدم شرحه في أول مناقب أبي بكر الصديق وسيأتي شئ مما يتعلق به في كتاب الاعتصام الحديث الخامس (6795) قوله يحيى هو القطان وسفيان هو الثوري قوله عن أبي بكر قال لوفد بزاخة أي انه قال ولفظه انه يحذفونها كثيرا من الخط وقد وقع عند الاسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق قال جاء وفد بزاخة فذكر القصة وبزاخة بضم الموحدة وتخفيف الزاي وبعد الالف خاء معجمة وقع في رواية بن مهدي المذكورة من أسد وغطفان ووقع في رواية أخرى ذكرها بن بطال وهم من طئ وأسد قبيلة كبيرة ينسبون إلى أسد بن خزيمة بن مدركة وهم اخوة كنانة بن خزيمة أصل قريش وغطفان قبيلة كبيرة ينسبون إلى غطفان بفتح المعجمة ثم المهملة بعدها فاء بن سعد بن قيس عيلان بن مضر وطئ بفتح الطاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف بعدها أخرى مهموزة وكان هؤلاء القبائل ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم واتبعوا طليحة بن خويلد الاسدي وكان قد ادعى النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فأطاعوه لكونه منهم فقاتلهم خالد بن الوليد بعد ان فرغ من مسيلمة باليمامة فلما غلب عليهم بعثوا وفدهم إلى أبي بكر وقد ذكر قصتهم الطبري وغيره في أخبار الردة وما وقع من وقاتلته الصحابة لهم في خلافة أبي بكر الصديق وذكر أبو عبيد البكري في معجم الاماكن ان بزاخة ماء لطئ عن الاصمعي ولبنى أسد عن أبي عمرو يعني الشيباني وقال أبو عبيدة هي رملة من وراء النباج انتهى والنباج بنون وموحدة خفيفة ثم جيم موضع في طريق الحاج من البصرة قوله تتبعون أذناب الابل الخ كذا ذكر البخاري هذه القطعة من الخبر مختصرة وليس غرضه منها الا قول أبي بكر خليفة نبيه وقد تقدم التنبيه على ذلك في الحديث الثالث وقد أوردها أبو بكر البرقاني في مستخرجه وساقها الحميدي في الجمع بين الصحيحين ولفظه الحديث الحادي عشر من إفراد البخاري عن طارق بن شهاب قال جاء وفد بزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية فقالوا هذه المجلية قد عرفناها فما المخزية قال ننزع منكم الحلقة والكراع ونغنم
[ 181 ]
ما أصبنا منكم وتردون علينا ما أصبتم منا وتدون لنا قتلانا ويكون قتلاكم في النار وتتركون اقوما يتبعون أذناب الابل حتى يرى الله خليفة رسوله والمهاجرين أمرا يعذرونكم به فعرض أبو بكر ما قال على القوم فقام فقال قد رأيت رأيا وسنشير عليك اما ما ذكرت فذكر الحكمين الاولين فنعم ما ذكرت واما تدون قتلانا ويكون قتلاكم في النار فان قتلانا قاتلت على أمر الله وأجورها على الله ليست لها ديات قال فتتابع القوم على ما قال عمر قال الحميدي اختصره البخاري فذكر طرفا منه وهو قوله لهم يتبعون أذناب الابل إلى قوله يعذرونكم به وأخرجه بطوله البرقاني بالاسناد الذي أخرج البخاري ذلك القدر منه انتهى ملخصا وذكره بن بطال من وجه آخر عن سفيان الثوري بهذا السند مطولا أيضا لكن قال فيه وفد بزاخة وهم من طئ وقال فيه فخطب أبو بكر الناس فذكر ما قالوا وقال والباقي سواء والمجلية بضم الميم وسكون الجيم بعدها لام مكسورة ثم تحتانية من الجلاء بفتح الجيم وتخفيف اللام مع المد ومعناها الخروج عن جميع المال والمخزية بخاء معجمة وزاي بوزن التي قبلها ماخوذه من الخزي ومعناها القرار على الذل والصغار والحلق بفتح المهملة وسكون اللام بعدها قاف السلاح والكراع بضم الكاف على الصحيح وبتخفيف الراء جميع الخيل وفائدة نزع ذلك منهم ان لا يبقى لهم شوكة ليأمن الناس من جهتهم وقوله ونغنم ما أصبنا منكم أي يستمر ذلك لنا غنيمة نقسمها على الفريضة الشرعية ولا نرد عليكم من ذلك شيئا وقوله وتردون علينا ما أصبتم منا أي ما انتهبتموه من عسكر المسلمين في حالة المحاربة وقوله تدون بفتح المثناة وتخفيف الدال المضمومة أي تحملون إلينا دياتهم وقوله قتلاكم في النار أي لا ديات لهم في الدنيا لانهم ماتوا على شركهم فقتلوا بحق فلا دية لهم وقوله وتتركون بضم أوله ويتبعون اذناب الابل أي في رعايتها لانهم إذا نزعت منهم آلة الحرب رجعوا أعرابا في البوادي لا عيش لهم الا ما يعود عليهم من منافع ابلهم قال بن بطال كانوا ارتدوا ثم تابوا فأوفدوا رسلهم إلى أبي بكر يعتذرون إليه فأحب أبو بكر ان لا يقضي بينهم الا بعد المشاورة في أمرهم فقال لهم ارجعوا واتبعوا أذناب الابل في الصحاري انتهى والذي يظهر ان المراد بالغاية التي أنذرهم إليها أن تظهر توبتهم وصلاحهم بحسن اسلامهم (0) قوله باب كذا للجميع بغير ترجمة وسقط لفظ باب من رواية أبي ذر عن الكشميهني والسرخسي وهو كالفصل م ن الذي قبله وتعلقه به ظاهر (6796) الله تبارك وتعالى 0 قوله حدثنا في رواية كريمة حدثني بالافراد قوله عن عبد الملك في رواية سفيان بن عيينة عند مسلم عن عبد الملك بن عمير قوله يكون اثنى عشر أميرا في رواية سفيان بن عيينة المذكورة لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا قوله فقال كلمة لم أسمعها في رواية سفيان ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علي قوله فقال أبي انه قال كلهم من قريش في رواية سفيان فسألت أبي ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كلهم من قريش ووقع عند أبي داود من طريق الشعبي عن جابر بن سمرة سبب خفاء الكلمة المذكورة على جابر ولفظه لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثني عشر خليفة قال فكبر الناس وضجوا فقال كلمة خفية فقلت لابي يا أبة ما قال فذكره وأصله عند مسلم دون قوله فكبر الناس وضجوا و وقع عند الطبراني من وجه آخر في آخره فالتفت فإذا أنا بعمر بن الخطاب وأبي في أناس فأثبتوا الي الحديث وأخرجه مسلم من طريق حصين بن عبد الرحمن عن جابر بن سمرة قال دخلت مع
[ 182 ]
أبي على النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بلفظ أن هذا الامر لا ينقضي حتيمضي فيهم اثنا عشرة خليفة وأخرجه من طريق سماك بن حرب عن جابر بن سمرة بلفظ يزال الاسلام عزيزا إلى اثنى عشر خليفة ومثله عنده من طريق الشعبي عن جابر بن سمرة وزاد في رواية عنه منيعا وعرف بهذه الرواية معنى قوله في رواية سفيان ماضيا أي ماضيا أمر الخليفة فيه ومعنى قوله عزيزا قويا ومنيعا بمعناه ووقع في حديث أبي جحيفة عند البزار والطبراني نحو حديث جابر بن سمرة بلفظ لا يزال أمر أمتي صالحا وأخرجه أبو داود من طريق الاسود بن سعيد عن جابر بن سمرة نحوه قال وزاد فلما رجع إلى منزله اتته قريش فقالوا ثم يكون ماذا قال الهرج وأخرج البزار هذه الزيادة من وجه آخر فقال فيها ثم رجع إلى منزله فأتيته فقلت ثم يكون ماذا قال الهرج قال بن بطال عن المهلب لم ألق أحدا يقطع في هذا الحديث يعني بشئ معين فقوم قالوا يكونون بتوالي امارتهم وقوم قالوا يكونون في زمن واحد كلهم يدعي الامارة قال والذي يغلب على الظن انه عليه الصلاة والسلام أخبر بأعاجيب تكون بعده من الفتن حتى يفترق الناس في وقت واحد على اثنى عشر أميرا قال ولو أراد غير هذا لقال يكون اثنا عشر أميرا يفعلون كذا فلما أعراهم من الخبر عرفنا انه أراد انهم يكونون في زمن واحد انتهى وهو كلام من لم يقف على شئ من طرق الحديث غير الرواية التي وقعت في البخاري هكذا مختصرة وقد عرفت من الروايات التي ذكرتها من عند مسلم وغيره أنه ذكر الصفة التي تختص بولايتهم وهو كون الاسلام عزيزا منيعا وفي الرواية الاخرى صفة أخرى وهو ان كلهم يجتمع عليه الناس كما وقع عند أبي داود فإنه أخرج هذا الحديث من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبيه عن جابر بن سمرة بلفظ لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الامة وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن الاسود بن سعيد عن جابر بن سمرة بلفظ لا تضرهم عداوة من عاداهم وقد لخص القاضي عياض ذلك فقال توجه على هذا العدد سؤالان أحدهما انه يعارضه ظاهر قوله في حديث سفينة يعني الذي أخرجه أصحاب السنن وصححه بن حبان وغيره الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا لان الثلاثين سنة لم يكن فيها الا الخلفاء الاربعة وأيام الحسن بن علي والثاني انه ولى الخلافة أكثر من هذا العدد قال والجواب عن الاول أنه أراد في حديث سفينة خلافه النبوة ولم يقيده في حديث جابر بن سمرة بذلك وعن الثاني انه لم يقل لا يلي الا اثنا عشر وانما ق ال يكون اثنا عشر وقد ولي هذا العدد ولا يمنع ذلك الزيادة عليهم قال وهذا ان جعل اللفظ واقعا على كل من ولى والا فيحتمل ان يكون المراد من يستحق الخلافة من أئمة العدل وقد مضى منهم الخلفاء الاربعة ولا بد من تمام العدة قبل قيام الساعة وقد قيل انهم يكونون في زمن واحد يفترق الناس عليهم وقد وقع في المائة الخامسة في الاندلس وحدها ستة أنفس كلهم يتسمى بالخلافة ومعهم صاحب مصر والعباسية ببغداد إلى من كان يدعى الخلافة في أقطار الارض من العلوية والخوارج قال ويعضد هذا التأويل قوله في حديث آخر في مسلم ستكون خلفاء فيكثرون قال ويحتمل ان يكون المراد ان يكون الاثنا عشر في مدة عزة الخلافة وقوة الاسلام واستقامة أموره والاجتماع على من يقوم بالخلافة ويؤيده قوله في بعض الطرق كلهم تجتمع عليه الامة وهذا قد وجد فيما اجتمع عليه الناس إلى ان أضطرب أمر بني
[ 183 ]
أمية ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد فاتصلت بينهم إلى ان قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم وهذا العدد موجود صحيح إذا اعتبر قال وقد يحتمل وجوها أخر والله اعلم بمراد نبيه انتهى والاحتمال الذي قبل هذا وهو اجتماع اثنى عشر في عصر واحد كلهم يطلب الخلافة هو الذي اختاره المهلب كما تقدم وقد ذكرت وجه الرد عليه ولو لم يرد الا قوله كلهم يجتمع عليه الناس فان في وجودهم في عصر واحد يوجد عين الافتراق فلا يصح ان يكون المراد ويؤيد ما وقع عند أبي داود ما أخرجه أحمد والبزار من حديث بن مسعود بسند حسن انه سئل كم يملك هذه الامة من خليفة فقال سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل وقال بن الجوزي في كشف المشكل قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث وتطلبت مظانه وسألت عنه فلم أقع على المقصود به لان ألفاظه مختلفة ولا أشك ان التخليط فيها من الرواة ثم وقع لي فيه شئ وجدت الخطابي بعد ذلك قد أشار إليه ثم وجدت كلاما لابي الحسين بن المنادي وكلاما لغيره فاما الوجه الاول فإنه أشار إلى ما يكون بعده وبعد أصحابه وان حكم أصحابه مرتبط بحكمه فأخبر عن الولايات الواقعة بعدهم فكأنه أشار بذلك إلى عدد الخلفاء من بني أمية وكأن قوله لا يزال الدين أي الولاية إلى ان يلي اثنا عشر خليفة ثم ينتقل إلى صفة أخرى أشد من الاولى وأول بني أمية يزيد بن معاوية وآخرهم مروان الحمار وعدتهم ثلاثة عشر ولا يعد عثمان ومعاوية ولا بن الزبير لكونهم صحابة فإذا اسقطنا منهم مروان بن الحكم للاختلاف في صحبته أو لانه كان متغلبا بعد أن اجتمع الناس على عبد الله بن الزبير صحت العدة وعند خروج الخلافة من بني أمية وقعت الفتن العظيمة والملاحم الكثيرة حتى استقرت دولة بني العباس فتغيرت الاحوال عما كانت عليه تغيرا بينا قال ويؤيد هذا ما أخرجه أبو داود من حديث بن مسعود رفعه تدور رحى الاسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين فان هلكوا فسبيل من هلك وان يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما زاد الطبراني والخطابي فقالوا سوى ما مضى قال نعم قال الخطابي رحى الاسلام كناية عن الحرب شبهها بالرحى التي تطحن الحب لما يكون فيها من تلف الارواح والمراد بالدين في قوله يقم لهم دينهم الملك قال فيشبه أن يكون إشارة إلى مدة بني أمية في الملك وانتقاله عنهم إلى بني العباس فكان ما بين استقرار الملك لبني أمية وظهور الوهن فيه نحو من سبعين سنة قلت لكن يعكر عليه ان من استقرار الملك لبني أمية عند اجتماع الناس على معاوية سنة إحدى وأربعين إلى ان زالت دولة بني أمية فقتل مروان بن محمد في أوائل سنة اثنتين وثلاثين ومائة أزيد من تسعين سنة ثم نقل عن الخطيب أبي بكر البغدادي قوله تدور رحى الاسلام مثل يريد ان هذه المدة إذا انتهت حدث في الاسلام أمر عظيم يخاف بسببه على أهله الهلاك يقال للامر إذا تغير واستحال دارت رحاه قال وفي هذا إشارة إلى انتقاض مدة الخلافة وقوله يقم لهم دينهم أي ملكهم وكان من وقت اجتماع الناس على معاوية إلى انتقاض ملك بني أمية نحوا من سبعين قال بن الجوزي ويؤيد هذا التأويل ما أخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه إذا ملك اثنا عشر من بني كعب بن لؤي كان النقف والنقاف إلى يوم القيامة انتهى والنقف ظهر لي انه بفتح النون وسكون القاف وهو كسر الهامة عن الدماغ والنقاف بوزن فعال منه وكنى بذلك عن القتل والقتال ويؤيده
[ 184 ]
قوله في بعض طرق جابر بن سمرة ثم يكون الهرج وأما صاحب النهاية فضبطه بالثاء المثلثة بدل النون وفسره بالجد الشديد في الخصام ولم أر في اللغة تفسيره بذلك بل معناه الفطنة والحذق ونحو ذلك وفي قوله من بني كعب بن لؤي إشارة إلى كونهم من قريش لان لؤيا هو بن غالب بن فهر وفيهم جماع قريش وقد يؤخذ منه ان غيرهم يكون من غير قريش فتكون فيه إشارة إلى القحطاني المقدم ذكره في كتاب الفتن قال واما الوجه الثاني فقال أبو الحسين بن المنادى في الجزء الذي جمعه في المهدي يحتمل في معنى حديث يكون اثنا عشر خليفة ان يكون هذا بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان فقد وجدت في كتاب دانيال إذا مات المهدي ملك بعده خمسة رجال من ولد السبط الاكبر ثم خمسة من ولد السبط الاصغر ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الاكبر ثم يملك بعده ولده فيتم بذلك اثنا عشر ملكا كل واحد منهم امام مهدي قال بن المنادى وفي رواية أبي صالح عن بن عباس المهدي اسمه محمد بن عبد الله وهو رجل ربعة مشرب بحمرة يفرج الله به عن هذه الامة كل كرب ويصرف بعدله كل جور ثم يلي الامر بعده اثنا عشر رجلا ستة من ولد الحسن وخمسة من ولد الحسين وآخر من غيرهم ثم يموت فيفسد الزمان وعن كعب الاحبار يكون اثنا عشر مهديا ثم ينزل روح الله فيقتل الدجال قال والوجه الثالث ان المراد وجود اثنى عشر خليفة في جميع مدة الاسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحق وان لم تتوالى أيامهم ويؤيده ما أخرجه مسدد في مسنده الكبير من طريق أبي بحر ان أبا الجلد حدثه انه لا تهلك هذه الامة حتى يكون منها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق منهم رجلان من أهل بيت محمد يعيش أحدهما أربعين سنة والاخر ثلاثين سنة وعلى هذا فالمراد بقوله ثم يكون الهرج أي الفتن المؤذنة بقيام الساعة من خروج الدجال ثم يأجوج ومأجوج إلى ان تنقضي الدنيا انتهى كلام ابن الجوزي ملخصا بزيادات يسيرة والوجهان الاول والآخر قد اشتمل عليهما كلام القاضي عياض فكأنه ما وقف عليه بدليل ان في كلامه زيادة لم يشتمل عليها كلامه وينتظم من مجموع ما ذكراه أوجه أرجحها الثالث من أوجه القاضي لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة كلهم يجتمع عليه الناس وإيضاح ذلك ان المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته والذي وقع ان الناس اجتمعوا على أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي إلى ان وقع أمر الحكمين في صفين فسمى معاوية يومئذ بالخلافة ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن ثم اجتمعوا على ولده يزيد ولم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى ان اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير ثم اجتمعوا على أولاده الاربعة الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك واجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فولي نحو أربع سنين ثم قاموا عليه فقتلوه وانتشرت الفتن وتغيرت الاحوال من يومئذ ولم يتفق ان يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك لان يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم تطل مدته بل ثار عليه قبل ان يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان ولما مات يزيد ولى أخوه إبراهيم فغلبه مروان ثم ثار على مروان بنو العباس إلى ان قتل ثم كان أول خلفاء بني العباس أبو العباس السفاح ولم تطل مدته مع كثرة من ثار عليه ثم ولى أخوه المنصور فطالت مدته لكن خرج عنهم المغرب الاقصى باستيلاء
[ 185 ]
المروانيين على الاندلس واستمرت في أيديهم متغلبين عليها إلى ان تسموا بالخلافة بعد ذلك وانفرط الامر في جميع أقطار الارض إلى ان لم يبق من الخلافة الا الاسم في بعض البلاد بعد ان كانوا في أيام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع اقطار الارض شرقا وغربا وشمالا ويمينا مما غلب عليه المسلمون ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الامارة على شئ منها الا بأمر الخليفة ومن نظر في أخبارهم عرف صحة ذلك فعلى هذا يكون المراد بقوله ثم يكون الهرج يعني القتل الناشئ عن الفتن وقوعا فاشيا يفشو ويستمر ويزداد على مدى الايام وكذا كان والله المستعان والوجه الذي ذكره بن المنادى ليس بواضح ويعكر عليه ما أخرجه الطبراني من طريق قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده رفعه سيكون من بعدي خلفاء ثم من بعد الخلفاء امراء ومن بعد الامراء ملوك ومن بعد الملوك جبابرة ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملا الارض عدلا كما ملئت جورا ثم يؤمر القطحاني فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه فهذا يرد على ما نقله بن المنادى من كتاب دانيال وأما ما ذكره عن أبي صالح فواه جدا وكذا عن كعب وأما محاولة ابن الجوزي الجمع بين حديث تدور رحى الاسلام وحديث الباب ظاهر التكلف والتفسير الذي فسره به الخطابي ثم الخطيب بعيد والذي يظهر ان المراد بقوله تدور رحى الاسلام ان تدوم على الاستقامة وان ابتدأ ذلك من أول البعثة النبوية فيكون انتهاء المدة بقتل عمر في ذي الحجة سنة أربع وعشرين من الهجرة فإذا انضم إلى ذلك اثنتا عشرة سنة وستة أشهر من المبعث في رمضان كانت المدة خمسا وثلاثين سنة وستة أشهر فيكون ذلك جميع المدة النبوية ومدة الخليفتين بعده خاصة ويؤيد حديث حذيفة الماضي قريبا الذي يشير إلى ان باب الامن من الفتنة يكسر بقتل عمر فيفتح باب الفتن وكان الامر على ما ذكر وأما قوله في بقية الحديث فان يهلكوا فسبيل من هلك وان لم يقم لهم دينهم يقم سبعين سنة فيكون المراد بذلك انقضاء أعمارهم وتكون المدة سبعين سنة إذا جعل ابتداؤها من أول سنة ثلاثين عند انقضاء ست سنين من خلافة عثمان فان ابتداء الطعن فيه إلى ان آل الامر إلى قتله كان بعد ست سنين مضت من خلافته وعند انقضاء السبعين لم يبق من الصحابة أحد فهذه الذي يظهر لي في معنى هذا الحديث ولا تعرض فيه لما يتعلق باثني عشر خليفة وعلى تقدير ذلك فالاولى ان يحمل قوله يكون بعدي اثنا عشر خليفة على حقيقة البعدية فان جميع من ولى الخلافة من الصديق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفسا منهم اثنان لم تصح ولايتهما ولم تطل مدتهما وهما معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم والباقون اثنا عشر نفسا على الولاء كما أخبر صلى الله عليه وسلم وكانت وفاة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة وتغيرت الاحوال بعده وانقضى القرن الاول الذي هو خير القرون ولا يقدح في ذلك قوله يجتمع عليهم الناس لانه يحمل على الاكثر الاغلب لان هذه الصفة لم تفقد منهم الا في الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير مع صحة ولايتهما والحكم بأن من خالفهما لم يثبت استحقاقه الا بعد تسليم الحسن وبعد قتل بن الزبير والله أعلم وكانت الامور في غالب أزمنة هؤلاء الاثنى عشر منتظمة وان وجد في بعض مدتهم خلاف ذلك فهو بالنسبة إلى الاستقامة نادر والله اعلم وقد تكلم بن حبان على معنى حديث تدور رحى الاسلام فقال المراد بقوله تدور رحى الاسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين انتقال أمر الخلافة إلى بني أمية وذلك ان قيام معاوية عن علي بصفين حتى وقع التحكيم
[ 186 ]
هو مبدا مشاركة بني أمية ثم استمر الامر في بني أمية من يومئذ سبعين سنة فكان أول ما ظهرت دعاة بني العباس بخراسان سنة ست ومائة وساق ذلك بعبارة طويلة عليه فيها مؤاخذات كثيرة أولها دعواه ان قصة الحكمين كانت في أواخر سنة ست وثلاثين وهو خلاف ما اتفق عليه أصحاب الاخبار فانها كانت بعد وقعة صفين بعد أشهر وكانت سنة سبع وثلاثين والذي قدمته أولى بأن يحمل الحديث عليه والله اعلم (0) قوله باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت بعد المعرفة وقد أخرج عمر أخت أبي بكر حين ناحت تقدمت هذا الترجمة والاثر المعلق فيها والحديث في كتاب الاشخاص وقال فيه المعاصي بدل أهل الريب وساق الحديث من وجه آخر عن أبي هريرة وتقدم شرحه مستوفى في أوائل باب صلاة الجماعة وقوله (6797) في آخر الباب قال محمد بن يوسف قال يونس قال محمد بن سليمان قال أبو عبد الله مرماة ما بين ظلف الشاة من اللحم مثل منساة وميضاة الميم مخفوضة وقد تقدم شرح المرماتين هناك ومحمد بن يوسف هذا هو الفربري راوي الصحيح عن البخاري ويونس هو بن ومحمد بن سليمان هو أبو أحمد الفارسي راوي التاريخ الكبير عن البخاري وقد نزل الفربري في هذا التفسير درجتين فإنه ادخل بينه وبين شيخه البخاري رجلين أحدهما عن الآخر وثبت هذا التفسير في رواية أبي ذر عن المستملي وحده وقوله مثل منساة وميضاة أما منساة بالوزن الذي ذكره بغير همز فهي قراءة أبي عمرو ونافع في قوله تعالى تأكله منسأته وقال الشاع رإذا دببت على المنساة من هرم فقد تباعد عنك اللهو والغزل أنشده أبو عبيدة ثم قال وبعضهم يهمزها فيقول منسأته قلت وهي قراءة الباقين بهمزة مفتوحة الا بن ذكوان فسكن الهمزة وفيها قراآت أخر في الشواذ والمنساة العصا اسم آلة من أنسا الشئ إذا أخره وقوله الميم مخفوضة أي في كل من المنساة والميضاة وفي الميضاة اللغات المذكورة (0) قوله باب هل للامام ان يمنع المجرمين وأهل المعصية من الكلام معه والزيارة ونحوه في رواية أبي أحمد الجرجاني المحبوس بدل المجرمين وكذا ذكر بن التين والاسماعيلي وهو أوجه لان المحبوس قد لا يتحقق عصيانه والاول يكون من عطف العام على الخاص وهو المطابق لحديث الباب ظاهرا وذكر فيه طرفا من حديث كعب بن مالك في قصة تخلفه عن تبوك وتوبته وقد تقدم شرحها مستوفى في أواخر كتاب المغازي بحمد الله تعالى (0) قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب التمني باب ما جاء في التمني ومن تمنى الشهادة كذا لابي ذر عن المستملي وكذا لابن بطال لكن بغير بسملة واثبتها بن التين لكن حذف لفظ باب وللنسفي بعد البسملة ما جاء في التمني وللقابسي بحذف الواو والبسملة وكتاب ومثله لابن نعيم عن الجرجاني ولكن أثبت الواو وزاد بعد قوله كتاب التمني والاماني واقتصر الاسماعيلي على باب ما جاء في تمني الشهادة والتمني تفعل من الامنية والجمع اماني والتمني إرادة تتعلق بالمستقبل فان كانت في خير من غير ان تتعلق بحسد فهي مطلوبة والا فهي مذمومة وقد قيل ان بين التمني والترجي عموما وخصوصا فالترجي في الممكن والتمني في أعم من ذلك وقيل التمني يتعلق بما فات وعبر عنه بعضهم بطلب مالا يمكن حصوله
[ 187 ]
وقال الراغب قد يتضمن التمني معنى الود لانه يتمنى حصول ما يود وقوله (6799) عبد الرحمن بن خالد هو بن مسافر الفهمي المصري ونصف السند مصريون ونصفه الاعلى مدنيون والمقصود منه هنا قوله لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ووقع في الطريق الثانية وددت أني أقاتل في سبيل الله فاقتل وهي أبين ووقع في رواية الكشميهني لاقاتل بزيادة لام التأكيد وددت من الودادة وهي إرادة وقوع الشئ على وجه مخصؤوص يراد وقال الراغب الود محبة الشئ وتمني حصوله فمن الاول قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى الآية ومن الثاني ودت طائفة من أهل الكتاب الايه وقد تقدم شرح حديث الباب وتوجيه تنمي الشهادة مع ما يشكل على ذلك في باب تمني الشهادة من كتاب الجهاد والله اعلم (0) قوله باب تمني الخير هذه الترجمة أعم من التي قبلها لان تمني الشهادة في سبيل الله تعالى من جملة الخير وأشار بذلك إلى ان التمني المطلوب لا ينحصر في طلب الشهادة وقوله (6801) وقول النبي صلى الله عليه وسلم لو كان لي أحد ذهبا أسنده في الباب بلفظ لو كان عندي واللفظ المعلق وصله في الرقاق بلفظ لو كان لي مثل أحد ذهبا وقوله في الموصول وعندي منه دينار ليس شئ أرصده في دين علي أجد من يقبله كذا وقع وذكر الصغاني ان الصواب ليس شيئا بالنصب وقال عياض في هذا السياق نظر والصواب تقديم أجد من يقبله وتأخير ليس وما بعدها وقد اعترض الاسماعيلي فقال هذا لا يشبه التمني وغفل عن قوله في سياق رواية همام عن أبي هريرة لاحببت فانها بمعنى وددت وقد جرت عادة البخاري ان يترجم ببعض ما ورد من طرق بعض الحديث المذكور وتقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الرقاق وتقدم كلام بن مالك في ذلك هناك (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما استدبرت ذكر فيه حديث عائشة بلفظه وبعده ما سقت الهدى وقد مضى من وجه آخر أتم من هذا في كتاب الحج ثم ذكر بعده حديث جابر وفيه اني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت وحبيب في السند هو بن أبي قريبة واسمه زيد وقيل غير ذلك وهو المعروف بالعلم تقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الحج وقد وقع فيه لو مجردة عن النفي ومعقبة بالنفي حيث جاء فيه لو أني استقبلت وقال بعده ولولا ان معي الهدي لاحللت وسيأتي
[ 188 ]
ما قيل فيهما بعد أربعة أبواب (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ليت كذا وكذا ليت حرف من حروف التمني يتعلق بالمستحيل غالبا وبالممكن قليلا ومنه حديث الباب فان كلا من الحراسة والمبيت بالمكان الذي تمناه قد وجد (6804) قوله أرق بفتح أوله وكسر الراء أي سهر وزنه ومعناه وقد تقدم بيانه في باب الحراسة في الغزو مع شرحه وقوله من هذا قيل سعد في رواية الكشميهني قال سعد وهو أولى فقد تقدم في الجهاد بلفظ فقال انا سعد بن أبي وقاص ويستفاد منه تعيينه تنبيه ذكرت في باب الحراسة من كتاب الجهاد ما أخرجه الترمذي من طريق عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت والله يعصمك من الناس وهو يقتضي انه لم يحرس بعد ذلك بناء على سبق نزول الآية لكن ورد في عدة أخبار انه حرس في بدر وفي أحد وفي الخندق وفي رجوعه من خيبر وفي وادي القرى وفي عمرة القضية وفي حنين فكأن الآية نزلت متراخية عن وقعة حنين ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الصغير من حديث أبي سعيد كان العباس فيمن يحرس النبي صلى الله عليه وسلم فلما نزلت هذه الآية ترك والعباس انما لازمه بعد فتح مكة فيحمل على انها نزلت بعد حنين وحديث حراسته ليلة حنين أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث سهل بن الحنظلية ان أنس بن أبي مرثد حرس النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وتتبع بعضهم أسماء من حرس النبي صلى الله عليه وسلم فجمع منهم سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة والزبير وأبو أيوب وذكوان بن عبد القيس والادرع السلمي وابن الادرع واسمه محجن ويقال سلمة وعباد بن بشر والعباس وأبو ريحانة وليس كل واحد من هؤلاء في الوقائع التي تقدم ذكرها حرس النبي صلى الله عليه وسلم وحده بل ذكر في مطلق الحرس فامكن ان يكون خاصا به كأبي أيوب حين بناءه بصفية بعد الرجوع من خيبر وامكن ان يكون حرس أهل تلك الغزوة كأنس بن أبي مرثد والعلم عند الله تعالى قوله وقالت عائشة قال بلال ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة الخ هذا حديث آخر تقدم موصولا بتمامه في مقدم النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب الهجرة وموضع الدلالة منه قولها فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك اقتصر من الحديث عليها والذي في الرواية الموصولة قالت عائشة فجئت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته (0) قوله باب تمني القرآن والعلم ذكر فيه حديث أبي هريرة لا تحاسد الا في اثنين وهو ظاهر في تمني القرآن وأضاف العلم إليه بطريق الالحاق به في الحكم وقد تقدم في العلم من وجه آخر عن الاعمش وتقدم شرحه مستوفى في كتاب العلم وقوله (6805) هنا فهو يتلوه الناء الليل وقع في رواية الكشميهني من آناء الليل بزيادة من قوله يقول لو أوتيت كذا فيه بحذف القائل وظاهره أنه الذي أوتي القرآن وليس كذلك بل هو السامع وأفصح به في الرواية التي في فضائل القرآن ولفظه فسمعه جار له فقال ليتني أوتيت الخ ولفظ هذه الرواية أدخل في التمني لكنه جرى على عادته في الاشارة (0) قوله باب ما يكره من التمني قال بن عطية يجوز تمني ما لا يتعلق بالغير أي مما يباح وعلى هذا فالنهي عن التمني مخصوص بما يكون داعية إلى الحسد والتباغض وعلى هذا يحمل قول الشافعي لولا أنا نأثم بالتمني لتمنينا ان يكون كذا ولم يرد ان كل التمني يحصل به الاثم قوله ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض إلى قوله ان الله كان بكل شئ عليما كذا لابي ذر وساق في رواية كريمة الآية كلها
[ 189 ]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث كلها في الزجر عن تمني الموت وفي مناسبتها للآية غموض الا ان كان أراد ان المكروه من التمني هو جنس ما دلت عليه الآية وما دل عليه الحديث وحاصل ما في الآية الزجر عن الحسد وحاصل ما في الحديث الحث على الصبر لان تمني الموت غالبا ينشأ عن وقوع أمر يختار الذي يقع به الموت على الحياة فإذا نهى عن تمني الموت كأن أمر بالصبر على ما نزل به ويجمع الحديث والآية الحث على الرضى بالقضاء والتسليم لامر الله تعالى ووقع في حديث أنس من طريق ثابت عنه في باب تمني المريض الموت من كتاب المرضى بعد النهي عن تمني الموت فان كان لا بد فاعلا فليقل اللهم احيني ما كانت الحياة خيرا لي الحديث ولا يرد على ذلك مشروعية الدعاء بالعافية مثلا لان الدعاء بتحصيل الامور الاخروية يتضمن الايمان بالغيب مع ما فيه من إظهار الافتقار إلى الله تعالى والتذلل له والاحتياج والمسكنة بين بديه والدعاء بتحصيل الامور الدنيوية لاحتياج الداعي إليها فقد تكون قدرت له ان دعى بها فكل من الاسباب والمسببات مقدر وهذا كله بخلاف الدعاء بالموت فليست فيه مصلحة ظاهرة بل فيه مفسدة وهي طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد لا سيما لمن يكون مؤمنا فان استمرار الايمان من أفضل الاعمال والله أعلم وقوله (6806) في الحديث الاول عاصم هو بن سليمان المعروف بالاحول وقد سمع من أنس وربما أدخل بينهما واسطة كهذا ووقع عند مسلم في هذا الحديث من رواية عبد الواحد بن زياد عن عاصم عن النضر بن أنس قال قال أنس وأنس يومئذ حي فذكره وقوله لا تمنوا بفتح أوله وثانيه وثالثه مشددا وهي على حذف إحدى التاءين وثبتت في رواية الكشميهني لا تتمنوا وزاد في رواية ثابت المذكورة عن أنس لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به الحديث وقد مضى الكلام عليه في كتاب المرضى وأورد نحوه من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس في كتاب الدعوات ومحمد في الحديث الثاني هو بن سلام وعبدة هو بن سليمان وابن أبي خالد هو إسماعيل وقيس هو بن أبي حازم والسند كله كوفيون الا شيخ البخاري وقد مضى الكلام عليه في كتاب المرضى وقوله (6808) في الرواية الثالثة عن الزهري كذا لهشام بن يوسف عن معمر وقال عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة أخرجه مسلم والطريقان محفوظان لمعمر وقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وتابعه فيه عن الزهري شعيب وابن أبي حفصة ويونس ابن يزيد وقوله عن أبي عبيد هو سعد بن عبيد مولى بن أزهر وقد أخرجه النسائي والاسماعيلي من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري فقال عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة لكن قال النسائي أن الاول هو الصواب قوله لا يتمنى كذا للاكثر بلفظ النفي والمراد به النهي أو هو للنهي وأشبعت الفتحة ووقع في رواية الكشميهني لا يتمنين بزيادة نون التأكيد ووقع في رواية همام المشار إليها لا يتمن أحدكم الموت ولا يدعو به قبل ان يأتيه فجمع في النهي عن ذلك بين القصد والنطق وفي قوله قبل أن يأتيه إشارة إلى الزجر عن كراهيته إذا حضر لئلا يدخل فيمن كره لقاء الله تعالى والى ذلك الاشارة بقوله صلى الله عليه وسلم عند حضور أجله اللهم الحقني بالرفيق الاعلى وكلامه صلى الله عليه وسلم بعدما خير بين البقاء في الدنيا والموت فاختار ما عند الله وقد خطب بذلك وفهمه عنه أبو بكر الصديق كما تقدم بيانه في المناقب وحكمة النهي عن ذلك ان في طلب الموت قبل حلوله نوع اعتراض ومراغمة للقدر وان كانت الآجال لا تزيد ولا تنقص فان تمني الموت لا يؤثر في زيادتها
[ 190 ]
ولا نقصها ولكنه أمر قد غيب عنه وقد تقدم في كتاب الفتن ما يدل على ذم ذلك في حديث أبي هريرة لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل يقول يا ليتني مكانه وليس به الدين الا البلاء وقد تقدم شرح ذلك مستوفى في باب تمني المريض الموت من كتاب المرضى قال النووي في الحديث التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من فاقة أو محنة بعدو ونحوه من مشاق الدنيا فاما إذا خاف ضررا أو فتنة في دينة فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث وقد فعله خلائق من السلف لذلك وفيه ان من خالف فلم يصبر على الضر وتمنى الموت لضر نزل به فليقل الدعاء المذكور قلت ظاهر الحديث المنع مطلقا والاقتصار على الدعاء مطلقا لكن الذي قاله الشيخ لا بأس به لمن وقع منه التمني ليكون عونا له على ترك التمني قوله اما محسنا فلعله يزداد واما مسيئا فلعله يستعتب كذا لهم بالنصب فيهما وهو على تقدير عامل نصب نحو يكون ووقع في رواية أحمد عن عبد الرزاق بالرفع فيهما وكذا في رواية إبراهيم بن سعد المذكورة وهي واضحة وقوله يستعتب أي يسترضي الله بالاقلاع والاستغفار والاستعتاب طلب الاعتاب والهمزة للازالة أي يطلب إزالة العتاب عاتبه لامه واعتبه أزال عتابه قال الكرماني وهو مما جاء على غير القياس إذ الاستفعال انما ينبني من الثلاثي لا من المزيد فيه انتهى وظاهر الحديث انحصار حال المكلف في هاتين الحالتين وبقي قسم ثالث وهو أن يكون مخلطا فيستمر على ذلك أو يزيد احسانا أو يزيد اساءة أو يكون محسنا فينقلب مسيئا أو يكون مسيئا فيزداد اساءة والجواب ان ذلك خرج مخرج الغالب لان غالب حال المؤمنين ذلك ولا سيما والمخاطب بذلك شفاها الصحابة وقد تقدم بيان ذلك مبسوطا مع شرحه هناك وقد خطر لي في معنى الحديث ان فيه إشارة إلى تغبيط المحسن بإحسانه وتحذير المسئ من اساءته فكأنه يقول من كان محسنا فليترك تمني الموت وليستمر على إحسانه والازدياد منه ومن كان مسيئا فليترك تمني الموت وليقلع عن الاساءة لئلا يموت على اساءته فيكون على خطر واما من عدا ذلك ممن تضمنه التقسيم فيؤخذ حكمه من هاتين الحالتين إذ لا انفكاك عن أحدهما والله أعلم تنبيه اورد البخاري في كتاب الادب في هذه الترجمة حديث أبي هريرة رفعه إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدر ما يعطى وهو عنده من رواية عمر بن أبي سلمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة وليس على شرطه فلم يعرج عليه في الصحيح (0) قوله باب قول الرجل كذا للاكثر وللمستملي والسرخسي قول النبي صلى الله عليه وسلم قوله لولا أنت ما اهتدينا إشارة إلى رواية مختصرة أوردها في باب حفر الخندق في أوائل الجهاد من وجه آخر عن شعبة بلفظ كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل ويقول لولا أنت ما اهتدينا وأورده في غزوة الخندق من وجه آخر عن شعبة أتم سياقا وقوله (6809) هنا لولا أنت ما اهتدينا وفي بعضها لولا الله هكذا وقع بحذف بعض الجزء الاول ويسمى الخرم بالخاء المعجمة والراء الساكنة وتقدم في غزوة الخندق من وجه آخر عن شعبة بلفظ والله لولا الله ما اهتدينا وهو موافق للفظ الترجمة ومن وجه آخر عن أبي إسحاق اللهم لولا أنت ما اهتدينا وفي أول هذا الجزء زيادة سبب خفيف وهو الخزم بالزاي وتقدمت الاشارة إلى هذا في كتاب الادب والرواية الوسطى سالمة من الخرم والخزم معا وقوله هنا أن الاولى وربما قال ان الملا قد بغوا علينا تقدم في غزوة الخندق ان الالى قد بغوا علينا ولم يتردد والاولي بهمزة مضموما غير ممدودة واللام بعدها مفتوحة وهي بمعنى الذين وانما يتزن بلفظ الذين
[ 191 ]
فكان أحد الرواة ذكرها بالمعنى ومضى في الجهاد من وجه آخر عن أبي إسحاق بلفظ ان العدا وهو غير موزون أيضا ولو كان الاعادي لا تزن وعند النسائي من وجه آخر عن سلمة بن الاكوع والمشركون قد بغوا علينا وهذا موزون ذكره في رجز عامر بن الاكوع وتقدم شرحه مستوفى في غزوة خيبر قوله قبل ذلك ولقد رأيته وارى التراب بسكون الالف وفتح الراء بلفظ الفعل الماضي من المواراة أي غطى وزنه معناه كذا للجميع الا الكشميهني فوقع في روايته وان التراب لموار قوله بياض بطنه كذا للجميع الا الكشميهني فقال بياض إبطيه تثنيه الابط ووقع في الرواية التي في المغازي حتى اغبر بطنه وفي الرواية الاخرى رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عن التراب جلدة بطنه فسمعته يرتجز بكلمات بن رواحة يعني عبد الله الشاعر الانصاري الصحابي المشهور وقد تقدم في غزوة خيبر انه من شعر عامر بن الاكوع وذكرت وجه الجمع بينهما هناك وما في الابيات المذكورة من زحاف وتوجيهه وتقدم ما يتعلق بحكم الشعر انشادا وانشاء في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي حق من دونه في أواخر كتاب الادب بحمد الله تعالى قال بن بطال لولا عند العرب يمتنع بها الشئ لوجود غيره تقول لولا زيد ما صرت إليك أي كان مصيري إليك من أجل زيد وكذلك لولا الله ما اهتدينا كانت هدايتنا من قبل الله تعالى وقال الراغب لوقوع غيره ويلزم خبره الحذف ويستغنى بجوابه عن الخبر قال وتجئ بمعنى هلا نحو لولا أرسلت إلينا رسولا ومثله لوما بالميم بدل اللام وقال بن هشام لولا تجئ على ثلاثة أوجه أحدها ان تدخل على جملة لتربط امتناع الثانية بوجود الاولى نحو لولا زيد لاكرمتك أي لولا وجوده واما حديث لولا أن أشق فالتقدير لولا مخافة أن أشق لامرت أمر إيجاب والا لا نعكس معناها إذ الممتنع المشقة والموجود الامر والوجه الثاني أنها تجئ للحض وهو طلب بحث وازعاج وللعرض وهو طلب بلين وأدب فتختص بالمضارع نحو لولا تستغفرون الله والوجه الثالث انها تجئ للتوبيخ والتندم فتختص بالماضي نحو لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء أي هلا انتهى وذكر أبو عبيد الهروي في الغريبين انها تجئ بمعنى لم لا وجعل منه قوله تعالى فلولا كانت قرية آمنت والجمهور أنها من القسم الثالث وموقع الحديث من الترجمة ان هذه الصيغة إذا علق بها القول الحق لا يمنع بخلاف ما لو علق بها ما ليس بحق كمن يفعل شيئا فيقع في محذور فيقول لولا فعلت كذا ما كان كذا فلو حقق لعلم ان الذي قدره الله لا بد من وقوعه سواء فعل أم ترك فقولها واعتقاد معناها يفضي إلى التكذيب بالقدر (0) قوله باب كراهية تمني لقاء العدو تقدم في أواخر الجهاد باب لا تتمنوا لقاء العدو وتقدم هناك توجيهه مع جواز تمني الشهادة وطريق الجمع بينهما لان ظاهرهما التعارض لان تمني الشهادة محبوب فكيف ينهى عن تمني لقاء العدو وهو يفضي إلى المحبوب وحاصل الجواب ان حصول الشهادة أخص من اللقاء لا مكان تحصيل الشهادة مع نصرة الاسلام ودوام عزه بكسرة الكفار واللقاء قد يفضي إلى عكس ذلك فنهى عن تمنيه ولا ينافي ذلك تمني الشهادة أو لعل الكراهية مختصة بمن يثق بقوته ويعجب بنفسه ونحو ذلك قوله ورواه الاعرج عن أبي هريرة علقه في الجهاد لابي عامر وهو العقدي عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الاعرج وقد ذكرت هناك من وصله ثم ذكرت حديث عبد الله بن أبي أوفى موصولا مختصرا وتقدم هناك موصولا تاما في كتاب الجهاد
[ 192 ]
(0) قوله باب ما يجوز من اللو قال القاضي عياض يريد ما يجوز من قول الراضي بقضاء الله لو كان كذا لكان كذا فأدخل على لو الالف واللام التي للعهد وذلك غير جائز عند أهل العربية لان لو حرف وهما لا يدخلان على الحروف وكذا وقع عند بعض رواة مسلم إياك واللو فان اللو من الشيطان والمحفوظ إياك ولو فان لو بغير ألف ولام فيهما قال ووقع لبعض الشعراء تشديد واو لو وذلك لضرورة الشعر انتهى وقال صاحب المطالع لما أقامها مقام الاسم صرفها فصارت عنده كالندم والتمني وقال صاحب النهاية الاصل لو ساكنة الواو وهي حرف من حروف المعاني يمتنع بها الشئ لامتناع غيره غالبا فلما سمى بها زيد فيها فلما أراد اعرابها اتى فيها بالتعريف ليكون علامة لذلك ومن ثم شدد الواو وقد سمع بالتشديد منونا قال الشاعر ألام على لو ولو كنت عالما بادبار لو لم تفتن أوائله وقال آخر ليت شعري وأين مني ليت ان ليت وان لوا عناء وقال آخر حاولت لوا فقلت لها ان لوا ذاك أعيانا وقال بن مالك إذا نسب إلى حرف أو غيره حكم هو للفظه دون معناه جاز أن يحكى وجاز ان يعرب بما يقتضيه العامل وان كانت على حرفين ثانيهما حرف لين وجعلت اسما ضعف ثانيهما فمن ثم قيل في لو لو وفي في في وقال بن مالك أيضا الاداة التي حكم لها بالاسمية في هذا الاستعمال ان أولت بكلمة منع صرفها الا ان كانت ثلاثية ساكنة الوسط فيجوز صرفها وان أولت بلفظ صرفت قولا واحدا قلت ووقع في بعض النسخ المعتمدة من رواية أبي ذرعن مشايخه ما يجوز من أن لو فجعل أصلها ان لو بهمزة مفتوحة بعدها نون ساكنة ثم حرف لو فأدغمت النون في اللام وسهلت همزة أن فصارت تشبه أداة التعرف وذكر الكرماني ان في بعض النسخ ما يجوز من لو بغير ألف ولام ولا تشديد على الاصل والتقدير ما يجوز من قول لو ثم رأيته في شرح بن التين كذلك فلعله من اصلاح بعض الرواة لكونه لم يعرف وجهه والا فالنسخ المعتمدة من الصحيح وشروحه متواردة على الاول وقال السبكي الكبير لو انما لا تدخلها الالف ولا اللام إذا بقيت على الحرفية أما إذا سمي بها فهي من جملة الحروف التي سمعت التسمية بها من حروف الهجاء وحروف المعاني ومن شواهده قوله وقدما اهلكته لو كثيرا وقبل اليوم عالجها قدار فأضاف إليها واوا أخرى وادغمها وجعلها فاعلا وحكى سيبويه ان بعض العرب يهمزلوا أي سواء كانت باقية على حرفيتها أو سمي بها وأما حديث إياك ولو فان لو تفتح عمل الشيطان فلا يلزم من جعلها اسم ان أن تكون خرجت على الحرفية بل هو أخبار لفظي يقع في الاسم والفعل والحرف كقولهم حرف عن ثنائي وحرف إلى ثلاثي هو أخبار عن اللفظ على سبيل الحكاية واما إذا أضيف إليها الالف واللام فانها تصير اسما أو تكون اخبارا على المعنى المسمى بذلك اللفظ قال بن بطال لو تدل عند العرب على امتناع الشئ لامتناع غيره تقول لو جاءني زيد لاكرمتك معناه اني امتنعت من اكرامك لامتناع مجئ زيد وعلى هذا جرى أكثر المتقدمين وقال سيبويه لو حرف لما كان
[ 193 ]
سيقع لوقوع غيره أي يقتضي فعلا ماضيا كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره فلم يقع وانما عبر بقوله لما كان سيقع دون قوله لما لم يقع مع أنه أخصر لان كان للماضي ولو للامتناع ولما للوجوب والسين للتوقع وقال بعضهم هي لمجرد الربط في الماضي مثل ان في المستقبل وقد تجئ بمعنى ان الشرطية نحو ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم أي وان أعجبتكم وترد للتقليل نحو التمس ولو خاتما من حديد قاله صاحب المطالع وتبعه بن هشام الخضراوي ومثل فاتقوا النار ولو بشق تمرة وتبعه بن السمعاني في القواطع ومثل بقوله ولو بظلف محرق وهو أبلغ في التقليل وترد للعرض نحو لو تنزل عندنا فتصيب خيرا وللحض نحو لو فعلت كذا بمعنى أفعل والاول طلب بأدب ولين والثاني طلب بقوة وشدة وذكر بن التين عن الداودي انها تأني بمعنى هلا ومثل بقوله لو شئت لاتخذت عليه أجرا وتعقب بأنه تفسير معنى لان اللفظ لا يساعده وتأتي بمعنى التمني نحو فلو أن لنا كرة أي فليت لنا ولهذا نصب فتكون في جوابها كما انتصب فأفوز في جواب ليت واختلفوا هل هي الامتناعية وأشربت معنى التمني أو المصدرية أو قسم برأسه رجح الاخير بن مالك ولا يعكر عليه ورودها مع فعل التمني لان محل مجيئها للتمني ان لا يصحبها فعل التمني قال القاضي شهاب الدين الخوبي لو الشرطية لتعليق الثاني بالاول في الماضي فتدل على انتفاء الاول إذ لو كان ثابتا للزم ثبوت الثاني لانها لثبوت الثاني على تقدير الاول فمتى كان الاول لازما للثاني دل على امتناع الثاني لامتناع الاول ضرورة انتقاء الملزوم وان لم يكن الاول لازما للثاني لم يدل الا على مجرد الشرط وقال التفتازاني قد تستعمل للدلالة على ان الجزاء لازم الوجود دائما في قصد المتكلم وذلك إذا كان الشرط مما يستبعد استلزامه لذلك الجزاء ويكون نقيض ذلك الشرط المثبت أولى باستلزامه ذلك الجزاء فيلزم وجود استمرار الجزاء على تقدير وجود الشرط وعدمه نحو لو لم تكن تكرمني لاثني عليك فإذا ادعى لزوم وجود الجزاء لهذا الشرط مع استبعاد لزومه له فوجوده عند عدم هذا الشرط بالطريق الاولى انتهى ومن أمثلة ذلك الشعرية قول المعري لو اختصرتم من الاحسان زرتكم البيت فان الاحسان يستدعى استدامة الزيارة لا تركها لكنه أراد المبالغة في وصف الممدوح بالكرم ووصف نفسه بالعجز عن شكره قوله وقوله تعالى لو أن لي بكم قوة قال بن بطال جواب لو محذوف كأنه قال لحلت بينكم وبين ما جئتم له من الفساد قال وحذفه أبلغ لانه يحصر بالنفي ضروب المنع وانما أراد لوط عليه السلام العدة من الرجال والا فهو يعلم ان له من الله ركنا شديدا ولكنه جرى على الحكم الظاهر قال وتضمنت الآية البيان عما يوجبه حال المؤمن إذا رأى منكرا لا يقدر على إزالته انه يتحسر على فقد المعين على دفعه ويتمنى وجوده حرصا على طاعة ربه وجزعا من استمرار معصيته ومن ثم وجب ان ينكر بلسانه ثم بقلبه إذا لم يطق الدفع انتهى والحديث الذي ذكره السبكي هو الذي رمز إليه البخاري بقوله ما يجوز من اللو فان فيه إشارة إلى انها في الاصل لا يجوز الا ما استثني وهو مخرج عند النسائي وابن ماجة والطحاوي من طريق محمد بن عجلان عن الاعرج عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك ولا تعجز فان غلبك أمر فقل قدر الله وما شاء الله وإياك واللو فان اللو تفتح عمل الشيطان لفظ ماجة ولفظ النسائي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والباقي سواء الا انه قال وما شاء وإياك واللو
[ 194 ]
وأخرجه الطبري من هذا الوجه بلفظ احرص الخ ولم يذكر ما قبله وقال فان أصابك شئ فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قدر الله وما شاء فعل فان لو مفتاح الشيطان وأخرجه النسائي والطبري من طريق فضيل بن سليمان عن بن عجلان فادخل بينه وبين الاعرج أبا الزناد ولفظه مؤمن قوي خير وأحب وفيه فقل قدر الله وما شاء صنع قال النسائي فضيل لن سليمان ليس بقوي وأخرجه النسائي والطبري والطحاوي من طريق عبد الله بن المبارك عن بن عجلان فأدخل بينه وبين الاعرج ربيعة بن عثمان ولفظ النسائي كالاول لكن قال وأفضل وقال وما شاء صنع وأخرجه من وجه آخر عن بن المبارك عن ربيعة قال سمعته من ربيعة وحفظي له عن بن عجلان عن ربيعة وكذا أخرجه الطحاوي وقال دلسه بن عجلان عن الاعرج وانما سمعه من ربيعة ثم رواه الثلاثة أيضا من طريق عبد الله بن إدريس عن ربيعة بن عثمان فقال عن محمد بن يحيى بن حبان عن الاعرج بدل محمد بن عجلان ولفظ النسائي وفي كل خير وفيه أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإذا أصابك شئ فلا تقل لو اني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل وهذه الطريق أصح طرق هذا الحديث وقد أخرجها مسلم من طريق عبد الله بن إدريس أيضا واقتصر عليها ولم يخرج بقية الطرق من أجل الاختلاف على بن عجلان في سنده ويحتمل ان يكون ربيعة سمعه من بن حبان ومن بن عجلان فان بن المبارك حافظ كابن إدريس وليس في هذه الرواية لفظ اللو بالتشديد قال الطبري طريق الجمع بين هذا النهي وبين ما ورد من الاحاديث الدالة على الجواز ان النهي مخصوص بالجزم بالفعل الذي لم يقع فالمعنى لا تقل لشئ لم يقع لو أني فعلت كذا لوقع قاضيا بتحتم ذلك غير مضمر في نفسك شرط مشيئة الله تعالى وما ورد من قول لو محمول على ما إذا كان قائله موقنا بالشرط المذكور وهو انه لا يقع شئ الا بمشيئة الله وارادته وهو كقول أبي بكر في الغار لو أن أحدهم رفع قدمه لابصرنا فجزم بذلك مع تيقنه ان الله قادر على ان يصرف أبصارهم عنهما بعمى أو غيره لكن جرى على حكم العادة الظاهرة وهو موقن بأنهم لو رفعوا أقدامهم لم يبصروهما الا بمشيئة الله تعالى انتهى ملخصا وقال عياض الذي يفهم من ترجمة البخاري ومما ذكره في الباب من الاحاديث انه يجوز استعمال لو ولولا فيما يكون للاستقبال مما فعله لوجود غيره وهو من باب لو لكونه لم يدخل في الباب الا ما هو للاستقبال وما هو حق صحيح متيقن بخلاف الماضي والمنقضي أو ما فيه اعتراض على الغيب والقدر السابق قال والنهي انما هو حيث قاله معتقدا ذلك حتما وانه لو فعل ذلك لم يصبه ما أصابه قطعا فاما من رد ذلك إلى مشيئة الله تعالى وانه لولا ان الله أراد ذلك ما وقع فليس من هذا قال والذي عندي في معنى الحديث ان النهي على ظاهره وعمومه لكنه نهي تنزيه ويدل عليه قوله فان لو تفتح عمل الشيطان أي يلقي في القلب معارضة القدر فيوسوس به الشيطان وتعقبه النووي بأنه جاء من استعمال لو في الماضي مثل قوله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت فالظاهر ان النهي عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه واما من قاله تأسفا على ما فات من طاعة الله أو ما هو متعذر عليه منه ونحو هذا فلا بأس به وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الاحاديث وقال القرطبي في المفهم المراد من الحديث الذي أخرجه مسلم ان الذي يتعين بعد وقوع المقدور التسليم لامر الله والرضى بما قدر والاعراض عن
[ 195 ]
الالتفات لما فات فإنه إذا فكر فيما فاته من ذلك فقال لو أني فعلت كذا لكان كذا جاءته وساوس الشيطان فلا تزال به حتى يفضي إلى الخسران فيعارض بتوهم التدبير سابق المقادير وهذا هو عمل الشيطان المنهي عن تعاطي أسبابه بقوله فلا تقل لو فان لو تفتح عمل الشيطان وليس المراد ترك النطق بلو مطلقا إذ قد نطق النبي صلى الله عليه وسلم بها في عدة أحاديث ولكن محل النهي عن اطلاقها انما هو فيما إذا اطلقت معارضة للقدر مع اعتقاد ان ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور لا ما إذا أخبر بالمانع على جهة أن يتعلق به فائدة في المستقبل فان مثل هذا لا يختلف في جواز إطلاقه وليس فيه فتح لعمل الشيطان ولا ما يفضي إلى تحريم وذكر المصنف في هذا الباب تسعة أحاديث في بعضها النطق بلو وفي بعضها بلولا فمن الاول الحديث الاول والثاني والثالث والسادس والثامن والتاسع ومن الثاني الرابع والخامس والسابع الحديث الاول حديث القاسم بن محمد قال ذكر بن عباس المتلاعنين الحديث وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب اللعان والمراد منه قوله صلى الله عليه وسلم لو كنت راجما أحدا بغير بينة الحديث الحديث الثاني (6812) قوله حدثنا علي هو بن عبد الله بن المديني وسفيان هو بن عيينة وعمرو هو بن دينار وعطاء هو بن أبي رباح قوله اعتم النبي صلى الله عليه وسلم تقدم شرح المتن في كتاب الصلاة مستوفى وهو من رواية عمرو عن عطاء مرسل ومن رواية بن جريج عن عطاء عن بن عباس مسند كما بينه سفيان وهو القائل قال بن جريج عن عطاء الخ وهو موصول بالسند المذكور وليس بمعلق وسياق الحمدي له في مسنده أوضح من سياق علي بن المديني فإنه أخرجه عن سفيان قال حدثنا عمرو عن عطاء قال سفيان وحدثناه بن جريج عن عطاء عن بن عباس فساق الحديث ثم قال الحميدي كان سفيان ربما حدث بهذا الحديث عن عمرو وابن جريج فأدرجه عن بن عباس فإذا ذكر فيه الخبر فقال حدثنا أو سمعت أخبر بهذا يعني عن عمرو عن عطاء مرسلا وعن بن جريج عن عطاء عن بن عباس موصولا قلت وقد رواه علي هنا بالعنعنة ومع ذلك فصله فلم يدرجه وزاد فيه تفصيل سياق المتن عنهما أيضا حيث قال اما عمرو فقال رأسه يقطر وقال بن جريج يمسح الماء عن شقه الخ وقوله وقال إبراهيم بن المنذر الخ يريد ان محمد بن مسلم وهو الطائفي رواه عن عمرو وهو بن دينار عن عطاء موصولا بذكر بن عباس فيه وهو مخالف لتصريح سفيان بن عيينة عن عمرو بان حديثه عن عطاء ليس فيه بن عباس فهذا يعد من أوهام الطائفي وهو موصوف بسوء الحفظ وقد وصل حديثه الاسماعيلي من وجهين عنه هكذا وذكر ان من جملة من حدث به عن سفيان مدرجا كما قال الحميدي عبد الاعلى بن حماد وأحمد بن عبدة الضبي وأبو خيثمة وان عبدة بن عبد الرحيم وعمار بن الحسن روياه عن سفيان فاقتصرا على طريق عمرو وذكرا فيه بن عباس فوهما في ذلك أشد من وهم عبد الاعلى وان بن أبي عمر رواه في موضعين عن بن عيينة مفصلا على الصواب قلت وكذلك أخرجه النسائي عن محمد بن منصور عن سفيان مفصلا الحديث الثالث حديث أبي هريرة (6813) لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك هكذا ذكره مختصرا من رواية جعفر بن ربيعة وهو المصري عن عبد الرحمن وهو الاعرج ونسبه الاسماعيلي في رواية شعيب بن الليث عن أبيه ولم يزد على ما هناك فدل على ان هذا القدر هو الذي وقع في هذه الطريق وقد أورده المزي في الاطراف فزاد فيه عند كل صلاة ولم
[ 196 ]
أر هذه الزيادة في هذه الطريق عند أحد ممن أخرجها وانما ثبتت عند البخاري في رواية مالك عن أبي الزناد عن الاعرج أورده في كتاب الجمعة ونسبه المزي إلى الصلاة بغير قيد الجمعة وهو مما يتعقب عليه أيضا وعنده فيه مع بدل عند وثبت عند مسلم بلفظ عند من رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد وقد تقدم الكلام على هذا المتن مستوفى هناك ولله الحمد تبينه وقع هنا في نسخة الصغاني تابعه سليمان بن المغيرة عثابت عن أنس وهو خطأ والصواب ما وقع عند غيره ذكر هذا عقب حديث أنس المذكور عقبه الحديث الرابع حديث أنس في النهي عن الوصال ذكر من طريق حميد وهو الطويل عن ثابت عن أنس وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الصيام وقوله (6814) تابعه سليمان بن المغيرة عن ثابت الخ وصله مسلم من طريق أبي النضر عن سليمان بن المغيرة ووقع لنا بعلو في مسند عبد بن حميد ووقع هذا التعليق في رواية كريمة سابقا على حديث حميد عن أنس فصار كأنه طريق أخرى معلقة لحديث لولا ان أشق وهو غلط فاحش والصواب ثبوته هنا كما وقع في رواية الباقين الحديث الخامس حديث أبي هريرة في المعنى وفيه فلما أبوا ان ينتهوا واصل بهم الحديث وقد تقدم شرحه مستوفى في الصيام أيضا وقوله (6815) في السند وقال الليث حدثني عبد الرحمن بن خالد يعني بن مسافر الفهمي أمير مصر وطريقه المذكورة وصلها الدارقطني في بعض فوائده من طريق أبي صالح عنه الحديث السادس حديث عائشة في الجدر بفتح الجيم وسكون الدال والمراد الحجر بكسر المهملة وسكون الجيم وقد تقدم شرحه في كتاب الحج مستوفى والمراد منه هنا ولولا ان قومك حديث عهد بالجاهلية وأخاف ان تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت كذا وقع محذوف الجواب وتقديره لفعلت الحديث السابع حديث أبي هريرة لولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار الحديث وفيه ولو سلك الناس واديا أو شعبا وقد تقدم شرحه في غزوة حنين عند شرح حديث عبد الله بن زيد المذكور هنا بعده وهو الحديث الثامن الحديث التاسع حديث أنس في بعض ذلك أورده مختصرا معلقا قائلا تابعه أبوالتياح عن أنس في الشعب يعني في (6817) قوله لو سلك واديا أو شعبا لسلكت وادي الانصار أو شعبهم وقد تقدم موصولا في غزوة حنين أيضا بعد حديث عبد الله بن زيد المشار إليه مع الكلام عليه وتقدم شئ من ذلك في مناقب الانصار ولله الحمد قال السبكي الكبير مقصود البخاري بالترجمة وأحاديثها ان النطق بلو لا يكره على الاطلاق وانما يكره في شئ مخصوص يؤخذ ذلك من قوله من اللو فأشار إلى التبعيض وورودها في الاحاديث الصحيحة ولذا قال الطحاوي بعد ذكر حديث وإياك واللو دل قول الله تعالى لنبيه ان يقول ولو كنت أعلم الغيب وقوله صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما استبدرت وقوله في الحديث الآخر ورجل يقول لو أن الله آتاني
[ 197 ]
مثل ما آتى فلانا لعملت مثل ما عمل على ان لو ليست مكروهة في كل الاشياء ودل قوله تعالى عن المنافقين لو كان لنا من الامر شئ ورده عليهم بقوله لو كنتم في بيوتكم على ما يباح من ذلك قال ووجدنا العرب تذم اللو وتحذر منه فتقول احذر اللو وإياك ولو يريدون قوله لو علمت ان هذا خير لعملته وفي حديث سلمان الايمان بالقدر ان تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولا تقولن لشئ أصابك لو فعلت كذا أي لكان كذا قال السبكي وقد تأملت اقتران قوله احرص على ما ينفعك بقوله وإياك واللو فوجدت الاشارة إلى محل لو المذمومة وهي نوعان أحدهما في الحال ما دام فعل الخير ممكنا فلا يترك لاجل فقد شئ آخر فلا تقول لو أن كذا كان موجودا لفعلت كذا مع قدرته على فعله ولو لم يوجد ذاك بل يفعل الخير ويحرص على عدم فواته والثاني من فاته أمر من أمور الدنيا فلا يشغل نفسه بالتلهف عليه لما في ذلك من الاعتراض على المقادير وتعجيل تحسر لا يغني شيئا ويشتغل به عن استدراك ما لعله يجدي فالذم راجع فيما يؤل في الحال إلى التفريط وفيما يؤل في الماضي إلى الاعتراض على القدر وهو أقبح من الاول فان انضم إليه الكذب فهو أقبح مثل قول المنافقين لو استطعنا لخرجنا معكم وقولهم لو نعلم قتالا لاتبعناكم وكذا قولهم لو أطاعونا ما قتلوا ثم قال وكل ما في القرآن من لو التي من كلام الله تعالى كقوله تعالى قل لو كنتم في بيوتكم ولو كنتم في بروج مشيدة ونحوهما فهو صحيح لانه تعالى عالم به واما التي للربط فليس الكلام فيها ولا المصدرية الا ان كان متعلقها مذموما كقوله تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفارا لان الذي ودوه وقع خلافه انتهى ملخصا بسم الله الرحمن الرحيم (0) قوله باب ما جاء في إجازة خبر الواحد هكذا عند الجميع بلفظ باب الا في نسخة الصغاني فوقع فيها كتاب أخبار الآحاد ثم قال باب ما جاء إلى آخرها فاقتضى أنه من جملة كتاب الاحكام وهو واضح وبه يظهر ان الاولى في التمني ان يقال باب لا كتاب أو يؤخر عن هذا الباب وقد سقطت البسملة لابي ذر والقابسي والجرجاني وثبتت هنا قبل الباب في رواية كريمة والاصيلي ويحتمل ان يكون هذا من جملة أبواب الاعتصام فإنه من جملة متعلقاته فلعل بعض من بيض الكتاب قدمه عليه ووقع في بعض النسخ قبل البسملة كتاب خبر الواحد وليس بعمدة والمراد بالاجازة جواز العمل به والقول بأنه حجة وبالواحد هنا حقيقة الوحدة واما في اصطلاح الاصوليين فالمراد به ما لم يتواتر وقصد الترجمة الردبه على من يقول أن الخبر لا يحتج به الا إذا رواه أكثر من شخص واحد حتى يصير كالشهادة ويلزم منه الرد على من شرط أربعة أو أكثر فقد نقل الاستاذ أبو منصور البغدادي أن بعضهم اشترط في قبول خبر الواحد ان يرويه ثلاثة عن ثلاثة إلى منتهاه واشترط بعضهم أربعة عن أربعة وبعضهم خمسة عن خمسة وبعضهم سبعة عن سبعة انتهى وكأن كل قائل منهم يرى ان العدد المذكور يفيد التواتر أو يرى تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد ومتوسط بينهم وفات الاستاذ ذكر من اشترط اثنين عن اثنين كالشهادة على الشهادة وهو منقول عن بعض المعتزلة ونقله المازري وغيره عن أبي علي الجبائي ونسب إلى الحاكم أبي عبد الله وانه ادعى انه شرط الشيخين ولكنه غلط على الحاكم كما أوضحته في الكلام على علوم الحديث وقوله الصدوق قيد لا بد منه والا فمقابله وهو الكذوب لا يحتج به اتفاقا واما من لم يعرف حاله فثالثها يجوز ان اعتضد وقوله والفرائض بعد قوله في الاذان والصلاة والصوم من عطف العام
[ 198 ]
على الخاص وأفرد الثلاثة بالذكر للاهتمام بها قال الكرماني ليعلم أنما هو في العمليات لا في الاعتقاديات والمراد بقبول خبره في الاذان انه إذا كان مؤتمنا فأذن تضمن دخول الوقت فجازت صلاة ذلك الوقت وفي الصلاة الاعلام بجهة القبلة وفي الصوم الاعلام بطلوع الفجر أو غروب الشمس وقوله والاحكام بعد قوله والفرائض من عطف العام على عام أخص منه لان الفرائض فرد من الاحكام قوله وقول الله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة الآية وقع في رواية كريمة سياق الآية إلى قوله يحذرون وهو المراد بقوله في رواية غيرها الآية وهذا مصير منه إلى ان لفظ طائفة يتناول الواحد فما فوقه ولا يختص بعدد معين وهو منقول عن بن عباس وغيره كالنخعي ومجاهد نقله الثعلبي وغيره عن عطاء وعكرمة وابن زيد أربعة وعن بن عباس أيضا من أربعة إلى أربعين وعن الزهري ثلاثة وعن الحسن عشرة وعن مالك أقل الطائفة أربعة كذا أطلق بن التين ومالك انما قاله فيمن يحضر رجم الزاني وعن ربيعة خمسة وقال الراغب لفظ طائفة يراد بها الجمع والواحد طائف ويراد بها الواحد فيصح ان يكون كراوية وعلامة ويصح ان يراد به الجمع وأطلق على الواحد وقال عطاء الطائفة اثنان فصاعدا وقواه أبو إسحاق الزجاج بأن لفظ طائفة يشعر بالجماعة وأقلها اثنان وتعقب بأن الطائفة في اللغة القطعة من الشئ فلا يتعين فيه العدد وقرر بعضهم الاستدلال بالآية الاولى على وجه آخر فقال لما قال فلولا نفر من كل فرقة وكان أقل الفرقة ثلاثة وقد علق النفر بطائفة منهم فأقل من ينفر واحد ويبقى اثنان وبالعكس قوله ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فلو اقتتل رجلان في رواية الكشميهني الرجلان دخلا في معنى الآية وهذا الاستدلال سبقه إلى الحجة به الشافعي وقبله مجاهد ولا يمنع ذلك قوله وليشهد عذابها طائفة من المؤمنين لكون سياقه يشعر بان المراد أكثر من واحد لانا لم نقل ان الطائفة لا تكون الا واحدا قوله وقوله ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وجه الدلالة منها يؤخذ من مفهومي الشرط والصفة فإنهما يقتضيان قبول خبر الواحد وهذا الدليل يورد للتقوى لا للاستقلال لان المخالف قد لا يقول بالمفاهيم واحتج الائمة أيضا بآيات أخرى وبالاحاديث المذكورة في الباب واحتج من منع بأن ذلك لا يفيد الا الظن وأجيب بأن مجموعها يفيد القطع كالتواتر المعنوي وقد شاع فاشيا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من غير نكير فاقتضى الاتفاق منهم على القبول ولا يقال لعلهم عملوا بغيرها أو عملوا بها لكنها أخبار مخصوصة بشئ مخصوص لانا نقول العلم حاصل من سياقها بأنهم انما عملوا بها لظهورها لا لخصوصها قوله وكيف بعث النبي صلى الله عليه وسلم أمراءه واحدا بعد واحد فان سهى أحد منهم رد إلى السنة سيأتي في أواخر الكلام على خبر الواحد باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث من الامراء والرسل واحدا بعد واحد فزاد فيه بعث الرسل والمراد بقوله واحدا بعد واحد تعدد الجهات المبعوث إليها بتعدد المبعوثين وحمله الكرماني على ظاهره فقال فائدة بعث الآخر بعد الاول ليرده إلى الحق عند سهوه ولا يخرج بذلك عن كونه خبر واحد وهو استدلال قوي لثبوت خبر الواحد من فعله صلى الله عليه وسلم لان خبر الواحد لو لم يكف قبوله ما كان في إرساله معنى وقد نبه عليه الشافعي أيضا كما سأذكره وأيده بحديث ليبلغ الشاهد الغائب وهو في الصحيحين وبحديث نضر الله امرأ سمع مني حديثا فأداه ووهو في السنن واعترض
[ 199 ]
بعض المخالفين بأن ارسالهم انما كان لقبض الزكاة والفتيا ونحو ذلك وهي مكابرة فان العلم حاصل بإرسال الامراء لاعم من قبض الزكاة وابلاغ الاحكام وغير ذلك ولو لم يشتهر من ذلك الا تأمير معاذ بن جبل وأمره له وقوله له انك تقدم على قوم أهل كتاب فأعلمهم ان الله فرض عليهم الخ والاخبار طافحة بان أهل كل بلد منهم كانوا يتحاكمون إلى الذي أمر عليهم فيقبلون خبره ويعتمدون عليه من غير التفات إلى قرينة وفي أحاديث هذا الباب كثير من ذلك واحتج بعض الائمة بقوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك مع انه كان رسولا إلى الناس كافة ويجب عليه تبليغهم فلو كان خبر الواحد غير مقبول لتعذر ابلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة لتعذر خطاب جميع الناس شفاها وكذا تعذر إرسال عدد التواتر إليهم وهو مسلك جيد ينضم إلى ما احتج به الشافعي ثم البخاري واحتج من رد خبر الواحد بتوقفه صلى الله عليه وسلم في قبول خبر ذي اليدين ولا حجة فيه لانه عارض علمه وكل خبر واحد إذا عارض العلم لم يقبل وبتوقف أبي بكر وعمر في حديثي المغيرة في الجدة وفي ميراث الجنين حتى شهد بهما محمد بن مسلمة وبتوقف عمر في خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد وبتوقف عائشة في خبر بن عمر في تعذيب الميت ببكاء الحي وأجيب بأن ذلك انما وقع منهم اما عند الارتياب كما في قصة أبي موسى فإنه أورد الخبر عند إنكار عمر عليه رجوعه بعد الثلاث وتوعده فأراد عمر الاستثبات خشية ان يكون دفع بذلك عن نفسه وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتاب الاستئذان واما عند معارضة الدليل القطعي كما في إنكار عائشة حيث استدلت بقوله تعالى ولا تزر وازة وزر أخرى وهذا كله انما يصح ان يتمسك به من يقول لا بد من اثنين عن اثنين والا فمن يشترط أكثر من ذلك فجميع ما ذكر قبل عائشة حجة عليه لانهم قبلو ا الخبر من اثنين فقط ولا يصل ذلك إلى التواتر والاصل عدم وجود القرينة إذ لو كانت موجودة ما احتيج إلى الثاني وقد قبل أبو بكر خبر عائشة في ان النبي صلى الله عليه وسلم مات يوم الاثنين وقبل عمر خبر عمرو بن حزم في أن دية الاصابع سواء وقبل خبر الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها وقبل خبر عبد الرحمن بن عوف في أمر الطاعون وفي أخذ الجزية من المجوس وقبل خبر سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين وقبل عثمان خبر الفريعة بنت سنان أخت أبي سعيد في إقامة المعتمدة عن الوفاة في بيتها إلى غير ذلك ومن حيث النظر ان الرسول عليه الصلاة والسلام بعث لتبليغ الاحكام وصدق خبر الواحد ممكن فيجب العمل به احتياطا وان إصابة الظن بخبر الصدوق غالبة ووقوع الخطأ فيه نادر فلا تترك المصلحة الغالبة خشية المفسدة النادرة وان مبنى الاحكام على العمل بالشهادة وهي لا تفيد القطع بمجردها وقد رد بعض من قبل خبر الواحد ما كان منه زائدا على القرآن فتعقب بانهم قبلوه في وجوب غسل المرفق في الوضوء وهو زائد وحصول عمومه بخبر الواحد كنصاب السرقة ورده بعضهم بما تعم به البلوى وفسروا ذلك بما يتكرر وتعقب بأنهم عملوا به في مثل ذلك كايجاب الوضوء بالقهقهة في الصلاة وبالقئ والرعاف وكل هذا مبسوط في أصول الفقه اكتفيت هنا بالاشارة إليه وجملة ما ذكره المصنف هنا اثنان وعشرون حديثا الحديث الاول حديث مالك بن الحويرث بمهملة ومثلثة مصغر بن حشيش بمهملة ومعجمتين وزن عظيم ويقال بن أشيم بمعجمة وزن أحمر من بني سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة حجازي سكن البصرة ومات بها سنة أربع وسبعين بتقديم السين
[ 200 ]
على الصواب (6819) قوله عبد الوهاب هو بن عبد المجيد الثقفي وأيوب هو السختياني والسند كله بصريون قوله أتينا النبي صلى الله عليه وسلم أي وافدين عليه سنة الوفود وقد ذكر بن سعد ما يدل على ان وفادة بني ليث رهط مالك بن الحويرث المذكور كانت قبل غزوة تبوك وكانت تبوك في شهر رجب سنة تسع قوله ونحن شببة بمعجمة وموحدتين وفتحات جمع شاب وهو من كان دون الكهولة وتقدم بيان أول الكهولة في كتاب الاحكام وفي رواية وهيب في الصلاة أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي والنفر عدد لا واحد له من لفظه وهو من ثلاثة إلى عشرة ووقع في رواية في الصلاة أنا وصاحب لي وجمع القرطبي باحتمال تعدد الوفادة وهو ضعيف لان مخرج الحديثين واحد والاصل عدم التعدد والاولى في الجمع انهم حين اذن لهم في السفر كانوا جميعا فلعل مالكا ورفيقه عادا إلى توديعه فأعاد عليها ما بعض ما أوصاهم به تأكيدا وأفاد ذلك زيادة بيان أقل ما تنعقد به الجماعة قوله متقاربون أي في السن بل في أعم منه فقد وقع عند أبي داود من طريق مسلمة بن محمد عن خالد الحذاء وكنا يومئذ متقاربين في العلم ولمسلم كنا متقاربين في القراءة ومن هذه الزيادة يؤخذ الجواب عن كونه قدم الاسن فليس المراد تقديمه على الاقرأ بل في حال الاستواء في القراءة ولم يستحضر الكرماني هذه الزيادة فقال يؤخذ استواؤهم في القراءة من القصة لانهم أسلموا وهاجروا معا وصحبوا ولازموا عشرين ليلة فاستووا في الاخذ وتعقب بأن ذلك لا يستلزم الاستواء في العلم للتفاوت في الفهم إذ لا تنصيص على الاستواء قوله رقيقا بقافين وبفاء ثم قاف ثبت ذلك عند رواة البخاري على الوجهين وعند رواة مسلم بقافين فقط وهما متقاربان في المعنى المقصود هنا قوله اشتهينا أهلنا في رواية الكشميهني أهلينا بكسر اللام وزيادة ياء وهو جمع أهل ويجمع مكسرا على أهال بفتح الهمزة مخففا ووقع في رواية في الصلاة اشتقنا إلى أهلنا بدل اشتهينا أهلنا وفي رواية وهيب فلما رأى شوقنا إلى أهلنا والمراد بأهل كل منهم زوجته أو أعم من ذلك قوله سألنا بفتح اللام أي النبي صلى الله عليه وسلم سأل المذكورين قوله ارجعوا إلى أهليكم انما أذن لهم في الرجوع لان الهجرة كانت قد انقطعت بفتح مكة فكانت الاقامة بالمدينة باختيار الوافد فكان منهم من يسكنها ومنهم من يرجع بعد أن يتعلم ما يحتاج إليه قوله وعلموهم ومرورهم بصيغة الامر ضد النهي والمراد به أعم من ذلك لان النهي عن الشئ أمر بفعل خلاف ما نهى عنه اتفاقا وعطف الامر على التعليم لكونه أخص منه أو هو استئناف كأن سائلا قال ماذا نعلمهم فقال مروهم بالطاعات وكذا وكذا ووقع في رواية حماد بن زيد عن أيوب كما تقدم في أبواب الامامة مروهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا فعرف بذلك المأمور المبهم في رواية الباب ولم أر في شئ من الطرق بيان الاوقات في حديث مالك بن الحويرث فكأنه ترك ذلك لشهرتها عندهم قوله وذكر أشياء أحفظها ولا أحفظها قائل هذا هو أبو قلابة راوي الخبر ووقع في رواية أخرى أو لا أحفظها وهو للتنويع لا للشك قوله وصلوا كما رأيتموني أصلي أي ومن جملة الاشياء التي يحفظها أبو قلابة عن مالك صلى الله عليه وسلم هذا وقد تقدم في رواية وهيب وصلوا فقط ونسب إلى الاختصار وتمام الكلام هو الذي وقع هنا وقد تقدم أيضا تاما في رواية إسماعيل بن علية في كتاب الادب قال بن دقيق العيد استدل كثير من الفقهاء في مواضع كثيرة على الوجوب بالفعل مع
[ 201 ]
هذا القول وهو صلوا كما رأيتموني أصلي قال وهذا إذا أخذ مفردا عن ذكر سببه وسياقه أشعر بأنه خطاب للامة بأن يصلوا كما كان يصلي فيقوى الاستلال به على كل فعل ثبت لانه فعله في الصلاة ولكن هذا الخطاب انما وقع لمالك بن الحويرث وأصحابه بأن يوقعوا الصلاة على الوجه الذي رأوه صلى الله عليه وسلم يصليه نعم يشاركهم في الحكم جميع الامة بشرط ان يثبت استمراره صلى الله عليه وسلم على فعل ذلك الشئ المستدل به دائما حتى يدخل تحت الامر ويكون واجبا وبعض ذلك مقطوع باستمراره عليه واما ما لم يدل دليل على وجوده في تلك الصلوات التي تعلق الامر بايقاع الصلاة على صفتها فلا نحكم بتناول الامر له والله أعلم قوله فإذا حضرت الصلاة أي دخل وقتها قوله فليؤذن لكم أحدكم هو موضع الترجمة وقد تقدم سائر شرحه في أبواب الاذان وفي أبواب الامامة بعون الله تعالى الحديث الثاني (6820) قوله عن يحيى هو بن سعيد القطان والتيمي هو سليمان بن طرخان وأبو عثمان هو النهدي والسند كله إلى بن مسعود بصريون وقوله وليس الفجر أن يقول هكذا وجمع يحيى كفيه يحيى هو القطان راويه وقد تقدم في باب الاذان قبل الفجر من أبواب الاذان من طريق زهير بن معاوية على سليمان وفيه وليس الفجر ان تقول هكذا وقال بأصبعيه إلى فوق وبينت هناك ان أصل الرواية بالاشارة المقرونة بالقول وان الرواة عن سليمان تصرفوا في حكاية الاشارة واستوفيت هناك الكلام على شرحه بحمد الله تعالى وقوله فيه من سحوره وقع في بعض النسخ من سجوده بجيم ودال وهو تحريف الحديث الثالث حديث بن عمر في نداء بلال بليل وقد تقدم شرحه مستوفى في الباب المذكور أيضا الحديث الرابع حديث عبد الله وهو بن مسعود في صلاته صلى الله عليه وسلم بهم خمسا والحكم في السند هو بن عتيبة بمثناة ثم موحدة مصغر وإبراهيم هو النخعي وعلقمة هو بن قيس وقوله فقيل له ازيد في الصلاة تقدم ان قائل ذلك جماعتهم وانه بعد ان سلم تسارروا فقال ما شأنكم قالوا يا رسول الله هل زيد في الصلاة ولم أقف على تعيين المخاطب له بذلك وقد تقدمت سائر مباحثه هناك بحمد الله تعالى قال بن التين بوب لخبر الواحد وهذا الخبر ليس بظاهر فيما ترجم له لان المخبرين له بذلك جماعة انتهى وسيأتي جوابه في الكلام على الحديث الذي بعده الحديث الخامس حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين في سجود السهو ومحمد في السند هو بن سيرين وفيه فقال له ذو اليدين اقصرت الصلاة وفيه فقال اصدق ذو اليدين فقال الناس نعم وقد تقدم شرحه في أبواب سجود السهو أيضا ووجه إيراد هذا الحديث والذي قبله في إجازة خبر الواحد التنبيه على انه صلى الله عليه وسلم انما لم يقنع في الاخبار بسهوه بخبر واحد لانه عارض فعل نفسه فلذلك استفهم في قصة ذي اليدين فلما أخبره الجم الغفير بصدقه رجع إليهم وفي القصة التي قبلها أخبروه كلهم وهذا على طريقة من يرى رجوع الامام في السهو إلى أخبار من يفيد خبره العلم عنده وهو رأى البخاري ولذلك أورد الخبرين هنا بخلاف من يحمل الامر على انه تذكر فلا يتجه إيراده في هذا المحل والعلم عند الله وقال الكرماني لم يخرج عن كونه خبر الواحد وان كان قد صار يفيد العلم بسبب ما حفه من القرائن وقال غيره انما استثبت النبي صلى الله عليه وسلم في خبر ذي اليدين لانه انفرد
[ 202 ]
دون من صلى معه بما ذكر مع كثرتهم فاستبعد حفظه دونهم وجوز عليه الخطأ ولا يلزم من ذلك رد خبر الواحد مطلقا الحديث السادس حديث بن عمر في تحويل القبلة وقد تقدم شرحه في أبواب استقبال القبلة في أوائل كتاب الصلاة والحجة منه بالعمل بخبر الواحد ظاهرة لان الصحابة الذين كانوا يصلون إلى جهة بيت المقدس تحولوا عنه بخبر الذي قال لهم ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر ان يستقبل الكعبة فصدقوا خبره وعملوا به في تحولهم عن جهة بيت المقدس وهي شامية إلى جهة الكعبة وهي يمانية على العكس من التي قبلها واعترض بعضهم بأن خبر المذكور أفادهم العلم بصدقه لما عندهم من قرينة ارتقاب النبي صلى الله عليه وسلم وقوع ذلك لتكرر دعائه به والبحث انما هو في خبر الواحد إذا تجرد عن القرينة والجواب انه إذا سلم انهم اعتمدوا على خبر الواحد كفى في صحة الاحتجاج به والاصل عدم القرينة وأيضا فليس العمل بالخبر المحفوف بالقرينة متفقا عليه فيصح الاحتجاج به على من اشترط العدد وأطلق وكذا من اشترط القطع وقال ان خبر الواحد لا يفيد الا الظن ما لم يتواتر الحديث السابع حديث البراء بن عازب في تحويل القبلة أيضا وقد تقدم شرحه في كتاب العلم وفي أبواب استقبال القبلة أيضا وبينت هناك ان الراجح ان الذي أخبر في حديث البراء بالتحويل لم يعرف اسمه ويحيى شيخ البخاري فيه هو بن موسى البلخي وإسرائيل هو بن يونس وأبو إسحاق هو السبيعي وهو جد إسرائيل المذكور الحديث الثامن حديث أنس كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح الحديث وفيه فجاءهم آت فقال ان الخمرة قد حرمت وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الاشربة وان الآتي المذكور لم يسم وان من جملة ما ورد في بعض طرقه فوالله ما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل وهو حجة قوية في قبول خبر الواحد لانهم اثبتوا به نسخ الشئ الذي كان مباحا حتى أقدموا من أجله على تحريمه والعمل بمقتضى ذلك الحديث التاسع حديث حذيفة وأبو إسحاق في السند هو السبيعي وشيخه صلة بكسر المهملة وتخفيف اللام هو بن زفر يكنى أبا العلاء كوفي عبسي بالموحدة من رهط حذيفة (6827) قوله قال لاهل نجران تقدم بيانه في أواخر المغازي مع شرحه وقوله استشرف بمعجمة بعد مهملة أي تطلعوا إليها ورغبوا فيها بسبب الوصف المذكور الحديث العاشر حديث أنس لكل أمة أمين تقدم أيضا مع الذي قبله الحديث الحادي عشر حديث عمر كان رجل من الانصار تقدم بيان اسمه في كتاب العلم والقدر المذكور هنا طرف من حديث ساقه بتمامه في تفسير سورة التحريم ويستفاد منه ان عمر كان يقبل خبر الشخص الواحد وقوله (6829) وإذا غبت وشهد في رواية الكشميهني والمستملي وشهده أي حضر ما يكون عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد نقل بعض العلماء لقبول خبر الواحد ان كل صاحب وتابع سئل عن نازلة في الدين فأخبر السائل بما عنده فيها من الحكم انه لم يشترط عليه أحد منهم ان لا يعمل بما أخبره به
[ 203 ]
من ذلك حتى يسأل غيره فضلا عن ان يسأل الكواف بل كان كل منهم يخبره بما عنده فيعمل بمقتضاه ولا ينكر عليه ذلك فدل على اتفاقهم على وجوب العمل بخبر الواحد الحديث الثاني عشر حديث علي (6830) عز وجلقوله وأمر عليهم رجلا هو عبد الله بن حذافة وقد تقدم شرحه مستوفى في اواخر المغازي وتقدم القول في وجوب طاعة الامير فيما فيه طاعة لا فيما فيه معصية في أوائل الاحكام وقوله فيه لا طاعة في المعصية في رواية الكشميهني في معصية وخفيت مطابقة هذا الحديث للترجمة على بن التين فقال ليس فيه ما بوب له لانهم لم يطيعوه في دخول النار قلت لكنهم كانوا مطيعين له في غير ذلك وبه يتم المراد الحديث الثالث عشر حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف أورده من رواية صالح وهو بن كيسان ومن رواية شعبة وهو بن أبي حمزة كلاهما عن الزهري ويعقوب بن إبراهيم في السند الاول هو بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب المحاربين وبينت فيه الذي قال والعسيف الاجير وانه مدرج في هذه الطريق قال بن القيم في الرد على من رد خبر الواحد إذا كان زائدا على القرآن ما ملخصه السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه أحدها ان توافقه من كل وجه فيكون من توارد الادلة ثانيها ان تكون بيانا لما أريد بالقرآن ثالثها ان تكون دالة على حكم سكت عنه القرآن وهذا الثالث يكون حكما مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم فتجب طاعته فيه ول كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يطاع الا فيما وافق القرآن لم تكن له طاعة خاصة وقد قال تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله وقد تناقض من قال أنه لا يقبل الحكم الزائد على القرآن الا ان كان متواترا أو مشهورا فقد قالوا بتحريم المرأة على عمتها وخالتها وتحريم ما يحرم من النسب بالرضاعة وخيار الشرط والشفعة والرهن في الحضر وميراث الجدة وتخيير الامة إذا عتقت ومنع الحائض من الصوم والصلاة ووجوب الكفارة على من جامع وهو صائم في رمضان ووجوب احداد المعتدة عن الوفاة وتجويز الوضوء بنبيذ التمر وايجاب الوتر وأن أقل الصداق عشرة دراهم وتوريث بنت الابن السدس مع البنت واستبراء المسببة بحيضة وأن أعيان بني الام يتوارثون ولا يقاد الوالد بالولد وأخذ الجزية من المجوس وقطع رجل السارق في الثانية وترك الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال والنهي عن بيع الكالئ بالكالئ وغيرها مما يطول شرحه وهذه الاحاديث كلها آحاد وبعضها ثابت وبعضها غير ثابت ولكنهم قسموها إلى ثلاثة أقسام ولهم في ذلك تفاصيل يطول شرحها ومحل بسطها أصول الفقه وبالله التوفيق (0) قوله باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم الزبير طليعة وحده ذكر فيه حديث جابر وهو الحديث الرابع عشر من إجازة خبر الواحد وقد تقدم شرحه في كتاب الجهاد وقوله (6833) حفظته من بن المنكدر يعني محمدا وقال له أيوب يعني السختياني يا أبا بكر
[ 204 ]
هي كنية محمد بن المنكدر ويكنى أيضا أبا عبد الله وله أخ آخر يقال له أبو بكر بن المنكدر اسمه كنيته وقوله ندب أي دعا وطلب وقوله انتدب أي أجاب فأسرع وقوله فتتابع كذا لهم بمثناتين وللكشميهني فتابع بتاء واحدة وقوله بين أحاديث في رواية الكشميهني أربعة أحاديث قوله قلت لسفيان يعني بن عيينة والقائل هو علي بن المديني شيخ البخاري فيه قوله فإن الثوري يقول يوم قريظة قلت لم أره عند أحد ممن أخرجه من رواية سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر بلفظ يوم قريظة الا عند بن ماجة فإنه أخرجه عن علي بن محمد عن وكيع كذلك فلعل بن المديني حمله عن وكيع فقال وقد أخرجه البخاري في الجهاد عن أبي نعيم وفي المغازي عن محمد بن كثير وأخرجه مسلم في المناقب وابن ماجة من طريق وكيع والترمذي من رواية أبي داود الحفري ومسلم أيضا والنسائي من رواية أبي أسامة كلهم عن سفيان الثوري بهذه القصة فاما مسلم فلم يسق لفظه بل أحال به على رواية سفيان بن عيينة واما البخاري فقال في كل منهما يوم الاحزاب وكذا الباقون ووقع في رواية هشام بن عروة عن بن المنكدر عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق من يأتيني بخبر بني قريظة فلعل هذا سبب الوهم ثم وجدت الاسماعيلي نبه على ذلك فقال انما طلب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق خبر بني قريظة ثم ساق من طريق فليح بن سليمان عن محمد بن المنكدر عن جابر قال ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق من يأتيه بخبر بني قريظة قال فالحديث صحيح يعني تحمل رواية من قال يوم قريظة أي اليوم الذي أراد ان يعلم فيه خبرهم لا اليوم الذي غزاهم فيه وذلك مراد سفيان بقوله انه يوم واحد قوله قال سفيان هو بن عيينة هو يوم واحد يعني يوم الخندق ويوم قريظة وهذا انما يصح على إطلاق اليوم على الزمان الذي يقع فيه الامر الكبير سواء قلت أيامه أو كثرت كما يقال يوم الفتح ويراد الايام اللتي أقام فيها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة لما فتحها وكذا وقعة الخندق دامت أياما آخرها لما انصرفت الاحزاب ورجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى منازلهم جاءه جبريل عليه السلام بين الظهر والعصر فأمره بالخروج إلى بني قريظة فخرجوا وقال لا يصلين أحد العصر الا في بني قريظة ثم حاصرهم أياما حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وقد تقدم جميع ذلك مبينا في كتاب المغازي (0) قوله باب قول الله لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم كذا للجميع قوله فإذا أذن له واحد جاز وجه الاستدلال به انه لم يقيده بعدد فصار الواحد من جملة ما يصدق عليه وجود الاذن وهو متفق على العمل به عند الجمهور حتى اكتفوا فيه بخبر من لم تثبت عدالته لقيام القرينة فيه بالصدق ثم ذكر فيه حديثين أحدهما حديث أبي موسى في استئذانه على النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في الحائط لابي بكر ثم لعمر ثم لعثمان وفي كل منهما قال أئذن له وهو الحديث الخامس عشر والثاني حديث عمر في قصة المشربة وفيه فقلت أي للغلام الاسود قل هذا عمر بن الخطاب فأذن لي وهو طرف من حديث طويل تقدم في تفسير سورة التحريم وهو السادس عشر وأراد البخاري ان صيغة يؤذن لكم على البناء للمجهول تصح للواحد فما فوقه وان الحديث الصحيح بين الاكتفاء بالواحد على مقتضى ما تناوله لفظ الآية فيكون فيه حجة لقبول خبر الواحد وقد تقدم شرح حديث يا أبي موسى في المناقب وتقدم شرح ما يتعلق بآية الاستئذان مستوعبا في تفسير سورة الاحزاب
[ 205 ]
وقال بن التين (6834) قوله هنا في حديث أبي موسى وأمرني بحفظ الباب مغاير لقوله في الرواية الماضية ولم يأمرني بحفظه فأحدهما وهم قلت بل هما جميعا محفوظان فالنفي كان في أول ما جاء فدخل النبي صلى الله عليه وسلم الحائط فجلس أبو موسى في الباب وقال لاكونن اليوم بواب النبي صلى الله عليه وسلم فقوله ولم يأمرني بحفظه كان في تلك الحالة ثم لما جاء أبو بكر واستأذن له فأمره ان يأذن له أمره حينئذ بحفظ الباب تقريرا له على ما فعله ورضا به اما تصريحا فيكون الامر له بذلك حقيقة واما لمجرد التقرير فيكون الامر مجازا وعلى الاحتمالين لا وهم وقد تقدم له توجيه آخر في مناقب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه (0) قوله باب ما كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الامراء والرسل واحدا بعد واحد تقدم بيانه في أول هذه الابواب مجملا وقد سبق إلى ذلك أيضا الشافعي فقال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سراياه وعلى كل سرية واحد وبعث رسله إلى الملوك إلى كل ملك واحد ولم تزل كتبه تنفذ إلى ولاته بالامر والنهي فلم يكن أحد من ولاته يترك انفاذ أمره وكذا كان الخلفاء بعده انتهى فاما أمراء السرايا فقد استوعبهم محمد بن سعد في الترجمة النبوية وعقد لهم بابا سماهم فيه على الترتيب واما أمراء البلاد التي فتحت فإنه صلى الله عليه وسلم أمر على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي وعلى عمان عمرو بن العاص وعلى نجران أبا سفيان بن حرب وأمر على صنعاء وسائر جبال اليمن باذان ثم ابنه شهر وفيروز والمهاجر بن أبي أمية وأبان بن سعيد بن العاص وأمر على السواحل أبا موسى وعلى الجند وما معها معاذ بن جبل وكان كل منهما يقضي في عمله ويسير فيه وكانا ربما التقيا كما تقدم وأمر أيضا عمرو بن سعيد بن العاص على وادي القرى ويزيد بن أبي سفيان على تيماء وثمامة بن أثال على اليمامة فأما أمراء السرايا والبعوث فكانت أمرتهم تنتهي بانتهاء تلك الغزوة وأما أمراء القرى فانهم استمروا فيها ومن أمرائه أبو بكر على الحج سنة تسع وعلي لقسمة الغنيمة وافراد الخمس باليمن وقراءة سورة براءة على المشركين في حجة أبي بكر وأبو عبيدة لقبض الجزية من البحرين و عبد الله بن رواحة لخرص خيبر إلى ان استشهد في غزوة مؤتة ومنهم عماله لقبض الزكوات كما تقدم قريبا في قصة بن اللتبية واما رسله إلى الملوك فسمى منهم دحية وعبد الله بن حذافة وهما في هذه الترجمة وأخرج مسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث رسله إلى الملوك يعني الذين كانوا في عصره قلت وقد استوعبهم محمد بن سعد أيضا وأفردهم بعض المتأخرين في جزء تتبعهم من أسد الغابة لابن الاثير ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث الاول قوله وقال بن عباس بعث النبي صلى الله عليه وسلم دحية الكلبي بكتابه إلى عظيم بصرى أن يدفعه إلى قيصر هو طرف من الحديث الطويل المذكور في بدء الوحي وتقدم شرحه هناك وتسميته عظيم بصرى وكيفية إرسال الكتاب المذكور إلى هرقل وهذا التعليق ثبت في رواية الكشميهني وحده هنا الحديث الثاني (6836) قوله يونس هو بن يزيد الايلي قوله بعث بكتابه إلى كسرى فأمره ان يدفعه إلى عظيم البحرين كذا هنا والضمير في قوله فأمره للمبعوث الذي دل عليه قوله بعث وقد تقدم في أواخر المغازي وان الرسول عبد الله بن حذافة السهمي الذي تقدمت قصته قريبا في السرية وقوله فحسبت ان بن المسيب القائل هو بن شهاب كما تقدم بيانه هناك قوله ان يمزقوا كل ممزق فيه تلميح بما أخبر الله تعالى انه
[ 206 ]
فعل بأهل سبأ وأجاب الله تعالى هذه الدعوة فسلط شيرويه على والده كسرى أبرويز الذي مزق الكتاب فقتله وملك بعده فلم يبقى الا يسيرا حتى مات والقصة مشهورة تنبيه وقع للزركشي هنا خبط فإنه قال عن بن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه إلى كسرى كذا وقع في الامهات ولم يذكر فيه دحية بعد قوله بعث والصواب إثباته وقد ذكره في رواية الكشميهني تعليقا فقال قال بن عباس بعث النبي صلى الله عليه وسلم دحية بكتابه إلى عظيم بصرى وان يدفعه إلى قيصر وهو الصواب انتهى وكأنه توهم ان القصتين واحدة وحمله على ذلك كونهما من رواية بن عباس والحق ان المبعوث لعظيم بصرى هو دحية والمبعوث لعظيم البحرين وان لم يسم في هذه الرواية فقد سمي في غيرها وهو عبد الله بن حذافة ولم يكن في الدليل على المغايرة بينهما الا ما بعد ما بين بصرى والبحرين فان بينهما نحو شهر وبصرى كانت في مملكة هرقل ملك الروم والبحرين كانت في مملكة كسرى ملك الفرس وانما نبهت على ذلك مع وضوحه خشية أن يغتر به من ليس له اطلاع على ذلك الحديث الثالث حديث سلمة بن الاكوع في صيام يوم عاشوراء وقد تقدم شرحه في كتاب الصيام ويحيى المذكور في السند هو بن سعيد القطان والرجل من أسلم هو هند بن أسماء بن حارثة كما تقدم والله أعلم (0) قوله باب وصاة النبي صلى الله عليه وسلم وفود العرب ان يبلغوا من وراءهم الوصاة بالقصر بمعنى الوصية والواو مفتوحة ويجوز كسرها وقد تقدم بيان ذلك في أوائل كتاب الوصايا وذكر فيه حديثين أحدهما قوله قاله مالك بن الحويرث يشير إلى حديثه المذكور قريبا أول هذه الابواب الثاني (6838) قوله وحدثني إسحاق هو بن راهويه كذا ثبت في رواية أبي ذر فاغنى عن تردد الكرماني هل هو إسحاق بن منصور أو بن إبراهيم والنضر هو بن شميل وأبو جمرة بالجيم قوله كان بن عباس يقعدني على سريره قد تقدم السبب في ذلك في باب ترجمان الحاكم وانه كان يترجم بينه وبين الناس لما يستفتونه ووقع في رواية إسحاق بن راهويه في مسنده ان النضر بن شميل وعبد الله بن إدريس قالا حدثنا شعبة فذكره وفيه يجلسني معه على السرير فأترجم بينه وبين الناس قوله ان وفد عبد القيس تقدم شرح قصتهم في كتاب الايمان ثم في كتاب الاشربة والغرض منه قوله في آخره احفظوهن وابلغوهن من وراءكم فان الامر بذلك يتناول كل فرد فلولا ان الحجة تقوم بتبليغ الواحد ما حضهم عليه (0) قوله باب خبر المرأة الواحدة ذكر فيه حديث بن عمرو به وبما في البابين قبله تكمل الاحاديث اثنين وعشرين حديثا (6839) قوله عن توبة بمثناة مفتوحة وسكون الواو بعدها موحدة هو بن كيسان يسمى أبا المورع بتشديد الراء والاهمال والعنبري بفتح المهملة والموحدة بينهما نون ساكنة نسبة إلى بني العنبر بطن شهير من بني تميم قوله أرأيت حديث الحسن أي البصري والرؤيا هنا بصرية والاستفهام للانكار كان الشعبي ينكر على من يرسل الاحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ان الحامل لفاعل ذلك طلب الاكثار من التحديث عنه والا لكان يكتفي بما سمعه موصولا وقال الكرماني مراد الشعبي ان الحسن مع كونه تابعيا كان يكثر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمر مع كونه صحابيا يحتاط ويقل من ذلك مهما أمكن قلت وكأن بن عمر اتبع رأي أبيه في ذلك فإنه كان يحض على قلة التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لوجهين أحدهما خشية الاشتغال عن تعلم القرآن وتفهم معانيه والثاني
[ 207 ]
خشية ان يحدث عنه بما لم يقله لانهم لم يكونوا يكتبون فإذا طال العهد لم يؤمن النسيان وقد أخرج سعيد بن منصور بسند آخر صحيح عن الشعبي عن قرظة بن كعب عن عمر قال أقلوا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وانا شريككم تقدم شئ مما يتعلق بهذا في كتاب العلم وقوله وقاعدت بن عمر الجملة حالية والمراد انه جلس معه المدة المذكورة وقوله قريبا من سنتين أو سنة ونصف ووقع عند بن ماجة من طريق عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي قال جالست بن عمر سنة فيجمع بأن مدة مجالسته كانت سنة وكسرا فألغى الكسر تارة وجبره أخرى وكان الشعبي جاور بالمدينة أو بمكة والا فهو كوفي وابن عمر لم تكن له إقامة بالكوفة قوله فلم أسمعه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا أشار إلى الحديث الذي يريد ان يذكره وكأنه استحضره بذهنه إذ ذاك قوله كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سعد فذهبوا يأكلون من لحم هكذا أورد القصة مختصرة وأوردها في الذبائح مبينة وتقدم لفظه هناك وعند الاسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة فأتوا لحم ضب قوله فنادتهم امرأة من بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم هي ميمونة وقد تقدم بيانه في كتاب الاطعمة قوله فإنه حلال أو قال لا بأس به شك فيه هو قول شعبة والذي شك في أي اللفظين قال هو توبة الراوي عن بن عمر بين ذلك محمد بن جعفر في روايته عن شعبة أخرجه أحمد في مسنده عنه وقد تقدم الكلام على لحم الضب في كتاب الصيد والذبائح مستوفى في رواية عبد الله بن دينار عن بن عمر في الضب لا احله ولا أحرمه وانها لا تخالف قوله هنا فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي أي ليس من المألوف له فلذلك ترك أكله لا لكونه حراما خاتمة اشتمل كتاب الاحكام وما بعده من التمني واجازة خبر الواحد من الاحاديث المرفوعة ع لى مائة حديث وثلاثة وستين حديثا المعلق منها وما في حكمه سبعة وثلاثون طريقا وسائرها موصول المكرر منه فيه وفيما مضى مائة حديث وتسعة وأربعون حديثا والخالص أربعة عشر حديثا شاركه مسلم في تخريجها سوى حديث أبي هريرة أنكم ستحرصون وحديث أبي أيوب في البطانة وحديث أبي هريرة فيها وحديث بن عمر في بيعة عبد الملك وحديث عمر في بيعة أبي بكر الثانية وحديث أبي بكر في قصة وفد بزاخة وفي التمني سبعة وعشرون حديثا كلها مكررة منها ستة طرق معلقة وفي خبر الواحد اثنان وعشرون حديثا كلها مكررة منها طريق واحد معلق وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ثمانية وخمسون أثرا والله سبحانه وتعالى أعلم بسم الله الرحمن الرحيم (0) قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة الاعتصام افتعال من العصمة والمراد امتثال قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا الآية قال الكرماني هذه الترجمة منتزعة من قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا لان المراد بالحبل الكتاب والسنة على سبيل الاستعارة والجامع كونهما سببا للمقصود وهو الثواب والنجاة من العذاب كما ان الحبل سبب لحصول المقصود به من السقي وغيره والمراد بالكتاب القرآن المتعبد بتلاوته وبالسنة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريره وما هم بفعله والسنة في أصل اللغة الطريقة وفي اصطلاح الاصوليين والمحدثين ما تقدم وفي اصطلاح بعض الفقهاء
[ 208 ]
ما يرادف المستحب قال بن بطال لا عصمة لاحد الا في كتاب الله أو في سنة رسوله أو في إجماع العلماء على معنى في أحدهما ثم تكلم على السنة باعتبار ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي بيانه بعد باب ثم ذكر فيه خمسة أحاديث الحديث الاول (6840) قوله سفيان عن مسعر وغيره أما سفيان فهو بن عيينة ومسعر هو بن كدام بكسر الكاف وتخفيف الدال والغير الذي ابهم معه لم أر من صرح به الا انه يحتمل ان يكون سفيان الثوري فان أحمد أخرجه من روايته عن قيس بن مسلم وهو الجدلي بفتح الجيم والمهملة كوفي يكنى أبا عمرو كان عابدا ثقة ثبتا وقد نسب إلى الارجاء وفي الرواة قيس بن مسلم آخر لكنه شامي غير مشهور روى عن عبادة بن الصامت وحديثه عنه في كتاب خلق الافعال للبخاري وطارق بن شهاب هو الاحمسي معدود في الصحابة لانه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو كبير لكن لم يثبت له منه سماع قوله قال رجل من اليهود تقدم الكلام عليه في كتاب الايمان وفي تفسير سورة المائدة مع شرح سائر الحديث وحاصل جواب عمر أنا اتخذنا ذلك اليوم عيدا على وفق ما ذكرت قوله سمع سفيان مسعرا ومسعر قيسا وقيس طارقا هو كلام البخاري يشير إلى ان العنعنة المذكورة في هذا السند محمولة عنده على السماع لاطلاعه على سماع كل منهم من شيخه وقوله سبحانه اليوم أكملت لكم دينكم ظاهره يدل على أن أمور الدين كملت عند هذه المقالة وهي قبل موته صلى الله عليه وسلم بنحو ثمانين يوما فعلى هذا لم ينزل بعد ذلك من الاحكام شئ وفيه نظر وقد ذهب جماعة إلى ان المراد بالاكمال ما يتعلق بأصول الاركان لا ما يتفرع عنها ومن ثم لم يكن فيها متمسك لمنكري القياس ويمكن دفع حجتهم على تقدير تسليم الاول بأن استعمال القياس في الحوادث متلقى من أمر الكتاب ولو لم يكن الا عموم قوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وقد ورد أمره بالقياس وتقريره عليه فاندرج في عموم ما وصف بالكمال ونقل بن التين عن الداودي أنه قال في قوله تعالى وانزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم قال انزل سبحانه وتعالى كثيرا من الامور مجملا ففسر نبيه ما احتيج إليه في وقته وما لم يقع في وقته وكل تفسيره إلى العلماء بقوله تعالى ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم الحديث الثاني (6841) قوله انه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الغد حين بايع المسلمون أبا بكر رضي الله عنه حين يتعلق بسمع والذي يتعلق بالغد محذوف وتقديره من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم بيانه في باب الاستخلاف في أواخر كتاب الاحكام وسياقه هناك أتم وزاد في هذه الرواية فاختار الله لرسوله الذي عنده على الذي عندكم أي الذي عنده من الثواب والكرامة على الذي عندكم من النصب الحديث الثالث حديث بن عباس تقدم شرحه في كتاب العلم وبيان من رواه بلفظ التأويل ويأتي معنى التأويل في باب قوله تعالى بل هو قرآن مجيد من كتاب التوحيد ان شاء الله تعالى الحديث الرابع حديث أبي برزة وهو مختصر من الحديث الطويل المذكور في أوائل كتاب الفتن في باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه وقد تقدم شرحه مستوفى هناك وقوله (6843) هنا ان الله يغنيكم بالاسلام كذا وقع بضم أوله ثم غين معجمة ساكنة ثم نون ونبه أبو عبد الله وهو المصنف على ان الصواب بنون ثم عين مهملة مفتوحتين ثم شين معجمة قوله ينظر في أصل كتاب الاعتصام فيه إشارة إلى انه صنف كتاب الاعتصام مفردا وكتب منه هنا ما يليق بشرطه في هذا الكتاب كما صنع في كتاب الادب المفرد فلما رأى هذه
[ 209 ]
اللفظة مغايرة لما عنده انه الصواب أحال على مراجعة ذلك الاصل وكأنه كان في هذه الحالة غائبا عنه فأمر بمراجعته وان يصلح منه وقد وقع له نحو هذا في تفسير انقض ظهرك ونبهت عليه في تفسير سورة الم نشرح ونقل بن التين عن الداودي ان ذكر حديث أبي برزة هذا هنا انما يستفاد منه تثبيت خبر الواحد وهو غفلة منه فان حكم تثبيت خبر الواحد انقضى وعقب بالاعتصام بالكتاب والسنة ومناسبة حديث أبي برزة للاعتصام بالكتاب من قوله ان الله نعشكم بالكتاب ظاهرة جدا والله أعلم الحديث الخامس حديث بن عمر في مكاتبته لعبد الملك بالبيعة له وقد تقدم بأتم من هذا السياق مع شرحه في باب كيف يبايع الامام من أواخر كتاب الا حاكم ومن ثم يظهر المعطوف عليه بقوله هنا وأقر لك وبينت هناك أن ذلك كان بعد قتل عبد الله بن الزبير والغرض منه هنا استعمال سنة الله ورسوله في جميع الامور (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بعثت بجوامع الكلم وذكر فيه حديثين لابي هريرة أحدهما بلفظ الترجمة وزاد ونصرت بالرعب وبينا انا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الارض وتقدم تفسير جوامع الكلم في باب المفاتيح في اليد من كتاب التعبير وفيه تفسيرها عن الزهري وحاصله انه صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني وجزم غير الزهري بأن المراد بجوامع الكلم القرآن بقرينة قوله بعثت والقرآن هو الغاية في ايجاز اللفظ واتساع المعاني وتقدم شرح نصرت بالرعب في كتاب التيمم (6845) قوله فوضعت في يدي أي المفاتيح وتقدم تفسير المراد بها في باب النفخ في المنام من كتب التعبير قوله قال أبو هريرة هو موصول بالسند المذكور أولا وقوله فذهب أي مات وقوله وأنتم تلغثونها أو ترغثونها أو كلمة تشبهها فالاولى بلام ساكنة ثم غين معجمة مفتوحة ثم مثلثة والثانية مثلها لكن بدل اللام راء وهي من الرغث كناية عن سعة العيش وأصله من رغث الجدي أمه إذا ارتضع منها وأرغثته هي أرضعته ومن ثم قيل رغوث وأما باللام فقيل انها لغة فيها وقيل تصحيف وقيل مأخوذة من اللغيث بوزن عظيم وهو الطعام المخلوط بالشعير ذكره صاحب المحكم عن ثعلب والمراد يأكلونها كيفما اتفق وفيه بعد وقال بن بطال واما اللغث باللام فلم أجده فيما تصفحت من اللغة انتهى ووجدت في حاشية من كتابة هما لغتان صحيحتان فصيحتان معناهما الاكل بالتهم وأفاد الشيخ مغلطاي عن كتاب المنتهى لابي المعالي اللغوي لغث طعامه ولغث بالغين والعين أي المعجمة والمهملة إذا فرقه قال والغيث ما يبقى في الكيل من الحب فعلى هذا فالمعنى وأنتم تأخذون المال فتفرقونه بعد أن تحوزوه واستعار للمال ما للطعام لان الطعام أهم ما يقتنى لاجله المال وزعم أن في بعض نسخ الصحيح وأنتم تلعقونها بمهملة ثم قاف قلت وهو تصحيف ولو كان له بعض اتجاه والثالثة جاءت من رواية عقيل في كتاب الجهاد بلفظ تنتثلونها بمثناة ثم نون ساكنة ثم مثناة ولبعضهم بحذف المثناة الثانية من النثل بفتح النون وسكون المثلثة وهو الاستخراج نثل كنانته استخرج ما فيها من السهام وجرابه نقض ما فيه والبئر أخرج ترابها فمعنى تنتثلونها تستخرجون ما فيها وتتمتعون به قال بن التين عن الداودي هذا المحفوظ في هذا الحديث قال النووي يعني ما فتح على المسلمين من الدنيا وهو يشمل الغنائم والكنوز وعلى الاول اقتصر الاكثر ووقع عند بعض رواة مسلم بالميم بدل النون الاولى وهو تحريف الحديث الثاني (6846) قوله عن سعيد هو بن أبي سعيد المقبري واسم
[ 210 ]
أبي سعيد كيسان قوله ما مثله أو من آمن عليه البشر أو شك من الرواي فالاولى بضم الهمزة وسكون الواو وكسر الميم من الامن والثانية بالمد وفتح الميم من الايمان وحكى بن قرقول ان في رواية القابسي بفتح الهمزة وكسر الميم بغير مد من الامان وصوبها بن التين فلم يصب وقوله وانما كان الذي أوتيته في رواية المستملي أوتيت بحذف الهاء وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفى في أوائل فضائل القرآن بحمد الله تعالى ومعنى الحصر في قوله انما كان الذي أوتيته ان القرآن أعظم المعجزات وأفيدها وأدومها لاشتماله على الدعوة والحجة ودوام الانتفاع به إلى آخر الدهر فلما كان لا شئ يقاربه فضلا عن أن يساويه كان ما عداه بالنسبة إليه كأن لم يقع قيل يؤخذ من إيراد البخاري هذا الحديث عقب الذي قبله ان الراجح عنده ان المراد بجوامع الكلم القرآن وليس ذلك بلازم فان دخول القرآن في قوله بعثت بجوامع الكلم لا شك فيه وانما النزاع هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلام في القرآن قوله تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب لعلكم تتقون وقوله ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون إلى غير ذلك ومن أمثلة جوامع الكلم من الاحاديث النبوية حديث عائشة كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وحديث كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل متفق عليهما وحديث أبي هريرة وإذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم وسيأتي شرحه قريبا وحديث المقدام ما ملا بن آدم وعاء شرا من بطنه الحديث أخرجه الاربعة وصححه بن حبان والحاكم إلى غير ذلك مما يكثر بالتتبع وانما يسلم ذلك فيما لم تتصرف الرواة في ألفاظه والطريق إلى معرفة ذلك أن تقل مخارج الحديث وتتفق ألفاظه والا فان مخارج الحديث إذا كثرت قل أن تتفق ألفاظه لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى بحسب ما يظهر لاحدهم انه واف به والحامل لاكثرهم على ذلك انهم كانوا لا يكتبون ويطول الزمان فيتعلق المعنى بالذهن فيرتسم فيه ولا يستحضر اللفظ فيحدث بالمعنى لمصلحة التبليغ ثم يظهر من سياق ما هو احفظ منه انه لم يوفي بالمعنى (0) قوله باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أي قبولها والعمل بما دلت عليه فأما أقواله صلى الله عليه وسلم فتشتمل على أمر ونهي وأخبار وسيأتي حكم الامر والنهي في باب مفرد وأما أفعاله فتأتي أيضا في باب مفرد قريبا قوله وقل الله تعالى واجعلنا للمتقين إماما قال أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا كذا للجميع بإبهام القائل وقد ثبت ذلك من قول مجاهد أخرجه الفريابي والطبري وغيرهما من طريقه بهذا اللفظ بسند صحيح وأخرجه بن أبي حاتم من طريقه بسند صحيح أيضا قال يقول اجعلنا أئمة في التقوى حتى نأتم بمن كان قبلنا ويأتم بنا من بعدنا وللطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس ان المعنى اجعلنا أئمة التقوى لاهله يقتدون بنا لفظ الطبري وفي رواية بن أبي حاتم اجعلنا أئمة هدى ليهتدي بنا ولا تجعلنا أئمة ضلالة لانه قال تعالى لاهل السعادة وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وقال لاهل الشقاوة وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ورجح الطبري أنهم سألوا ان يكونوا للمتقين أئمة ولم يسألوا ان يجعل المتقين لهم أئمة ثم تكلم الطبري على افراد إماما مع ان المراد جماعة بما حاصله ان الامام اسم جنس فيتناول الواحد فما فوقه وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن قتادة في قوله واجعلنا للمتقين إماما أي قادة في الخير ودعاة هدى يؤتم بنا في الخير
[ 211 ]
وأخرج بن أبي حاتم من طريق السدي ليس المراد أن نؤم الناس وانما أرادوا اجعلنا أئمة لهم في الحلال والحرام يقتدون بنا فيه ومن طريق جعفر بن محمد معناه اجعلني رضا فإذا قلت صدقوني وقبلوا مني تنبيه اقتصر شيخنا بن الملقن في شرحه تبعا لمن تقدمه على عزو التفسير المذكور أولا للحسن البصري ولم أر له عنه سندا والثاني للضحاك وقد صح عن بن عباس ورواه بن أبي حاتم عن عكرمة وسعيد بن جبير ونقله بن أبي حاتم أيضا عن أبي صالح وعبد الله بن شوذب قوله وقال بن عون هو عبد الله البصري من صغار التابيعن ثلاث أحبهن لنفسي الخ وصله محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة والجوزقي من طريقه قال محمد بن نصر حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا سليم بن أخضر سمعت بن عون يقول غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ثلاث أحبهن لنفسي الحديث ووصله بن القاسم اللالكائي في كتاب السنة من طريق القضبي سمعت حماد بن زيد يقول قال بن عون قوله ولاخواني في رواية حماد ولاصحابي قوله هذه السنة أشار إلى طريقة النبي صلى الله عليه وسلم إشارة نوعية لا شخصية وقوله ان يتعلموها ويسألوا عنها في رواية يحيى بن يحيى هذا الاثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتبعه ويعمل بما فيه قوله والقرآن ان يتفهموه ويسألوا الناس عنه في رواية يحيى فيتدبروه بدل فيتفهموه وهو المراد قوله ويدعو الناس الا من خير كذا للاكثر بفتح الدال من يدعو وهو من الودع بمعنى الترك ووقع في رواية الكشميهني بسكون الدال من الدعاء وكذا هو في نسخة الصغاني ويؤيد الاول ان في رواية يحيى بن يحيى ورجل أقبل على نفسه ولها عن الناس الا من خير لان في ترك الشر خيرا كثيرا قال الكرماني قال في القرآن يتفهموه وفي السنة يتعلموها لان الغالب ان المسلم يتعلم القرآن في أول أمره فلا يحتاج إلى الوصية بتعلمه فلهذا أوصى بتفهم معناه وادراك منطوقه انتهى ويحتمل ان يكون السبب ان القرآن قد جمع بين دفتي المصحف ولم تكن السنة يومئذ جمعت فأراد بتعلمها جمعها ليتمكن من تفهما بخلاف القرآن فإنه مجموع فليبادر لتفهمه ثم ذكر فيه ثلاثة عشر حديثا الحديث الاول (6847) قوله عمرو بن عباس بموحدة ثم مهملة هو الباهلي بصري يكنى أبا عثمان من طبقة علي بن المديني وعبد الرحمن هو بن مهدي وسفيان هو الثوري وواصل هو بن حبان وتقدم تصريح الثوري عنه بالتحديث في كتاب الحج وأبو وائل هو شقيق بن سلمة قوله جلست إلى شيبة هو بن عثمان بن طلحة العبدري حاجب الكعبة وقد تقدم نسبه عند شرح حديثه في باب كسوة الكعبة من كتاب الحج وليس له في الصحيحين الا هذا الحديث عند البخاري وحده قوله أن لا أدع فيها الضمير للكعبة وأن لم يجر لها ذكر لان المراد بالمسجد في قول أبي وائل جلست إلى شيبة في هذا المسجد نفس الكعبة فكأنه أشار إليها فقد تقدم في رواية الحج في هذا الحديث على كرسي في الكعبة أي عند بابها كما جرت به عادة الحجبة قال بن بطال أراد عمر قسمة المال في مصالح المسلمين فلما ذكره شيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بعده لم يتعرضا له لم يسعه خلافهما ورأى ان الاقتداء بهما واجب قلت وتمامه ان تقرير النبي صلى الله عليه وسلم منزل منزلة حكمه باستمرار ما ترك تغييره فيجب الاقتداء به في ذلك لعموم قوله تعالى واتبعوه وأما أبو بكر فدل عدم تعرضه على انه لم يظهر له من قوله صلى الله عليه وسلم ولا من فعله ما يعارض التقرير المذكور ولو ظهر له لفعله لا سيما مع احتياجه للمال لقلته في مدته فيكون عمر
[ 212 ]
مع وجود كثرة المال في أيامه أولى بعدم التعرض الحديث الثاني حديث حذيفة في الامانة تقدم شرحه في كتاب الفتن الحديث الثالث (6849) قوله حدثنا عمرو بن مرة هو الجملي بفتح الجيم وتخفيف الميم ومرة شيخه هو بن شراحيل ويقال له مرة الطيب بالتشديد وهو الهمداني بسكون الميم وليس هو والد عمرو الراوي عنه قوله وأحسن الهدى هدى محمد بفتح الهاء وسكون الدال للاكثر وللكشميهني بضم الهاء مقصور ومعنى الاول الهيئة والطريقة والثاني ضد الضلال قوله وشر الامور محدثاتها الخ تقدم هذا الحديث بدون هذه الزيادة في كتاب الادب وذكرت ما يدل على ان البخاري اختصره هناك ومما انبه عليه هنا قبل شرح هذه الزيادة ان ظاهر سياق هذا الحديث انه موقوف لكن القدر الذي له حكم الرفع منه قوله وأحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم فان فيه اخبارا عن صفة من صفاته صلى الله عليه وسلم وهو أحد أقسام المرفوع وقل من نبه على ذلك وهو كالمتفق عليه لتخريج المصنفين المقتصرين على الاحاديث المرفوعة الاحاديث الواردة في شمائله صلى الله عليه وسلم فان أكثرها يتعلق بصفة خلقه وذاته كوجهه وشعره وكذا بصفة خلقه كحلمه وصفحة وهذا مندرج في ذلك مع ان الحديث المذكور جاء عن بن مسعود مصرحا فيه بالرفع من وجه آخر أخرجه أصحاب السنن لكن ليس هو على شرط البخاري وأخرجه مسلم من حديث جابر مرفوعا أيضا بزيادة فيه وليس هو على شرطه أيضا وقد بينت ذلك في كتاب الادب في باب الهدى الصالح والمحدثات بفتح الدال جمع محدثة والمراد بها ما أحدث وليس له أصل في الشرع ويسمى في عرف الشرع بدعة وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فان كل شئ أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما وكذا القول في المحدثة وفي الامر المحدث الذي ورد في حديث عائشة من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد كما تقدم شرحه ومضى بيان ذلك قريبا في كتاب الاحكام وقد وقع في حديث جابر المشار إليه وكل بدعة ضلالة وفي حديث العرباض بن سارية وإياكم ومحدثات الامور فان كل بدعة ضلالة وهو حديث أوله وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة فذكره وفيه هذا أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه بن ماجة وابن حبان والحاكم وهذا الحديث في المعنى قريب من حديث عائشة المشار إليه وهو من جوامع الكلم قال الشافعي البدعة بدعتان محمودة ومذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي وجاء عن الشافعي أيضا ما أخرجه البيهقي في مناقبه قال المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة انتهى وقسم بعض العلماء البدعة إلى الاحكام الخمسة وهو واضح وثبت عن بن مسعود انه قال قد أصبحتم على الفطرة وانكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدى الاول فمما حدث تدوين الحديث ثم تفسير القرآن ثم تدوين المسائل الفقهية المولدة عن الرأي المحض ثم تدوين ما يتعلق بأعمال القلوب فاما الاول فأنكره عمر وأبو موسى وطائفة ورخص فيه الاكثرون وأما الثاني فأنكره جماعة من التابعين كالشعبي واما الثالث فأنكره الامام أحمد وطائفة يسيرة وكذا اشتد إنكار أحمد للذي بعده ومما حدث أيضا تدوين القول في أصول
[ 213 ]
الديانات فتصدى لها المثبتة والنفاة فبالغ الاول حتى شبه وبالغ الثاني حتى عطل واشتد إنكار السلف لذلك كأبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي وكلامهم في ذم أهل الكلام مشهور وسببه انهم تكلموا فيما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وثبت عن مالك انه لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر شئ من الاهواء يعني بدع الخوارج والروافض والقدرية وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الامور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان وجعلوا كلام الفلاسفة أصلا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرها ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا ان الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل وان من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف وان لم يكن له منه بد فليكتف منه بقدر الحاجة ويجعل الاول المقصود بالاصالة والله الموفق وقد أخرج أحمد بسند جيد عن غضيف بن الحارث قال بعث إليه عبد الملك بن مروان فقال انا قد جمعنا الناس على رفع الايدي على المنبر يوم الجمعة وعلى القصص بعد الصبح والعصر فقال أما انهما أمثل بدعكم عندي ولست بمجيبكم إلى شئ منهما لان النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أحدث قوم بدعة الا رفع من السنة مثلها فتمسك بسنة خير من احداث بدعة انتهى وإذا كان هذا جواب هذا الصحابي في أمر له أصل في السنة فما ظنك بما لا أصل له فيها فكيف بما يشتمل على ما يخالفها وقد مضى في كتاب العلم ان بن مسعود كان يذكر الصحابة كل خميس لئلا يملوا ومضى في كتاب الرقاق ان بن عباس قال حدث الناس كل جمعة فان أبيت فمرتين ونحوه وصية عائشة لعبيد بن عمير والمراد بالقصص التذكير والموعظة وقد كان ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم يكن يجعله راتبا كخطبة الجمعة بل بحسب الحاجة واما قوله في حديث العرباض فان كل بدعة ضلالة بعد قوله وإياكم ومحدثات الامور فإنه يدل على ان المحدث يسمى بدعة وقوله كل بدعة ضلالة قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها أما منطقوها فكأن يقال حكم كذا بدعة وكل بدعة ضلالة فلا تكون من الشرع لان الشرع كله هدى فان ثبت ان الحكم المذكور بدعة صحت المقدمتان وانتجتا المطلوب والمراد بقوله كل بدعة ضلالة ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام وقوله في آخر حديث بن مسعود وان ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين أراد ختم موعظته بشئ من القرآن يناسب الحال وقال بن عبد السلام في أواخر القواعد البدعة خمسة أقسام فالواجبة كالاشتغال بالنحو الذي يفهم به كلام الله ورسوله لان حفظ الشريعة واجب ولا يتأتى الا بذلك فيكون من مقدمة الواجب وكذا شرح الغريب وتدوين أصول الفقه والتوصل إلى تمييز الصحيح والسقيم والمحرمة ما رتبه من خالف السنة من القدرية والمرجئة والمشبهة والمندوبة كل إحسان لم يعهد عينه في العهد النبوي كالاجتماع عن التراويح وبناء المدارس والربط والكلام في التصوف المحمود وعقد مجالس المناظرة ان أريد بذلك وجه الله والمباحة كالمصافحة عقب صلاة الصبح والعصر والتوسع في المستلذات من أكل وشرب وملبس ومسكن وقد يكون بعض ذلك مكروها أو خلاف الاولى والله أعلم الحديث الرابع والخامس حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في قصة العسيف قالا كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لاقضين بينكما بكتاب
[ 214 ]
الله وهذا يوهم ان الخطاب لهما وليس كذلك وانما هو لوالد العسيف والذي استأجره لما تحاكما بسبب زنا العسيف بأمرأة الذي استأجره والقدر المذكور هنا طرف من القصة المذكورة واقتصر البخاري هنا عليه لدخوله في غرضه من أن السنة يطلق عليها كتاب الله لانها بوحيه وتقديره لقوله تعالى وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى وقد تقدم تقرير ذلك مع شرح الحديث في كتاب المحاربين المتعلق ببيان الحدود الحديث السادس (6851) قوله فليح بالفاء والمهملة مصغر هو بن سليمان المدني وشيخه هلال بن علي هو الذي يقال له بن أبي ميمونة قوله كل أمتي يدخل الجنة الا من أبى بفتح الموحدة أي امتنع وظاهره ان العموم مستمر لان كلا منهم لا يمتنع م ن دخول الجنة ولذلك قالوا ومن يأبى فبين لهم أن إسناد الامتناع إليهم عن الدخول مجاز عن الامتناع عن سنته وهو عصيان الرسول صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في أول الاحكام حديث أبي ه ريرة أيضا مرفوعا من أطاعني فقد أطاع الله وتقدم شرحه مستوفى وأخرج أحمد والحاكم من طريق صالح بن كيسان عن الاعرج عن أبي هريرة رفعه لتدخلن الجنة الا من أبى وشرد على الله شراد البعير وسنده على شرط الشيخين وله شاهد عن أبي أمامة عند الطبراني وسنده جيد والموصوف بالآباء وهو الامتناع ان كان كافرا فهو لا يدخل الجنة أصلا وان كان مسلما فالمراد منعه من دخولها مع أول داخل الا من شاء الله تعالى الحديث السابع (6852) قوله محمد بن عبادة بفتح المهملة وتخفيف الموحدة واسم جده البختري بفتح الموحدة وسكون المعجمة وفتح المثناة من فوق ثقة واسطي يكنى أبا جعفر ماله في البخاري الا هذا الحديث وآخر تقدم في كتاب الادب وهو من الطبقة الرابعة من شيوخ البخاري ويزيد شيخه هو بن هارون قوله حدثنا سليم بن حيان وأثنى عليه أما سليم فبفتح المهملة وزن عظيم وأبوه بمهملة ثم تحتانيه ثقيلة والقائل وأثنى عليه هو محمد وفاعل أثنى هو يزيد قوله قال حدثنا أو سمعت القائل ذلك سعيد بن ميناء والشاك هو سليم بن حيان شك في أي الصيغتين قالها شيخه سعيد ويجوز في جابر ان يقرأ بالنصب وبالرفع والنصب أولى قوله جاءت ملائكة لم أقف على أسمائهم ولا أسماء بعضهم ولكن في رواية سعيد بن أبي هلال المعلقة عقب هذا عند الترمذي أن الذي حضر في هذه القصة جبريل وميكائيل ولفظه خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال اني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي فيحتمل انه كان مع كل منهما غيره واقتصر في هذه الرواية على من باشر الكلام منهم ابتداء وجوابا ووقع في حديث بن مسعود عند الترمذي وحسنه وصححه بن خزيمة ان النبي صلى الله عليه وسلم توسد فخذه فرقد وكان إذا نام نفخ قال فبينا أنا قاعد إذ أنا برجال عليهم ثياب بيض الله أعلم بما بهم من الجمال فجلست طائفة منهم عند رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة منهم عند رجليه قوله ان لصاحبكم هذا مثلا قال فاضربوا له مثلا كذا للاكثر وسقط لفظ قال من رواية أبي ذر قوله فقال بعضهم انه نائم إلى قوله يقظان قال الرامهرمزي هذا تمثيل يراد به حياة القلب وصحة خواطره يقال رجل يقظ إذا كان ذكي القلب وفي حديث بن مسعود فقالوا بينهم ما رأينا عبدا قط أوتي مثل ما أوتي هذا النبي ان عينيه تنامان وقلبه يقظان أضربوا له مثلا وفي رواية سعيد بن أبي هلال فقال أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا فقال اسمع سمع اذنك واعقل عقل قلبك انما مثلك ونحوه في حديث ربيعة الجرشي عند الطبراني زاد أحمد في حديث
[ 215 ]
بن مسعود فقالوا اضربوا له مثلا ونؤول أو نضرب وأولوا وفيه ليعقل قلبك قوله مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة في حديث بن مسعود مثل سيد بنى قصرا وفي رواية أحمد بنيانا حصينا ثم جعل مأدبة فدعى الناس إلى طعامه وشرابه فمن اجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه ومن لم يجبه عاقبه أو قال عذبه وفي رواية أحمد عذب عذابا شديدا والمأدبة بسكون الهمزة وضم الدال بعدها موحدة وحكى الفتح وقال بن التين عن أبي عبد الملك الضم والفتح لغتان فصيحتان وقال الرامهرمزي نحوه في حديث القرآن مأدبة الله قال وقال لي أبو موسى الحامض م ن قاله بالضم أراد الوليمة ومن قاله بالفتح أراد أدب الله الذي أدب به عباده قلت فعلى هذا يتعين الضم قوله وبعث داعيا في رواية سعيد ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه قوله فقال بعضهم أولوها له يفقهها قيل يأخذ منه حجة لاهل التعبير ان التعبير إذا وقع في المنام أعتمد عليه قال بن بطال قوله أولوها له يدل على ان الرؤيا على ما عبرت في النوم انتهى وفيه نظر لاحتمال الاختصاص بهذه القصة لكون الرائي النبي صلى الله عليه وسلم والمرئي الملائكة فلا يطرد ذلك في حق غيرهم قوله فقال بعضهم انه نائم هكذا وقع ثالث مرة قوله فقالوا الدار الجنة أي الممثل بها زاد في رواية سعيد بن أبي هلال فالله هو الملك والدار الاسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد رسول الله وفي حديث بن مسعود عند أحمد أما السيد فهو رب العالمين واما البنيان فهو الاسلام والطعام الجنة ومحمد الداعي فمن اتبعه كان في الجنة قوله فمن اطاع محمدا فقد أطاع الله أي لانه رسول صاحب المأدبة فمن اجابه ودخل في دعوته أكل من المأدبة وهو كناية عن دخول الجنة ووقع بيان ذلك في رواية سعيد ولفظه وأنت يا محمد رسول الله فمن أجابك دخل الاسلام ومن دخل الاسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل ما فيها قوله ومحمد فرق بين الناس كذا لابي ذر بتشديد الراء فعلا ماضيا ولغيره بسكون الراء والتنوين وكلاهما متجه قال الكرماني ليس المقصود من هذا التمثيل تشبيه المفرد بالمفرد بل تشبيه المركب بالمركب مع قطع النظر عن مطابقة المفردات من الطرفين انتهى وقد وقع في غير هذه الطريق ما يدل على المطابقة المذكورة زاد في حديث بن مسعود فلما استيقظ قال سمعت ما قال هؤلاء هل تدري من هم قلت الله ورسوله اعلم قال هم الملائكة والمثل الذي ضربوا الرحمن بنى الجنة ودعا إليها عباده الحديث تنبيه تقدم في كتاب الادب من وجه آخر عن سليم بن حيان بهذا الاسناد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثلي ومثل الانبياء كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها الا موضع لبنة الحديث وهو حديث آخر وتمثيل فالحديث الذي في الادب يتعلق بالنبوة وكونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وهذا يتعلق بالدعاء إلى الاسلام وبأحوال من أجاب أو امتنع وقد وهم من خلطهما كأبي نيعم في المستخرج فإنه لما ضاق عليه مخرج حديث الباب ولم يجده مرويا عنده أورد حديث اللبنة ظنا منه انهما حديث واحد وليس كذلك لما بينته وسلم الاسماعيلي من ذلك فإنه لما لم يجده في مروياته أورده من روايته عن الفربري بالاجازة عن البخاري بسنده وقد روى يزيد بن هارون بهذا السند حديث اللبنة أخرجه أبو الشيخ في كتاب الامثال من طريق أحمد بن سنان الواسطي عنه وساق بهذا السند حديث مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا الحديث لكنه عن أبي هريرة لا عن جابر وقد ذكر الرامهرمزي
[ 216 ]
حديث الباب في كتاب الامثال معلقا فقال وروى يزيد بن هارون فساق السند ولم يوصل سنده بزيد وأورد معناه من مرسل الضحاك بن مزاحم قوله تابعه قتيبة عن ليث يعني بن سعد عن خالد يعني بن يزيد وهو أبو عبد الرحيم المصري أحد الثقات قوله عن سعيد بن أبي هلال عن جابر قال خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم هكذا اقتصر على هذا القدر من الحديث وظاهره ان بقية الحديث مثله وقد بينت ما بينهما من الاختلاف وقد وصله الترمذي عن قتيبة بهذا السند ووصله أيضا الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان وأبو نعيم من طريق أبي العباس السراج كلاهما عن قتيبة ونسب السراج في روايته الليث وشيخه كما ذكرته قال الترمذي بعد تخريجه هذا حديث مرسل سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابر بن عبد الله قلت وفائدة إيراد البخاري له رفع التوهم عمن يظن ان طريق سعيد بن ميناء موقوفة لانه لم يصرح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بهذه الطريق لتصريحها ثم قال الترمذي وجاء من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد أصح من هذا قال وفي الباب عن بن مسعود ثم ساقه بسنده إلى بن مسعود وصححه وقد بينت ما فيه أيضا بحمد الله تعالى ووصف الترمذي له بأنه مرسل يريد أنه منقطع بين سعيد وجابر وقد اعتضد هذا المنقطع بحديث ربيعة الجرشي عند الطبراني فإنه ينحو سياقه وسنده جيد وسعيد بن أبي هلال غير سعيد بن ميناء الذي في السند الاول وكل منهما مدني لكن بن ميناء تابعي بخلاف بن أبي هلال والجمع بينهما اما بتعدد المرئي وهو واضح أو بأنه منام واحد حفظ فيه بعض الرواة ما لم يحفظ غيره وتقدم طريق الجمع بين اقتصاره على جبريل وميكائيل في حديث وذكره الملائكة بصيغة الجمع في الجانبين الدال على الكثرة في آخر وظاهر رواية سعيد بن أبي هلال ان الرؤيا كانت في بيت النبي صلى الله عليه وسلم لقوله خرج علينا فقال اني رأيت في المنام وفي حديث بن مسعود ان ذلك كان بعد أن خرج إلى الجن فقرأ عليهم ثم أغفى عند الصبح فجاؤوا إليه حينئذ ويجمع بان الرؤيا كانت على ما وصف بن مسعود فلما رجع إلى منزله خرج على أصحابه فقصها وما عدا ذلك فليس بينهما منافاة إذ وصف الملائكة برجال حسان يشير إلى انهم تشكلوا بصورة الرجال وقد أخرج أحمد والبزار والطبراني من طريق علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن بن عباس نحو أول حديث سعيد بن أبي هلال لكن لم يسم الملكين وساق المثل على غير سياق من تقدم قال ان مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به فبينما هم كذلك إذا أتاهم رجل فقال أرأيتم ان وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أتتبعوني قالوا نعم فانطلق بهم فأوردهم فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم ان بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه وحياضا أروى من هذه فاتبعوني فقالت طائفة صدق والله لنتبعنه وقالت طائفة قد رضينا بهذا نقيم عليه وهذا ان كان محفوظا قوى الحمل على التعدد اما للمنام واما لضرب المثل ولكن علي بن زيد ضعيف من قبل حفظه قال بن العربي في حديث بن مسعود ان المقصود المأدبة وهو ما يؤكل ويشرب ففيه رد على الصوفية الذين يقولون لا مطلوب في الجنة الا الوصال والحق ان لا وصال لنا الا بانقضاء الشهوات الجثمانية والنفسانية والمحسوسة والمعقولة وجماع ذلك كله في الجنة انتهى وليس ما ادعاه من الرد بواضح قال وفيه ان من أجاب الدعوة أكرم ومن لم يجبها أهين وهو خلاف قولهم من دعوناه فلم
[ 217 ]
يجبنا فله الفضل علينا فان أجابنا فلنا الفضل عليه فإنه مقبول في النظر واما حكم العبد مع المولى فهو كما تضمنه هذا الحديث الحديث الثامن (6853) قوله سفيان هو الثوري وإبراهيم هو النخعي وهمام هو بن الحارث ورجال السند كلهم كوفيون قوله يا معشر القراء بضم القاف وتشديد الراء مهموز جمع قارئ والمراد بهم العلماء بالقرآن والسنة العباد وسيأتي إيضاحه في الحديث الحادي عشر قوله استقيموا أي اسلكوا طريق الاستقامة وهي كناية عن التمسك بأمر الله تعالى فعلا وتركا وقوله فيه سبقتم هو بفتح أوله كما جزم به بن التين وحكى غيره ضمه والاول المعتمد زاد محمد بن يحيى الذهلي عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه فان استقمتم فقد سبقتم أخرجه أبو نعيم في المستخرج وقوله سبقا بعيدا أي ظاهرا ووصفه بالبعد لانه غاية شأو السابقين والمراد انه خاطب بذلك من أدرك أوائل الاسلام فإذا تمسك بالكتاب والسنة سبق إلى كل خير لان من جاء بعده ان عمل بعمله لم يصل إلى ما وصل إليه من سبقه إلى الاسلام والا فهو أبعد منه حسا وحكما قوله فان أخذتم يمينا وشمالا أي خالفتم الامر المذكور وكلام حذيفة منتزع من قوله تعالى وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله والذي له حكم الرفع من حديث حذيفة هذا الاشارة إلى فضل السابقين الاولين من المهاجرين والانصار الذين مضوا على الاستقامة فاستشهدوا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أو عاشوا بعده على طريقته فاستشهدوا أو ماتوا على فرشهم الحديث التاسع حديث أبي موسى في النذير العريان وقد تقدم شرحه مستوفى في باب الانتهاء عن المعاصي من كتاب الرقاق وبريد بموحدة وراء مصغر هو بن عبد الله بن أبي بردة وأبو بردة شيخه هو جده وهو بن أبي موسى الاشعري الحديث العاشر حديث أبي هريرة في قصة أبي بكر في قتال أهل الردة وقد تقدمت الاشارة إليه قريبا (6855) قوله في آخره قال بن بكير يعني يحيى بن عبد الله بن بكير المصري وعبد الله يعني كاتب الليث وهو أبو صالح الخ ومراده ان قتيبة حدثه عن الليث بالسند المذكور فيه بلفظ لو منعوني كذا ووقع هنا في رواية الكشميهني كذا وكذا وحدثه به يحيى وعبد الله عن الليث بالسند المذكور بلفظ عناقا وقوله وهو أصبح أي من رواية من روى عقالا كما تقدمت الاشارة إليه في كتاب الزكاة أو أبهمه كالذي وقع هنا الحديث الحادي عشر (6856) قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس كما جزم به المزي واسم أبي أويس عبد الله المدني الاصبحي بن وهب هو عبد الله المصري ويونس هو بن يزيد الايدي قوله قدم عيينة بتحتانية ونون مصغرا بن حصن بكسر الحاء وسكون الصاد المهملتين ثم نون بن حذيفة بن بدر يعني الفزاري معدود في الصحابة وكان في الجاهيلة موصوفا بالشجاعة والجهل والجفاء وله ذكر في المغازي ثم أسلم في الفتح وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم
[ 218 ]
حنينا فأعطاه مع المؤلفة وإياه عني العباس بن مرداس السلمي بقوله أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والاقرع وله ذكر مع الاقرع بن حابس سيأتي قريبا في باب ما يكره من التعمق وله قصة مع أبي بكر وعمر حين سأل أبا بكر ان يعطيه أرضا يقطعه إياها فمنعه عمر وقد ذكره البخاري في التاريخ الصغير وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الاحمق المطاع وكان عيينة ممن وافق طليحة الاسدي لما ادعى النبوة فلما غلبهم المسلمون في قتال أهل الردة فر طليحة وأسر عيينة فأتى به أبو بكر فاستتابه فتاب وكان قدومه إلى المدينة على عمر بعد ان استقام أمره وشهد الفتوح وفيه من جفاء الاعراب شئ قوله على بن أخيه الحر بلفظ ضد العبد وقيس والد الحر لم أر له ذكرا في الصحابة وكأنه مات في الجاهلية والحر ذكره في الصحابة أبو علي بن السكن وابن شاهين وفي العتبية عن مالك قدم عيينة بن حصن المدينة فنزل على بن أخ له أعمى فبات يصلي فلما أصبح غدا إلى المسجد فقال عيينة كان بن أخي عندي أربعين سنة لا يطيعني فما أسرع ما أطاع قريشا وفي هذا اشعار بأن أباه مات في الجاهلية قوله وكان من النفر الذين يدنيهم عمر بينا بعد ذلك السبب بقوله وكان القراء أي العلماء العباد أصحاب مجلس عمر فدل على ان الحر كان متصفا بذلك وتقدم في آخر سورة الاعراف ضبط قوله أو شبانا وانه بالوجهين وقوله ومشاورته بالشين المعجمة وبفتح الواو ويجوز كسرها قوله هل لك وجه عند هذا الامير هذا من جملة جفاء عيينة إذ كان من حقه ان ينعته بأمير المؤمنين ولكنه لا يعرف منازل الاكابر قوله فتستأذن لي عليه أي في خلوة والا فعمر كان لا يحتجب الا وقت خلوته وراحته ومن ثم قال له سأستأذن لك عليه أي حتى تجتمع به وحدك قوله قال بن عباس فاستأذن لعيينة أي الحر وهو موصول بالاسناد المذكور قوله فلما دخل قال يا بن الخطاب في رواية شعيب عن الزهري الماضية في آخر تفسير الاعراف فقال هي بكسر ثم سكون وفي بعضها هيه بكسر الهاءين بينهما تحتانية ساكنة قال النووي بعد ان ضبطها هكذا هي كلمة تقال في الاستزادة ويقال بالهمزة بدل الهاء الاولى وسبق إلى ذلك قاسم بن ثابت في الدلائل كما نقله صاحب المشارق فقال في قول بن الزبير أيها قوله إيه بهمز مكسور مع التنوين كلمة استزادة من حديث لا يعرف وتقول أيها عنا بالنصب أي كف قال وقال يعقوب يعني بن السكيت تقول لمن استزدته من عمل أو حديث ايه فان وصلت نونت فقلت ايه ح دثنا وحكاه كذا في النهاية وزاد فإذا قلت إيها بالنصب فهو أمر بالسكوت وقال الليث قد تكون كلمة استزادة وقد تكون كلمة زجر كما يقال ايه عنا أي كف وقال الكرماني هيه هنا بكسر الهاء الاولى وفي بعض النسخ بهمزة بدلها وهو من أسماء الافعال تقال لمن تستزيده كذا قال ولم يضبط الهاء الثانية ثم قال وفي بعض النسخ هي بحذف الهاء الثانية والمعنى واحد أو هو ضمير لمحذوف أي هي داهية أو القصة هذه انتهى واقتصر شيخنا بن الملقن في شرحه على قوله هي يا بن الخطاب بمعنى التهديد وله ووقع في تنقيح الزركشي فقال هئ يا بن الخطاب بكسر الهاء وآخره همزة مفتوحة تقول للرجل إذا استزدته هيه وايه انتهى وقوله وآخره همزة مفتوحة لا وجه له ولعله من الناسخ أو سقط من كلامه شئ والذي يقتضيه السياق انه أراد بهذة الكلمة الزجر وطلب الكف لا الازدياد وقد تقدم شئ من الكلام على هذه الكلمة في مناقب عمر وقوله يا بن الخطاب
[ 219 ]
هذا أيضا من جفائه حيث خاطبه بهذه المخاطبة وقوله والله ما تعطينا الجزل بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها لام أي الكثير وأصل الجزل ما عظم من الحطب قوله ولا تحكم في رواية غير الكشميهني وما بالميم بدل اللام قوله حتى هم بان يقع به أي يضربه وفي رواية شعيب عن الزهري في التفسير حتى هم به وفي رواية فيه حتى هم أن يوقع به قوله فقال الحر يا أمير المؤمنين في رواية شعيب المذكورة فقال له الحر وفي رواية الاسماعيلي من طريق بشر بن شعيب عن أبيه عن الزهري فقال الحر بن قيس قلت يا أمير المؤمنين وهذا يقتضي ان يكون من رواية بن عباس عن الحر وأنه ما حضر القصة بل حملها عن صاحبها وهو الحر وعلى هذا فينبغي ان يترجم للحر في رجال البخاري ولم أر من فعله قوله ان الله قال لنبيه فذكر الآية ثم قال وان هذا من الجاهلين أي فأعرض عنه قوله فوالله ما جاوزها هو كلام بن عباس فيما أظن وجزم شيخنا بن الملقن بأنه كلام الحر وهو محتمل ويؤيده رواية الاسماعيلي المشار إليها ومعنى ما جاوزها ما عمل بغير ما دلت عليه بل عمل بمقتضاها ولذلك قال وكان وقافا عند كتاب الله أي يعمل بما فيه ولا يتجاوزه وفي هذا تقوية لما ذهب إليه الاكثر ان هذه الآية محكمة قال الطبري بعد أن أورد أقوال السلف في ذلك وان منهم من ذهب إلى انها منسوخة بآية القتال والاولى بالصواب انها غير منسوخة لان الله اتبع ذلك تعليمه نبيه محاجة المشركين ولا دلالة على النسخ فكأنها نزلت لتعريف النبي صلى الله عليه وسلم عشرة من لم يؤمر بقتاله من المشركين أو أريد به تعليم المسلمين وأمرهم بأخذ العفو من أخلاقهم فيكون تعليما من الله لخلقه صفة عشرة بعضهم بعضا فيما ليس بواجب فاما الواجب فلا بد من عمله فعلا أو تركا انتهى ملخصا وقال الراغب خذ العفو معناه خذ ما سهل تناوله وقيل تعاط العفو مع الناس والمعنى خذ ما عفى لك من أفعال الناس وأخلاقهم وسهل من غير كلفة ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى ينفروا وهو كحديث يسروا ولا تعسروا ومنهم قول الشاعر خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سوأتي حين أغضب وأخرج بن مردويه من حديث جابر وأحمد بن حديث عقبة بن عامر لما نزلت هذه الآية سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل فقال يا محمد ان ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك فقال النبي صلى الله عليه وسلم الا أدلكم على أشرف أخلاق الدنيا والآخرة قالوا وما ذاك فذكره قال الطببي ما ملخصه أمر الله نبيه في هذه الآية بمكارم الاخلاق فأمر أمته بنحو ما أمره الله به ومحصلهما الامر بحسن المعاشرة مع الناس وبذل الجهد في الاحسان إليهم والمدارة معهم والاغضاء عنهم وبالله التوفيق وقد تقدم الكلام على معنى العرف المأمور به في الآية مستوفى في التفسير الحديث الثاني عشر (6857) قوله حين خسفت الشمس في رواية المستملى كسفت وقوله فاجبناه في رواية الكشميهني فأجبنا وآمنا أي فأجبنا محمدا وآمنا بما جاء به وقد تقدم شرح حديث أسماء بنت أبي بكر هذا مستوفى في صلاة الكسوف الحديث الثالث عشر (6858) قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس كما جزم به الحافظ أبو إسماعيل الهروي وذكر في كتابه ذم الكلام انه تفرد به عن مالك وتابعه على روايته عن مالك عبد الله بن وهب كذا قال وقد ذكر الدارقطني معهما إسحاق بن محمد الفروي وعبد العزيز الاويسي وهما من
[ 220 ]
شيوخ البخاري وأخرجه عن غرائب مالك التي ليست في موطأ من طرق هؤلاء الاربعة ومن طريق أبي قرة موسى بن طارق ومن طريق الوليد بن مسلم ومن طريق محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة ثلاثتهم عن مالك أيضا فكلموا سبعة ولم يخرج البخاري الا في هذا الموضع من رواية مالك عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة وأخرجه مسلم من رواية المغيرة بن عبد الرحمن وسفيان وأبو عوانة من رواية ورقاء ثلاثتهم عن أبي الزناد ومسلم من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومن رواية همام بن منبه ومن رواية أبي صالح ومن رواية محمد بن زياد وأخرجه الترمذي من رواية أبي صالح كلهم عن أبي هريرة وسأذكر ما في روايتهم من فائدة زائدة قوله دعوني في رواية مسلم ذروني وهي بمعنى دعوني وذكر مسلم سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد فقال عن أبي هريرة خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم الحديث وأخرجه الدارقطني مختصرا وزاد فيه فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم وله شاهد عن بن عباس عند الطبري في التفسير وفيه لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم فاتركوني ما تركتكم الحديث وفيه فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم الآية وسيأتي بسط القول فيما يتعلق بالسؤال في الباب الذي يليه ان شاء الله تعالى قوله ما تركتكم أي مدة تركي إياكم بغير أمر بشئ ولا نهي عن شئ وانما غاير بين اللفظين لانهم أماتوا الفعل الماضي واسم الفاعل منهما واسم مفعولهما وأثبتوا الفعل المضارع وهو يذر وفعل الامر وهو ذر ومثله دع ويدع ولكن سمع ودع كما قرئ به في الشاذ في قوله تعالى ما ودعك ربك وما قلى قرأ بذلك إبراهيم بن أبي عبلة وطائفة وقال الشاعر ونحن ودعنا آل عمرو بن عامر فرائس أطراف المثقفة السمر ويحتمل ان يكون ذكر ذلك على سبيل التفنن في العبارة الا لقال اتركوني والمراد بهذا الامر ترك السؤال عن شئ لم يقع خشية أن ينزل به وجوبه أو تحريمه وعن كثرة السؤال لما فيه غالبا من التعنت وخشية أن تقع الاجابة بأمر يستثقل فقد يؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة قال بن فرج معنى قوله ذروني ما تركتكم لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه ما ظهر ولو كانت صالحة لغيره كما أن قوله حجوا وان كان صالحا للتكرار فينبغي ان يكتفى بما يصدق عليه اللفظ وهو المرة فان الاصل عدم الزيادة ولا تكثروا التنقيب عن ذلك لانه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل إذا أمروا ان يذبحوا البقرة فلو ذبحوا أي بقرة كانت لامتثلوا ولكنهم شددوا فشدد عليهم وبهذا تظهر مناسبة قوله فانما هلك من كان قبلكم إلى آخره بقوله ذروني ما تركتكم وقد أخرج البزار وابن أبي حاتم في تفسيره من طريق أبي رافع عن أبي هريرة مرفوعا لو اعترض بنو إسرائيل أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم وفي السند عباد بن منصور وحديثه من قبيل الحسن وأورده الطبري عن بن عباس موقوفا عن أبي العالية مقطوعا واستدل به على ان لا حكم قبل ورود الشرع وان الاصل في الاشياء عدم الوجوب قوله فانما أهلك بفتحات وقال بعد ذلك سؤالهم بالرفع على انه فاعل
[ 221 ]
أهلك وفي رواية غير الكشميهني أهلك بضم أوله وكسر اللام وقال بعد ذلك بسؤالهم أي بسبب سؤالهم وقوله واختلافهم بالرفع وبالجر على الوجهين ووقع في رواية همام عند أحمد بلفظ فانما هلك وفيه بسؤالهم ويتعين الجر في واختلافهم وفي رواية الزهري فانما هلك وفيه سؤالهم ويتعين الرفع في واختلافهم وأما قول النووي في أربعينه واختلافهم برفع الفاء لا بكسرها فإنه باعتبار الرواية التي ذكرها وهي التي من طريق الزهري قوله فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه في رواية محمد بن زياد فانتهوا عنه هكذا رأيت هذا الامر على تلك المقدمة والمناسبة فيه ظاهرة ووقع في أول رواية الزهري المشار إليها ما نهيتكم عنه فاجتنبوه فاقتصر عليها النووي في الاربعين وعزا الحديث للبخاري ومسلم فتشاغل بعض شراح الاربعين بمناسبة تقديم النهي على ما عداه ولم يعلم ان ذلك من تصرف الرواة وان اللفظ الذي أورده البخاري هنا أرجح من حيث الصناعة الحديثية لانهما اتفقا على إخراج طريق أبي الزناد دون طريق الزهري وان كان سند الزهري مما عد في أصح الاسانيد فان سند أبي الزناد أيضا مما عد فيها فاستويا وزادت رواية أبي الزناد اتفاق الشيخين وظن القاضي تاج الدين في شرح المختصر ان الشيخين اتفقا على هذا اللفظ فقال بعد قول بن الحاجب الندب أي احتج من قال ان الامر للندب بقوله إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم فقال الشارح رواه البخاري ومسلم ولفظهما وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم وهذا انما هو لفظ مسلم وحده ولكنه اغتر بما ساقه النووي في الاربعين ثم ان هذا النهي عام في جميع المناهي ويستثنى ما يكره المكلف على فعله كشرب الخمر وهذا على رأي الجمهور وخالف قوم فتمسكوا بالعموم فقالوا الاكراه على ارتكاب المعصية لا يبيحها والصحيح عدم المؤاخذة إذا وجدت صورة الاكراه المعتبرة واستثنى بعض الشافعية من ذلك الزنا فقال لا يتصور الاكراه عليه وكأنه أراد التمادي فيه والا فلا مانع ان ينعظ الرجل بغير سبب فيكره على الايلاج حينئذ فيولج في الأجنبية فان مثل ذلك ليس بمحال ولو فعله مختارا لكان زانيا فتصور الاكراه على الزنا واستدل به من قال لا يجوز التداوي بشئ محرم كالخمر ولا دفع العطش به ولا اساغة لقمة من غص به والصحيح عند الشافعية جواز الثالث حفظا للنفس فصار كأكل الميتة لمن اضطر بخلاف التداوي فإنه ثبت النهي عنه نصا ففي مسلم عن وائل رفعه انه ليس بدواء ولكنه داء ولابي داود عن أبي الدرداء رفعه ولا تداووا بحرام وله عن أم سلمة مرفوعا ان الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها وأما العطش فإنه لا ينقطع بشربها ولانه في معنى التداوي والله اعلم والتحقيق أن الامر باجتناب المنهي على عمومه ما لم يعارضه اذن في ارتكاب منهي كأكل الميتة للمضطر وقال الفاكهاني لا يتصور امتثال اجتناب المنهي حتى يترك جميعه فلو اجتنب بعضه لم يعد ممتثلا بخلاف الامر يعني المطلق فان من أتى بأقل ما يصدق عليه الاسم كان ممتثلا انتهى ملخصا وقد أجاب هنا بن فرج بأن النهي يقتضي الامر فلا يكن ممتثلا لمقتضى النهي حتى لا يفعل واحدا من آحاد ما يتناوله النهي بخلاف الامر فإنه على عكسه ومن ثم نشأ الخلاف هل الامر بالشئ نهي عن ضده وبان النهي عن الشئ أمر بضده قوله وإذا أمرتكم بشئ في رواية مسلم بأمر فأتوا منه ما استطعتم أي افعلوا قدر استطاعتكم ووقع في رواية الزهري وما أمرتكم به وفي رواية همام المشار إليها وإذا امرتكم بالامر فأتمروا
[ 222 ]
ما استطعتم وفي رواية محمد بن زياد فافعلوا قال النووي هذا من جوامع الكلم وقواعد الاسلام ويدخل فيه كثير من الاحكام كالصلاة لمن عجز عن ركن منها أو شرط فيأتي بالمقدور وكذا الوضوء وستر العورة وحفظ بعض الفاتحة واخراج بعض زكاة الفطر لمن لم يقدر على الكل والامساك في رمضان لمن أفطر بالعذر ثم قدر في اثناء النهار إلى غير ذلك من المسائل التي يطول شرحها وقال غيره فيه ان من عجز عن بعض الامور لا يسقط عنه المقدور وعبر عنه بعض الفقهاء بأن الميسور لا يسقط بالمعسور كما لا يسقط ما قدر عليه من أركان الصلاة بالعجز عن غيره وتصح توبة الاعمى عن النظر المحرم والمجبوب عن الزنا لان الاعمى والمجبوب قادران على الندم فلا يسقط عنهما بعجزهما عن العزم على عدم العود إذ لا يتصور منهما العود عادة فلا معنى للعزم على عدمه واستدل به على أن من أمر بشئ فعجز عن بعضه ففعل المقدور انه يسقط عنه ما عجز عنه وبذلك استدل المزني على ان ما وجب اداؤه لا يجب قضاؤه ومن ثم كان الصحيح ان القضاء بأمر جديد واستدل بهذا الحديث على ان اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات لانه اطلق الاجتناب في المنهيات ولو مع المشقة في الترك وقيد في المأمورات بقدر الطاقة وهذا منقول عن الامام أحمد فان قيل ان الاستطاعة معتبرة في النهي أيضا إذ لا يكلف الله نفسا الا وسعها فجوابه ان الاستطاعة تطلق باعتبارين كذا قيل والذي يظهر ان التقييد في الامر بالاستطاعة لا يدل على المدعي من الاعتناء به بل هو من جهة الكف إذ كل أحد قادر على الكف لو لا داعية الشهوة مثلا فلا يتصور عدم الاستطاعة عن الكف بل كل مكلف قادر على الترك بخلاف الفعل فان العجز عن تعاطيه محسوس فمن ثم قيد في الامر بحسب الاستطاعة دون النهي وعبر الطوفي في هذا الموضع بان ترك المنهي عنه عبارة عن استصحاب حال عدمه أو الاستمرار على عدمه وفعل المأمور به عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود وقد نوزع بأن القدرة على استصحاب عدم المنهي عنه قد تتخلف واستدل له بجواز أكل المضطر الميتة وأجيب بان النهي في هذا عارضه الاذن بالتناول في تلك الحالة وقال بن فرج في شرح الاربعين قوله فاجتنبوه هو على إطلاقه حتى يوجد ما يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة وشرب الخمر عند الاكراه والاصل في ذلك جواز التلفظ بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنا بالايمان كما نطق به القرآن انتهى والتحقيق ان المكلف في ذلك كله ليس منهيا في تلك الحال وأجاب الماوردي بان الكف عن المعاصي ترك وهو سهل وعمل الطاعة فعل وهو يشق فلذلك لم يبح ارتكاب المعصية ولو مع العذر لانه ترك والترك لا يعجز المعذور عنه وأباح ترك العمل بالعذر لان العمل قد يعجز المعذور عنه وادعى بعضهم ان قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم يتناول امتثال المأمور واجتناب المنهي وقد قيد بالاستطاعة واستويا فحينئذ يكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الامر دون النهي ان العجز يكثر تصوره في الامر بخلاف النهي فان تصور العجز فيه محصور في الاضطرار وزعم بعضهم ان قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم نسخ بقوله تعالى فاتقوا الله حق تقاته والصحيح ان لا نسخ بل المراد بحق تقاته امتثال أمره واجتناب نهيه مع القدرة لا مع العجز واستدل به على أن المكروه يجب اجتنابه لعموم الامر باجتناب المنهي عنه فشمل الواجب والمندوب وأجيب بأن قوله فاجتنبوه يعمل به في الايجاب والندب بالاعتبارين ويجئ مثل هذا السؤال وجوابه في الجانب
[ 223 ]
الآخر وهو الامر وقال الفاكهاني النهي يكون تارة مع المانع من النقيض وهو المحرم وتارة لا معه وهو المكروه وظاهر الحديث يتناولهما واستدل به على ان المباح ليس مأمورا به لان التأكيد في الفعل انما يناسب الواجب والمندوب وكذا عكسه وأجيب بان من قال المباح مأمور به لم يرد الامر بمعنى الطلب وانما أراد بالمعنى الاعم وهو الاذن واستدل به على ان الامر لا يقتضي التكرار ولا عدمه وقيل يقتضيه وقيل يتوقف فيما زاد على مرة وحديث الباب قد يتمسك به لذلك لما في سببه ان السائل قال في الحج أكل عام فلو كان مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه لم يحسن السؤال ولا العناية بالجواب وقد يقال انما سأل استظهارا واحتياطا وقال المازري يحتمل ان يقال ان التكرار انما احتمل من جهة ان الحج في اللغة قصد فيه تكرار فاحتمل عند السائل التكرار من جهة اللغة لا من صيغة الامر وقد تمسك به من قال بايجاب العمرة لان الامر بالحج إذا كان معناه تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق وقد ثبت في الاجماع ان الحج لا يجب الا مرة فيكون العود إليه مرة أخرى دالا على وجوب العمرة واستدل به على ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في الاحكام لقوله ولو قلت نعم لوجبت وأجاب من منع باحتمال ان يكون أوحي إليه ذلك في الحال واستدل به على ان جميع الاشياء على الاباحة حتى يثبت المنع من قبل الشارع واستدل به على النهي عن كثرة المسائل والتعمق في ذلك قال البغوي في شرح السنة المسائل على وجهين أحدهما ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين فهو جائز بل مأمور به لقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر الآية وعلى ذلك تتنزل أسئلة الصحابة عن الانفال والكلالة وغيرهما ثانيهما ما كان على وجه التعنت والتكلف وهو المراد في هذا الحديث والله اعلم ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك وذم السلف فعند أحمد من حديث معاوية ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاغلوطات قال الاوزاعي هي شداد المسائل وقال الاوزاعي أيضا ان الله إذا أراد ان يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط فلقد رأيتهم أقل الناس علما وقال بن وهب سمعت مالكا يقول المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل وقال بن العربي كان النهي عن السؤال في العهد النبوي خشية ان ينزل ما يشق عليهم فاما بعد فقد أمن ذلك لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع قال وانه لمكروه إن لم يكن حراما الا للعلماء فانهم فرعوا ومهدوا فنفع الله من بعدهم بذلك ولا سيما مع ذهاب العلماء ودروس العلم انتهى ملخصا وينبغي ان يكون محل الكراهة للعالم إذا شغله ذلك عما هو أعم منه وكان ينبغي تلخيص ما يكثر وقوعه مجردا عما يندر ولا سيما في المختصرات ليسهل تناوله والله المستعان وفي الحديث إشارة إلى الاشتغال بالاهم المحتاج إليه عاجلا عما لا يحتاج إليه في الحال فكأنه قال عليكم بفعل الاوامر واجتناب النواهي فاجعلوا اشتغالكم بها عوضا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع فينبغي للمسلم ان يبحث عما جاء عن الله ورسوله ثم يجتهد في تفهم ذلك والوقوف على المراد به ثم يتشاغل بالعمل به فان كان من العلميات يتشاغل بتصديقه واعتقاد حقيته وان كان من العمليات بذل وسعه في القيام به فعلا وتركا فان وجد وقتا زائدا على ذلك فلا بأس بأن يصرفه في الاشتغال بتعرف حكم ما سيقع على قصد العمل به ان لو وقع فاما ان كانت الهمة مصروفة عند سماع الامر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع
[ 224 ]
مع الاعراض عن القيام بمقتضى ما سمع فان هذا مما يدخل في النهي فالتفقه في الدين انما يحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدال وسيأتي بسط ذلك قريبا ان شاء الله تعالى (0) قوله باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه وقوله تعالى لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم كأنه يريد ان يستدل بالآية على المدعي من الكراهة وهو مصير منه إلى ترجيح بعض ما جاء في تفسيرها وقد ذكرت الاختلاف في سبب نزولها في تفسير سورة المائدة وترجيح بن المنير انه في كثرة المسائل عما كان وعما لم يكن وصنيع البخاري يقتضيه والاحاديث التي ساقها في الباب تؤيده وقد اشتد إنكار جماعة من الفقهاء ذلك منهم القاضي أبو بكر بن العربي فقال اعتقد قوم من الغافلين منع السؤال عن النوازل إلى ان تقع تعلقا بهذه الآية وليس كذلك لانها مصرحة بأن المنهي عنه ما تقع المسألة في جوابه ومسائل النوازل ليست كذلك انتهى وهو كما قال لان ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول الوحي ويؤيده حديث سعد الذي صدر به المصنف الباب من سأل عن شئ لم يحرم فحرم من أجل مسألته فان مثل ذلك قد أمن وقوعه ويدخل في معنى حديث سعد ما أخرجه البزار وقال سنده صالح وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء رفعه ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فان الله لم يكن ينسى شيئا ثم تلا هذه الآية وما كان ربك نسيا وأخرج الدارقطني من حديث أبي ثعلبة رفعه ان الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها وله شاهد من حديث سلمان أخرجه الترمذي وآخر من حديث بن عباس أخرجه أبو داود وقد أخرج مسلم وأصله في البخاري كما تقدم في كتاب العلم من طريق ثابت عن أنس قال كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ وكان يعجبنا ان يجئ الرجل الغافل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع فذكر الحديث ومضى في قصة اللعان من حديث بن عمر فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها ولمسلم عن النواس بن سمعان قال أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة بالمدينة ما يمنعني من الهجرة الا المسألة كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ومراده انه قدم وافدا فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل خشية أن يخرج من صفة الوفد إلى استمرار الاقامة فيصير مهاجرا فيمتنع عليه السؤال وفيه إشارة إلى ان المخاطب بالنهي عن السؤال غير الاعراب وفودا كانوا أو غيرهم وأخرج أحمد عن أبي امامة قال لما نزلت يا أيها الذي آمنوا لا تسألوا عن أشياء الآية كنا قد اتقينا أن نسأله صلى الله عليه وسلم فأتينا أعرابيا فرشوناه بردا وقلنا سل النبي صلى الله عليه وسلم ولابي يعلى عن البراء ان كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشئ فأتهيب وان كنا لنتمنى الاعراب أي قدومهم ليسألوا فيسمعوهم أجوبة سؤالات الاعراب فيستفيدوها وأما ما ثبت في الاحاديث من أسئلة الصحابة فيحتمل ان يكون قبل نزول الآية ويحتمل ان النهي في الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرر حكمه أو ما لهم بمعرفته حاجة راهنة كالسؤال عن الذبح بالقصب والسؤال عن وجوب طاعة الامراء إذا امروا بغير طاعة والسؤال عن أحوال يوم القيامة وما قبلها من الملاحم والفتن والاسئلة التي في القرآن كسؤالهم عن الكلالة والخمر والميسر والقتال في الشهر الحرام واليتامى والمحيض والنساء والصيد وغير ذلك
[ 225 ]
لكن الذين تعلقوا في بالآية في كراهية كثرة المسائل عما لم يقع أخذوه بطريق الالحاق من جهة ان كثرة السؤال لما كانت سببا للتكليف بما يشق فحقها ان تجتنب وقد عقد الامام الدارمي في أوائل مسنده لذلك بابا وأورد فيه عن جماعة من الصحابة والتابعين آثارا كثيرة في ذلك منها عن بن عمر لا تسألوا عما لم يكن فاني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن وعن عمر أحرج عليكم ان تسألوا عما لم يكن فان لنا فيما كان شغلا وعن زيد بن ثابت انه كان إذا سئل عن الشئ يقول كان هذا فان قيل لا قال دعوه حتى يكون وعن أبي بن كعب وعن عمار نحو ذلك وأخرج أبو داود في المراسيل من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة مرفوعا ومن طريق طاوس عن معاذ رفعه لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها فانكم ان تفعلوا لم يزل في المسلمين من إذا قال سدد أو وفق وان عجلتم تشتت بكم السبل وهما مرسلان يقوي بعض بعضا ومن وجه ثالث عن أشياخ الزبير بن سعيد مرفوعا لا يزال في أمتي من إذا سئل سدد وأرشد حتى عما يتساءلوا عما لم ينزل الحديث نحوه قال بعض الائمة والتحقيق في ذلك ان البحث عما لا يوجد فيه نص على قسمين أحدهما ان يبحث عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها فهذا مطلوب لا مكروه بل ربما كان فرضا على من تعين عليه من المجتهدين ثانيهما ان يدقق النظر في وجوه الفروق فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع مع وجود وصف الجمع أو بالعكس بان يجمع بين متفرقين بوصف طردي مثلا فهذا الذي ذمه السلف وعليه ينطبق حديث بن مسعود رفعه هلك المتنطعون أخرجه مسلم فرأوا ان فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته ومثله الاكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الاجماع وهي نادرة الوقوع جدا فيصرف فيها زمانا كان صرفه في غيرها أولى ولا سيما ان لزم من ذلك اغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه وأشد من ذلك في كثرة السؤال البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالايمان بها مع ترك كيفيتها ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحس كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح وعن مدة هذه الامة إلى أمثال ذلك مما لا يعرف الا بالنقل الصرف والكثير منه لم يثبت فيه شئ فيجب الايمان به من غير بحث وأشد من ذلك مما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة وسيأتي مثال ذلك في حديث أبي هريرة رفعه لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله وهو ثامن أحاديث هذا الباب وقال بعض الشراح ومثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسئول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتى بالاذن ان يسأل عن السلع التي توجد في الاسواق هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه أو لا فيجيبه بالجواز فان عاد فقال أخشى أن يكون من نهب أو غصب ويكون ذلك الوقت قد وقع شئ من ذلك في الجملة فيحتاج ان يجيبه بالمنع ويقيد ذلك ان ثبت شئ من ذلك حرم وان تردد كره أو كان خلاف الاولى ولو سكت السائل عن هذا التنطع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز وإذا تقرر ذلك فمن يسد باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الاحكام التي يكثر وقوعها فإنه يقل فهمه وعلمه ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر ولا سيما ان كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة فإنه يذم فعله وهو عين الذي كرهه السلف ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل وحصل من الاحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه وعن معاني
[ 226 ]
السنة وما دلت عليه كذلك مقتصرا على ما يصلح للحجة منها فإنه الذي يحمد وينتفع به وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الامصار من التابعين فمن بعدهم حتى حدثت الطائفة الثانية فعارضتها الطائفة الاولى فكثر بينهم المراء والجدال وتولدت البغضاء وتسموا خصوما وهم من أهل دين واحد والواسط هو المعتدل من كل شئ والى ذلك يشير قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الماضي فانما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فان الاختلاف يجر إلى عدم الانقياد وهذا كله من حيث تقسيم المشتغلين بالعلم واما العمل بما ورد في الكتاب والسنة التشاغل به فقد وقع الكلام في أيهما أولى والانصاف ان يقال كلما زاد على ما هو في حق المكلف فرض عين فالناس فيه على قسمين من وجد في نفسه قوة على الفهم والتحرير فتشاغله بذلك أولى من اعراضه عنه وتشاغله بالعبادة لما فيه من النفع المتعدي ومن وجد في نفسه قصورا فاقباله على العبادة أولى لعسر اجتماع الامرين فان الاول لو ترك العلم لاوشك أن يضيع بعض الاحكام باعراضه والثاني لو أقبل على العلم وترك العبادة فاته الامران لعدم حصول الاول له واعراضه به عن الثاني والله الموفق ثم المذكور في الباب تسعة أحاديث بعضها يتعلق بكثرة المسائل وبعضها يتعلق بتكليف ما لا يعني السائل وبعضها بسبب نزول الآية الحديث الاول وهو يتعلق بالقسم الثاني وكذا الحديث الثاني والخامس (6859) قوله حدثنا سعيد هو بن أبي أيوب كذا وقع من وجهين آخرين عند الاسماعيلي وأبي نعيم وهو الخزاعي المصري يكنى أبا يحيى واسم أبي أيوب مقلاص بكسر الميم وسكون القاف وآخره مهملة كان سعيد ثقة ثبتا وقال بن يونس كان فقيها ونقل عن بن وهب انه قال فيه كان فهما قلت وروايته عن عقيل وهو بن خالد تدخل في رواية الاقران فإنه من طبقته وقد أخرج مسلم هذا الحديث من رواية معمر ويونس وابن عيينة وإبراهيم بن سعد كلهم عن بن شهاب وساقه على لفظ إبراهيم بن سعد ثم بن عيينة قوله عن أبيه في رواية يونس انه سمع سعدا قوله ان أعظم المسلمين جرما زاد في رواية مسلم ان أعظم المسلمين في المسلمين جرما قال الطيبي فيه من المبالغة انه جعله عظيما ثم فسره بقوله جرما ليدل على أنه نفسه جرم قال وقوله في المسلمين أي في حقهم قوله عن شئ في رواية سفيان أمر قوله لم يحرم زاد مسلم على الناس وله في رواية إبراهيم بن سعد لم يحرم على المسلمين وله في رواية معمر رجل سأل عن شئ ونقر عنه وهو بفتح النون وتشديد القاف بعدها راء أي بالغ في البحث عنه والاقتصاء قوله فحرم بضم أوله وتشديد الراء وزاد مسلم عليهم وله من رواية سفيان على الناس وأخرج البزار من وجه آخر عن سعد بن أبي وقاص قال كان الناس يتساءلون عن الشئ من الامر فيسألون النبي صلى الله عليه وسلم وهو حلال فلا يزالون يسألونه عنه حتى يحرم عليهم قال بن بطال عن المهلب ظاهر الحديث يتمسك به القدرية في أن الله يفعل شيئا من أجل شئ وليس كذلك بل هو على كل شئ قدير فهو فاعل السبب والمسبب كل ذلك بتقديره ولكن الحديث محمول على التحذير مما ذكر فعظم جرم من فعل ذلك لكثرة الكارهين لفعله وقال غيره أهل السنة لا ينكرون إمكان التعليل وانما ينكرون وجوبه فلا يمتنع ان يكون المقدر الشئ الفلاني تتعلق به الحرمة ان سئل عنه فقد سبق القضاء بذلك لا ان السؤال علة التحريم وقال بن التين قيل الجرم اللاحق به الحاق المسلمين المضرة لسؤاله وهي منعهم التصرف فيما كان حلالا قبل مسألته
[ 227 ]
وقال عياض المراد بالجرم هنا الحدث على المسلمين لا الذي هو بمعنى الاثم المعاقب عليه لان السؤال كان مباحا ولهذا قال سلوني وتعقبه النووي فقال هذا الجواب ضعيف بل باطل والصواب الذي قاله الخطابي والتيمي وغيرهما أن المراد بالجرم الاثم والذنب وحملوه على من سأل تكلفا وتعنتا فيما لا حاجة له به إليه وسبب تخصيصه ثبوت الامر بالسؤال عما يحتاج إليه لقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر فمن سأل عن نازلة وقعت له لضرورته إليها فهو معذور فلا اثم عليه ولا عتب فكل من الامر بالسؤال والزجر عنه مخصوص بجهة غير الاخرى قال ويؤخذ منه ان من عمل شيئا أضر به غيره كان آثما وسبك منه الكرماني سؤالا وجوابا فقال السؤال ليس بجريمة ولئن كانت فليس بكبيرة ولئن كانت فليس بأكبر الكبائر وجوابه ان السؤال عن الشئ بحيث يصير سببا لتحريم شئ مباح هو أعظم الجرم لانه صار سببا لتضييق الامر على جميع المكلفين فالقتل مثلا كبيرة ولكن مضرته راجعة إلى المقتول وحده أو إلى من هو منه بسبيل بخلاف صورة المسألة فضررها عام للجميع وتلقى هذا الاخير من الطيبي استدلالا وتمثيلا وينبغي ان يضاف إليه ان السؤال المذكور انما صار كذلك بعد ثبوت النهي عنه فالاقدام عليه حرام فيترتب عليه الاثم ويتعدى ضرره بعظم الاثم والله أعلم ويؤيد ما ذهب إليه الجماعة من تأويل الحديث المذكور ما أخرجه الطبري من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة انه صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله عن الحج أفي كل عام لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ثم تركتم لضللتم وله من طريق أبي عياض عن أبي هريرة ولو تركتموه لكفرتم وبسند حسن عن أبي امامة مثله وأصله في مسلم عن أبي هريرة بدون الزيادة وإطلاق الكفر اما على من جحد الوجوب فهو على ظاهره واما على من ترك مع الاقرار فهو على سبيل الزجر والتغليظ ويستفاد منه عظم الذنب بحيث يجوز وصف من كان السبب في وقوعه بأنه وقع في أعظم الذنوب كما تقدم تقريره والله اعلم وفي الحديث ان الاصل في الاشياء الاباحة حتى يرد الشرع بخلاف ذلك الحديث الثاني (6860) قوله حدثنا إسحاق هو بن منصور لقوله حدثنا عفان وإسحاق بن راهويه انما يقول انا ولان أبا نعيم أخرجه من طريق أبي خيثمة عن عفان ولو كان في مسند إسحاق لما عدل عنه قوله اتخذ حجرة بالراء للاكثر والمستملي بالزاي وهما بمعنى قوله من صنيعكم في رواية السرخسي صنعكم بضم أوله وسكون النون وهما بمعنى وقد تقدم بعض من شرح هذا الحديث في الباب الذي قبل باب إيجاب التكبير فذكر أبواب صفة الصلاة وساقه هناك عن عبد الاعلى عن وهيب وتقدمت سائر فوائده في شرح حديث عائشة في معناه في باب ترك قيام الليل من أبواب التهجد ولله الحمد والذي يتعلق بهذه الترجمة من هذا الحديث ما يفهم من إنكاره صلى الله عليه وسلم ما صنعوا من تكلف ما لم يأذن لهم فيه من التجميع في المسجد في صلاة الليل الحديث الثالث وهو يتعلق بالقسم الاول وكذا الرابع والثامن والتاسع حديث أبي موسى قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها فلما أكثروا عليه المسألة غضب عرف من هذه الاسئلة ما تقدم في تفسير المائدة في بيان المسائل المرادة بقوله تعالى لا تسألوا عن أشياء ومنها سؤال من سأل أين ناقتي وسؤال من سأل عن البحيرة والسائبة وسؤال من سأل عن وقت الساعة وسؤال من سأل عن الحج أيجب كل عام وسؤال من سأل ان يحول الصفا ذهبا وقد وقع في حديث أنس من رواية هشام
[ 228 ]
وغيره عن قتادة عنه في الدعوات وفي الفتن سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة ومعنى أحفوه وهو بالمهملة والفاء أكثروا عليه حتى جعلوه كالحافي يقال أحفاه في السؤال إذا ألح عليه (6861) قوله وقال سلوني في حديث أنس المذكور فصعد المنبر فقال لا تسألوني عن شئ الا بينته لكم وفي رواية سعيد بن بشير عند قتادة عن أبي حاتم فخرج ذات يوم حتم صعد المنبر وبين في رواية الزهري المذكورة في هذا الباب وقت وقوع ذلك وانه بعد أن صلى الظهر ولفظه خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة ثم قال من أحب ان يسأل عن شئ فليسأل عنه فذكر نحوه قوله فقام رجل فقال يا رسول الله من أبي بين في حديث أنس من رواية الزهري أسمه وفي رواية قتادة سبب سؤاله قال فقام رجل كان إذا لاحى أي خاصم دعى إلى غير أبيه وذكرت اسم السائل الثاني وانه سعد واني نقلته من ترجمة سهيل بن أبي صالح من تمهيد بن عبد البر وزاد في رواية الزهري الآتية بعد حديثين فقام إليه رجل فقال أين مدخلي يا رسول الله قال النار ولم أقف على اسم هذا الرجل في شئ من الطرق كأنهم ابهموه عمدا للستر عليه وللطبراني من حديث أبي فراس الاسلمي نحوه وزاد وسأله رجل في الجنة أنا قال في الجنة ولم أقف على اسم هذا الآخر ونقل بن عبد البر عن رواية مسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته لا يسألني أحد عن شئ الا أخبرته ولو سألني عن أبيه فقام عبد الله بن حذافة وذكر فيه عتاب أمه له وجوابه وذكر فيه فقام رجل فسأل عن الحج فذكره وفيه فقام سعد مولى شيبة فقال من أنا يا رسول الله قال أنت سعد بن سالم مولى شيبة وفيه فقام رجل من بني أسد فقال أين أنا قال في النار فذكر قصة عمر قال فنزلت يا أيها الذي آمنوا لا تسألوا عن أشياء الآية ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال وكثرة السؤال وبهذه الزيادة يتضح ان هذه القصة سبب نزول لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم فان المساءة في حق هذا جاءت صريحة بخلافها في حق عبد الله بن حذافة فانها بطريق الجواز أي لو قدر انه في نفس الامر لم يكن لابيه فبين أباه الحقيقي لافتضحت أمه كما صرحت بذلك أمه حين عاتبته على هذا السؤال كما تقدم في كتاب الفتن قوله فلما رأى عمر ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغضب بين في حديث أنس ان الصحابة كلهم فهموا ذلك ففي رواية هشام فإذا كل رجل لافا رأسه في ثوبه يبكي وزاد في رواية سعيد بن بشير وظنوا ان ذلك بين يدي أمر قد حضر وفي رواية موسى بن أنس عن أنس الماضية في تفسير المائدة فغطوا رؤوسهم لهم حنين زاد مسلم من هذا الوجه فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كان أشد منه قوله فقال انا نتوب إلى الله عزوجل زاد في رواية الزهري فبرك عمر على ركبته فقال رضينا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا وفي رواية قتادة من الزيادة نعوذ بالله من شر الفتن وفي مرسل السدي عند الطبري في نحو هذه القصة فقام إليه عمر فقبل رجله وقال رضينا بالله ربا فذكر مثله وزاد وبالقرآن إماما فاعف عفى الله عنك فلم يزل به حتى رضي وفي هذا الحديث غير ما يتعلق بالترجمة مراقبة الصحابة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وشدة اشفاقهم إذا غضب خشية أن يكون لامر يعم فيعمهم وادلال عمر عليه وجواز تقبيل رجل الرجل وجواز الغضب في الموعظة وبروك الطالب بين يدي من يستفيد منه وكذا التابع بين يدي المتبوع إذا سأله في حاجة ومشروعية التعوذ من الفتن عند
[ 229 ]
وجود شئ قد يظهر منه قرينة وقوعها واستعمال المزاوجة في الدعاء في قوله اعف عفى الله عنك والا فالنبي صلى الله عليه وسلم معفو عنه قبل ذلك قال بن عبد البر سئل مالك عن معنى النهي من كثرة السؤال فقال ما أدري أنهى عن الذي أنتم فيه من السؤال عن النوازل أو عن مسألة الناس المال قال بن عبد البر الظاهر الاول واما الثاني فلا معنى للتفرقة بين كثرته وقلته لا حيث يجوز ولا حيث لا يجوز قال وقيل كانوا يسألون عن الشئ ويلحون فيه إلى ان يحرم قال وأكثر العلماء على ان المراد كثرة السؤال عن النوازل والاغلوطيات والتوليدات كذا قال وقد تقدم الالمام بشئ من ذلك في كتاب العلم الحديث الرابع (6862) قوله حدثنا موسى هو بن إسماعيل وعبد الملك هو بن عمير قوله وكتب إليه هو معطوف على قوله فكتب إليه وهو موصول بالسند المذكور وقد أفرد كثير من الرواة أحد الحديثين عن الآخر والغرض من إيراده هنا انه كان ى نهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وقد تقدم البحث في المراد بكثرة السؤال في كتاب الرقاق هل هو خاص بالمال أو بالاحكام أو لاعم من ذلك والاولى حمله على العموم لكن فيما ليس للسائل به احتياج كما تقدم ذكره وتقدم شرح الحديث الاول في الدعوات والثاني في الرقاق الحديث الخامس (6863) قوله عن أنس كنا عند عمر فقال نهينا عن التكلف هكذا أورده مختصرا وذكر الحميدي انه جاء في رواية أخرى عن ثابت عن أنس ان عمر قرأ فاكهة وأبا فقال ما الاب ثم قال ما كلفنا أو قال ما أمرنا بهذا قلت هو عند الاسماعيلي من رواية هشام عن ثابت وأخرجه من طريق يونس بن عبيد عن ثابت بلفظ ان رجلا سأل عمر بن الخطاب عن قوله وفاكهة وأبا ما الاب فقال عمر نهينا عن التعمق والتكلف وهذا أولى أن يكمل به الحديث الذي أخرجه البخاري وأولى منه ما أخجره أبو نعيم في المستخرج من طريق أبي مسلم الكجي عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه ولفظه عن أنس كنا عند عمر وعليه قميص في ظهره أربع رقاع فقرأ وفاكهة وأبا فقال هذه الفاكهة قد عرفناها فما الاب ثم قال مه نهينا عن التكلف وقد أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن سليمان بن حرب بهذا السند مثله سواء وأخرجه أيضا عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة بدل حماد بن زيد وقال بعد قوله فما الاب ثم قال يا بن أم عمر ان هذا له التكلف وما عليك أن لا تدري ما الاب وسليمان بن حرب سمع من الحمادين لكنه اختص بحماد بن زيد فإذا أطلق قوله حدثنا حماد فهو بن زيد وإذا روى عن حماد بن سلمة نسبه وأخرج عبد بن حميد أيضا من طريق صالح بن كيسان عن الزهري عن أنس أنه أخبره انه سمع عمر يقول فأنبتنا فيه حبا وعنبا الآية إلى قوله وأبا قال كل هذا قد عرفناه فما الاب ثم رمى عصى كانت في يده ثم قال هذا لعمر الله التكلف اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب وأخرجه الطبري من وجهين آخرين عن الزهري وقال في آخره اتبعوا ما بين لكم في الكتاب وفي لفظ ما بين لكم فعليكم به وما لا فدعوه وأخرج عبد بن حميد أيضا من طريق إبراهيم النخعي عن عبد الرحمن بن زيد ان رجلا سأل عمر عن فاكهة وأبا فلما رآهم عمر يقولون أقبل عليهم بالدرة ومن وجه آخر عن إبراهيم النخعي قال قرأ أبو بكر الصديق وفاكهة وأبا فقيل ما الاب فقيل كذا وكذا وقال أبو بكر ان هذا له التكلف أي أرض تقلني أو أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم وهذا منقطع بين النخعي والصديق وأخرج أيضا من طريق إبراهيم التيمي ان أبا بكر سئل عن الاب ما هو فقال
[ 230 ]
أي سماء تظلني فذكر مثله وهو منقطع أيضا لكن أحدهما يقوي الآخر وأخرج الحاكم في تفسير آل عمران من المستدرك من طريق حميد عن أنس قال قرأ عمر وفاكهة وأبا فقال بعضهم كذا وقال بعضهم كذا فقال عمر دعونا من هذا آمانا به كل من عند ربنا وأخرج الطبري من طريق موسى بن أنس نحوه ومن طريق معاوية بن قرة ومن طريق قتادة كلاهما عن أنس كذلك وقد جاء ان بن عباس فسر الاب عند عمر فأخرج عبد بن حميد أيضا من طريق سعيد بن جبير قال كان عمر يدني بن عباس فذكر نحو القصة الماضية في تفسير إذا جاء نصر الله وفي آخرها وقال تعالى انا صببنا الماء صبا إلى قوله وأبا قال فالسبعة رزق لبني آدم والاب ما تأكل الانعام ولم يذكر ان عمر انكر عليه ذلك وأخرج الطبري بسند صحيح عن عاصم بن كليب عن أبيه عن بن عباس قال الاب ما تنبته الارض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس وأخرج عن عدة من التابعين نحوه ثم أخرج من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس بسند صحيح قال الاب الثمار الرطبة وهذا أخرجه بن أبي حاتم بلفظ وفاكهة وأبا قال الثمار الرطبة وكأنه سقط منه واليابسة فقد أخرج أيضا من طريق عكرمة عن بن عباس بسند حسن الاب الحشيش للبهائم وفيه قول آخر أخرجه من طريق عطاء قال كل شئ ينبت على وجه الارض فهو أب فعلى هذا فهو من العام بعد الخاص ومن طريق الضحاك قال الاب كل شئ أنبتت الارض سوى الفاكهة وهذا أعم من الاول وذكر بعض أهل اللغة أن الاب مطلق المرعى واستشهد بقول الشاعر له دعوة ميمونة ريحها الصبا بها ينبت الله الحصيدة والابا وقيل الاب يابس الفاكهة وقيل انه ليس بعربي ويؤيده خفاؤه على مثل أبي بكر وعمر تنبيه في أخراج البخاري هذا الحديث في آخر الباب مصير منه إلى ان قول الصحابي أمرنا ونهينا في حكم المرفوع ولو لم يضفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن ثم اقتصر على قوله نهينا عن التكلف وحذف القصة الحديث السادس وهو يتعلق بالقسم الثالث وكذا الرابع حديث أنس وهو في معنى الحديث الرابع وقد مضى شرحه أورده من وجهين عن الزهري وساقه هنا على لفظ معمر وفي باب وقت الظهر من كتاب الصلاة بلفظ شعيب وهما متقاربان ووقع هنا فأكثر الانصار البكاء في رواية الكشميهني وفي رواية غيره فأكثر والناس وهي الصواب وكذا وقع في رواية معمر وغيره ووقع هنا فذكر الساعة وذكر ان بين يديها أمور عظاما وفي رواية شعيب وذكر أن فيها أمورا عظاما وزاد هنا فقام رجل فقال أين مدخلي الخ ووقع هنا وبمحمد رسولا وفي رواية شعيب ومحمد نبيا ووقع هنا فسكت حين قال ذلك عمر ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أولى وسقط هذا كله من رواية شعيب قال المبرد يقال للرجل إذا أفلت من معضلة أولى لك أي كدت تهلك وقال غيره هي بمعنى التهديد والوعيد الحديث السابع حديث أنس أيضا من رواية ابنه موسى عنه وأوده مختصرا وقد تقدم ما فيه الحديث الثامن (6866) رضي الله تعالى عنها قوله ورقاء بقاف ممدود وهو بن عمر اليشكري وشيخه عبد الله بن عبد الرحمن هو بن معمر بن حزم الانصاري أبو طوالة بضم الطاء المهملة مشهور بكنيته قوله لن يبرح الناس يتساءلون في رواية
[ 231 ]
المستملي يسألون وعند مسلم في رواية عروة عن أبي هريرة لا يزال الناس يتساءلون قوله هذا الله خالق كل شئ في رواية عروة هذا خلق الله الخلق ولمسلم أيضا وهو في رواية البخاري في بدء الخلق من رواية عروة أيضا يأتي الشيطان العبد أو أحدكم فيقول من خلق كذا وكذا حتى يقول من خلق ربك وفي لفظ لمسلم من خلق السماء من خلق الارض فيقول الله ولاحمد والطبراني م ن حديث خزيمة بن ثابت مثله ولمسلم من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة حتى يقولوا هذا الله خلقنا وله في رواية يزيد بن الاصم عنه حتى يقولوا الله خلق كل شئ وفي رواية المختار بن فلفل عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عزوجل ان أمنك لا تزال تقول ما كذا وكذا حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق وللبزار من وجه آخر عن أبي هريرة لا يزال الناس يقولون كان الله قبل كل شئ فمن كان قبله قال التوربشتي قوله هذا خلق الله الخلق يحتمل ان يكون هذا مفعولا والمعنى حتى يقال هذا القول وان يكون مبتدأ حذف خبره أي هذا الامر قد علم وعلى اللفظ الاول يعني رواية أنس عند مسلم هذا الله مبتدأ وخبر أو هذا مبتدأ والله عطف بيان وخلق الخلق خبره قال الطيبي والاول أولى ولكن تقديره هذا مقرر معلوم وهو ان الله خلق الخلق وهو شئ وكل شئ مخلوق فمن خلقه فيظهر ترتيب ما بعد الفاء على ما قبلها قوله فمن خلق الله في رواية بدء الخلق من خلق ربك وزاد فإذا بلغه فلستعذ بالله ولينته وفي لفظ لمسلم فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله وزاد في أخرى ورسله ولابي داود والنسائي من الزيادة فقولوا الله أحد الله الصمد السورة ثم ليتفل عن يساره ثم ليستعذ ولاحمد من حديث عائشة فإذا وجد أحكم ذلك فليقل آمنت بالله ورسوله فان ذلك يذهب عنه ولمسلم في رواية أبي سلمة عن أبي هريرة نحو الاول وزاد فبينما انا في المسجد إذا جاءني ناس من الاعراب فذكر سؤالهم عن ذلك وانه رماهم بالحصى وقال صدق خليلي وله في رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة صدق الله ورسوله قال بن بطال في حديث أنس الاشارة إلى ذم كثرة السؤال لانها تفضي إلى المحذور كالسؤال المذكور فإنه لا ينشأ الا عن جهل مفرط وقد ورد بزيادة من حديث أبي هريرة بلفظ لا يزال الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق الله فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل آمنت بالله وفي رواية ذاك صريح الايمان ولعل هذ الذي أراد الصحابي فيما أخرجه أبو داود من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اصحابة فقالوا يا رسول الله انا نجد في أنفسنا الشئ يعظم ان نتكلم به ما نحب ان لنا الدنيا وانا تكلمنا به فقال أوقد وجدتموه ذلك صريح الايمان ولابن أبي شيبة من حديث بن عباس جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اني أحدث نفسي بالامر لان أكون حممة أحب الي من ان اتكلم به قال الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة ثم نقل الخطابي المراد بصريح الايمان هو الذي يعظم في نفوسهم ان تكلموا به ويمنعهم من قبول ما يلقي الشيطان فلولا ذلك لم يتعاظم في أنفسهم حتى أنكروه وليس المراد ان الوسوسة نفسها صريح الايمان بل هي من قبل الشيطان وكيده وقال الطيبي قوله نجد في أنفسنا الشئ أي القبيح نحو ما تقدم في حديث أنس وأبي هريرة وقوله يعظم ان نتكلم به أي للعلم بأنه لا يليق ان نعتقده وقوله ذاك صريح الايمان أي علمكم بقبيح تلك الوساوس وامتناع قبولكم ووجودكم النفرة عنها دليل على خلوص ايمانكم فان الكافر يصر على ما في قلبه من المحال ولا ينفر عنه وقوله في
[ 232 ]
الحديث الآخر فليستعذ بالله ولينته أي يترك التفكر في ذلك الخاطر ويستعيذ بالله إذا لم يزل عنه التفكر والحكمة في ذلك ان العلم باستغناء الله تعالى عن كل ما يوسوسه الشيطان أمر ضروري لا يحتاج للاحتجاج والمناظرة فان وقع شئ من ذلك فهو من وسوسة الشيطان وهي غير متناهية فمهما عورض بحجة يجد مسلكا آخر من المغالطة والاسترسال فيضيع الوقت ان سلم من فتنته فلا تدبير في دفعه أقوى من الالجاء إلى الله تعالى بالاستعاذة به كما قال تعالى واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله الآية وقال في شرح الحديث الذي فيه فليقل الله الاحد الصفات الثلاث منبهة على ان الله تعالى لا يجوز ان يكون مخلوقا أما أحد فمعناه الذي لا ثاني له ولا مثل فلو فرض مخلوقا لم يكن أحدا على الاطلاق وسيأتي مزيد لهذا في شرح حديث عائشة في أول كتاب التوحيد وقال المهلب قوله صريح الايمان يعني الانقطاع في إخراج الامر إلى ما لا نهاية له فلا بد عند ذلك من إيجاب خالق لا خالق له لان المتفكر العاقل يجد للمخلوقات كلها خالقا لاثر الصنعة فيها والحدث الجاري عليها والخالق بخلاف هذه الصفة فوجب ان يكون لكل منها خالق لا خالق له فهذا هو صريح الايمان لا البحث الذي هو من كيد الشيطان المؤدي إلى الحيرة وقال بن بطال فان قال الموسوس فما المانع ان يخلق الخالق نفسه قيل له هذا ينقض بعضه بعضا لانك اثبت خالقا وأوجبت وجوده ثم قلت يخلق نفسه فأوجبت عدمه والجمع بين كونه موجودا معدوما فاسد لتناقضه لان الفاعل يتقدم وجوده على وجود فعله فيستحيل كون نفسه فعلا له قال وهذا واضح في حل هذه الشبهة وهو يفضي إلى صريح الايمان انتهى ملخصا موضحا وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم فعزوه إليه أولى ولفظه انا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا ان يتكلم به قال وقد وجدتموه قالوا نعم قال ذاك صريح الايمان وأخرج بعده من حديث بن مسعود سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقال تلك محض الايمان وحديث بن عباس أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بن حبان وقال بن التين لو جاز لمخترع الشئ ان يكون له مخترع لتسلسل فلا بد من الانتهاء إلى موجد قديم والقديم من لا يتقدمه شئ ولا يصح عدمه وهو فاعل لا مفعول وهو الله تبارك وتعالى وقال الكرماني ثبت ان معرفة الله بالدليل فرض عين أو كفاية والطريق إليها بالسؤال عنها متعين لانها مقدمتها لكن لما عرف بالضرورة ان الخالق غير مخلوق أو بالكسب الذي يقارب الصدق كان السؤال عن ذلك تعنتا فيكون الذم يتعلق بالسؤال الذي يكون على سبيل التعنت والا فالتوصل إلى معرفة ذلك وإزالة الشبهة عنه صريح الايمان إذ لا بد من الانقطاع إلى من يكون له خالق دفعا للتسلسل وقد تقدم نحو هذا في صفة إبليس من بدء الخلق وما ذكره من ثبوت الوجوب يأتي البحث فيه ان شاء الله تعالى في أول كتاب التوحيد ويقال ان نحو هذه المسألة وقعت في زمن الرشيد في قصة له مع صاحب الهند وانه كتب إليه هل يقدر الخالق ان يخلق مثله فسأل أهل العلم فبدر شاب فقال هذا السؤال محال لان المخلوق محدث والمحدث لا يكون مثل القديم فاستحال ان يقال يقدر ان يخلق مثله أو لا يقدر كما يستحيل ان يقال في القادر العالم يقدر ان يصير عاجزا جاهلا الحديث التاسع حديث بن مسعود في سؤال اليهود عن الروح وقد تقدم شرحه مستوفى في تفسير سورة سبحان وقوله (6867) في هذه الرواية فقام ساعة فنظر فعرفت انه يوحى إليه فتأخرت حتى صعد الوحي ظاهر في انه أجابهم في ذلك الوقت وهو يرد على ما وقع في مغازي موسى بن عقبة وسير سليمان التيمي ان جوابه تأخر
[ 233 ]
ثلاثة أيام وفي سيرة بن إسحاق انه تأخر خمسة عشر يوما وسيأتي البحث في شئ منه بعد أربعة أبواب ان شاء الله تعالى (0) قوله باب الاقتداء بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم الاصل فيه قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وقد ذهب جمع إلى وجوبه لدخوله في عموم الامر بقوله تعالى وما أتاكم الرسول فخذوه وبقوله فاتبعوني يحببكم الله وبقوله تعالى فاتبعوه فيجب اتباعه في فعله كما يجب في قوله حتى يقوم دليل على الندب أو الخصوصية وقال آخرون يحتمل الوجوب والندب والاباحة فيحتاج إلى القرينة والجمهور للندب إذا ظهر وجه القربة وقيل ولو لم يظهر ومنهم من فصل بين التكرار وعدمه وقال آخرون ما يفعله صلى الله عليه وسلم ان كان بيانا لمجمل فحكمه حكم ذلك المجمل وجوبا أو ندبا أو إباحة فان ظهر وجه القربة فللندب وما لم يظهر فيه وجه التقرب فللاباحة واما تقريره على ما يفعل بحضرته فيدل على الجواز والمسألة مبسوطة في أصول الفقه ويتعلق بها تعارض قوله وفعله ويتفرع من ذلك حكم الخصائص وقد أفردت بالتصنيف ولشيخ شيوخنا الحافظ صلاح الدين العلائي فيه مصنف جليل وحاصل ما ذكر فيه ثلاث أقوال أحدها يقدم القول لان له صيغة تتضمن المعاني بخلاف الفعل ثانيها الفعل لانه لا يطرقه من الاحتمال ما يطرق القول ثالثها يفزع إلى الترجيح وكل ذلك محله ما لم تقد قرينة تدل على الخصوصية وذهب الجمهور إلى الاول والحجة له ان القول يعبر به عن المحسوس والمعقول بخلاف الفعل فيختص بالمحسوس فكان القول أتم وبأن القول متفق على انه دليل بخلاف الفعل ولان القول يدل بنفسه بخلاف الفعل فيحتاج إلى واسطة وبأن تقديم الفعل يفضي إلى ترك العمل بالقول والعمل بالقول يمكن معه العمل بما دل عليه الفعل فكان القول أرجح بهذه الاعتبارات (6868) قوله حدثنا سفيان هو الثوري كما جزم به المزي قوله عن بن عمر في رواية الاسماعيلي من وجه آخر عن أبي نعيم بسنده سمعت بن عمر قوله فاتخذ الناس خواتيم من ذهب وفيه فنبذه وقال اني لم ألبسه ابدا فنبذ الناس خواتيمهم اقتصر على هذ المثال لاشتماله على تأسيهم به بالفعل والترك وقد تقدم شرح ما يتعلق بخاتم الذهب في كتاب اللباس قال بن بطال بعد ان حكى الاختلاف في أفعاله عليه الصلاة والسلام محتجا لمن قال بالوجوب بحديث الباب لانه خلع خاتمه فخلعوا خواتمهم ونزع نعله في الصلاة فنزعوا ولما أمرهم عام الحديبية بالتحلل وتأخروا عن المبادرة رجاء ان يأذن لهم في القتال وان ينصروا فيكملوا عمرتهم قالت له أم سلمة أخرج إليهم واحلق واذبح ففعل فتابعوه مسرعين فدل ذلك على ان الفعل أبلغ من القول ولما نهاهم عن الوصال قالوا انك تواصل فقال اني أطعم واسقي فلولا ان لهم الاقتداء به لقال وما في مواصلتي ما يبيح لكم الوصال لكنه عدل عن ذلك وبين لهم وجه اختصاصه بالمواصلة انتهى وليس في جميع ما ذكره ما يدل على المدعى من الوجوب بل على مطلق التأسي به والعلم عند الله تعالى (0) قوله باب ما يكره من التعمق والتنازع زاد غير أبي ذر في العلم وهو يتعلق بالتنازع والتعمق معا كما أن قوله والغلو في الدين والبدع يتناولهما وقوله لقول الله تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله الا الحق صدر الآية يتعلق بفروع الدين وهي المعبر عنه في الترجمة بالعلم وما بعده يتعلق بأصوله فاما التعمق فهو بالمهملة وبتشديد الميم ثم قاف ومعناه التشديد في الامر حتى يتجاوز الحد فيه وقد وقع شرحه في الكلام
[ 234 ]
على الوصال في الصيام حيث قال حتى يدع المتعمقون تعمقهم وأما التنازع فمن المنازعة وهي في الاصل المجاذبة ويعبر بها عن المجادلة والمراد بها المجادلة عند الاختلاف في الحكم إذا لم يتضح الدليل والمذموم منه اللجاج بعد قيام الدليل وأما الغلو فهو المبالغة في الشئ والتشديد فيه بتجاوز الحد وفيه معنى التعمق يقال غلا في الشئ يغلو غلوا وغلا السعر يغلو غلاء إذا جاوز العادة والسهم يغلو غلوا بفتح ثم سكون إذا بلغ غاية ما يرمي وورد النهي عنه صريحا فيما أخرجه النسائي وابن ماجة وصححه بن خزيمة وابن حبان والحاكم من طريق أبي العالية عن بن عباس قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا في حصى الرمي وفيه وإياكم والغلو في الدين فانما أهلك من قبلكم الغلو في الدين وأما البدع فهو جمع بدعة وهي كل شئ ليس له مثال تقدم فيشمل لغة ما يحمد ويذم ويختص في عرف أهل الشرع بما يذم وأن وردت في المحمود فعلى معناها اللغوي واستدلاله بالآية ينبني على أن لفظ أهل الكتاب للتعميم ليتناول غير اليهود والنصارى أو يحمل على أن تناولها من عدا اليهود والنصارى بالالحاق وذكر فيه سبعة أحاديث الحديث الاول حديث أبي هريرة في النهي عن الوصال وقد تقدم شرحه في كتاب الصيام وقوله (6869) هنا لو تأخر الهلال لزدتكم وقع في حديث أنس الماضي في كتاب التمني ولو مد لي في الشهر لواصلت صالا يدع المتعمقون تعمقهم والى هذه الرواية أشار في الترجمة لكنه جرى على عادته في إيراد ا لا يناسب الترجمة ظاهرا إذا ورد في بعض طرقه ما يعطى ذلك وقد تقدم نحو هذا في كتاب الصيام زيادة فيه وقوله كالمنكي بضم الميم وسكون النون وبعد الكاف ياء ساكنة من النكاية كذا لابي ذر عن السرخسي وعن المستملي براء بدل الياء من الانكار وعلى هذا فاللام في لهم بمعنى على وعن الكشميهني بفتح النون وتشديد الكاف المكسورة بعدها لام من النكال وهي رواية الباقين قد مضى في كتاب الصيام من طريق شعيب عن الزهري بلفظ كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا الحديث الثاني (6870) قوله حدثني أبي هو يزيد بن شريك التيمي قوله خطبنا علي بن أبي طالب على منبر من آجر بالمد وضم الجيم هو الطوب المشوي ويقال بمد وزيادة واو وهو فارسي معرب قوله فنشرها أي فتحها قوله فإذا فيها يحتمل أن يكون علي دفعها لمن قرأها ويحتمل أن يكون قرأها بنفسه قوله المدينة حرم تقدم شرح ما يتعلق بذلك في أواخر الحج مستوعبا قوله ذمة المسلمين واحدة تقدم ما يتعلق بذلك أيضا في الجزية والموادعة وقوله فمن أخفر بالخاء المعجمة وألف أي غدر به والهمزة للتعدية أي ازال عنه الخفر وهو الستر قوله من والى قوما بغير اذن مواليه تقدم ما يتعلق به من الفرائض وتقدم في أواخر كتاب الفرائض أن الصحيفة المذكورة تشتمل على أشياء غير هذه من القصاص والعفو وغير ذلك والغرض بإيراد الحديث هنا لعن من أحدث حدثا فإنه وان قيد في الخبر بالمدينة فالحكم عام فيها وفي غيرها إذا كان من متعلقات الدين وقد تقدم شرح ذلك في باب حرم المدينة في أواخر كتاب الحج وقال الكرماني مناسبة حديث علي للترجمة لعله من جهة انه يستفاد من قول علي ما عندنا من كتاب يقرأ الخ تبكيت من تنطع في الكلام وجاء بغير ما في الكتاب والسنة كذا قال الحديث الثالث (6871) قوله عن الاعمش حدثنا مسلم هو بن صبيح بمهملة وبموحدة مصغرا وآخره مهملة وهو أبو الضحى مشهور بكنيته أكثر من اسمه وقد وقع عند مسلم مصرحا به في رواية جرير عن الاعمش فقال عن أبي الضحى به وهذا يغني
[ 235 ]
عن قول الكرماني يحتمل ان يكون ب صبيح ويحتمل ان يكون بن أبي عمران البطين فإنهما يرويان عن مسروق ويروي عنهما الاعمش والسند المذكور إلى مسروق كلهم كوفيون قوله قال قالت عائشة في رواية مسلم من عدة طرق عن الاعمش بسنده عن عائشة قوله ترخص فيه وتنزه عنه قوم قد تقدم في باب من لم يواجه الناس من كتاب الادب هذا الحديث بسنده ومتنه وشرحته هناك والمراد منه هنا ان الخير في الاتباع سواء كان ذلك في العزيمة أو الرخصة وان استعمال الرخصة بقصد الاتباع في المحل الذي وردت أولى من استعمال العزيمة بل ربما كان استعمال العزيمة حينئذ مرجوحا كما في إتمام الصلاة في السفر وربما كان مذموما إذا كان رغبته عن السنة كترك المسح على الخفين وأومأ بن بطال إلى ان الذي تنزهوا عنه القبلة للصائم وقال غيره لعله الفطر في السفر ونقل بن التين عن الداودي ان التنزه عما ترخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الذنوب لانه يرى نفسه اتقى لله من رسوله وهذا الحاد قلت لا شك في الحاد من اعتقد ذلك ولكن الذي اعتل به من اشير إليهم في الحديث انه غفر له ما تقدم وما تأخر أي فإذا ترخص في شئ لم يكن مثل غيره ممن لم يغفر له ذلك فيحتاج الذي لم يغفر له إلى الاخذ بالعزيمة والشدة لينجو فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه وان كان غفر الله له لكنه مع ذلك أخشى الناس لله واتقاهم فمهما فعله صلى الله عليه وسلم من عزيمة ورخصة فهو فيه في غاية التقوى والخشية لم يحمله التفضل بالمغفرة على ترك الجد في العمل قياما بالشكر ومهما ترخص فيه فانما هو للاعانة على العزيمة ليعملها بنشاط وأشار بقوله أعلمهم إلى القوة العلمية وبقوله أشدهم له خشية إلى القوة العملية أي انا أعلمهم بالفضل وأولاهم بالعمل به الحديث الرابع حديث بن أبي مليكة في قصة أبي بكر وعمر في تأمير الاقرع بن حابس أو القعقاع بن معبد على بني تميم وفيه نزلت (6872) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم وقد تقدم شرحه مستوفى في تفسير سورة الحجرات وان المقصود منه قوله تعالى في أول السورة لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ومن هنا تظهر مناسبته للترجمة وقال بن التين عن الداودي ان هذا الحديث مرسل لم يتصل منه سوى شئ يسير ومن نظر إلى ما تقدم في الحجرات استغنى بما فيه عن تعقب كلامه وقوله وقال بن أبي مليكة قال بن الزبير هو موصول بالسند المذكور قبله وقد وقعت هذه الزيادة في رواية المستملي وقد تقدم في تفسير الحجرات بعد قوله فانزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم الآية فقال بن الزبير فذكره قوله فكان عمر بعد ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر إذا حدث النبي صلى الله عليه وسلم الخ هكذا فصل بين قوله فكان عمر في هذه الرواية وبين قوله إذا حدث بهذه الجملة وهي ولم يذكر ذلك عن أبيه وأخرها في الرواية الماضية في الحجرات ولفظه فما كان يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستفهمه ولم يذكر ذلك عن أبيه قوله حدثه كأخي السرار اما السرار فبكسر السين المهملة
[ 236 ]
وتخفيف الراء أي الكلام السر ومنه المساررة واما قوله كأخي فقال بن الاثير معنى قوله كأخي السرار كصاحب السرار قاله الخطابي ونقل عن ثعلب ان المعنى كالسرار ولفظ أخي صلة قال والمعنى كالمناجي سرا انتهى وقال صاحب الفائق لو قيل ان معنى قوله كأخي السرار كالمسارر لكان وجها والكاف في محل نصب على الحال وعلى ما ماضي تكون صفة لمصدر محذوف وقوله لا يسمعه حتى يستفهمه تأكيد لمعنى قوله كأخي السرار أي يخفض صوته ويبالغ حتى يحتاج إلى استفهامه عن بعض كلامه وقال في الفائق الضمير في يسمعه للكاف ان جعلت صفة المصدر وهو منصوب المحل على الوصفية فان اعربت حالا فالضمير لها أيضا ان قدر مضافا وليس قوله لا يسمعه حالا من النبي صلى الله عليه وسلم لركاكة المعنى حينئذ والله أعلم الحديث الخامس حديث عائشة في أمر أبي بكر بالصلاة بالناس وفيه مراجعة عائشة وحفصة وقد تقدم شرحه مستوفى في أبواب الامامة من كتاب الصلاة والمقصود منه بيان ذم المخالفة قوال بن التين وفيه ان أوامره على الوجوب وان في مراجعته فيما يأمر به بعض المكروه قلت وليس ما ادعاه من دليل الوجوب ظاهرا الحديث السادس حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين وقد مضى شرحه مستوفى في كتاب اللعان والمقصود منه هنا فكره النبي صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها ووقع في رواية الكشميهني وعاب بحذف المفعول الحديث السابع حديث مالك بن أوس في قصة العباس وعلي ومنازعتهما عند عمر في صدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم شرحه مستوفى في فرض الخمس والمقصود منه هنا بيان كراهية التنازع ويدل عليه قول عثمان ومن معه يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر فان الظن بهما انهما لم يتنازعا الا ولكل منهما مستند في ان الحق بيده دون الآخر فأفضى ذلك بهما إلى المخاصمة ثم المحاكمة التي لولا التنازع لكان اللائق بهما خلاف ذلك وقوله (6875) في هذه الطريق اتئدوا بتشديد المثناة بعدها همزة مكسورة أي استمهلوا وقوله أنشدكم بالله في رواية الكشميهني أنشدكم الله بحذف الباء وهو جائز وقوله ما احتازها بالمهملة ثم الزاي وللكشميهني بالمعجمة ثم الراء والاول أولى وقوله وكان ينفق وللكشميهني فكان بالفاء وهو أولى وقوله فأقبل على علي في رواية الكشميهني ثم أقبل وقوله تزعمان ان أبا بكر فيها كذا هكذا هنا وقع بالابهام وقد بينت في شرح الرواية الماضية في فرض الخمس ان تفسير ذلك وقع في رواية مسلم وخلت الرواية المذكورة عن ذلك ابهاما وتفسيرا ويؤخذ مما سأذكره عن المازري وغيره من تأويل كلام العباس ما يجاب به عن ذلك وبالله التوفيق قال بن بطال في أحاديث الباب ما ترجم له من كراهية التنطع والتنازع لاشارته إلى ذم من استمر على الوصال بعد النهي ولاشارة علي إلى ذم من غلا فيه فادعى ان النبي صلى الله عليه وسلم خصه بأمور من علم الديانة دون غيره واشارته صلى الله عليه وسلم إلى ذم من شدد فيما ترخص فيه وفي قصة بني تميم ذم التنازع المؤدي إلى التشاجر ونسبة أحدهما الآخر إلى قصد مخالفته فان فيه إشارة إلى ذم كل حالة تأول بصاحبها إلى افتراق الكلمة أو المعاداة وفي حديث عائشة إشارة إلى ذم التعسف في المعاني التي خشيتها من قيام أبي بكر مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بن التين معنى قوله في هذه الرواية استبى أي نسب كل واحد منها الآخر إلى انه ظلمه وقد صرح بذلك في هذه الرواية بقوله اقض بيني وبين هذا الظالم قال ولم يرد انه يظلم الناس
[ 237 ]
وانما أراد ما تأوله في خصوص هذه القصة ولم يرد ان عليا سب العباس بغير ذلك لانه صنو أبيه ولا ان العباس سب عليا بغير ذلك لانه يعرف فضله وسابقته وقال المازري هذا اللفظ لا يليق بالعباس وحاشا عليا من ذلك فهو سهو من الرواة وان كان لا بد من صحته فليؤول بأن العباس تكلم بما لا يعتقد ظاهره مبالغة في الزجر وردعا لما يعتقد انه مخطئ فيه ولهذا لم ينكره عليه أحد من الصحابة لا الخليفة ولا غيره مع تشددهم في إنكار المنكر وما ذاك الا انهم فهموا بقرينة الحال انه لا يريد به الحقيقة انتهى وقد مضى بعض هذا في شرح الحديث في فرض الخمس وفيه انني لم أقف في شئ من طرق هذه القصة على كلام لعلي في ذلك وان كان المفهوم من قوله استبا بالتثنية ان يكون وقع منه في حق العباس كلام وقال غيره حاشا عليا ان يكون ظالما والعباس ان يكون ظالما بنسبة الظلم إلى علي وليس بظالم وقيل في الكلام خذف تقديره أي هذا الظالم ان لم ينصف أو التقدير هذا كالظالم وقيل هي كلمة تقال في الغضب لا يراد بها حقيقتها وقيل لما كان الظلم يفسر بأنه وضع الشئ في غير موضعه تناول الذنب الكبير والصغير وتناول الخصلة المباحة التي لا تليق عرفا فيحمل الاطلاق على الاخيرة والله أعلم (0) قوله باب اثم من آوى محدثا بضم أوله وسكون الحاء المهملة وبعد الدال مثلثة أي أحدث المعصية قوله رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم موصولا في الباب الذي قبله وعبد الواحد في حديث أنس هو بن زياد وعاصم
[ 238 ]
هو بن سليمان المعروف بالاحول وقوله (6876) الرب عز وجلقال عاصم فأخبرني هو موصول بالسند المذكور قوله موسى بن أنس ذكر الدارقطني ان الصواب عن عاصم عن النضر بن أنس لا عن موسى قال والوهم فيه من البخاري أو شيخه قال عياض وقد أخرجه مسلم على الصواب قلت ان أراد انه قال عن النضر فليس كذلك فإنه انما قال لما أخرجه عن حامد بن عمير عن عبد الواحد عن عاصم عن بن أنس فان كان عياض أراد ان الابهام صواب فلا يخفى ما فيه والذي سماه النضر هو مسدد عن عبد الواحد كذا أخرجه في مسنده وأبو نعيم في المستخرج من طريقه وقد رواه عمرو بن أبي قيس عن عاصم فبين ان بعضه عنده عن أنس نفسه وبعضه عن النضر بن أنس عن أبيه أخرجه أبو عوانة في مستخرجه وأبو الشيخ في كتاب الترهيب جميعا من طريقه عن عاصم عن أنس قال عاصم ولم أمسع من أنس أو آوى محدثا فقلت للنضر ما سمعت هذا يعني القدر الزائد من أنس قال لكني سمعته منه أكثر من مائة مرة وقد تقدم شرح حديثي علي وأنس في أواخر الحج في أول فضائل المدينة في باب حرم المدينة وذكرت هناك رواية من روى الزيادة عن عاصم عن أنس بدون الواسطة وانه مدرج وبالله التوفيق قال بن بطال دل الحديث على ان من أحدث حدثا أو آوى محدثا في غير المدينة انه غير متوعد بمثل ما توعد به من فعل ذلك بالمدينة وان كان قد علم ان من آوى أهل المعاصي انه يشاركهم في الاثم فان من رضي فعل قوم وعملهم التحق بهم ولكن خصت المدينة بالذكر لشرفها لكونها مهبط الوحي وموطن الرسول عليه الصلاة والسلام ومنها انتشر الدين في أقطار الارض فكان لها بذلك مزيد فضل على غيرها وقال غيره السر في تخصيص المدينة بالذكر انها كانت إذاك موطن النبي صلى الله عليه وسلم ثم صارت موضع الخلفاء الراشدين (0) قوله باب ما يذكر من ذم الرأي أي الفتوى بما يؤدي إليه النظر وهو يصدق على ما يوافق النص وعلى ما يخالفه والمذموم منه ما يوجد النص بخلافه وأشار بقوله من إلى ان بعض الفتوى بالرأي لا تذم وهو إذا لم يوجد النص من كتاب أو سنة أو إجماع وقوله وتكلف القياس أي إذا لم يجد الامور الثلاثة واحتاج إلى القياس فلا يتكلفه بل يستعمله على أوضاعه ولا يتعسف في اثبات العلة الجامعة التي هي من أركان القياس بل إذا لم تكن العلة الجامعة واضحة فليتمسك بالبراءة الاصلية ويدخل في تكلف القياس ما إذا استعمله على أوضاعه مع وجود النص وما إذا وجد النص فخالفة وتأول لمخالفته شيئا بعيدا ويشتد الذم فيه لمن ينتصر لمن يقلده مع احتمال ان لا يكون الاول اطلع على النص قوله ولا تقف لا تقل ما ليس لك به علم احتج لما ذكره من ذم التكلف بالآية وتفسير القفو بالقول من كلام بن عباس فيما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة لا تقف ما ليس لك به عليم لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمع والمعروف انه الاتباع وقد تقدم في حديث موسى والخضر فانطلق يقفو أثره أي يتبعه وفي حديث الصيد يقتفي أثره أي يتبع وقال أبو عبيدة معناه لا تتبع ما لا تعلم ومالا يعنيك وقال الراغب الاقتفاء اتباع القفا كما ان الارتداف اتباع الردف ويكنى بذلك عن الاغتياب وتتبع المعايب ومعنى ولا تقف ما لا ليس لك به علم لا تحكم بالقيافة والظن والقيافة مقلوب عن الاقتفاء نحو جذب وجبذ وسبقه إلى نحو هذا الاخير الفراء وقال الطبري بعد ان نقل عن السلف ان المراد شهادة الزور أو القول بغير علم
[ 239 ]
أو الرمي بالباطل هذه المعاني متقاربة وذكر قول أبي عبيدة ثم قال أصل القفو العيب ومنه حديث الاشعث بن قيس رفعه لا نقف منا ولا ننتفي من أبينا ومنه قول الشاعر ولا أقفو الحواضن ان قفينا ثم نقل عن بعض الكوفيين ان أصله القيافة وهي اتباع الاثر وتعقب بأنه لو كان كذلك لكانت القراءة بضم القاف وسكون الفاء لكن زعم انه على القلب قال والاولى بالصواب الاول انتهى والقراءة التي أشار إليها نقلت في الشواذ عن معاذ القارئ واستدل الشافعي للرد على ما يقدم قياس على الخبر بقوله تعالى فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول قال معناه والله اعلم اتبعوا في ذلك ما قال الله ورسوله وأورد البيهقي هنا حديث بن مسعود ليس عام الا الذي بعده شر منه لا أقول عام أخصب من عام ولا أمير خير من أمير ولكن ذهاب العلماء ثم يحدث قوم يقيسون الامور بأرائهم فيهدم الاسلام (6877) بسم الله الرحمن الرحيم 9 قوله حدثنا سعيد بن تليد بمثناة ثم لام وزن عظيم وهو سعيد بن عيسى بن تليد نسب إلى جده يكنى أبا عيسى بن عني بمهملة ثم نون مصغر وهو من المصريين الثقات الفقهاء وكان يكتب للحاكم قوله عبد الرحمن بن شريح هو أبو شريح الاسكندراني بمعجمة أوله ومهملة آخره وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه قوله وغيره هو بن لهيعة ابهمه البخاري لضعفه وجعل الاعتماد على رواية عبد الرحمن لكن ذكر الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر في الجزء الذي جمعه في الكلام على حديث معاذ بن جبل في القياس ان عبد الله بن وهب حدث بهذا الحديث عن أبي شريح وابن لهيعة جميعا لكنه قدم لفظ بن لهيعة وهو مثل اللفظ الذي هنا ثم عطف عليه رواية أبي شريح فقال بذلك قلت وكذلك أخرجه بن عبد البر في باب العلم من رواية سحنون عن بن وهب عن أبي لهيع ة فساقه ثم قال بن وهب وأخبرني عبد الرحمن بن شريح عن أبي الاسود عن عروة عن عبد الله بن عمرو بذلك قال بن طاهر ما كنا ندري هل أراد بقوله بذلك اللفظ والمعنى أو المعنى فقط حتى وجدنا مسلما أخرجه عن حرملة بن يحيى عن بن وهب عن عبد الرحمن بن شريح وحده فساقه بلفظ مغاير للفظ الذي أخرجه البخاري قال فعرف ان اللفظ الذي حذفه البخاري هو لفظ عبد الرحمن بن شريح الذي أبرزه هنا والذي أورده هو لفظ الغير الذي ابهمه انتهى وسأذكر تفاوتهما وليس بينهما في المعنى كبير أمر وكنت اظن ان مسلما حذف ذكر بن لهيعة عمدا لضعفه واقتصر على عبد الرحمن بن شريح حتى وجدت الاسماعيلي أخرجه من طريق حرملة بغير ذكر بن لهيعة فعرفت ان بن وهب هو الذي كان يجمعهما تارة ويفرد بن شريح تارة وعند بن وهب فيه شيخان آخران بسند آخر أخرجه بن عبد البر في بيان العلم من طريق سحنون حدثنا بن وهب حدثنا مالك وسعيد بن عبد الرحمن كلاهما عن هشام بن عروة باللفظ المشهور وقد ذكرت في باب العلم ان هذا الحديث مشهور عن هشام بن عروة عن أبيه رواه عن هشام أكثر من سبعين نفسا وأقول هنا ان أبا القاسم عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله بن مندة ذكر في كتاب التذكرة ان الذين رووه عن الحافظ هشام أكثر من ذلك وسرد أسماءهم فزادوا على أربعمائة نفس وسبعين نفسا منهم من الكبار شعبة ومالك وسفيان الثوري والاوزاعي وابن جريج ومسعر وأبو حنيفة وسعيد بن أبي عروبة والحمادان ومعمر بل أكبر منهم مثل يحيى بن سعيد الانصاري وموسى بن عقبة والاعمش ومحمد بن عجلان وأيوب وبكير بن عبد الله بن الاشج وصفوان بن سليم وأبو
[ 240 ]
معشر ويحيى بن أبي كثير وعمارة بن غزية وهؤلاء العشرة كلهم من صغار التابعين وهم من أقرانه ووافق هشاما على روايته عن عروة أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن النوفلي المعروف بيتيم عروة وهو الذي رواه عنه بن لهيعة وأبو شريح ورواه عن عروة أيضا ولداه يحيى وعثمان وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهو من أقرانه والزهري ووافق عروة على روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاص عمر بن الحكم بن ثوبان أخرجه مسلم من طريقه ولم يسق لفظه لكن قال بمثل حديث هشام بن عروة وكأنه ساقه من رواية جرير بن عبد الحميد عن هشام وسأذكر ما في رواية بعض من ذكر من فائدة زائدة قوله عن أبي الاسود في رواية مسلم بسنده إلى بن شريح ان أبا الاسود حدثه قوله عن عروة زاد حرملة في روايته بن الزبير قوله حج علينا أي مر علينا حاجا عبد الله بن عمرو فسمعته يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم قالت لي عائشة يا بن أختي بلغني ان عبد الله بن عمرو مارا بنا إلى الحج فالقه فأسائله فإنه قد حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علما كثيرا قال فلقيته فسألته عن أشياء يذكرها عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان فيما ذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال قوله ان الله لا ينزع العلم بعد ان أعطاكموه في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني أعطاهموه بالهاء ضمير الغيبة بدل الكاف ووقع في رواية حرملة لا ينتزع العلم من الناس انتزاعا وفي رواية هشام الماضية في كتاب العلم من طريق مالك عنه ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد وفي رواية سفيان بن عيينة عن هشام من قلوب العباد أخرجه الحميدي في مسنده عنه وفي رواية جرير عن هشام عند مسلم مثله لكن قال من الناس وهو الوارد في أكثر الروايات وفي رواية محمد بن عجلان عن هشام عند الطبراني ان الله لا ينزع العلم انتزاعا ينتزعه منهم بعد أن اعطاهم ولم يذكر على من يعود الضمير وفي رواية معمر عن هشام عند الطبراني ان الله لا ينزع العلم من صدور الناس بعد ان يعطيهم إياه وأظن عبد الله بن عمرو انما حدث بهذا جوابا عن سؤال من سأله عن الحديث الذي رواه أبو امامة قال لما كان في حجة الوداع قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل آدم فقال يا أيها الناس خذوا من العلم قبل ان يقبض وقبل ان يرفع من الارض الحديث وفي آخره الا ان ذهاب العلم ذهاب حملته ثلاث مرات أخرجه أحمد والطبراني والدارمي فبين عبد الله بن عمرو ان الذي ورد في قبض العلم ورفع العلم انما هو على الكيفية التي ذكرها وكذلك أخرج قاسم بن اصبغ ومن طريقه بن عبد البر ان عمر سمع أبا هريرة يحدث بحديث يقبض العلم فقال ان قبض العلم ليس شيئا ينزع من صدور الرجال ولكنه فناء العلماء وهو عند أحمد والبزار من هذا الوجه قوله ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم كذا فيه والتقدير ينتزعه بقبض العلماء مع علمهم ففيه بعض قلب ووقع في رواية حرملة ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم وفي رواية هشام ولكن يقبض العلم بقبض العلماء وفي رواية معمر ولكن ذهابهم قبض العلم ومعانيها متقاربة قوله فيبقى ناس جهال هو بفتح أول يبقى وفي رواية حرملة ويبقى في الناس رؤسا جهالا وهو بضم أول يبقى وتقدم في كتاب العلم ضبط رؤسا هل هو بصيغة جمع رأس وهي رواية الاكثر أو رئيس وفي رواية هشام حتى إذا لم يبق عالم هذه رواية أبي ذر من طريق مالك ولغيره ولم يبق عالما اتخذ الناس رؤسا جهالا وفي رواية جرير عند مسلم حتى إذا لم يترك عالما وكذا في رواية صفوان بن سليم
[ 241 ]
عند الطبراني وهي تؤيد الرواية الثانية وفي رواية محمد بن عجلان حتى إذا لم يبق عالم وكذا في رواية شعبة عن هشام وفي رواية محمد بن هشام بن عروة عن أبيه عند الطبراني فيصير للناس رؤوس جهال وفي رواية معمر عن الزهري عن عروة عنده بعد ان يعطيهم إياه ولكن يذهب العلماء كلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم حتى يبق من لا يعلم قوله يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون بفتح أوله ويضلون بضمه وفي رواية حرملة يفتونهم بغير علم فيضلون ويضلون وفي رواية محمد بن عجلان يستفتونهم فيفتونهم والباقي مثله وفي رواية هشام بن عروة فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وهي رواية الاكثر وخالف الجميع قيس بن الربيع وهو صدوق ضعف من قبل حفظه فرواه عن هشام بلفظ لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الامم فافتوا بالرأي فضلوا وأضلوا أخرجه البزار وقال تفرد به قيس قال والمحفوظ بهذا اللفظ ما رواه غيره عن هشام فأرسله قلت والمرسل المذكور أخرجه الحميدي في النوادر والبيهقي في المدخل من طريقه عن بن عيينة قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه فذكره كرواية قيس سواء قوله فحدثت به عائشة زاد حرملة في روايته فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته وقالت أحدثك انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا قوله ثم ان عبد الله بن عمرو حج بعد فقالت يا بن أختي انطلق إلى عبد الله فاستثبت لي منه الذي حدثتني عنه في رواية حرملة انه حج من السنة المقبلة ولفظه قال عروة حتى إذا كان قابل قالت له ان بن عمرو قد قدم فالقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم قوله فجئته فسألته في رواية حرملة فلقيته قوله فحدثني به في رواية حرملة فذكره لي قوله كنحو ما حدثني في رواية حرملة بنحو ما حدثني به في مرته الاولى ووقع في رواية سفيان بن عيينة الموصولة قال عروة ثم لبثت سنة ثم لقيت عبد الله بن عمرو في الطواف فسألته فأخبرني به فأفاد ان لقاءه إياه في المرة الثانية كان بمكة وكأن عروة كان حج في تلك السنة من المدينة وحج عبد الله من مصر فبلغ عائشة ويكون قولها قد قدم أي من مصر طالبا لمكة لا أنه قدم المدينة إذ لو دخلها للقيه عروة بها ويحتمل ان تكون عائشة حجت تلك السنة وحج معها عروة فقدم عبد الله بعد فلقيه عروة بأمر عائشة قوله فعجبت فقالت والله لقد حفظ عبد الله بن عمرو في رواية حرملة فلما أخبرتها بذلك قالت ما أحسبه الا صدق أراه لم يزد فيه شيئا ولم ينقص قلت ورواية الاصل تحتمل ان عائشة كان عندها علم من الحديث وظنت انه زاد فيه أو نقص فلما حدث به ثانيا كما حدث به أولا تذكرت انه على وفق ما كانت سمعت ولكن رواية حرملة التي ذكر فيها انها أنكرت ذلك واعظمته ظاهرة في انه لم يكن عندها من الحديث علم ويؤيده ذلك انها لم تسدل على انه حفظه الا لكونه حدث به بعد سنة كما حدث به أولا لم يزد ولم ينقص قال عياض لم تتهم عائشة عبد الله ولكن لعلها نسبت إليه انه مما قرأه من الكتب القديمة لانه كان قد طالع كثيرا منها ومن ثم قالت أحدثك انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا انتهى وعلى هذا فرواية معمر له عن الزهري عن عروة عن عبد الله بن عمرو هي المعتمدة وهي في مصنف عبد الرزاق وعند أحمد والنسائي والطبراني من طريقه ولكن الترمذي لما أخرجه من رواية عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة قال روى الزهري هذا الحديث عن عروة عن عبد الله بن عمرو وعن عروة عن عائشة وهذه الرواية التي أشار
[ 242 ]
إليها رواية يونس بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة أخرجه أبو عوانة في صحيحه والبزار من طريق شبيب بن سعيد عن يونس وشبيب في حفظه شئ وقد شذ بذلك ولما أخرجه عبد الرزاق من رواية الزهري أردفه برواية معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن عبد الله بن عمرو قال اشهد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يرفع الله العلم بقبضه ولكن يقبض العلماء الحديث وقال بن عبد البر في بيان العلم رواه عبد الرزاق أيضا عن معمر عن هشام بن عروة بمعنى حديث مالك قلت ورواية يحيى أخرجها الطيالسي عن هشام الدستوائي عنه ووجدت عن الزهري فيه سندا آخر أخرجه الطبراني في الاوسط من طريق العلاء بن سليمان الرقي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكر مثل رواية هشم سواء لكن زاد بعد قوله وأضلوا عن سواء السبيل والعلاء بن سليمان ضعفه بن عدي وأورده من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ رواية حرملة التي مضت وسنده ضعيف ومن حديث أبي سعيد الخدري بلفظ يقبض الله العلماء ويقبض العلم معهم فتنشأ احداث ينزوا بعضهم على بعضم نزو العير على العير ويكون الشيخ فيهم مستضعفا وسنده ضعيف وأخرج الدارمي من حديث أبي الدرداء قوله رفع العلم ذهاب العلماء وعن حذيفة قبض العلم قبض العلماء وعند أحمد عن بن مسعود قال هل تدرون ما ذهاب العلم ذهاب العلماء وأفاد حديث أبي امامة الذي أشرت إليه أولا وقت تحديث النبي صلى الله عليه وسلم في بهذا الحديث وفي حديث أبي امامة من الفائدة الزائدة ان بقاء الكتب بعد رفع العلم بموت العلماء لا يغني من ليس بعالم شيئا فان في بقيته فسأله أعرابي فقال يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها ابناءنا ونساءنا وخدمنا فرفع إليه رأسه وهو مغضب فقال وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف لم يتعلقوا منها بحرف فيما جاءهم به انبياؤهم ولهذه الزيادة شواهد من حديث عوف بن مالك وابن عمرو وصفوان بن عسال وغيرهم وهي عند الترمذي والطبراني والدارمي والبزار بألفاظ مختلفة وفي جميعها هذا المعنى وقد فسر عمر قبض العلم بما وقع تفسيره به في حديث عبد الله بن عمرو وذلك فيما أخرجه أحمد من طريق يزيد بن الاصم عن أبي هريرة فذكر الحديث وفيه ويرفع العلم فسمعه عمر فقال اما انه ليس ينزع من صدور العلماء ولكن بذهاب العلماء وهذا يحتمل ان يكون عند عمر مرفوعا فيكون شاهدا قويا لحديث عبد الله بن عمرو واستدل بهذا الحديث على جواز خلو الزمان عن مجتهد وهو قول الجمهور خلافا لاكثر الحنابلة وبعض من غيرهم لانه صريح في رفع العلم بقبض العلماء وفي ترئيس أهل الجهل ومن لازمه الحكم بالجهل وإذا انتفى العلم ومن يحكم به استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد وعورض هذا بحديث لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وفي لفظ حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله ومضى في العلم كالاول بغير شك وفي رواية مسلم ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله ولم يشك وهو المعتمد وأجيب أولا بأنه ظاهر في عدم الخلو لا في نفي الجواز وثانيا بأن الدليل للاول أظهر للتصريح بقبض العلم تارة وبرفعه أخرى بخلاف الثاني وعلى تقدير التعارض فيبقى ان الاصل عدم المانع قالوا الاجتهاد فرض كفاية فيستلزم انتفاؤه الاتفاق على الباطل وأجيب بان بقاء فرض الكفاية مشروط ببقاء العلماء فاما إذا قام الدليل على انقراض العلماء فلا لان بفقدهم تنتفي القدرة والتمكن من الاجتهاد وإذا انتفى ان يكون مقدورا لم يقع
[ 243 ]
التكليف به هكذا اقتصر عليه جماعة وقد تقدم في باب تغير الزمان حتى تعبد الاوثان في أواخر كتاب الفتن ما يشير إلى ان محل وجود ذلك عند فقد المسلمين بهبوب الريح التي تهب بعد نزول عيسى عليه السلام فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من الايمان الا قبضته ويبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة وهو بمعناه عند مسلم كما بينته هناك فلا يرد اتفاق المسلمين على ترك فرض الكفاية والعمل بالجهل لعدم وجودهم وهو المعبر عنه بقوله حتى يأتي أمر الله وأما الرواية بلفظ حتى تقوم الساعة فهي محمولة على اشرافها بوجود آخر أشراطها وقد تقدم هذا بأدلته في الباب المذكور ويؤيده ما أخرجه أحمد وصححه الحاكم عن حذيفة رفعه يدرس الاسلام كما يدرس وشي الثوب إلى غير ذلك من الاحاديث وجوز الطبري ان يضمر في كل من الحديثين المحل الذي يكون فيه تلك الطائفة فالموصوفون بشرار الناس الذين يبقون بعد ان تقبض الريح من تقبضه يكونون مثلا ببعض البلاد كالمشرق الذي هو أصل الفتن والموصوفون بانهم على الحق يكونون مثلا ببعض البلاد كبيت المقدس لقوله في حديث معاذ انهم بالشام وفي لفظ ببيت المقدس وما قاله وان كان محتملا يرده قوله في حديث أنس في صحيح مسلم لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الارض الله الله إلى غير ذلك من الاحاديث التي تقدم ذكرها في معنى ذلك والله أعلم ويمكن ان تنزل هذه الاحاديث على الترتيب في الواقع فيكون أولا رفع العلم بقبض العلماء المجتهدين الاجتهاد المطلق ثم المقيد ثانيا فإذا لم يبق مجتهد استووا في التقليد لكن ربما كان بعض المقلدين أقرب إلى بلوغ درجة الاجتهاد المقيد من بعض ولا سيما أن فرعنا على جواز تجزئ الاجتهاد ولكن لغلبة الجهل يقدم أهل الجهل أمثالهم واليه الاشارة بقوله اتخذ الناس رؤسا جهالا وهذا لا ينفي ترئيس بعض من لم يتصف بالجهل التام كما لا يمتنع ترئيس من ينسب إلى الجهل في الجملة في زمن أهل الاجتهاد وقد أخرج بن عبد البر في كتاب العلم من طريق عبد الله بن وهب سمعت خلاد بن سلمان الحضرمي يقول حدثنا دراج أبو السمح يقول يأتي على الناس زمان يسمن الرجل راحلته حتى يسير عليها في الامصار يلتمس من يفتيه بسنة قد عمل بها فلا يجد الا من يفتيه بالظن فيحمل على ان المراد الاغلب الاكثر في الحالين وقد وجد هذا مشاهدا ثم يجوز ان يقبض أهل تلك الصفة ولا يبقى الا المقلد الصرف وحينئذ يتصور خلو الزمان عن مجتهد حتى في بعض الابواب بل في بعض المسائل ولكن يبقى من له نسبة إلى العلم في الجملة ثم يزداد حينئذ غلبة الجهل وترئيس أهله ثم يجوز ان يقبض أولئك حتى لا يبقى منهم أحد وذلك جدير بأن يكون عند خروج الدجال أو بعد موت عيسى عليه السلام وحينئذ يتصور خلو الزمان عمن ينسب إلى العلم أصلا ثم تهب الريح فتقبض كل مؤمن وهناك يتحقق خلو الارض عن مسلم فضلا عن عالم فضلا عن م جتهد ويبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة والعلم عند الله تعالى وقد تقدم في أوائل كتاب الفتن كثير من المباحث والنقول المتعلقة بقبض العلم والله المستعان وفي الحديث الزجر عن ترئيس الجاهل لما يترتب عليه من المفسدة وقد يتمسك به من لا يجيز تولية الجاهل بالحكم ولو كان عاقلا لكن إذا دار الامر بن العالم الفاسق والجاهل العفيف فالجاهل العفيف أولى لان ورعه يمنعه عن الحكم بغير علم فيحمله على البحث والسؤال وفي الحديث أيضا حض أهل العلم وطلبته على أخذ بعضهم عن بعض وفيه شهادة بعضهم لبعض بالحفظ والفضل وفيه حض العالم
[ 244 ]
طالبه على الاخذ عن غيره ليستفيد ما ليس عنده وفيه التثبت فيما يحدث به المحدث إذا قامت قرينة الذهول ومراعاة الفاضل من جهة قول عائشة اذهب إليه ففاتحه حتى تسأله عن الحديث ولم تقل له سله عنه ابتداء خشية من استيحاشه وقال بن بطال التوفيق بين الآية والحديث في ذم العمل بالرأي وبين ما فعله السلف من استنباط الاحكام ان نص الآية ذم القول بغير علم فخص به من تكلم برأي مجرد عن استناد إلى أصل ومعنى الحديث ذم من أفتى مع الجهل ولذلك وصفهم بالضلال والاضلال والا فقد مدح من استنبط من الاصل لقوله لعلمه الذين يستنبطونه منهم فالرأي إذا كان مستندا إلى أصل من الكتاب أو السنة أو الاجماع فهو المحمود وإذا كان لا يستند إلى شئ منها فهو المذموم قال وحديث سهل بن حنيف وعمر بن الخطاب وان كان يدل على ذم الرأي لكنه مخصوص بما إذا كان معارضا للنص فكأنه قال اتهموا الرأي إذا خالف السنة كما وقع لنا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتحلل فاحببنا الاستمرار إلى الاحرام وأردنا القتال لنكمل نسكنا ونقهر عدونا وخفي عنا حينئذ ما ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم مما حمدت عقباه وعمر هو الذي كتب إلى شريح انظر ما تبين لك من كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا فان لم يتبين لك من كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لم يتبين لك من السنة فاجتهد فيه رأيك هذه رواية سيار عن الشعبي وفي رواية الشيباني عن الشعبي عن شريح ان عمر كتب إليه نحوه وقال في آخره اقض بما في كتاب الله فان لم يكن فبما في سنة رسول الله فان لم يكن فبما قضى به الصالحون فان لم يكن فان شئت فتقدم وان شئت فتأخر ولا أرى التأخر الا خيرا لك فهذا عمر أمر بالاجتهاد فدل على ان الرأي الذي ذمه ما خالف الكتاب أو السنة وأخرج بن أبي شيبة بسند صحيح عن بن مسعود نحو حديث عمر من رواية الشيباني وقال في آخره فان جاءه ما ليس في ذلك فليجتهد رأيه فان الحلال بين والحرام بين فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك (6878) قوله حدثنا عبدان هو عبد الله بن عثمان وعبدان لقب وأبو حمزة بالمهملة ثم الزاي هو السكري وساق المتن على لفظ أبي عوانة لانه ساق لفظ عبدان في كتاب الجزية ووقعت رواية أبي عوانة مقدمة على رواية أبي حمزة وساق المتن ثم عطف عليه رواية أبي حمزة وفي آخره فسمعت سهل بن حنيف يقول ذلك قوله قال سهل بن حنيف يا أيها الناس قد تقدم بيان سبب خطبته بذلك في تفسير سورة الفتح وبيان المراد بقول سهل يوم أبي جندل وقوله يفظعنا بالظاء المعجمة المكسورة بعد الفاء الساكنة أي يوقعنا في أمر فظيع وهو الشديد في القبح وقوله الا أسهلن بسكون اللام بعد الهاء والنون المفتوحتين والمعنى أنزلتنا في السهل من الارض أي أفضين بنا وهو كناية عن التحول من الشدة إلى الفرج وقول بنا في رواية الكشميهني بها ومراد سهل انهم كانوا إذا وقعوا في شدة يحتاجون فيها إلى القتال في المغازي والثبوت والفتوح العمرية عمدوا إلى سيوفهم فوضعوها على عواتقهم وهو كناية عن الجد في الحرب فإذا فعلوا ذلك انتصروا وهو المراد بالنزول في السهل ثم استثنى الحرب التي وقعت بصفين لما وقع فيها من ابطاء النصر وشدة المعارضة من حجج الفريقين إذ حجة علي ومن معه ما شرع لهم من قتال أهل البغي حتى يرجعوا إلى الحق وحجة معاوية ومن معه ما وقع من قتل عثمان مظلوا ووجود قتلته بأعيانهم في العسكر العراقي فعظمت الشبهة حتى اشتد القتال وكثر القتل في الجانبين إلى ان وقع التحكيم فكان ما كان قوله
[ 245 ]
وقال أبو وائل شهدت صفين وبئست صفين كذا لابي ذر ولغيره وبئست صفون وفي رواية النسفي مثله ولكن قال وبئست الصفون بزيادة ألف ولام والمشهور في صفين كسر الصاد المهملة وبعضهم فتحها وجزم بالكسر جماعة من الائمة والفاء مكسورة مثقلة اتفاقا والاشهر فيها بالياء قبل النون كماردين وفلسطين وقنسرين وغيرها ومنهم من أبدل الياء واو في الاحوال وعلى هاتين اللغتين فأعرابها اعراب غسلين وعربون ومنهم من أعربها اعراب جمع المذكر السالم فتنصرف بحسب العوامل مثل لفي عليين وما إدراك ما علييون ومنهم من فتح النون مع الواو لزوما نقل كل ذلك بن مالك ولم يذكر فتح النون مع الياء لزوما وقوله اتهموا رأيكم على دينكم أي لا تعملوا في أمر الدين بالرأي المجرد الذي لا يستند إلى أصل من الدين وهو كنحو قول علي فيما أخرج ه أبو داود بسند حسن لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه والسبب في قول سهل ذلك ما تقدم بيانه في استتابة المرتدين ان أهل الشام لما استشعروا ان أهل العراق شارفوا ان يغلبوهم وكان أكثر أهل العراق من القراء الذين يبالغون في التدين ومن ثم سار منهم الخوارج الذين مضى ذكرهم فأنكروا على علي ومن أطاعه الاجابة إلى التحكيم فاستند علي إلى قصة الحديبية وان النبي صلى الله عليه وسلم أجاب قريشا إلى المصالحة مع ظهور غلبته لهم وتوقف بعض الصحابة أولا حتى ظهر لهم ان الصواب ما أمرهم به كما مضى بيانه مفصلا في الشروط وأول الكرماني كلام سهل بن حنيف بحسب ما احتمله اللفظ فقال كأنهم اتهموا سهلا بالتقصير في القتال حينئذ فقال لهم بل اتهموا أنتم رأيكم فاني لا أقصر كما لم أكن مقصرا يوم الحديبية وقت الحاجة فكما توقفت يوم الحديبية من اجل اني لا أخالف حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك أتوقف اليوم لاجل مصلحة المسلمين وقد جاء عن عمر نحو قول سهل ولفظه اتقوا الرأي في دينكم أخرجه البيهقي في المدخل هكذا مختصرا وأخرجه هو والطبري والطبراني مطولا بلفظ اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي اجتهادا فوالله ما آلوا عن الحق وذلك يوم أبى جندل حتى قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تراني أرضى وتأبى والحاصل ان المصير إلى الرأي انما يكون عند فقد النص والى هذا يومئ قول الشافعي فيما أخرجه البيهقي بسند صحيح إلى أحمد بن حنبل سمعت الشافعي يقول القياس عند الضرورة ومع ذلك فليس العامل برأيه على ثقة من انه وقع على المراد من الحكم في نفس الامر وانما عليه بذل الوسع في الاجتهاد ليؤجر ولو أخطأ وبالله التوفيق وأخرج البيهقي في المدخل وابن عبد البر في بيان العلم عن جماعة من التابعين كالحسن وابن سيرين وشريح والشعبي والنخعي بأسانيد جياد ذم القول بالرأي المجرد ويجمع ذلك كله حديث أبي هريرة لا يؤمن أحكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به أخرجه الحسن بن سفيان وغيره ورجاله ثقات وقد صححه النووي في آخر الاربعين واما ما أخرجه البيهقي من طريق الشعبي عن عمرو بن حريث عن عمر قال إياكم وأصحاب الرأي فانهم أعداء السنن أعيتهم الاحاديث ان يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا فظاهر في انه أراد ذم من قال بالرأي مع وجود النص من الحديث لاغفاله التنقيب عليه فهلا يلام وأولى منه باللوم من عرف النص وعمل بما عارضه من الرأي وتكلف لرده بالتأويل والى ذلك الاشارة بقوله في الترجمة وتكلف القياس والله اعلم وقال بن عبد البر في بيان العلم
[ 246 ]
بعد ان ساق آثارا كثيرة في ذم الرأي ما ملخصه اختلف العلماء في الرأي المقصود إليه في الذم في هذه الآثار مرفوعها وموقوفها ومقطوعها فقالت طائفة هو القول في الاعتقاد بمخالفة السنن لانهم استعملوا آراءهم واقيستهم في رد الاحاديث حتى طعنوا في المشهور منها الذي بلغ التواتر كاحاديث الشفاعة وأنكروا ان يخرج أحد من النار بعد ان يدخلها وأنكروا الحوض والميزان وعذاب القبر إلى غير ذلك من كلامهم في الصفات والعلم والنظر وقال أكثر أهل العلم الرأي المذموم الذي لا يجوز النظر فيه ولا الاشتغال به هو ما كان في نحو ذلك من ضروب البدع ثم أسند عن أحمد بن حنبل قال لا تكاد ترى أحدا نظر في الرأي الا وفي قلبه دغل قال وقال جمهور أهل العلم الرأي المذموم في الآثار المذكورة هو القول في الاحكام بالاستحسان والتشاغل بالاغلوطات ورد الفروع بعضها إلى بعض دون ردها إلى أصول السنن وأضاف كثير منهم إلى ذلك من يتشاغل بالاكثار منها قبل وقوعها لما يلزم من الاستغراق في ذلك من تعطيل السنن وقوى بن عبد البر هذا القول الثاني واحتج له ثم قال ليس أحد من علماء الامة يثبت عنده حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ ثم يرده الا بادعاء نسخ أو معارضة أثر غيره أو إجماع أو عمل يجب على أصله الانقياد إليه أو طعن في سنده ولو فعل ذلك بغير ذلك لسقطت عدالته فضلا عن ان يتخذ إماما وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك ثم ختم الباب بما بلغه عن سهل بن عبد الله التستري الزاهد المشهور قال ما أحدث أحد في العلم شيئا الا سئل عنه يوم القيامة فان وافق السنة سلم والا فلا (0) قوله باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول لا أدري أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي أي كان له إذا سئل عن الشئ الذي لم يوحى إليه فيه حالان اما ان يقول لا أدري واما ان يسكت حتى يأتيه بيان ذلك بالوحي والمراد بالوحي أعم من المتعبد بتلاوته ومن غيره ولم يذكر لقوله لا أدري دليلا فان كلا من الحديثين المعلق والموصول من أمثلة الشق الثاني وأجاب بعض المتأخرين بأنه استغنى بعدم جوابه به وقال الكرماني في قوله في الترجمة لا أدري حزازة إذ ليس في الحديث ما يدل عليه ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم ذلك كذا قال وهو تساهل شديد منه في الاقدام على نفي الثبوت كما سأبينه والذي يظهر انه أشار في الترجمة إلى ما ورد في ذلك ولكنه لم يثبت عنده منه شئ على شرطه وان كان يصلح للحجة كعادته في أمثال ذلك وأقرب ما ورد عنده في ذلك حديث بن مسعود الماضي في تفسير سورة ص من علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم الحديث لكنه موقوف والمراد منه انما هو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم انه أجاب بلا أعلم أو لا أدري وقد وردت فيه عدة أحاديث منها حديث بن عمر جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أي البقاع خير قال لا أدري فأتاه جبريل فسأله فقال لا أدري فقال سل ربك فانتفض جبريل انتفاضة الحديث أخرجه بن حبان وللحاكم نحوه من حديث جبير بن مطعم وفي الباب عن أنس عند بن مردويه واما حديث أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أدري الحدود كفارة لاهلها أم لا وهو عند الدارقطني والحاكم فقد تقدم في شرح حديث عبادة من كتاب العلم الكلام عليه وطريق الجمع بينه وبين حديث عبادة ووقع الالمام بشئ من ذلك في كتاب الحدود أيضا وقال بن الحاجب في أوائل مختصرة لثبوت لا أدري وقد أوردت من ذلك ما تيسر في الامالي في تخريج أحاديث المختصر قوله ولم يقل برأي
[ 247 ]
ولا قياس قال الكرماني هما مترادفان وقيل الرأي التفكر والقياس الالحاق وقيل الرأي أعم ليدخل فيه الاستحسان ونحوه انتهى والذي يظهر أن الاخير مراد البخاري وهو ما دل عليه اللفظ الذي أورده في الباب الذي قبله من حديث عبد الله بن عمرو وقال الاوزاعي العلم ما جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لم يجئ عنهم فليس بعلم واخرج أبو عبيد ويعقوب بن شيبة عن بن مسعود قال لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأكابرهم فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت اهواؤهم هلكوا وقال أبو عبيدة معناه ان كل ما جاء عن الصحابة وكبار التابعين لهم بإحسان هو العلم الموروث وما أحدثه من جاء بعدهم هو المذموم وكان السلف يفرقون بين العلم والرأي فيقولون للسنة علم ولما عداها رأي وعن أحمد يؤخذ العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن الصحابة فان لم يكن فهو في التابعين مخير وعنه ما جاء عن الخلفاء الراشدين فهو من السنة وما جاء عن غيرهم من الصحابة ممن قال انه سنة لم أدفعه وعن بن المبارك ليكن المعتمد عليه الاثر وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الخبر والحاصل ان الرأي ان كان مستندا للنقل من الكتاب أو السنة فهو محمود وان تجرد عن علم فهو مذموم وعليه يدل حديث عبد الله بن عمرو المذكور فإنه ذكر بعد فقد العلم أن الجهال يفتون برأيهم قوله لقوله في رواية المستملي لقول الله تعالى بما أراك الله وقد نقل بن بطال عن المهلب ما معناه انما سكت النبي صلى الله عليه وسلم في أشياء معضلة ليست لها أصول في الشريعة فلا بد فيها من اطلاع الوحي والا فقد شرع صلى الله عليه وسلم لامته القياس وأعلمهم كيفية الاستنباط فيما لا نص فيه حيث قال للتي سألته هل تحج عن أمها فالله أحق بالقضاء وهذا هو القياس في لغة العرب وأما عند العلماء فهو تشبيه مالا حكم فيه بما فيه حكم في المعنى وقد شبه الحمر بالخيل فأجاب من سأله عن الحمر بالآية الجامعة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره إلى آخرها كذا قال ونقل بن التين عن الداودي ما حاصله ان الذي احتج به البخاري لما ادعاه من النفي حجة في الاثبات لان المراد بقوله بما أراك الله ليس محصورا في المنصوص بل فيه اذن في القول بالرأي ثم ذكر قصة الذي قال ان امرأتي ولدت غلاما اسود هل لك من ابل إلى ان قال فلعله نزعه عرق وقال لما رأى شبها بزمعة احتجي منه يا سودة ثم ذكر آثارا تدل على الاذن في القياس وتعقبها بن التين بأن البخاري لم يرد النفي المطلق وانما أراد انه صلى الله عليه وسلم ترك الكلام في أشياء وأجاب بالرأي في أشياء وقد بوب لكل ذلك بما ورد فيه وأشار إلى قوله بعد بابين باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين وذكر فيه حديث لعله نزعه عرق وحديث فدين الله أحق أن يقضي وبهذا يندفع ما فهمه المهلب والداودي ثم نقل بن بطال الخلاف هل يجوز للنبي ان يجتهد فيما لم ينزل عليه ثالثها فيما يجري مجرى الوحي من منام وشبهه ونقل أن لا نص لمالك فيه قال والاشبه جوازه وقد ذكر الشافعي المسألة في الام وذكر أن حجة من قال أنه لم يسن شيئا الا بأمر وهو على وجهين اما بوحي يتلى على الناس وأما برسالة عن الله ان أفعل كذا قول الله تعالى وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة الآية فالكتاب ما يتلى والحكمة السنة وهو ما جاء به عن الله بغير تلاوة ويؤيد ذلك قوله في قصة العسيف لاقضين بينكما بكتاب الله أي بوحيه ومثله حديث يعلى بن أمية في قصة الذي سأل عن العمرة وهو لابس الجبة فسكت حتى جاءه الوحي فلما سرى عنه أجابه وأخرج الشافعي من طريق طاوس ان عنده
[ 248 ]
كتابا في العقول نزل به الوحي وأخرج البيهقي بسند صحيح عن حسان بن عطية أحد التابعين من ثقات الشاميين كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن ويجمع ذلك كله وما ينطق عن الهوى الآية ثم ذكر الشافعي أن من وجوه الوحي ما يراه في المنام وما يلقيه روح القدس في روعه ثم قال ولا تعدوا السنن كلها واحدا من هذه المعاني التي وصفت انتهى واحتج من ذهب إلى أنه كان يجتهد بقول الله تعالى فاعتبروا يا أولي الابصار والانبياء أفضل أولي الابصار ولما ثبت من أجر المجتهد ومضاعفته والانبياء أحق بما فيه جزيل الثواب ثم ذكر بن بطال أمثلة مما عمل فيه صلى الله عليه وسلم بالرأي من أمر الحرب وتنفيذ الجيوش واعطاء المؤلفة وأخذ الفداء من اسارى بدر واستدل بقوله تعالى وشاورهم في الامر وقال ولا تكون المشورة الا فيما لا نص فيه واحتج الداودي بقول عمر ان الراي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبا وانما هو منا الظن والتكلف وقال الكرماني قال المجوزون كأن التوقف فيما لم يجد له أصلا يقيس عليه والا فهو مأمور به لعموم قوله تعالى فاعتبروا يا أولي الابصار انتهى وهو ملخص مما تقدم واحتج بن عبد البر لعدم القول بالرأي بما أخرجه من طريق بن شهاب ان عمر خطب فقال يا أيها الناس ان الرأي انما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبا لان الله عزوجل يريه وانما هو منا الظن والتكلف وبهذا يمكن التمسك به لمن يقول كان يجتهد لكن لا يقع فيما يجتهد فيه خطأ أصلا وهذا في حقه صلى الله عليه وسلم فاما من بعده فان الوقائع كثرت والاقاويل انتشرت فكان السلف يتحرزون من المحدثات ثم انقسموا ثلاث فرق الاولى تمسكت بالامر وعملوا بقوله صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين فلم يخرجوا في فتاويهم عن ذلك وإذا سئلوا عن شئ لا نقل عندهم فيه امسكوا عن الجواب وتوقفوا والثانية قاسوا ما لم يقع على ما وقع وتوسعوا في ذلك حتى أنكرت عليهم الفرقة الاولى كما تقدم ويجئ والثالثة توسطت فقدمت الاثر ما دام موجودا فإذا فقد قاسوا قوله وقال بن مسعود سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح فسكت حتى نزلت الآية هو طرف من الحديث الذي مضى قريبا في آخر باب ما يكره من كثرة السؤال موصولا إلى بن مسعود لكنه ذكره فيه بلفظ فقام ساعة ينظر وأورده بلفظ فسكت في كتاب العلم وأورده في تفسير سبحان بلفظ فأمسك وفي رواية مسلم فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه شيئا ثم ذكر حديث جابر في مرضه وسؤاله كيف أصنع في مالي قال فما اجابني بشئ حتى نزلت آية الميراث وهو ظاهر فيما ترجم له وقد مضى شرحه مستوفى في تفسير سورة النساء (0) قوله باب تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الرجال والنساء مما علمه الله ليس برأي ولا تمثيل قال المهلب مراده ان العالم إذا كان يمكنه ان يحدث بالنصوص لا يحدث بنظره ولا قياسه انتهى والمراد بالتمثيل القياس وهو اثبات مثل حكم معلوم في آخر لاشتراكهما في علة الحكم والرأي أعم وذكر فيه حديث أبي سعيد في سؤال المرأة قد ذهب الرجال بحديثك وفيه فأتاهن فعلمهن مما علمه الله وفيه ثم قال ما منكن امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة وقد مضى شرحه مستوفى في أول كتاب الجنائز وفي العلم وقوله (6880) جاءت امرأة لم أقف على اسمها ويحتمل ان تكون هي أسماء بنت يزيد بن السكن وقوله هنا فأتاهن فعلمهن مما علمه الله تقدم هناك بلفظ فوعدهن
[ 249 ]
يوما لقيهن فيه فوعظهن فأمرهن فكان فيما قال لهن فذكر نحو ما هنا ولم أر في شئ من طرقه بيان ما علمهن لكن يمكن ان يؤخذ من حديث أبي سعيد الآخر الماضي في كتاب الزكاة وفيه فمر على النساء فقال يا معشر النساء تصدقن فاني رأيتكن أكثر أهل النار الحديث وفيه فقامت امرأة فقالت لم وفيه أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل وأليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم وقد مضى شرحه مستوفى هناك وان المراة المذكورة هي أسماء قال الكرماني موضع الترجمة من الحديث قوله كن لها حجابا من النار فإنه أمر توقيفي لا يعلم الا من قبل الله تعالى لا دخل للقياس والرأي فيه (0) قوله باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق هذه الترجمة لفظ الحديث أخرجه مسلم عن ثوبان وبعده لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك وله من حديث جابر مثله لكن قال يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة وله من حديث معاوية المذكور في الباب نحوه قوله وهم أهل العلم هو من كلام المصنف وأخرج الترمذي حديث الباب ثم قال سمعت محمد بن إسماعيل هو البخاري يقول سمعت علي بن المديني يقول هم أصحاب الحديث وذكر في كتاب خلق أفعال العباد عقب حديث أبي سعيد في قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا هم الطائفة المذكورة في حديث لا تزال طائفة من أمتي ثم ساقه وقال وجاء نحوه عن أبي هريرة ومعاوية وجابر وسلمة بن نفيل وقرة بن إياس انتهى وأخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن أحمد ان لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم ومن طريق يزيد بن هارون مثله وزعم بعض الشراح أنه استفاد ذلك من حديث معاوية لان فيه من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وهو في غاية البعد وقال الكرماني يؤخذ من الاستقامة المذكورة في الحديث الثاني أن من جملة الاستقامة ان يكون التفقه لانه الاصل قال وبهذا ترتبط الاخبار المذكورة في حديث معاوية لان الاتفاق لا بد منه أي المشار إليه بقوله وانما انا قاسم ويعطي الله عزوجل (6881) قوله حدثنا عبيد الله بن موسى هو العبسي بالموحدة ثم المهملة الكوفي من كبار شيوخ البخاري وهو من أتباع التابعين وشيخه في هذا الحديث إسماعيل هو بن أبي خالد تابعي مشهور وشيخ إسماعيل قيس هو بن أبي حازم من كبار التابعين وهو مخضرم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ولهذا الاسناد حكم الثلاثيات وان كان رباعيا وقد تقدم بعد علامات النبوة ببابين من رواية يحيى القطان عن إسماعيل انزل من هذا بدرجة ورجال سند الباب كلهم كوفيون لان المغيرة ولي امرة الكوفة غير مرة وكانت وفاته بها وقد اتفق الرواة عن إسماعيل على أنه عن قيس عن المغيرة وخالفهم أبو معاوية فقال عن سعيد بدل المغيرة فأورده أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وقال الصواب قول الجماعة عن المغيرة وحديث سعد عند مسلم لكن من طريق بن عثمان عن سعد قوله لا تزال بالمثناة أوله وفي رواية مسلم من طريق مروان الفزاري عن إسماعيل لن يزال قوم وهذه بالتحتانية والباقي مثله لكن زاد ظاهرين على الناس قوله حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون أي على من خالفهم أي غالبون أو المراد بالظهور أنهم غير مستترين بل مشهورون والاول أولى وقد وقع عند مسلم من حديث جابر بن سمرة لن يبرح هذا الدين قائما تقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة وله في حديث عقبة بن عامر لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم
[ 250 ]
الساعة وقد ذكرت الجمع بينه وبين حديث لا تقوم الساعة الا على شرار الناس في أواخر كتاب الفتن والقصة التي أخرجها مسلم أيضا من حديث عبد الله بن عمرو لا تقوم الساعة الا على شرار الخلق هم شر من أهل الجاهلية لا يدعون الله بشئ الا رده عليهم ومعارضة عقبة بن عامر بهذا الحديث فقال عبد الله أجل ثم يبعث الله ريحا كريح المسك فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من ايمان الا قبضته ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة وقد أشرت إلى هذا قريبا في الكلام على حديث قبض العلم وان هذا أولى ما يتمسك به في الجمع بين الحديثين المذكورين وذكرت ما نقله بن بطال عن الطبري في الجمع بينهما ان شرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة يكونون بموضع مخصوص وأن موضعا آخر يكون به طائفة يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالفهم ثم أورد من حديث أبي أمامة نحو حديث الباب وزاد فيه قيل يا رسول الله وأين هم قال ببيت المقدس وأطال في تقرير ذلك وذكرت أن المراد بأمر الله هبوب تلك الريح وأن المراد بقيام الساعة ساعتهم وان المراد بالذين يكونون ببيت المقدس الذين يحصرهم الدجال إذا خرج فينزل عيسى إليهم فيقتل الدجال ويظهر الدين في زمن عيسى ثم بعد موت عيسى تهب الريح المذكورة فهذا هو المعتمد في الجمع والعلم عند الله تعالى (6882) قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس وابن وهب هو عبد الله ويونس هو بن يزيد وحميد هو بن عبد الرحمن بن عوف قوله سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطب في رواية عمير بن هاني سمعت معاوية على المنبر يقول وقد مضى في علامات النبوة ويأتي في التوحيد وفي رواية يزيد بن الاصم سمعت معاوية وذكر حديثا ولم أسمعه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم على منبره حديثا غيره أخرجه مسلم قوله من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين تقدم شرح هذا في كتاب العلم وقوله وانما أنا قاسم ويعطي الله تقدم في العلم بلفظ والله المعطي وفي فرض الخمس من وجه آخر والله المعطي وأنا القاسم وتقدم شرحه هناك أيضا قوله ولن يزال أمر هذه الامة مستقيما حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله في رواية عمير بن هانئ لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله وتقدم بعد بابين من باب علامات النبوة من هذا الوجه بلفظ لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك وزاد قال عمير فقال مالك بن يخامر قال معاذ وهم بالشام وفي رواية يزيد بن الاصم ولا تزال عصابة من المسلمين ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة قال صاحب المشارق في قوله لا يزال أهل الغرب يعني الرواية التي في بعض طرق مسلم وهي بفتح الغين المعجمة وسكون الراء ذكر يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني قال المراد بالغرب الدلو أي الغرب بفتح المهملتين لانهم أصحابها لا يستقى بها أحد غيرهم لكن في حديث معاذ وهم أهل الشام فالظاهر أن المراد بالغرب البلد لان الشام غربي الحجاز كذا قال وليس بواضح ووقع في بعض طرق الحديث المغرب بفتح الميم وسكون المعجمة وهذا يرد تأويل الغرب بالعرب لكن يحتمل أن يكون بعض رواته نقله بالمعنى الذي فهمه أن المراد الاقليم لا صفة بعض أهله وقيل المراد بالغرب أهل القوة والاجتهاد في الجهاد يقال في لسانه غرب بفتح ثم سكون أي حدة ووقع في حديث أبي أمامة عند أحمد أنهم ببيت المقدس وأضاف بيت إلى المقدس وللطبراني من حديث النهدي نحوه وفي حديث أبي هريرة في الاوسط للطبراني يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى أبواب ببيت المقدس وما حوله لا يضرهم من خذلهم ظاهرين إلى يوم القيامة
[ 251 ]
قلت ويمكن الجمع بين الاخبار بأن المراد قوم يكونون ببيت المقدس وهي شامية ويسقون بالدلو وتكون لهم قوة في جهاد العدو وحدة وجد تنبيه اتفق الشراح على أن معنى قوله على من خالفهم أن المراد علوهم عليهم بالغلبة وأبعد من أبدع فرد على من جعل ذلك منقبة لاهل الغرب أنه مذمة لان المراد بقوله ظاهرين على الحق أنهم غالبون له وأن الحق بين أيديهم كالميت وأن المراد بالحديث ذم الغرب وأهله لا مدحهم قال النووي فيه ان الاجماع حجة ثم قال يجوز ان تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد ولا يلزم ان يكونوا مجتمعين في بلد واحد بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وافتراقهم في أقطار الارض ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد وان يكونوا في بعض منه دون بعض ويجوز اخلاء الارض كلها من بعضهم أولا فأولا إلى ان لا يبقى الا فرقة واحدة ببلد واحد فإذا انقرضوا جاء أمر الله انتهى ملخصا مع زيادة فيه ونظير ما نبه عليه ما حمل عليه بعض الائمة حديث أن الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها أنه لا يلزم ان يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط بل يكون الامر فيه كما ذكر في الطائفة وهو متجه فان اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد الا ان يدعى ذلك في عمر بن عبد العزيز فأنه كان القائم بالامر على رأس المائة الاولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه واما من جاء بعده فالشافعي وان كان متصفا بالصفات الجميلة الا انه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل فعلى هذا كل من كان متصفا بشئ من ذلك عند رأس المائة هو المراد سواء تعدد أم لا (0) قوله باب في قول الله تعالى أو يلبسكم شيعا ذكر فيه حديث جابر في نزول قوله تعالى (6883) قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا وقد تقدم شرحه مستوفى في تفسير سورة الانعام ووجه مناسبته لما قبله ان ظهور بعض الامة على عدوهم دون بعض يقتضي ان بينهم اختلافا حتى انفردت طائفة منهم بالوصف لان غلبة الطائفة المذكورة ان كانت على الكفار ثبت المدعى وان كانت على طائفة من هذه الامة أيضا فهو أظهر في ثبوت الاختلاف فذكر بعده أصل وقوع الاختلاف وانه صلى الله عليه وسلم كان يريد ان لا يقع فأعلمه الله تعالى انه قضى بوقوعه وان كل ما قدره لا سبيل إلى رفعه قال بن بطال أجاب الله تعالى دعاء نبيه في عدم استئصال أمته بالعذاب ولم يجبه في ان لا يلبسهم شيعا أي فرقا مختلفين وان لا يذيق بعضهم بأس بعض أي بالحرب والقتل بسبب ذلك وان كان ذلك من عذاب الله لكن أخف من الاستئصال وفيه للمؤمنين كفارة (0) قوله باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حكمها ليفهم السائل في رواية الكشميهني والاسماعيلي والجرجاني قد بين الله بحذف الواو وبحذف النبي والاول أولى وحذف الواو يوافق ترجمة المصنف الماضية قال مما علمه الله ليس برأي ولا تمثيل أي أن الذي ورد عنه من التمثيل انما هو تشبيه أصل بأصل والمشبه أخفى عند السائل من المشبه به وفائدة التشبيه التقريب لفهم السائل وأورده النسائي بلفظ من شبه أصلا معلوما بأصل مبهم قد بين الله حكمهما ليفهم السائل وهذا أوضح في المراد ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة الذي قال ان امرأتي ولدت غلاما
[ 252 ]
اسود وقد تقدمت الاشارة إليه قريبا وتقدم شرحه مستوفى في كتاب اللعان وحديث بن عباس في قصة المراة التي ذكرت ان أمها نذرت ان تحج فماتت أفأحج عنها وقد تقدمت الاشارة إليه قريبا أيضا وتقدم شرحه مستوفى في الحج قال بن بطال التشبيه والتمثيل هو القياس عند العرب وقد احتج المزني بهذين الحديثين على من انكر القياس قال وأول من انكر القياس إبراهيم النظام وتبعه بعض المعتزلة وممن ينسب إلى الفقه داود بن علي وما اتفق عليه الجماعة هو الحجة فقد قاس الصحابة فمن بعدهم من التابعين وفقهاء الامصار وبالله التوفيق وتعقب بعضهم الاولية التي أدعاها بن بطال بأن إنكار القياس ثبت عن بن مسعود من الصحابة ومن التابعين عن عامر الشعبي من فقهاء الكوفة وعن محمد بن سيرين من فقهاء البصرة وقال الكرماني عقب هذا الباب وما فيه يدل على صحة القياس وأنه ليس مذموما لكن لو قال من شبه أمرا معلوما لوافق اصطلاح أهل القياس قال وأما الباب الماضي المشعر بذم القياس وكراهته فطريق الجمع بينهما ان القياس على نوعين صحيح وهو المشتمل على جميع شرائط وفاسد وهو بخلاف ذلك فالمذموم هو الفاسد واما الصحيح فلا مذمة فيه بل هو مامور به انتهى وقد ذكر الشافعي شرط من له ان يقيس فقال يشترط ان يكون عالما بالاحكام من كتاب الله تعالى وبناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه ويستدل على ما احتمل التأويل بالسنة والاجماع فان لم يكن فبالقياس على ما في الكتاب فان لم يكن فبالقياس على ما في السنة فان لم يكن فبالقياس على ما اتفق عليه السلف وإجماع الناس ولم يعرف له مخالف قال ولا يجوز القول في شئ من العلم الا من هذه الاوجه ولا يكون لاحد ان يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف وإجماع الناس واختلاف العلماء ولسان العرب ويكون صحيح العقل ليفرق بين المشتبهات ولا يعجل ويستمع ممن خالف ليتنبه بذلك على غفلة ان كانت وان يبلغ غاية جهده وينصف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما قال والاختلاف على وجهين فما كان منصوصا لم يحل فيه الاختلاف عليه وما كان يحتمل التأويل أو يدرك قياسا فذهب المتأول أو القائس إلى معنى يحتمل وخالفه غيره لم أقل انه يضيق عليه ضيق المخالف للنص وإذا قاس من له القياس فاختلفوا وسع كلا ان يقول بمبلغ اجتهاده ولم يسعه اتباع غيره فيما اداه إليه اجتهاده وقال بن عبد البر في بيان العلم بعد ان ساق هذا الفصل قد اتى الشافعي رحمه الله في هذا الباب بما فيه كفاية وشفاء والله الموفق وقال بن العربي وغيره القرآن هو الاصل فان كانت دلالته خفية نظر في السنة فان بينته والا فالجلي من السنة وان كانت الدلالة منها خفية نظر فيما اتفق عليه الصحابة فإن اختلفوا رجح فان لم يوجد عمل بما يشبه نص الكتاب ثم السنة ثم الاتفاق ثم الراجح كما سقته عنه في شرح حديث أنس لا يأتي عام الا والذي بعده شر منه في أوائل كتاب الفتن وأنشد بن عبد البر لابي محمد اليزيدي النحوي المقرئ المشهور برواية أبي عمرو بن العلاء من أبيات طويلة في اثبات القياس لا تكن كالحمار يحمل اسفا را كما قد قرأت في القرآن ان هذا القياس في كل أمر عند أهل العقول كالميزان لا يجوز القياس في الدين الا لفقيه لدينه صوان ليس يغني عن جاهل قول راو عن فلان وقوله عن فلان
[ 253 ]
ان أتاه مسترشدا افتاه بحديثين فيهما معنيان ان من يحمل الحديث ولا يعرف فيه المراد كالصيدلاني حكم الله في الجزاء ذوي عد ل لذي الصيد بالذي يريان لم يوقت ولم يسم ولكن قال فيه فليحكم العدلان ولنا في النبي صلى علي ه الله والصالحون كل اوان أسوة في مقاله لمعاذ اقض بالرأي ان اتى الخصمان وكتاب الفاروق يرحمه الله إلى الاشعري في تبيان قس إذا اشكلت عليك أمور ثم قل بالصواب والعرفان وتعقب بعضهم الاولية التي ادعاها بن بطال إنكار القياس ثبت عن بن مسعود من الصحابة ومن التابعين عن عامر الشعبي من فقهاء الكوفة وعن محمد بن سيرين من فقهاء البصرة وذلك مشهور عنهم نقله بن عبد البر ومن قبله الدارمي وغيره عنهم وعن غيرهم والمذهب المعتدل ما قاله الشافعي ان القياس مشروع عند الضرورة لاأنه أصل برأسه (0) قوله باب ما جاء في اجتهاد القضاء كذا لابي ذر والنسفي وابن بطال وطائفة القضاء بفتح أوله والمد واضافة الاجتهاد إليه بمعنى الاجتهاد فيه والمعنى الاجتهاد في الحكم بما انزل الله تعالى أو فيه حذف تقديره اجتهاد متولى القضاء ووقع في رواية غيرهم القضاة بصيغة الجمع وهو واضح لكن سيأتي بعد قليل الترجمة لاجتهاد الحاكم فيلزم التكرار والاجتهاد بذل الجهد في الطلب واصطلاحا بذل الوسع للتوسل إلى معرفة الحكم الشرعي قوله بما أنزل الله لقوله ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون كذا للاكثر وللنسفي بما انزل الله الآية وترجم في أوائل الاحكام للحديث الاول من الباب أجر من قضى بالحكمة لقول الله تعالى ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون وفيه إشارة إلى ان الوصف بالصفتين ليس واحدا خلافا لمن قال إحداهما في النصارى والاخرى في المسلمين والاولى لليهود والاظهر العموم واقتصر المصنف على تلاوة الآيتين لامكان تناولهما المسلمين بخلاف الاولى فانها في حق من استحل الحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى واما الآخرتان فهما لاعم من ذلك قوله ومدح النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الحكمة حين يقضي بها ويعلمها ولا يتكلف من قبله يجوز في مدح فتح الدال على انه فعل ماض ويجوز تسكينها على انه اسم والحاء مجرورة وهو مضاف للفاعل واختلف في ضبط قبله فللاكثر بفتح الموحدة بعد القاف المكسورة أي من جهته وللكشميهني بتحتانية ساكنة بدل الموحدة أي من كلامه وعند النسفي من قبل نفسه قوله ومشاورة الخلفاء وسؤالهم أهل العلم ذكر فيه حديثين الاول للشق الاول والثاني للثاني الاول حديث بن مسعود لا حسد الا في اثنتين وقد تقدم سندا ومتنا في أول كتاب الاحكام وترجم له أجر من قضى بالحكمة وتقدم الكلام عليه ثمة ثانيهما حديث المغيرة قال سأل عمر عن املاص المرأة وقد تقدم شرحه مستوفى في أواخر الديات أخرجه عاليا عن عبيد الله بن موسى عن هشام بن عروة ومن وجهين آخرين عن هشام وقوله (6887) هنا حدثنا محمد هو بن سلام كما جزم به بن السكن وقد أخرج البخاري في النكاح حديثا عن محمد بن سلام منسوبا لابيه عند الجميع عن أبي معاوية فهذه قرينة تؤيد قول بن السكن واحتمال كونه محمد
[ 254 ]
ابن المثني بعيد وان كان اخرج في الطهارة عن محمد بن خازم بمعجمتين حديثا وهو أبو معاوية لكن المهمل انما يحمل على من يكون لمن اهمله به اختصاص واختصاص البخاري بمحمد بن سلام مشهور وقوله في آخره تابعه بن أبي الزناد يعني عبد الرحمن عن أبيه وهو عبد الله بن ذكوان وهو بكنيته اشهر وسقط هذا للنسفي قوله عن عروة عن المغيرة كذا للاكثر وهو الصواب ووقع في رواية الكشميهني عن الاعرج عن أبي هريرة وهو غلط فقد رويناه موصولا عن البخاري نفسه وهو في الجزء الثالث عشر من فوائد الاصبهانيين عن المحاملي قال حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الاويسي حدثني بن أبي الزناد عن أبيه عروة عن المغيرة وكذلك أخرجه الطبراني من وجه آخر عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ولم ينبه الحميدي في الجمع ولا المزي في الاطراف ولا أحد من الشراح على هذا الموضع قال بن بطال لا يجوز للقاضي الحكم الا بعد طلب حكم الحادثة من الكتاب أو السنة فان عدمه رجع إلى الاجماع فان لم يجده نظر هل يصح الحمل على بعض الاحكام المقررة لعلة تجمع بينهما فان وجد ذلك لزمه القياس عليها الا ان عارضتها علة أخرى فيلزمه الترجيح فان لم يجد علة استدل بشواهد الاصول وغلبة الاشتباه فان لم يتوجه له شئ من ذلك رجع إلى حكم العقل قال هذا قول بن الطيب يعني أبا بكر الباقلاني ثم أشار إلى إنكار كلامه الاخير بقوله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شئ وقد علم الجميع بأن النصوص لم تحط بجميع الحوادث فعرفنا ان الله قد أبان حكمها بغير طريق النص وهو القياس ويؤيد ذلك قوله تعالى لعلمه الذين يستنبطونه منهم لان الاستنباط هو الاستخراج وهو بالقياس لان النص ظاهر ثم ذكر في الرد على منكري القياس وألزمهم التناقض لان من أصلهم إذا لم يوجد النص الرجوع إلى الاجماع قال فيلزمهم ان يأتوا بالاجماع على ترك القول بالقياس ولا سبيل لهم إلى ذلك فوضح ان القياس انما ينكر إذا استعمل مع وجود النص أو الاجماع لا عند فقد النص والاجماع وبالله التوفيق (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لتتبعن بمثناتين مفتوحتين ثم موحدة مكسورة وعين مهملة مضمومة ونون ثقيلة وأصله تتبعون سنن بالمهملة والنون بعدها نون أخرى من كان قبلكم بفتح اللام ولفظ الترجمة مطابق للفظ الحديث الثاني (6888) قوله عن المقبري هو سعيد وسماه الاسماعيلي في روايته عن إبراهيم بن شريك عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه قوله لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها كذا هنا بموحدة مكسورة والف مهموزة وخاء معجمة ثم معجمة والاخذ بفتح الالف وسكون الخاء على الاشهر هو السيرة يقال اخذ فلان بأخذ فلان أي سار بسيرته وما اخذ أخذه أي ما فعل فعله ولا قصد وقيل الالف مثلثة وقرأه بعضهم اخذ بفتح الخاء جمع اخذة بكسر أوله مثل كسرة وكسر ووقع في رواية الاصيلي على ما حكاه بن بطال بما اخذ القرون بموحدة وما الموصولة وأخذ بلفظ الفعل الماضي وهي رواية الاسماعيلي وفي رواية النسفي مأخذ بميم مفتوحة وهمزة ساكنة والقرون جمع قرن بفتح القاف وسكون الراء الامة من الناس ووقع في رواية الاسماعيلي من طريق عبد الله بن نافع عن بن أبي ذئب الامم والقرون قوله شبرا بشبر وذراعا بذراع في رواية الكشميهني شبرا شبرا وذراعا ذراعا قوله فقيل يا رسول الله في قوله الاسماعيلي من طريق عبد الصمد بن النعمان عن أبن أبي ذئب فقال
[ 255 ]
رجل ولم أقف عليه مسمى قوله كفارس والروم يعني الامتين المشهورتين في ذلك الوقت وهم الفرس في ملكهم كسرى والروم في ملكهم قيصر وفي رواية الاسماعيلي المذكورة كما فعلت فارس والروم قوله ومن الناس الا أولئك أي فارس والروم لكونهم كانوا إذ ذاك أكبر ملوك الارض وأكثرهم رعية وأوسعهم بلادا (6889) قوله حدثنا محمد بن عبد العزيز هو الرملي وأبو عمر الصنعاني بمهملة ثم نون هو حفص بن ميسرة وقوله من اليمن أي هو رجل من اليمن أي هو من صنعاء اليمن لا من صنعاء الشام وقيل المراد أصله من اليمن وهو من صنعاء الشام ونزل عسقلان قوله لتتبعن سنن بفتح السين للاكثر وقال بن التين قرأناه بضمها وقال المهلب بالفتح أولى لانه الذي يستعمل فيه الذراع والشبر وهو الطريق قلت وليس اللفظ الاخير ببعيد من ذلك قوله شبرا شبرا وذراعا ذراعا في رواية الكشميهني شبرا بشبر وذراعا بذراع عكس الذي قبله قال عياض الشبر والذراع والطريق ودخول الجحر تمثيل للاقتداء بهم في كل شئ مما نهى الشرع عنه وذمه قوله جحر بضم الجيم وسكون المهملة والضب الحيوان المعروف تقدم الكلام عليه في ذكر بني إسرائيل قوله قلنا لم أقف على تعيين القائل قوله قال فمن هو استفهام إنكار والتقدير فمن هم غير أولئك وقد اخرج الطبراني من حديث المستورد بن شداد رفعه لا تترك هذه الامة شيئا من سننن الاولين حتى تأتيه ووقع في حديث عبد الله بن عمرو عند الشافعي بسند صحيح لتركبن سنة من كان قبلكم حلوها ومرها قال بن بطال اعلم صلى الله عليه وسلم ان أمته ستتبع المحدثات من الامور والبدع والاهواء كما وقع للامم قبلهم وقد انذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر والساعة لا تقوم الا على شرار الناس وان الدين انما يبقى قائما عند خاصة من الناس قلت وقد وقع معظم ما انذر به صلى الله عليه وسلم وسيقع بقية ذلك وقال الكرماني حديث أبي هريرة مغاير لحديث أبي سعيد لان الاول فسر بفارس والروم والثاني باليهود والنصارى ولكن الروم نصارى وقد كان في الفرس يهود أو ذكر ذلك على سبيل المثال لانه قال في السؤال كفارس انتهى ويعكر عليه جوابه صلى الله عليه وسلم بقوله ومن الناس الا أولئك لان ظاهره الحصر فيهم وقد أجاب عنه الكرماني بأن المراد حصر الناس المعهود من المتبوعين قلت ووجهه انه صلى الله عليه وسلم لما بعث كان ملك البلاد منحصرا في الفرس والروم وجميع من عداهم من الامم من تحت أيديهم أو كلا شئ بالنسبة إليهم فصح الحصر بهذا الاعتبار ويحتمل ان يكون الجواب اختلف بحسب المقام فحيث قال فارس والروم كان هناك قرينة تتعلق بالحكم بين الناس وسياسة الرعية وحيث قيل اليهود والنصارى كان هناك قرينة تتعلق بأمور الديانات اصولها وفروعها ومن ثم كان في الجواب عن الاول ومن الناس الا أولئك واما الجواب في الثاني بالابهام فيؤيد الحمل المذكور وأنه كان هناك قرينة تتعلق بما ذكرت واستدل بن عبد البر في باب ذم القول بالرأي إذا كان على غير أصل بما أخرجه من جامع بن وهب أخبرني يحيى بن أيوب عن هشام بن عروة انه سمع أباه يقول لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى حدث فيهم المولدون أبناء سبايا الامم فأحدثوا فيهم القول بالرأي وأضلوا بني إسرائيل قال وكان أبي يقول السنن السنن فان السنن قوام الدين وعن بن وهب أخبرني بكر بن مضر عمن سمع بن شهاب الزهري وهو يذكر ما وقع الناس فيه من الرأي وتركهم السنن فقال ان اليهود والنصارى
[ 256 ]
انما انسلخوا من العلم الذي كان بأيديهم حين استقلوا الرأي وأخذوا فيه وأخرج بن أبي خيثمة من طريق مكحول عن أنس قيل يا رسول الله متى يترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قال إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل إذا ظهر الادهان في خياركم والفحش في شراركم والملك في صغاركم والفقه في رذالكم وفي مصنف قاسم بن أصبغ بسند صحيح عن عمر فساد الدين إذا جاء العلم من قبل الصغير استعصى عليه الكبير وصلاح الناس إذا جاء العلم من قبل الكبير تابعه عليه الصغير وذكر أبو عبيد ان المراد بالصغر في هذا صغر القدر لا السن والله اعلم (0) قوله باب اثم من دعا إلى ضلالة أو سن سنة سيئة لقوله تعالى ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ورد فيما ترجم به حديثان بلفظ وليسا على شرطه واكتفى بما يؤدي معناهما وهما ما ذكرهما من الآية والحديث فاما حديث من دعا إلى ضلالة فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعا إلى هدى كان له من الاجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من اجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الاثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا وأما حديث من سن سنة سيئة فأخرجه مسلم من رواية عبد الرحمن بن هلال عن جرير بن عبد الله البجلي في حديث طويل قال فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن في الاسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا وأخرجه من طريق المنذر بن جرير عن أبيه مثله لكن قال شئ في الموضعين بالرفع وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن جرير بلفظ من سن سنة خير ومن سن سنة شر واما الآية فقال مجاهد في قوله تعالى ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم قال حملهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم شيئا وأخرج عن الربيع بن أنس أنه فسر الآية المذكورة بحديث أبي هريرة المذكور ذكره مرسلا بغير سند وأما حديث الباب عن عبد الله بن مسعود فقد مضى شرحه في أول كتاب القصاص وتقدم البحث في المراد بالمفارق للجماعة المذكور فيه قال المهلب هذا الباب والذي قبله في معنى التحذير من الضلال واجتناب البدع ومحدثات الامور في الدين والنهي عن مخالفة سبيل المؤمنين انتهى ووجه التحذير أن الذي يحدث البدعة قد يتهاون بها لخفة أمرها في أول الامر ولا يشعر بما يترتب عليها من المفسدة وهو أن يلحقه اثم من عمل بها من بعده ولو لم يكن هو عمل بها بل لكونه كان الاصل في أحداثها (0) قوله باب ما ذكر النبي وحض بمهملة وضاد معجمة ثقيلة أي حرض بالمهملة وتشديد الراء وقوله على اتفاق أهل العلم قال الكرماني في بعض الروايات وما حض عليه من اتفاق وهو من باب تنازع العاملين وهما ذكر وحض قوله وما اجتمع عليه الحرمان مكة والمدينة وما كان بهما من مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والانصار في رواية الكشميهمني وما اجمع بهمزة قطع بغير تاء وعنده وما كان بها بالافراد والاول أولى قال الكرماني الاجماع هو اتفاق أهل الحل والعقد أي المجتهدين من أمة محمد على أمر من الامور الدينية واتفاق مجتهدي الحرمين دون غيرهم ليس بإجماع عند الجمهور وقال مالك إجماع أهل المدينة حجة قال وعبارة البخاري
[ 257 ]
مشعرة بأن اتفاق أهل الحرمين كليهما إجماع قلت لعله أراد الترجيح به لا دعوى الاجماع وإذا قال بحجية إجماع أهل المدنية وحدها مالك ومن تبعه فهم قائلون به إذا وافقهم أهل مكة بطريق الاولى وقد نقل بن التين عن سحنون اعتبار إجماع أهل مكة مع أهل المدينة قال حتى لو اتفقوا كلهم وخالفهم بن عباس في شئ لم يعد إجماعا وهو مبني على أن ندرة المخالف تؤثر في ثبوت الاجماع قوله ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم والمنبر والقبر هذه الثلاثة مجرورة عطفا على قوله مشاهد ثم ذكر فيه أربعة وعشرين حديثا الحديث الاول حديث جابر (6891) قوله إسماعيل هو بن أبي أويس قوله السلمي بفتح المهملة واللام قوله ان اعرابيا تقدم القول في اسمه وفي أي شئ استقال منه وضبط ينصع في أواخر الحج في فضل المدينة وكذا قوله كالكير مع سائر شرحه ولله الحمد قال بن بطال عن المهلب فيه تفضيل المدينة على غيرها بما خصها الله به من أنها تنفي الخبث ورتب على ذلك القول بحجية إجماع أهل المدينة وتعقب بقول بن عبد البر أن الحديث دال على فضل المدينة ولكن ليس الوصف المذكور عاما لها في جميع الازمنة بل هو خاص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم لانه لم يكن يخرج منها رغبة عن الاقامة معه الا من لا خير فيه وقال عياض نحوه وأيده بحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الفضة قال والنار انما تخرج الخبث والردئ وقد خرج من المدينة بعد النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من خيار الصحابة وقطنوا غيرها وماتوا خارجا عنها كابن مسعود وأبي موسى وعلي أو أبي ذر وعمار وحذيفة وعبادة بن الصامت وأبي عبيدة ومعاذ وأبي الدرداء وغيرهم فدل على أن ذلك خاص بزمنه صلى الله عليه وسلم بالقيد المذكور ثم يقع تمام إخراج الردئ منها في زمن محاصرة الدجال كما تقدم بيان ذلك واضحا في آخر كتاب الفتن وفيه فلا يبقى م نافق ولا منافقة الا خرج إليه فذلك يوم الخلاص الحديث الثاني حديث بن عباس كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف الحديث في خطبة عمر الذي تقدم بطوله مشروحا في باب رجم الحبلى من الحدود وذكر هنا منه طرفا والغرض منه هنا ما يتعلق بوصف المدينة بدار الهجرة ودار السنة ومأوى المهاجرين والانصار وقوله فيه فلما كان آخر حجة حجها عمر فقال عبد الرحمن جواب لما محذوف وقد تقدم بيانه وهو فلما رجع عبد الرحمن من عند عمر لقيني فقال وقوله فيه قال بن عباس هو موصول بالسند المذكور وقوله فقدمنا المدينة فقال ان الله بعث محمدا بالحق حذف منه قطعة كبيرة بين قوله فقدمنا المدينة وبين قوله قال الخ تقدم بيانها هناك وفيها قصة مع سعيد بن زيد وخروج عمر يوم الجمعة وخطبته بطولها وقد أدخل كثير ممن يقول بحجية إجماع أهل المدينة هذه المسألة في مسألة إجماع الصحابة وذلك حيث يقول لانهم شاهدوا التنزيل وحضروا الوحي وما أشبه ذلك وهما مسألتان مختلفتان والقول بأن إجماع الصحابة حجة أقوى من القول بان إجماع أهل المدينة حجة والراجح ان أهل المدينة ممن بعد الصحابة إذا اتفقوا على شئ كان القول به أقوى من القول بغيره الا ان يخالف نصا مرفوعا كما انه يرجح بروايتهم لشهرتهم بالتثبت في النقل وترك التدليس والذي يختص بهذا الباب القول بحجية قول أهل المدينة إذا اتفقوا
[ 258 ]
واما ثبوت فضل المدينة واهلها وغالب ما ذكر في الباب فليس يقوى في الاستدلال على هذا المطلوب الحديث الثالث (6892) قوله عن محمد هو بن سيرين ووقع منسوبا في رواية الترمذي عن قتيبة عن حماد بن زيد قوله ثوبان ممشقان بفتح الشين المعجمة الثقيلة بعدها قاف أي مصبوغان بالمشق بكسر الميم وسكون المعجمة وهو الطين الاحمر وقوله بخ بخ بموحدة ثم معجمة مكرر كلمة تعجب ومدح وفيها لغات وقد تقدم شرحه في باب كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب الرقاق والغرض منه قوله واني لاخر ما بين المنبر والحجرة هو مكان القبر الشريف وقال بن بطال عن المهلب وجه دخوله في الترجمة الاشارة إلى انه لما صبر على الشدة التي أشار إليها من أجل ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم في طلب العلم جوزي بما انفرد به من كثرة محفوظه ومنقوله من الاحكام وغيرها وذلك ببركة صبره على المدينة الحديث الرابع حديث بن عباس في شهوده العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم تقدم شرحه مستوفى في صلاة العيد وسياقه هناك أتم والغرض منه هنا ذكر المصلى حيث قال فأتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت والدار المذكورة بنيت بعد العهد النبوي وانما عرف بها لشهرتها وقال بن بطال عن المهلب شاهد الترجمة قول بن عباس ولولا مكاني من الصغر ما شهدته لان معناه ان صغير أهل المدينة وكبيرهم ونساءهم وخدمهم ضبطوا العلم معاينة منهم في مواطن العمل من شارعها المبين عن الله تعالى وليس لغيرهم هذه المنزلة وتعقب بان قول بن عباس من الصغر ما شهدته إشارة منه إلى ان الصغر مضنة عدم الوصول إلى المقام الذي شاهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمع كلامه وسائر ما قصه في هذه القصة لكن لما كان بن عمه وخالته أم المؤمنين وصل بذلك إلى المنزلة المذكورة ولولا ذلك لم يصل ويؤخذ منها نفي التعميم الذي ادعاه المهلب وعلى تقدير تسلميه فهو خاص بمن شاهد ذلك وهم الصحابة فلا يشاركهم فيهم من بعدهم بمجرد كونه من أهل المدينة الحديث الخامس حديث بن عمر في اتيان قباء وقد تقدم شرحه في أواخر الصلاة وفيه زيادة عن بن عمر قال بن بطال عن المهلب المراد من هذا الحديث معاينة النبي صلى الله عليه وسلم ماشيا وراكبا في قصده مسجد قباء وهو مشهد من مشاهده صلى الله عليه وسلم وليس ذلك بغير المدينة الحديث السادس (6896) قوله عن هشام هو بن عروة بن الزبير ووقع منسوبا في رواية جويرية بن محمد عن أبي أسامة عند أبي نعيم قوله عن عائشة قالت لعبد الله بن الزبير أي انها قالت قوله مع صواحبي جمع صاحبة تريد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زاد الاسماعيلي من طريق عبدة بن سليمان عن هشام بالبقيع قوله ولا تدفني مع النبي صلى الله عليه وسلم في البيت يعارضه في الظاهر قولها في قصة دفن عمر قوله فإني أكره ان أزكى بفتح الكاف الثقيلة على البناء للمجهول أي ان يثني علي أحد بما ليس في بل بمجرد كوني مدفونة عنده دون سائر نساءه فيظن اني خصصت بذلك من دونهن لمعنى في ليس فيهن وهذا منها في غاية التواضع الحديث السابع (6897) قوله وعن هشام عن أبيه هو موصول بالسند الذي قبله وقد أخرجه الاسماعيلي من وجه آخر عن أبي أسامة موصولا ان عمر أرسل إلى عائشة هذا صورته الارسال لان عروة لم يدرك زمن إرسال عمر إلى عائشة لكنه محمول على انه حمله عن عائشة فيكون موصولا قوله مع صاحبي بالتثنيه قوله فقالت أي والله قال وكان الرجل إذا أرسل إليها من الصحابة هو متعلق بقوله الرجل ولفظ الرسالة محذوف وتقديره يسألها
[ 259 ]
ان يدفن معهم وجواب الشرط قالت الخ قوله قالت لا والله لا أوثرهم بأحد أبدا بالمثلثة من الايثار قال بن التين كذا وقع والصواب لا أوثر أحدا بهم أبدا قال شيخنا بن الملقن ولم يظهر لي وجه صوابه انتهى وكأنه يقول انه مقلوب وهو كذلك وبذلك صرح صاحب المطالع ثم الكرماني قال ويحتمل ان يكون المراد لا أثيرهم بأحد أي لا انبشهم لدفن أحد أحد والباء بمعنى اللام واستشكله بن التين بقولها في قصة عمر لاوثرنه على نفسي وأجاب باحتمال ان يكون الذي آثرته به المكان الذي دفن فيه من وراء قبر أبيها بقرب النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لا ينفي وجود مكان آخر في الحجرة قلت وذكر بن سعد من طرق ان الحسن بن علي أوصى اخاه ان يدفنه عندهم ان لم يقع بذلك فتنة فصده عن ذلك بنو أمية فدفن بالبقيع وأخرج الترمذي من حديث عبد الله بن سلام قال مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى بن مريم عليهما السلام يدفن معه قال أبو داود أحد رواته وقد بقي في البيت موضع قبر وفي رواية الطبراني يدفن عيسى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فيكون قبرا رابعا قال بن بطال عن المهلب انما كرهت عائشة ان تدفن معهم خشية ان يظن أحد انها أفضل الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فقد سأل الرشيد مالكا عن منزلة أبي بكر وعمر من النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فقال كمنزلتهما منه بعد مماته فزكاهما بالقرب معه في البقعة المباركة والتربة التي خلق منها فاستدل على انهما أفضل الصحابة باختصاصهما بذلك وقد احتج أبو بكر الابهري المالكي بأن المدينة أفضل من مكة بأن النبي صلى الله عليه وسلم مخلوق من تربة المدينة وهو أفضل البشر فكانت تربته أفضل الترب انتهى وكون تربته أفضل الترب لا نزاع فيه وانما النزاع هل يلزم من ذلك ان تكون المدينة أفضل من مكة لان المجاور للشئ لو ثبت له جميع مزاياه لكان لما جاور ذلك المجاور نحو ذلك فيلزم ان يكون ما جاور المدينة أفضل من مكة وليس كذلك اتفاقا كذا أجاب به بعض المتقدمين وفيه نظر الحديث الثامن (6898) قوله حدثنا أيوب بن سليمان أي بن بلال المدني والسند كله مدنيون ولم يسمع أيوب من أبيه بل حدث عنه بواسطة وهو مقل ووثقه أبو داود وغيره وزعم بن عبد البر انه ضعيف فوهم وانما الضعيف آخر وافق اسمه واسم أبيه قوله فيأتي العوالي تقدم بيانه في كتاب المواقيت مع شرحه قوله زاد الليث عن يونس يعني عن بن شهاب عن أنس ويونس هو بن يزيد الايلي وهذه الطريق وصلها البيهقي من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث حدثني الليث عن يونس أخبرني بن شهاب عن أنس فذكر الحديث بتمامه وزاد في آخره وبعد العوالي من المدينة على أربعة اميال قوله وبعد العوالي أربعة أميال أو ثلاثة كأنه شك منه فإنه عنده عن أبي صالح وهو على عادته يورد له في الشواهد والتتمات ولا يحتج به في الاصول قال بن بطال عن المهلب معنى الحديث ان بين العوالي ومسجد المدينة للماشي شيئا معلما من معالم ما بين الصلاتين يستغنى الماشي فيها يوم الغيم عن معرفة الشمس وذلك معدوم في سائر الارض قال فإذا كانت مقادير الزمان معينة بالمدينة بمكان باد للعيان ينقله العلماء إلى أهل الآفاق ليتمثلوه في أقاصي البلدان فكيف يساويهم أهل بلد غيرها وهذا الذي قاله يغنى إيراده عنه عن تكلف البحث معه فيه وبالله التوفيق الحديث التاسع حديث السائب بن يزيد في ذكر الصاع وقد تقدم شرحه في كتاب كفارة الايمان وقوله (6899) في هذه الرواية مدا وثلثا بمدكم اليوم وقع لبعضهم مد وثلث وهو على طريق
[ 260 ]
من يكتب المنصوب بغير ألف وقال الكرماني أو يكون في كان ضمير الشأن فيرتفع على الخبر ومناسبة هذا الحديث للترجمة أن قدر الصاع مما اجتمع عليه أهل الحرمين بعد العهد النبوي واستمر فلما زاد بنو أمية في الصاع لم يتركوا اعتبار الصاع النبوي فيما ورد فيه التقدير بالصاع من زكاة الفطر وغيرها بل استمروا على اعتباره في ذلك وان استعملوا الصاع الزائد في شئ غير ما وقع فيه التقدير بالصاع كما نبه عليه مالك ورجع إليه أبو يوسف في القصة المشهورة وقوله وقد زيد فيه زاد في رواية الاسماعيلي في زمن عمر بن عبد العزيز قوله سمع القاسم بن مالك الجعيد يشير إلى ما تقدم في كفارة الايمان عن عثمان بن أبي شيبة عن القاسم حدثنا الجعيد ووقع في رواية زياد بن أيوب عن القاسم بن مالك قال أنبأنا الجعيد أخرجه الاسماعيلي الحديث العاشر حديث أنس في الدعاء لاهل المدينة بالبركة في صاعهم ومدهم تقدم شرحه في البيوع وفي كفارة الايمان وقوله (6900) صلى الله عليه وسلم في آخره يعني أهل المدينة قال بن بطال عن المهلب دعاؤه صلى الله عليه وسلم لاهل المدينة في صاعهم ومدهم خصهم من البركة ما اضطر أهل الآفاق إلى قصدهم في ذلك المعيار المدعو له بالبركة ليجعلوه طريقة متبعة في معاشهم وأداء ما فرض الله عليهم الحديث الحادي عشر حديث بن عمر في قصة اليهوديين اللذين زنيا تقدم شرحه في المحاربين وسياقه هناك أتم وقوله (6901) حيث توضع الجنائز كذا للاكثر بلفظ الفعل المضارع ووقع في رواية المستملي موضع الجنائز الحديث الثاني عشر حديث أنس في أحد هذا جبل يحبنا ونحبه وفيه أن إبراهيم حرم مكة وقد تقدم من هذا الوجه من طريق مالك في غزوة أحد هكذا مختصرا وقد تقدم بأتم من هذا السياق في الجهاد من وجه آخر عن عمرو وتقدم ما يتعلق بشرح ما ذكر هنا في آخر الحج الحديث الثالث عشر (6902) قوله تابعه سهل عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحد يشير إلى ما ذكره في كتاب الزكاة من حديث سهل بن سعد قال أحد جبل يحبنا ونحبه أورده معلقا لسليمان بن بلال بسنده إلى سهل عقب حديث بن حميد الساعدي ومضى شرح المتن في آخر غزوة أحد الحديث الرابع عشر حديث سهل بن سعد أنه كان بين جدار المسجد مما يلي القبلة وبين المنبر ممر الشاة أي قدر ما تمر فيه الشاة وقد تقدم شرحه في أوائل الصلاة الحديث الخامس عشر حديث أبي هريرة ما بين بيتي ومنبري روضة تقدم شرحه مستوفي في فضل المدينة وقوله (6904) عن حفص بن عاصم في رواية روح بن عبادة عن مالك عن حبيب أن حفص بن عاصم حدثه أخرجه النسائي وفي حديث مالك والدارقطني من طريقه وقد أخرج البخاري هذا الحديث من رواية مالك بنزوله درجة وعمرو بن علي شيخه فيه هو الفلاس وابن مهدي هو عبد الرحمن أحد الائمة الحفاظ وليس هذا الحديث في الموطأ عند أحد من الرواة الا معن بن عيسى فيما قيل فقط ورواه عن مالك خارج الموطأ فمنهم من قال فيه عن أبي هريرة فقط وهذه رواية عبد الرحمن بن مهدي وحده التي اقتصر عليها البخاري صرح الدارقطني بأنه رواها عن مالك هكذا وحده ومنهم من قال عن أبي هريرة وأبي سعيد وهذه رواية معن بن عيسى ومطرف والوليد بن مسلم ومنهم من قال عن أبي هريرة أو أبي سعيد بالشك وهذه رواية القعنبي والتنيسى والشافعي والزعفراني واختلف فيه على روح بن عبادة ومعن بن عيسى فقيل بالشك وقيل بالجمع انتهى ملخصا من كلام الاسماعيلي والدارقطني الحديث السادس عشر حديث بن عمر في المسابقة بين الخيل تقدم شرحه في كتاب
[ 261 ]
الجهاد والحفياء بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها تحتانية مكان معروف بالمدينة يمد ويقصر وربما قدمت الياء على الفاء وبنو زريق من الانصاري بتقديم الزاي على الراء مصغر وقوله (6905) هنا فأرسلت بضم الهمزة بلفظ البناء للمجهول وفي رواية الكشميهني فأرسل بفتح الهمزة والفاعل النبي صلى الله عليه وسلم أي بأمره قال بن بطال عن المهلب في حديث سهل في مقدار ما بين الجدار والمنبر سنة متبعة في موضع المنبر ليدخل إليه من ذلك الموضع ومسافة ما بين الحفياء والثنية لمسابقة الخيل سنة متبعة يكون ذلك القدر ميدانا للخيل المضمرة عند السباق تنبيه أورد أبو ذر هذا الحديث من هذا الوجه مختصرا من المتن من قوله وأمدها الخ وساقه غيره ووقع في رواية كريمة وغيرها عقبة حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن بن عمر ثم قال حدثني إسحاق أخبرنا عيسى وابن إدريس فذكر حديث عمر في الاشربة وقد أشكل أمره على بعض الشارحين فظن أنه ساق هذا السند للمتن الذي بعده وهي رواية بن عمر عن عمر في الاشربة وهو غلط فاحش فان حديث عمر من أفراد الشعبي عن بن عمر عن عمر وأما رواية الليث عن نافع فتتعلق بالمسابقة فهي متابعة لرواية جويرية بن أسماء عن نافع وقد أورده المصنف في الجهاد من طريق الليث أيضا وسبق لفظه هناك وأخرجه مسلم أيضا عن قتيبة وقد أغفل المزي في الاطراف ذكر البخاري في تخريج هذه الطريق عن قتيبة واقتصر على ذكر رواية أحمد بن يونس عن الليث وذكر أن مسلما والنسائي أخرجاها عن قتيبة وسبب هذا الغلط الاجحاف في الاختصار فلو كان قال بعد (6906) قوله عن بن عمر مثلا فذكره أو بهذا أو به لارتفع الاشكال الحديث السابع عشر قوله حدثنا إسحاق هو بن إبراهيم المعروف بابن راهويه كما جزم به أبو نعيم والكلاباذي وغيرهما وابن إدريس اسمه عبد الله وابن أبي غنية بمعجمة ونون بوزن عطية وهو يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية الخزاعي وأبو حيان هو يحيى بن سعيد بن حبان والسند كله كوفيون الا إسحاق وابن عمر قوله سمعت عمر على منبر النبي صلى الله عليه وسلم كذا اقتصر من الحديث على هذا القدر لكونه الذي يحتاج إليه هنا وهو ذكر المنبر وتقدم في الاشربة من طريق يحيى القطان عن أبي حيان فزاد فيه أنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء الحديث ومضى هناك مشروحا الحديث الثامن عشر (6907) قوله أخبرني السائب بن يزيد هو الصحابي المعروف وتقدم له الحديث التاسع قوله أنه سمع عثمان بن عفان خطيبا على منبر النبي صلى الله عليه وسلم هكذا اقتصر من الحديث على هذا القدر وبيض له أبو نعيم في مستخرجه فذكر ما عند البخاري فقط ولم يوصله من طريقه ولا من غيرها وقوله خطيبا هو حال من عثمان وفي بعض الروايات خطبنا بنون بلفظ الفعل الماضي وبقية الحديث أوهم صنيع الاسماعيلي أنه فيما يتعلق بالاذان الذي زاده عثمان فإنه أخرجه هنا وليس فيه شئ يتعلق بخطبة عثمان على المنبر والحق أنه حديث آخر وقد أخرجه أبو عبيد في كتاب الاموال من وجه آخر عن الزهري فزاد فيه يقول هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده الحديث وهو في أواخر الربع الرابع منه ونقل فيه عن إبراهيم بن سعد أنه أراد شهر رمضان قال أبو عبيد وجاء من وجه آخر أنه شهر الله المحرم قلت وقع قريب من ذلك في حديث أنس من وجه ضعيف وقع لنا بعلو في جزء الفلكي بلفظ كان المسلمون إذا دخل شعبان أكبوا على المصاحف وأخرجوا الزكاة ودعا الولاة أهل السجون الحديث موقوف قال بن بطال عن المهلب في هذين الحديثين سنه متبعة بأن الخليفة
[ 262 ]
يخطب على المنبر في الامور المهمة لا يخافتها لتصل الموعظة إلى اسماع الناس إذا أشرف عليهم انتهى وفيه إشارة إلى أن المنبر النبوي بقي إلى ذلك العهد ولم يتغير بزيادة ولا نقص وقد جاء في غيره أنه بقي بعد ذلك زمانا آخر الحديث التاسع عشر حديث عائشة (6908) قوله عبد الاعلى هو بن عبد الاعلى السامي بالمهملة البصري قوله هذا المركن بكسر الميم وسكون الراء وفتخ الكاف بعدها نون قال الخليل شبه تور من أدم وقال غيره شبه حوض من نحاس وأبعد من فسره بالاجانة بكسر الهمزة وتشديد الجيم ثم نون لانه فسر الغريب بمثله والاجانة هي التي يقال لها القصرية وهي بكسر القاف وقولها فنشرع فيه جميعا أي نتناول منه بغير اناء وأصله الورود للشرب ثم استعمل في كل حالة يتناول فيها الماء وقد تقدم بيان ذلك مع شرح الحديث في كتاب الطهاره قال بن بطال فيه سنة متبعة لبيان مقدار ما يكفي الزوج والمرأة إذا اغتسلا الحديث العشرون حديث أنس من رواية عاصم الاحول عنه في المخالفة بين قريش والانصار وفي القنوت شهرا يدعوا على أحياء من بني سليم وقد اختصره من حديثين كل منهما أتم مما ذكره هنا وقد مضى شرح الاول في كتاب الادب وبيان الفرق بين الاخاء والحلف ومضى شرح الثاني في كتاب الوتر وفيه بيان الوقت والسبب الذي قنت فيه ومضى في المغازي في غزوة بئر معونة بيان أسماء الاحياء المذكورين من بني سليم الحديث الحادي والعشرون (6910) قوله بريد بموحدة وراء مهملة بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الاشعري قوله قدمت المدينة فلقيني عبد الله بن سلام وقع عند عبد الرزاق بيان سبب قدوم أبي بردة إلى المدينة وبيان زمان قدومه فأخرج من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبي بردة قال أرسلني أبي إلى عبد الله بن سلام لا تعلم منه فسألني من أنت فأخبرته فرحب بي قوله انطلق إلى المنزل زاد في رواية الاسماعيلي معي والالف واللام بدل من الاضافة أي تعال معي إلى منزلي وقد مضى في مناقب عبد الله بن سلام من وجه آخر عن أبي بردة أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال الا تجئ فأطعمك وتدخل في بيتي قول ه فانطلقت معه فاسقاني سويقا واطعمني تمرا قد مضى في مناقب عبد الله بن سلام من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه بلفظ ألا تجئ فأطعمك سويقا وتمرا فكأنه استعمل الاطعام بالمعنى الاعم وليس هذا من قبيل علفتها تبنا وماء لانه اما من الاكتفاء واما من التضمين ولا يحتاج لذلك هنا لان الطعام يستعمل في الاكل والشرب وقد بين في رواية الاخرى انه أسقاه السويق قوله وصليت في مسجده زاد في مناقب عبد الله بن سلام ذكر الربا وان من اقترض قرضا فتقاضاه إذا حل فأهدى له المديون هدية كانت من جملة الربا وتقدم البحث فيه هناك ووقعت هذه الزيادة في رواية أبي أسامة أيضا كما أخرجه الاسماعيلي من وجه آخر عن أبي كريب شيخ البخاري فيه لكن باختصار عن الذي تقدم ووهم من زعم انه من رواية أبي أحمد محمد بن يوسف السكندري عن سفيان بن عيينة وقد جزم المزي في الاطراف بما قلته فكأن البخاري حذفها وثبت في رواية سعيد التي أشرت إليها نحو ذلك الحديث الثاني والعشرون حديث عمر صل في هذا الوادي المبارك وقد تقدم شرحه في أواخر كتاب الحج (6911) قوله وقال هارون بن إسماعيل حدثنا على عمرة في حجة يريد ان هارون خالف سعيد بن الربيع في قوله في آخره وقل عمرة وحجة بواو العطف فقال عمرة في حجة وقد تقدم هناك من رواية الاوزاعي عن يحيى بن أبي كثير شيخ علي بن المبارك فيه بلفظ عمرة
[ 263 ]
في حجة ورواية هارون هذه وقعت لنا موصولة في مسند عبد بن حميد وفي أخبار المدينة النبوية لعمر بن شبة كلاهما عن هارون بن إسماعيل الخزاز بمعجمات ويجوز في قوله عمرة وحجة الرفع والنصب الحديث الثالث والعشرون حديث بن عمر في المواقيت تقدم مشروحا وبيان من بلغ بن عمر ميقات يلملم ومحمد بن يوسف شيخه فيه هو الفريابي وشيخه سفيان هو الثوري وقوله (6912) في آخره وذكر العراق فقال لم يكن عراق يومئذ ذكر بضم أوله مبني للمجهول ولم يسم والمجيب هو بن عمر ووقع عند الاسماعيلي فقيل له العراق قال لم يكن يومئذ عراق وقوله لم يكن عراق يومئذ أي بأيدي المسلمين فان بلاد العراق كلها في ذلك الوقت كانت بأيدي كسرى وعماله من الفرس والعرب فكأنه قال لم يكن أهل العراق مسلمين حينئذ حتى يوقت لهم ويعكر على هذا الجواب ذكر أهل الشام فلعل مراد بن عمر نفي العراقين وهما المصران المشهوران الكوفة والبصرة وكل منهما انما صار مصرا جامعا بعد فتح المسلمين بلاد الفرس الحديث الرابع والعشرون حديث سالم بن عبد الله عن أبيه أي بن عمر (6913) قوله أرى وهو في معرسه بذي الحليفة تقدم شرحه في كتاب الحج وبقيته توافق حديث عمر المذكور قبله بحديث قال بن بطال عن المهلب غرض البخاري بهذا الباب وأحاديثه تفضيل المدينة بما خصها الله به من معالم الدين وانها دار الوحي ومهبط الملائكة بالهدى والرحمة وشرف الله بقعتها بسكنى رسوله وجعل فيها قبره ومنبره وبينهما روضة من رياض الجنة ثم تكلم على أحاديث الباب بما تقدم نقله عنه والبحث فيه بما يغني عن اعادته وحذفت ما بعد الحديث العاشر من كلامه لقلة جدواه وقد ظهر عنوانه فيما ذكرته عنه في الاحاديث العشرة الاول وبالله التوفيق وفضل المدينة ثابت لا يحتاج إلى إقامة دليل خاص وقد تقدم من الاحاديث في فضلها في آخر الحج ما فيه شفاء وانما المراد هنا تقدم أهلها في العلم على غيرهم فان كان المراد بذلك تقديمهم في بعض الاعصار وهو العصر الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم مقيما بها فيه والعصر الذي بعده من قبل أن يتفرق الصحابة في الامصار فلا شك في تقديم العصرين المذكورين على غيرهم وهو الذي يستفاد من أحاديث الباب وغيرها وان كان المراد استمرار ذلك لجميع من سكنها في كل عصر فهو محل النزاع ولا سبيل إلى تعميم القول بذلك لان الاعصار المتأخرة من بعد زمن الائمة المجتهدين لم يكن فيها بالمدينة من فاق واحدا من غيرها في العلم والفضل فضلا عن جميعهم بل سكنها من أهل البدعة الشنعاء من لا يشك في سوء نيته وخبث طويته كما تقدم والله أعلم (0) قوله باب قول الله تعالى ليس لك من الامر شئ ذكر فيه حديث بن عمر في سبب نزولها وقد تقدم بيانه في تفسير آل عمران وتقدم شئ من شرحه وتسميته المدعو عليهم في غزوة أحد قال بن بطال دخول هذه الترجمة في كتاب الاعتصام من جهة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على المذكورين لكونهم لم يذعنوا للايمان ليعتصموا به من اللعنة وأن معنى قوله ليس لك من الامر شئ هو معنى قوله ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء انتهى ويحتمل ان يكون مراده الاشارة إلى الخلافية المشهورة في أصول الفقه وهي هل كان له صلى الله عليه وسلم أن يجتهد في الاحكام أو لا وقد تقدم بسط ذلك قبل ثمانية أبواب (6914) قوله عبد الله هو بن المبارك وسالم هو بن عبد الله بن عمر ووقع في رواية حبان بن موسى عن بن المبارك في تفسير آل عمران حدثني سالم عن بن عمر قوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 264 ]
يقول في صلاة الفجر ورفع رأسه الجملة حاليه أي قال ذلك حال رفع رأسه من الركوع قوله قال اللهم ربنا ولك الحمد قال الكرماني جعل ذلك القول كالفعل اللازم أي يفعل القول المذكور أو هناك شئ محذوف قلت لم يذكر تقديره ويحتمل ان يكون بمعنى قائلا أو لفظ قال المذكور زائدا ويؤيده انه وقع في رواية حبان بن موسى بلفظ انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الاخيرة من صلاة الفجر يقول اللهم ويؤخذ منه أن محل القنوت عند رفع الرأس من الركوع لا قبل الركوع وقوله قال اللهم ربنا ولك الحمد معين لكون الرفع من الركوع لانه ذكر الاعتدال وقوله في الاخيرة أي الركعة الآخرة وهي الثانية من صلاة الصبح كما صرح بذلك في رواية حبان بن موسى وظن الكرماني أن قوله في الآخرة متعلق بالحمد وأنه بقية الذكر الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتدال فقال فان قلت ما وجه التخصيص بالآخرة مع أن له الحمد في الدنيا ثم أجاب بأن نعيم الآخرة أشرف فالحمد عليه هو الحمد حقيقة أو المراد بالآخرة العاقبة أي مآل كل الحمود إليه انتهى وليس لفظ في الآخرة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل هو من كلام بن عمر ثم ينظر في جمعه الحمد على حمود قوله فلانا وفلانا قال الكرماني يعني رعلا وذكوان ووهم في ذلك وانما سمى ناسا باعيانهم لا القبائل كما بينته في تفسير آل عمران (0) قوله باب وكان الانسان أكثر شئ جدلا وقوله تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن ذكر فيه حديثين حديث علي في قول النبي صلى الله عليه وسلم الا تصلون وجوابه بقوله انما أنفسنا بيد الله وتلاوة النبي صلى الله عليه وسلم الآية وهو متعلق بالركن الاول من الترجمة وحديث أبي هريرة في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم اليهود في بيت مدراسهم وهو متعلق بالركن الثاني منها كما سأذكره قال الكرماني الجدال هو الخصام ومنه قبيح وحسن وأحسن فما كان للفرائض فهو أحسن وما كان للمستحبات فهو حسن وما كان لغير ذلك فهو قبيح قال أو هو تابع للطريق فباعتباره يتنوع انواعا وهذا هو الظاهر انتهى ويلزم على الاول ان يكون في المباح قبيحا وفاته تنويع القبيح إلى أقبح وهو ما كان في الحرام وقد تقدم شرح حديث علي في الدعوات ويؤخذ منه ان عليا ترك فعل الاولى وان كان ما احتج به متجها ومن ثم تلي النبي صلى الله عليه وسلم الآية ولم يلزمه مع ذلك بالقيام إلى الصلاة ولو كان امتثل وقام لكان أولى ويأخذ منه الاشارة إلى مراتب الجدال فإذا كان فيما لا بد له منه تعين نصر الحق بالحق فان جاوز الذي ينكر عليه المأمور نسب إلى التقصير وان كان في مباح اكتفى فيه بمجرد الامر والاشارة إلى ترك الاولى وفيه ان الانسان طبع على الدفاع عن نفسه بالقول والفعل وانه ينبغي له ان يجاهد نفسه ان يقبل النصيحة ولو كانت في غير واجب وان لا يدفع الا بطريق معتدلة من غير افراط ولا تفريط ونقل بن بطال عن المهلب ما ملخصه ان عليا لم يكن له أن يدفع ما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إليه من الصلاة بقوله ذلك بل كان عليه الاعتصام بقوله فلا حجة لاحد في ترك المأمور انتهى ومن أين له ان عليا لم يمتثل ما دعاه إليه فليس في القصة تصريح بذلك وانما أجاب علي بما ذكر اعتذارا عن تركه القيام بغلبة النوم ولا يمتنع انه صلى عقب هذه المراجعة إذ ليس في الخبر ما ينفيه وقال الكرماني حرضهم النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار الكسب والقدرة الكاسبة وأجاب علي باعتبار القضاء والقدر قال وضرب النبي صلى الله عليه وسلم فخذه تعجبا من سرعة جواب علي
[ 265 ]
ويحتمل ان يكون تسليما لما قال وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في هذا الحديث من الفوائد مشروعية التذكير للغافل خصوصا القريب والصاحب لان الغفلة من طبع البشر فينبغي للمرء ان يتفقد نفسه ومن يحبه بتذكير الخير والعون عليه وفيه ان الاعتراض بأثر الحكمة لا يناسبه الجواب بأثر القدرة وأن للعالم إذا تكلم بمقتضى الحكمة في أمر غير واجب ان يكتفي من الذي كلمه في احتجاجه بالقدرة يأخذ الاول من ضربه صلى الله عليه وسلم على فخذه والثاني من عدم إنكاره بالقول صريحا قال وانما لم يشافهه بقوله وكان الانسان أكثر شئ جدلا لعلمه ان عليا لا يجهل ان الجواب بالقدرة ليس من الحكمة بل يحتمل ان لهما عذرا يمنعهما من الصلاة فاستحيا علي من ذكره فأراد دفع الخجل عن نفسه وعن أهله فاحتج بالقدرة ويؤيده رجوعه صلى الله عليه وسلم عنهم مسرعا قال ويحتمل أن يكون علي أراد بما قال استدعاء جواب يزداد به فائدة وفيه جواز محادثة الشخص نفسه فيما يتعلق بغيره وجواز ضربه بعض أعضائه عند التعجب وكذا الاسف ويستفاد من القصة أن من شأن العبودية أن لا يطلب لها مع مقتضى الشرع معذرة الا الاعتراف بالتقصير والاخذ في الاستغفار وفيه فضيلة ظاهرة لعلي من جهة عظم تواضعه لكونه روى هذا الحديث مع ما يشعر به عند من لا يعرف مقداره انه يوجب غاية العتاب فلم يلتفت لذلك بل حدث به لما فيه من الفوائد الدينية انتهى ملخصا وقوله في السند الثاني حدثني محمد وقع عند النسفي غير منسوب ووقع عند أبي ذر وغيره منسوبا محمد بن سلام وعتاب بالمهملة وتشديد المثناة وآخره موحدة وأبوه بشير بموحدة ومعجمة وزن عظيم وإسحاق عند النسفي وأبي ذر غير منسوب ونسب عند الباقين بن راشد وساق المتن على لفظه ومضى في التهجد على لفظ شعيب بن أبي حمزة ويأتي في التوحيد من طريق شعيب وابن أبي عتيق مجموعا وساقه على لفظ بن أبي عتيق قوله طرقه وفاطمة زاد شعيب ليلة قوله الا تصلون في رواية شعيب الا تصليان بالتثنية والاول محمول على ضم من يتبعهما إليهما أو للتعظيم أو لان أقل الجمع اثنان وقوله حين قال له ذلك فيه التفات ومضى في رواية شعيب بلفظ حين قلت له وكذا قوله سمعه في رواية شعيب سمعته وقوله وهو مدبر بضم أوله وكسر الموحدة أي مول بتشديد اللام كما في رواية شعيب ووقع هنا عند الكشميهني وهو منصرف قوله قال أبو عبد الله هو المصنف يقال ما اتاك ليلا فهو طارق كذا لابي ذر وسقط للنسفي وثبت للباقين لكن بدون يقال وقد تقدم الكلام عليه في سورة الطارق الحديث الثاني (6916) قوله عن سعيد هو بن أبي سعيد المقبري قوله بيت المدراس تقدم الكلام عليه في كتاب الاكراه قريبا وقوله في آخره ذلك أريد بضم أوله بصيغة المضارعة من الارادة أي أريد ان تقروا بانى بلغت لان التبليغ هو الذي أمر به ووقع في رواية أبي زيد المروزي فيما ذكره القابسى بفتح أوله وبزاي معجمة واطبقوا على انه تصحيف ولكن وجهه بعضهم بان معناه اكرر مقالتي مبالغة في التبليغ قال المهلب بعد ان قرر انه يتعلق بالركن الثاني من الترجمة وجه ذلك انه بلغ اليهود ودعاهم إلى الاسلام والاعتصام به فقالوا بلغت ولم يذعنوا لطاعته فبالغ في تبليغهم وكرره وهذه مجادلة بالتي هي أحسن وهو في ذلك موافق لقول مجاهد انها نزلت في من لم يؤمن منهم وله عهد أخرجه الطبري وعن عبد الرحمن بن زيد بن اسلم قال المراد ممن ظلم منهم من استمر على امره وعن قتادة هي منسوخة بآية السيف انتهى والذي أخرجه الطبري بسند
[ 266 ]
صحيح عن مجاهد ان قالوا شرا فقولوا خيرا الا الذين ظلموا منهم فانتصروا منهم وبسند فيه ضعف قال الا من ظلم من قاتل ولم يعط الجزية واخرج بسند حسن عن سعيد بن جبير قال هم أهل الحرب من لا عهد له جادله بالسيف ومن طريق عبد الرحمن بن زيد بن اسلم المراد من آمن من أهل الكتاب نهى عن مجادلتهم فيما يحدثون به من الكتاب لعله يكون حقا لا تعلمه أنت ولا ينبغي ان تجادل الا المقيم منهم على دينه وبسند صحيح عن قتادة هي منسوخة بآية براءة ان يقاتلوا حتى يشهدوا ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله أو يؤدوا الجزية ورجح الطبري قول من قال المراد من امتنع من أداء الجزية قال ومن اداها وان كان ظالما لنفسه باستمراره على كفره لكن المراد في هذه الآية من ظلم أهل الاسلام فحاربهم وامتنع من الاسلام أو بذل الجزية ورد على من ادعى النسخ لكونه لا يثبت الا بدليل والله اعلم وحاصل ما رجحه انه أمر بمجادلة أهل الكتاب بالبيان والحجة بطريق الانصاف ممن عاند منهم فمفهوم الآية جواز مجادلته بغير التي هي أحسن وهي المجادلة بالسيف والله أعلم (0) قوله باب وكذلك جعلناكم أمة وسطا وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة وهم أهل العلم اما الآية فلم يقع التصريح بما وقع التشبيه به والراجح انه الهدى المدلول عليه بقوله يهدي من يشاء أي مثل الجعل القريب الذي اختصصناكم فيه بالهداية كما يقتضيه سياق الآية ووقع التصريح به في حديث البراء الماضي في تفسير سورة البقرة والوسط العدل كما تقدم في تفسير سورة البقرة وحاصل ما في الآية الامتنان بالهداية والعدالة وأما قوله وما أمر إلى آخره فمطابقته لحديث الباب خفية وكأنه من جهة الصفة المذكورة وهي العدالة لما كانت تعم الجميع لظاهر الخطاب أشار إلى انها من العام الذي أريد به الخاص أو من العام المخصوص لان أهل الجهل ليسوا عدولا وكذلك أهل البدع فعرف أن المراد بالوصف المذكور أهل السنة والجماعة وهو أهل العلم الشرعي ومن سواهم ولو نسب إلى العلم فهي نسبة صورية لا حقيقية وورد الامر بلزوم الجماعة في عدة أحاديث منها ما أخرجه الترمذي مصححا من حديث الحارث بن الحارث الاشعري فذكر حديثا طويلا وفيه وانا آمركم بخمس أمرني الله بهن السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فان من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه وفي خطبة عمر المشهورة التي خطبها بالجابية عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فان الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد وفيه ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة وقال بن بطال مراد الباب الحض على الاعتصام بالجماعة لقوله لتكونوا شهداء على الناس وشرط قبول الشهادة العدالة وقد ثبتت لهم هذه الصفة بقوله وسطا والوسط العدل والمراد بالجماعة أهل الحل والعقد من كل عصر وقال الكرماني مقتضى الامر بلزوم الجماعة انه يلزم المكلف متابعة ما أجمع عليه المجتهدون وهم المراد بقوله وهم أهل العلم والآية التي ترجم بها احتج بها أهل الاصول لكون الاجماع حجة لانهم عدلوا بقوله تعالى جعلناكم امة وسطا أي عدولا ومقتضى ذلك أنهم عصموا من الخطأ فيما اجمعوا عليه قولا وفعلا (6917) قوله حدثنا أبو أسامة قال الاعمش هو بحذف قال الثانية وقوله في آخره وعن جعفر بن عون هو معطوف على قوله أبو أسامة والقائل هو إسحق بن منصور فروى هذا الحديث عن أبي أسامة بصيغة التحديث وعن جعفر بن عون بالعنعنة وهذا مقتضى صنيع صاحب الاطراف وأما أبو نعيم فجزم بأن رواية جعفر بن عون
[ 267 ]
معلقة فقال بعد ان أخرجه من طريق أبي مسعود الراوي عن أبي أسامة وحده ومن طريق بندار عن جعفر بن عون وحده أخرجه البخاري عن إسحاق بن منصور عن أبي أسامة وذكره عن جعفر ابن عون بلا واسطة انتهى وأخرجه الاسماعيلي من رواية بندار وقال انه مختصر وأخرجه من رواية أبي معاوية عن الاعمش مطولا وقد تقدمت رواية أبي أسامة مقرونه برواية جرير بن عبد الحميد في تفسير سورة البقرة وساقه هناك على لفظ جرير وتقدم شرحه هناك وفيه بيان ان الشهادة لا تخص قوم نوح بل تعم الامم (0) قوله باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم في رواية الكشميهني العالم بدل العامل أو للتنويع وقد تقدم في كتاب الاحكام ترجمة إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو مردود وهي معقودة لمخالفة الاجماع وهذه معقودة لمخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام قوله فأخطأ خلاف الرسول من غير علم أي لم يتعمد المخالفة وانما خالف خطأ قوله فحكمه مردود لقول النبي صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أي مردود وقد تقدم هذا الحديث موصولا في كتاب الصلح عن عائشة بلفظ آخر وأنه بهذا اللفظ موصول في صحيح مسلم وتقدم شرحه هناك قال بن بطال مراده ان من حكم بغير السنة جهلا أو غلطا يجب عليه الرجوع إلى حكم السنة وترك ما خالفها امتثالا لامر الله تعالى بايجاب طاعة رسوله وهذا هو نفس الاعتصام بالسنة وقال الكرماني المراد بالعامل عامل الزكاة وبالحاكم القاضي وقوله فأخطأ أي في أخذ واجب الزكاة أو في قضائه قلت وعلى تقدير ثبوت رواية الكشميهني فالمراد بالعالم المفتي أي أخطأ في فتواه قال والمراد بقوله فأخطأ خلاف الرسول أي يكون مخالفا للسنة قال وفي الترجمة نوع تعجرف قلت ليس فيها قلق الا في اللفظ الذي بعد قوله فأخطأ فصار ظاهر التركيب ينافي المقصود لان من أخطأ خلاف الرسول لا يذم بخلاف من أخطأ وفاقه وليس ذلك المراد وانما ثم الكلام عند قوله فأخطأ وهو متعلق بقوله اجتهد وقوله خلاف الرسول أي فقال خلاف الرسول وحذف قال يقع في الكلام كثيرا فأي عجرفة في هذا والشارح من شأنه ان يوجه كلام الاصل مهما أمكن ويغتفر القدر اليسير من الخلل تارة ويحمله على الناسخ تارة وكل ذلك في مقابلة الاحسان الكثير الباهر ولا سيما مثل هذا الكتاب ووقع في حاشية نسخة الدمياطي بخطه الصواب في الترجمة فأخطأ بخلاف الرسول انتهى وليس دعوى حذف الباء برافع للاشكال بل ان سلك طريق التغيير فلعل اللام متاخرة ويكون في الاصل خالف بدل خلاف (6918) قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس كما جزم به المزي قوله عن أخيه هو أبو بكر واسمه عبد الحميد ولاسماعيل في هذا الحديث شيخ آخر كما تقدم في آخر غزوة خيبر عن إسماعيل عن مالك ونزل إسماعيل في هذا السند درجة وسليمان هو بن بلال وعبد المجيد بتقديم الميم على الجيم وذكر أبو علي الجياني أن سليمان سقط من أصل الفربري فيما ذكر أبو زيد المروزي قال والصواب إثباته فإنه لا يتصل السند الا به وقد ثبت كذلك في رواية إبراهيم بن معقل النسفي قال وكذا لم يكن في كتاب بن السكن ولا عند أبي أحمد الجرجاني قلت وهو ثابت عندنا في النسخة المعتمدة من رواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة عن الفربري وكذا في سائر النسخ التي اتصلت لنا عن الفربري فكأنها سقطت من نسخة أبي زيد فظن سقوطها من أصل شيخه وقد جزم أبو نعيم في المستخرج بأن البخاري أخرجه عن إسماعيل عن أخيه عن سليمان
[ 268 ]
وهو يرويه عن أبي أحمد الجرجاني عن الفربري واما رواية بن السكن فلم أقف عليها قوله بعث أخا بني عدي أي بن النجار بطن من الاوس واسم هذا المبعوث سواد بفتح المهملة وتخفيف الواو بن غزية بفتح المعجمة وكسر الزاي مشددا وتقدم ذلك في أواخر البيوع وتقدم شرح المتن في المغازي وفي هذا السياق هنا زيادة قوله ولكن مثلا بمثل أو بيعوا هذا إلى آخره والمذكور هناك قوله ولكن بع إلى آخره ومطابقة الحديث للترجمة من جهة ان الصحابي اجتهد فيما فعل فرده النبي صلى الله عليه وسلم ونهاه عما فعل وعذره لاجتهاده ووقع في رواية عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد في غير هذه القصة لكن في نظير الحكم فقال صلى الله عليه وسلم أوه عين الربا لا تفعل (0) قوله باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ يشير إلى انه لا يلزم من رد حكمه أو فتواه إذا اجتهد فأخطأ ان يأثم بذلك بل إذا بذل وسعه أجر فان أصاب ضوعف أجره لكن لو أقدم فحكم أو أفتى بغير علم لحقه الاثم كما تقدمت الاشارة إليه قال بن المنذر وانما يؤجر الحاكم إذا أخطأ إذا كان عالما بالاجتهاد فاجتهد وأما إذا لم يكن عالما فلا واستدل بحديث القضاة ثلاثة وفيه وقاض قضى بغير حق فهو في النار وقاض قضى وهو لا يعلم فهو في النار وهو حديث أخرجه أصحاب السنن عن بريدة بألفاظ مختلفة وقد جمعت طرقه في جزء مفرد ويؤيد حديث الباب ما وقع في قصة سليمان في حكم داود عليه السلام في أصحاب الحرث وقد تقدمت الاشارة إليها فيما مضى قريبا وقال الخطابي في معالم السنن انما يؤجر المجتهد إذا كان جامعا لآلة الاجتهاد فهو الذي نعذره بالخطأ بخلاف المتكلف فيخاف عليه ثم انما يؤجر العالم لان اجتهاده في طلب الحق عبادة هذا إذا أصاب واما إذا أخطأ فلا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الاثم فقط كذا قال وكأنه يرى ان قوله وله أجر واحد مجاز عن وضع الاثم (6919) قوله عن محمد بن إبراهيم بن الحارث هو التيمي تابعي مدني ثقة مشهور ولابيه صحبة وبسر بضم الموحدة وسكون المهملة وأبو قيس مولى عمرو بن العاص لا يعرف اسمه كذا قاله البخاري وتبعه الحاكم أبو أحمد وجزم بن يونس في تاريخ مصر بأنه عبد الرحمن بن ثابت وهو أعرف بالمصريين من غيره ونقل عن محمد بن سحنون انه سمى أباه الحكم وخطأه في ذلك وحكى الدمياطي أن اسمه سعد وعزاه لمسلم في الكنى وقد راجعت نسخا من الكنى لمسلم فلم ار ذلك فيها منها نسخة بخط الدارقطني الحافظ وقرأت بخط المنذري وقع عند السبتي يعني بن حبان في صحيحه عن أبي قابوس بدل أبي قيس كذا جزم به وقد رجعت عدة نسخ من صحيح بن حبان فوجدت فيها عن أبي قيس احداها صححها بن عساكر وفي السند أربعة من التابعين في نسق اولهم يزيد بن عبد الله وهو المعروف بابن الهاد وما لابي قيس في البخاري الا هذا الحديث قوله إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب في رواية أحمد فأصاب قال القرطبي هكذا وقع في الحديث بدأ بالحكم قبل الاجتهاد والامر بالعكس فان الاجتهاد يتقدم الحكم إذ لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد اتفاقا لكن التقدير في قوله إذا حكم إذا أراد ان يحكم فعند ذلك يجتهد قال ويؤيده ان أهل الاصول قالوا يجب على المجتهد ان يجدد النظر عند وقوع النازلة ولا يعتمد على ما تقدم له لامكان ان يظهر له خلاف غيره انتهى ويحتمل أن تكون الفاء تفسيرية لا تعقيبية وقوله فأصاب أي صادف ما في نفس الامر من حكم الله تعالى قوله ثم أخطأ أي ظن أن الحق في جهة فصادف ان الذي في نفس الامر بخلاف ذلك فالاول له أجران أجر الاجتهاد واجر الاصابة
[ 269 ]
والآخر له أجر الاجتهاد فقط وقد تقدمت الاشارة إلى وقوع الخطا في الاجتهاد في حديث أم سلمة انكم تختصمون الي ولعل بعضكم ان يكون الحن بحجته من بعض وأخرج لحديث الباب سببا من وجه آخر عن عمرو بن العاص من طريق ولده عبد الله بن عمرو عنه قال جاء رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يختصمان فقال لعمرو اقض بينهما يا عمرو قال أنت أولى بذلك مني يا رسول الله قال وان كان قال فإذا قضيت بينهما فمالي فذكر نحوه لكن قال في الاصابة فلك عشر حسنات وأخرج من حديث عقبة بن عامر نحوه بغير قصة بلفظ فلك عشرة أجور وفي سند كل منهما ضعف ولم أقف على اسم من أبهم في هذين الحديثين قوله قال فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عمرو بن حزم القائل فحدثت هو يزيد بن عبد الله أحد رواته وأبو بكر بن عمرو نسب في هذه الرواية لجده وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وثبت ذكره في رواية مسلم من رواية الداودي عن يزيد ونسبه فقال يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد قوله عن أبي هريرة يريد بمثل حديث عمرو بن العاص قوله وقال عبد العزيز بن المطلب أي بن عبد الله بن حنطب المخزومي قاضي المدينة وكنيته أبو طالب وهو من أقران مالك ومات قبله وليس له في البخاري سوى هذا الموضع الواحد المعلق وعبد الله بن أبي بكر هو والد الراوي المذكور في السند الذي قبله أبو بكر بن محمد بن عمر بن حزم وكان قاضي المدينة أيضا قوله عن أبي سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن عبد الله بن أبي بكر خالف أباه في روايته عن أبي سلمة وأرسل الحديث الذي وصله وقد وجدت ليزيد بن الهاد فيه متابعا أخرجه عبد الرزاق وأبو عوانة من طريقه عن معمر عن يحيى بن سعيد هو الانصاري عن أبي بكر بن محمد عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكر الحديث مثله بغير قصة وفيه فله أجران اثنان قال أبو بكر بن العربي تعلق بهذا الحديث من قال ان الحق في جهة واحدة للتصريح بتخطئة واحد لا بعينه قال وهي نازلة في الخلاف عظيمة وقال المازري تمسك به كل من الطائفتين من قال ان الحق في طرفين ومن قال ان كل مجتهد مصيب اما الاولى فلانه لو كان كل مصيبا لم يطلق على أحدهما الخطأ لاستحالة النقيضين في حالة واحدة واما المصوبة فاحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم جعل له اجرا فلو كان لم يصب لم يؤجر وأجابوا عن إطلاق الخطأ في الخبر على من ذهل عن النص أو اجتهد فيما لا يسوغ الاجتهاد فيه من القطعيات فيما خالف الاجماع فإن مثل هذا ان اتفق له الخطأ فيه نسخ حكمه وفتواه ولو اجتهد بالاجماع وهو الذي يصح عليه إطلاق الخطأ واما من اجتهد في قضية ليس فيها نص ولا إجماع فلا يطلق عليه الخطأ وأطال المازري في تقرير ذلك والانتصار له وختم كلامه بأن قال ان من قال ان الحق في طرفين هو قول أكثر أهل التحقيق من الفقهاء والمتكلمين وهو مروي عن الائمة الاربعة وان حكى عن كل منهم اختلاف فيه قلت والمعروف عن الشافعي الاول قال القرطبي في المفهم الحكم المذكور ينبغي ان يختص بالحاكم بين الخصمين لان هناك حقا معينا في نفس الامر يتنازعه الخصمان فإذا قضى به لاحدهما بطل حق الآخر قطعا وأحدهما فيه مبطل لا محالة والحاكم لا يطلع على ذلك فهذه الصورة لا يختلف فيها ان المصيب واحد لكون الحق في طرف واحد وينبغي ان يختص الخلاف بأن المصيب واحد إذ كل مجتهد مصيب بالمسائل التي يستخرج الحق منها بطريق الدلالة وقال بن العربي عندي في هذا الحديث فائدة زائدة حاموا عليها فلم يسقوا وهي ان
[ 270 ]
الاجر على العمل القاصر على العامل واحد والاجر على العمل المتعدي يضاعف فإنه يؤجر في نفسه وينجر له كل ما يتعلق بغيره من جنسه فإذا قضى بالحق وأعطاه لمستحقه ثبت له أجر اجتهاده وجرى له مثل أجر مستحق الحق فلو كان أحد الخصمين الحن بحجته من الآخر فقضى له والحق في نفس الامر لغيره كان له أجر الاجتهاد فقط قلت وتمامه ان يقال ولا يؤاخذ بإعطاء الحق لغير مستحقه لانه لم يتعمد ذلك بل وزر المحكوم له قاصر عليه ولا يخفى ان محل ذلك أن يبذل وسعه في الاجتهاد وهو من أهله والا فقد يلحق به الوزر ان أخل بذلك والله أعلم (0) قوله باب الحجة على من قال ان أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة أي للناس لا تخفى الا على النادر وقوله وما كان يغيب بعضهم عن مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الاسلام كذا للاكثر وفي رواية النسفي وعليها شرح بن بطال مشاهده ولبعضهم مشهد بالافراد ووقع في مستخرج أبي نعيم وما كان يفيد بعضهم بعضا بالفاء والدال من الافادة ولم أره لغيره وما في قوله ما كان موصوله وجوز بعضهم أن تكون نافية وأنها من بقية القول المذكور وظاهر السياق يأباه وهذه الترجمة معقودة لبيان أن كثيرا من الاكابر من الصحابة كان يغيب عن بعض ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم أو يفعله من الاعمال التكليفية فيستمر على ما كان أطلع عليه هو اما على المنسوخ لعدم اطلاعه على ناسخه واما على البراءة الاصلية وإذا تقرر ذلك قامت الحجة على من قدم عمل الصحابي الكبير ولا سيما إذا كان قد ولى الحكم على رواية غيره متمسكا بأن ذلك الكبير لولا أن عنده ما هو أقوى من تلك الرواية لما خالفها ويرده أن في اعتماد ذلك ترك المحقق للمظنون وقال بن بطال أراد الرد على الرافضة والخوارج الذين يزعمون أن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم وسننه منقولة عنه نقل تواتر وأنه لا يجوز العمل بما لم ينقل متواترا قال وقولهم مردود بما صح أن الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض ورجع بعضهم إلى ما رواه غيره وانعقد الاجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد قلت وقد عقد البيهقي في المدخل باب الدليل على أنه قد يعزب على المتقدم الصحبة الواسع العلم الذي يعلمه غيره ثم ذكر حديث أبي بكر في الجدة وهو في الموطأ وحديث عمر في الاستئذان وهو المذكور في هذا الباب وحديث بن مسعود في الرجل الذي عقد على امرأة ثم طلقها فأراد أن يتزوج أمها فقال لا بأس واجازته بيع الفضة المكسرة بالصحيحة متفاضلا ثم رجوعه عن الامرين معن لما سمع من غيره من الصحابة النهي عنهما وأشياء غير ذلك وذكر فيه حديث البراء ليس كلنا كان يسمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم كانت لنا صنعة وأشغال ولكن كان الناس لا يكذبون فيحدث الشاهد الغائب وسنده ضعيف وكذا حديث أنس ما كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه ولكن لم يكذب بعضنا بعضا ثم سرد ما رواه صحابي عن صحابي مما وقع في الصحيحين وقال في هذا دلالة على اتقانهم في الرواية وفيه أبين الحجة وأوضح الدلالة على تثبيت خبر الواحد وان بعض السنن كان يخفى عن بعضهم وان الشاهد منهم يبلغ الغائب ما شهد وان الغائب كان يقبله ممن حدثه ويعتدمه ويعمل به قلت خبر الواحد في الاصطلاح خلاف المتواتر سواء كان من رواية شخص واحد أو أكثر وهو المراد بما وقع فيه الاختلاف ويدخل فيه خبر الشخص الواحد دخولا أوليا ولا يرد على من عمل به ما وقع في حديث الباب من طلب عمر من أبي موسى
[ 271 ]
البينة على حديث الاستئذان فإنه لم يخرج مع شهادة أبي سعيد له وغيره عن كونه خبر واحد وانما طلب عمر من أبي موسى البينة للاحتياط كما تقدم شرحه واضحا في كتاب الاستئذان والا فقد قبل عمر حديث عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس وحديثه في الطاعون وحديث عمرو بن حزم في التسوية بين الاصابع في الدية وحديث الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها وحديث سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين إلى غير ذلك وتقدم في العلم من حديث عمر انه كان يتناوب النبي صلى الله عليه وسلم هو ورجل من الانصار فينزل هذا يوما وهذا يوما ويخبر كل منهما الآخر بما غاب عنه وكان غرضه بذلك تحصيل ما يقوم بحاله وحال عياله ليغني عن الاحتياج لغيره وليتقوى على ما وهو بصدده من الجهاد وفيه انه لا يشترط على من امكنته المشافهة أن يعتمدها ولا يكتفي بالواسطة لثبوت ذلك من فعل الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بغير نكير وأما حديث أبي هريرة ثاني حديثي الباب فان فيه بيان السبب في خفاء بعض السنن على بعض كبار الصحابة وقوله وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالاسواق وهو موافق لقول عمر في الذي قبله الهاني الصفق بالاسواق يشير إلى انهم كانوا أصحاب تجارة وقد تقدم ذلك في أوائل البيوع وتوجيه قول عمر الهاني واختلف على الزهري في الواسطة بينه وبين أبي هريرة فيه كما بينته في العلم وتقدم عنه من رواية مالك مثله لكن عند مالك زيادة ليست في رواية سفيان هذه وهي قوله ولولا آيتان من كتاب الله وفي رواية سفيان مما ليس في رواية مالك (6921) قوله والله الموعد وكذلك ما في آخره كما سأبينه واما إبراهيم بن سعد فذكر الحديث بتمامه فهو أتم الجميع سياقا وثبت ذلك في رواية شعيب في البيوع بزيادة سأبينها لكن لم يقع عنده ذكر الآيتين وقد تقدم هذا الحديث في العلم من طريق مالك وفي المزارعة من طريق إبراهيم بن سعد كلاهما عن الزهري عن الاعرج وتقدم في أول البيوع من رواية شعيب وأخرجه مسلم من رواية يونس كلاهما عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة قوله انكم تزعمون ان أبا هريرة يكثر الحديث في رواية مالك ان الناس يقولون أكثر أبو هريرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بن شهاب يذكر قبل هذا حديثه عن عروة انه حدثه عن عائشة قالت الا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث يسمعني ذلك ولو أدركته لرددت عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم فذكر الحديث ثم يقول قال سعيد بن المسيب قال يقولون ان أبا هريرة قد أكثر هكذا أخرجه مسلم من طريق بن وهب عن يونس عن بن شهاب وحديث عائشة تقدم في الترجمة النبوية من طريق الليث عن يونس بن يزيد معلقا وتقدم شرحه هناك وتقدم أيضا في الجنائز من طريق جرير بن حازم عن نافع قال حدث بن عمر ان أبا هريرة يقول فذكر الحديث في فضل اتباع الجنائز فقال بن عمر أكثر علينا أبو هريرة فصدقت عائشة أبا هريرة أي في الحديث المذكور وقوله على يتعلق بقوله يكثر ولو تعلق بقوله الحديث لقال عن قوله والله الموعد تقدم شرحها في كتاب المزارعة زاد شعيب بن أبي حمزة في روايته ويقولون ما للمهاجرين والانصار لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل حديث أبي هريرة في رواية يونس عند مسلم مثل أحاديثه وزاد سأخبركم عن ذلك وتقدم في المزارعة نحو هذا ونبهت على ذلك في كتاب العلم قوله اني كنت أمرا مسكينا في رواية مسلم
[ 272 ]
رجلا قوله ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم اخدم قوله على ملء بطني بكسر الميم وبهمزة آخره أي بسبب شبعي أي ان السبب الاصلي الذي اقتضى له كثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ملازمته له ليجد ما يأكله لانه لم يكن له شئ يتجر فيه ولا أرض يزرعها ولا يعمل فيها فكان لا ينقطع عنه خشية ان يفوته القوت فيحصل في هذه الملازمة من سماع الاقوال ورواية الافعال ما لا يحصل لغيره ممن لم يلازمه ملازمته واعانه على استمرار حفظه لذلك ما أشار إليه من الدعوة النبوية له بذلك قوله وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالاسواق في رواية يونس وان إخواني من المهاجرين قوله وكانت الانصار يشغلهم القيام على أموالهم في رواية يونس وأن إخواني عن الانصار كان يشغلهم عمل أرضهم وفي رواية شعيب عمل أموالهم وقد تقدم بيان ذلك قريبا وزاد في رواية يونس فيشهد إذا غابوا ويحفظ إذا نسوا وفي رواية شعيب وكنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة اعي حيث ينسون قوله فشهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في رواية شعيب وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يحدثه قوله من يبسط رداءه وفي رواية الكشميهني من بسط بلفظ الفعل الماضي قوله فلم ينس ف ي رواية الكشميهني فلن ينسى ونقل بن التين انه وقع في رواية فلن ينس بالنون وبالجزم وذكر ان القزاز نقل عن بعض البصريين ان من العرب من يجزم بلن قال وما وجدت له شاهدا وأقره بن التين ومن تبعه وقد ذكر غيره لذلك شاهدا وهو قول الشاعر لن يحب اليوم من رجائك من حرك من دون بابك الحلقة وفيه نظر لانه يصح أن يكون في الاصل لم الجازمة فتغيرت بلن لكن ان كان محفوظا فلعل الشاعر قصد لن لكونها أبلغ هنا في المدح من لم والله أعلم وتقدم في باب الامن من كتاب التعبير توجيه بن مالك لنظير هذا في قول لن ترع وحكايته عن الكسائي ان الجزم بلن لغة لبعض العرب قوله فبسطت بردة في رواية شعيب نمرة وتقدم تفسيرها في أول البيوع وذكر في العلم بيان الاختلاف في المراد بقوله ما نسيت شيئا سمعته منه (0) قوله باب من رأى ترك النكير من النبي صلى الله عليه وسلم حجة النكير بفتح النون وزن عظيم المبالغة في الانكار وقد اتفقوا على أن تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لما يفعل بحضرته أو يقال ويطلع عليه بغير إنكار دال على الجواز لان العصمة تنفي عنه ما يحتمل في حق غيره مما يترتب على الانكار فلا يقر على باطل فمن ثم قال لا من غير الرسول فان سكوته لا يدل على الجواز ووقع في تنقيح الزركشي في الترجمة بدل قوله لا من غير الرسول لامر يحضره الرسول ولم أره لغيره وأشار بن التين إلى ان الترجمة تتعلق بالاجماع السكوتي وان الناس اختلفوا فقالت طائفة لا ينسب لساكت قول لانه في مهلة النظر وقالت طائفة ان قال المجتهد قولا وانتشر لم يخالفه غيره بعد الاطلاع عليه فهو حجة وقيل لا يكون حجة حتى يتعدد القيل به ومحل هذا الخلاف ان لا يخالف ذلك القول نص كتاب أو سنة فان خالفه فالجمهور على تقديم النص واحتج من منع مطلقا ان الصحابة اختلفوا في كثير من المسائل الاجتهادية فمنهم من كان ينكر على غيره إذا كان القول عنده ضعيفا وكان عنده ما هو أقوى منه من نص كتاب أو سنة ومنهم من كان يسكت فلا يكون سكوته دليل على الجواز لتجويز ان يكون لم يتضح له الحكم فسكت لتجويز ان يكون ذلك القول صوابا وان لم يظهر
[ 273 ]
له وجهه (6922) ك : قوله حدثنا حماد بن حميد هو خراساني فيما ذكر أبو عبد الله بن مندة في رجال البخاري وذكر بن رشيد في فوائد رحلته والمزي في التهذيب ان في بعض النسخ القديمة من البخاري حدثنا حماد بن حميد صاحب لنا حدثنا بهذا الحديث وعبيد الله بن معاذ في الاحياء وذكر بن أبي حاتم في الجرح والتعديل حماد بن حميد نزيل عسقلان روى عن بشر بن بكر وأبي ضمرة وغيرهما وسمع منه أبو حاتم وقال شيخي فزعم أبو اليد الباجي في رجال البخاري انه هو الذي روى عنه البخاري هنا وهو بعيد وقد بينت ذلك في تهذيب التهذيب وقد أخرج مسلم حديث الباب عن عبيد الله بن معاذ بلا واسطة وهو أحد الاحاديث التي نزل فيها البخاري عن مسلم أخرجها مسلم عن شيخ وأخرجها البخاري بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ وهي أربعة أحاديث ليس في الصحيح غيرها بطريق التصريح وفيه عدة أحاديث نحو الاربعين مما يتنزل منزلة ذلك وقد افردتها في جزء جمعت ما وقع للبخاري من ذلك فكان اضعاف أضعاف ما وقع لمسلم وذلك ان مسلما في هذه الاربعة باق على الرواية عن الطبقة الاولى أو الثانية من شيوخه واما البخاري فإنه نزل فيها عن طبقته العالية بدرجتين مثال ذلك من هذا الحديث ان البخاري إذا روى حديث شعبة عاليا كان بينه وبينه راو واحد وقد ادخل بينه وبين شعبة فيه ثلاثة وأما مسلم فلا يروي حديث شعبة بأقل من واسطتين والحديث الثاني من الاربعة مضى في تفسير سورة الانفال أخرجه عن أحمد وعن محمد بن النضر النيسابوريين عن عبيد الله بن معاذ أيضا عن أبيه عن شعبة بسند آخر وأخرجه مسلم عن عبيد الله بن معاذ نفسه والحديث الثالث أخرجه في آخر المغازي عن أحمد بن الحسن الترمذي عن أحمد بن حنبل عن معتمر بن سليمان عن كهمس بن الحسن عن عبد الله ابن بريدة عن أبيه في عدد الغزوات وأخرجه مسلم عن أحمد بن حنبل بهذا السند بلا واسطة والحديث الرابع وقع في كتاب كفارة الايمان عن محمد بن عبد الرحيم وهو الحافظ المعروف بصاعقة عن داود بن رشيد عن الوليد بن مسلم عن أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن علي بن الحسين بن علي بن سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة في فضل العتق وأخرجه مسلم عن داود بن رشيد نفسه وهذا مما نزل فيه البخاري عن طبقته درجتين لانه يروي حديث بن غسان بواسطة واحدة كسعيد بن أبي مريم وهنا بينهما ثلاث وسائط وقد أشرت لكل حديث من هذه الاربعة في موضعه وجمعتها هنا تتميما للفائدة وعبيد الله بن معاذ أي بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري وسعد بن إبراهيم أي بن عبد الرحمن بن عوف وروايته عن محمد بن المنكدر من الاقران لانه من طبقته قوله رأيت جابر بن عبد الله يحلف أي شاهدته حين حلف قوله ان بن الصياد كذا لابي ذر بصيغة المبالغة ووقع عند بن بطال مثله لكن بغير ألف ولام وكذا في رواية مسلم وللباقين بن الصائد بوزن الظالم قوله تحلف بالله قال انى سمعت عمر الخ كان جابرا لما سمع عمر يحلف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه فهم منه المطابقة ولكن بقي ان شرط العمل بالتقرير ان لا يعارضه التصريح بخلافه فمن قال أو فعل بحضرت النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فأقره دل ذلك على الجواز فان قال النبي صلى الله عليه وسلم افعل خلاف ذلك دل على نسخ ذلك التقرير الا ان ثبت دليل الخصوصية قال بن بطال بعد ان قرر دليل جابر فان قيل تقدم يعني كما في الجنائز ان عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم في قصة بن صياد دعني أضرب عنقه
[ 274 ]
فقال ان يكن هو فلن تسلط عليه فهذا صريح في انه تردد في أمره يعني فلا يدل سكوته عن إنكاره عند حلف عمر على انه هو قال وعن ذلك جوابان أحدهما ان الترديد كان قبل ان يعلمه الله تعالى بأنه هو الدجال فلما أعلمه لم ينكر على عمر حلفه والثاني ان العرب قد تخرج الكلام مخرج الشك وان لم يكن في الخبر شك فيكون ذلك من تلطف النبي صلى الله عليه وسلم بعمر في صرفه عن قتله انتهى ملخصا ثم ذكر ما ورد عن غير جابر مما يدل على ان بن صياد هو الدجال كالحديث الذي أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن بن عمر قال لقيت بن صياد يوما ومعه رجل من اليهود فإذا عينه قد طفئت وهي خارجه مثل عين الجمل فلما رأيتها قلت أنشدك الله يا بن صياد متى طفئت عينك قال لا أدري والرحمن قلت كذبت لا تدري وهي في رأسك قال فمسحها ونخر ثلاثا فزعم اليهودي اني ضربت بيدي صدره وقلت له اخسأ فلن تعدو قدرك فذكرت ذلك لحفصة فقالت حفصة اجتنب هذا الرجل فانما يتحدث ان الدجال يخرج عند غضبه بغضبها انتهى وقد أخرج مسلم هذا الحديث بمعناه من وجه آخر عن بن عمر ولفظه لقيته مرتين فذكر الاولى ثم قال لقيته لقية أخرى وقد نفرت عينه فقلت متى فعلت عينك ما أرى قال ما أدري قلت لا تدري وهي في رأسك قال ان شاء الله جعلها في عصاك هذه ونخر كأشد نخير حمار سمعت فزعم أصحابي اني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت وانا والله ما شعرت قال وجاء حتى دخل على أم المؤمنين حفصة فحدثها فقالت ما تريد إليه الم تسمع انه قد قال ان أول ما يبعثه على الناس غضب يغضبه ثم قال بن بطال فان قيل هذا أيضا يدل على التردد في امره فالجواب انه ان وقع الشك في انه الدجال الذي يقتله عيسى بن مريم فلم يقع الشك في انه أحد الدجالين الكذابين الذين انذر بهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ان بين يدي الساعة دجالين كذابين يعني الحديث الذي مضى مع شرحه في كتاب الفتن انتهى ومحصله عدم تسليم الجزم بأنه الدجال فيعود السؤال الاول عن جواب حلف عمر ثم جابر على انه الدجال المعهود لكن في قصة حفصة وابن عمر دليل على انهما ارادا الدجال الاكبر واللام في القصة الواردة عنهما للعهد لا للجنس وقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن موسى بن عقبة عن نافع قال كان بن عمر يقول والله ما أشك ان المسيح الدجال هو بن صياد ووقع لابن صياد مع أبي سعيد الخدري قصة أخرى تتعلق بأمر الدجال فأخرج مسلم من طريق داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال صحبني بن صياد إلى مكة فقال لي ماذا لقيت من الناس يزعمون أني الدجال الست سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول انه لا يولد له قلت بلى قال فإنه قد ولد لي قال أو لست سمعته يقول لا يدخل المدينة ولا مكة قلت بلى قال فقد ولدت بالمدينة وها انا أريد مكة ومن طريق سليمان التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال أخذتني من بن صياد دمامة فقال هذا عذرت الناس مالي وأنتم يا أصحاب محمد الم يقل نبي الله صلى الله عليه وسلم انه يعني الدجال يهودي وقد أسلمت فذكر نحوه ومن طريق الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد خرجنا حجاجا ومعنا بن صياد فنزلنا منزلا وتفرق الناس وبقيت انا وهو فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال فيه فقلت الحر شديد فلو وضعت ثيابك تحت تلك الشجرة ففعل فرفعت لنا غنم فانطلق فجاء بعس فقال اشرب يا أبا سعيد فقلت ان الحر شديد وما بي الا ان أكره أني أشرب من يده فقال لقد هممت ان آخذ حبلا فأعلقه بشجرة ثم أختنق به مما يقول لي الناس يا أبا سعيد من خفي عليه
[ 275 ]
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خفي عليكم معشر الانصار ثم ذكر نحو ما تقدم وزاد قال أبو سعيد حتى كدت أعذره وفي آخر كل من الطرق الثلاثة انه قال اني لاعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن قال أبو سعيد فقلت له تبا لك سائر اليوم لفظ الجريري وأجاب البيهقي عن قصة ابن صياد بعد ان ذكر ما أخرجه أبو داود من حديث أبي بكرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكث أبو الدجال ثلاثين عاما لا يولد لهما ثم يولد لهما غلام أعور أضر شئ وأقله نفعا ونعت أباه وأمه قال فسمعنا بمولود ولد في اليهود فذهبت انا والزبير بن العوام فدخلنا على أبويه فإذا النعت فقلنا هل لكما من ولد قالا مكثنا ثلاثين عاما لا يولد لنا ثم ولد لنا غلام أضر شئ وأقله نفعا الحديث قال البيهقي تفرد به علي بن زيد بن جدعان وليس بالقوي قلت ويوهي حديثه ان أبا بكرة انما أسلم لما نزل من الطائف حين حوصرت سنة ثمان من الهجرة وفي حديث بن عمر الذي في الصحيحين انه صلى الله عليه وسلم لما توجه إلى النخل التي فيها بن صياد كان بن صياد يومئذ كالمحتلم فمتى يدرك أبو بكرة زمان مولده بالمدينة وهو لم يسكن المدينة الا قبل الوفاة النبوية بسنتين فكيف يتأتى ان يكون في الزمن النبوي كالمحتلم فالذي في الصحيحين هو المعتمد ولعل الوهم وقع فيما يقتضي تراخي مولد بن صياد اولا وهم فيه بل يحتمل قوله بلغنا انه ولد لليهود مولود على تأخر البلاغ وان كان مولده كان سابقا على ذلك بمدة بحيث يأتلف مع حديث بن عمر الصحيح ثم قال البيهقي ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي صلى الله عليه وسلم على حلف عمر فيحتمل ان يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان متوقفا في أمره ثم جاءه الثبت من الله تعالى بأنه غيره على ما تقتضيه قصة تميم الداري وبه تمسك من جزم بان الدجال غير بن صياد وطريقه أصح وتكون الصفة التي في بن صياد وافقت ما في الدجال قلت قصة تميم أخرجها مسلم من حديث فاطمة بنت قيس ان النبي صلى الله عليه وسلم خطب فذكر ان تميما الداري ركب في سفينة مع ثلاثين رجلا من قومه فلعب بهم الموج شهرا ثم نزلوا إلى جزيرة فلقيتهم دابة كثيرة الشعر فقالت لهم انا الجساسة ودلتهم على رجل في الدير قال فانطلقنا سراعا فدخلنا الدير فإذا فيه أعظم انسان رأيناه قط خلقا وأشده وثاقا مجموعة يداه إلى عنقه بالحديد فقلنا ويلك ما أنت فذكر الحديث وفيه انه سألهم عن نبي الاميين هل بعث وانه قال ان يطيعوه فهو خير لهم وانه سألهم عن بحيرة طبرية وعن عين زغر وعن نخل بيسان وفيه انه قال اني مخبركم عني انا المسيح واني اوشك ان يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الارض فلا ادع قرية الا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة وفي بعض طرقه عند البيهقي انه شيخ وسندها صحيح قال البيهقي فيه ان الدجال الاكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير بن صياد وكان بن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر صلى الله عليه وسلم بخروجهم وقد خرج أكثرهم وكان الذين يجزمون بابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم والا فالجمع بينهما بعيدا جدا إذ كيف يلتئم ان يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المحتلم ويجتمع به النبي صلى الله عليه وسلم ويسأله ان يكون في آخرها شيخا كبيرا مسجونا في جزيرة من جزائر البحر موثقا بالحديد يستفهم عن خبر النبي صلى الله عليه وسلم هل خرج أو لا فالاولى ان يحمل على عدم الاطلاع اما عمر فيحتمل ان يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم ثم لما سمعها لم يعد إلى الحلف المذكور واما جابر فشهد حلفه عند النبي صلى الله عليه وسلم فاستصحب ما كان اطلع عليه من عمر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم لكن اخرج أبو داود من
[ 276 ]
رواية الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر فذكر قصة الجساسة والدجال بنحو قصة تميم قال قال أي الوليد فقال لي بن أبي سلمة ان في هذا شئ ما حفظته قال شهد جابر انه بن صياد قلت فإنه قد مات قال وان مات قلت فإنه أسلم قال وان اسلم قلت فإنه دخل المدينة قال وان دخل المدينة انتهى وابن أبي مسلمة اسمه عمر فيه مقال ولكن حديثه حسن ويتعقب به على من زعم ان جابرا لم يطلع على قصة تميم وقد تكلم بن دقيق العيد على مسألة التقرير في أوائل شرح الالمام فقال ما ملخصه إذا أخبر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر ليس فيه حكم شرعي فهل يكون سكوته صلى الله عليه وسلم دليلا على مطابقة ما في الواقع كما وقع لعمر في حلفه على بن صياد هو الدجال فلم ينكر عليه فهل يدل عدم إنكاره على أن بن صياد هو الدجال كما فهمه جابر حتى صار يحلف عليه ويستند إلى حلف عمر أو لا يدل فيه نظر قال والاقرب عندي انه لا يدل لان مأخذ المسألة ومناطها هو العصمة من التقرير على باطل وذلك يتوقف على تحقق البطلان ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحة الا ان يدعي مدع انه يكفي في وجوب البيان عدم تحقق الصحة فيحتاج إلى دليل وهو عاجز عنه نعم التقرير يسوغ الحلف على ذلك على غلبة الظن لعدم توقف ذلك على العلم انتهى ملخصا ولا يلزم من عدم تحقق البطلان ان يكون السكوت مستوفى الطرفين بل يجوز ان يكون المحلوف عليه من قسم خلاف الاولى قال الخطابي اختلف السلف في أمر بن صياد بعد كبره فروى انه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة وانهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا وجهه حتى يراه الناس وقيل لهم اشهدوا وقال النووي قال العلماء قصة بن صياد مشكلة وأمره مشتبه لكن لا شك انه دجال من الدجاجلة والظاهر ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه في أمره بشئ وانما أوحى إليه بصفات الدجال وكان في بن صياد قرائن محتملة فلذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يقطع في أمره بشئ بل قال لعمر لا خير لك في قتله الحديث واما احتجاجاته هو بأنه مسلم إلى سائر ما ذكر فلا دلالة فيه على دعواه لان النبي صلى الله عليه وسلم انما أخبر عن صفاته وقت خروجه آخر الزمان قال ومن جملة ما في قصته قوله للنبي صلى الله عليه وسلم اتشهد أني رسول الله وقوله انه يأتيه صادق وكاذب وقوله انه تنام عينه ولا ينام قلبه وقوله انه يرى عرشا على الماء وانه لا يكره ان يكون الدجال وانه يعرفه ويعرف مولده وموضعه وأين هو الآن قال واما إسلامه وحجه وجهاده فليس فيه تصريح بأنه غير الدجال لاحتمال ان يختم له بالشر فقد أخرج أبو نعيم الاصبهاني في تاريخ أصبهان ما يؤيد كون بن صياد هو الدجال فساق من طريق شبيل بمعجمة وموحدة مصغرا آخره لام بن عرزة بمهملة ثم زاي بوزن ضربة عن حسان بن عبد الرحمن عن أبيه قال لما افتتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ فكنا نأتيها فنمتار منها فأتيتها يوما فإذا اليهود يزفنون ويضربون فسألت صديقا لي منهم فقال ملكنا الذي نستفتح به على العرب يدخل فبت عنده على سطح فصليت الغداة فلما طلعت الشمس إذا رهج من قبل العسكر فنظرت فإذا رجل عليه قبة من ريحان واليهود يزفنون ويضربون فنظرت فإذا هو بن صياد فدخل المدينة فلم يعد حتى الساعة قلت وعبد الرحمن بن حسان ما عرفته والباقون ثقات وقد اخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر قال فقدنا بن صياد يوم الحرة وبسند حسن مضى التنبيه عليه فقيل انه مات قلت وهذا يضعف ما تقدم انه مات بالمدينة وانهم صلوا عليه
[ 277 ]
وكشفوا عن وجهه ولا يلتئم خبر جابر هذا مع خبر حسان بن عبد الرحمن لان فتح أصبهان كان في خلافة عمر كما أخرجه أبو نعيم في تاريخها وبين قتل عمر ووقعة الحرة نحو أربعين سنة ويمكن الحمل على ان القصة انما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان بهذه المدة ويكون جواب لما في قوله لما افتتحنا أصبهان محذوفا تقديره صرت اتعاهدها واتردد إليها فجرت قصة بن صياد فلا يتحد زمان فتحها وزمان دخولها بن صياد وقد أخرج الطبراني في الاوسط من حديث فاطمة بنت قيس مرفوعا ان الدجال يخرج من أصبهان ومن حديث عمران بن حصين حين أخرجه أحمد بسند صحيح عن أنس لكن عنده من يهودية أصبهان قال أبو نعيم في تاريخ أصبهان كانت اليهودية من جملة قرى أصبهان وانما سميت اليهودية لانها كانت تختص بسكنى اليهود قال ولم تزل على ذلك إلى ان مصرها أيوب بن زياد أمير مصر في زمن المهدي بن المنصور فسكنها المسلمون وبقيت لليهود منها قطعة منفردة واما ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا قال يتبع الدجال سبعون ألفا من يهود أصبهان فلعلها كانت يهودية أصبهان يريد البلد المذكور لا ان المراد جميع أهل أصبهان يهود وان القدر الذي يتبع الدجال منهم سبعون الفا وذكر نعيم بن حماد شيخ البخاري في كتاب الفتن أحاديث تتعلق بالدجال وخروجه إذا ضمت إلى ما سبق ذكره في أواخر كتاب الفتن انتظمت منهاله ترجمة تامة منها ما أخرجه من طريق جبير بن نفير وشريح بن عبيد وعمرو بن الاسود وكثير بن مرة قالوا جميعا الدجال ليس هو انسان وانما هو شيطان موثق بسبعين حلقة في بعض جزائر اليمن لا يعلم من أوثقه سليمان النبي أو غيره فإذا آن ظهوره فك الله عنه كل عام حلقة فإذا برز اتته اتان عرض ما بين اذنيها أربعون ذراعا فيضع على ظهرها منبرا من نحاس ويقعد عليه ويتبعه قبائل الجن يخرجون له خزائن الارض قلت وهذا لا يمكن معه كون بن صياد هو الدجال ولعل هؤلاء مع كونهم ثقات تلقوا ذلك من بعض كتب أهل الكتاب وأخرج أبو نعيم أيضا من طريق كعب الاحبار ان الدجال تلده أمه بقوس من أرض مصر قال وبين مولده ومخرجه ثلاثون سنة قال ولم ينزل خبره في التوراة والانجيل وانما هو في بعض كتب الانبياء انتهى وأخلق بهذا الخبر ان يكون باطلا فان الحديث الصحيح ان كل نبي قبل نبينا أنذر قومه الدجال وكونه يولد قبل مخرجه بالمدة المذكورة مخالف لكونه بن صياد ولكونه موثوقا في جزيرة من جزائر البحر وذكر بن وصيف المؤرخ ان الدجال من ولد شق الكاهن المشهور قال وقال بل هو شق نفسه أنذره الله وكانت أمه جنية عشقت أباه فأولدها وكان الشيطان يعمل له العجائب فأخذه سليمان فحبسه في جزيرة من جزائر البحر وهذا أيضا في غاية الوهي وأقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون بن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثوقا وأن بن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة إلى ان توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه إلى ان تجئ المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها ولشدة التباس الامر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في بن صياد ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم وقد توهم بعضهم انه غريب فرد وليس كذلك فقد رواه مع فاطمة بنت قيس أبو هريرة وعائشة وجابر اما أبو هريرة فأخرجه أحمد من رواية عامر الشعبي عن المحرز بن أبي هريرة عن أبيه بطوله وأخرجه أبو داود مختصرا وابن ماجة عقب رواية الشعبي عن فاطمة قال الشعبي فلقيت المحرز فذكره
[ 278 ]
وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن أبي هريرة قال استوى النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال حدثني تميم فرأى تميما في ناحية المسجد فقال يا تميم حدث الناس بما حدثتني فذكر الحديث وفيه فإذا أحد منخريه ممدود وإحدى عينيه مطموسه الحديث وفيه لاطأن الارض بقدمي هاتين إلى مكة وطابا واما حديث عائشة فهو في الرواية المذكورة عن الشعبي قال ثم لقيت القاسم بن محمد فقال أشهد على عائشة حدثتني كما حدثتك فاطمة بنت قيس واما حديث جابر فأخرجه أبو داود بسند حسن من رواية أبي سلمة عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على المنبر انه بينما أناس يسيرون في البحر فنفد طعامهم فرفعت لهم جزيرة فخرجوا يريدون الخبر فلقيتهم الجساسة فذكر الحديث وفيه سؤالهم عن نخل بيسان وفيه ان جابرا شهد انه بن صياد فقلت انه قد مات قال وان مات قلت فإنه أسلم قال وان اسلم قلت فأنه دخل المدينة قال وان دخل المدينة وفي كلام جابر إشارة إلى ان امره ملبس وانه يجوز أن يكون ما ظهر من امره إذ ذاك لا ينافي ما توقع منه بعد خروجه في آخر الزمان وقد أخرج أحمد من حديث أبي ذر لان أحلف عشر مرار ان بن صياد هو الدجال أحب الي من ان أحلف واحدة انه ليس هو وسنده صحيح ومن حديث بن مسعود نحوه لكن قال سبعا بدل عشر مرات أخرجه الطبراني والله اعلم وفي الحديث جواز الحلف بما يغلب على الظن ومن صوره المتفق عليها عند الشافعية ومن تبعهم ان من وجد بخط أبيه الذي يعرفه ان له عند شخص مالا وغلب على ظنه صدقه ان له إذا طالبه وتوجهت عليه اليمين ان يحلف على البت انه يستحق قبض ذلك منه (0) قوله باب الاحكام التي تعرف بالدلائل كذا للاكثر وفي رواية الكشميهني بالدليل بالافراد والدليل ما يرشد إلى المطلوب ويلزم من العلم به العلم بوجود المدلول وأصله في اللغة من أرشد قاصد مكان ما إلى الطريق الموصل إليه قوله وكيف معنى الدلالة وتفسيرها يجوز في الدلالة فتح الدال وكسرها وحكى الضم والفتح أعلى والمراد بها في عرف الشرع الارشاد إلى ان حكم الشئ الخاص الذي لم يرد فيه نص خاص داخل تحت حكم دليل آخر بطريق العموم فهذا معنى الدلالة واما تفسيرها فالمراد به تبينها وهو تعليم المأمور كيفية ما أمر به والى ذلك الاشارة في ثاني أحاديث الباب ويستفاد من الترجمة بيان الرأي المحمود وهو ما يؤخذ مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من اقواله وأفعاله بطريق التنصيص وبطريق الاشارة فيندرج في ذلك الاستنباط ويخرج الجمود على الظاهر المحض قوله وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر الخيل الخ يشير إلى أول أحاديث الباب ومراده ان قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره إلى آخر السورة عام في العامل وفي عمله وانه صلى الله عليه وسلم لما بين حكم اقنتاء الخيل وأحوال مقتنيها وسئل عن الحمر أشار إلى ان حكمها وحكم الخيل وحكم غيرها مندرج في العموم الذي يستفاد من الآية قوله وسئل عن الضب الخ يشير إلى ثالث أحاديث الباب ومراده بيان حكم تقريره صلى الله عليه وسلم وانه يفيد الجواز إلى ان توجد قرينة تصرفه إلى غير ذلك ثم ذكر فيه خمسة أحاديث الحديث الاول حديث أبي هريرة الخيل لثلاثة وقد مضى شرحه في كتاب الجهاد قوله وسئل أي النبي صلى الله عليه وسلم واسم السائل عن ذلك يمكن ان يفسر بصعصعة بن معاوية عم الاحنف التميمي وحديثه في ذلك عند النسائي في التفسير وصححه الحاكم ولفظه قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول من يعمل
[ 279 ]
مثقال ذرة خيرا يره إلى آخر السورة قال ما أبالي ان لا أسمع غيرها حسبي حسبي وحكى بن بطال عن المهلب ان هذا الحديث حجة في اثبات القياس وفيه نظر تقدم التنبيه عليه عند شرحه في كتاب الجهاد وأشرت إليه في باب تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته الحديث الثاني قوله حدثنا يحيى كذا لابي ذر غير منسوب وصنيع بن السكن يقتضي أنه بن موسى البلخي وتقدمت إليه الاشارة في كتاب الطهارة وجزم الكلاباذي ومن تبعه كالبيهقي بأنه بن جعفر البيكندي قوله عن منصور بن عبد الرحمن في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان حدثنا منصور وهو عند أبي نعيم في المستخرج من طريق الحميدي وعبد الرحمن والد منصور المذكور هو بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد الدار العبدري الحجبي كما تقدم في كتاب الحيض ووقع هنا منصور بن عبد الرحمن بن شيبة وشيبة انما هو جد منصور لامه لان اسم أمه صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الحجبي وعلى هذا فيكتب بن شيبة بالالف ويعرب اعراب منصور لا اعراب عبد الرحمن وقد تفطن لذلك الكرماني هنا ولصفية ولابيها صحبة قوله ان امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم كذا ذكر من المتن أوله ثم تحول إلى السند الثاني ومحمد بن عقبة شيخه هو الشيباني يكنى أبا عبد الله فيما جزم به الكلاباذي وحكى المزي انه يكنى أبا جعفر وهو كوفي قال أبو حاتم ليس بالمشهور وتعقب بأنه روى عنه مع البخاري يعقوب بن سفيان وأبو كريب وآخرون ووثقه مطين وابن عدي وغيرهما قال بن حبان مات سنة خمس عشرة قلت فهو من قدماء شيوخ البخاري ما له عنده سوى هذا الموضع فيما ذكر الكلاباذي لكنه متعقب بان له موضعا آخر تقدم في الجمعة وآخر في غزوة المريسيع وله في الاحاديث الثلاثة عنده متابع فما اخرج له شيئا استقلالا ولكنه ساق المتن هنا على لفظه واما لفظ بن عيينة فيه فتقدم في الطهارة وتقدم هناك ان اسم المرأة السائلة أسماء بنت شكل بمعجمة وكاف مفتوحتين ثم لام وقيل اسم أبيها غير ذلك كما تقدم مع سائر شرحه قال بن بطال لم تفهم السائلة غرض النبي صلى الله عليه وسلم لانها لم تكن تعرف ان تتبع الدم بالفرصة يسمى توضأ إذا اقترن بذكر الدم والاذى وانما قيل له ذلك لكونه مما يستحيي من ذكره ففهمت عائشة غرضه فبينت للمرأة ما خفي عليها من ذلك وحاصله أن المجمل يوقف على بيانه من القرائن وتختلف الافهام في ادراكه وقد عرف أئمة الاصول المجمل بما لم تتضح دلالته ويقع في اللفظ المفرد كالقرء لاحتماله الطهر والحيض وفي المركب مثل أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح لاحتماله الزوج والولي ومن المفرد الاسماء الشرعية مثل كتب عليكم الصيام فقيل هو مجمل لصلاحيته لكل صوم ولكنه بين بقوله تعالى شهر رمضان ونحوه حديث الباب في قوله توضئ فإنه وقع بيانه للسائلة بما فهمته عائشة رضي الله عنها وأقرت على ذلك والله أعلم الحديث الثالث حديث بن عباس (6925) قوله أم حفيد بمهملة وفاء مصغر اسمها هزيلة بزاي مصغر بنت الحارثة الهلالية أخت ميمونة أم المؤمنين وهي خالة بن عباس وخالة خالد بن الوليد واسم أم كل منهما لبابة بضم اللام وتخفيف الموحدة وبعد الالف أخرى قوله وأضبا بضم الضاض المعجمة وتشديد الموحدة جمع ضب ووقع في رواية الكشميهني بالافراد قوله كالمتقذر لهن بقاف ومعجمة في رواية الكشميهني له وكذا في قوله ما أكلن وتقدم شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب الاطعمة الحديث الرابع حديث جابر في أكل الثوم والبصل (6926) قوله وليقعد في رواية الكشميهني أو ليعقد
[ 280 ]
بزيادة الالف في أوله قوله أتى ببدر قال بن وهب يعني طبقا هو موصول بسند الحديث المذكور قوله فقربوها إلى بعض أصحابه كان معه هو منقول بالمعنى لان لفظه صلى الله عليه وسلم قربوها لابي أيوب فكأن الراوي لم يحفظه فكنى عنه بذلك وعلى تقدير أن لا يكون النبي صلى الله عليه وسلم عينه ففيه التفات لان نسق العبارة أن يقول إلى بعض أصحابي ويؤيد أنه من كلام الراوي قوله بعده كان معه قوله فلما رآه كره أكلها فاعل كره هو أبو أيوب وفيه حذف تقديره فلما رآه امتنع من أكلها وأمر بتقريبها إليه كره أكلها ويحتمل ان يكون التقدير فلما رآه لم يأكل منها كره اكلها وكان أبو أيوب استدل بعموم قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة على مشروعية متابعته في جميع أفعاله فلما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من أكل تلك البقول تأسى به فبين له النبي صلى الله عليه وسلم وجه تخصيصه فقال اني اناجي من لا تناجي ووقع عند مسلم في رواية له من حديث أبي أيوب كما تقدم في شرح هذا الحديث في اواخر كتاب الصلاة قبل كتاب الجمعة اني أخاف ان اوذي صاحبي وعند أبي خزيمة انى استحيي من ملائكة الله وليس بمحرم قال ابن بطال قوله قربوها نص على جواز الاكل وكذا قوله فانى أناجي الخ قلت وتكملته ما ذكرته واستدل به على تفضيل الملك على البشر وفيه نظر لان المراد بمن كان صلى الله عليه وسلم يناجيه من ينزل عليه بالوحي وهو في الاغلب الاكثر جبريل ولا يلزم من وجود دليل يدل على أفضلية جبريل على مثل أبي أيوب ان يكون أفضل ممن هو أفضل من أبي أيوب ولا سيما ان كان نبيا ولا يلزم من تفضيل بعض الافراد على بعض تفضيل جميع الجنس على جميع الجنس قوله وقال بن عفير هو سعيد بن كثير بن عفير بمهملة وفاء مصغر نسب لجده وهو من شيوخ البخاري وقد صرح بتحديثه له في المكان الذي أشرت إليه وساقه على لفظه وساق عن أحمد بن صالح الذي ساقه هنا قطعة منه وزاد هناك عن الليث وأبي صفوان طرفا منه معلقا وذكرت هناك من وصلهما الحديث الخامس (6927) قوله حدثنا أبي وعمي اسم عمه يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال الدمياطي مات يعقوب سنة ثمان ومائتين وكان أصغر من أخيه سعد انفرد به البخاري واتفقا على أخيه انتهى وظن بعض من نقل كلامه ان الضمير في قوله أخيه ليعقوب ومقتضاه ان يكون اتفقا على التخريج لسعد ثم اعترض بأن الواقع خلافه وليس كما ظن والاعتراض ساقط والضمير انما هو لسعد والمتفق عليه يعقوب والضمير في قوله لاقرب مذكور وهو سعيد لا ليعقوب المحدث عنه اولا قوله قالا حدثنا أبي أي قال كل منهما ذلك قوله ان امرأة تقدم في مناقب الصديق شرح الحديث وأنها لم تسم قوله زاد لنا الحميدي عن إبراهيم بن سعد الخ يريد بالسند الذي قبله والمتن كله والمزيد هو قوله كأنها تعني الموت وقد مضى في مناقب الصديق بلفظ حدثنا الحميدي ومحمد بن عبد الله قالا حدثنا إبراهيم بن سعد وساقه بتمامه وفيه الزيادة ويستفاد منه انه إذا قال زادنا وزاد لنا وكذا زادني وزاد لي ويلتحق به قال لنا وقال لي وما اشبهها فهو كقوله حدثنا بالنسبة إلى انه حمل ذلك عنه سماعا لانه لا يستجيزها في الاجازة ومحل الرد ما يشعر به كلام القائل من التعميم وقد وجد له في موضع زادنا حدثنا وذلك لا يدفع احتمال انه كان يستجيز في الاجازة ان يقول قال لنا ولا يستجيز حدثنا قال بن بطال استدل النبي صلى الله عليه وسلم
[ 281 ]
بظاهر قولها فان لم اجدك انها ارادت الموت فأمرها بإتيان أبي بكر قال وكأنه اقترن بسؤالها حالة افهمت ذلك وان لم تنطق بها قلت والى ذلك وقعت الاشارة في الطريق المذكورة هنا التي فيها كأنها تعني الموت لكن قولها فان لم اجدك أعم في النفي من حال الحياة وحال الموت ودلالته لها على أبي بكر مطابق لذلك العموم وقول بعضهم هذا يدل على ان أبا بكر هو الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم صحيح لكن بطريق الاشارة لا التصريح ولا يعارض جزم عمر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف لان مراده نفي النص على ذلك صريحا والله اعلم قال الكرماني مناسبة هذا الحديث للترجمة انه يستدل به على خلافة أبي بكر ومناسبة الحديث الذي قبله لانه يستدل به على ان الملك يتأذى بالرائحة الكريهة قلت في هذا الثاني نظر لانه قال في بعض طرق الحديث فان الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم فهذا حكم يعرف بالنص والترجمة حكم يعرف بالاستدلال فالذي قاله في خلافة أبي بكر مستقيم بخلاف هذا والذي أشرت إليه من استدلال أبي أيوب على كراهية أكل الثوم بامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من جهة عموم التأسي أقرب ما قاله (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث جابر ان عمر اتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب اصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضب وقال لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسه بيده لو ان موسى كان حيا ما وسعه الا ان يتبعني ورجاله موثوقون الا ان في مجالد ضعفا وأخرجه البزار أيضا من طريق عبد الله بن ثابت الانصاري ان عمر نسخ صحيفة من التوراه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ وفي سنده جابر الجعفي وهو ضعيف واستعمله في الترجمة لورود ما يشهد بصحته من الحديث الصحيح واخرج عبد الرزاق من طريق حريث بن ظهير قال قال عبد الله لا تسألوا أهل الكتاب فانهم لن يهدوكم وقد اضلوا أنفسم فتكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل وأخرجه سفيان الثوري من هذا الوجه بلفظ لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ فانهم لن يهدوكم وقد ضلوا ان تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل وسنده حسن قال بن بطال عن المهلب هذا النهي انما هو في سؤالهم عما لا نص فيه لان شرعنا مكتف بنفسه فإذا لم يوجد فيه نص ففي النظر والاستدلال غنى عن سؤالهم ولا يدخل في النهى سؤالهم عن الاخبار المصدقة لشرعنا والاخبار عن الامم السالفة واما قوله تعالى فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك فالمراد به من آمن منهم والنهى انما هو عن سؤال من لم يؤمن منهم ويحتمل ان يكون الامر يختص بما يتعلق بالتوحيد والرسالة المحمدية وما اشبه ذلك والنهي عما سوى ذلك قوله وقال أبو اليمان كذا عند الجميع ولم أره بصيغة حدثنا وأبو اليمان من شيوخه فاما ان يكون اخذه عنه مذاكرة واما ان يكون ترك التصريح بقوله حدثنا لكونه اثرا موقوفا ويحتمل ان يكون مما فاته سماعه ثم وجدت الاسماعيلي أخرجه عن عبد الله بن العباس الطيالسي عن البخاري قال حدثنا أبو اليمان ومن هذا الوجه أخرجه أبو نعيم فذكره فظهر انه مسموع له وترجح الاحتمال الثاني ثم وجدته في التاريخ الصغير للبخاري قال حدثنا أبو اليمان قوله حميد بن عبد الرحمن أي بن عوف وقوله سمع معاوية أي انه سمع معاوية وحذف انه يقع كثيرا قوله رهطا من قريش لم اقف على تعيينهم
[ 282 ]
وقوله بالمدينة يعنى لما حج في خلافته قوله ان كان من اصدق ان مخففة من الثقيلة ووقع في رواية أخرى لمن اصدق بزيادة اللام المؤكدة قوله يحدثون عن أهل الكتاب أي القديم فيشمل التوراة والصحف وفي رواية الذهلي في الزهريات عن أبي اليمان بهذا السند يتحدثون بزيادة مثناة قوله لنبلو بنون ثم موحدة أي نختبر وقوله عليه الكذب أي يقع بعض ما يخبرنا عنه بخلاف ما يخبرنا به قال بن التين وهذا نحو قول بن عباس في حق كعب المذكور بدل من قبله فوقع في الكذب قال والمراد بالمحدثين أنداد كعب ممن كان من أهل الكتاب واسلم فكان يحدث عنهم وكذا من نظر في كتبهم فحدث عما فيها قال ولعلهم كانوا مثل كعب الا ان كعبا كان أشد منهم بصيرة واعرف بما يتوقاه وقال بن حبان في كتاب الثقات أراد معاوية أنه يخطئ أحيانا فيما يخبر به ولم يرد أنه كان كذابا وقال غيره الضمير في قوله لنبلو عليه للكتاب لا لكعب وانما يقع في كتابهم الكذب لكونهم بدلوه وحرفوه وقال عياض يصح عوده على الكتاب ويصح عوده على كعب وعلى حديثه وان لم يقصد الكذب ويتعمده إذا لا يشترط في مسمى الكذب التعمد بل هو الاخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه وليس فيه تجريح لكعب بالكذب وقال بن الجوزي المعنى ان بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذبا لا انه يتعمد الكذب والا فقد كان كعب من أخيار الاحبار وهو كعب بن ماتع بكسر المثناة بعدها مهملة بن عمرو بن قيس من آل ذي رعين وقيل ذي الكلاع الحميري وقيل غير ذلك في اسم جده ونسبه يكنى أبا إسحاق كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم رجلا وكان يهوديا عالما بكتبهم حتى كان يقال له كعب الحبر وكعب الاحبار وكان إسلامه في عهد عمر وقيل في خلافة أبي بكر وقيل انه أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتأخرت هجرته والاول أشهر والثاني قاله أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز وأسنده بن منده من طريق أبي إدريس الخولاني وسكن المدينة وغزا الروم في خلافة عمر ثم تحول في خلافة عثمان إلى الشام فسكنها إلى ان مات بحمص في خلافة عثمان سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع وثلاثين والاول أكثر قال بن سعد ذكروه لابي الدرداء فقال ان عند بن الحميرية لعلما كثيرا وأخرج بن سعد من طريق عبد الرحمن بن جبير بن نفير قال قال معاوية الا ان كعب الاحبار أحد العلماء ان كان عنده لعلم كالبحار وان كنا كنا فيه لمفرطين وفي تاريخ محمد بن عثمان بن أبي شيبة من طريق بن أبي ذئب أن عبد الله بن الزبير قال ما أصبت في سلطاني شيئا الا قد أخبرني به كعب قبل ان يقع ثم ذكر فيه حديثين الحديث الاول حديث أبي هريرة (6928) قوله كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية تقدم بهذا السند والمتن في تفسير سورة البقرة وعلى هذا فالمراد باهل الكتاب اليهود لكن الحكم عام فيتناول النصارى قوله لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم هذا لا يعارض حديث الترجمة فإنه نهى عن السؤال وهذا نهي عن التصديق والتكذيب فيحمل الثاني على ما إذا بدأهم أهل الكتاب بالخبر وقد تقدم توجيه النهي عن التصديق والتكذيب في تفسير سورة البقرة الحديث الثاني (6929) قوله حدثنا إبراهيم هو بن سعد بن إبراهيم المذكور قريبا قوله كيف تسألون أهل الكتاب عن شئ تقدم شرحه في كتاب الشهادات ووقع في رواية عكرمة عن بن عباس عند بن أبي شيبة عن كتبهم قوله وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث كذا وقع مختصرا هنا وتقدم بلفظ أحدث الكتب ووقع في رواية
[ 283 ]
عكرمة وعندكم كتاب الله أحدث الكتب عهدا بالله وتقدم توجيه أحدث ويأتي وقوله لا ينهاكم اه استفهام محذوف الاداة بدليل ما تقدم في الشهادات أو لا ينهاكم وقوله عن مسألتهم في رواية الكشمهيني عن مساءلتهم بضم أوله بوزن المفاعلة (0) قوله باب قول الله تعالى وأمرهم شورى بينهم وشاورهم في الامر هكذا وقعت هذه الترجمة مقدمة على اللتين بعدها عند أبي ذر ولغيره مؤخرة عنهما وآخرها النسفي أيضا لكن سقطت عنده ترجمة النهي على التحريم وما معها فاما الآية الاولى فأخرج البخاري في الادب المفرد وابن أبي حاتم بسند قوي عن الحسن قال ما تشاور قوم قط بينهم الا هداهم الله لافضل ما يحضرهم وفي لفظ الا عزم الله لهم بالرشد أو بالذي ينفع واما الآية الثانية فأخرج بن أبي حاتم بسند حسن عن الحسن أيضا قال قد علم انه ما به إليهم حاجة ولكن أراد ان يستن به من بعده وفي حديث أبي هريرة ما رأيت أحدا أكثر مشورة لاصحابه من النبي صلى الله عليه وسلم ورجاله ثقات الا انه منقطع وقد أشار إليه الترمذي في الجهاد فقال ويروى عن أبي هريرة فذكره وتقدم في الشروط من حديث المسور بن مخرمة قوله صلى الله عليه وسلم أشيروا علي في هؤلاء القوم وفيه جواب أبي بكر وعمر وعمله صلى الله عليه وسلم بما اشارا به وهو في الحديث الطويل في صلح الحديبية قوله وان المشاورة قبل العزم والتبين لقوله تعالى فإذا عزمتم فتوكل على الله وجه الدلالة ما ورد عن قراءة عكرمة وجعفر الصادق بضم التاء من عزمت أي إذا أرشدتك إليه فلا تعدل عنه فكأن المشاورة انما تشرع عند عدم العزم وهو واضح وقد اختلف في متعلق المشاورة فقيل في كل شئ ليس فيه نص وقيل في الامر الدنيوي فقط وقال الداودي انما كان يشاورهم في أمر الحرب مما ليس فيه حكم لان معرفة الحكم انما تلتمس منه قال ومن زعم انه كان يشاورهم في الاحكام فقد غفل غفلة عظيمة واما في غير الاحكام فربما رأى غيره أو سمع ما لم يسمعه أو يره كما كان يستصحب الدليل في الطريق وقال غيره اللفظ وان كان عاما لكن المراد به الخصوص للاتفاق على انه لم يكن يشاورهم في فرائض الاحكام قلت وفي هذا الاطلاق نظر فقد اخرج الترمذي وحسنه وصححه بن حبان من حديث علي قال لما نزلت يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول الآية قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ما ترى دينار قلت لا يطيقونه قال فنصف دينار قلت لا يطيقونه قلت فكم قال شعيرة قال انك لزهيد فنزلت أأشفقتم الآية قال فبي خفف الله عن هذه الامة ففي هذا الحديث المشاورة في بعض الاحكام ونقل السهيلي عن بن عباس ان المشاورة مختصة بأبي بكر وعمر ولعله من تفسير الكلبي ثم وجدت له مستندا في فضائل الصحابة لاسد بن موسى والمعرفة ليعقوب بن سفيان بسند لا بأس به عن عبد الرحمن بن غنم بفتح المعجمة وسكون النون وهو مختلف في صحبته ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لابي بكر وعمر لو أنكما تتفقان على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة أبدا وقد وقع في حديث أبي قتادة في نومهم في الوادي ان تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا لكن لا حجة فيه للتخصيص ووقع في الادب من رواية طاوس عن بن عباس في قوله تعالى وشاورهم في الامر قال في بعض الامر قيل وهذا تفسير لا تلاوة ونقله بعضهم قراءة عن بن مسعود وعد كثير من الشافعية المشاورة في الخصائص واختلفوا في وجوبها فنقل البيهقي في المعرفة الاستحباب عن النص وبه جزم أبو نصر الفشيري في تفسيره وهو المرجح قوله فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشر التقدم
[ 284 ]
على الله ورسوله يريد انه صلى الله عليه وسلم بعد المشورة إذا عزم على فعل أمر مما وقعت عليه المشورة وشرع فيه لم يكن لاحد بعد ذلك ان يشير عليه بخلافه لورود النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله في آية الحجرات وظهر من الجمع بين آية المشورة وبينها تخصيص عمومها بالمشورة فيجوز التقدم لكن بأذن منه حيث يستشير وفي غير صورة المشورة لا يجوز لهم التقدم فأباح لهم القول جواب الاستشارة وزجرهم عن الابتداء بالمشورة وغيرها ويدخل في ذلك الاعتراض على ما يراه بطريق الاولى ويستفاد من ذلك ان امره صلى الله عليه وسلم إذا ثبت لم يكن لاحد أن يخالفه ولا يتحيل في مخالفته بل يجعله الاصل الذي يرد إليه ما خالفه لا بالعكس كما يفعل بعض المقلدين ويغفل عن قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن امره الآية والمشورة بفتح الميم وضم المعجمة وسكون الواو وبسكون المعجمة وفتح الواو لغتان والاولى أرجح قوله وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج الخ هذا مثال لما ترجم به انه شاور فإذا عزم لم يرجع والقدر الذي ذكره هنا مختصر من قصة طويلة لم تقع موصولة في موضع آخر من الجامع الصحيح وقد وصلها الطبراني وصححها الحاكم من رواية عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن بن عباس قال تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا أخرج بنا يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحد ونرجو أن نصيب من الفضيلة ما أصاب أهل بدر فما زالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لبس لامته فلما لبسها ندموا وقالوا يا رسول الله اقم فالرأي رأيك فقال ما ينبغي لنبي ان يضع أداته بعد ان لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه وكان ذكر لهم قبل ان يلبس الاداة اني رأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة وهذا سند حسن وأخرج أحمد والدارمي والنسائي من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر نحوه وتقدمت الاشارة إليه في كتاب التعبير وسنده صحيح ولفظ أحمدان النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرا تنحر فأولت الدرع الحصينة المدينة الحديث وقد ساق محمد بن إسحاق هذه القصة في المغازي مطولة وفيها ان عبد الله بن أبي رأس الخزرج كان رأيه الاقامة فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب وقال أطاعهم وعصاني فرجع بمن أطاعه وكانوا ثلث الناس قوله فلما لبس لامته بسكون الهمزة هي الدرع وقيل الاداة بفتح الهمزة وتخفيف الدال وهي الآلة من درع وبيضة وغيرهما من السلاح والجمع لام بسكون الهمزة مثل تمرة وتمر وقد تسهل وتجمع أيضا على لؤم بضم ثم فتح على غير قياس واستلام للقتال إذا لبس سلاحه كاملا قوله وشاور عليا وأسامة فيما رمى به أهل الافك عائشة فسمع منها حتى نزل القرآن فجلد الرامين قال بن بطال عن القابسي الضمير في قوله منهما لعلي وأسامة واما جلده الرامين فلم يأت فيه بإسناد قلت اما أصل مشاورتهما فذكره موصولا في الباب باختصار وتقدم في قصة الافك مطولا في تفسير سورة النور مشروحا وقوله فسمع منهما أي فسمع كلامهما ولم يعمل بجميعه حتى نزل الوحي اما علي فأومأ إلى الفراق بقوله والنساء سواها كثير وتقدم بيان عذره في ذلك واما أسامة فنفى ان يعلم عليها الا الخير
[ 285 ]
فلم يعمل بما اومأ إليه علي من المفارقة وعمل بقوله وسل الجارية فسألها وعمل بقول أسامة في عدم المفارقة ولكنه اذن لها في التوجه إلى بيت أبيها واما قوله فجلد الرامين فلم يقع في شئ من طريق حديث الافك في الصحيحين ولا أحدهما وهو عند أحمد وأصحاب السنن من رواية محمد بن إسحق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة قالت لما نزلت براءتي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فدعى بهم وحدهم وفي لفظ فأمر برجلين وامراة فضربوا حدهم وسموا في رواية أبي داود مسطح بن اثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش قال الترمذي حسن لا نعرفه الا من حديث بن إسحاق من هذا الوجه قلت ووقع التصريح بتحديثه في بعض طرقه وقد تقدم بسط القول في ذلك في شرح حديث الافك في التفسير قوله ولم يلتفت إلى تنازعهم ولكن حكم بما أمره الله قال بن بطال عن القابسي كأنه أراد تنازعهما فسقطت الالف لان المراد أسامة وعلي وقال الكرماني القياس ان يقال تنازعهما الا ان يقال ان أقل الجمع اثنان أو أراد بالجمع هما ومن معهما أو من وافقهما على ذلك انتهى واخرج الطبراني عن بن عمر في قصة الافك وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد وبريرة فكأنه أشار بصيغة الجمع إلى ضم بريرة إلى علي وأسامة لكن استشكله بعضهم بأن ظاهر سياق الحديث الصحيح انها لم تكن حاضرة لتصريحه بأنه أرسل إليها وجوابه ان المراد بالتنازع اختلاف قول المذكورين عند مساءلتهم واستشارتهم وهو أعم من ان يكونوا مجتمعين أو متفرقين ويجوز ان يكون مراده بقوله فلم يلتفت إلى تنازعهم كلا من الفريقين في قصتي أحد والافك قوله وكانت الائمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الامناء من أهل العلم في الامور المباحة ليأخذوا بأسهلها أي إذا لم يكن فيها نص بحكم معين وكانت على أصل الاباحة فمراده ما احتمل الفعل والترك احتمالا واحدا واما ما عرف وجه الحكم فيه فلا واما تقييده بالامناء فهي صفة موضحه لان غير المؤتمن لا يستشار ولا يلتفت لقوله واما قوله بأسهلها فلعموم الامر بالاخذ بالتيسير والتسهيل والنهي عن التشديد الذي يدخل المشقة على المسلم قال الشافعي انما يؤمر الحاكم بالمشورة لكون المشير ينبهه على ما يغفل عنه ويدله على ما لا يستحضره من الدليل لا ليقلد المشير فيما يقوله فان الله لم يجعل هذا لاحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ورد من استشارة الائمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أخبار كثيرة منها مشاورة أبي بكر رضي الله عنه في قتال أهل الردة وقد أشار إليها المصنف واخرج البيهقي بسند صحيح عن ميمون بن مهران قال كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه أمر نظر في كتاب الله فان وجد فيه ما يقضي به قضى بينهم وان علمه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به وان لم يعلم خرج فسأل المسلمين عن السنة فان اعياه ذلك دعى رؤوس المسلمين وعلمائهم واستشارهم وان عمر بن الخطاب كان يفعل ذلك وتقدم قريبا ان القراء كانوا أصحاب مجلس عمر ومشاورته ومشاورة عمر الصحابة في حد الخمر تقدمت في كتاب الحدود ومشاورة عمر الصحابة في املاص المرأة تقدمت في الديات ومشاورة عمر في قتال الفرس تقدمت في الجهاد ومشاورة عمر المهاجرين والانصار ثم قريشا لما أرادوا دخول الشام وبلغه ان الطاعون وقع بها وقد مضى مطولا مع شرحه في كتاب الطب وروينا في القطعيات من رواية إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال جاء رجل إلى معاوية فسأله عن مسألة فقال سل عنها
[ 286 ]
عليا قال ولقد شهدت عمر أشكل عليه شئ فقال ههنا علي وفي كتاب النوادر للحميدي والطبقات لمحمد بن سعد من رواية سعيد بن المسيب قال كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن يعني علي بن أبي طالب ومشاورة عثمان الصحابة أول ما استخلف فيما يفعل بعبيد الله بن عمر لما قتل الهرمزان وغيره ظنا منه ان لهم في قتل أبيه مدخلا وهي عند بن سعد وغيره بسند حسن ومشاورته الصحابة في جمع الناس على مصحف واحد أخرجها بن أبي داود في كتاب المصاحف من طرق عن علي منها قوله ما فعل عثمان الذي فعل في المصاحف الا عن ملا منا وسنده حسن قوله ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة الخ يشير إلى حديث أبي هريرة الذي تقدم قريبا في باب الاقتداء بالسلف قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه تقدم موصولا من حديث بن عباس في كتاب المحاربين قوله وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولا كانوا أو شبانا هذا طرف من حديث بن عباس في قصة الحر بن قيس وعمه عيينة بن حصن وتقدم قريبا في باب الاقتداء بالسلف أيضا بلفظ ومشاورته ووقع بلفظ ومشورته موصولا في التفسير وقوله في آخره هنا وكان وقافا بقاف ثقيلة أي كثير الوقوف وهذه الزيادة لم تقع في الطريق الموصولة في باب الاقتداء وانما وقعت في التفسير ثم ذكر طرفا من حديث الافك من طريق صالح بن كيسان عن الزهري وقد تقدم بطوله في كتاب المغازي واقتصر منه على موضع حاجته وهي مشاورة علي وأسامة وقال في آخره فذكر براءة عائشة وأشار بذلك إلى انه هو الذي اختصره وذكر طرفا منه من طريق هشام بن عروة عن أبيه وقد اورد طريق أبي أسامة عن هشام التي علقها هنا مطولة في كتاب التفسير وقد ذكرت هناك من وصلها عن أبي أسامة وشيخه هنا في الطريق الموصولة هو محمد بن حرب النشائي بنون ومعجمة خفيفة ويحيى بن أبي زكريا هو يحيى بن يحيى الشامي نزيل واسط وهو أكبر من يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ الشيخين والغساني بفتح المعجمة وتشديد المهملة نسبته مشهورة ووقع في بعض النسخ بضم العين المهملة وتخفيف الشين المعجمة وهو تصحيف شنيع وقوله (6936) فيه ان النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه تقدم في رواية أبي أسامة ان ذلك كان عقب سماعه كلام بريرة وفيه قام في خطيبا أي من اجلي فتشهد وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد قوله ما تشيرون علي هكذا هنا بلفظ الاستفهام وتقدم في طريق أبي أسامة بصيغة الامر أشيروا علي والحاصل انه استشارهم فيما يفعل بمن قذف عائشة فأشار عليه سعد بن معاذ وأسيد بن حضير بأنهم واقفون عند امره موافقون له فيما يقول ويفعل ووقع النزاع في ذلك بين السعدين فلما نزل عليه الوحي ببرائتها أقام حد القذف على من وقع منه وقوله يسبون اهلي كذا هنا بالمهملة ثم الموحدة الثقيلة من السب وتقدم في التفسير بلفظ ابنوا بموحدة ثم نون وتقدم تفسيره هناك وان منهم من فسر ذلك بالسب قوله ما علمت عليهم في سوء قط يعني أهله وجمع باعتبار لفظ الاهل والقصة انما كانت لعائشة وحدها
[ 287 ]
لكن لما كان يلزم من سبها سب أبويها ومن هو بسبيل منها وكلهم كانوا بسبب عائشة معدودين في أهله صح الجمع وقد تقدم في حديث الهجرة الطويل قول أبي بكر انما هم أهلك يا رسول الله يعني عائشة وأمها وأسماء بنت أبي بكر قوله وعن عروة هو موصول بالسند المذكور وقوله أخبرت بضم أوله على البناء للمجهول وقد تقدمت تسمية من اخبرها بذلك قوله أتأذن لي ان أنطلق إلى اهلي في رواية أبي أسامة أرسلني إلى بيت أبي قوله وقال رجل من الانصار الخ وقع عند بن إسحاق انه أبو أيوب الانصاري وأخرجه الحاكم من طريقه وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين وأبو بكر الآجري في طرق حديث الافك من طريق عطاء الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة وتقدم في شرحه في التفسير ان أسامة بن زيد قال ذلك أيضا لكن ليس هو أنصاريا وفي روايتنا في فوائد محمد بن عبد الله المعروف بابن أخي ميمي من مرسل سعيد بن المسيب وغيره وكان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعا شيئا من ذلك قالا سبحانك هذا بهتان عظيم زيد بن حارثة وأبو أيوب وزيد أيضا ليس أنصاريا وفي تفسير سنيد من مرسل سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة قال سبحانك هذا بهتان عظيم وفي الاكليل للحاكم من طريق الواقدي ان أبي بن كعب قال ذلك وحكى عن المبهمات لابن بشكوال ولم أره انا فيها أن قتادة بن النعمان قال ذلك فان ثبت فقد اجتمع ممن قال ذلك ستة أربعة من الانصار ومهاجريان قوله باب نهى النبي صلى الله عليه وسلم على التحريم أي النهى الصادر منه محمول على التحريم وهو حقيقة فيه قوله الاما تعرف اباحته أي بدلالة السياق أو قرينة الحال أو قيام الدليل على ذلك قوله وكذلك امره أي يحرم مخالفته لوجوب امتثاله ما لم يقم لادليل على ارادة الندب أو غيره قوله نحو قوله حين احلوا أي في حجة الوداع لما امرهم ففسخوا الحج الى العمرة وتحللوا من العمرة والمراد بالامر صيغة افعل والنهى لا تفعل واختلفوا في قول الصحابي امرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أو نها نا عنه فالراجح عند اكثر السلف ان لا فرق وقد انهى بعض الاصوليين صيغة الامر الى سبعة عشر وجها والنهى الى ثمانية اوجه ونقل القاضى أبو بكر بن الطيب عن مالك والشافعي ان الامر عندهما على الايجاب والنهى على التحريم حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك وقال ابن بطال هذا قول الجمهور وقال كثير من الشافعية وغيرهم الامر على الندب والنهى على الكراهة حتى يقوم دليل الوجوب في الامر ودليل التحريم في النهى وتوقف كثير منهم وسبب توقفهم ورود صيغة الامر للايجاب والندب والاباحة والارشاد وغير ذلك وحجة الجمهور ان من فعل ما امر به استحق الحمد وان من تركه استحق الذم وكذا بالعكس في النهى وقول الله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم يشمل الامر والنهى ودل الوعيد فيه على تحريمه فعلا وتركا قوله اصيبوا من النساء هو اذن لهم في جماع نسائهم اشارة الى المبالغة في الاحلال إذا الجماع يفسد النسك دون غيره من محرمات الاحرام ووقع في رواية حماد بن زيد عن ابن جريج في كتاب الشركة فأمرنا فجعلناها عمرة وان نحل الى نسائنا ثم ذكر في الباب احاديث الاول قوله وقالت ام عطية نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا تقدم موصولا في كتاب الجنائز وبينه وبين حديث جابر فرق من جهة اختلاف السببين فالقصة التى في رواية جابر كانت اباحة بعد خطر فلا تدل على الوجوب للقرينة المذكورة
[ 288 ]
لكن اراد جابر التأكيد في ذلك والقصة التى في حديث ام عطية نهى بعد اباحة فكان ظاهرا في التحريم فارادت ان تبين لهم انه لم يصرح لهم بالتحريم والصحابى اعرف بالمراد من غيره وقد تقدم شرح ذلك مستوفى في كتاب الجنائز الحديث الثاني قوله حدثنا المكى بن ابراهيم عن ابن جريج قال عطاء وقال جابر قال أبو عبد الله وقال محمد بن بكر عن ابن جريج اخبرني عطاء سمعت جابر بن عبد الله اما قوله وقال جابر فهو معطوف على شئ محذوف يظهر مما تقدم في باب من اهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كاهلال النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب الحج وفى باب بعث على الى اليمن من اواخر المغازى بهذين السندين معلقا وموصولا ولفطه امر النبي صلى الله عليه وسلم عليا ان يقيم على احرامه فذكر هذه القصة ثم قال وقال جابر اهللنا بالحج خالصا واما التعليق فوصله الاسماعيلي من الطريق المذكورة عن محمد بن بكر وخرجه ايضا من طريق يحيى القطان عن ابن جريج وافادت رواية محمد بن بكر التصريح بسماع عطاء من جابر وقوله في اناس معه فيه التفات ونسق الكلام ان يقول معى ووقع كذلك في رواية يحيى القطان وقوله اهللنا بالحج خالصا ليس معه عمرة هو محمول على ما كانوا ابتدؤا به ثم وقع الاذن بادخال العمرة على الحج وبفسخ الحج الى العمرة فصاروا على ثلاثة انحاء مثل ما قالت عائشة منا من اهل بحج ومنا من اهل بعمرة ومنا من جمع وقد تقدم ذلك مشروحا في كتاب الحج وقوله وقال عطاء عن جابر هو موصول بالسندين المذكورين قوله صبح رابعة تقدم بيانه في حديث انس في الباب المشار إليه قوله قال عطاء قال جابر هو موصول بالسند المذكور وقوله وقال محمد بن بكر عن ابن جريج هو موصول عند الاسماعيلي كما تقدم قوله ولم يعزم عليهم أي في جماع نسائهم أي لان الامر المذكور انما كان للاباحة ولذلك قال جابر ولكن احلهن لهم وقد تقدم في الباب المذكور قالوا أي الحل قال الحل كله قوله فبلغه انا نقول لما لم يكن بيننا وبين عرفة الا خمس ليال أي اولها ليلة الاحد وآخرها ليلة الخميس لان توجههم من مكة كان عشية الاربعاء فباتوا ليلة الخميس بمعنى ودخلوا عرفة يوم الخميس قوله فناتي عرفة تقطر مذاكير نا المذى في رواية المستملى المنى وكذا عند الاسماعيلي ويؤيده ما وقع في رواية حماد بن زيد بلفظ فيروح احدنا الى منى وذكره يقطر منيا وانما ذكر منى لانهم يتوجهون إليها قبل توجههم الى عرفة قوله ويقول جابر بيده هكذا وحركها أي امالها وفى رواية حماد بن زيد بلفظ فقال جابر بكفه أي اشار بكفه قال الكرماني هذه الاشارة لكيفية التقطر ويحتمل ان تكون الى محل التقطر ووقع في رواية الاسماعيلي قال يقول جابر كانى انظر الى يده يحركها وهذا يحتمل ان يكون مرفوعا قوله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال زاد في رواية حماد خطيبا فقال بلغني ان اقواما يقولون كذا وكذا قوله قد علمتم انى اتقاكم لله واصدقكم في رواية حماد والله لانا ابروا تقى لله منهم قوله ولو لاهديى لحللت كما تحلون في رواية الاسماعيلي لاحللت وكذا مضى في باب عمرة التنعيم من طريق حبيب المعلم عن عطاء عن جابر وهما لغتان حل واحل وتقدم شرح الحديث هناك الا انه لم يذكر فيه كلام جابر بتمامه ولا الخطبة قوله فحلوا كذا فيه بصيغة الامر من حل وقوله فحللنا وسمعنا واطعنا في رواية الاسماعيلي فاحللنا الحديث الثالث قوله عبد الوارث هو ابن سعيد وحسين هو ابن ذكوان المعلم ووقع منسوبا في رواية الاسماعيلي وابن بريدة هو عبد الله
[ 289 ]
وعبد الله المزني هو ابن مغفل بالمعجمة والفاء الثقيلة ووقع بيانه في كتاب الصلاة وبين الاسماعيلي سبب الاقتصار على قوله عن عبد الله دون ذكر ابيه فاخرجه من طريق محمد بن عبيد بن حسان عن عبد الوارث فقال فيه عن عبد الله المزني كالذى هنا وقال كتبته فنسيته لا ادرى ابن مغفل أو ابن معفل أي بالمعجمة والفاء أو المهملة والقاف وقد تقدم شرح الحديث في باب كم بين الاذان والاقامة من كتاب الصلاة وموضع الترجمة منه قوله في آخره لمن شاء فان فيه اشارة الى ان الامر حقيقة في الوجوب فلذلك اردفه بما يدل على التخيير بين الفعل والترك فكان ذلك صار فاللحمل على الوجوب قوله خشية ان يتخذها الناس سنة أي طريقة لازمة لا يجوز تركها أو سنة راتبة يكره تركها وليس المراد المراد ما يقابل الوجوب لما تقدم قوله باب كراهية الاختلاف ولبعضهم الخلاف أي في الاحكام الشرعية أو اعم من ذلك وسقطت هذه الترجمة لابن بطال فصار حديثها من جملة باب النهى للتحريم ووجهه بان الامر بالقيام عند الاختلاف في القرآن للندب لا لتحريم القراءة عند الاختلاف والاولى ما وقع عند الجمهور وبه جزم الكرماني فقال في آخر حديث عبد الله بن مغفل هذا آخر ما اريد ايراده في الجامع من مسائل اصول الفقه قوله حدثنا اسحق هو ابن راهويه كما جزم به أبو نعيم في المستخرج وقوله في آخره قال أبو عبد الله سمع عبد الرحمن يعنى ابن مهدى المذكور في السند سلاما يعنى بتشديد اللام وهو ابن ابى مطيع واشار بذلك الى ما اخرجه في فضائل القرآن عن عمرو بن على عبد الرحمن قال حدثنا سلام ابن ابى مطيع ووقع هذا الكلام للمستملى وحده قوله وقال يزيد بن هرون الخ وصله الدارمي عن فضائل القرآن بيان الاختلاف على ابى عمران في سند هذا الحديث مع شرح الحديث وقال الكرماني مات يزيد بن هرون سنة ست ومائتين فالظاهر ان رواية البخاري عنه تعليق انتهى وهذا لا يتوقف فيه من اطلع على ترجمة البخاري فانه لم يرحل من بخارى الابعد موت يزيد بن هرون بمدة قوله في حديث ابن عباس واختلف اهل البيت اختصموا كذا لابي ذر وهو تفسير لاختلفوا ولغيره واختصموا بالواو العاطفة وكذا تقدم بيان ذلك في كتاب العلم وفى اواخر المغازى في باب الوفاة النبوية تنبيه وقع في بعض النسخ في هذه الابواب الثلاثة الاخيرة تقديم وتأخير والخطب فيها سهل خاتمة اشتمل كتاب الاعتصام من الاحاديث المرفوعة وما في حكمها على مائة وسبعة وعشرين حديثا المعلق منها وما في معناه من المتابعة ستة وعشرون حديثا وسائرها موصول المكرر منها فيه وفيما مضى مائة حديث وعشرة أحاديث والباقي خالص وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة كل أمتي يدخلون الجنة الا من أبى وحديث عمر نهينا عن التكلف وحديث أبي هريرة في مأخذ القرون وحديث عائشة في الرفق وحديثها لا أزكى به وحديث عثمان في الخطبة وحديث أبي سلمة المرسل في الاجتهاد وحديث المشاورة في الخروج إلى أحد وفيه من الآثار عن الصحابة ومن بعدهم ستة عشر
[ 290 ]
أثرا والله سبحانه وتعالى الهادي إلى الصواب قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب التوحيد كذا للنسفي وحماد بن شاكر وعليه اقتصر الاكثر عن الفربري وزاد المستملي الرد على الجهمية وغيرهم وسقطت البسملة لغير أبي ذر ووقع لابن بطال وابن التين كتاب رد الجهمية وغيرهم التوحيد وضبطوا التوحيد بالنصب على المفعولية وظاهره معترض لان الجهمية وغيرهم من المبتدعة لم يردوا التوحيد وانما اختلفوا في تفسيره وحجج الباب ظاهرة في ذلك والمراد بقوله في رواية المستملي وغيرهم القدرية واما الخوارج فتقدم ما يتعلق بهم في كتاب الفتن وكذا الرافضة تقدم ما يتعلق بهم في كتاب الاحكام وهؤلاء الفرق الاربع هم رءوس البدعة وقد سمي المعتزلة أنفسهم أهل العدل والتوحيد وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوه من نفي الصفات الالهية لاعتقادهم ان إثباتها يستلزم التشبيه ومن شبه الله بخلقه أشرك وهم في النفي موافقون للجهمية واما أهل السنة ففسروا التوحيد بنفي التشبيه والتعطيل ومن ثم قال الجنيد فيما حكاه أبو القاسم القشيري التوحيد افراد القديم من المحدث وقال أبو القاسم التميمي في كتاب الحجة التوحيد مصدر وحد يوحد ومعنى وحدت الله اعتقدته منفردا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه وقيل معنى وحدته علمته واحدا وقيل سلبت عنه الكيفية والكمية فهو واحد في ذاته لا انقسام له وفي صفاته لا شبيه له في الوهيته وملكه وتدبيره لا شريك له ولا رب سواه ولا خالق غيره وقال بن بطال تضمنت ترجمة الباب أن الله ليس بجسم لان الجسم مركب من أشياء مؤلفة وذلك يرد على الجهمية فس زعمهم انه جسم كذا وجدت فيه ولعله أراد ان يقول المشبهة واما الجهمية فلم يختلف أحد ممن صنف في المقالات انهم ينفون الصفات حتى نسبوا إلى التعطيل وثبت عن أبي حنيفة انه قال بالغ جهم في نفي التشبيه حتى قال ان الله ليس بشئ وقال الكرماني الجهمية فرقة من المبتدعه ينتسبون إلى جهم بن صفوان مقدم الطائفة القائلة ان لا قدرة للعبد أصلا وهم الجبرية بفتح الجيم وسكون الموحدة ومات مقتولا في زمن هشام بن عبد الملك انتهى وليس الذي انكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصة وانما الذي اطبق السلف على ذمهم بسبه إنكار الصفات حتى قالوا ان القرآن ليس كلام الله وانه مخلوق وقد ذكر الاستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق ان رءوس المبتدعة أربعة إلى ان قال والجهمية اتباع جهم بن صفوان الذي قال بالاجبار والاضطرار إلى الاعمال وقال لا فعل لاحد غير الله تعالى وانما ينسب الفعل إلى العبد مجازا من غير ان يكون فاعلا أو مستطيعا لشئ وزعم ان علم الله حادث وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شئ أو حي أو عالم أو مريد حتى قال لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره قال واصفه بأنه خالق ومحي ومميت وموحد بفتح المهملة الثقيلة لان هذه الاوصاف خاصة به وزعم ان كلام الله حادث ولم يسم الله متكلما به قال وكان جهم يحمل السلاح ويقاتل وخرج مع الحارث بن سريج وهو بمهملة وجيم مصغر لما قام على نصر بن سيار عامل بني أمية بخراسان فآل أمره إلى ان قتله سلم بن أحوز وهو بفتح السين المهملة وسكون اللام وأبوه بمهملة وآخره زاي وزن أعور وكان صاحب شرطة نصر وقال البخاري في كتاب خلق افعال
[ 291 ]
العباد بلغني أن جهما كان يأخذ عن الجعد بن درهم وكان خالد القسري وهو أمير العراق خطب فقال اني مضح بالجعد بن درهم لانه زعم ان الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما قلت وكان ذلك في خلافة هشام بن عبد الملك فكأن الكرماني انتقل ذهنه من الجعد إلى الجهم فان قتل جهم كان بعد ذلك بمدة ونقل البخاري عن محمد بن مقاتل قال قال عبد الله بن المبارك ولا أقول بقول الجهم ان له قولا يضارع قول الشرك أحيانا وعن بن المبار ك انا لنحكي كلام اليهود والنصارى نستعظم ان نحكي قول جهم وعن عبد الله بن شوذب قاترك جهم الصلاة أربعين يوما على وجه الشك وأخرج بن أبي حاتم في كتب الرد على الجهمية من طريق خلف بن سليمان البلخي قال كان جهم من أهل الكوفة وكان فصيحا ولم يكن له نفاذ في العلم فلقيه قوم من الزنادقة فقالوا له صف لنا ربك الذي تعبده فدخل البيت لا يخرج مدة ثم خرج فقال هو هذا الهواء مع كل شئ وأخرج بن خزيمة في التوحيد ومن طريقه البيهقي في الاسماء قال سمعت أبا قدامة يقول سمعت أبا معاذ البلخي يقول كان جهم على معبر ترمذ وكان كوفي الاصل فصيحا ولم يكن له علم ولا مجالسة أهل العلم فقيل له صف لنا ربك فدخل البيت لا يخرج كذا ثم خرج بعد أيام فقال هو هذا الهواء مع كل شئ وفي كل شئ ولا يخلو منه شئ وأخرج البخاري من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة قال كلام جهم صفة بلا معنى وبناء بلا أساس ولم يعد قط في أهل العلم وقد سئل عن رجل طلق قبل الدخول فقال تعتد امرأته وأورد آثارا كثيرة عن السلف في تكفير جهم وذكر الطبري في تاريخه في حوادث سنة سبع وعشرين أن الحارث بن سريح خرج على نصر بن سيار عامل خراسان لبني أمية وحاربه والحارث حينئذ يدعو إلى العمل بالكتاب والسنة وكان جهم حينئذ كاتبه ثم تراسلا في الصلح وتراضيا بحكم مقاتل بن حيان والجهم فاتفقا على ان الامر يكون شورى حتى يتراضى أهل خراسان على أمير يحكم بينهم بالعدل فلم يقبل نصر ذلك واستمر على محاربة الحارث إلى ان قتل الحارث في سنة ثمان وعشرين في خلافة مروان الحمار فيقال ان الجهم قتل في المعركة ويقال بل اسر فأمر نصر بن سيار سلم بن احوز بقتله فادعى جهم الامان فقال له سلم لو كنت في بطني لشققته حتى اقتلك فقتله وأخرج بن أبي حاتم من طريق محمد بن صالح مولى بني هاشم قال قال سلم حين أخذه يا جهم اني لست أقتلك لانك قاتلتني أنت عندي أحقر من ذلك ولكني سمعتك تتكلم بكلام أعطيت الله عهدا ان لا املكك الا قتلتك فقتله ومن طريق معتمر بن سليمان عن خلاد الطفاوي بلغ سلم بن احوز وكان على شرطة خراسان ان جهم بن صفوان ينكر ان الله كلم موسى تكليما فقتله ومن طريق بكير بن معروف قال رأيت سلم بن أحوز حين ضرب عنق جهم فاسود وجه جهم وأسند أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة له ان قتل جهم كان في سنة اثنتين وثلاثين ومائة والمعتمد ما ذكره الطبري انه كان في سنة ثمان وعشرين وذكر بن أبي حاتم من طريق سعيد بن رحمة صاحب أبي إسحاق الفزاري ان قصة جهم كانت سنة ثلاثين ومائة وهذا يمكن حمله على جبر الكسر أو على ان قتل جهم تراخى عن قتل الحارث بن سريج واما قول الكرماني ان قتل جهم كان في خلافة هشام بن عبد الملك فوهم لان خروج الحارث بن سريج الذي كان جهم كاتبه كان بعد ذلك لعل مستند الكرماني ما أخرجه بن أبي حاتم من طريق صالح بن أحمد بن حنبل قال قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك إلى نصر بن سيار عامل خراسان اما بعد فقد نجم قبلك رجل
[ 292 ]
يقال له جهم من الدهرية فان ظفرت به فاقتله ولكن لا يلزم من ذلك ان يكون قتله وقع في زمن هشام وان كان ظهور مقالته وقع قبل ذلك حتى كاتب فيه هشام والله اعلم وقال بن حزم في كتاب الملل والنحل فرق المقرين بملة الاسلام خمس أهل السنة ثم المعتزلة ومنهم القدرية ثم المرجئة ومنهم الجهمية والكرامية ثم الرافضة ومنهم الشيعة ثم الخوارج ومنهم الازارقة والاباضية ثم افترقوا فرقا كثيرا فأكثر افتراق أهل السنة في الفروع واما في الاعتقاد ففي نبذ يسيرة واما الباقون ففي مقالاتهم ما يخالف أهل السنة الخلاف البعيد والقريب فاقرب فرق المرجئة من قال الايمان التصديق بالقلب واللسان فقط وليست العبادة من الايمان وأبعدهم الجهمية القائلون بان الايمان عقد بالقلب فقط وان أظهر الكفر والتثليث بلسانه وعبد الوثن من غير تقية والكرامية القائلون بأن الايمان قول باللسان فقط وان اعتقد الكفر بقلبه وساق الكلام على بقية الفرق ثم قال فاما المرجئة فعمدتهم الكلام في الايمان والكفر فمن قال ان العبادة من الايمان وانه يزيد وينقص ولا يكفر مؤمنا بذنب ولا يقول انه يخلد في النار فليس مرجئا ولو وافقهم في بقية مقالاتهم واما المعتزلة فعمدتهم الكلام في الوعد والوعيد والقدر فمن قال القرآن ليس بمخلوق وأثبت القدر ورؤية الله تعالى في القيامة وأثبت صفاته الواردة في الكتاب والسنة وان صاحب الكبائر لا يخرج بذلك عن الايمان فليس بمعتزلي وان وافقهن في سائر مقالاتهم وساق بقية ذلك إلى ان قال واما الكلام فيما يوصف الله به فمشترك بين الفرق الخمسة من مثبت لها وناف فرأس النفاة المعتزلة والجهمية فقد بالغوا في ذلك حتى كادوا يعطلون ورأس المثبتة مقاتل بن سليمان ومن تبعه من الرافضة والكرامية فانهم بالغوا في ذلك حتى شبهوا الله تعالى بخلقه تعالى الله سبحانه عن اقوالهم علوا كبيرا ونظير هذا التباين قول الجهمية ان العبد لا قدرة له أصلا وقول القدرية انه يخلق فعل نفسه قلت وقد أفرد البخاري خلق أفعال العباد في تصنيف وذكر منه هنا أشياء بعد فراغه مما يتعلق بالجهمية (0) رحمه اللهقوله باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تعالى المراد بتوحيد الله تعالى الشهادة بأنه اله واحد وهذا الذي يسميه بعض غلاة الصوفية توحيد العامة وقد ادعى طائفتان في تفسير التوحيد امرين اخترعوهما أحدهما تفسير المعتزلة كما تقدم ثانيهما غلاة الصوفية فان اكابرهم لما تكلموا في مسألة المحو والفناء وكان مرادهم بذلك المبالغة في الرضا والتسليم وتفويض الامر بالغ بعضهم حتى ضاهى المرجئة في نفي نسبة الفعل إلى العبد وجر ذلك بعضهم إلى معذرة العصاة ثم غلا بعضهم فعذر الكفار ثم غلا بعضهم فزعم ان المراد بالتوحيد اعتقاد وحدة الوجود وعظم الخطب حتى ساء ظن كثير من أهل العلم بمتقدميهم وحاشاهم من ذلك وقد قدمت كلام شيخ الطائفة الجنيد وهو في غاية الحسن والايجاز وقد رد عليه بعض من قال بالوحدة المطلقة فقال وهل من غير ولهم في ذلك كلام طويل ينبو عنه سمع كل من كان على فطرة الاسلام والله المستعان وذكر في الباب أربعة أحاديث الحديث الاول حديث معاذ بن جبل في بعثه إلى اليمن أورده من طريقين الاولى أعلى من الثانية وقد أورد الطريق العالية في كتاب الزكاة وساقها هناك على لفظ أبي عاصم راويها وذكره هناك من وجه آخر بنزول وعبد الله بن أبي الاسود شيخه في هذا الباب هو بن محمد بن أبي الاسود ينسب إلى جده واسمه حميد بن الاسود والفضل بن العلاء يكنى أبا العلاء ويقال أبو العباس وهو كوفي نزل البصرة
[ 293 ]
وثقه على بن المديني وقال أبو حاتم الرازي شيخ يكتب حديثه وقال النسائي ليس به بأس وقال الدارقطني كثير الوهم قلت وماله في البخاري سوى هذا الموضوع وقد قرنه بغيره ولكنه ساق المتن هنا على لفظه (6937) : الله تبارك وتعالى قوله عن أبي معبد كذا للجميع بفتح الميم وسكون المهملة ثم موحدة وفي بعض النسخ عن أبي سعيد وهو تصحيف وكأن الميم انفتحت فصارت تشبه السين قوله سمعت بن عباس لما بعث كذا فيه بحذف قال أو يقول وقد جرت العادة بحذفه خطأ ويقال يشترط النطق به قوله لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن أي إلى جهة أهل اليمن وهذه الرواية تقيد الرواية المطلقة بلفظ حين بعثه إلى اليمن فبينت هذه الرواية ان لفظ اليمن من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أو من إطلاق العام وإرادة الخاص أو لكون اسم الجنس يطلق على بعضه كما يطلق على كله والراجح انه من حمل المطلق على المقيد كما صرحت به هذه الرواية وقد تقدم في باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن في أواخر المغازي من رواية أبي بردة بن أبي موسى وبعث كل واحد منها على مخلاف قال واليمن مخلافان وتقدم ضبط المخلاف وشرحه هناك ثم قوله إلى أهل اليمن من إطلاق الكل وإرادة البعض لانه انما بعثه إلى بعضهم لا إلى جميعهم ويحتمل ان يكون الخبر على عمومه في الدعوى إلى الامور المذكورة وان كانت امرة معاذ انما كانت على جهة من اليمن مخصوصة قوله انك تقدم على قوم من أهل الكتاب هم اليهود وكان ابتداء دخول اليهودية اليمن في زمن أسعد ذي كرب وهو تبع الاصغر كما ذكره بن إسحاق مطولا في السيرة فقام الاسلام وبعض أهل اليمن على اليهودية ودخل دين النصرانية إلى اليمن بعد ذلك لما غلبت الحبشة على اليمن وكان منهم أبرهة صاحب الفيل الذي غزا مكة وأراد هدم الكعبة حتى أجلاهم عنها سيف بن ذي يزن كما ذكره بن إسحاق مبسوطا أيضا ولم يبق بعد ذلك باليمن أحد من النصارى أصلا الا بنجران وهي بين مكة واليمن وبقي ببعض بلادها قليل من اليهود قوله فليكن أول ما تدعوهم إلى ان يوحدوا الله فإذا عرفوا ذلك مضى في وسط الزكاة من طريق إسماعيل بن أمية عن يحيى بن عبد الله بلفظ فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله وكذا أخرجه مسلم عن الشيخ الذي أخرجه عنه البخاري وقد تمسك به من قال أول واجب المعرفة كامام الحرمين واستدل بأنه لا يتأتي الاتيان بشئ من المأمورات على قصد الامتثال ولا الانكفاف عن شئ من المنهيات على قصد الانزجار الا بعد معرفة الآمر والناهي واعترض عليه بان المعرفة لا تتأتى الا بالنظر والاستدلال وهو مقدمة الواجب فيجب فيكون أول واجب النظر وذهب إلى هذا طائفة كابن فورك وتعقب بان النظر ذو أجزاء يترتب بعضها على بعض فيكون أول واجب جزأ من النظر وهو محكى عن القاضي أبي بكر بن الطيب وهو الاستاذ أبي إسحاق الاسفرايني أول واجب القصد إلى النظر وجمع بعضهم بين هذه الاقوال بان من قال أول واجب المعرفة أراد طلبا وتكليفا ومن قال النظر أو القصد أراد امتثالا لانه يسلم انه وسيلة إلى تحصيل المعرفة فيدل ذلك على سبق وجوب المعرفة وقد ذكرت في كتاب الايمان من اعرض عن هذا من أصله ومتمسك بقوله تعالى فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها وحديث كل مولود يولد على الفطرة فأن ظاهر الآية والحديث ان المعرفة حاصلة بأصل الفطرة وان الخروج عن ذلك يطرأ على الشخص لقوله عليه الصلاة والسلام
[ 294 ]
فأبواه يهودانه وينصرانه وقد وافق أبو جعفر السمناني وهو من رءوس الاشاعرة على هذا وقال ان هذه المسألة بقيت في مقالة الاشعري من مسائل المعتزلة وتفرع عليها ان الواجب على كل أحد معرفة الله بالادلة الدالة عليه وانه لا يكفي التقليد في ذلك انتهى وقرأت في جزء من كلام شيخ شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي ما ملخصه ان هذه المسألة مما تناقضت فيها المذاهب وتباينت بين مفرط ومفرط ومتوسط فالطرف الاول قول من قال يكفي التقليد المحض في اثبات وجود الله تعالى ونفي الشريك عنه وممن نسب إليه إطلاق ذلك عبيد الله بن الحسن العنبري وجماعة من الحنابلة والظاهرية ومنهم من بالغ فحرم النظر في الادلة واستند إلى ما ثبت عن الائمة الكبار من ذم الكلام كما سيأتي بيانه والطرف الثاني قول من وقف صحة ايمان كل أحد على معرفة الادلة من علم الكلام ونسب ذلك لابي إسحاق الاسفرايني وقال الغزالي أسرفت طائفة فكفروا عوام المسلمين وزعموا ان من لم يعرف العقائد الشرعية بالادلة التي حرروها فهو كافر فضيقوا رحمة الله الواسعة وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين وذكر نحوه أبو المظفر بن السمعاني وأطال في الرد على قائله ونقل عن أكثر أئمة الفتوى انهم قالوا لا يجوز ان تكلف العوام اعتقاد الاصول بدلائلها لان في ذلك من المشقة أشد من المشقة في تعلم الفروع الفقهية واما المذهب المتوسط فذكره وسأذكره ملخصا بعد هذا وقال القرطبي في المفهم في شرح حديث أبغض الرجال إلى الله الالد الخصم الذي تقدم شرحه في أثناء كتاب الاحكام وهو في أوائل كتاب العلم من صحيح مسلم هذا الشخص الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق ورده بالاوجه الفاسدة والشبه الموهمة وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين كما يقع لاكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسلف أمته إلى طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة وقوانين جدلية وأمور صناعية مدار أكثرها على آراء سوفسطائية أو مناقضات لفظية ينشأ بسببها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها وشكوك يذهب الايمان معها وأحسنهم انفصالا عنها أجدلهم لا أعلمهم فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها ثم ان هؤلاء قد ارتكبوا أنواعا من المحال لا يرتضيها البله ولا الاطفال لما بحثوا عن تحيز الجواهر والالوان والاحوال فأخذوا فيما أمسك عنه السلف الصالح من كيفيات تعلقات صفات الله تعالى وتعديدها واتحادها في نفسها وهل هي الذات أو غيرها وفي الكلام هل هو متحد أو منقسم وعلى الثاني هل ينقسم بالنوع أو الوصف وكيف تعلق في الازل بالمأمور مع كونه حادثا ثم إذا انعدم المأمور هل يبقى التعلق وهل الامر لزيد بالصلاة مثلا هو نفس الامر لعمرو بالزكاة إلى غير ذلك مما ابتدعوه مما لم يأمر به الشارع وسكت عنه الصحابة ومن سلك سبيلهم بل نهوا عن الخوض فيها لعلهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل لكون العقول لها حد تقف عنده ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات ومن توقف في هذا فليعلم أنه إذا كان حجب عن كيفية نفسه مع وجودها وعن كيفية إدراك ما يدرك به فهو عن إدراك غيره أعجز وغاية علم العالم أن يقطع بوجود فاعل لهذه المصنوعات منزه عن الشبيه مقدس عن النظير متصف بصفات الكمال ثم متى ثبت النقل عنه بشئ من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه وسكتنا عما عداه كما هو طريق السلف وما عداه
[ 295 ]
لا يأمن صاحبه من الزلل ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما ثبت عن الائمة المتقدمين كعمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس والشافعي وقد قطع بعض الائمة بأن الصحابة لم يخوضوا في الجوهر والعرض وما يتعلق بذلك من مباحث المتكلمين فمن رغب عن طريقهم فكفاه ضلالا قال وأفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك وببعضهم إلى الالحاد وببعضعم إلى التهاون بوظائف العبادات وسبب ذلك اعراضهم عن نصوص الشارع وتطلبهم حقائق الامور من غيره وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي استأثر بها وقد رجع كثير من أئمتهم عن طريقهم حتى جاء عن امام الحرمين انه قال ركبت البحر الاعظم وغصت في كل شئ نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرارا من التقليد والآن فقد رجعت واعتقدت مذهب السلف هذا كلامه أو معناه وعنه انه قال عند موته يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت انه يبلغ بي ما بلغت ما تشاغلت به إلى ان قال القرطبي ولو لم يكن في الكلام الا مسئلتان هما من مبادئه لكان حقيقا بالذم إحداهما قول بعضهم ان أول واجب الشك إذ هو اللازم عن وجوب النظر أو القصد إلى النظر واليه أشار الامام بقوله ركبت البحر ثانيتهما قول جماعة منهم ان من لم يعرف الله بالطرق التي رتبوها والابحاث التي حرروها لم يصح ايمانه حتى لقد أورد على بعضهم ان هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك وجيرانك فقال لا تشنع علي بكثرة أهل النار قال وقد رد بعض من لم يقل بهما على من قال بهما بطريق من الرد النظري وهو خطا منه فان القائل بالمسئلتين كافر شرعا لجعله الشك في الله واجبا ومعظم المسلمين كفارا حتى يدخل في عموم كلامه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وهذا معلوم الفساد من الدين بالضرورة والا فلا يوجد في الشرعيات ضروري وختم القرطبي كلامه بالاعتذار عن اطالة النفس في هذا الموضوع لما شاع بين الناس من هذه البدعة حتى اغتر بها كثير من الاغمار فوجب بذل النصيحة والله يهدي من يشاء انتهى وقال الآمدي في ابكار الافكار ذهب أبو هاشم من المعتزلة إلى أن من لا يعرف الله بالدليل فهو كافر لان ضد المعرفة النكرة والنكرة كفر قال وأصحابنا مجمعون على خلافه وانما اختلفوا فيما إذا كان الاعتقاد موافقا لكن عن غير دليل فمنهم من قال ان صاحبه مؤمن عاص بترك النظر الواجب ومنهم من اكتفى بمجرد الاعتقاد الموافق وان لم يكن عن دليل وسماه علما وعلى هذا فلا يلزم من حصول المعرفة بهذا الطريق وجوب النظر وقال غيره من منع التقليد وأوجب الاستدلال لم يرد التعمق في طرق المتكلمين بل اكتفى بما لا يخلو عنه من نشأ بين المسلمين من الاستدلال بالمصنوع على الصانع وغايته انه يحصل في الذهن مقدمات ضرورية تتألف تألفا صحيحا وتنتج العلم لكنه لو سئل كيف حصل له ذلك ما اهتدى للتعبير به وقيل الاصل في هذا كله المنع من التقليد في أصول الدين وقد انفصل بعض الائمة عن ذلك بأن المراد بالتقليد اخذ قول الغير بغير حجة ومن قامت عليه حجة بثبوت النبوة حتى حصل له القطع بها فمهما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم كان مقطوعا عنده بصدقه فإذا اعتقده لم يكن مقلدا لانه لم يأخذ بقول غيره بغير حجة وهذا مستند السلف قاطبة في الاخذ بما ثبت عندهم من آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بهذا الباب فآمنوا بالمحكم من ذلك وفوضوا أمر المتشابه منهم إلى ربهم وانما قال من قال ان مذهب الخلف احكم بالنسبة إلى الرد على من لم يثبت النبوة فيحتاج من يريد
[ 296 ]
رجوعه إلى الحق ان يقيم عليه الادلة إلى ان يذعن فيسلم أو يعاند فيهلك بخلاف المؤمن فإنه لا يحتاج في أصل ايمانه إلى ذلك وليس سبب الاول الا جعل الاصل عدم الايمان فلزم إيجاب النظر المؤدي إلى المعرفة والا فطريق السلف أسهل من هذا كما تقدم إيضاحه من الرجوع إلى ما دلت عليه النصوص حتى يحتاج إلى ما ذكر من إقامة الحجة على من ليس بمؤمن فاختلط الامر على من اشترط ذلك والله المستعان واحتج بعض من أوجب الاستدلال باتفاقهم على ذم التقليد وذكروا الآيات والاحاديث الواردة في ذم التقليد وبأن كل أحد قبل الاستدلال لا يدري أي الامرين هو الهدى وبأن كل ما لا يصح الا بالدليل فهو دعوى لا يعمل بها وبأن العلم اعتقاد الشئ على ما هو عليه من ضرورة أو استدلال وكل ما لم يكن علما فهو جهل ومن لم يكن عالما فهو ضال والجواب عن الاول ان المذموم من التقليد اخذ قول الغير بغير حجة وهذا ليس منه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فان الله أوجب اتباعه في كل ما يقول وليس العمل فيما أمر به أو نهى عنه داخلا تحت التقليد المذموم اتفاقا واما من دونه ممن اتبعه في قول قاله واعتقد انه لو لم يقله لم يقل هو به فهو المقلد المذموم بخلاف ما لو اعتقد ذلك في خبر الله ورسوله فإنه يكون ممدوحا وأما احتجاجهم بأن أحدا لا يدري قبل الاستدلال أي الامرين هو الهدى فليس بمسلم بل من الناس من تطمئن نفسه وينشرح صدره للاسلام من أول وهلة ومنهم من يتوقف على الاستدلال فالذي ذكروه هم أهل الشق الثاني فيجب عليه النظر ليقي نفسه النار لقوله تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا ويجب على كل من استرشده ان يرشده ويبرهن له الحق وعلى هذا مضى السلف الصالح من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده واما من استقرت نفسه إلى تصديق الرسول ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل توفيقا من الله وتيسيرا فهم الذين قال الله في حقهم ولكن الله حبب اليكم الايمان وزينه في قلوبكم الآية وقال فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام الآية وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لرؤسائهم لانهم لو كفر أباؤهم أو رؤساؤهم لم يتابعوهم بل يجدون النفرة عن كل من سمعوا عنه ما يخالف الشريعة واما الآيات والاحاديث فانما وردت في حق الكفار الذين اتبعوا من نهوا عن اتباعه وتركوا اتباع من أمروا باتباعه وانما كلفهم الله الاتيان ببرهان على دعواهم بخلاف المؤمنين فلم يرد قط انه أسقط اتباعهم حتى يأتوا بالبرهان وكل من خالف الله ورسوله فلا برهان له أصلا وانما كلف الاتيان بالبرهان تبكيتا وتعجيزا واما من اتبع الرسول فيما جاء به فقد اتبع الحق الذي أمر به وقامت البراهين على صحته سواء علم هو بتوجيه ذلك البرهان أم لا وقول من قال منهم ان الله ذكر الاستدلال وامر به مسلم لكن هو فعل حسن مندوب لكل من اطاقه وواجب على كل من لم تكن نفسه إلى التصديق كما تقدم تقريره وبالله التوفيق وقال غيره قول من قال طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم ليس بمستقيم لانه ظن أن طريقة السلف مجرد الايمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك وان طريقه الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف والدعوى في طريقة الخلف وليس الامر كما ظن بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى وفي غاية التعظيم له والخضوع لامره والتسليم لمراده وليس من سلك طريق الخلف واثقا بان الذي يتأوله هو المراد ولا يمكنه القطع بصحة تأويله واما قولهم في العلم فزادوا في
[ 297 ]
التعريف عن ضرورة أو استدلال وتعريف العلم انتهى عند قوله عليه فان ابوا الا الزيادة فليزدادوا عن تيسير الله له ذلك وخلقه ذلك المعتقد في قلبه والا فالذي زادوه هو محل النزاع فلا دلالة فيه وبالله التوفيق وقال أبو المظفر بن السمعاني تعقب بعض أهل الكلام قول من قال ان السلف من الصحابة والتابعين لم يعتنوا بإيراد دلائل العقل في التوحيد بأنهم لم يشتغلوا بالتعريفات في احكام الحوادث وقد قبل الفقهاء ذلك واستحسنوه فدونوه في كتبهم فكذلك علم الكلام ويمتاز علم الكلام بأنه يتضمن الرد على الملحدين وأهل الاهواء وبه تزول الشبهة عن أهل الزيغ ويثبت اليقين لاهل الحق وقد علم الكل ان الكتاب لم تعلم حقيته والنبي لم يثبت صدقه الا بأدلة العقل وأجاب اما أولا فان الشارع والسلف الصالح نهوا عن الابتداع وأمروا بالاتباع وصح عن السلف انهم نهوا عن علم الكلام وعدوه ذريعة للشك والارتياب واما الفروع فلم يثبت عن أحد منهم النهي عنها الا من ترك النص الصحيح وقدم عليه القياس وأما من اتبع النص وقاس عليه فلا يحفظ عن أحد من أئمة السلف إنكار ذلك لان الحوادث في المعاملات لا تنقضي وبالناس حاجة إلى معرفة الحكم فمن ثم تواردوا على استحباب الاشتغال بذلك بخلاف علم الكلام واما ثانيا فان الدين كمل لقوله تعالى اليوم اكملت لكم دينكم فإذا كان اكمله وأتمه وتلقاه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم واعتقده من تلقى عنهم واطمأنت به نفوسهم فاي حاجة بهم إلى تحكيم العقول والرجوع إلى قضاياها وجعلها أصلا والنصوص الصحيحة الصريحة تعرض عليها فتارة يعمل بمضمونها وتارة تحرف عن مواضعها لتوافق العقول وإذا كان الدين قد كمل فلا تكون الزيادة فيه الا نقصانا في المعنى مثل زيادة أصبع في اليد فأنها تنقص قيمة العبد الذي يقع به ذلك وقد توسط بعض المتكلمين فقال لا يكفي التقليد بل لا بد من دليل ينشرح به الصدر وتحصل به الطمأنينة العلمية ولا يشترط ان يكون بطريق الصناعة الكلامية بل يكفي في حق كل أحد بحسب ما يقتضيه فهمه انتهى والذي تقدم ذكره من تقليد النصوص كاف في هذا القدر وقال بعضهم المطلوب من كل أحد التصديق الجزمي الذي لا ريب معه بوجود الله تعالى والايمان برسله وبما جاءوا به كيفما حصل وبأي طريق إليه يوصل ولو كان عن تقليد محض إذا سلم من التزلزل قال القرطبي هذا الذي عليه أئمة الفتوى ومن قبلهم من أئمة السلف واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة وبما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة انهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب ممن كان يعبد الاوثان فقبلوا منهم الاقرار بالشهادتين والتزام أحكام الاسلام من غير الزام بتعلم الادلة وان كان كثير منهم انما اسلم لوجود دليل ما فأسلم بسبب وضوحه له فالكثير منهم قد أسلموا طوعا من غير تقدم استدلال بل بمجرد ما كان عندهم من أخبار أهل الكتاب بأن نبيا سيبعث وينتصر على من خالفه فلما ظهرت لهم العلامات في محمد صلى الله عليه وسلم بادروا إلى الاسلام وصدقوه في كل شئ قاله ودعاهم إليه من الصلاة والزكاة وغيرهما وكثير منهم كان يؤذن له في الرجوع إلى معاشه من رعاية الغنم وغيرها وكانت أنوار النبوة وبركاتها تشملهم فلا يزالون يزدادون ايمانا ويقينا وقال أبو المظفر بن السمعاني أيضا ما فلخصه ان العقل لا يوجب شيئا ولا يحرم شيئا ولا حظ له في شئ من ذلك ولو لم يرد الشرع بحكم ما وجب على أحد شئ لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقوله لئلا يكون للناس
[ 298 ]
على الله حجة بعد الرسل وغير ذلك من الآيات فمن زعم ان دعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام انما كانت لبيان الفروع لزمه ان يجعل العقل هو الداعي إلى الله دون الرسول ويلزمه ان وجود الرسول وعدمه بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواء وكفى بهذا ضلالا ونحن لا ننكر ان العقل يرشد إلى التوحيد وانما ننكر انه يستقل بايجاب ذلك حتى لا يصح إسلام الا بطريقه مع قطع النظر عن السمعيات لكون ذلك خلاف ما دلت عليه آيات الكتاب والاحاديث الصحيحة التي تواترت ولو بالطريق المعنوي ولو كان كما يقول أولئك لبطلت السمعيات التي لا مجال للعقل فيها أو أكثرها بل يجب الايمان بما ثبت من السمعيات فان عقلناه فبتوفيق الله والا اكتفينا باعتقاد حقيته على وفق مراد الله سبحانه وتعالى انتهى ويؤيد كلامه ما أخرجه أبو داود عن بن عباس ان رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدك الله آلله ارسلك ان نشهد ان لا إله إلا الله وان ندع اللات والعزى قال نعم فأسلم واصله في الصحيحين في قصة ضمام بن ثعلبة وفي حديث عمرو بن عبسة عند مسلم انه اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما أنت قال نبي الله قلت آلله أرسلك قال نعم قلت بأي شئ قال أوحد الله لا اشرك به شيئا الحديث وفي حديث أسامة بن زيد في قصة قتله الذي قال لا إله إلا الله فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وحديث المقداد في معناه وقد تقدما في كتاب الديات وفي كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى التوحيد إلى غير ذلك من الاخبار المتواترة التواتر المعنوي الدال على انه صلى الله عليه وسلم لم يزد في دعائه المشركين على ان يؤمنوا بالله وحده ويصدقوه فيما جاء به عنه فمن فعل ذلك قبل منه سواء كان اذعانه عن تقدم نظر أم لا ومن توقف منهم نبهه حينئذ على النظر أو أقام عليه الحجة إلى ان يذعن أو يستمر على عناده وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد سلك بعض أئمتنا في اثبات الصانع وحدوث العالم طريق الاستدلال بمعجزات الرسالة فانها أصل في وجوب قبول ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا الوجه وقع ايمان الذين استجابوا للرسل ثم ذكر قصة النجاشي وقول جعفر بن أبي طالب له بعث الله إلينا رسولا نعرف صدقه فدعانا إلى الله وتلا علينا تنزيلا من الله لا يشبهه شئ فصدقناه وعرفنا ان الذي جاء به الحق الحديث بطوله وقد أخرجه بن خزيمة في كتاب الزكاة من صحيحه من رواية بن إسحاق وحاله معروفة وحديثه في درجة الحسن قال البيهقي فاستدلوا باعجاز القرآن على صدق النبي فآمنوا بما جاء به من اثبات الصانع ووحدانيته وحدوث العالم وغير ذلك مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن وغيره واكتفاء غالب من اسلم بمثل ذلك مشهور في الاخبار فوجب تصديقه في كل شئ ثبت عنه بطريق السمع ولا يكون ذلك تقليدا بل هو اتباع والله اعلم وقد استدل من اشترط النظر بالآيات والاحاديث الواردة في ذلك ولا حجة فيها لان من لم يشترط النظر لم ينكر أصل النظر وانما انكر توقف الايمان على وجود النظر بالطرق الكلامية إذ لا يلزم من الترغيب في النظر جعله شرطا واستدل بعضهم بأن التقليد لا يفيد العلم إذ لو افاده لكان العلم حاصلا لمن قلد في قدم العالم ولمن قلد في حدوثه وهو محال لافضائه إلى الجمع بين النقيضين وهذا انما يتأتى في تقليد غير النبي صلى الله عليه وسلم واما تقليده صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن ربه فلا يتناقض أصلا واعتذر بعضهم عن اكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بإسلام من اسلم من الاعراب من غير نظر بأن ذلك كان لضرورة المبادئ واما بعد تقرر الاسلام
[ 299 ]
وشهرته فيجب العمل بالادلة ولا يخفى ضعف هذا الاعتذار والعجب ان من اشترط ذلك من أهل الكلام ينكرون التقليد وهم أول داع إليه حتى استقر في الاذهان ان من انكر قاعدة من القواعد التي أصلوها فهو مبتدع ولو لم يفهمها ولم يعرف مأخذها وهذا هو محض التقليد فآل أمرهم إلى تكفير من قلد الرسول عليه الصلاة والسلام في معرفة الله تعالى والقول بايمان من قلدهم وكفى بهذا ضلالا وما مثلهم الا كما قال بعض السلف انهم كمثل قوم كانوا سفرا فوقعوا في فلاة ليس فيها ما يقوم به البدن من المأكول والمشروب ورأوا فيها طرقا شتى فانقسموا قسمين فقسم وجدوا من قال لهم انا عارف بهذه الطرق وطريق النجاة منها واحدة فاتبعوني فيها تنجوا فتبعوه فنجوا وتخلفت عنه طائفة فأقاموا إلى ان وقفوا على إمارة ظهر لهم ان في العمل بها النجاة فعملوا بها فنجوا وقسم هجموا بغير مرشد ولا امارة فهلكوا فليس نجاة من اتبع المرشد بدون نجاة من اخذ بالامارة ان لم تكن أولى منها ونقلت من جزء الحافظ صلاح الدين العلائي يمكن ان يفصل فيقال من لا له اهلية لفهم شئ من الادلة أصلا وحصل له اليقين التام بالمطلوب اما بنشأته على ذلك أو لنور يقذفه الله في قلبه فإنه يكتفى منه بذلك ومن فيه اهلية لفهم الادلة لم يكتف منه الا بالايمان عن دليل ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه وتكفي الادلة المجملة التي تحصل بأدنى نظر ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى ان تزول عنه قال فبهذا يحصل الجمع بين كلام الطائفة المتوسطة واما من غلا فقال لا يكفي ايمان المقلد فلا يلتفت إليه لما يلزم منه من القول بعدم ايمان أكثر المسلمين وكذا من غلا أيضا فقال لا يجوز النظر في الادلة لما يلزم منه من ان أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر انتهى ملخصا واستدل بقوله فإذا عرفوا الله بأن معرفة الله بحقيقة كنهه ممكنة للبشر فان كان ذلك مقيدا بما عرف به نفسه من وجوده وصفاته اللائقة من العلم والقدرة والارادة مثلا وتنزيهه عن كل نقيصة كالحدوث فلا بأس به فأما ما عدا ذلك فإنه غير معلوم للبشر واليه الاشارة بقوله تعالى ولا يحيطون به علما فإذا حمل قوله فإذا عرفوا الله على ذلك كان واضحا مع ان الاحتجاج به يتوقف على الجزم بأنه صلى الله عليه وسلم نطق بهذه اللفظة وفيه نظر لان القصة واحدة ورواة هذا الحديث اختلفوا هل ورد الحديث بهذا اللفظ أو بغيره فلم يقل صلى الله عليه وسلم الا بلفظ منها ومع احتمال ان يكون هذا اللفظ من تصرف الرواة لا يتم الاستدلال وقد بينت في أواخر كتاب الزكاة ان الاكثر رووه بلفظ فادعهم إلى شهادة ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله فان هم اطاعوا لك بذلك ومنهم من رواه بلفظ فادعهم إلى ان يوحدوا الله فإذا عرفوا ذلك ومنهم من رواه بلفظ فادعهم إلى عبادة الله فإذا عرفوا الله ووجه الجمع بينها ان المراد بالعبادة التوحيد والمراد بالتوحيد الاقرار بالشهادتين والاشارة بقوله ذلك إلى التوحيد وقوله فإذا عرفوا الله أي عرفوا توحيد الله والمراد بالمعرفة الاقرار والطواعية فبذلك يجمع بين هذه الالفاظ المختلفة في القصة الواحدة وبالله التوفيق وفي حديث بن عباس من الفوائد غير ما تقدم الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين فان من لازم الايمان بالله ورسوله التصديق بكل ما ثبت عنهما والتزام ذلك فيحصل ذلك لمن صدق بالشهادتين واما ما وقع من بعض المبتدعة من إنكار شئ من ذلك فلا يقدح في صحة الحكم الظاهر لانه ان كان مع تأويل فظاهر وان كان عنادا قدح في صحة الاسلام فيعامل بما يترتب عليه من ذلك كاجراء أحكام المرتد وغير
[ 300 ]
ذلك وفيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به وتعقب بأن مثل خبر معاذ حفته قرينة أنه في زمن نزول الوحي فلا يستوي مع سائر أخبار الآحاد وقد مضى في باب إجازة خبر الواحد ما يغني عن اعادته وفيه ان الكافر إذا صدق بشئ من أركان الاسلام كالصلاة مثلا يصير بذلك مسلما وبالغ من قال كل شئ يكفر به المسلم إذا جحده يصير الكافر به مسلما إذا اعتقده والاول أرجح كما جزم به الجمهور وهذا في الاعتقاد اما الفعل كما لو صلى فلا يحكم بإسلامه وهو أولى بالمنع لان الفعل لا عموم له فيدخله احتمال العبث والاستهزاء وفيه وجوب أخذ الزكاة ممن وجبت عليه وقهر الممتنع على بذلها ولو لم يكن جاحدا فان كان مع امتناعه ذا شوكة قوتل والا فان أمكن تعزيره على الامتناع عزر بما يليق به وقد وردن تعزيره بالمال حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا ولفظه ومن منعها يعني الزكاة فانا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بن خزيمة والحاكم واما بن حبان فقال في ترجمة بهز بن حكيم لولا هذا الحديث لادخلته في كتاب الثقات وأجاب من صححه ولم يعمل به بأن الحكم الذي دل عليه منسوخ وان الامر كان اولا كذلك ثم نسخ وضعف النووي هذا الجواب من جهة ان العقوبة بالمال لا تعرف اولا حتى يتم دعوى النسخ ولان النسخ لا يثبت الا بشرطه كمعرفة التاريخ ولا يعرف ذلك واعتمد النووي ما أشار إليه بن حبان من تضعيف بهز وليس بجيد لانه موثق عند الجمهور حتى قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح إذا كان دون بهز ثقة وقال الترمذي تكلم فيه شعبة وهو ثقة عند أهل الحديث وقد حسن له الترمذي عدة أحاديث واحتج به أحمد وإسحاق والبخاري خارج الصحيح وعلق له في الصحيح وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود وهو عندي حجة لا عند الشافعي فان اعتمد من قلد الشافعي على هذا كفاه ويؤيده أطباق فقهاء الامصار على ترك العمل به فدل على ان له معارضا راجحا وقول من قال بمقتضاه يعد في ندرة المخالف وقد دل خبر الباب أيضا على ان الذي يقبض الزكاة الامام أو من أقامه لذلك وقد أطبق الفقهاء بعد ذلك على ان لارباب الاموال الباطنة مباشرة الاخراج وشذ من قال بوجوب الدفع إلى الامام وهو رواية عن مالك وفي القديم للشافعي نحوه على تفصيل عنهما فيه الحديث الثاني حديث معاذ أيضا (6938) قوله عن أبي حصين بفتح أوله واسمه عثمان بن عاصم الاسدي والاشعث بن سليم هو أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي وأبوه مشهور بكنيته أكثر من اسمه قوله أتدري ما حق الله على العباد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الرقاق ودخوله في هذا الباب من قوله لا تشركوا به شيئا فإنه المراد بالتوحيد قال بن التين يريد بقوله حق العباد على الله حقا علم من جهة الشرع بايجاب العقل فهو كالواجب في تحقق وقوعه أو هو على جهة المقابلة والمشاكلة كقوله تعالى فيسخرون منهم سخر الله منهم الحديث الثالث (6939) قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس وتقدم المتن في فضل قل هو الله أحد في كتاب فضائل القرآن ومن وجه آخر عن مالك مشروحا وأورده هنا لما صرح به من وصف الله تعالى بالاحدية كما في الذي بعده وقوله هنا زاد إسماعيل بن جعفر تقدم هناك بزيادة راو في أوله فقال وزاد أبو معمر حدثنا إسماعيل بن جعفر وكذا وقع هنا في بعض النسخ وفي بعضها وقال أبو معمر وتقدم هناك الاختلاف في المراد بأبي معمر هذا
[ 301 ]
وتسمية من وصله الحديث الرابع حديث عمرة عن عائشة فيما يتعلق بسورة الاخلاص أيضا وقد تقدم معلقا في فضائل القرآن قوله حدثنا أحمد بن صالح كذا للاكثر وبه جزم أبو نعيم في المستخرج وأبو مسعود في الاطراف ووقع في الاطراف للمزي ان في بعض النسخ حدثنا محمد حدثنا أحمد بن صالح قلت وبذلك جزم البيهقي تبعا لخلف في الاطراق قال خلف ومحمد هذا أحسبه محمد بن يحيى الذهلي ووقع عند الاسماعيلي بعد ان ساق الحديث من رواية حرملة عن بن وهب ذكره البخاري عن محمد بلا خبر عن أحمد بن صالح فكأنه وقع عند الاسماعيلي بلفظ قال محمد وعلى رواية الاكثر فمحمد هو البخاري المصنف والقائل قال محمد هو محمد الفربري وذكر الكرماني هذا احتمالا قلت ويحتاج حينئذ إلى ابداء النكتة في إفصاح الفربري به في هذا الحديث دون غيره من الاحاديث الماضية والآتية (6940) قوله حدثنا عمرو هو بن الحارث المصري وابن أبي هلال هو سعيد وسماه مسلم في روايته قوله بعث رجلا على سرية تقدم في باب الجمع بين السورتين في ركعة من كتاب الصلاة بيان الاختلاف في تسميته وهل بينه وبين الذي كان يؤم قومه في مسجد قباء مغايرة أو هما واحد وبيان ما يترجح من ذلك قوله فيختم بقل هو الله أحد قال بن دقيق العيد هذا يدل على انه كان يقرأ بغيرها ثم يقرأها في كل ركعة وهذا هو الظاهر ويحتمل ان يكون المراد انه يختم بها آخر قراءته فيختص بالركعة الاخيرة وعلى الاول فيؤخذ منه جواز الجمع بين سورتين في ركعة انتهى وقد تقدم البحث في ذلك في الباب المذكور من كتاب الصلاة بما يغني عن اعادته قوله لانها صفة الرحمن قال بن التين انما قال انها صفة الرحمن لان فيها أسماءه وصفاته وأسماؤه مشتقة من صفاته وقال غيره يحتمل ان يكون الصحابي المذكور قال ذلك مستندا لشئ سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم اما بطريق النصوصية واما بطريق الاستنباط وقد اخرج البيهقي في كتاب الاسماء والصفات بسند حسن عن بن عباس ان اليهود اتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا صف لنا ربك الذي تعبده فانزل الله عزوجل قل هو الله أحد إلى آخرها فقال هذه صفة ربي عزوجل وعن أبي بن كعب قال قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فنزلت سورة الاخلاص الحديث وهو عند بن خزيمة في كتاب التوحيد وصححه الحاكم وفيه انه ليس شئ يولد الا يموت وليس شئ يموت الا يورث والله لا يموت ولا يورث ولم يكن له شبه ولا عدل وليس كمثله شئ قال البيهقي معنى قوله ليس كمثله شئ ليس كهو شئ قاله أهل اللغة قال ونظيره قوله تعالى فان آمنوا بمثل ما آمنتم به يريد بالذي آمنتم به وهي قراءة بن عباس قال والكاف في قوله كمثله للتأكيد فنفى الله عنه المثلية بآكد ما يكون من النفي وأنشد لورقة بن نوفل في زيد بن عمرو بن نفيل من أبيات ودينك دين ليس دين كمثله ثم اسند عن بن عباس في قوله تعالى وله المثل الاعلى يقول ليس كمثله شئ وفي قوله هل تعلم له سميا هل تعلم له شبها أو مثلا وفي حديث الباب حجة لمن اثبت ان لله صفة وهو قول الجمهور وشذ بن حزم فقال هذه لفظة اصطلح عليها أهل الكلام من المعتزلة ومن تبعهم ولم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من اصحابه فان اعترضوا بحديث الباب فهو من افراد سعيد بن أبي هلال وفيه ضعف قال وعلى تقدير صحته فقل هو الله أحد صفة الرحمن كما جاء في هذا الحديث ولا يزاد عليه بخلاف الصفة التي يطلقونها فانها في لغة العرب لا تطلق الاعلى جوهر أو عرض كذا قال وسعيد متفق على
[ 302 ]
الاحتجاج به فلا يلتفت إليه في تضعيفه وكلامه الاخير مردود باتفاق الجميع على اثبات الاسماء الحسنى قال الله تعالى ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وقال بعد ان ذكر منها عدة أسماء في آخر سورة الحشر له الاسماء الحسنى والاسماء المذكورة فيها بلغة العرب صفات ففي اثبات أسمائه اثبات صفاته لانه إذا ثبت انه حي مثلا فقد وصف بصفة زائدة على الذات وهى صفة الحياة ولولا ذلك لوجب الاقتصار على ما ينبئ عن وجود الذات فقط وقد قال سبحانه وتعالى سبحان ربك رب العزة عما يصفون فنزه نفسه عما يصفونه به من صفة النقص ومفهومه ان وصفه بصفة الكمال مشروع وقد قسم البيهقي وجماعة من أئمة السنة جميع الاسماء المذكورة في القرآن وفي الاحاديث الصحيحة على قسمين أحدهما صفات ذاته وهي ما استحقه فيما لم يزل ولا يزال والثاني صفات فعله وهي ما استحقه فيما لا يزال دون الازل قال ولا يجوز وصفه الا بما دل عليه الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة أو اجمع عليه ثم منه ما اقترنت به دلالة العقل كالحياة والقدرة والعلم والارادة والسمع والبصر والكلام من صفات ذاته وكالخلق والرزق والاحياء والاماته والعفو والعقوبة من صفات فعله ومنه ما ثبت بنص الكتاب والسنة كالوجه واليد والعين من صفات ذاته وكا لاستواء والنزول والمجئ من صفات فعله فيجوز اثبات هذه الصفات له لثبوت الخبر بها على وجه ينفي عنه التشبيه فصفة ذاته لم تزل موجودة بذاته ولا تزال وصفة فعله ثابتة عنه ولا يحتاج في الفعل إلى مباشرة انما امره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون وقال القرطبي في المفهم اشتملت قل هو الله أحد على اسمين يتضمنان جميع أوصاف الكمال وهما الاحد والصمد فإنهما يدلان على احدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال فان الواحد والاحد وان رجعا إلى أصل واحد فقد افترقا استعمالا وعرفا فالوحدة راجعة إلى نفي التعدد والكثرة والواحد أصل العدد من غير تعرض لنفي ما عداه والاحد يثبت مدلوله ويتعرض لنفي ما سواه ولهذا يستعملونه في النفي ويستعملون الواحد في الاثبات يقال ما رأيت أحدا ورأيت واحدا فالاحد في أسماء الله تعالى مشعر بوجوده الخاص به الذي لا يشاركه فيه غيره واما الصمد فإنه يتضمن جميع أوصاف الكمال لان معناه الذي انتهى سؤدده بحيث يصمد إليه في الحوائج كلها وهو لا يتم حقيقة الا لله قال بن دقيق العيد قوله لانها صفة الرحمن يحتمل ان يكون مراده ان فيها ذكر صفة الرحمن كما لو ذكر وصف فعبر عن الذكر بأنه الوصف وان لم يكن نفس الوصف ويحتمل غير ذلك الا انه لا يختص ذلك بهذه السورة لكن لعل تخصيصها بذلك لانه ليس فيها الا صفات الله سبحانه وتعالى فاختصت بذلك دون غيرها قوله أخبروه أن الله يحبه قال بن دقيق العيد يحتمل ان يكون سبب محبه الله له محبة لهذه الصورة ويحتمل ان يكون لما دل عليه كلامه لان محبته لذكر صفات الرب دالة على صحة اعتقاده قال المازري ومن تبعه محبة الله لعباده ارادته ثوابهم وتنعيمهم وقيل هي نفس الاثابة والتنعيم ومحبتهم له لا يبعد فيها الميل منهم إليه وهو مقدس عن الميل وقيل محبتهم له استقامتهم على طاعته والتحقيق ان الاستقامة ثمرة المحبة وحقيقة المحبة له ميلهم إليه لاستحقاقه سبحانه المحبة من جميع وجوهها انتهى وفيه نظر لما فيه من الاطلاق في موضع التقييد وقال بن التين معنى محبة المخلوقين لله ارادتهم ان ينفعهم وقال القرطبي في المفهم محبة الله لعبده تقريبه له واكرامه وليست بميل ولا غرض كما هي من العبد
[ 303 ]
وليست محبة العبد لربه نفس الارادة بل هي شئ زائد عليها فان المرء يجد من نفسه انه يحب ما لا يقدر على اكتسابه ولا على تحصيله والارادة هي التي تخصص الفعل ببعض وجوهه الجائزة ويحس م ن نفسه انه يحب الموصوفين بالصفات الجميلة والافعال الحسنة كالعلماء والفضلاء والكرماء وان لم يتعلق له بهم إرادة مخصصة وإذا صح الفرق فالله سبحانه وتعالى محبوب لمحبيه على حقيقة المحبة كما هو معروف عند من رزقه الله شيئا من ذلك فنسأل الله تعالى ان يجعلنا من محبيه المخلصين وقال البيهقي المحبة والبغض عند بعض أصحابنا من صفات الفعل فمعنى محبته اكرام من احبه ومعنى بغضه اهانته واما ما كان من المدح والذم فهو من قوله وقوله من كلامه وكلامه من صفات ذاته فيرجع إلى الارادة فمحبته الخصال المحمودة وفاعلها يرجع إلى ارادته اكرامه وبغضه الخصال المذمومة وفاعلها يرجع إلى ارادته اهانته (0) قوله باب قول الله تبارك وتعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الاسماء الحسنى ذكر فيه حديث جرير لا يرحم الله من لا يرحم الناس وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الادب وحديث أسامة بن زيد في قصة ولد بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى عنها وفيه ففاضت عيناه وفيه هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده وانما يرحم الله من عباده الرحماء وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الجنائز قال بن بطال غرضه في هذا الباب اثبات الرحمة وهي من صفات الذات فالرحمن وصف وصف الله تعالى به نفسه وهو متضمن لمعنى الرحمة كما تضمن وصفه بأنه عالم معنى العلم إلى غير ذلك قال والمراد برحمته ارادته نفع من سبق في علمه انه ينفعه قال وأسماؤه كلها ترجع إلى ذات واحدة وان دل كل واحد منها على صفة من صفاته يختص الاسم بالدلالة عليها واما الرحمة التي جعلها في قلوب عباده فهي من صفات الفعل وصفها بأنه خلقها في قلوب عباده وهي رقة على المرحوم وهو سبحانه وتعالى منزه عن الوصف بذلك فتتأول بما يليق به وقال بن التين الرحمن والرحيم مشتقان من الرحمة وقيل هما اسمان من غير اشتقاق وقيل يرجعان إلى معنى الارادة فرحمته ارادته تنعيم من يرحمه وقيل راجعان إلى تركه عقاب من يستحق العقوبة وقال الحليمي معنى الرحمن انه مزيح العلل لانه لما أمر بعبادته بين حدودها وشروطها فبشر وانذر وكلف ما تحمله بنيتهم فصارت العلل عنهم مزاحة والحجج منهم منقطعة قال ومعنى الرحيم انه المثيب على العمل فلا يضيع لعامل أحسن عملا بل يثيب العامل بفضل رحمته أضعاف عمله وقال الخطابي ذهب الجمهور إلى ان الرحمن ماخوذ من الرحمة مبني على المبالغة ومعناه ذو الرحمة لا نظير له فيها ولذلك لا يثنى ولا يجمع واحتج له البيهقي بحديث عبد الرحمن بن عوف وفيه خلقت الرحم وشققت لها سما من اسمي قلت وكذا حديث الرحمة الذي اشتهر بالمسلسل بالاولية أخرجه البخاري في التاريخ وأبو داود والترمذي والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ الراحمون يرحمهم الرحمن الحديث ثم قال الخطابي فالرحمن ذو الرحمة الشاملة للخلق والرحيم فعيل بمعنى فاعل وهو خاص بالمؤمنين قال تعالى وكان بالمؤمنين رحيما وأورد عن بن عباس رضي الله عنهما انه قال الرحمن والرحيم اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر وعن مقاتل انه نقل عن جماعة من التابعين مثله وزاد فالرحمن بمعنى المترحم والرحيم بمعنى المتعطف ثم قال الخطابي لا معنى لدخول الرقة في شئ من صفات الله تعالى وكأن المراد بها اللطف ومعناه الغموض لا الصغر الذي هو من صفات الاجسام قلت والحديث
[ 304 ]
المذكور عن بن عباس لا يثبت لانه من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه والكلبي متروك الحديث وكذلك مقاتل ونقل البيهقي عن الحسين بن المفضل البجلي انه نسب راوي حديث بن عباس إلى التصحيف وقال انما هو الرفيق بالفاء وقواه البيهقي بالحديث الذي أخرجه مسلم عن عائشة مرفوعا ان الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه مالا يعطي على العنف وأورد له شاهدا من ح ديث عبد الله بن مغفل ومن طريق عبد الرحمن بن يحيى ثم قال والرحمن خاص في التسمية عام في الفعل والرحيم عام في التسمية خاص في الفعل واستدل بهذه الآية على ان من حلف باسم من أسماء الله تعالى كالرحمن والرحيم انعقدت يمينه وقد تقدم في موضعه وعلى ان الكافر إذا أقر بالوحدانية للرحمن مثلا حكم بإسلامه وقد خص الحليمي من ذلك ما يقع به الاشتراك كما لو قال الطبائعي لا اله الا المحيي المميت فإنه لا يكون مؤمنا حتى يصرح باسم لا تأويل فيه ولو قال من ينسب إلى التجسيم من اليهود لا اله الا الذي في السماء لم يكن مؤمنا كذلك الا ان كان عاميا لا يفقه معنى التجسيم فيكتفى منه بذلك كما في قصة الجارية التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم أنت مؤمنة قالت نعم قال فأين الله قالت في السماء فقال اعتقها فانها مؤمنة وهو حديث صحيح أخرجه مسلم وان من قال لا اله الا الرحمن حكم بإسلامه الا ان عرف انه قال ذلك عنادا وسمى غير الله رحمانا كما وقع لاصحاب مسيلمة الكذاب قال الحليمي ولو قال اليهودي لا إله إلا الله لم يكن مسلما حتى يقر بأنه ليس كمثله شئ ولو قال الوثني لا إله إلا الله وكان يزعم ان الصنم يقربه إلى الله لم يكن مؤمنا حتى يتبرأ من عبادة الصنم تنبيهان أحدهما الذي يظهر من تصرف البخاري في كتاب التوحيد انه يسوق الاحاديث التي وردت في الصفات المقدسة فيدخل في كل حديث منها في باب ويؤيده بآية من القرآن للاشارة إلى خروجها عن أخبار الآحاد على طريق التنزل في ترك الاحتجاج بها في الاعتقاديات وانه من انكرها خالف الكتاب والسنة جميعا وقد اخرج بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية بسند صحيح عن سلام بن أبي مطيع وهو شيخ شيوخ البخاري ان ذكر المبتدعة فقال ويلهم ماذا ينكرون من هذه الاحاديث والله ما في الحديث شئ الا وفي القرآن مثله يقول الله تعالى ان الله سميع بصير ويحذركم الله نفسه والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي وكلم الله موسى تكليما الرحمن على العرش استوى ونحو ذلك فلم يزل أي سلام بن مطيع يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس وكأنه لمح في هذه الترجمة بهذه الآية إلى ما ورد في سبب نزولها وهو ما أخرجه بن مردويه بسند ضعيف عن بن عباس ان المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو يا الله يا رحمن فقالوا كان محمد يأمرنا بالدعاء اله واحد وهو يدعو الهين فنزلت وأخرج عن عائشة بسند آخر نحوه الثاني (6941) قوله في السند الاول حدثنا محمد كذا للاكثر قال الكرماني تبعا لابي علي الجياني هو اما بن سلام واما بن المثنى انتهى وقد وقع التصريح بأنه بن سلام في رواية أبي ذر عن شيوخه فتعين الجزم به كما صنع المزي في الاطراف فإنه قال ح عن محمد وهو بن سلام قلت ويؤيده انه عبر بقوله أنبأنا أبو معاوية ولو كان بن المثنى لقال حدثنا لما عرف من عادة كل منهما والله اعلم (0) قوله باب قول الله تعالى ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين كذا لابي ذر والاصيلي والحفصوي على وفق القراءة المشهورة وكذا هو عند النسفي وعليه جرى الاسماعيلي
[ 305 ]
ووقع في رواية القابسي اني انا الرزاق الخ وعليه جرى بن بطال وتبعه بن المنير والكرماني وجزم به الصغاني وزعم ان الذي وقع عند أبي ذر وغيره من تغييرهم لظنهم انه خلاف القراءة قال وقد ثبت ذلك قراءة عن بن مسعود قلت وذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه كذلك كما أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن يزيد النخعي عن بن مسعود قال أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره قال أهل التفسير المعنى في وصفه بالقوة انه القادر بليغ الاقتدار على كل شئ (6943) قوله عن أبي حمزة بالمهملة والزاي هو السكري وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق كلهم كوفيون قوله ما أحد اصبر على أذى سمعه من الله الحديث تقدم شرحه في كتاب الادب والغرض منه قوله هنا ويرزقهم وقوله يدعون بسكون الدال وجاء تشديدها قال بن بطال تضمن هذا الباب صفتين لله تعالى صفة ذات وصفة فعل فالرزق فعل من أفعاله تعالى فهو من صفات فعله لان رازقا يقتضي مرزوقا والله سبحانه وتعالى كان ولا مرزوق وكل ما لم يكن ثم كان فهو محدث والله سبحانه موصوف بأنه الرزاق ووصف نفسه بذلك قبل خلق الخلق بمعنى أنه سيرزق إذا خلق المرزوقين والقوة من صفات الذات وهي بمعنى القدرة ولم يزل سبحانه وتعالى ذا قوة وقدرة ولم تزل قدرته موجودة قائمة به موجبة له حكم القادرين والمتين بمعنى القوي وهو في اللغة الثابت الصحيح وقال البيهقي القوي التام القدرة لا ينسب إليه عجز في حالة من الاحوال ويرجع معناه إلى القدرة والقادر هو الذي له القدرة الشاملة والقدرة صفة له قائمة بذاته والمقتدر هو التام القدرة الذي لا يمتنع عليه شئ وفي الحديث رد على من قال انه قادر بنفسه لا بقدرة لان القوة بمعنى القدرة وقد قال تعالى ذو القوة وزعم المعتزلي ان المراد بقوله ذو القوة الشديد القوة والمعنى في وصفه بالقوة والمتانة انه القادر البليغ الاقتدار فجرى على طريقتهم في ان القدرة صفة نفسية خلافا لقول أهل السنة انها صفة قائمة به متعلقة بكل مقدور وقال غيره كون القدرة قديمة وافاضة الرزق حادثة لا يتنافيان لان الحادث هو التعلق وكونه رزق المخلوق بعد وجوده لا يستلزم التغير فيه لان التغير في التعلق فان قدرته لم تكن متعلقة بإعطاء الرزق بل بكونه سيقع ثم لما وقع تعلقت به من غير ان تتغير الصفة في نفس الامر ومن ثم نشأ الاختلاف هل القدرة من صفات الذات أو من صفات الافعال فمن نظر في القدرة إلى الاقتدار على ايجاد الرزق قال هي صفة ذات قديمة ومن نظر إلى تعلق القدرة قال هي صفة فعل حادثة ولا استحالة في ذلك في الصفات الفعلية والاضافية بخلاف الذاتية وقوله في الحديث اصبر افعل تفضيل من الصبر ومن أسمائه الحسنى سبحانه وتعالى الصبور ومعناه الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة وهو قريب من معنى الحليم والحليم أبلغ في السلامة من العقوبة والمراد بالاذى أذى رسله وصالحي عباده لاستحالة تعلق أذى المخلوقين به لكونه صفة نقص وهو منزه عن كل نقص ولا يؤخر النقمة قهرا بل تفضلا وتكذيب الرسل في نفي الصاحبة والولد عن الله أذى لهم فأضيف الاذى لله تعالى للمبالغة في الانكار عليهم والاستعظام لمقالتهم ومنه قوله تعالى ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة فان معناه يؤذون أولياء الله وأولياء رسوله فأقيم المضاف مقام المضاف إليه قال بن المنير وجه مطابقة الآية للحديث اشتماله على صفتي الرزق والقوة الدالة على القدرة اما الرزق فواضح من قوله ويرزقهم واما القوة فمن قوله اصبر فان فيه إشارة إلى
[ 306 ]
القدرة على الاحسان إليهم مع اساءتهم بخلاف طبع البشر فإنه لا يقدر على الاحسان إلى المسئ الا من جهة تكلفه ذلك شرعا وسبب ذلك ان خوف الفوت يحمله على المسارعة إلى المكافأة بالعقوبة والله سبحانه وتعالى قادر على ذلك حالا ومآلا لا يعجزه شئ ولا يفوته (0) رحمه اللهقوله باب قول الله تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا وان الله عنده علم الساعة وانزله بعلمه وما تحمل من أنثى ولا تضع الا بعلمه إليه رد علم الساعة اما الآية الاولى فسيأتي شئ من الكلام عليها في آخر شرحه واما الآية الثانية فمضى الكلام عليها في تفسير سورة لقمان عند شرح حديث ابن عمر المذكور هنا واما الآية الثالثة فمن الحجج البينة في اثبات العلم لله وحرفه المعتزلي نصرة لمذهبه فقال أنزله ملتبسا بعلمه الخاص وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وتعقب بأن نظم العبارات ليس هو نفس العلم القديم بل دال عليه ولا ضرورة تحوج إلى الحمل على غير الحقيقة التي هي الاخبار عن علم الله الحقيقي وهو من صفات ذاته وقال المعتزلي أيضا أنزله بعلمه وهو عالم فأول علمه بعالم فرارا من اثبات ا لعلم له مع تصريح الآية به وقد قال تعالى ولا يحيطون بشئ من علمه الا بما شاء وتقدم في قصة موسى والخضر ما علمي وعلمك في علم الله ووقع في حديث الاستخارة الماضي في الدعوات اللهم اني استخيرك بعلمك واما الآية الرابعة فهي كالاولى في اثبات العلم وأصرح وقال المعتزلي قوله بعلمه في موضع الحال أي لا معلومة بعلمه فتعسف فيما أول وعدل عن الظاهر بغير موجب وأما الآية الخامسة فقال الطبري معناها لا يعلم متى وقت قيامها غيره فعلى هذا فالتقدير إليه يرد علم وقت الساعة قال بن بطال في هذه الآيات اثبات علم الله تعالى وهو من صفات ذاته خلافا لمن قال انه عالم بلا علم ثم إذا ثبت ان علمه قديم وجب تعلقه بكل معلوم على حقيقته بدلالة هذه الآيات وبهذا التقرير يرد عليهم في القدرة والقوة والحياة وغيرها وقال غيره ثبت ان الله مريد بدليل تخصيص الممكنات بوجود ما وجد منها بدلا من عدمه وعدم المعدوم منها بدلا من وجوده ثم اما ان يكون فعله لها بصفة يصح منه بها التخصيص والتقديم والتأخير أولا والثاني لو كان فاعلا لها لا بالصفة المذكورة لزم صدور الممكنات عنه صدروا واحدا بغير تقديم وتأخير ولا تطوير ولكان يلزم قدمها ضرورة استحالة تخلف المقتضي على مقتضاه الذاتي فيلزم كون الممكن واجبا والحادث قديما وهو محال فثبت انه فاعل بصفة يصح منه بها التقديم والتأخير فهذا برهان المعقول واما برهان المنقول فآي من القرآن كثيرة كقوله تعالى ان ربك فعال لما يريد ثم الفاعل للمصنوعات بخلق بالاختيار يكون متصفا بالعلم والقدرة لان الارادة وهي الاختيار مشروطة بالعلم بالمراد ووجود المشروط بدون شرطه محال ولان المختار للشئ ان كان غيره قادرا عليه تعذر عليه صدور مختاره ومراده ولما شوهدت المصنوعات صدرت عن فاعلها المختار من غير تعذر علم قطعنا انه قادر على ايجادها وسيأتي مزيد الكلام في الارادة في باب المشيئة والارادة بعد نيف وعشرين بابا وقال البيهقي بعد ان ذكر الآيات المذكورة في الباب وغيرها مما هو في معناها كان أبو إسحاق الاسفرايني يقول معنى العليم يعلم المعلومات ومعنى الخبير يعلم ما كان قبل ان يكون ومعنى الشهيد يعلم الغائب كما يعلم الحاضر ومعنى المحصي لا تشغله الكثرة عن العلم وساق عن بن عباس في قوله تعالى يعلم السر وأخفى قال يعلم ما أسر العبد في نفسه وما اخفى عنه مما سيفعله قبل ان يفعله ومن وجه آخر عن بن عباس قال يعلم السر الذي في
[ 307 ]
نفسك ويعلم ما ستعمل غدا قوله قال يحيى الظاهر على كل شئ علما والباطن على كل شئ علما يحيى هذا هو بن زياد الفراء النحوي المشهور ذكر ذلك في كتاب معاني القرآن له وقال غيره معنى الظاهر الباطن العالم بظواهر الاشياء وبواطنها وقيل الظاهر بالادلة الباطن بذاته وقيل الظاهر بالعقل الباطن بالحسين وقيل معنى الظاهر العالي على كل شئ لان من غلب على شئ ظهر عليه وعلاه والباطن الذي بطن في كل شئ أي علم باطنه وشمل قوله أي كل شئ علم ما كان وما سيكون على سبيل الاجمال والتفصيل لان خالق المخلوقات كلها بالاختيار متصف بالعلم بهم والاقتدار عليهم اما أولا فلان الاختيار مشروط بالعلم ولا يوجد المشروط دون شرطه واما ثانيا فلان المختار للشئ لو كان غير قادر عليه لتعذر مراده وقد وجدت بغير تعذر فدل على انه قادر على ايجادها وإذا تقرر ذلك لم يتخصص علمه في تعلقه بمعلوم دون معلوم لوجوب قدمه المنافي لقبول التخصيص فثبت انه يعلم الكليات لانها معلومات والجزئيات لانها معلومات أيضا ولانه مريد لايجاد الجزئيات والارادة للشئ المعين اثباتا ونفيا مشروطة بالعلم بذلك المراد الجزئي فيعلم المرئيات للرائين ورؤيتهم لها على الوجه الخاص وكذا المسموعات وسائر المدركات لما علم ضرورة من وجوب الكمال له وأضداد هذه الصفات نقص والنقص ممتنع عليه سبحانه وتعالى وهذا القدر كاف من الادلة العقلية وضل من زعم من الفلاسفة انه سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات على الوجه الكلي لا الجزئي واحتجوا بامور فاسدة منها ان ذلك يؤدي إلى محال وهو تغير العلم فان الجزئيات زمانية تتغير بتغير الزمان والاحوال والعلم تابع للمعلومات في الثبات والتغير فيلزم تغير علمه والعلم قائم بذاته فتكون محلا للحوادث وهو محال والجواب ان التغير انما وقع في الحوال الاضافية وهذا مثل رجل قام عن يمين الاسطوانة ثم عن يسارها ثم امامها ثم خلفها فالرجل هو الذي يتغير والاسطوانة بحالها فالله سبحانه وتعالى عالم بما كنا عليه أمس وبما نحن عليه الآن وبما نكون عليه غدا وليس هذا خبرا عن تغير علمه بل التغير جار على احوالنا وهو عالم في جميع الاحوال على حد واحد واما السمعية فالقرآن العظيم طافح بما ذكرنا مثل قوله تعالى احاط بكل شئ علما وقال لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الارض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر وقال تعالى إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من اكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع الا بعلمه وقوله تعالى وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين ولهذه النكتة اورد المصنف حديث بن عمر في مفاتيح الغيب وقد تقدم شرحه في كتاب التفسير ثم ذكر حديث عائشة مختصرا وقوله (6945) فيه ومن حدثك انه يعلم الغيب فقد كذب ووهو يقول لا يعلم الغيب الا الله كذا وقع في هذه الرواية عن ومحمد بن يوسف وهو الفريابي عن سفيان وهو الثوري عن إسماعيل وهو بن أبي خالد وقد تقدم في تفسير سورة النجم من طريق وكيع عن إسماعيل بلفظ ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وذكر هذه الآية أنسب في الباب لموافقته حديث بن عمر الذي قبله لكنه جرى على عادته التي أكثر منها من اختيار الاشارة على صريح العبارة وتقدم شرح ما يتعلق بالرؤية في تفسير سورة النجم وما يتعلق بعلم الغيب في تفسير سورة لقمان وتقدم في تفسير سورة المائدة بهذا السند من حدثك
[ 308 ]
ان محمدا كتم شيئا وأحلت بشرحه على كتاب التوحيد وسأذكره ان شاء الله تعالى في باب يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك ونقل بن التين عن الداودي قال قوله في هذا الطريق من حدثك ان محمدا يعلم الغيب ما أظنه محفوظا وما أحد يدعي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم من الغيب الا ما علم انتهى وليس في الطريق المذكورة هنا التصريح بذكر محمد صلى الله عليه وسلم وانما وقع فيه بلفظ من حدثك انه يعلم وأظنه بنى على ان الضمير في قول عائشة من حدثك انه لمحمد صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره في الذي قبله حيث قالت من حدثك ان محمدا رأى ربه ثم قالت من حدثك انه يعلم ما في غد ويعكر عليه انه وقع في رواية إبراهيم النخعي عن مسروق عن عائشة قالت ثلاث من قال واحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية من زعم انه يعلم ما في غد الحديث أخرجه النسائي وظاهر هذا السياق ان الضمير للزاعم ولكن ورد التصريح بأنه لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه بن خزيمة وابن حبان من طريق عبد ربه بن سعيد عن داود بن أبي هند عن الشعبي بلفظ أعظم الفرية على الله من قال ان محمدا رأى ربه وان محمدا كتم شيئا من الوحي وأن محمدا يعلم ما في غد وهو عند مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن داود وسياقه أتم ولكن قال فيه ومن زعم انه يخبر بما يكون في غد هكذا بالضمير كما في رواية إسماعيل معطوفا على من زعم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا وما ادعاه من النفي متعقب فان بعض من لم يرسخ في الايمان كان يظن ذلك حتى كان يرى ان صحة النبوة تستلزم اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على جميع المغيبات كما وقع في المغازي لابن إسحاق ان ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ضلت فقال زيد بن اللصيت بصاد مهملة وآخره مثناة وزن عظيم يزعم محمد أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان رجلا يقول كذا وكذا واني والله لا أعلم الا ما علمني الله وقد دلني الله عليها وهي في شعب كذا قد حبستها شجرة فذهبوا فجاءوه بها فاعلم النبي صلى الله عليه وسلم انه لا يعلم من الغيب الا ما علمه الله وهو مطابق لقوله تعالى فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول الآية وقد اختلف في المراد بالغيب فيها فقيل هو على عمومه وقيل ما يتعلق بالوحي خاصة وقيل ما يتعلق بعلم الساعة وهو ضعيف لما تقدم في تفسير لقمان ان علم الساعة مما استأثر بعلمه الا ان ذهب قائل ذلك إلى ان الاستثناء منقطع وقد تقدم ما يتعلق بالغيب هناك قال الزمخشري في هذه الآية ابطال الكرامات لان الذين يضاف إليهم وان كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل وقد خص الله الرسل من بين المرتضعين بالاطلاع على الغيب وتعقب بما تقدم وقال الامام فخر الدين قوله على غيبه لفظ مفرد وليس فيه صيغة عموم فيصح ان يقال ان الله لا يظهر على غيب واحد من غيوبه أحدا الا الرسل فيحمل على وقت وقوع القيامة ويقويه ذكرها عقب قوله اقريب ما توعدون وتعقب بأن الرسل لم يظهروا على ذلك وقال أيضا يجوز ان يكون الاستثناء منقطعا أي لا يظهر على غيبه المخصوص أحدا لكن من ارتضى من رسول فإنه يجعل له حفظه وقال القاضي البيضاوي يخصص الرسول بالملك في اطلاعه على الغيب والاولياء يقع لهم ذلك لهم بالالهام وقال بن المنير دعوى الزمخشري عامة ودليله خاص فالدعوة امتناع الكرامات كلها والدليل يحتمل ان يقال ليس فيه الا نفي الاطلاع على الغيب بخلاف سائر الكرمات انتهى وتمامه ان يقال المراد بالاطلاع على الغيب علم ما سيقع قبل ان يقع على
[ 309 ]
تفصيله فلا يدخل في هذا ما يكشف لهم عن الامور المغيبة عنهم وما لا يخرق لهم من العادة كالمشي على الماء وقطع المسافة البعيدة في مدة لطيفة ونحو ذلك وقال الطيبي الاقرب تخصيص الاطلاع بالظهور والخفاء فاطلاع الله الانبياء على المغيب أمكن ويدل عليه حرف الاستعلاء في على غيبه فيضمن يظهر معنى يطلع فلا يظهر على غيبه إظهارا تاما وكشفا حليل الا لرسول يوحى إليه مع ملك وحفظة ولذلك قال فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا وتعليله بقوله ليعلم ان قد ابلغوا رسالات ربهم واما الكرامات فهي من قبيل التلويح واللمحات وليسوا في ذلك كالانبياء وقد جزم الاستاذ أبو إسحاق بان كرامات الاولياء لا تضاهي ما هو معجزة للانبياء وقال أبو بكر بن فورك الانبياء مأمورون باظهارها والولي يجب عيه اخفاؤها والنبي يدعى ذلك بما يقطع به بخلاف الولي فإنه لا يأمن الاستدراج وفي الآية رد على المنجمين وعلى كل من يدعي انه يطلع على ما سيكون من حياة أو موت أو غير ذلك لانه مكذب للقرآن وهم أبعد شئ من الارتضا مع سلب صفة الرسلية عنهم وقوله في أول حديث بن عمر مفاتيح الغيب إلى ان قال لا يعلم ما تغيض الارحام الا الله فوقع في معظم الروايات لا يعلم ما في الارحام الا الله واختلف في معنى الزيادة والنقصان على أقوال فقيل ما ينقص من الخلقة وما يزداد فيها وقيل ما ينقص من التسعة الاشهر في الحمل وما يزداد في النفاس إلى الستين وقيل ما ينقص بظهور الحيض في الحبل بنقص الولد وما يزداد على التسعة الاشهر بقدر ما حاضت وقيل ما ينقص في الحمل بانقطاع الحيض وما يزداد بدم النفاس من بعد الوضع وقيل ما ينقص من الاولاد قبل وما يزداد من الاولاد بعد وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به استعار للغيب مفاتيح اقتداء بما نطق به الكتاب العزيز وعنده مفاتح الغيب وليقرب الامر على السامع لان أمور الغيب لا يحصيها الا عالمها وأقرب الاشياء إلى الاطلاع على ما غاب الابواب والمفاتيح أيسر الاشياء لفتح الباب فإذا كان أيسر الاشياء لا يعرف موضعها فما فوقها احرى ان لا يعرف قال والمراد بنفي العلم عن الغيب الحقيقي فان لبعض الغيوب أسبابا قد يستدل بها عليها لكن ليس ذلك حقيقيا قال فلما كان جميع ما في الوجود محصورا في علمه شبهه المصطفى بالمخازن واستعار لبابها المفتاح وهو كما قال تعالى وان من شئ الا عندنا خزائنه قال والحكمة في جعلها خمسا الاشارة إلى حصر العوالم فيها ففي قوله وما تغيض الارحام إشارة إلى ما يزيد في النفس وينقص وخص الرحم بالذكر لكون الاكثر يعرفونها بالعادة ومع ذلك فنفى ان يعرف أحد حقيقتا فغيرها بطريق الاولى وفي قوله ولا يعلم متى يأتي المطر إشارة إلى أمور العالم العلوي وخص المطر مع ان له أسبابا قد تدل بجري العادة على وقوعه لكنه من غير تحقيق وفي قوله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إشارة إلى أمور العالم السفلي مع ان عادة أكثر الناس ان يموت ببلده ولكن ليس ذلك حقيقة بل لو مات في بلده لا يعلم في بقعة يدفن منها ولو كان هناك مقبرة لاسلافه بل قبر أعده هو له وفي قوله ولا يعلم ما في غد الا الله إشارة إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث وعبر بلفظ غد لتكون حقيقته أقرب الازمنة وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه مع إمكان الامارة والعلامة فما بعد عنه أولى وفي قوله ولا يعلم متى تقوم الساعة الا الله إشارة إلى علوم الآخرة فان يوم القيامة أولها وإذا نفى علم الاقرب انتفى علم ما بعده فجمعت الآية أنواع الغيوب وأزالت جميع الدعاوى الفاسدة
[ 310 ]
وقد بين بقوله تعالى في الآية الاخرى وهي قوله تعالى فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول ان الاطلاع على شئ من هذه الامور لا يكون الا بتوفيق انتهى ملخصا (0) قوله باب قول الله تعالى السلام المؤمن كذا للجميع وزاد بن بطال المهيمن وقال غرضه بهذا الباب اثبات أسماء من أسماء الله تعالى ثم ذكر بعض ما ورد في معانيها وفيما ذكره نظر سلمنا لكن وظيفة الشارح بيان وجه تخصيص هذه الاسماء الثلاثة بالذكر دون غيرها وافرادها بترجمة ويمكن ان يكون أراد بهذا القدر جميع الآيات الثلاث المذكورة في آخر سورة الحشر بأنها ختمت بقوله تعالى له الاسماء الحسنى وقد قال في سورة الاعراف ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها فكأنه بعد اثبات حقيقة القدرة والقوة والعلم أشار إلى ان الصفات السمعية ليست محصورة في عدد معين بدليل الآية المذكورة أو أراد الاشارة إلى ذكر الاسماء التي تسمى الله تعالى بها وأطلقت مع ذلك على المخلوقين فالسلام ثبت في القرآن وفي الحديث الصحيح انه من أسماء الله تعالى وقد اطلق على التحية والواقعة بين المؤمنين والمؤمن يطلق على من اتصف بالايمان وقد وقعا معا من غير تخلل بينهما في الآية المشار إليها فناسب ان يذكرهما في ترجمة واحدة وقال أهل العلم معنى السلام في حقة سبحانه وتعالى الذي سلم المؤمنون من عقوبته وكذا في تفسير المؤمن الذي امن المؤمنون من عقوبته وقيل السلام من سلم من كل نقص وبرئ من كل آفة وعيب فهي صفة سلبية وقيل المسلم على عباده لقوله سلام قولا من رب رحيم فهي صفة كلامية وقيل الذي سلم الخلق من ظلمة وقيل منه السلامة لعباده فهي صفة فعلية وقيل المؤمن الذي صدق نفسه وصدق اولياءه وتصديقه علمه بأنه صادق وأنهم صادقون وقيل الموحد لنفسه وقيل خالق الامن وقيل واهب الامن وقيل خالق الطمأنينة في القلوب واما المهيمن فان ثبت في الرواية فقد تقدم ما فيه في التفسير ومما يستفاد ان بن قتيبة ومن تبعه كالخطابي زعموا انه مفيعل من الامن قلبت الهمز هاء وقد تعقب ذلك امام الحرمين ونقل إجماع العلماء على ان أسماء الله لا تصغر ونقل البيهقي عن الحليمي ان المهيمن معناه الذي لا ينقص الطائع من ثوابه شيئا ولو كثر ولا يزيد العاصي عقابا على ما يستحقه لانه لا يجوز عليه الكذب وقد سمي الثواب والعقاب جزاء وله ان يتفضل بزيادة الثواب ويعفو عن كثير من العقاب قال البيهقي هذا شرح قول أهل التفسير في المهيمن انه الامين ثم ساق من طريق التيمي عن بن عباس في قوله مهيمنا عليه قال مؤتمنا ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس المهيمن الامين ومن طريق مجاهد قال المهيمن الشاهد وقيل المهيمن الرقيب على الشئ والحافظ له وقيل الهيمنة القيام على الشئ قال الشاعر الا ان خير الناس بعد نبيه مهيمنه التاليه في العرف والنكر يريد القائم على الناس بعده بالرعاية لهم انتهى ويصح ان يريد الامين عليهم فيوافق ما تقدم ثم ذكر حديث بن مسعود في التشهد وسنده كله كوفيون وأحمد بن يونس هو بن عبد الله بن يونس اليربوعي نسب لجده وزهير هو بن معاوية الجعفي ومغيرة هو بن مقسم الضبي وشقيق بن سلمة هو أبو وائل مشهور بكنيته وباسمه معا وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق أحمد بن يحيى الحلواني عن أحمد بن يونس فقال حدثنا زهير بن معاوية حدثنا مغيرة الضبي وساق المتن مثله
[ 311 ]
سواء وضاق على الاسماعيلي مخرجه فاكتفى برواية عثمان بن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة وساقه نحوه من رواية زهير وقد أخرجه النسائي من طريق شعبة عن مغيرة بسند وقوله (6946) في المتن فنقول السلام على الله هكذا اختصره مغيرة وزاد في رواية الاعمش من عباده وفي لفظ مضى في الاستئذان قبل عباده السلام على جبريل الخ وقد تقدم بيان ذلك مفصلا في كتاب الصلاة في أواخر صفة الصلاة من قبل كتاب الجمعة ولله الحمد (0) قوله باب قول الله تعالى ملك الناس قال البيهقي الملك والمالك هو الخاص الملك ومعناه في حق الله تعالى القادر على الايجاد وهي صفة يستحقها لذاته وقال الراغب الملك المتصف بالامر والنهي وذلك يختص بالناطقين ولهذا قال ملك الناس ولم يقل ملك الاشياء قال واما قوله ملك يوم الدين فتقديره الملك في يوم الدين لقوله لمن الملك اليوم انتهى ويحتمل ان يكون خص الناس بالذكر في قوله تعالى ملك الناس لان المخلوقات جماد ونام والنامي صامت وناطق والناطق متكلم وغير متكلم فاشرف الجميع المتكلم وهم ثلاثة الانس والجن والملائكة وكل من عداهم جائز دخوله تحت قبضتهم وتصرفهم وإذا كان المراد بالناس في الآية المتكلم فمن ملكوه في ملك من ملكهم فكان في حكم ما لو قال ملك كل شئ مع التنويه بذكر الاشرف وهو المتكلم قوله فيه بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أي يدخل في هذا الباب حديث بن عمر ومراده حديثه الآتي بعد اثني عشر بابا في ترجمة قوله تعالى لما خلقت بيدي وسيأتي شرحه هناك ان شاء الله تعالى ثم ذكر حديث أبي هريرة يقبض الله الارض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول انا الملك أين ملوك الارض أخرجه من رواية يونس وهو بن يزيد عن بن شهاب بسنده ثم قال وقال شعيب والزبيدي وابن مسافر وإسحاق بن يحيى عن الزهري وعن أبي سلمة مثله كذا وقع لابي ذر وسقط لغيره لفظ مثله وليس المراد ان أبا سلمة أرسله بل مراده أنه اختلف على بن شهاب وهو الزهري في شيخه فقال يونس هو سعيد بن المسيب وقال الباقون أبو سلمة وكل منهما يرويه عن أبي هريرة فاما رواية شعيب وهو بن أبي حمزة الحمصي فستأتي في الباب المشار إليه في الحديث المعلق آنفا فإنه قال هناك وقال أبو اليمان أنا شعيب فذكر طرفا من المتن وقد وصله الدارمي قال حدثنا الحكم بن نافع وهو أبو اليمان فذكره وفيه سمعت أبا سلمة يقول قال أبو هريرة وكذا أخرجه بن خزيمة في كتاب التوحيد من صحيحه عن محمد بن يحيى الذهلي عن أبي اليمان واما رواية الزبيدي بضم الزاي بعدها موحدة وهو محمد بن الوليد الحمصي فوصلها بن خزيمة أيضا من طريق عبد الله بن سالم عنه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأما طريق بن مسافر وهو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي أمير مصر نسب لجده فتقدمت موصولة في تفسير سورة الزمر من طريق الليث بن سعد عنه كذلك وأما رواية إسحاق بن يحيى وهو الكلبي فوصلها الذهلي في الزهريات قال الاسماعيلي وافق الجماعة عبيد الله بن زياد الرصافي في أبي سلمة قلت وأخرجه بن أبي حاتم من طريق الصدفي عن الزهري كذلك ونقل بن خزيمة عن محمد بن يحيى الذهلي ان الطريقين محفوظان انتهى وصنيع البخاري يقتضي ذلك وان كان الذي تقتضيه القواعد ترجيح رواية شعيب لكثرة من تابعه لكن يونس كان من خواص الزهري الملازمين له قال بن بطال قوله تعالى ملك الناس داخل في معنى التحيات لله أي الملك لله وكأنه صلى الله عليه
[ 312 ]
وسلم أمرهم بان يقولوا التحيات لله امتثالا لامر ربه قل أعوذ برب الناس ملك الناس ووصفه بأنه ملك الناس يحتمل وجهين أحدهما ان يكون بمعنى القدرة فيكون صفة ذات وان يكون بمعنى القهر والصرف عما يريدون فيكون صفة فعل قال وفي الحديث اثبات اليمين صفة لله تعالى من صفات ذاته وليست جارحة خلافا للمجسمة انتهى ملخصا والكلام على اليمين يأتي في الباب المشار إليه ولم يعرج على التوفيق بين الحديث والترجمة والذي يظهر لي انه أشار إلى ما قاله شيخه نعيم بن حماد الخزاعي قال بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية وجدت في كتاب أبي عمر نعيم بن حماد قال يقال للجهمية أخبرونا عن قول الله تعالى بعد فناء خلقه لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيرد على نفسه لله الواحد القهار وذلك بعد انقطاع ألفاظ خلقه بموتهم أفهذا مخلوق انتهى وأشار بذلك إلى الرد على من زعم ان الله يخلق كلاما فيسمعه من شاء لان الوقت الذي يقول فيه لمن الملك اليوم لا يبقى حينئذ مخلوق حيا فيجيب نفسه فيقول لله الواحد القهار فثبت انه يتكلم بذلك وكلامه صفة من صفات ذاته فهو غير مخلوق وعن أحمد بن سلمة عن إسحاق بن راهويه قال صح ان الله يقول بعد فناء خلقه لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول لنفسه لله الواحد القهار قال ووجدت في كتاب عند أبي عن هشام بن عبيد الله الرازي قال إذا مات الخلق ولم يبق الا الله وقال لمن الملك اليوم فلا يجبه أحد فيرد على نفسه فيقول لله الواحد القهار قال فلا يشك أحدا ان هذا كلام الله وليس بوحي إلى أحد لانه لم تبقى نفس فيها روح الا وقد ذاقت الموت والله هو القائل وهو المجيب لنفسه قلت وفي حديث الصور الطويل الذي تقدمت الاشارة إليه في أواخر كتاب الرقاق في صفة الحشر فإذا لم يبق الا الله كان آخرا كما كان أولا طوى السماء والارض ثم دحاها ثم تلقفهما ثم قال أنا الجبار ثلاثا ثم قال لمن الملك اليوم ثلاثا ثم قال لنفسه لله الواحد القهار قال الطبري في قوله تعالى يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ لمن الملك اليوم يعني يقول الله لمن الملك فترك ذكر ذلك استغناء لدلالة الكلام عليه قال وقوله لله الواحد القهار ذكر ان الرب جل جلاله هو القائل ذلك مجيبا لنفسه ثم ذكر الرواية بذلك من حديث أبي هريرة الذي أشرت إليه وبالله التوفيق (0) قوله باب قول الله تعالى وهو العزيز الحكيم سبحان ربك رب العزة عما يصفون ولله العزة ولرسوله اما الآية الاولى فوقعت في عدة صور وتكررت في بعضها وأول موضع وقع فيه وهو العزيز الحكيم في سورة إبراهيم واما مطلق العزيز الحكيم فأول ما وقع في البقرة في دعاء إبراهيم عليه السلام لاهل مكة ربنا وابعث فيهم رسولا منهم الآية وآخرها انك أنت العزيز الحكيم وتكرر العزيز الحكيم ووعزيز حكيم بغير لام فيهما في عدة من السور واما الآية الثانية ففي إضافة العزة إلى الربوبية إشارة إلى ان المراد بها هنا القهر والغلبة ويحتمل ان تكون الاضافة للاختصاص كأنه قيل ذو العزة وانها من صفات الذات ويحتمل ان يكون المراد بالعزة هنا العزة الكائنة بين الخلق وهي مخلوقة فيكون من صفات الفعل فالرب على هذا بمعنى الخالق والتعريف في العزة للجنس فإذا كانت العزة كلها لله فلا يصح ان يكون أحد معتزا الا به ولا عزة لاحد الا وهو مالكها واما الآية الثالثة فيعرف حكمها من الثانية وهي بمعنى الغلبة لانها جاءت جوابا لمن ادعى انه الاعز وان ضده الاذل فيرد عليه بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فهو كقوله كتب الله لاغلبن انا ورسلي ان الله قوي عزيز
[ 313 ]
قوله ومن حلف بعزة الله وصفاته كذا للاكثر وفي رواية المستملي وسلطانه بدل وصفاته والاول أولى وقد تقدم في الايمان والنذور باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلامه وتقدم توجيهه هناك قال بن بطال العزيز يتضمن العزة والعزة يحتمل ان تكون صفة ذات بمعنى القدرة والعظمة وان تكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته والغلبة لهم ولذلك صحت إضافة اسمه إليها قال ويظهر الفرق بين الحالف بعزة الله التي هي صفة ذاته والحالف بعزة الله التي صفة فعله بأنه يحنث في الاولى دون الثانية بل هو منهي عن الحلف بها كما نهى عن الحلف بحق السماء وحق زيد قلت وإذا اطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين الا ان قصد خلاف ذلك بدليل أحاديث الباب وقال الراغب العزيز الذي يقهر ولا يقهر فال العزة التي لله هي الدائمة الباقية وهي العزة الحقيقية الممدوحة وقد تستعار العزة للحمية والانفة فيوصف بها الكافر والفاسق وهي صفة مذمومة ومنه قوله تعالى أخذته العزة بالاثم وأما قوله تعالى من كان يريد العزة فلله العزة جميعا فمعناه من كان يريد أن يعز فليكتسب العزة من الله فانها له ولا تنال الا بطاعته ومن ثم أثبتها لرسوله وللمؤمنين فقال في الآية الاخرى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وقد ترد العزة بمعنى الصعوبة كقوله تعالى عزيز عليه من عنتم وبمعنى الغلبة ومنه وعزني في الخطاب وبمعنى القلة كقولهم شاة عزوز إذا قل لبنها وبمعنى الامتناع ومنه قولهم أرض عزاز بفتح أوله مخففا أي صلبه وقال البيهقي العزة تكون بمعنى القوة فترجع إلى معنى القدرة ثم ذكر نحوا مما ذكره بن بطال والذي يظهر ان مراد البخاري بالترجمه اثبات العزة لله ردا على من قال انه العزيز بلا عزة كما قالوا العليم بلا علم ثم ذكر في الباب خمسة أحاديث الحديث الاول قوله وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم تقول جهنم قط قط وعزتك هذا طرف من حديث تقدم موصولا في تفسير سورة ق مع شرحه ويأتي مزيد كلام فيه في باب قوله ان رحمة الله قريب من المحسنين وقد ذكره موصولا هنا في آخر الباب والمراد منه النبي صلى الله عليه وسلم نقل عن جهنم انها تحلف بعزة الله وأقرها على ذلك فيحصل المراد سواء كانت هي الناطقة حقيقة اما الناطق غيرها كالموكلين بها الحديث الثاني قوله وقال أبو هريرة الخ هو طرف من حديث طويل تقدم مع شرحه في آخر كتاب الرقاق والمراد منه قوله لا وعزتك وتوجيهه كما في الذي قبله الحديث الثالث قوله قال أبو سعيد الخ هو طرف من حديث مذكور في آخر حديث أبي هريرة الذي قبله ويستفاد منه ان أبا سعيد وافق أبا هريرة على رواية الحديث المذكور الا ما ذكره من الزيادة في قوله عشرة أمثاله الحديث الرابع قوله وقال أيوب عليه السلام وعزتك لا غنى بي عن بركتك كذا في رواية الاكثر وللمستملي لا غناء وهو بفتح الغين المعجمة ممدودا وكذا لابي ذر عن السرخسي وتقدم بيانه في كتاب الايمان والنذور وهو طرف من حديث لابي هريرة وقد تقدم موصولا في كتاب الطهارة وأوله بينا أيوب يغتسل وتقدم أيضا في أحاديث الانبياء مع شرحه وتقدم توجيه الدلالة منه في الايمان والنذور ووقع في رواية الحاكم لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادا من ذهب الحديث الحديث الخامس حديث بن عباس (6948) قوله أبو معمر هو عبد الله بن عمرو المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف وعبد الوارث هو بن سعيد وحسين المعلم هو بن ذكوان ويحيى بن يعمر بفتح أوله والميم وسكون المهملة بينهما ويجوز ضم ميمه قوله كان يقول أعوذ
[ 314 ]
بعزتك الذي لا اله الا أنت قال الكرماني العائد للموصل محذوف لان المخاطب نفس المرجوع إليه فيحصل الارتباط ومثله أنا الذي سمتني أمي حيدرة لان نسق الكلام سمته أمه قوله الذي لا يموت بلفظ الغائب للاكثر وفي بعضها بلفظ الخطاب قوله والجن والانس يموتون استدل به على ان الملائكة لا تموت ولا حجة فيه لانه مفهوم لقب ولا اعتبار له وعلى تقديره فيعارضه ما هو أقوى منه وهو عموم قوله تعالى كل شئ هالك الا وجهه مع انه لا مانع من دخولهم في مسمى الجن لجامع ما بينهم من الاستتار عن عيون الانس وقد تقدمت بقية الكلام عليه في الدعوات وفي الايمان والنذور في الباب المشار إليه منه ثم ذكر حديث أنس من ثلاث أوجه عن قتادة وقد تقدم لفظ شعبة في تفسير ق وساقه هنا على لفظ خليفة وهو بن خياط البصري ولقبه شباب بفتح المعجمة وتخفيف الموحدة وآخره موحدة ووقع في رواية شعبة عنه لا يزال يلقى في النار وفي رواية سعيد وهو بن أبي عروبة وسليمان هو التيمي والد معتمر كلاهما عن قتادة لا يزال يلقى فيها والضمير في هذه الرواية لغير مذكور قبله وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق العباس بن الوليد عن يزيد بن زريع ومن طريق أبي الاشعث عن المعتمر بهذين السندين وفي أوله لا تزال جهنم يلقى فيها (6949) قوله حتى يضع فيها رب العالمين قدمه في رواية أبي الاشعث حتى يضع الله فيها قدمه وفي رواية عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عند مسلم حتى يضع فيها رب العزة ولم يقع في رواية شعبة بيان من يضع وتقدم في تفسير سورة ق من حديث أبي هريرة فيضع الرب قدمه عليها وذكر فيه شرحه وذكر من رواه بلفظ الرجل وشرحه أيضا قوله وتقول قد قد بفتح القاف وسكون الدال وبكسرها أيضا بغير اشباع وذكر بن التين انها رواية أبي ذر وتقدم في تفسير سورة ق ذكر من رواه بلفظ قدني ومن رواه بلفظ قط قط وبيان الاختلاف فيها أيضا وشرح معانيها مع بقية الحديث قوله بعزتك وكرمك كذا ثبت عند الاسماعيلي في رواية يزيد ابن زريع عن يزيد بن أبي عروبة ووقع في رواية عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عند مسلم بدون قوله وكرمك ويؤخذ منه مشروعية الحلف بكرم الله كما شرع الحلف بعزة الله قوله ولا تزال الجنة تفضل كذا لهم بصيغة الفعل المضارع ووقع في رواية المستملي بموحدة مكسورة وفاء مفتوحة وضاد معجمة ساكنة وكأن الباء للمصاحبة قال الكرماني روى البخاري هذا الحديث من ثلاث طرق الاولى عن شيخة يعني بن أبي الاسود واسمه عبد الله بن محمد بالتحديث والثانية بالقول يعني قوله وقال لي خليفة وكان ينبغي ان يزيد فيه بالقول المصاحب لحرف الجر للفرق بينه وبين القول المجرد قال والثالث بالتعليق يعني قوله وعن معتمر لان هذا الثالث ليس تعليقا بل هو موصول معطوف على قوله حدثنا يزيد بن زريع فالتقدير وقال لي خليفة عن معتمر وبهذا جزم أصحاب الاطراف قال المزي حديث لا تزال يلقى الحديث خ في التوحيد قال لي خليفة عن معتمر عن أبيه وقال أبو نعيم في المستخرج بعد تخريجه رواه البخاري عن خليفة عن يزيد بن زريع عن سعيد وعن المعتمر عن أبيه قال وحديث سليمان التيمي غير مرفوع قلت وكذا لم يصرح الاسماعيلي برفعه لما أخرجه من طريق أبي الاشعث عن المعتمر (0) قوله باب قول الله تعالى وهو الذي خلق السماوات والارض بالحق كأنه أشار بهذه الترجمة إلى ما ورد في تفسير هذه الآية ان معنى قوله بالحق أي بكلمة الحق وهو قوله كن ووقع في أول حديث الباب قولك الحق فكأنه
[ 315 ]
أشار إلى ان المراد بالقول الكلمة وهي كن والله أعلم ونقل بن التين عن الداودي ان الباء هنا بمعنى اللام أي لاجل الحق وقال بن بطال المراد بالحق هنا ضد الهزل والمراد بالحق في الاسماء الحسنى الموجود الثابت الذي لا يزول ولا يتغير وقال الراغب الحق في الاسماء الحسنى الموجد بحسب ما تقتضيه الحكمة قال ويقال لكل موجود من فعله بمقتضى الحكمة حق ويطلق على الاعتقاد في الشئ المطابق لما دل ذلك الشئ عليه في نفس الامر وعلى الفعل الواقع بحسب ما يجب قدرا وزمانا وكذا القول ويطلق على الواجب واللازم والثابت والجائز ونقل البيهقي في كتاب الاسماء والصفات عن الحليمي قال الحق ما لا يسيغ إنكاره ويلزم إثباته والاعتراف به ووجود الباري أولى ما يجب الاعتراف به ولا يسيغ جحوده إذ لا مثبت تظاهرت عليه البينة الباهرة ما تظاهرت على وجوده سبحانه وتعالى وذكر البخاري فيه حديث بن عباس في الدعاء عند قيام الليل وفيه اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والارض وقد تقدم شرحه وبيان اختلاف ألفاظه في كتاب التهجد قبيل كتاب الجنائز وذكر في كتاب الدعوات أيضا قال بن بطال قوله رب السماوات والارض يعني خالق السماوات والارض وقوله بالحق أي انشأهما بحق وهو كقوله تعالى ربنا ما خلقت هذا باطلا أي عبثا وقوله (6950) في السند سفيان هو الثوري وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي وقوله عن سليمان هو بن أبي مسلم الاحول المكي وفي رواية عبد الرزاق عن بن جريج أخبرني سليمان وسيأتي وقوله (6951) في آخره حدثنا ثابت بن محمد حدثنا سفيان بهذا يعني بالسند المذكور والمتن وقوله وقال أنت الحق وقولك الحق يشير إلى ان رواية قبيصة سقط منها قوله أنت الحق فان أولها قولك الحق وثبت قوله في أوله أنت الحق في رواية ثابت بن محمد كما سيأتي سياقه بتمامه في باب قول الله تعالى وجوه يومئذ ناضرة وكذا في رواية عبد الرزاق المشار إليها وكذا وقع في رواية يحيى بن آدم عن سفيان الثوري عند النسائي والله أعلم (0) قوله باب وكان الله سميعا بصيرا قال بن بطال غرض البخاري في هذا الباب الرد على من قال ان معنى سميع بصير عليم قال ويلزم من قال ذلك ان يسويه بالاعمى الذي يعلم أن السماء خضراء ولا يراها والاصم الذي يعلم أن في الناس أصواتا ولا يسمعها ولا شك ان من سمع وأبصر ادخل في صفة الكمال ممن انفرد بأحدهما دون الآخر فصح ان كونه سميعا بصيرا يفيد قدرا زائدا على كونه عليما وكونه سمعيا بصيرا يتضمن انه يسمع بسمع ويبصر ببصر كما تضمن كونه عليما انه يعلم بعلم ولا فرق بين اثبات كونه سميعا بصيرا وبين كونه ذا سمع وبصر قال وهذا قول أهل السنة قاطبة انتهى واحتج المعتزلي بأن السمع ينشأ عن وصول الهواء المسموع إلى العصب المفروش في أصل الصماخ والله منزه عن الجوارح وأجيب بأنها عادة اجراها الله تعالى فيمن يكون حيا فيخلقه الله عند وصول الهواء إلى المحل المذكور والله سبحانه وتعالى يسمع المسموعات بدون الوسائط وكذا يرى المرأيات بدون المقابلة وخروج الشعاع فذات الباري مع كونه حيا موجودا لا تشبه الذوات فكذلك صفات ذاته لا تشبه الصفات وسيأتي مزيد لهذا في باب وكان عرشه على الماء وقال البيهقي في الاسماء والصفات السميع من له سمع يدرك به المسموعات والبصير من له بصر يدرك به المرئيات وكل منهما في حق الباري صفة قائمة بذاته وقد أفادت الآية وأحاديث الباب الرد على من زعم أنه سميع
[ 316 ]
بصير بمعنى عليم ثم ساق حديث أبي هريرة الذي أخرجه أبو داود بسند قوي على شرط مسلم من رواية أبي يونس عن أبي هريرة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها يعني قوله تعالى ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها إلى قوله تعالى ان الله كان سميعا بصيرا ويضع أصبعيه قال أبو يونس وضع أبو هريرة إبهامه على اذنه والتي تليها على عينه قال البيهقي وأراد بهذه الاشارة تحقيق اثبات السمع والبصر لله ببيان محلهما من الانسان يريد ان له سمعا وبصرا لا ان المراد به العلم فلو كان كذلك لاشار إلى القلب لانه محل العلم ولم يرد بذلك الجارحه فان الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقين ثم ذكر لحديث أبي هريرة شاهدا من حديث عقبة بن عامر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر ان ربنا سميع بصير وأشار إلى عينيه وسنده حسن وسيأتي في باب ولتصنع على عيني حديث ان الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينه وسيأتي شرح ذاك هناك وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رفعه ان الله لا ينظر إلى صوركم واموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وفي حديث أبي جري الهجيمي رفعه ان رجلا ممن كان قبلكم لبس بردتين يتبختر فيهما فنظر الله إليه فمقته الحديث وقد مضى في اللباس حديث بن عمر رفعه لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء وفي الكتاب العزيز ولا ينظر إليهم وورد في السمع قول المصلي سمع الله لمن حمده وسنده صحيح متفق عليه بل مقطوع بمشروعيته في الصلاة ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث أحدها قوله قال الاعمش عن تميم هو بن سلمة الكوفي تابعي صغير وثقه يحيى بن معين ووصل حديثه المذكور أحمد والنسائي وابن ماجة باللفظ المذكور هنا وأخرجه بن ماجة أيضا من رواية أبي عبيدة بن معن عن الاعمش بلفظ تبارك وسياقه أتم وليس لتميم المذكور عن عروة في الصحيحين سوى هذا الحديث وآخر عند مسلم قال بن التين قول البخاري قال الاعمش مرسل لانه لم يلقه قال الشيخ أبو الحسن ولهذا لم يذكره في تفسير سورة المجادلة انتهى وتسمية هذا مرسلا مخالف للاصطلاح والتعليل ليس بمستقيم فان في الصحيح عدة أحاديث معلقة لم تذكر في تفسير الآية التي تتعلق بها قوله وسع سمعه الاصوات في رواية أبي عبيدة بن معن كل شئ بدل الاصوات قال بن بطال معنى قولها وسع أدرك لان الذي وصف بالاتساع يصح وصفه بالضيق وذلك من صفات الاجسام فيجب صرف قولها عن ظاهره والحديث ما يقتضي التصريح بأن له سمعا وكذا جاء ذكر البصر في الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي موسى مرفوعا حجابه النور لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره قوله فأنزل الله تعالى على نبيه قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها هكذا أخرجه وتمامه عند أحمد وغيره ممن ذكرت بعد قوله الاصوات لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلمه في جانب البيت ما أسمع ما تقول فانزل الله الآية ومرادها بهذا النفي مجموع القول لان في رواية أبي عبيدة بن معن اني لاأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفي علي بعضه وهي تشتكي زوجها وهي تقول أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني الحديث فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله وهذا أصح ما ورد في قصة المجادلة وتسميتها وقد أخرج أبو داود وصححه بن حبان من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت الحديث وهذا يحمل على ان أسمها كان ربما صغر
[ 317 ]
وان كان محفوظا فتكون نسبت في الرواية الاخرى لجدها وقد تظاهرت الروايات بالاول ففي مرسل محمد بن كعب القرظي عند الطبراني كانت خولة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصامت فقال لها أنت علي كظهر أمي وعند بن مردويه من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس ان أوس ابن الصامت تظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة وعنده أيضا من مرسل أبي العالية كانت خولة بنت دليح تحت رجل من الانصار سئ الخلق فنازعته في شئ فقال أنت علي كظهر أمي ودليح بمهملتين مصغر لعله من اجدادها وأخرج أبو داود من رواية حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه ان جميلة كانت تحت أوس بن الصامت ووصله من وجه آخر عن عائشة والراوية المرسلة أقوى وأخرجه بن مردويه من رواية إسماعيل بن عياش عن هشام عن أبيه عن أوس ابن الصامت وهو الذي ظاهر من امرأته ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة وهذا منها فان كان حفظه فالمراد بقوله عن أوس بن الصامت أي عن قصة أوس لا أن عروة حمله عن أوس فيكون مرسلا كالرواية المحفوظة وان كان الراوي حفظها انها جميلة فلعله كان لقبها واما ما أخرجه النقاش في تفسيره بسند ضعيف إلى الشعبي قال المرأة التي جادلت في زوجها هي خولة بنت الصامت وأمها معاذة امة عبد الله بن أبي التي نزل فيها ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء وقوله بنت الصامت خطأ فان الصامت والد زوجها كما تقدم فلعله سقط منه شئ وتسمية أمها غريب وقد مضى ما يتعلق بالظهار في النكاح الحديث الثاني (6952) قوله عن أبي عثمان هو عبد الرحمن بن مل النهدي والسند كله بصريون وقد مضى شرح المتن في كتاب الدعوات وقوله أربعوا بفتح الموحدة أي أرفقوا بضم الفاء وحكى بن التين انه وقع في روايته بكسر الموحدة وانه في كتب أهل اللغة وبعض كتب الحديث بفتحها وقوله فانكم لا تدعون أصم الخ قال الكرماني لو جاءت الرواية لا تدعون أصم ولا اعمى لكان أظهر في المناسبة لكنه لما كان الغائب كالاعمى في عدم الرؤية نفى لازمه ليكون أبلغ وأشمل وزاد قريبا لان البعيد وان كان ممن يسمع ويبصر لكنه لبعده قد لا يسمع ولا يبصر وليس المراد قرب المسافة لانه منزه عن الحلول كما لا يخفى ومناسبة الغائب ظاهرة من أجل النهي عن رفع الصوت قال بن بطال في هذا الحديث نفى الآفة المانعة من السمع والآفة المانعة من النظر واثبات كونه سميعا بصيرا قريبا يستلزم ان لا تصح أضداد هذه الصفات عليه وقوله في آخره أو قال الا أدلك شك من الراوي هل قال يا عبد الله بن قيس قل لا حول ولا قوة الا بالله فانها كنز من كنوز الجنة أو قال يا عبد الله بن قيس ألا أدلك وقوله بعد قوله ألا أدلك به أي ببقية الخبر وقد ذكره في الدعوات في باب الدعاء إذا علا عقبة فساق الحديث بهذا الاسناد بعينه وقال بعد قوله الا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة لا حول ولا قوة الا بالله الحديث الثالث حديث عبد الله بن عمرو ان أبا بكر يعني الصديق قال يا رسول الله علمني دعاء الحديث وقد تقدم في أواخر صفة الصلاة وفي الدعوات مع شرحه وبيان من جعله من رواية عبد الله بن عمرو عن أبي بكر الصديق فجعله من مسند أبي بكر وأشار بن بطال إلى ان مناسبته للترجمة ان دعاء أبي بكر لما علمه النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي ان الله سميع لدعائه ومجازيه عليه وقال غيره حديث أبي بكر ليس مطابقا للترجمة إذ ليس فيه ذكر صفتي السمع والبصر لكنه ذكر لازمهما من جهة ان فائدة الدعاء إجابة الداعي لمطلوبه فلولا أن سمعه سبحانه يتعلق
[ 318 ]
بالسر كما يتعلق بالجهر لما حصلت فائدة الدعاء أو كان يقيده بمن يجهر بدعائه انتهى من كلام بن المنير ملخصا وقال الكرماني لما كان بعض الذنوب مما يسمع وبعضها مما يبصر لم تقع مغفرته الا بعد الاسماع والابصار تنبيه المشهور في الروايات ظلما كثيرا بالمثلثة ووقع هنا للقابسي بالموحدة الحديث الرابع حديث عائشة (6954) قوله ان جبريل عليه السلام أتاني فقال ان الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك هكذا ذكر هذا القدر منه مقتصرا عليه وساقه بتمامه في بدء الخلق وتقدم شرحه هناك والمراد منه هنا قوله ان الله قد سمع وقوله ما ردوا عليك أي أجابوك ويحتمل ان يكون أراد ردهم ما دعاهم إليه من التوحيد بعدم قبولهم وقال الكرماني المقصود من هؤلاء الاحاديث اثبات صفتي السمع والبصر وهما صفتان قديمتان من الصفات الذاتية وعند حدوث المسموع والمبصر يقع التعلق واما المعتزلة فقالوا انه سميع يسمع كل مسموع وبصير يبصر كل مبصر فادعوا انهما صفتان حادثتان وظواهر الآيات والاحاديث ترد عليهم وبالله التوفيق (0) قوله باب قول الله تعالى قل هو القادر قال بن بطال القدرة من صفات الذات وقد تقدم في باب قوله تعالى اني انا الرزاق ان القوة والقدرة بمعنى واحد وتقدم نقل الاقوال في ذلك والبحث فيها قوله سمعت محمد بن المنكدر يحدث عبد الله بن الحسن أي بن الحسن بن علي بن أبي طالب وكان عبد الله كبير بني هاشم في وقته قال بن سعد كان من العباد وله عارضة وهيئة وقال مصعب الزبيدي ما كان علماء المدينة يكرمون أحدا ما يكرمونه ووثقه بن معين والنسائي وغيرهما وهو من صغار التابعين روى عن عم جده عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وله رواية عن أمه فاطمة بنت الحسين وعن غيرها ومات في حبس المنصور سنة ثلاث وأربعين ومائة وله خمس وسبعون سنة وليس له ذكر في البخاري الا في هذا الموضع وقد أفصح عبد الرحمن بن أبي الموالي بالواقع في حال تحمله ولم يتصرف فيه بأن يقول حدثني ولا أخبرني لكن أخرجه أبو داود من وجه آخر عنه فقال حدثني محمد بن المنكدر وعليه في ذلك اعتراض لاحتمال ان يكون محمد بن المنكدر لم يقصده بالتحديث وقد سلك في ذلك النسائي والبرقاني مسلك التحري فكان النسائي فيما سمعه في الحالة التي لم يقصده المحدث فيها بالتحديث لا يقول حدثنا ولا أخبرنا ولا سمعت بل يقول فلان قرأه عليه وانا اسمع وكان البرقاني يقول سمعت فلانا يقول وجوز الاكثر إطلاق التحديث والاخبار لكون المقصود بالتحديث من جنس من سمع ولو لم يكن مقصودا فيجوز ذلك عندهم لكن بصيغة الجمع فيقول حدثنا أي حدث قوما انا فيهم فسمعت ذلك منه حين حدث ولو لم يقصد بالتحديث وعلى هذا فيمتنع بالافراد بان يقول مثلا حدثني بل ويمتنع في الاصطلاح أيضا لانه مخصوص بمن سمع وحده من لفظ الشيخ ومن ثم كان التعبير بالسماع أصرح الصيغ لكونه ادل على الواقع وقد تقدم حديث الباب في صلاة الليل وفي الدعوات من وجهين آخرين عن عبد الرحمن بن أبي الموالي ذكره في كل منهما بالعنعنة قال عن محمد بن المنكدر ولم يقل سمعت ولا حدثنا وكذا أخرجه الترمذي والنسائي وهو جائز لانها صيغة محتملة فافادت هذه الرواية تعين أحد الاحتمالين وهو التصريح بسماعه ولهذا نزل فيه البخاري درجة لانه عنده في الموضعين المذكورين بواسطة واحد عن عبد الرحمن وهنا وقع بينه وبين عبد الرحمن اثنان لكن سهل عليه النزول تحصيل فائدة الاطلاع على الواقع وفيها تصريح عبد الرحمن بالسماع في موضع العنعنة فاما من يخشى من
[ 319 ]
الانقطاع الذي تحتمله العنعنة وقد وقع لي من رواية خالد بن مخلد عن عبد الرحمن قال سمعت محمد بن المنكدر يحدث عن جابر أخرجه بن ماجة وخالد من شيوخ البخاري فيحتمل ان لا يكون سمع منه هذا الحديث مع انه لم يصرح بما صرحت به الرواية النازلة من تسمية المقصود بالتحديث وهو عبد الله بن الحسن وقوله (6955) في الخبر واستقدرك بقدرتك الباء للاستعانة أو للقسم أو للاستعطاف ومعناه اطلب منك ان تجعل لي قدرة عي المطلوب وقوله فاقدره بضم الدال ويجوز كسرها أي نجزه لي ورضني بتشديد المعجمة أي اجعلني بذلك راضيا فلا أندم على طلبه ولا على وقوعه لاني لا اعلم عاقبته وان كنت حال طلبه راضيا به وقوله ويسميه بعينه في رواية خالد بن مخلد فيسميه ما كان من شئ يعني أي شئ كان وقوله ثم ليقل ظاهر في ان الدعاء المذكور يكون بعد الفراغ من الصلاة ويحتمل أن يكون الترتيب فيه بالنسبة لاذكار الصلاة ودعائها فيقوله بعد الفراغ وقبل السلام وقد تقدم سائر فوائده في كتاب الدعوات (0) قوله باب مقلب القلوب وقول الله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم قال الراغب تقليب الشئ تغييره من حال إلى حال والتقليب التصرف وتقليب الله القلوب والبصائر صرفها من رأي إلى رأي وقال الكرماني ما معناه كان يحتمل أن يكون المعنى بقوله مقلب أنه يجعل القلب قلبا لكن مظان استعماله تنشأ عنه ويستفاد منه أن اعراض القلب كالارادة وغيرها بخلق الله تعالى وهي من الصفات الفعلية ومرجعها إلى القدرة (6956) قوله حدثنا سعيد بن سليمان هو الواسطي نزيل بغداد يكنى أبا عثمان ويلقب سعدويه وكان أحد الحفاظ وابن المبارك هو عبد الله الامام المشهور وقد تقدم شرح حديث بن عمر المذكور في هذا الباب في كتاب الايمان والنذور وكذا الآية ويستفاد منهما أن أعراض القلوب من إرادة وغيرها تقع بخلق الله تعالى وفيه حجة لمن أجاز تسمية الله تعالى بما ثبت في الخبر ولو لم يتواتر وجواز اشتقاق الاسم له تعالى من الفعل الثابت وقد تقدم البحث في ذلك عند ذكر الاسماء الحسنى من كتاب الدعوات ومعنى قوله ونقلب أفئدتهم نصرفها بما شئنا كما تقدم تقريره وقال المعتزلي معناه نطبع عليها فلا يؤمنون والطبع عندهم الترك فالمعنى على هذا نتركهم وما اختاروا لانفسهم وليس هذا معنى التقليب في لغة العرب ولان الله تمدح بالانفراد بذلك ولا مشاركة له فيه فلا يصح تفسير الطبع بالترك فالطبع عند أهل السنة خلق الكفر في قلب الكافر واستمراره عليه إلى أن يموت فمعنى الحديث أن الله يتصرف في قلوب عباده بما شاء لا يمتنع عليه شئ منها ولا تفوته إرادة وقال البيضاوي في نسبة تقلب القلوب إلى الله اشعار بأنه يتولى قلوب عباده ولا يكلها إلى أحد من خلقه وفي دعائه صلى الله عليه وسلم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الانبياء ورفع توهم من يتوهم أنهم يستثنون من ذلك وخص نفسه بالذكر اعلاما بأن نفسه الزكية إذا كانت مفتقرة إلى أن تلجا إلى الله سبحانه فافتقار غيرها ممن هو دونه أحق بذلك (0) قوله باب ان لله مائة اسم الا واحدة ذكر فيه حديث أبي هريرة أن لله تسعة وتسعين اسما وقد تقدم شرحه في كتاب الدعوات وبيان من رواه باللفظ المذكور في هذه الترجمة ووقع هنا في رواية الكشميهني مائة الا واحدا بالتذكير ومائة في الحديث بدل من (6957) قوله تسعة وتسعين فعدل في الترجمة من البدل إلى المبدل وهو فصيح ويستفاد منه زيادة
[ 320 ]
توضيح ولان ذكر العقد أعلى من ذكر الكسور وأول العقود العشرات وثانيها المائة فلما قاربت العدة أعطيت حكمها وجبر الكسر بقوله مائة ثم أريد التحقق في العدد فاستثنى ولو لم يستثن لكان استعمالا غريبا سائغا قوله قال بن عباس ذو الجلال العظمة في رواية الكشميهني العظيم وعلى الاول ففيه تفسير الجلال بالعظمة وعلى الثاني هو تفسير ذو الجلال قوله البر اللطيف هو تفسير بن عباس أيضا وقد تقدم الكلام عليه وبيان من وصله عنه في تفسير سورة الطور قوله اسما قيل معناه تسمية وحينئذ لا مفهوم لهذا العدد بل له أسماء كثيرة غير هذه قوله أحصيناه حفظناه تقدم الكلام عليه وعلى معنى الاحصاء وبيان الاختلاف فيه في كتاب الدعوات قال الاصيلي الاحصاء للاسماء العمل بها لا عدها وحفظها لان ذلك قد يقع للكافر المنافق كما في حديث الخوارج يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم وقال بن بطال الاحصاء يقع بالقول ويقع بالعمل فالذي بالعمل أن لله أسماء يختص بها كالاحد والمتعال والقدير ونحوها فيجب الاقرار بها والخضوع عندها وله أسماء يستحب الاقتداء بها في معانيه كالرحيم والكريم والعفو ونحوها فيستحب للعبد ان يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها فبهذا يحصل الاحصاء العملي وأما الاحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها ولو شارك المؤمن غيره في العد والحفظ فان المؤمن يمتاز عنه بالايمان والعمل بها وقال بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية ذكر نعيم بن حماد ان الجهمية قالوا ان أسماء الله مخلوقة لان الاسم غير المسمى وادعوا أن الله كان ولا وجود لهذه الاسماء ثم خلقها ثم تسمى بها قال فقلنا لهم ان الله قال سبح اسم ربك الاعلى وقال ذلكم الله ربكم فاعبدوه فأخبر انه المعبود ودل كلامه على اسمه بما دل به على نفسه فمن زعم ان اسم الله مخلوق فقد زعم ان الله أمر نبيه ان يسبح مخلوقا ونقل عن إسحاق بن راهويه عن الجهمية ان جهما قال لو قلت ان لله تسعة وتسعين اسما لعبدت تسعة وتسعين الها قال فقلنا لهم ان الله أمر عباده ان يدعوه بأسمائه فقال ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها والاسماء جمع أقله ثلاثة ولا فرق في الزيادة على الواحد بين الثلاثة وبين التسعة والتسعين (0) قوله باب السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها قال بن بطال مقصوده بهذه الترجمة تصحيح القول بان الاسم هو المسمى فلذلك صحت الاستعاذة بالاسم كما تصح بالذات واما شبهة القدرية التي أوردوها على تعدد الاسماء فالجواب عنها ان الاسم يطلق ويراد به المسمى كما قررناه ويطلق ويراد به التسمية وهو المراد بحديث الاسماء وذكر في الباب تسعة أحاديث كلها في التبرك باسم الله والسؤال به والاستعاذة الحديث الاول حديث أبي هريرة في القول عند النوم وقد تقدم شرحه مستوفى في الدعوات وفيه باسمك ربي وضعت جني وبك أرفعه قال بن بطال أضاف الوضع إلى الاسم والرفع إلى الذات فدل على ان المراد بالاسم الذات وبالذات يستعان في الرفع والوضع لا باللفظ (6958) قوله عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال الدارقطني في غرائب مالك بعد ان أخرجه من طرق إلى عبد العزيز بن عبد الله وهو الاويسي شيخ البخاري فيه لا اعلم أحدا أسنده عن مالك الا الاويسي ورواه إبراهيم بن طهمان عن مالك عن سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا قوله فلينفضه بصنفة ثوبه الصنفة بفتح المهملة وكسر النون بعدها فاء طرته وقيل طرفه وقيل جانبه وقيل حاشيته التي فيها هدبه وقال في النهاية طرفه الذي
[ 321 ]
يلي طرته قلت وتقدم في الدعوات بلفظ داخلة إزاره وتقدم هناك معناها فالاولى هنا أن يقال المراد طرفه الذي من الداخل جمعا بين الروايتين قوله ثلاث كرات هكذا زادها مالك في الروايتين الموصولة والمرسلة وتابعه عبد الله بن عمر بسكون الموحدة وقد فرق بينهما الدارقطني في روايته المذكورة عن الاويسي عنهما وحذف البخاري عبد الله بن عمر العمري لضعفه واقتصر على مالك وقد تقدم البحث في جواز حذف الضعيف والاقتصار على الثقة إذا اشتركا في الرواية في كتاب الاعتصام وصنيع البخاري يقتضي الجواز لكن لم يطرد له في ذلك عمل فإنه حذفه تارة كما هنا وأثبته أخرى لكن كني عنه بن فلان كما مضى التنبيه عليه هناك ويمكن الجمع بأنه حيث حذفه كان اللفظ الذي ساقه للذي اقتصر عليه بخلاف الآخر قوله فاغفر لها تقدم في الدعوات بلفظ فارحمها وجمع بينهما إسماعيل بن أمية عن سعيد المقبري أخرجه المخلص في أواخر الاول من فوائده قوله عقبة تابعة يحيى يريد بن سعيد القطان وعبيد الله هو بن عمر العمري وسعيد هو المقبري وزهير هو بن معاوية وأبو ضمرة هو أنس بن عياض والمراد بإيراد هذه التعاليق بيان الاختلاف على سعيد المقبري هل روى الحديث عن أبي هريرة بلا واسطة أو بواسطة أبيه وقد تقدم بيان من وصلها كلها في كتاب الدعوات الحديث الثاني والثالث حديث حذيفة وأبي ذر في القول عند النوم أيضا وفيه اللهم باسمك أحيا واموت وقد تقدم شرحهما في الدعوات الحديث الرابع حديث بن عباس في القول عند الجماع وقد تقدم شرحه في كتاب النكاح وقوله (6961) فإنه ان يقدر بينهما ولد المراد ان كان قدر لان التقدير أزلي لكن عبر بصيغة المضارعة بالنسبة للتعلق الحديث الخامس حديث عدي في الصيد وقد تقدم شرحه في الذبائح الحديث السادس حديث عائشة في الامر بالتسمية عند الاكل وقد تقدم في الذبائح أيضا وقوله (6963) فيه تابعه محمد بن عبد الرحمن هو الطفاوي وعبد العزيز بن محمد هو الدراوردي وأسامة بن حفص هو المدني وتقدم في الذبائح بيان من وصلها وطريق الدراوردي وصلها محمد بن أبي عمر العدني في مسنده عنه وتقدم القول في هذا السند بأشبع من هذا وهناك تنبيهان أحدهما وقع قوله تابعه الخ هنا عقب حديث أبي هريرة المبدأ بذكره في هذا الباب عند كريمة والاصيلي وغيرهما والصواب ما وقع عند أبي ذر وغيره ان محل ذلك عقب حديث عائشة وهو سادس أحاديث الباب ثانيهما وقع في هذه الرواية أن هنا أقواما حديثا عهدهم بالشرك ياتونا كذا فيه بنون واحدة وهي لغة من يحذف النون مع الرفع وجوز الكرماني أن يكون بتشديد النون
[ 322 ]
مراعاة للغة المشهورة لكن التجديد في مثل هذا قليل الحديث السابع حديث أنس في الاضحية بكبشين وفيه فسمي وكبر وقد تقدم شرحه في الاضاحي الحديث الثامن حديث جندب في منع الذبح في العيد قبل الصلاة وفيه (6965) قوله فليذبح باسم الله وقد تقدم شرحه في الضحايا أيضا الحديث التاسع حديث بن عمر لا تحلفوا بآبآئكم تقدم شرحه في الايمان والنذور قال نعيم بن حماد في الرد على الجهمية دلت هذه الاحاديث يعني الواردة في الاستعاذة بأسماء الله وكلماته والسؤال بها مثل أحاديث الباب وحديث عائشة وأبي سعيد باسم الله أرقيك وكلاهما عند مسلم وفي الباب عند عبادة وميمونة وأبي هريرة وغيرهم عند النسائي وغيره بأسانيد جياد على ان القرآن غير مخلوق إذ لو كان مخلوقا لم يستعذ بها إذ لا يستعاذ بمخلوق قال الله تعالى فاستعذ بالله وقال النبي صلى الله عليه وسلم وإذا استعذت فاستعذ بالله وقال الامام أحمد في كتاب السنة قالت الجهمية لمن قال ان الله لم يزل بأسمائه وصفاته قلتم بقول النصارى حيث جعلوا معه غيره فأجابوا بأنا نقول انه واحد بأسمائه وصفاته فلا نصف الا واحدا بصفاته كما قال تعالى ذرني ومن خلقت وحيدا وصفه بالوحدة مع انه كان له لسان وعينان واذنان وسمع وبصر ولم يخرج بهذه الصفات عن كونه واحدا ولله المثل الاعلى (0) قوله باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله عزوجل أي ما يذكر في ذات الله ونعوته من تجويز إطلاق ذلك كأسمائه أو منعه لعدم ورود النص به فأما الذات فقال الراغب هي تأنيث ذو وهي كلمة يتوصل بها إلى الوصف بأسماء الاجناس والانواع وتضاف إلى الظاهر دون المضمر وتثنى وتجمع ولا يستعمل شئ منها الا مضافا وقد استعاروا لفظ الذات لعين الشئ واستعملوها مفردة ومضافة وأدخلوا عليها الالف واللام وأجروها مجزى النفس والخاصة وليس ذلك من كلام العرب انتهى وقال عياض ذات الشئ نفسه وحقيقته وقد استعمل أهل الكلام الذات بالالف واللام وغلطهم أكثر النحاة وجوزه بعضهم لانها ترد بمعنى النفس وحقيقة الشئ وجاء في الشعر لكنه شاذ واستعمال البخاري لها دال على ما تقدم من أن المراد بها نفس الشئ على طريقة المتكلمين في حق الله تعالى ففرق بين النعوت والذات وقال بن برهان إطلاق المتكلمين الذات في حق الله تعالى من جهلهم لان الذات تأنيث ذو وهو جلت عظمته لا يصح له الحاق تاء التأنيث ولهذا امتنع ان يقال علامة وان كان اعلم العالمين قال وقولهم الصفات الذاتية جهل منهم أيضا لان النسب إلى ذات ذوي وقال التاج الكندي في الرد على الخطيب بن نباتة في قوله كنه ذاته ذات بمعنى صاحبة تأنيث ذو وليس لها في اللغة مدلول غير ذلك وإطلاق المتكلمين وغيرهم الذات بمعنى النفس خطأ عند المحققين وتعقب بأن الممتنع استعماله بمعنى صاحبه اما إذا قطعت عن هذا المعنى واستعملت بمعنى الاسمية فلا محذور لقوله تعالى انه عليم بذات الصدور أي بنفس الصدور وقد حكى المطرزي كل ذات شئ وليس كل شئ ذات وأنشد أبو الحسين بن فارس فنعم بن عم القوم في ذات ماله إذا كان بعض القوم في ماله وفر ويحتمل ان تكون ذات هنا مقحمة كما في قولهم ذات ليلة وقد ذكرت ما فيه في كتاب العلم في باب العظة بالليل وقال النووي في تهذيبه واما قولهم أي الفقهاء في باب الايمان فان حلف بصفة من صفات الذات وقول المهذب اللون كالسواد والبياض اعراض تحل الذات فمرادهم بالذات
[ 323 ]
الحقيقة وهو اصطلاح المتكلمين وقد أنكره بعض الادباء وقال لا يعرف في لغة العرب ذات بمعنى حقيقة قال وهذا الانكار منكر فقد قال الواحدي في قوله تعالى فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم قال ثعلب أي الحالة التي بينكم فالتأنيث عنده للحالة وقال الزجاج معنى ذات حقيقة والمراد بالبين الوصل فالتقدير فأصلحوا حقيقة وصلكم قال فذات عنده بمعنى النفس وقال غيره ذات هنا كناية عن المنازعة فامروا بالموافقة وتقدم في اواخر النفقات شئ آخر في معنى ذات يده واما النعوت فإنها جمع نعت وهي الوصف يقال نعت فلان نعتا مثل وصفه وصفا وزنه ومعناه وقد تقدم البحث في إطلاق الصفة في أوائل كتاب التوحيد واما الاسامي فهي جمع اسم وتجمع أيضا على أسماء قال بن بطال أسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب أحدها يرجع إلى ذاته وهو الله والثاني يرجع إلى صفة قائمة به كالحي والثالث يرجع إلى فعله كالخالق وطريق إثباتها السمع والفرق بين صفات الذات وصفات الفعل ان صفات الذات قائمة به وصفات الفعل ثابتة له بالقدرة ووجود المفعول بإرادته جل وعلا قوله وقال خبيب بالمعجمة والموحدة مصغر هو بن عدي الانصاري قوله وذلك في ذات الاله يشير إلى البيت المذكور في الحديث المساق في الباب وقد تقدم شرحه مستوفى في المغازي وتقدم في كتاب الجهاد في باب هل يستأسر الرجل قوله فذكر الذات باسمه تعالى أي ذكر الذات متلبسا باسم الله أو ذكر حقيقة الله بلفظ الذات قال الكرماني قلت وظاهر لفظه ان مراده أضاف لفظ الذات إلى اسم الله تعالى وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره فكان جائزا وقال الكرماني قيل ليس فيه يعني قوله ذات الاله دلالة على الترجمة لانه لم يرد بالذات الحقيقة التي هي مراد البخاري وانما مراده وذلك في طاعة الله أو في سبيل الله وقد يجاب بأن غرضه جواز إطلاق الذات في الجملة انتهى والاعتراض أقوى من الجواب وأصل الاعتراض للشيخ تقي الدين السبكي فيما أخبرني به عنه شيخنا أبو الفضل الحافظ وقد ترجم البيهقي في الاسماء والصفات ما جاء في الذات وأورد حديث أبي هريرة المتفق عليه في ذكر إبراهيم عليه السلام الا ثلاث كذبات اثنتين في ذات الله وتقدم شرحه في ترجمة إبراهيم من أحاديث الانبياء وحديث أبي هريرة المذكور في الباب وحديث بن عباس تفكروا في كل شئ ولا تفكروا في ذات الله موقوف وسنده جيد وحديث أبي الدرداء لا تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله ورجاله ثقات الا انه منقطع ولفظ ذات في الاحاديث المذكورة بمعنى من اجل أو بمعنى حق ومثله قول حسان وان أخا الاحقاف إذا قام فيهم يجاهد في ذات الاله ويعدل وهي كقوله تعالى حكاية عن قول القائل يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله فالذي يظهر ان المراد جواز إطلاق لفظ ذات لا بالمعنى الذي أحدثه المتكلمون ولكنه غير مردود إذا عرف ان المراد به النفس لثبوت لفظ النفس في الكتاب العزيز ولهذه النكتة عقب المصنف بترجمة النفس وسيأتي في باب الوجه انه ورد بمعنى الرضا وقال بن دقيق العيد في العقيدة تقول في الصفات المشكلة انها حق وصدق على المعنى الذي اراده الله ومن تأولها نظرنا فان كان تأويله قريبا على مقتضى لسان العرب لم ننكر عليه وان كان بعيدا توقفنا عنه ورجعنا إلى التصديق مع التنزيه وما كان منها معناه ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب حملناه عليه لقوله على ما فرطت في جنب الله
[ 324 ]
فان المراد به في استعمالهم الشائع حق الله فلا يتوقف في حمله عليه وكذا قوله ان قلب بن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن فأن المراد به إرادة قلب بن آدم مصرفة بقدرة الله وما يوقعه فيه وكذا قوله تعالى فأتى الله بنيانهم من القواعد معناه خرب الله بنيانهم وقوله انما نطعمكم لوجه الله معناه لاجل الله وقس على ذلك وهو تفصيل بالغ قل من تيقظ له وقال غيره اتفق المحققون على ان حقيقة الله مخالفة لسائر الحقائق وذهب بعض أهل الكلام إلى انها من حيث انها ذات مساوية لسائر الذوات وانما تمتاز عنها بالصفات التي تختص بها كوجوب الوجود والقدرة التامة والعلم التام وتعقب بأن الاشياء المتساوية في تمام الحقيقة يجب ان يصح على كل واحد منها ما يصح على الاخر فيلزم من دعوى التساوي المحال وبان أصل ما ذكروه قياس الغائب على الشاهد وهو أصل كل خبط والصواب الامساك عن أمثال هذه المباحث والتفويض إلى الله في جميعها والاكتفاء بالايمان بكل ما أوجب الله في كتابه أو على لسان نبيه إثباته له أو تنزيهه عنه على طريق الاجمال وبالله التوفيق ولو لم يمكن في ترجيح التفويض على التأويل الا ان صاحب التأويل ليس جازما بتأويله بخلاف صاحب التفويض (0) قوله باب قول الله تعالى ويحذركم الله نفسه وقول الله تعالى تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك قال الراغب نفسه ذاته هذا وان كان يقتضي المغايرة من حيث أنه مضاف ومضاف إليه فلا شئ من حيث المعنى سوى واحد سبحانه وتعالى عن الاثنينية من كل وجه وقيل ان إضافة النفس هنا إضافة ملك والمراد بالنفس نفوس عباده انتهى ملخصا ولا يخفى بعد الاخير وتكلفه وترجم البيهقي في الاسماء والصفات النفس وذكر هاتين الآيتين وقوله تعالى كتب ربكم على نفسه الرحمة وقوله تعالى واصطنعتك لنفسي ومن الاحاديث الحديث الذي فيه أنت كما أثنيت على نفسك والحديث الذي فيه اني حرمت الظلم على نفسي وهما في صحيح مسلم قلت وفيه أيضا الحديث الذي فيه سبحان الله رضا نفسه ثم قال والنفس في كلام العرب على أوجه منها الحقيقة كما يقولون في نفس الامر وليس للامر نفس منفوسه ومنها الذات قال وقد قيل في قوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك أن معناه تعلم ما أكنه وما أسره ولا أعلم ما تسره عني وقيل ذكر النفس هنا للمقابلة والمشاكلة وتعقب بالآية التي في أول الباب فليس فيها مقابلة وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى ويحذركم الله نفسه أي إياه وحكى صاحب المطالع في قوله تعالى ولا أعلم ما في نفسك ثلاثة أقوال أحدها لا أعلم ذاتك ثانيها لا أعلم ما في غيبك ثالثا لا أعلم ما عندك وهو بمعنى قول غيره لا أعلم معلومك أو ارادتك أو سرك أو ما يكون منك ثم ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث عبد الله وهو بن مسعود ما من أحد أغير من الله وفيه وما أحد أحب إليه المدح من الله كذا وقع هنا مختصرا وتقدم في تفسير سورة الانعام من طريق أبي وائل وهو شقيق بن سلمة المذكور هنا أتم منه وهذا الحديث مداره في الصحيحين على أبي وائل وأخرجه مسلم فس رواية عبد الرحمن بن يزيد النخعي عن بن مسعود نحوه وزاد فيه ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل وهذه الزيادة عند المصنف في حديث المغيرة الآتي في باب لا شخص أغير من الله قال بن بطال في هذه الآيات والاحاديث اثبات النفس لله وللنفس معان والمراد بنفس الله ذاته وليس ب أمر مزيد عليه فوجب ان يكون هو واما (6968) قوله أغير من الله فسبق الكلام عليه في كتاب
[ 325 ]
الكسوف وقيل غيره الله كراهة اتيان الفواحش أي عدم رضاه بها لا التقدير وقيل الغضب لازم الغيرة ولازم الغضب إرادة إيصال العقوبة وقال الكرماني ليس في حديث بن مسعود هذا ذكر النفس ولعله أقام استعمال أحد مقام النفس لتلازمهما في صحة استعمال كل واحد منهما مقام الآخر ثم قال والظاهر ان هذا الحديث كان قبل هذا الباب فنقله الناسخ إلى هذا الباب انتهى وكل هذا غفلة عن مراد البخاري فان ذكر النفس ثابت في هذا الحديث الذي أورده وان كان لم يقع في هذه الطريق لكنه أشار إلى ذلك كعادته فقد أورده في تفسير سورة الانعام بلفظ لا شئ وفي تفسير سورة الاعراف بلفظ ولا أحد ثم اتفقا على احب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه وهذا القدر هو المطابق للترجمة وقد كثر منه ان يترجم ببعض ما ورد في طرق الحديث الذي يورده ولو لم يكن ذلك القدر موجودا في تلك الترجمة وقد سبق الكرماني إلى نحو ذلك بن المنير فقال ترجم على ذكر النفس في حق الباري وليس في الحديث الاول للنفس ذكر فوجه مطابقته انه صدر الكلام بأحد واحد الواقع في النفي عبارة عن النفس على وجه مخصوص بخلاف أحد الواقع في قوله تعالى قل هو الله أحد انتهى وخفي عليه ما خفي على الكرماني مع انه تفطن لمثل ذلك في بعض المواضع ثم قال بن المنير قول القائل ما في الدار أحد لا يفهم منه الا نفي الاناسي ولهذا كان قولهم ما في الدار أحد الا زيدا استثناء من الجنس ومقتضى الحديث إطلاقه على الله لانه لولا صحة الاطلاق ما انتظم الكلام كما ينتظم ما أحد اعلم من زيد فان زيدا من الا حدين بخلاف ما أحد أحسن من ثوبي فإنه ليس منتظما لان الثوب ليس من الا حدين الحديث الثاني (6969) قوله كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه كذا لابي ذر وسقطت الواو لغيره وعلى الاول فالجملة حالية وعلى الثاني فيكتب على نفسه بيان لقوله كتب والمكتوب هو قوله ان رحمتي الخ وقوله وهو أي المكتوب وضع بفتح فسكون أي موضوع ووقع كذلك في الجمع للحميدي بلفظ موضوع وهي رواية الاسماعيلي فيما أخرجه من وجه آخر عن أبي حمزة المذكور في السند وهو بالمهملة والزاي واسمه محمد بن ميمون السكري وحكى عياض عن رواية أبي ذر وضع بالفتح على انه فعل ماض مبني للفاعل ورأيته في نسخة معتمدة بكسر الضاد مع التنوين وقد مضى شرح هذا الحديث في أوائل بدء الخلق ويأتي شئ من الكلام عليه ف ي باب وكان عرشه على الماء وفي باب بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ أواخر الكتاب ان شاء الله تعالى واما قوله عنده فقال بن بطال عند في اللغة للمكان والله منزه عن الحلول في المواضع لان الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله فعلى هذا قيل معناه انه سبق علمه باثابة من يعمل بطاعته وعقوبة من يعمل بمعصيته ويؤيده قوله في الحديث الذي بعده انا عند ظن عبدي بي ولا مكان هناك قطعا وقال الراغب عند لفظ موضوع للقرب ويستعمل في المكان وهو الاصل ويستعمل في الاعتقاد تقول عندي في كذا كذا أي اعتقده ويستعمل في المرتبة ومنه أحياء عند ربهم واما قوله ان كان هذا هو الحق من عندك فمعناه من حكمك وقال بن التين معنى العندية في هذا الحديث العلم بأنه موضوع على العرش وأما كتبه فليس للاستعانة لئلا ينساه فإنه منزه عن ذلك لا يخفى عنه شئ وانما كتبه من أجل الملائكة الموكلين بالمكلفين الحديث الثالث (6970) قوله يقول الله تعالى انا عند ظن عبي بي أي قادر على ان اعمل
[ 326 ]
به ما ظن أني عامل به وقال الكرماني وفي السياق إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف وكأنه اخذه من جهة التسوية فان العاقل إذا سمع ذلك لا يعدل إلى ظن إيقاع الوعيد وهو جانب الخوف لانه لا يختاره لنفسه بل يعدل إلى ظن وقوع الوعد وهو جانب الرجاء وهو كما قال أهل التحقيق مقيد بالمحتضر ويؤيد ذلك حديث لا يموتن أحدكم الا وهو يحسن الظن بالله وهو عند مسلم من حديث جابر وأما قبل ذلك ففي الاول أقوال ثالثها الاعتدال وقال بن أبي جمرة المراد بالظن هنا العلم وهو كقوله وظنوا ان لا ملجا من الله الا إليه وقال القرطبي في المفهم قيل معنى ظن عبدي بي ظن الاجابة عند الدعاء وظن القبول عند التوبة وظن المغفرة عند الاستغفار وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسكا بصادق وعده قال ويؤيده قوله في الحديث الآخر ادعوا الله وأنتم موقنون بالاجابة قال ولذلك ينبغي للمرء ان يجتهد في القيام بما عليه موقنا بان الله يقبله ويغفر له لانه وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد فان اعتقد أو ظن ان الله لا يقبلها وانها لا تنفعه فهذا هو اليأس من رحمة الله وهو من الكبائر ومن مات على ذلك وكل إلى ما ظن كما في بعض طرق الحديث المذكور فليظن بي عبدي ما شاء قال واما ظن المغفرة مع الاصرار فذلك محض الجهل والغرة وهو يجر إلى مذهب المرجئة قوله وأنا معه إذا ذكرني أي بعلمي وهو كقوله انني معكما أسمع وأرى والمعية المذكورة أخص من المعية التي في قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم إلى قوله الا هو معهم اينما كانوا وقال بن أبي جمرة معناه فانا معه حسب ما قصد من ذكره لي قال ثم يحتمل ان يكون الذكر باللسان فقط أو بالقلب فقط أو بهما أو بامتثال الامر واجتناب النهي قال والذي يدل عليه الاخبار ان الذكر على نوعين أحدهما مقطوع لصاحبه بما تضمنه هذا الخبر والثاني على خطر قال والاول يستفاد من قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره والثاني من الحديث الذي فيه من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله الا بعدا لكن ان كان في حال المعصية يذكر الله بخوف ووجل مما هو فيه يرجى له قوله فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي أي ان ذكرني بالتنزيه والتقديس سرا ذكرته بالثواب والرحمة سرا وقال بن أبي جمرة يحتمل ان يكون مثل قوله تعالى اذكروني أذكركم ومعناه اذكروني بالتعظيم أذكركم بالانعام وقال تعالى ولذكر الله أكبر أي أكبر العبادات فمن ذكره وهو خائف آمنه أو مستوحش آنسه قال تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب قوله وان ذكرني في ملا بفتح الميم واللام مهموز أي جماعة ذكرته في ملا خير منهم قال بعض أهل العلم يستفاد منه ان الذكر الخفي أفضل من الذكر الجهري والتقدير ان ذكرني في نفسه ذكرته بثواب لا أطلع عليه أحدا وان ذكرني جهرا ذكرته بثواب أطلع عليه الملا الاعلى وقال بن بطال هذا نص في ان الملائكة أفضل من بني آدم وهو مذهب جمهور أهل العلم وعلى ذلك شواهد من القرآن مثل الا ان تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين والخالد أفضل من الفاني فالملائكة أفضل من بني آدم وتعقب بأن المعروف عن جمهور أهل السنة ان صالحي بني آدم أفضل من سائر الاجناس والذين ذهبوا إلى تفضيل الملائكة الفلاسفة ثم المعتزلة وقليل من أهل السنة من أهل التصوف وبعض أهل الظاهر فمنهم من فاضل بين الجنسين فقالوا حقيقة الملك أفضل من حقيقة الانسان لانها نورانية وخيرة ولطيفة مع سعة العلم والقوة وصفاء الجوهر وهذا لا يستلزم تفضيل كل فرد
[ 327 ]
على كل فرد لجواز أن يكون في بعض الاناسي ما في ذلك وزيادة ومنهم من خص الخلاف بصالحي البشر والملائكة ومنهم من خصه بالانبياء ثم منهم من فضل الملائكة على غير الانبياء ومنهم من فضلهم على النبياء أيضا الا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن أدلة تفضيل النبي على الملك أن الله أمر الملائة بالسجود لآدم على سبيل التكريم له حتى قال إبليس أرأيتك هذا الذي كرمت علي ومنها قوله تعالى لما خلقت بيدي لما فيه من الاشارة إلى العناية به ولم يثبت ذلك للملائكة ومنها قوله تعالى ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ومنها قوله تعالى وسخر لكم ما في السماوات وما في الارض فدخل في عمومه الملائكة والمسخر له أفضل من المسخر ولان طاعة الملائكة بأصل الخلقة وطاعة البشر غالبا مع المجاهدة للنفس لما طبعت عليه من الشهوة والحرص والهوى والغضب فكانت عبادتهم أشق وأيضا فطاعة الملائكة بالامر الوارد عليهم وطاعة البشر بالنص تارة وبالاجتهاد تارة والاستنباط تارة فكانت أشق ولان الملائكة سلمت من وسوسة الشياطين والقاء الشبه والاغواء الجائزة على البشر ولان الملائكة تشاهد حقائق الملكوت والبشر لا يعرفون ذلك الا بالاعلام فلا يسلم منهم من إدخال الشبهة من جهة تدبير الكواكب وحركة الافلاك الا الثابت على دينه ولا يتم ذلك الا بمشقة شديدة ومجاهدات كثيرة واما أدلة الآخرين فقد قيل ان حديث الباب أقوى ما استدل به لذلك للتصريح بقوله فيه في ملا خير منهم والمراد بهم الملائكة حتى قال بعض الغلاة في ذلك وكم من ذاكر لله في ملا فيهم محمد صلى الله عليه وسلم ذكرهم الله في ملا خير منهم وأجاب بعض أهل السنة بأن الخبر المذكور ليس نصا ولا صريحا في المراد بل يطرقه احتمال ان يكون المراد بالملا الذين هم خير من الملا الذاكر الانبياء والشهداء فانهم أحياء عند ربهم فلم ينحصر ذلك في الملائكة وأجاب آخر وهو أقوى من الاول بأن الخيرية انما حصلت بالذاكر والملا معا فالجانب الذي فيه رب العزة خيرا من الجانب الذي ليس هو فيه بلا ارتياب فالخيرية حصلت بالنسبة للمجموع على المجموع وهذا الجواب ظهر لي وظننت انه مبتكر ثم رأيته في كلام القاضي كمال الدين بن الزملكاني في الجزء الذي جمعه في الرفيق الاعلى فقال ان الله قابل ذكر العبد في نفسه بذكره له في نفسه قوابل ذكر الاعبد في الملا بذكره في الملا فانما صار الذكر في الملا الثاني خيرا من الذكر الاول لان الله هو الذاكر فيهم والملا الذين يذكرون والله فيهم أفضل من الملا الذين يذكرون وليس الله فيهم ومن أدلة المعتزلة تقديم الملائة في الذكر في قوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس وتعقب بأن مجرد التقديم في الذكر لا يستلزم التفضيل لانه لم ينحصر فيه بل له أسباب أخرى كالتقديم بالزمان في مثل قوله ومنك ومن نوح وإبراهيم فقدم نوحا على إبراهيم لتقدم زمان نوح مع أن إبراهيم أفضل ومنها قوله تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون وبالغ الزمخشري فادعى ان دلالتها لهذا المطلوب قطعية بالنسبة لعلم المعاني فقال في قوله تعالى ولا الملائكة المقربون أي ولا من هو أعلى قدرا من المسيح وهم الملائكة الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل واسرافيل قال ولا يقتضي علم المعاني غير هذا من حيث أن الكلام انما سيق للرد على النصارى لغلوهم في المسيح فقيل لهم لن يترفع المسيح عن العبودية
[ 328 ]
ولا من هو أرفع درجة منه انتهى ملخصا وأجيب بأن الترقي لا يستلزم التفضيل المتنازع فيه وانما هو بحسب المقام وذلك ان كلا من الملائكة والمسيح عبد من دون الله فرد عليهم بأن المسيح الذي تشاهدونه لم يتكبر عن عبادة الله وكذلك من غاب عنكم من الملائكة لا يتكبر والنفوس لما غاب عنها أهيب ممن تشاهده ولان الصفات التي عبدوا المسيح لاجلها من الزهد في الدنيا والاطلاع على المغيبات واحياء الموتى بإذن الله موجودة في الملائكة فان كانت توجب عبادته فهي موجبة لعبادتهم بطريق الاولى وهم مع ذلك لا يستنكفون عن عبادة اله تعالى ولا يلزم من هذا الترقي ثبوت الافضلية المتنازع فيها وقال البيضاوي احتج بهذا العطف من زعم ان الملائكة أفضل من الانبياء وقال هي مساقة للرد على النصارى في رفع المسيح عن مقام العبودية وذلك يقتضي ان يكون المعطوف عليه أعلى درجة منه حتى يكون عدم استنكافهم كالدليل على عدم استنكافه وجوابه أن الآية سيقت للرد على عبدة المسيح والملائكة فاريد بالعطف المبالغة باعتبار الكثرة دون التفضيل كقول القائل أصبح الامير لا يخالفه رئيس ولا مرءوس وعلى تقدير إرادة التفضيل فغايته تفضيل المقربين ممن حول العرش بل من هو أعلى رتبة منهم على المسيح وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقا وقال الطيبي لا تتم لهم الدلالة الا ان سلم أن الآية سيقت للرد على النصارى فقط فيصح لن يترفع المسيح عن العبودية ولا من هو أرفع منه والذي يدعي ذلك يحتاج إلى اثبات ان النصارى تعتقد تفضيل الملائكة على المسيح وهم لا يعتقدون ذلك بل يعتقدون فيه الالهية فلا يتم استدلال من استدل به قال وسياقه الآية من أسلوب التتميم والمبالغة لا للترقي وذلك انه قدم قوله انما الله اله واحد إلى قوله وكيلا فقرر الوحدانية والمالكية والقدرة التامة ثم اتبعه بعدم الاستنكاف فالتقدير لا يستحق من اتصف بذلك ان يستكبر عليه الذي تتخذونه أيها النصارى الها لاعتقادكم فيه الكمال ولا الملائكة الذين اتخذها غيركم الهة لاعتقادهم فيهم الكمال قلت وقد ذكر ذلك البغوي ملخصا ولفظه لم يقل ذلك رفعا لمقامهم على مقام عيسى بل ردا على الذين يدعون ان الملائكة آلهة فرد عليهم كما رد على النصارى الذين يدعون التثليث ومنها قوله تعالى قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم اني ملك فنفى ان يكون ملكا فدل على انهم أفضل وتعقب بأنه انما نفى ذلك لكونهم طلبوا منه الخزائن وعلم الغيب وان يكون بصفة الملك من ترك الاكل والشرك والجماع وهو من نمط انكارهم ان يرسل الله بشرا مثلهم فنفى عنه أنه ملك ولا يستلزم ذلك التفضيل ومنها انه سبحانه لما وصف جبريل ومحمدا قال في جبريل انه لقول رسول كريم وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم وما صاحبكم بمجنون بون الوصفين دون بعيد وتعقب بأن ذلك انما سيق للرد على من زعم ان الذي يأتيه شيطان فكان وصف جبريل بذلك تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم قي غير هذا المضع بمثل ما وصف به جبريل هنا وأعظم منه وقد أفرط الزمخشري في سوء الادب هنا وقال كلاما يستلزم تنقيص المقام المحمدي وبالغ الائمة في الرد عليه في ذلك وهو من زلاته الشنيعة قوله وان تقرب الي شبرا في رواية المستملي والسرخسي بشبر بزيادة موحدة في أوله وسيأتي شرحه في اواخر كتاب التوحيد في باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وروايته عن ربه (0) بسم الله الرحمن الرحيم قوله باب قول الله عزوجل كل شئ هالك الا وجهه
[ 329 ]
ذكر فيه حديث جابر في نزول قوله تعالى (6971) قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا الآية وقد تقدم شرحه في تفسير سورة الانعام وقوله في آخره هذا أيسر في رواية بن السكن هذه وسقك لفظ الاشارة من رواية الاصيلي والمراد منه قوله فيه أعوذ بوجهك قال بن بطال في هذه الآية والحديث دلالة على ان لله وجها وهو من صفة ذاته وليس بجارحة ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين كما نقول انه عالم ولا نقول انه كالعلماء الذين نشاهدهم وقال غيره دلت الآية على ان المراد بالترجمة الذات المقدسة ولو كانت صفة من صفات الفعل لشملها الهلاك كما شمل غيرها من الصفات وهو محال وقال الراغب أصل الوجه الجارحة المعروفة ولما كان الوجه أول ما يستقبل وهو أشرف ما في ظاهر البدن استعمل في مستقبل كل شئ وفي مبدئه وفي اشراقه فقيل وجه النار وقيل وجه كذا أي ظاهره وربما اطلق الوجه على الذات كقولهم كرم الله وجهه وكذا قوله تعالى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام وقوله كل شئ هالك الا وجهه وقيل ان لفظ الوجه صلة والمعنى كل شئ هالك الا هو وكذا ويبقى وجه ربك وقيل المراد بالوجه القصد أي يبقى ما أريد به وجهه قلت وهذا الاخير نقل عن سفيان وغيره وقد تقدم ما ورد فيه في أول تفسير سورة القصص وقال الكرماني قيل المراد بالوجه في الآية والحديث الذات أو الوجود أو لفظه زائد أو الوجه الذي لا كالوجوه لاستحالة حمله على العضو المعروف فتعين التأويل أو التفويض وقال البيهقي تكرر ذكر الوجه في القرآن والسنة الصحيحة وهو في بعضها صفة ذات كقوله الا رداء الكبرياء على وجهه وهو ما في صحيح البخاري عن أبي موسى وفي بعضها بمعنى من أجل كقوله انما نطعمكم لوجه الله وفي بعضها بمعنى الرضا كقوله يريدون وجهه الا ابتغاء وجه ربه الاعلى وليس المراد الجارحة جزما والله اعلم (0) قوله باب قول الله تعالى ولتصنع على عيني تغذي كذا وقع في رواية المستملي والاصيلي بضم التاء وفتح الغين المعجمة بعدها معجمة ثقيلة من التغذية ووقع في نسخة الصغاني بالدال المهملة وليس بفتح أوله على حذف إحدى التاءين فإنه تفسير تصنع وقد تقدم في تفسير سورة طه قال بن التين هذا التفسير لقتادة ويقال صنعت الفرس إذا أحسنت القيام عليه قوله وقوله تعالى تجري بأعيننا أي بعلمنا وذكر فيه حديثي بن عمر ثم أنس في ذكر الدجال وقد تقدما مشروحين في كتاب الفتن وفيهما ان الله ليس بأعور وقوله (6972) هنا وأشار بيده إلى عينه كذا للاكثر عن موسى بن إسماعيل عن جويرية وذكره أبو مسعود في الاطراف عن مسدد بدل الموسى والاول هو الصواب وقد أخرجه عثمان الدارمي في كتاب الرد على بشر المرسي عن موسى بن إسماعيل مثله ورواه عبد الله بن محمد بن أسماء عن عمه جويرية بدون الزيادة التي في آخره أخرجه أبو يعلى والحسن بن سفيان في مسنديهما عنه وأخرجه الاسماعيلي عنهما قال الراغب العين الجارحة ويقال للحافظ للشئ المراعي له عين ومنه فلان بعيني أي أحفظه ومنه قوله تعالى واصنع الفلك بأعيننا أي نحن نراك ونحفظك ومثله تجري بأعيننا وقوله ولتصنع على عيني أي بحفظي قال وتستعار العين لمعان أخرى كثيرة وقال بن بطال احتجت المجسمة بهذا الحديث وقالوا في قوله وأشار بيده إلى عينه دلالة على ان عينه كسائر الاعين وتعقب باستحالة الجسمية عليه لان الجسم حادث وهو قديم فدل على ان المراد نفي النقص عنه انتهى وقد تقدم شئ من هذا في باب قوله تعالى وكان الله سميعا بصيرا وقال البيهقي منهم من قال العين صفة ذات كما تقدم في
[ 330 ]
الوجه ومنه من قال المراد بالعين الرؤية فعلى هذا فقوله ولتصنع على عيني أي لتكون بمرأى مني وكذا قوله واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا أي بمرأى منا والنون للتعظيم ومال إلى ترجيح الاول لانه مذهب السلف ويتأيد بما وقع في الحديث وأشار بيده فان فيه إيماء إلى الرد على من يقول معناها القدرة صرح بذلك قول من قال انها صفة ذات وقال بن المنير وجه الاستدلال على اثبات العين لله من حديث الدجال من قوله ان الله ليس بأعور من جهة أن العور عرفا عدم العين وضد العور ثبوت العين فلما نزعت هذه النقيصة لزم ثبوت الكمال بضدها وهو وجود العين وهو على سبيل التمثيل والتقريب للفهم لا على معنى اثبات الجارحة قال ولاهل الكلام في هذه الصفات كالعين والوجه واليد ثلاثة أقوال أحدها انها صفات ذات أثبتها السمع ولا يهتدي إليها العقل والثاني ان العين كناية عن صفة البصر واليد كناية عن صفة القدرة والوجه كناية عن صفة الوجود والثالث امرارها على ما جاءت مفوضا معناها إلى الله تعالى وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب العقيدة له أخبر الله في كتابه وثبت عن رسوله الاستواء والنزول والنفس واليد والعين فلا يتصرف فيها بتشبيه ولا تعطيل إذ لولا أخبار الله ورسوله ما تجاسر عقل ان يحوم حول ذلك الحمى قال الطيبي هذا هو المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح وقال غيره لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه من طريق صحيح التصريح بوجوب تأويل شئ من ذلك ولا المنع من ذكره ومن المحال ان يأمر الله نبيه بتبليغ ما أنزل إليه من ربه وينزل عليه اليوم أكملت لكم دينكم ثم يترك هذا الباب فلا يميز ما يجوز نسبته إليه مما لا يجوز مع حضه على التبليغ عنه بقوله ليبلغ الشاهد الغائب حتى نقلوا أقواله وأفعاله وأحواله وصفاته وما فعل بحضرته فدل على انهم اتفقوا على الايمان بها على الوجه الذي أراده الله منها ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات وقوله تعالى ليس كمثله شئ فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم فقد خالف سبيلهم وبالله التوفيق وقد سئلت هل يجوز لقارئ هذا الحديث ان يصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجبت وبالله التوفيق انه ان حضر عنده من يوافقه على معتقده وكان يعتقد تنزيه الله تعالى عن صفات الحدوث وأراد التأسي محضا جاز والاولى به الترك خشية ان يدخل على من يراه شبهة التشبيه تعالى الله عن ذلك ولم أر في كلام أحد من الشراح في حمل هذا الحديث على معنى خطر لي فيه اثبات التنزيه وحسم مادة التشبيه عنه وهو ان الاشارة إلى عينه صلى الله عليه وسلم انما هي بالنسبة الي عين الدجال فانها كانت صحيحة مثل هذه ثم طرأ عليها العور لزيادة كذبه في دعوى الالهية وهو انه كان صحيح العين مثل هذه فطرأ عليها النقص ولم يستطع دفع ذلك عن نفسه (0) قوله باب قول الله تعالى هو الخالق البارئ المصور كذا للاكثر والتلاوة هو الله الخالق الخ وثبت كذلك في بعض النسخ من رواية كريمة قال الطيبي قيل ان الالفاظ الثلاثة مترادفة وهو وهم فان الخالق من الخلق واصله التقدير المستقيم ويطلق على الابداع وهو ايجاد الشئ على غير مثال كقوله تعالى خلق السماوات والارض على التكوين كقوله تعالى خلق الانسان من نطفة والبارئ من البرء وأصله خلوص الشئ عن غيره اما على سبيل التقصي منه وعليه قولهم برأ فلان من مرضه والمديون من دينه ومنه استبرأت الجارية واما على سبيل الانشاء ومنه برأ الله النسمة وقيل البارئ الخالق البرئ من التفاوت والتنافر المخلين بالنظام والمصور
[ 331 ]
مبدع صور المخترعات ومرتبها بحسب مقتضى الحكمة فالله خالق كل شئ بمعنى انه موجده من أصل ومن غير أصل وبارئه بحسب ما اقتضته الحكمة من غير تفاوت ولا اختلال ومصوره في صورة يترتب عليها خواصه ويتم بها كماله والثلاثة من صفات الفعل الا إذا أريد بالخالق المقدر فيكون من صفات الذات لان مرجع التقدير إلى الارادة وعلى هذا فالتقدير يقع أولا ثم الاحداث على الوجه المقدر يقع ثانيا ثم التصوير بالتسوية يقع ثالثا انتهى وقال الحليمي الخالق معناه الذي جعل المبدعات أصنافا وجعل لكل صنف منها قدرا والبارئ معناه الموجد لما كان في معلومه واليه الاشارة بقوله من قبل أن نبرأها قال ويحتمل ان المراد به قالب الاعيان لانه أبدع الماء والتراب والنار والهواء لا من شئ ثم خلق منها الاجسام المختلفة والمصور معناه المهئ للاشياء على ما أراده من تشابه وتخالف وقال الراغب ليس الخلق بمعنى الابداع الا لله والى ذلك أشار إلى بقوله تعالى أفمن يخلق كمن لا يخلق واما الذي يوجد بالاستحالة فقد وقع لغيره بتقديره سبحانه وتعالى مثل قوله لعيسى وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بأذني والخلق في حق غير الله يقع بمعنى التقدير وبمعنى الكذب والبارئ أخص بوصف الله تعالى والبرية الخلق قيل أصله الهمز فهو من برأ وقيل أصله البري من بريت العود وقيل البرية من البري بالقصر وهو التراب فيحتمل ان يكون معناه موجد الخلق من البري وهو التراب والمصور معناه المهئ قال تعالى يصوركم في الارحام كيف يشاء والصورة في الاصل ما يتميز به الشئ عن غيره ومنه محسوس كصورة الانسان والفرس ومنه معقول كالذي اختص به الانسان من العقل والروية والى كل منهما الاشارة بقوله تعالى خلقناكم ثم صورناكم وصوركم فأحسن صوركم هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء (6974) قوله حدثنا إسحاق قال أبو علي الجياني هو بن منصور قلت ويؤيد ذلك وان كان قد يظن انه بن راهويه لكونه أيضا روى عن عفان ان بن راهويه لا يقول الا أخبرنا هنا ثبت في النسخ حدثنا فتأيد انه بن منصور وقد تقدم شرح حديث بن سعيد المذكور هنا في العزل في كتاب النكاح مستوفي قوله وقال مجاهد عن قزعة هو بن يحيى وهو من رواية الاقران لان مجاهدا وهو بن جبر المفسر المشهور المكي في طبقة قزعة قوله سألت أبا سعيد فقال قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وقع هنا بحذف المسئول عنه ووقع لغير أبي ذر سمعت بدل سألت وقد وصله مسلم وأصحاب السنن الثلاثة من رواية سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ ذكر العزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ولم يفعل ذلك أحدكم ولم يقل فلا يفعل ذلك ثم ذكر بقية الحديث وهو القدر المذكور منه هنا قال بن بطال الخالق في هذا الباب يراد به المبدع المنشئ لاعيان المخلوقين وهو معنى لا يشارك الله فيه أحد قال ولم يزل الله مسميا نفسه خالقا على معنى انه سيخلق لاستحالة قدم الخلق وقال الكرماني معنى قوله في الحديث الا وهي مخلوقة أي مقدرة الخلق أو معلومة الخلق عند الله لا بد من ابرازها إلى الوجود والله سبحانه وتعالى اعلم بالصواب (0) قوله باب قول الله تعالى لما خلقت بيدي قال بن بطال في هذه الآية اثبات يدين لله وهما صفتان من صفات ذاته وليستا بجارحتين خلافا للمشبهة من المثبتة وللجهمية من المعطلة ويكفي في الرد على من زعم انهما بمعنى القدرة انهم اجمعوا على ان له قدرة واحدة في قول المثبتة ولا قدرة له في قول النفاة لانهم يقولون انه قادر لذاته ويدل على ان اليدين
[ 332 ]
ليستا بمعنى القدرة ان في قوله تعالى لابليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي إشارة إلى المعنى الذي أوجب السجود فلو كانت اليد بمعنى القدرة لم يكن بين آدم وابليس فرق لتشاركهما فيما خلق كل منهما به وهي قدرته ولقال إبليس وأي فضيلة له علي وانا خلقتني بقدرتك كما خلقته بقدرتك فلما قال خلقتني من نار وخلقته من طين دل على اختصاص آدم بان الله خلقه بيديه قال ولا جائز ان يراد باليدين النعمتان لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق لان النعم مخلوقة ولا يلزم من كونهما صفتي ذات ان يكونا جارحتين وقال بن التين قوله وبيده الاخرى الميزان يدفع تأويل اليد هنا بالقدرة وكذا قوله في حديث بن عباس رفعه أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين الحديث وقال بن فورك قيل اليد بمعنى الذات وهذا يستقيم في مثل قوله تعالى مما عملت أيدينا بخلاف قوله لما خلقت بيدي فإنه سيق للرد على إبليس فلو حمل على الذات لما اتجه الرد وقال غيره هذا يساق مساق التمثيل للتقريب لانه عهد ان من اعتنى بشئ واهتم به باشره بيديه فيستفاد من ذلك ان العناية بخلق آدم كانت أتم من العناية بخلق غيره واليد في اللغة تطلق لمعان كثيرة اجتمع لنا منها خمسة وعشرون معنى ما بين حقيقة ومجاز الاول الجارحة الثاني القوة نحو داود ذا الايد الثالث الملك أن الفضل بيد الله الرابع العهد يد الله فوق أيديهم ومنه قوله هذي يدي لك بالوفاء الخامس الاستسلام والانقياد قال الشاعر أطاع يدا بالقول فهو ذلول السادس النعمة قال وكم لظلام الليل عندي من يد السابع الملك قل ان الفضل بيد الله الثامن الذل حتى يعطوا الجزية عن يد التاسع أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح العاشر السلطان الحادي عشر الطاعة الثاني عشر الجماعة الثالث عشر الطريق يقال اخذتهم يد الساحل الرابع عشر التفرق تفرقوا أيدي سبأ الخامس عشر الحفظ السادس عشر يد القوس أعلاها السابع عشر يد السيف مقبضه الثامن عشر يد الرحى عود القابض التاسع عشر جناح الطائر العشرون المدة يقال لا ألقاه يد الدهر الحادي والعشرون الابتداء يقال لقيته أول ذات يدي وأعطاه عن ظهر يد الثاني والعشرون يد الثوب ما فضل منه الثالث والعشرون يد الشئ أمامه الرابع والعشرون الطاقة الخامس والعشرون النقد نحو بعته يدا بيد ثم ذكر في الباب أربعة أحاديث للثالث منها أربعة طرق وللرابع طريقان الحديث الاول حديث أنس في الشفاعة وقد تقدم شرحه مستوفى في اواخر كتاب الرقاق والغرض منه هنا قول أهل الموقف لآدم خلقك الله بيده (6975) قوله حدثنا معاذ بن فضالة بفتح الفاء والضاد المعجمة وحكى بعضهم ضم الفاء وهشام شيخه هو الدستوائي وقوله عن أنس تقدمت الاشارة في الرقاق إلى ما وقع في بعض طرقه بلفظ حدثنا أنس قوله يجمع المؤمنون يوم القيامة كذلك هكذا للجميع وأظن أول هذه الكلمة لام والاشارة ليوم القيامة أو لما يذكر بعد وقد وقع عند مسلم من رواية معاذ بن هشام عن أبيه يجمع الله المؤمنين يوم القيامة فيهتمون لذلك وفي رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة يهتمون أو يلهمون لذلك بالشك وسيأتي في باب وجوه يومئذ ناضرة من رواية همام عن قتادة حتى يهموا بذلك وقوله هنا اشفع لنا إلى ربك كذا للاكثر وهو المذكور في غير هذه الطريق ووقع لابي ذر عن غير الكشميهني شفع بكسر الفاء الثقيلة قال الكرماني هو من التشفيع ومعناه قبول الشفاعة وليس هو المراد هنا فيحتمل أن يكون التثقيل للتكثير أو للمبالغة وقوله لست هناك كذا للاكثر في الموضعين ولابي ذر عن
[ 333 ]
السرخسي هنا كم وقوله فيؤذن لي في رواية أبي ذر عن الكشميهني ويؤذن لي بالواو وقوله قل يسمع كذا للاكثر بالتحتانية ولابي ذر عن السرخسي والكشميهني بالفوقانية في الموضعين وقوله سل تعطه لابي ذر عن المستملي تعط في الموضعين بلا هاء الحديث الثاني حديث أبي هريرة من طريق أبي الزناد عن الاعرج (6976) قوله يد الله تقدم في تفسير سورة هود في أول هذا الحديث من الزيادة انفق أنفق عليك ووقعت هذه الزيادة أيضا في رواية همام لكن ساقها فيه مسلم وأفردها البخاري كما سيأتي في باب يريدون ان يبدلوا كلام الله ووقع فيها بدل يد الله يمين الله ويتعقب بها على من فسر اليد هنا بالنعمة وأبعد منه من فسرها بالخزائن وقال أطلق اليد على الخزائن لتصرفها فيها قوله ملاي بفتح الميم وسكون اللام وهمزة مع القصر تأنيث ملآن ووقع بلفظ ملآن في رواية لمسلم وقيل هي غلط ووجهها بعضهم بإرادة اليمين فانها تذكر وتؤنث وكذلك الكف والمراد من قوله ملاي أو ملآن لازمه وهو انه في غاية الغنى وعنده من الرزق مالا نهاية له في علم الخلائق قوله لا يغيضها بالمعجمتين بفتح أوله أي لا ينقصها يقال غاض الماء يغيض إذا نقص قوله سحاء بفتح المهملتين مثقل ممدود أي دائمة الصب يقال سح بفتح أوله مثقل يسح بكسر السين في المضارع ويجوز ضمها وضبط في مسلم سحا بلفظ المصدر قوله الليل والنهار بالنصب على الظرف أي فيهما ويجوز الرفع ووقع في رواية لمسلم سح الليل والنهار بالاضافة وفتح الحاء ويجوز ضمها قوله أرأيتم ما انفق تنبيه على وضوح ذلك لمن له بصيرة قوله منذ خلق الله السماوات والارض سقط لفظ الجلالة لغير أبي ذر وهو رواية همام قوله فانه لم يغض أي ينقص ووقع في رواية همام لم ينقص ما في يمينه قال الطيبي يجوز ان تكون ملاى ولا يغيضها وسحاء وأرأيت أخبارا مترادفة ليد الله ويجوز ان تكون الثلاثة اوصافا لملاى ويجوز ان يكون ارأيتم استئنافا فيه معنى الترقي كأنه لما قيل ملاى أو هم جواز النقصان فأزيل بقوله لا يغيضها شئ وقد يمتلئ الشئ ولا يغيض فقيل سحاء إشارة إلى الغيض وقرنه بما يدل على الاستمرار من ذكر الليل والنهار ثم اتبعه بما يدل على أن ذلك ظاهر غير خاف على ذي بصر وبصيرة بعد أن اشتمل من ذكر الليل والنهار بقوله أرأيتم على تطاول المدة لانه خطاب عام والهمزة فيه للتقرير قال وهذا الكلام إذا أخذته بجملته من غير نظر إلى مفرداته أبان زيادة الغنى وكمال السعة والنهاية في الجود والبسط في العطاء قوله وقال عرشه على الماء سقط لفظ قال من رواية همام ومناسبة ذكر العرش هنا ان السامع يتطلع من قوله خلق السماوات والارض ما كان قبل ذلك فذكر ما يدل على ان عرشه قبل خلق السماوات والارض كان على الماء كما وقع في حديث عمران بن حصين الماضي في بدء الخلق بلفظ كان الله ولم يكن شئ قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والارض قوله وبيده الاخرى الميزان يخفض ويرفع أي يخفض الميزان ويرفعها قال الخطابي الميزان مثل والمراد القسمة بين الخلق واليه الاشارة بقوله يخفض ويرفع وقال الداودي معنى الميزان انه قدر الاشياء ووقتها وحددها فلا يملك أحد نفعا ولا ضرا الا منه وبه ووقع في رواية همام وبيده الاخرى الفيض أو القبض الاولى بفاء وتحتانية والثانية بقاف وموحدة كذا للبخاري بالشك ولمسلم بالقاف والموحدة بلا شك وعن بعض رواته فيما
[ 334 ]
حكاه عياض بالفاء والتحتانية والاول أشهر قال عياض المراد بالقبض قبض الارواح بالموت وبالفيض الاحسان بالعطاء وقد يكون بمعنى الموت يقال فاضت نفسه إذا مات ويقال بالضاد وبالظاء اه والاولى أن يفسر بمعنى الميزان ليوافق رواية الاعرج التي في هذا الباب فان الذي يوزن بالميزان يخف ويرجح فكذلك ما يقبض ويحتمل ان يكون المراد بالقبض المنع لان الاعطاء قد ذكر في قوله قبل ذلك سحاء الليل والنهار فيكون مثل قوله تعالى والله يقبض ويبسط ووقع في حديث النواس بن سمعان عند مسلم وسيأتي التنبيه عليه في اواخر الباب الميزان بيد الرحمن يرفع أقواما ويضع آخرين وفي حديث أبي موسى عند مسلم وابن حبان ان الله لا ينام ولا ينبغي أن ينام يخفض القسط ويرفعه وظاهره ان المراد بالقسط الميزان وهو مما يؤيد ان الضمير المستتر في قوله يخفض ويرفع للميزان كما بدأت الكلام به قال المازري ذكر القبض والبسط وان كانت القدرة واحدة لتفهم العباد انه يفعل بها المختلفات وأشار بقوله بيده الاخرى إلى ان عادة المخاطبين تعاطي الاشياء باليدين معا فعبر عن قدرته على التصرف بذكر اليدين لتفهيم المعنى المراد بما اعتادوه وتعقب بان لفظ البسط لم يقع في الحديث وأجيب بأنه فهمه من مقابله كما تقدم والله أعلم الحديث الثالث حديث بن عمر (6977) قوله مقدم بن محمد تقدم ذكره وذكر عمه في تفسير سورة النور قوله ان الله يقبض يوم القيامة الارض في حديث أبي هريرة الماضي في باب قوله ملك الناس يقبض الله الارض ويطوي السماوات بيمينه وفي رواية عمر بن حمزة التي يأتي التنبيه على من وصلها يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ويطوي الارض ثم يأخذهن بشماله وعند أبي داود بدل قوله بشماله بيده الاخرى وزاد في رواية بن وهب عن أسامة بن زيد عن نافع وأبي حازم عن بن عمر فيجعلهما في كفه ثم يرمي بهما كما يرمي الغلام بالكرة قوله ويقول انا الملك زاد في رواية عمر بن حمزة أين الجبارون أين المتكبرون قوله رواه سعيد عن مالك يعني عن نافع وصله الدارقطني في غرائب مالك وأبو القاسم اللالكائي في السنة من طريق أبي بكر الشافعي عن محمد بن خالد الآجري عن سعيد وهو بن داود بن أبي زنبر بفتح الزاي وسكون النون بعدها موحدة مفتوحة ثم راء وهو مدني سكن بغداد وحدث بالري وكنيته أبو عثمان وما له في البخاري الا هذا الموضع وقد حدث عنه في كتاب الادب المفرد وتكلم فيه جماعة وقال في روايته ان نافعا حدثه ان عبد الله بن عمر أخبره وقد روى عن مالك ممن اسمه سعيد أيضا سعيد بن كثير بن عفير وهو من شيوخ البخاري ولكن لم نجد هذا الحديث من روايته وصرح المزي وجماعة بأن الذي علق له البخاري هنا هو الزبيري قوله وقال عمر بن حمزة يعني بن عبد الله بن عمر الذي تقدم ذكره في الاستسقاء وشيخه سالم هو بن عبد الله بن عمر عم عمر المذكور وحديثه هذا وصله مسلم وأبو داود وغيرهما من رواية أبي أسامة عنه قال البيهقي تفرد بذكر الشمال فيه عمر بن حمزة وقد رواه عن بن عمر أيضا نافع وعبيد الله بن مقسم بدونها ورواه أبو هريرة وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك وثبت عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين وكذا في حديث أبي هريرة قال آدم اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين وساق من طريق أبي يحيى القتات بقاف ومثناة ثقيلة وبعد الالف مثناة أيضا عن مجاهد في تفسير قوله تعالى والسموات
[ 335 ]
مطويات بيمينه قال وكلتا يديه يمين وفي حديث بن عباس رفعه أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين وقال القرطبي في المفهم كذا جاءت هذه الرواية بإطلاق لفظ الشمال على يد الله تعالى على المقابلة المتعارفة في حقنا وفي أكثر الروايات وقع التحرز عن اطلاقها على الله حتى قال وكلتا يديه يمين لئلا يتوهم نقص في صفته سبحانه وتعالى لان الشمال في حقنا أضعف من اليمين قال البيهقي ذهب بعض أهل النظر إلى أن اليد صفة ليست جارحة وكل موضع جاء ذكرها في الكتاب أو السنة الصحيحة فالمراد تعلقها بالكائن المذكور معها كالطي والاخذ والقبض والبسط والقبول والشح والانفاق وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها من غير مماسة وليس في ذلك التشبيه بحال وذهب آخرون إلى تأويل ذلك بما يليق به انتهى وسيأتي كلام الخطابي في ذلك في باب قوله تعالى تعرج الملائكة والروح إليه قوله وقال أبو اليمان أخبرنا شعيب الخ تقدم الكلام عليه في باب قوله تعالى ملك الناس الحديث الرابع (6978) قوله سفيان هو الثوري ومنصور هو بن المعتمر وسليمان هو الاعمش وإبراهيم هو النخعي وعبيدة بفتح أوله هو بن عمرو وقد تابع سفيان الثوري عن منصور على قوله عبيدة شيبان بن عبد الرحمن عن منصور كما مضى في تفسير سورة الزمر وفضيل بن عياض المذكور بعده وجرير بن عبد الحميد عند مسلم وخالفه عن الاعمش في قوله عبيدة حفص بن غياث المذكور في الباب وجرير وأبو معاوية وعيسى بن يونس عند مسلم ومحمد بن فضيل عند الاسماعيلي فقالوا كلهم عن الاعمش عن إبراهيم عن علقمة بدل عبيدة وتصرف الشيخين يقتضي انه عند الاعمش على الوجهين واما بن خزيمة فقال هو في رواية الاعمش عن إبراهيم عن علقمة وفي رواية منصور عن إبراهيم عن عبيدة وهما صحيحان قوله قال يحيى هو بن سعيد القطان راويه عن الثوري قوله وزاد فيه فضيل بن عياض هو موصول ووهم من زعم انه معلق وقد وصله مسلم عن أحمد بن يونس عن فضيل قوله أن يهوديا جاء في رواية علقمة جاء رجل من أهل الكتاب وفي رواية فضيل بن عياض عند مسلم جاء حبر بمهملة وموحدة زاد شيبان في روايته من الاحبار قوله فقال يا محمد في رواية علقمة يا أبا القاسم وجمع بينهما في رواية فضيل قوله ان الله يمسك السماوات في رواية شيبان يجعل بدل يمسك وزاد فضيل يوم القيامة وفي رواية أبي معاوية عند الاسماعيلي ابلغك يا أبا القاسم ان الله يحمل الخلائق قوله والشجر على أصبع زاد في رواية علقمة والثرى وفي رواية شيبان الماء والثرى وفي رواية فضيل بن عياض الجبال والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع قوله والخلائق أي من لم يتقدم له ذكر ووقع في رواية فضيل وشيبان وسائر الخلق وزاد بن خزيمة عن محمد بن خلاد عن يحيى بن سعيد القطان عن الاعمش فذكر الحديث قال محمد عدها علينا يحيى بأصبعه وكذا أخرجه أحمد بن حنبل في كتاب السنة عن يحيى بن سعيد وقال وجعل يحيى يشير بأصبعه يضع اصبعا على أصبع حتى اتى على آخرها ورواه أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن أبي بكر المروزي عن أحمد وقال رأيت أبا عبد الله يشير بأصبع أصبع ووقع في حديث بن عباس عند الترمذي مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال يا يهودي حدثنا فقال كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه والارضين على ذه والماء على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه وأشار أبو جعفر يعني أحد رواته بخنصر أولا ثم تابع حتى بلغ الابهام قال
[ 336 ]
الترمذي حديث حسن غريب صحيح ووقع في مرسل مسروق عند الهروي مرفوعا نحو هذه الزيادة قوله ثم يقول انا الملك كررها علقمة في روايته وزاد فضيل في روايته قبلها ثم يهزهن قوله فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية علقمة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم ضحك ومثله في رواية جرير ولفظه ولقد رأيت قوله حتى بدت نواجذه جمع ناجذ بنون وجيم مكسورة ثم ذال معجمة وهو ما يظهر عند الضحك من الاسنان وقيل هي الانياب وقيل الاضراس وقيل الدواخل من الاضراس التي في أقصى الحلق زاد شيبان بن عبد الرحمن تصديقا لقول الحبر وفي رواية فضيل المذكورة هنا تعجبا وتصديقا له وعند مسلم تعجبا مما قال الحبر تصديقا له وفي رواية جرير عنده وتصديقا له بزيادة واو وأخرجه بن خزيمة من رواية إسرائيل عن منصور حتى بدت نواجذه تصديقا لقوله وقال بن بطال لا يحمل ذكر الاصبع على الجارحة بل يحمل على انه صفة من صفات الذات لا تكيف ولا تحدد وهذا ينسب للاشعري وعن بن فورك يجوز ان يكون الاصبع خلقا يخلقه الله فيحمله الله ما يحمل الاصبع ويحتمل ان يراد به القدرة والسلطان كقول القائل ما فلان الا بين أصبعين إذا أراد الاخبار عن قدرته عليه وأيد بن التين الاول بأنه قال على أصبع ولم يقل على أصبعيه قال ابن بطال وحاصل الخبر انه ذكر المخلوقات وأخبر عن قدرة الله على جميعها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تصديقا له وتعجبا من كونه يستعظم ذلك في قدرة الله تعالى وان ذلك ليس في جنب ما يقدر عليه بعظيم ولذلك قرأ قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره الآية أي ليس قدره في القدرة على ما يخلق على الحد الذي ينتهي إليه الوهم ويحيط به الحصر لانه تعالى يقدر على امساك مخلوقاته على غير شئ كما هي اليوم قال تعالى ان الله يمسك السماوات والارض ان تزولا وقال رفع السماوات بغير عمد ترونها وقال الخطابي لم يقع ذكر الاصبع في القرآن ولا في حديث مقطوع به وقد تقرر ان اليد ليست بجارحة حتى يتوهم من ثبوتها ثبوت الاصابع بل هو توقيف أطلقه الشارع فلا يكيف ولا يشبه ولعل ذكر الاصابع من تخليط اليهودي فان اليهود مشبهة وفيما يدعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه ولا تدخل في مذاهب المسلمين واما ضحكه صلى الله عليه وسلم من قول الحبر فيحتمل الرضى والانكار واما قول الراوي تصديقا له فظن منه وحسبان وقد جاء الحديث من عدة طرق ليس فيها هذه الزيادة وعلى تقدير صحتها فقد يستدل بحمرة الوجه على الخجل وبصفرته على الوجل ويكون الامر بخلاف ذلك فقد تكون الحمرة لامر حدث في البدن كثوران الدم والصفرة لثوران خلط من مرار وغيره وعلى تقدير ان يكون ذلك محفوظا فهو محمول على تأويل قوله تعالى والسموات مطويات بيمينه أي قدرته على طيها وسهولة الامر عليه في جمعها بمنزلة من جمع شيئا في كفه واستقل بحمله من غير ان يجمع كفه عليه بل يقله ببعض أصابعه وقد جرى في أمثالهم فلان يقل كذا بأصبعه ويعمله بخنصره انتهى ملخصا وقد تعقب بعضهم إنكار ورود الاصابع لوروده في عدة أحاديث كالحديث الذي أخرجه مسلم ان قلب بن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن ولا يرد عليه لانه انما نفى القطع وقال القرطبي في المفهم قوله ان الله يمسك إلى آخر الحديث هذا كله قول اليهودي وهم يعتقدون التجسيم وان الله شخص ذو جوارح كما يعتقده غلاة المشبهة من هذه الامة وضحك النبي صلى الله عليه وسلم انما هو للتعجب من جهل اليهودي ولهذا قرأ عند
[ 337 ]
ذلك وما قدروا الله حق قدره أي ما عرفوه حق معرفته ولا عظموه حق تعظيمه فهذه الرواية هي الصحيحة المحققة واما من زاد وتصديقا له فليست بشئ فانها من قول الراوي وهي باطلة لان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصدق المحال وهذه الاوصاف في حق الله محال إذ لو كان ذا يد وأصابع وجوارح كان كواحد منا فكان يجب له من الافتقار والحدوث والنقص والعجز ما يجب لنا ولو كان كذلك لاستحال أن يكون الها إذ لو جازت الالهية لمن هذه صفته لصحت للدجال وهو محال فالمفضي إليه كذب فقول اليهودي كذب ومحال ولذلك أنزل الله في الرد عليه وما قدروا الله حق قدره وانما تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من جهله فظن الراوي ان ذلك التعجب تصديق وليس كذلك فان قيل قد صح حديث ان قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن فالجواب انه إذا جاءنا مثل هذا في الكلام الصادق تأولناه أو توقفنا فيه إلى ان يتبين وجهه مع القطع باستحالة ظاهره لضرورة صدق من دلت المعجزة على صدقه واما إذا جاء على لسان من يجوز عليه الكذب بل على لسان من أخبر الصادق عن نوعه بالكذب والتحريف كذبناه وقبحناه ثم لو سلمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بتصديقه لم يكن ذلك تصديقا له في المعنى بل في اللفظ الذي نقله من كتابه عن نبيه ونقطع بان ظاهره غير مراد انتهى ملخصا وهذا الذي نحا إليه اخيرا أولى مما ابتدأ به لما فيه من الطعن على ثقات الرواة ورد الاخبار الثابته ولو كان الامر على خلاف ما فهمه الراوي بالظن للزم منه تقرير النبي صلى الله عليه وسلم على الباطل وسكوته عن الانكار وحاشا لله من ذلك وقد اشتد إنكار بن خزيمة على من ادعى ان الضحك المذكور كان على سبيل الانكار فقال بعد ان اورد هذا الحديث في كتاب التوحيد من صحيحه بطريقه قد اجل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن ان يوصف ربه بحضرته بما ليس هو من صفاته فيجعل بدل الانكار والغضب على الواصف ضحكا بل لا يوصف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف من يؤمن بنبوته وقد وقع الحديث الماضي في الرقاق عن أبي سعيد رفعه تكون الارض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفؤ أحدكم خبزته الحديث وفيه ان يهوديا دخل فأخبر بمثل ذلك فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه ثم ضحك (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا شخص أغير من الله كذا لهم ووقع عند بن بطال بلفظ أحد بدل شخص وكأنه من تغييره (6980) قوله عبد الملك هو بن عمير والمغيرة هو بن شعيبة كما تقدم التنبيه عليه في اواخر الحدود والمحاربين فإنه ساق من الحديث هناك بهذا السند إلى قوله والله أغير مني وتقدم شرح القول المذكور هناك وتقدم الكلام على غيرة الله في شرح حديث بن مسعود وان الكلام عليه تقدم في شرح حديث أسماء بنت أبي بكر في كتاب الكسوف قال بن دقيق العيد المنزهون لله اما ساكت عن التأويل واما مؤول والثاني يقول المراد بالغيرة المنع من الشئ والحماية وهما من لوازم الغيرة فاطلقت على سبيل المجاز كالملازمة وغيرها من الاوجه الشائعة في لسان العرب قوله ولا أحد احب إليه العذر من الله ومن اجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين يعني الرسل وقد وقع في رواية مسلم بعث المرسلين مبشرين ومنذرين وهي أوضح وله من حديث بن مسعود ولذلك انزل الكتب والرسل أي وأرسل الرسل قال بن بطال هو من قوله تعالى وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات فالعذر في هذا الحديث التوبة والانابة كذا قال وقال
[ 338 ]
عياض المعنى بعث المرسلين للاعذار والانذار لخلقه قبل أخذه بالعقوبة وهو كقوله تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وحكى القرطبي في المفهم عن بعض أهل المعاني انما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا أحد احب إليه العذر من الله عقب قوله لا أحد أغير من الله منبها لسعد بن عبادة على ان الصواب خلاف ما ذهب إليه ورادعا له عن الاقدام على قتل من يجده مع امرأته فكأنه قال إذا كان الله مع كونه أشد غيرة منك يحب الاعذار ولا يؤاخذ الا بعد الحجة فكيف تقدم أنت على القتل في تلك الحالة قوله ولا أحد أحب إليه يجوز في احب الرفع والنصب كما تقدم في الحدود قوله المدحة من الله بكسر الميم مع هاء التأنيث وبفتحها مع حذف الهاء والمدح الثناء بذكر أوصاف الكمال والافضال قاله القرطبي قوله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة كذا فيه بحذف أحد المفعولين للعلم به والمراد به من أطاعه وفي رواية مسلم وعد الجنة بإضمار الفاعل وهو الله قال بن بطال أراد به المدح من عباده بطاعته وتنزيهه عما لا يليق به والثناء عليه بنعمه ليجازيهم على ذلك وقال القرطبي ذكر المدح مقرونا بالغيرة والعذر تنبيها لسعد على ان لا يعمل بمقتضى غيرته ولا يعجل بل يتأنى ويترفق ويتثبت حتى يحصل على وجه الصواب فينال كمال الثناء والمدح والثواب لايثاره الحق وقمع نفسه وغلبتها عند هيجانها وهو نحو قوله الشديد من يملك نفسه عند الغضب وهو حديث صحيح متفق عليه وقال عياض معنى قوله وعد الجنة انه لما وعد بها ورغب فيها كثر السؤال له والطلب إليه والثناء عليه قال ولا يحتج بهذا على جواز استجلاب الانسان الثناء على نفسه فإنه مذموم ومنهي عنه بخلاف حبه له في قلبه إذا لم يجد من ذلك بدا فإنه لا يذم بذلك فالله سبحانه وتعالى مستحق للمدح بكماله والنقص للعبد لازم ولو استحق المدح من جهة ما لكن المدح يفسد قلبه ويعظمه في نفسه حتى يحتقر غيره ولهذا جاء احثوا في وجوه المداحين التراب وهو حديث صحيح أخرجه مسلم قوله وقال عبيد الله بن عمرو هو الرقي الاسدي عن عبد الملك هو بن عمير قوله لا شخص أغير من الله يعني ان عبيد الله بن عمرو روى الحديث المذكور عن عبد الملك بالسند المذكور أولا فقال لا شخص بدل قوله لا أحد وقد وصله الدارمي عن زكريا بن عدي عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بن عمير عن وراد مولى المغيرة عن المغيرة قال بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن سعد بن عبادة يقول فذكره بطوله وساقه أبو عوانة يعقوب الاسفرايني في صحيحه عن محمد بن عيسى العطار عن زكريا بتمامه وقال في المواضع الثلاثة لا شخص قال الاسماعيلي بعد ان أخرجه من طريق عبيد الله بن عمر القواريري وأبي كامل فضيل بن حسين الجحدري ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ثلاثتهم عن أبي عوانة الوضاح البصري بالسند الذي أخرجه البخاري لكن قال في المواضع الثلاثة لا شخص بدل لا أحد ثم ساقه من طريق زائدة بن قدامة عن عبد الملك كذلك فكأن هذه اللفظة لم تقع في رواية البخاري في حديث أبي عوانة عن عبد الملك فلذلك علقها عن عبيد الله بن عمرو قلت وقد أخرجه مسلم عن القواريري وأبي كامل كذلك ومن طريق زائدة أيضا قال بن بطال اجمعت الامة على ان الله تعالى لا يجوز ان يوصف بأنه شخص لان التوقيف لم يرد به وقد منعت منه المجسمة مع قولهم بأنه جسم لا كالاجسام كذا قال والمنقول عنهم خلاف ما قال وقال الاسماعيلي ليس في قوله لا شخص أغير من الله اثبات ان الله شخص بل هو كما جاء ما خلق
[ 339 ]
الله أعظم من آية الكرسي فإنه ليس فيه اثبات ان آية الكرسي مخلوقة بل المراد انها أعظم من المخلوقات وهو كما يقول من يصف امرأة كاملة الفضل حسنة الخلق ما في الناس رجل يشبهها يريد تفضيلها على الرجال لا انها رجل وقال بن بطال اختلفت ألفاظ هذا الحديث فلم يختلف في حديث بن مسعود انه بلفظ لا أحد فظهر ان لفظ شخص جاء موضع أحد فكأنه من تصرف الراوي ثم قال على انه من باب المستثنى من غير جنسه قوله تعالى وما لهم به من علم ان يتبعون الا الظن وليس الظن من نوع العلم قلت وهذا هو المعتمد وقد قرره بن فورك ومنه اخذه بن بطال فقال بعدما تقدم من التمثيل بقوله ان يتبعون الا الظن فالتقدير ان الاشخاص الموصوفة بالغيرة لا تبلغ غيرتها وان تناهت غيرة الله تعالى وان لم يكن شخصا بوجه واما الخطابي فبنى على ان هذا التركيب يقتضى اثبات هذا الوصف لله تعالى فبالغ في الانكار وتخطئة الراوي فقال إطلاق الشخص في صفات الله تعالى غير جائز لانة الشخص لا يكون الا جسما مؤلفا فخليق ان لا تكون هذه اللفظة صحيحة وان تكون تصحيفا من الراوي ودليل ذلك ان أبا عوانة روى هذا الخبر عن عبد الملك فلم يذكرها ووقع في حديث أبي هريرة وأسماء بنت أبي بكر بلفظ شئ والشئ والشخص في الوزن سواء فمن لم يمعن في الاستماع لم يأمن الوهم وليس كل من الرواة يراعى لفظ الحديث حتى لا يتعداه بل كثير منهم يحدث بالمعنى وليس كلهم فهما بل في كلام بعضهم جفاء وتعجرف فلعل لفظ شخص جرى على هذا السبيل ان لم يكن غلطا من قبيل التصحيف يعنى السمعى قال ثم ان عبيد الله بن عمرو انفرد عن عبد الملك فلم يتابع عليه واعتوره الفساد من هذة الاوجه وقد تلقى هذا عن الخطابي أبو بكر بن فورك فقال لفظ الشخص غير ثابت من طريق السند فان صح فبيانه في الحديث الآخر وهو قوله لا أحد فاستعمل الراوي لفظ شخص موضع أحد ثم ذكر نحو ما تقدم عن بن بطال ومنه اخذ بن بطال ثم قال بن فورك وانما منعنا من إطلاق لفظ الشخص أمور أحدها ان اللفظ لم يثبت من طريق السمع والثاني الاجماع على المنع منه والثالث ان معناه الجسم المؤلف المركب ثم قال ومعنى الغيرة الزجر والتحريم فالمعنى ان سعدا الزجور عن المحارم وانا أشد زجرا منه والله ازجر من الجميع انتهى وطعن الخطابي ومن تبعه في السند مبني على تفرد عبيد الله بن عمرو به وليس كذلك كما تقدم وكلامه ظاهر في انه لم يراجع صحيح مسلم ولا غيره من الكتب التي وقع فيها هذا اللفظ من غير رواية عبيد الله بن عمرو ورد الروايات الصحيحة والطعن في أئمة الحديث الضابطين مع إمكان توجيه ما رووا من الامور التي اقدم عليها كثير من غير أهل الحديث وقد يقضى قصور فهم من فعل ذلك منهم ومن ثم قال الكرماني لا حاجة لتخطئة الرواة الثقاه بل حكم هذا حكم سائر المتشابهات إما التفويض وإما التأويل وقال عياض بعد ان ذكر معنى قوله ولا أحد احب إليه العذر من الله انه قدم الاعذار والانذار قبل اخذهم بالعقوبة وعلى هذا لا يكون في ذكر الشخص ما يشكل كذا قال ولم يتجه اخذ نفي الاشكال مما ذكر ثم قال ويجوز ان يكون لفظ الشخص وقع تجوزا من شئ أو أحد كما يجوز إطلاق الشخص على غير الله تعالى وقد يكون المراد بالشخص المرتفع لان الشخص هو ما ظهر وشخص وارتفع فيكون المعنى لا مرتفع ارفع من الله كقوله لا متعالي أعلى من الله قال ويحتمل ان يكون المعنى لا ينبغي لشخص ان يكون اغير من الله تعالى وهو مع ذلك لم يعجل ولا بادر بعقوبة عبده
[ 340 ]
لارتكابه ما نهاه عنه بل حذره وانذره واعذر إليه وأمهله فينبغي ان يتأدب بأدبه ويقف عند امره ونهيه وبهذا تظهر مناسبة تعقيبه بقوله ولا أحد احب إليه العذر من الله وقال القرطبي أصل وضع الشخص يعنى في اللغة لجرم الانسان وجسمه يقال شخص فلان وجثمانه واستعمل في كل شئ ظاهر يقال شخص الشئ إذا ظهر وهذا المعنى محال على الله تعالى فوجب تأويله فقيل معناه لا مرتفع وقيل لا شئ وهو اشبه من الاول واوضح منه لا موجود أو لا أحد وهو أحسنها وقد ثبت في الرواية الاخرى وكأن لفظ الشخص اطلق مبالغة في اثبات ايمان من يتعذر على فهمه موجود لا يشبه شيئا من الموجودات لئلا يفضى به ذلك إلى النفي والتعطيل وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله قالت في السماء فحكم بإيمانها مخافة ان تقع في التعطيل لقصور فهمها عما ينبغي له من تنزيهه مما يقتضى التشبيه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا تنبيه لم يفصح المصنف لاطلاق الشخص على الله بل اورد ذلك على طريق الاحتمال وقد جزم في الذي بعده فتسميته شيئا لظهور ذلك فيما ذكره من الآيتين (0) قوله باب بالتنوين قل أي شئ أكبر شهادة قل الله وسمى الله تعالى نفسه شيئا كذا لابي ذر والقابسي وسقط لفظ باب لغيرهما من رواية الفربري وسقطت الترجمة من رواية النسفي وذكر قوله قل أي شئ أكبر شهادة وحديث سهل بن سعد بعد اثرى أبي العالية ومجاهد في تفسير استوى على العرش ووقع عند الاصيلى وكريمه قل أي شئ أكبر شهادة سمى الله نفسه شيئا قل الله والاول أولى وتوجيه الترجمة ان لفظ أي إذا جاءت استفهامية اقتضى الظاهر ان يكون سمي باسم ما اضيف إليه فعلى هذا يصح ان يسمى الله شيئا وتكون الجلالة خبر مبتدأ محذوف أي ذلك الشئ هو الله ويجوز ان يكون مبتدأ محذوف الخبر والتقدير الله أكبر شهادة والله اعلم قوله وسمى النبي صلى الله عليه وسلم القرآن شيئا وهو صفة من صفات الله يشير إلى الحديث الذي أورده من حديث سهل بن سعد وفيه امعك من القرآن شئ وهو مختصر من حديث طويل في قصة الواهبة تقدم بطوله مشروحا في كتاب النكاح وتوجيهه ان بعض القرآن قرآن وقد سماه الله شيئا قوله وقال كل شئ هالك الا وجهه الاستدلال بهذه الآية للمطلوب ينبني على ان الاستثناء فيها متصل فإنه يقتضى اندراج المستثنى في المستثنى منه وهو الراجح على ان لفظ شئ يطلق على الله تعالى وهو الراجح أيضا والمراد بالوجه الذات وتوجيهه انه عبر عن الجملة بأشهر ما فيها ويحتمل ان يراد بالوجه ما يعمل لاجل الله أو الجاه وقيل ان الاستثناء منقطع والتقدير لكن هو سبحانه لا يهلك والشئ يساوى الموجود لغة وعرفا واما قولهم فلان ليس بشئ فهو على طريق المبالغة في الذم فلذلك وصفه بصفة المعدوم وأشار بن بطال إلى ان البخاري انتزع هذه الترجمة من كلام عبد العزيز بن يحيى المكي فإنه قال في كتاب الحيدة سمى الله تعالى نفسه شيئا اثباتا لوجوده ونفيا للعدم عنه وكذا أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه ولم يجعل لفظ شئ من أسمائه بل دل على نفسه أنه شئ تكذيبا للدهرية ومنكري الالهية من الامم وسبق في علمه أنه سيكون من يلحد في أسمائه ويلبس على خلقه ويدخل كلامه من الاشياء المخلوقة فقال ليس كمثله شئ فأخرج نفسه وكلامه من الاشياء المخلوقة ثم وصف كلامه بما وصف به نفسه فقال وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما انزل الله على بشر من شئ وقال تعالى أو قال اوحي الي ولم يوح إليه شئ فدل على كلامه بما دل على نفسه ليعلم
[ 341 ]
ان كلامه صفة من صفات ذاته فكل صفة تسمى شيئا بمعنى انها موجودة وحكى بن بطال أيضا أن في هذه الآيات والآثار ردا على من زعم انه لا يجوز ان يطلق على الله شئ كما صرح به عبد الله الناشئ المتكلم وغيره وردا على من زعم ان المعدوم شئ وقد اطبق العقلاء على ان لفظ شئ يقتضي اثبات موجود وعلى ان لفظ لا شئ يقتضي نفي موجود الا ما تقدم من اطلاقهم ليس بشئ في الذم فإنه بطريق المجاز (0) قوله باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم كذا ذكر قطعتين من آيتين وتلطف في ذكر الثانية عقب الاولى لرد من توهم من قوله في الحديث كان الله ولم يكن شئ قبله وكان عرشه على الماء ان العرش لم يزل مع الله تعالى وهو مذهب باطل وكذا من زعم من الفلاسفة ان العرش هو الخالق الصانع وربما تمسك بعضهم وهو أبو إسحاق الهروي بما أخرجه من طريق سفيان الثوري حدثنا أبو هشام هو الرماني بالراء والتشديد عن مجاهد عن بن عباس قال ان الله كان على عرشه قبل ان يخلق شيئا فأول ما خلق الله القلم وهذه الاولية محمولة على خلق السماوات والارض وما فيهما فقد أخرج عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة في قوله تعالى وكان عرشه على الماء قال هذا بدأ خلقه قبل ان يخلق السماء وعرشه من ياقوتة حمراء فأردف المصنف بقوله رب العرش العظيم إشارة إلى ان العرش مربوب وكل مربوب مخلوق وختم الباب بالحديث الذي فيه فإذا انا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فان في اثبات القوائم للعرش دلالة على انه جسم مركب له أبعاض وأجزاء والجسم المؤلف محدث مخلوق وقال البيهقي في الاسماء والصفات أنفقت أقاويل هذا التفسير على أن العرش هو السرير وانه جسم خلقه الله وأمر ملائكته بحمله وتعبدهم بتعظيمه والطواف به كما خلق في الارض بيتا وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة وفي الآيات أي التي ذكرها والاحاديث والآثار دلالة على على صحة ما ذهبوا إليه قوله قال أبو العالية استوى إلى السماء ارتفع فسوى خلق في رواية الكشميهني فسواهن خلقهن وهو الموافق للمنقول عن أبي العالية لكن بلفظ فقضاهن كما أخرجه الطبري من طريق أبي جعفر الرازي عنه في قوله تعالى ثم استوى إلى السماء قال ارتفع وفي قوله فقضاهن خلقهن وهذا هو المعتمد والذي وقع فسواهن تغيير ووقع لفظ سوى أيضا في سورة النازعات في قوله تعالى رفع سمكها فسواها وليس المراد هنا وقد تقدم في تفسير سورة فصلت في حديث بن عباس الذي أجاب به عن الاسئلة التي قال السائل أنها اختلفت عليه في القرآن فان فيها انه خلق الارض قبل السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ثم دحى الارض ثم ان في تفسير سوى بخلق نظرا لان في التسوية قدرا زائدا على الخلق كما في قوله تعالى الذي خلق فسوى قوله وقال مجاهدا استوى علا على العرش وصله الفريابي عن ورقاء عن بن أبي نجيح عنه قال بن بطال اختلف الناس في الاستواء المذكور هنا فقالت المعتزلة معناه الاستيلاء بالقهر والغلبة واحتجوا بقول الشاعر قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق وقالت الجسمية معناه الاستقرار وقال بعض أهل السنة معناه ارتفع وبعضهم معناه علا وبعضهم معناه الملك والقدرة ومنه استوت له الممالك يقال لمن أطاعه أهل البلاد وقيل معنى الاستواء التمام والفراغ من فعل الشئ ومنه قوله تعالى ولما بلغ أشده واستوى فعلى هذا فمعنى
[ 342 ]
استوى على العرش أتم الخلق وخص لفظ العرش لكونه أعظم الاشياء وقيل ان على في قوله على العرش بمعنى إلى فالمراد على هذا انتهى إلى العرش أي فيما يتعلق بالعرش لانه خلق الخلق شيئا بعد شئ ثم قال بن بطال فأما قول المعتزلة فإنه فاسد لانه لم يزل قاهرا غالبا مستوليا وقوله ثم استوى يقتضي افتتاح هذا الوصف بعد ان لم يكن ولازم تأوليهم انه كان مغالبا فيه فاستولى عليه بقهر من غالبه وهذا منتف عن الله سبحانه واما قول المجسمة ففاسد أيضا لان الاستقرار من صفات الاجسام ويلزم منه الحلول والتناهي وهو محال في حق الله تعالى ولائق بالمخلوقات لقوله تعالى فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك وقوله لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه قال واما تفسير استوى علا فهو صحيح وهو المذهب الحق وقول أهل السنة لان الله سبحانه وصف نفسه بالعلي وقال سبحانه وتعالى عما يشركون وهي صفة من صفات الذات واما من فسره أرتفع ففيه نظر لانه لم يصف به نفسه قال واختلف أهل السنة على الاستواء صفة ذات أو صفة فعل فمن قال معناه علا قال هي صفة ذات ومن قال غير ذلك قال وهي صفة فعل وان الله فعل فعلا سماه استوى على عرشه لا ان ذلك قائم بذاته لاستحالة قيام الحوادث به انتهى ملخصا وقد الزمه من فسره بالاستيلاء بمثل ما ألزم هو به من انه صار قاهرا بعد ان لم يكن فيلزم انه صار غالبا بعد ان لم يكن والانفصال عن ذلك للفريقين بالتسمك بقوله تعالى وكان الله عليما حكيما فان أهل العلم بالتفسير قالوا معناه لم يزل كذلك كما تقدم بيانه عن بن عباس في تفسير فصلت وبقى من معاني استوى ما نقل عن ثعلب استوى الوجه اتصل واستوى القمر امتلا واستوى فلان وفلان تماثلا واستوى إلى المكان أقبل واستوى القاعد قائما والنائم قاعدا ويمكن رد بعض هذه المعاني إلى بعض وكذا ما تقدم عن بن بطال وقد نقل أبو إسماعيل الهروي في كتاب الفاروق بسنده إلى داود بن علي بن خلف قال كنا عند أبي عبد الله بن الاعرابي يعني محمد بن زياد اللغوي فقال له رجل الرحمن على العرش استوى فقال هو على العرش كما أخبر قال يا أبا عبد الله انما معناه استولى فقال اسكت لا يقال استولى على الشئ الا ان يكون له مضاد ومن طريق محمد بن أحمد بن النضر الازدي سمعت بن الاعرابي يقول أرادني أحمد بن أبي داود ان أجد له في لغة العرب الرحمن على العرش استوى بمعنى استولى فقلت والله ما أصبت هذا وقال غيره لو كان بمعنى استولى لم يختص بالعرش لانه غالب على جميع المخلوقات ونقل محيي السنة البغوي في تفسيره عن بن عباس وأكثر المفسرين ان معناه ارتفع وقال أبو عبيد والفراء وغيرهما بنحوه واخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أمه عن أم سلمة انها قالت الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والاقرار به إيمان والجحود به كفر ومن طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن انه سئل كيف استوى على العرش فقال الاستواء غير مجهول الكيف غير معقول وعلى الله الرسالة وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم واخرج البيهقي بسند جيد عن الاوزاعي قال كنا والتابعون متوافرون نقول ان الله على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته وأخرج الثعلبي من وجه آخر عن الاوزاعي انه سئل عن قوله تعالى ثم استوى على العرش فقال هو كما وصف نفسه وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب قال كنا عند مالك فدخل رجل فقال يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى كيف استوى فأطرق مالك فأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال الرحمن على
[ 343 ]
العرش استوى كما وصف به نفسه ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع وما أراك الا صاحب بدعة أخرجوه ومن طريق يحيى بن يحيى عن مالك نحو المنقول عن أم سلمة لكن قال فيه والاقرار به واجب والسؤال عنه بدعة وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحددون ولا يشبهون ويروون هذه الاحاديث ولا يقولون كيف قال أبو داود وهو قولنا قال البيهقي وعلى هذا مضى أكابرنا وأسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الايمان بالقرآن وبالاحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير فمن فسر شيئا منها وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفارق الجماعة لانه وصف الرب بصفة لا شئ ومن طريق الوليد بن مسلم سألت الاوزاعي ومالكا والثوري والليث بن سعد عن الاحاديث التي فيها الصفة فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيف وأخرج بن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الاعلى سمعت الشافعي يقول لله أسماء وصفات لا يسع أحدا ردها ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر واما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل لانه علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال ليس كمثله شئ وأسند البيهقي بسند صحيح عن أحمد بن أبي الحواري عن سفيان بن عيينة قال كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه ومن طريق أبي بكر الضبعي قال مذهب أهل السنة في قوله الرحمن على العرش استوى قال بلا كيف والآثار فيه عن السلف كثيرة وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل وقال الترمذي في الجامع عقب حديث أبي هريرة في النزول وهو على العرش كما وصف به نفسه في كتابه كذا قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات وقال في باب فضل الصدقة قد ثبتت هذه الروايات فنؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال كيف كذا جاء عن مالك وابن عيينة وابن المبارك انهم أمروها بلا كيف وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة وأما الجهمية فانكروها وقالوا هذا تشبيه وقال إسحاق بن راهويه انما يكون التشبيه لو قال يد كيد وسمع كسمع وقال في تفسير المائدة قال الائمة نؤمن بهذه الاحاديث من غير تفسير منهم الثوري ومالك وابن عيينة وابن المبارك وقال بن عبد البر أهل السنة مجمعون على الاقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة ولم يكيفوا شيئا منها واما الجهمية والمعتزلة والخوارج فقالوا من أقر بها فهو مشبه فسماهم من أقر بها معطلة وقال امام الحرمين في الرسالة النظامية اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل واجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله تعالى الذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقيدة اتباع سلف الامة للدليل القاطع على ان إجماع الامة حجة فلو كان تأويل هذه الظواهر حتما لا وشك ان يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة وإذ انصرم عصر الصحابة والتابعين على الاضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع انتهى وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث وهم فقهاء الامصار كالثوري والاوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم وكذا من أخذ عنهم من الائمة فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة
[ 344 ]
وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة وقسم بعضهم أقوال الناس في هذا الباب إلى ستة أقوال قولان لمن يجريها على ظاهرها أحدهما من يعتقد انها من جنس صفات المخلوقين وهم المشبهة ويتفرع من قولهم عدة آراء والثاني من ينفي عنها شبه صفة المخلوقين لان ذات الله لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه الصفات فان صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته وقولان لمن يثبت كونها صفة ولكن لا يجريها على ظاهرها أحدهما يقول لا نؤول شيئا منها بل نقول الله أعلم بمراده والآخر يؤول فيقول مثلا معنى الاستواء الاستيلاء واليد القدرة ونحو ذلك وقولان لمن لا يجزم بأنها صفة أحدهما يقول يجوز ان تكون صفة وظاهرها غير مراد ويجوز أن لا تكون صفة والآخر يقول لا يخاض في شئ من هذا بل يجب الايمان به لانه من المتشابه الذي لا يدرك معناه قوله وقال بن عباس المجيد الكريم والودود الحبيب وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى ذو العرش المجيد قال المجيد الكريم وبه عن ب ن عباس في قوله تعالى وهو الغفور الودود قال الودود الحبيب وانما وقع تقديم المجيد قبل الودود هنا لان المراد تفسير لفظ المجيد الواقع في قوله ذو العرش المجيد فلما فسره استطرد لتفسير الاسم الذي قبله إشارة إلى أنه قرئ مرفوعا بالاتفاق وذو العرش بالرفع صفة له واختلفت القراء في المجيد بالرفع فيكون من صفات الله وبالكسر فيكون صفة العرش قال بن المنير جميع ما ذكره البخاري في هذا الباب يشتمل على ذكر العرش الا أثر بن عباس لكنه نبه به على لطيفة وهي ان المجيد في الآية على قراءة الكسر ليس صفة للعرش حتى لا يتخيل أنه قديم بل هي صفة الله بدليل قراءة الرفع وبدليل اقترانه بالودود فيكون الكسر على المجاورة لتجتمع القراءتان على معنى واحد انتهى ويؤيد انها عند البخاري صفة الله تعالى ما أردفه به وهو يقال حميد مجيد الخ ويؤيده حديث أبي هريرة الذي أخرجه الدارقطني بلفظ إذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى مجدني عبدي ذكره بن التين قال ويقال المجد في كلام العرب الشرف الواسع فالماجد من له آباء متقدمون في الشرف واما الحسب والكرم فيكونان في الرجل وان لم يكن له آباء شرفاء فالمجيد صيغة مبالغة من المجد وهو الشرف القديم وقال الراغب المجد السعة في الكرم والجلالة وأصله قولهم مجدت الابل أي وقعت في مرعى كثير واسع وأمجدها الراعي ووصف القرآن بالمجيد لما يتضمن من المكارم الدنيوية والاخروية انتهى ومع ذلك كله فلا يمتنع وصف العرش بذلك لجلالته وعظيم قدره كما أشار إليه الراغب ولذلك وصف بالكريم في سورة قد أفلح وأما تفسير الودود بالحبيب فإنه يأتي بمعنى المحب والمحبوب لان أصل الود محبة الشئ قال الراغب الودود يتضمن ما دخل في قوله تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه وقد تقدم معنى محبة الله تعالى لعباده ومحبتهم له قوله يقال حميد مجيد كأنه فعيل من ماجد محمود من حمد كذا لهم بغير ياء فعلا ماضيا ولغير أبي ذر عن الكشميهني محمود من حميد وأصل هذا قول أبو عبيدة في كتاب المجاز في قوله عليكم أهل البيت انه حميد مجيد أي محمود ماجد وقال الكرماني غرضه منه ان مجيدا بمعنى فاعل كقدير بمعنى قادر وحميدا بمعنى مفعول فلذلك قال مجيد من ماجد وحميد من محمود قال وفي بعض النسخ محمود من حميد وفي أخرى من حمد مبنى للفاعل والمفعول أيضا وذلك لاحتمال أن يكون حميد بمعنى حامد ومجيد بمعنى ممجد ثم قال وفي عبارة
[ 345 ]
البخاري تعقيد قلت وهو في قوله محمود من حمد وقد اختلف الرواة فيه والاولى فيه ما وجد في أصله وهو كلام أبي عبيدة ثم ذكر في الباب تسعة أحاديث لبعضها طريق أخرى الاول حديث عمران بن حصين وقوله في السند أنبأنا أبو حمزة هو السكري وقد تقدم قريبا في باب ويحذركم الله نفسه ووقع في رواية الكشميهني عن أبي حمزة وقوله (6982) عن جامع بن شداد تقدم في بدء الخلق في رواية حفص بن غياث عن الاعمش حدثنا جامع وجامع هذا يكنى أبا صخرة قوله اني عند النبي صلى الله عليه وسلم في رواية حفص دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم وهذا ظاهر في ان هذه القصة كانت بالمدينة ففيه تعقب على من وحد بين هذه القصة وبين القصة التي تقدمت في المغازي من حديث أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال فأتاه أعرابي فقال الا تنجز لي ما وعدتني فقال له أبشر فقال قد أكثرت علي من أبشر فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال رد البشرى فاقبلا أنتما قالا قبلنا الحديث ففسر القائل من بني تميم بشرتنا فاعطنا بهذا الاعرابي وفسر أهل اليمن بأبي موسى ووجه التعقب التصريح في قصة أبي موسى بأن القصة كانت الجعرانة وظاهر قصة عمران انها كانت بالمدينة فافترقا وزعم بن الجوزي ان القائل أعطنا هو الافرع بن حابس التميمي قوله إذا جاءه قوم من بني تميم في رواية أبي عاصم عن الثوري في المغازي جاءت بنو تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محمول على إرادة بعضهم وفي رواية محمد بن كثير عنه في بدء الخلق جاء نفر من بني تميم والمراد وفد تميم كما جاء صريحا عند بن حبان من طريق مؤمل بن إسماعيل عن سفيان جاء وفد بني تميم قوله إقبلوا البشرى يا بني تميم في رواية أبي عاصم أبشروا يا بني تميم والمراد بهذه البشارة أن من أسلم نجا من الخلود في النار ثم بعد ذلك يترتب جزاؤه على وفق عملة الا ان يعفوا الله وقال الكرماني بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يقتضي دخول الجنة حيث عرفهم أصول العقائد التي هي المبدأ والمعاد وما بينهما كذا قال وانما وقع التعريف هنا لاهل اليمن وذلك ظاهر من سياق الحديث ونقل بن التين عن الداودي قال في قول بني تميم جئناك لننفقه في الدين دليل على إجماع الصحابة لا ينعقد بأهل المدينة وحدها وتعقبه بان الصواب انه قول أهل اليمن لا بني تميم وهو كما قال بن التين لكن وقع عند بن حبان من طريق أبي عبيدة بن معن عن الاعمش بهذا السند ما نصه دخل عليه نفر من بني تميم فقالوا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الامر ولم يذكر أهل اليمن وهو خطأ من هذا الراوي كأنه اختصر الحديث فوقع في هذا الوهم قوله قالوا بشرتنا فاعطنا زاد في رواية حفص مرتين وزاد في رواية الثوري عن جامع في المغازي فقالوا اما إذا بشرتنا فاعطنا وفيها فتغير وجهه وفي رواية أبي عوانة عن الاعمش عند أبي نعيم في المستخرج فكأن النبي صلى الله عليه وسلم كره ذلك وفي أخرى في المغازي من طريق سفيان أيضا فرؤي ذلك في وجهه وفيها فقالوا يا رسول الله بشرتنا وهو دال على اسلامهم وانما راموا العاجل وسبب غضبه صلى الله عليه وسلم استشعاره بقلة علمهم لكونهم علقوا آمالهم بعاجل الدنيا الفانية وقدموا ذلك على التفقه في الدين الذي يحصل لهم ثواب الآخرة الباقية قال الكرماني دل قولهم بشرتنا على انهم قبلوا في الجملة لكن طلبوا مع
[ 346 ]
ذلك شيئا من الدنيا وانما نفى عنهم القبول المطلوب لا مطلق القبول وغضب حيث لم يهتموا بالسؤال عن حقائق كلمة التوحيد والمبدأ والمعاد ولم يعتنوا بضبطها ولم يسألوا عن موجباتها والموصلات إليها قال الطيبي لما لم يكن جل اهتمامهم الا بشأن الدنيا قالوا بشرتنا فاعطنا فمن ثم قال إذ لم يقبلها بنو تميم قوله فدخل ناس من أهل اليمن في رواية حفص ثم دخل عليه وفي رواية أبي عاصم فجاءه ناس من أهل اليمن قوله قالوا قبلنا زاد أبو عاصم وأبو نعيم يا رسول الله وكذا عند بن حبان من رواية شيبان بن عبد الرحمن عن جامع قوله جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الامر ما كان هذه الرواية أتم الروايات الواقعة عند المصنف وحذف ذلك كله في بعضها أو بعضه ووقع في رواية أبي معاوية عن الاعمش عند الاسماعيلي قالوا قد بشرتنا فأخبرنا عن أول هذا الامر كيف كان ولم أعرف اسم قائل ذلك من أهل اليمن والمراد بالامر في قولهم هذا الامر تقدم بيانه في بدء الخلق قوله كان الله ولم يكن شئ قبله تقدم في بدء الخلق بلفظ ولم يكن شئ غيره وفي رواية أبي معاوية كان الله قبل كل شئ وهو بمعنى كان الله ولا شئ معه وهي أصرح في الرد على من أثبت حوادث لا أول لها من رواية الباب وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية ووقفت في كلام له على هذا الحديث يرجح الرواية التي في هذا الباب على غيرها مع ان قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه على التي في بدء الخلق لا العكس والجمع يقدم على الترجيح بالاتفاق قال الطيبي قوله ولم يكن شئ قبله حال وفي المذهب الكوفي خبر والمعنى يساعده إذ التقدير كان الله منفردا وقد جوز الاخفش دخول الواو في خبر كان واخواتها نحو كان زيد وأبوه قائم على جعل الجملة خبرا مع الواو تشبيها للخبر بالحال ومال التوربشتي إلى أنهما جملتان مستقلتان وقد تقدم تقريره في بدء الخلق وقال الطيبي لفظة كان في الموضعين بحسب حال مدخولها فالمراد بالاول الازلية والقدم وبالثاني الحدوث بعد العدم ثم قال فالحاصل ان عطف قوله وكان عرشه على الماء على قوله كان الله من باب الاخبار عن حصول الجملتين في الوجود وتفويض الترتيب إلى الذهن قالوا وفيه بمنزلة ثم وقال الكرماني قوله وكان عرشه على الماء معطوف على قوله كان الله ولا يلزم منه المعية إذ اللازم من الواو العاطفة الاجتماع في أصل الثبوت وان كان هناك تقديم وتأخير قال غيره ومن ثم جاء شئ غيره ومن ثم جاء قوله ولم يكن شئ غيره لنفي توهم المعية قال الراغب كان عبارة عما مضى من الزمان لكنها في كثير من وصف الله تعالى تنبئ عن معنى الازلية كقوله تعالى وكان الله بكل شئ عليما قال وما استعمل منه في وصف شئ متعلقا بوصف له هو موجود فيه فللتنبيه على ان ذلك الوصف لازم له أو قليل الانفكاك عنه كقوله تعالى وكان الشيطان لربه كفورا وقوله وكان الانسان كفورا وإذا استعمل في الزمن الماضي جاز ان يكون المستعمل على حاله وجاز ان يكون قد تغير نحو كان فلان كذا ثم صار كذا واستدل به على ان العالم حادث لان قوله ولم يكن شئ غيره ظاهر في ذلك فان كل شئ سوى الله وجد بعد ان لم يكن موجودا قوله أدرك ناقتك فقد ذهبت في رواية أبي معاوية انحلت ناقتك من عقالها وزاد في آخر الحديث فلا أدري ما كان بعد ذلك أي مما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم تكملة لذلك الحديث قلت ولم أقف في شئ‌من المسانيد عن أحد من الصحابة على نظير هذه القصة التي ذكرها عمران ولو وجد ذلك لامكن ان يعرف منه ما أشار إليه عمران ويحتمل ان يكون اتفق ان الحديث انتهى عند قيامه قوله وأيم الله تقدم شرحها في كتاب
[ 347 ]
الايمان والنذور قوله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم الود المذكور تسلط على مجموع ذهابها وعدم قيامه لا على أحدهما فقط لان ذهابها كان قد تحقق بانفلاتها والمراد بالذهاب الفقد الكلي الحديث الثاني حديث أبي هريرة ان يمين الله ملاى وقد تقدم شرحه قبل بابين وقوله هنا وعرشه على الماء وقع في رواية إسحاق بن راهويه والعرش على الماء وظاهره انه كذلك حين التحريث بذلك وظاهر الحديث الذي قبله أن العرش كان على الماء قبل خلق السماوات والارض ويجمع بأنه لم يزل على الماء وليس المراد بالماء ماء البحر بل هو ماء تحت العرش كما شاء الله تعالى وقد جاء بيان ذلك في حديث ذكرته في أوائل الباب ويحتمل ان يكون على البحر بمعنى ان أرجل حملته في البحر كما ورد في بعض الآثار مما أخرجه الطبري والبيهقي من طريق السدي عن أبي مالك في قوله تعالى وسع كرسيه السماوات والارض قال ان الصخرة التي الارض السابعة عليها وهي منتهى الخلق على أرجائها أربعة من الملائكة لكل أحد منهم أربعة أوجه وجه انسان وأسد وثور ونسر فهم قيام عليها قد أحاطوا بالارضين والسموات رؤوسهم تحت الكرسي والكرسي تحت العرش وفي حديث أبي ذر الطويل الذي صححه بن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أبا ذر ما السماوات السبع مع الكرسي الا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة وله شاهد عن مجاهد أخرجه سعيد بن منصور في التفسير بسند صحيح عنه الحديث الثالث (6984) قوله حدثنا أحمد كذا للجميع غير منسوب وذكر أبو نصر الكلاباذي انه أحمد بن سيار المروزي وقال الحاكم هو أحمد بن نصر النيسابوري يعني المذكور في سورة الانفال وشيخه فيه محمد بن أبي بكر المقدمي قد أخرج عنه البخاري في كتاب الصلاة بغير واسطة وجزم أبو نعيم في المستخرج بأن البخاري اخرج هذا الحديث عن محمد بن أبي بكر المقدمي ولم يذكر واسطة والاول هو المعتمد وقد اخرج البخاري طرفا منه في تفسير سورة الاحزاب من وجه آخر عن حماد بن زيد وتقدم الكلام على قصة زينب بنت جحش وزيد بن حارثة هناك مبسوطا قوله قال أنس لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه ظاهره انه موصول بالسند المذكور لكن أخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة والاسماعيلي عنه نزلت وتخفي في نفسك ما الله مبديه في شأن زينب بنت جحش وكان زيد يشكو وهم بطلاقها يستأمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له امسك عليك زوجك واتق الله وهذا القدر هو المذكور في آخر الحديث هنا بلفظ وعن ثابت وتخفي في نفسك الخ ويستفاد منه موصول انه بالسند المذكور وليس بمعلق وأما قوله لو كان كاتما الخ فلم أره في غير هذا الموضع موصولا عن أنس وذكر بن التين عن الداودي انه نسب قوله لو كان كاتما لكتم قصة زينب إلى عائشة قال وعن غيرها لكتم عبس وتولى قلت قد ذكرت في تفسير سورة الاحزاب حديث عائشة قالت لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي الحديث وانه أخرجه مسلم والترمذي ثم وجدته في مسند الفردوس من وجه لآخر عن عائشة من لفظه صلى الله عليه وسلم لو كنت كاتما شيئا من الوحي الحديث واقتصر عياض في الشفاء على نسبتها إلى عائشة والحسن البصري وأغفل حديث أنس هذا وهو عند البخاري وقد قال الترمذي بعد تخريج حديث عائشة وفي الباب عن بن عباس وأشار إلى ما أخرجه واما الرواية الاخرى في عبس وتولى فلم أرها الا عند عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أحد الضعفاء
[ 348 ]
أخرجه الطبري وابن أبي حاتم عنه قال كان يقال لو ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي لكتم هذا عن نفسه وذكر قصة بن أم مكتوم ونزول عبس وتولى انتهى وقد اخرج القصة الترمذي وأبو يعلى والطبري والحاكم موصولة عن عائشة وليس فيها هذه الزيادة وأخرجها مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلة وهو المحفوظ عن هشام وتفرد يحيى بن سعيد الاموي بوصله عن هشام وأخرجها بن مردويه من وجه آخر عن عائشة كذلك بدونها وكذا من حديث أبي امامة وأوردها عبد بن حميد والطبراني وابن أبي حاتم من مرسل قتادة ومجاهد وعكرمة وأبي مالك الغفاري والضحاك والحكم وغيرهم وليس في رواية أحد منهم هذه الزيادة والله تعالى أعلم قوله قال فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قولها وزوجني الله عزوجل من فوق سبع سماوات أخرجه الاسماعيلي من طريق عارم بن الفضل عن حماد بهذا السند بلفظ نزلت في زينب بنت جحش فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها الآية وكانت تفخر الخ ثم ذكر رواية عيسى بن طهمان عن أنس في ذلك وهو آخر ما وقع في الصحيح من ثلاثيات البخاري وقد تقدم لعيسى حديث آخر في اللباس لكنه ليس ثلاثيا ولفظه هنا وكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تقول ان الله أنكحني في السماء وزاد الاسماعيلي من طريق الفريابي وأبي قتيبة عن عيسى أنتن انكحكن آباؤكن وهذا الاطلاق محمول على البعض والا فالمحقق ان التي زوجها أبوها منهن عائشة وحفصة فقط وفي سودة وزينب بنت خزيمة وجويرية احتمال واما أم سلمة وأم حبيبة وصفية وميمونة فلم يزوج واحدة منهن أبوها ووقع عند بن سعد من وجه آخر عن أنس بلفظ قالت زينب يا رسول الله اني لست كأحد من نسائك ليست منهم امرأة الا زوجها أبوها أو اخوها أو أهلها غيري وسنده ضعيف ومن وجه آخر موصول عن أم سلمة قالت زينب ما انا كأحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم انهن زوجن بالمهور زوجهن الاولياء وانا زوجني الله رسوله صلى الله عليه وسلم وانزل الله في الكتاب وفي مرسل الشعبي قالت زينب يا رسول الله انا أعظم نسائك عليك حقا انا خيرهن منكحا وأكرمهن سفيرا وأقربهن رحما فزوجنيك الرحمن من فوق عرشه وكان جبريل هو السفير بذلك وانا ابنة عمتك وليس لك من نسائك قريبة غيري أخرجه الطبري وأبو القاسم الطحاوي في كتاب الحجة والتبيان له قوله من فوق سبع سماوات في رواية عيسى بن طهمان عن أنس المذكورة عقب هذا وكانت تقول ان الله عزوجل انكحني في السماء وسنده هذه آخر الثلاثيات التي ذكرت في البخاري وتقدم لعيسى بن طهمان حديث آخر غير ثلاثي تكلم فيه بن حبان بكلام لم يقبلوه منه وقوله في هذه الرواية وأطعم عليها يومئذ خبزا ولحما يعني في وليمتها وقد تقدم بيانه واضحا في تفسير سورة الاحزاب قوله في رواية حماد بن زيد بعد قوله سبع سماوات وعن ثابت وتخفي في نفسك الخ كذا وقع مرسلا ليس فيه أنس وقد تقدم من رواية يعلي بن منصور عن حماد بن زيد موصولا بذكر أنس فيه وكذلك وقع في رواية أحمد بن عبدة موصولا وأخرجه الاسماعيلي من رواية محمد بن سليمان لوين عن حماد موصولا أيضا وقد بين سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس كيفية تزويج زينب قال لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد اذكرها علي فذكر الحديث وقد أورده في تفسير سورة الاحزاب قال الكرماني (6985) قوله في السماء ظاهره غير مراد إذ الله منزه عن الحلول في المكان لكن
[ 349 ]
لما كانت جهة العلو أشرف من غيرها أضافها إليه إشارة إلى علو الذات والصفات وبنحو هذا أجاب غيره عن الالفاظ الواردة من الفوقية ونحوها قال الراغب فوق يستعمل في المكان والزمان والجسم والعدد والمنزلة والقهر فالاول باعتبار العلو ويقابله تحت نحو قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ارجلكم والثاني باعتبار الصعود والانحدار نحو إذا جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم والثالث في العدد نحو فان كن نساء فوق اثنتين والرابع في الكبر والصغر كقوله بعوضة فما فوقها والخامس يقع تارة باعتبار الفضيلة الدنيوية نحو ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات أو الاخروية نحو والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والسادس نحو قوله وهو القاهر فوق عباده يخافون ربهم من فوقهم انتهى ملخصا الحديث الرابع حديث أبي هريرة ان الله تعالى لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه ان رحمتي غلبت غضبي وقد تقدم في باب ويحذركم الله نفسه ويأتي بعض الكلام عليه في باب قوله تعالى في لوح محفوظ قال الخطابي المراد بالكتاب أحد شيئين اما القضاء الذي قضاه كقوله تعالى كتب الله لاغلبن انا ورسلي أي قضى ذلك قال ويكون معنى قوله فوق العرش أي عنده علم ذلك فهو لا ينساه ولا يبدله كقوله تعالى في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى واما اللوح المحفوظ الذي فيه ذكر أصناف الخلق وبيان امورهم وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم ويكون معنى فهو عنده فوق العرش أي ذكره وعلمه وكل ذلك جائز في التخريج على ان العرش خلق مخلوق تحمله الملائكة فلا يستحيل ان يماسوا العرش إذا حملوه وان كان حامل العرش وحامل حملته هو الله وليس قولنا ان الله على العرش أي مماس له أو متمكن فيه أو متحيز في جهة من جهاته بل هو خبر جاء به التوقيف فقلنا له به ونفينا عنه التكييف إذ ليس كمثله شئ وبالله التوفيق وقوله فوق عرشه صفة الكتاب وقيل ان فوق هنا بمعنى دون كما جاء في قوله تعالى بعوضة فما فوقها وهو بعيد وقال بن أبي جمرة يؤخذ من كون الكتاب المذكور فوق العرش ان الحكمة اقتضت ان يكون العرش حاملا لما شاء الله من أثر حكمة الله وقدرته وغامض غيبه ليستأثر هو بذلك من طريق العلم والاحاطة فيكون من أكبر الادلة على انفراده بعلم الغيب قال وقد يكون ذلك تفسيرا لقوله الرحمن على العرش استوى أي ما شاءه من قدرته وهو كتابه الذي وضعه فوق العرش الحديث الخامس حديث أبي هريرة الذي فيه ان في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين وقد تقدم شرحه في الجهاد مع الكلام على (6987) قوله كان حقا على الله وان معناه معنى قوله تعالى كتب ربكم على نفسه الرحمة وليس معناه ان ذلك لازم له لانه لا آمر له ولا ناهي يوجب عليه ما يلزمه المطالبة به وانما معناه انجاز ما وعد به من الثواب وهو لا يخلف الميعاد واما قوله مائة درجة فليس في سياقه التصريح بان العدد المذكور هو جميع درج الجنة من غير زيادة إذ ليس فيه ما ينفيها ويؤيد ذلك أن في حديث أبي سعيد المرفوع الذي أخرجه أبو داود وصححه الترمذي وابن حبان ويقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فان منزلك عند آخر آية تقرأها وعدد أي القرآن أكثر من ستة آلاف ومائتين والخلف فيما زاد على ذلك من الكسور وقوله فيه كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والارض اختلف الخبر الوارد في قدر مسافة ما بين السماء والارض وذكر هناك ما ورد في الترمذي انها مائة عام وفي الطبراني خمسمائة ويزاد هنا ما أخرجه بن خزيمة في التوحيد من صحيحه وابن أبي عاصم في كتاب السنة عن بن مسعود قال بين
[ 350 ]
السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة علم وبين كل سماء خمسمائة عام وفي رواية وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام وبين السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام والعرش فوق الماء والله فوق العرش ولا يخفى عليه شئ من أعمالكم وأخرجه البيهقي من حديث أبي ذر مرفوعا نحوه دون قوله وبين السابعة والكرسي الخ وزاد فيه وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك وفي حديث العباس بن عبد المطلب عند أبي داود وصححه بن حزيمة والحاكم مرفوعا هل تدرون بعد ما بين السماء والارض قلنا لا قال إحدى أو اثنتان أو ثلاث وسبعون قال وما فوقها مثل ذلك حتى عد سبع سماوات ثم فوق السماء السابعة البحر أسفله من أعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوقه ثمانية أوعال ما بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء ثم العرش فوق ذلك بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك والجمع بين اختلاف هذا العدد في هاتين الروايتين ان تحمل الخمسمائة على السير البطئ كسير الماشي على هينته وتحمل السبعين على السير السريع كسير السعاة ولولا التحديد بالزيادة على السبعين لحملنا السبعين على المبالغة فلا تنافي الخمسمائة وقد تقدم الجواب عن الفوقية في الذي قبله وقوله فيه وفوقه عرش الرحمن كذا للاكثر بنصب فوق على الظرفية ويؤيده الاحاديث التي قبل هذا وحكي في المشارق ان الاصيلي ضبطه بالرفع بمعنى أعلاه وأنكر ذلك في المطالع وقال انما قيده الاصيلي بالنصب كغيره والضمير في قوله فوقه للفردوس وقال بن التين بل هو راجع إلى الجنة كلها وتعقب بما في آخر الحديث هنا ومنه تفجر انهار الجنة فان الضمير للفردوس جزما ولا يستقيم أن يكون للجنان كلها وان كان وقع في رواية الكشميهني ومنها تفجر لانها خطأ فقد أخرج الاسماعيلي عن الحسن وسفيان عن إبراهيم بن المنذر شيخ البخاري فيه بلفظ ومنه بالضمير المذكر الحديث السادس حديث أبي ذر وقد تقدم شرحه في بدء الخلق وفي تفسير سورة يس والمراد منه هنا اثبات ان العرش مخلوق لانه ثبت ان له فوقا وتحتا وهما من صفات المخلوقات وقد تقدم صفة طلوع الشمس من المغرب في باب قول النبي قوله بعثت انا والساعة كهاتين من كتاب الرقاق قال بن بطال استئذان الشمس معناه أن الله يخلق فيها حياة يوجد القول عندها لان الله قادر على احياء الجماد والموات وقال غيره يحتمل ان يكون الاستئذان اسند إليها مجازا والمراد من هو موكل بها من الملائكة الحديث السابع حديث زيد بن ثابت في جمع القرآن وقد تقدم شرحه في فضائل القرآن والمراد منه آخر سورة براءة المشار إليه بقوله تعالى (6989) لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى قوله وهو رب العرش العظيم لانه أثبت ان للعرش ربا فهو مربوب وكل مربوب مخلوق وموسى شيخه فيه هو بن إسماعيل وإبراهيم شيخ شيخه في السند الاول هو بن سعد ورواية الليث المعلقة تقدم ذكر من وصلها في تفسير سورة براءة وروايته المسندة تقدم سياقها في فضائل القرآن مع شرح الحديث الحديث الثامن حديث بن عباس في دعاء الكرب وقد تقدم شرحه في كتاب الدعوات وسعيد في سنده هو بن أبي عروبة وأبو العالية هو الرياحي بكسر ثم تحتانية خفيفة واسمه رفيع بفاء مصغر واما أبو العالية البراء بفتح الموحدة وتشديد الراء فاسمه زياد بن فيروز وروايته عن بن عباس في أبواب تقصير الصلاة الحديث التاسع حديث أبي سعيد ذكره مختصرا وتقدم بهذا السند الذي
[ 351 ]
هنا تاما في كتاب الاشخاص وقوله (6991) وقال الماجشون بكسر الجيم وضم المعجمة هو عبد العزيز بن أبي سلمة وعبد الله بن الفضل أي بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي قوله عن أبي سلمة هو بن عبد الرحمن بن عوف قال أبو مسعود الدمشقي في الاطراف وتبعه جماعة من المحدثين انما روى الماجشون هذا عن عبد الله بن الفضل عن الاعرج لا عن أبي سلمة وحكموا على البخاري بالوهم في قوله عن أبي سلمة وحديث الاعرج الذي أشير إليه تقدم في أحاديث الانبياء من رواية عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون كما قالوا وكذا أخرجه مسلم في الفضائل والنسائي في التفسير من طريقه ولكن تحرر لي ان لعبد الله بن الفضل في هذا الحديث شيخين فقد أخرج أبو داود الطيالسي في مسنده عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة طرفا من هذا الحديث وظهر لي ان قول من قال عن الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن الاعرج أرجح ومن ثم وصلها البخاري وعلق الاخرى فان سلكنا سبيل الجمع استغني عن الترجيح والا فلا استدراك على البخاري في الحالين وكذا لا تعقب على بن الصلاح في تفرقته بين ما يقول فيه البخاري قال فلان جازما فيكون محكوما بصحته بخلاف ما لا يجزم به فإنه لا يكون جازما بصحته وقد تمسك بعض من اعترض عليه بهذا المثال فقال جزم بهذه الرواية وهي وهم وقد عرف مما حررته الجواب عن هذا الاعتراض وتقدم شرح المتن في أحاديث الانبياء في قصة موسى وقد ساقه هناك بتمامه بسند الحديث هنا تكلمة وقع في مرسل قتادة ان العرش من ياقوتة حمراء أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه في قوله وكان عرشه على الماء قال هذا بدء خلقه قبل أن يخلق السماء وعرشه من ياقوتة حمراء وله شاهد عن سهل بن سعد مرفوع لكن سنده ضعيف (0) قوله باب قول الله تعالى تعرج الملائكة والروح إليه وقوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب وقال أبو جمرة بالجيم والراء عن بن عباس بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وقال مجاهد العمل الصالح يرفع الكلم الطيب يقال ذي المعارج الملائكة تعرج إلى الله أما الآية الاولى فأشار إلى ما جاء في تفسيرها في الكلام الاخير وهو قول الفراء والمعارج من نعت الله وصف بذلك نفسه لان الملائكة تعرج إليه وحكى غيره ان معنى قوله ذي المعارج أي فواضل العالية وأما الآية الثانية فأشار إلى تفسير مجاهد لها في الاثر الذي قبله وقد وصله الفريابي من رواية بن أبي نجيح عن مجاهد وأخرج البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في تفسيرها الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائض الله فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه وقال الفراء معناه أن العمل الصالح يرفع الكلام الطيب أي يتقبل الكلام الطيب إذا كان معه عمل صالح وأما التعليق عن أبي جمرة فمضى موصولا في باب إسلام أبي ذر وساقه هناك بطوله والغرض منه قول أبي ذر لاخيه اعلم لي علم هذا الذي يأتيه الخبر من السماء وتقدم شرحه ثمة قال الراغب العروج ذهاب في صعود وقال أبو علي القالي في كتابه البارع المعارج جمع معرج بفتحتين كالمصاعد جمع مصعد والعروج الارتقاء يقال عرج بفتح الراء يعرج بضمها عروجا ومعرجا والمعرج المصعد والطريق التي تعرج فيها الملائكة إلى السماء والمعراج شبيه السلم أو درج تعرج فيه الارواح إذا قبضت وحيث تصعد أعمال بني آدم وقال بن دريد هو الذي يعاينه المريض عند الموت فيشخص فيما زعم أهل التفسير ويقال أنه بالغ في
[ 352 ]
الحسن بحيث أن النفس إذا رأته لا تتمالك ان تخرج قال البيهقي صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول وعروج الملائكة هو إلى منازلهم في السماء وأما ما وقع من التعبير في ذلك بقوله إلى الله فهو على ما تقدم عن السلف في التفويض وعن الائمة بعدهم في التأويل وقال بن بطال غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر وقد تقرر ان الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه فقد كان ولا مكان وانما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان انتهى وخلطه المجسمة بالجهمية من أعجب ما يسمع ثم ذكر فيه أربعة أحاديث لبعضها زيادة على الطريق الواحدة الحديث الاول عن أبي هريرة يتعاقبون فيكم ملائكة وقد تقدم شرحه في أوائل كتاب الصلاة وإسماعيل شيخه هو بن أبي أويس والمراد منه (6992) قوله فيه ثم يعرج الذين باتوا فيكم وقد تمسك بظواهر أحاديث الباب من زعم ان الحق سبحانه وتعالى في جهة العلو وقد ذكرت معنى العلو في حقه جل وعلا في الباب الذي قبله الحديث الثاني (6993) قوله وقال خالد بن مخلد كذا للجميع ووقع عند الخطابي في شرحه قال أبو عبد الله البخاري حدثنا خالد بن مخلد قوله حدثنا سليمان هو بن بلال المندي المشهور وقد وصله أبو بكر الجوزقي في الجمع بين الصحيحين قال حدثنا أبو العباس الدغولي حدثنا محمد بن معاذ السلمي قال حدثنا خالد بن مخلد فذكره مثل رواية البخاري سواء وكان أخرجه أبو عوانة في صحيحه عن محمد بن معاذ وبيض له أبو نعيم في المستخرج ثم قال رواه فقال وقال خالد بن مخلد وأخرجه مسلم عن أحمد بن عثمان عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال لكن خالف في شيخ سليمان فقال عند سهيل بن أبي صالح عن أبيه كما أوضحت ذلك في أوائل الزكاة وقد ضاق مخرجه عن الاسماعيلي وأبي نعيم في مستخرجيهما فأخرجاه من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح وهذه الرواية هي التي تقدمت للبخاري في كتاب الزكاة ودلت الرواية المعلقة وموافقة الجوزقي لها على ان لخالد فيه شيخين كما ان لعبد الله بن دينار فيه شيخين على ما دل عليه التعليق الذي بعده قوله وقال ورقاء يعني بن عمر عن عبد الله عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصعد إلى الله الا الطيب يريد ان رواية ورقاء موافقة لرواية سليمان الا في شيخ شيخهما فعند سليمان أنه عن أبي صالح وعند ورقاء انه عن سعيد بن يسار هذا في السند واما في المتن فظاهره انهما سواء الا في قوله الطيب فإنه في رواية ورقاء الطيب بغير ألف ولام وقد وصلها البيهقي من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم عن ورقاء فوقع عنده الطيب وقال في آخره مثل أحد عوض قوله في الرواية المعلقة مثل الجبل وقوله في الرواية المعلقة يتقبلها وقع في رواية الكشميهني يقبلها مخففا من غير مثناة وهي رواية البيهقي وقوله يربيها لصاحبه وقع في رواية المستملي يربيها لصاحبها وهي رواية البيهقي والباقي سواء وقد ذكرت في الزكاة اني لم أقف على رواية ورقاء هذه المعلقة ثم وجدتها بعد ذلك عند كتابتي هنا وقد تقدم شرح المتن في كتاب الزكاة ولله الحمد قال الخطابي ذكر اليمين في هذا الحديث معناه حسن القبول فان العادة قد جرت من ذوي الادب بأن تصان اليمين عن مس الاشياء الدنيئة وانما تباشر بها الاشياء التي لها قدر ومزية وليس فيما يضاف إلى الله تعالى من صفة اليدين شمال لان الشمال لمحل النقص في الضعف وقد روى كلتا يديه يمين وليس اليد عندنا
[ 353 ]
الجارحة انما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وهذا مذهب أهل السنة والجماعة انتهى وقد مضى بعض ما يتعقب به كلامه في باب قوله لما خلقت بيدي الحديث الثالث حديث بن عباس في دعاء الكرب وقد تقدمت الاشارة إليه في الباب الذي قبله الحديث الرابع حديث أبي سعيد ذكره من وجهين عن سفيان وهو الثوري وأبوه هو سعيد بن مسروق وابن أبي نعم هو بضم النون وسكون المهملة اسمه عبد الرحمن والذي وقع عند قبيصة شيخ البخاري فيه من الشك هل هو أبو نعم أو بن أبي نعم لم يتابع عليه قبيصة وانما أورد طريق عبد الرزاق عقب رواية قبيصة مع نزولها وعلو رواية قبيصة لخلو رواية عبد الرزاق من الشك وقد مضى في أحاديث الانبياء عن محمد بن كثير عن سفيان بالجزم ومضى شرح الحديث مستوفى في كتاب الفتن وقوله (6995) بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة كذا فيه بعث على البناء للمجهول وبينه في رواية عبد الرزاق بقوله بعث علي وهو بن أبي طالب وهو في اليمن وفي رواية الكشميهني باليمن وقوله فقسمها بين الاقرع بن حابس الحنظلي ثم أحد بني مجاشع بجيم خفيفة وشين معجمة مكسورة وبين عيينة بمهملة ونون مصغر بن بدر الفزاري وبين علقمة بن علاثة بضم المهملة وتخفيف اللام بعدها مثلثة العامري ثم أحد بني كلاب وبين زيد الخيل الطائي ثم أحد بني نبهان وهؤلاء الاربعة كانوا من المؤلفة وكل منهم رئيس قومه فاما الاقرع فهو بن حابس بمهملتين وبموحدة بن عقال بكسر المهملة وقاف خفيفة وقد تقدم نسبه في تفسير سورة الحجرات وله ذكر في قسم الغنيمة يوم حنين قال المبرد كان في صدر الاسلام رئيس خندق وكان محله فيها محل عيينة بن حصن في قيس وقال المرزباني هو أول من حرم القمار وقيل كان سنوطا أعرج مع قرعه وعوره وكان يحكم في المواسم وهو آخر الحكام من بني تميم ويقال انه كان من دخل من العرب في المجوسية ثم أسلم وشهد الفتوح واستشهد باليرموك وقيل بل عاش إلى خلافة عثمان فاصيب بالجوزجان واما عيينة بن بدر فنسب إلى جد أبيه وهو عيينة بن حصن بن حذيفه بن بدر بن عمرو بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة وكان رئيس قيس في أول الاسلام وكنيته أبو مالك وقد مضى له ذكر في أوائل الاعتصام وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الاحمق المطاع وارتد مع طليحة ثم عاد إلى الاسلام وأما علقمة فهو بن علاثة بن عوف بن الاحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة وكان رئيس بني كلاب مع عامر بن الطفيل وكانا يتنازعان الشرف فيهم ويتفاخران ولهما في ذلك أخبار شهيرة وقد مضى في باب بعث علي رضي الله عنه على اليمن من كتاب المغازي بلفظ والرابع اما قال علقمة بن علاثة واما قال عامر بن الطفيل وكان علقمة حكيما عاقلا لكن كان عامر أكثر منه عطاء وارتد علقمة مع من ارتد ثم عاد ومات في خلافة عمر بحوران ومات عامر بن الطفيل على شركه في الحياة النبوية واما زيد الخيل فهو بن مهلهل بن زيد بن منهب بن عبد بن رضى بضم الراء وتخفيف المعجمة وقيل له زيد الخيل لعنايته بها ويقال لم يكن في العرب أكثر خيلا منه وكان شاعرا خطيبا شجاعا جوادا وسماه النبي صلى الله عليه وسلم زيد الخير بالراء بدل اللام لما كان فيه من الخير وقد ظهر أثر ذلك فإنه مات على الاسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ويقال بل توفي في خلافة عمر قال بن دريد كان من الخطاطين يعني من طوله وكان على صدقات بني أسد فلم يرتد مع من ارتد قوله فتغيظت قريش كذا للاكثر من الغيظ وفي رواية
[ 354 ]
أبي ذر عن الحموي فتغضبت بضاد معجمة بغير ألف بعدها موحدة من الغضب وكذا للنسفي وقد مضى في قصة عاد من وجه آخر عن سفيان بلفظ فغضبت قريش والانصار قوله إنما أتألفهم في الرواية التي في المغازي الا تأمنوني وأنا امين من في السماء وبهذا تظهر مناسبة هذا الحديث للترجمة لكنه جرى على عادته في إدخال الحديث في الباب للفظة تكون في بعض طرقه هي المناسبة لذلك الباب يشير إليها ويريد بذلك شحذ الاذهان والبعث على كثرة الاستحضار وقد حكى البيهقي عن أبي بكر الضبعي قال العرب تضع في موضع على كقوله فسيحوا في الارض وقوله ولاصلبنكم في جذوع النخل فكذلك قوله من في السماء أي على العرش فوق السماء كما صحت الاخبار بذلك الحديث الخامس حديث أبي ذر في قوله تعالى (6996) والشمس تجري لمستقر لها أورده مختصرا وقد تقدمت الاشارة إليه في الباب الذي قبله قال بن المنير جميع الاحاديث في هذه الترجمة مطابقة لها الا حديث بن عباس فليس فيه الا قوله رب العرش ومطابقته والله أعلم من جهة انه نبه على بطلان قول من أثبت الجهة آخذا من قوله ذي المعارج ففهم ان العلو الفوقي مضاف إلى الله تعالى فبين المصنف ان الجهة التي يصدق عليها انها سماء والجهة التي يصدق عليها انها عرش كل منهما مخلوق مربوب محدث وقد كان الله قبل ذلك وغيره فحدثت هذه الامكنة وقدمه يحيل وصفه بالتحيز فيها والله أعلم (0) قوله باب قول الله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد بن حميد والترمذي والطبري وغيرهم وصححه الحاكم من طريق ثوير بن أبي فاختة عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه ألف سنة وان أفضلهم منزلة لمن ينظر في وجه ربه عزوجل في كل يوم مرتين قال ثم تلي وجوه يومئذ ناضرة قال بالبياض والصفاء إلى ربها ناظرة قال تنظر كل يوم في وجه الله لفظه الطبري من طريق مصعب بن المقدام عن إسرائيل عن ثوير وأخرجه عبد عن شبابه عن إسرائيل ولفظه لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه وخدمه ونعيمه وسروره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله تعالى من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية وكذا أخرجه الترمذي عن عبد وقال غريب رواه غير واحد عن إسرائيل مرفوعا ورواه عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن بن عمر موقوفا ورواه الثوري عن ثوير عن مجاهد عن بن عمر موقوفا أيضا قال ولا نعلم أحدا ذكر فيه مجاهدا غير الثوري بالعنعنة قلت أخرجه بن مردويه من أربعة طرق عن اسرائيل عن ثوير قال سمعت ابن عمر ومن طريق عبد الملك بن أبجر عن ثوير مرفوعا وقال الحاكم بعد تخريجه ثوير لم ينقم عليه الا التشيع قلت لا أعلم أحدا صرح بتوثيقه بل أطبقوا على تضعيفه وقال بن عدي الضعف على أحاديثه بين وأقوى ما رأيت فيه قول أحمد بن حنبل فيه وفي ليث بن أبي سليم ويزيد بن أبي زياد ما أقرب بعضهم من بعض وأخرج الطبري من طريق أبي الصهباء موقوفا نحو حديث بن عمر وأخرج بسند صحيح إلى يزيد النحوي عن عكرمة في هذه الآية قال تنظر إلى ربها نظرا وأخرج عن البخاري عن آدم عن المبارك عن الحسن قال تنظر إلى الخالق وحق لها ان تنظر وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة انظروا ماذا أعطى الله عبده من النور في عينه من النظر إلى وجه ربه الكريم عيانا يعني في الجنة ثم قال لو جعل نور جميع الخلق في عيني عبد ثم كشف عن الشمس ستر واحد ودونها سبعون سترا ما قدر على ان
[ 355 ]
ينظر إليها ونور الشمس جزء من سبعين جزأ من نور الكرسي ونور الكرسي جزء من سبعين جزأ من نور العرش ونور العرش جزء من سبعين جزأ من نور الستر وإبراهيم فيه ضعف وقد أخرج عبد بن حميد عن عكرمة من وجه آخر إنكار الرؤية ويمكن الجمع بالحمل على غير أهل الجنة وأخرج بسند صحيح عن مجاهد ناظرة تنظر الثواب وعن أبي صالح نحوه وأورد الطبري الاختلاف فقال الاولى عندي بالصواب ما ذكرناه عن الحسن البصري وعكرمة وهو ثبوت الرؤية لموافقته الاحاديث الصحيحة وبالغ بن عبد البر في رد الذي نقل عن مجاهد وقال هو شذوذ وقد تمسك به بعض المعتزلة وتمسكوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل عن الاسلام والايمان والاحسان وفيه أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فإنه يراك قال بعضهم فيه إشارة إلى انتفاء الرؤية وتعقب بأن المنفي فيه رؤيته في الدنيا لان العبادة خاصة بها فلو قال قائل ان فيه إشارة إلى جواز الرؤية في الآخرة لما أبعد وزعمت طائفة من المتكلمين كالسالمية من أهل البصرة ان في الخبر دليلا على ان الكفار يرون الله في القيامة من عموم اللقاء والخطاب وقال بعضهم يراه بعض دون بعض وأحتجوا بحديث أبي سعيد حيث جاء فيه أن الكفار يتساقطون في النار إذا قيل لهم الا تردون ويبقى المؤمنون وفيهم المنافقون فيرونه لما ينصب الجسر ويتبعونه ويعطي كل انسان منهم نوره ثم يطفأ نور المنافقين وأجابوا عن قوله انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون انه بعد دخول الجنة وهو احتجاج مردود فان بعد هذه الآية ثم أنهم لصالو الجحيم فدل على ان الحجب وقع قبل ذلك وأجاب بعضهم بأن الحجب يقع عند اطفاء النور ولا يلزم من كونه يتجلى للمؤمنين ومن معهم ممن أدخل نفسه فيهم ان تعمهم الرؤية لانه أعلم بهم فينعم على المؤمنين برؤيته دون المنافقين كما يمنعهم من السجود والعلم عند الله تعالى قال البيهقي وجه الدليل من الآية أن لفظ ناضرة الاول بالضاد المعجمة الساقطة من النضرة بمعنى السرور ولفظ ناظرة بالظاء المعجمة المشالة يحتمل في كلام العرب أربعة أشياء نظر التفكر والاعتبار كقوله تعالى أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت ونظر الانتظار كقوله تعالى ما ينظرون الا صيحة واحدة ونظر التعطف والرحمة كقوله تعالى لا ينظر الله إليهم ونظر الرؤية كقوله تعالى ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت والثلاثة الاول غير مرادة اما الاول فلان الآخرة ليست بدار استدلال وأما الثاني فلان في الانتظار تنغيصا وتكديرا والآية خرجت مخرج الامتنان والبشارة وأهل الجنة لا ينظرون شيئا لانه مهما خطر لهم أتوا به وأما الثالث فلا يجوز لان المخلوق لا يتعطف على خالقه فلم يبق الا نظر الرؤية وأنضم إلى ذلك ان النظر إذا ذكر مع الوجه انصرف إلى نظر العينين اللتين في الوجه ولانه هو الذي يتعدى بالى قوله تعالى ينظرون إليك وإذا ثبت ان ناظرة هنا بمعنى رائية اندفع قول من زعم ان المعنى ناظرة إلى ثوابها لان الاصل عدم التقدير وايد منطوق الآية في حق المؤمنين بمفهوم الآية الاخرى في حق الكافرين انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وقيدها بالقيامة في الآيتين إشارة إلى ان الرؤية تحصل للمؤمنين في الآخرة دون الدنيا انتهى ملخصا موضحا وقد أخرج أبو العباس السراج في تاريخه عن الحسن بن عبد العزيز الجروي وهو من شيوخ البخاري سمعت عمرو بن أبي سلمة سمعت يقول مالك بن أنس وقيل له يا أبا عبد الله قول الله تعالى إلى ربها ناظرة يقول قوم إلى ثوابه فقال كذبوا فأين هم عن قوله تعالى كلا انهم عن ربهم
[ 356 ]
يومئذ لمحجوبون ومن حيث النظر ان كل موجود يصح ان يرى وهذا على سبيل التنزل والا فصفات الخالق لا تقاس على صفات المخلوقين وأدلة السمع طافحة بوقوع ذلك في الآخرة لاهل الايمان دون غيرهم ومنع ذلك في الدنيا الا انه اختلف في نبينا صلى الله عليه وسلم وما ذكروه من الفرق بين الدنيا والآخرة ان أبصار أهل الدنيا فانية وأبصارهم في الآخرة باقية جيد ولكن لم يمنع تخصيص ذلك بمن ثبت وقوعه له ومنع جمهور المعتزلة من الرؤية متمسكين بان من شرط المرئي ان يكون في جهة والله منزه عن الجهة واتفقوا على انه يرى عباده فهو راء لا من جهة واختلف من اثبت الرؤية في معناها فقال قوم يحصل للرائي العلم بالله تعالى برؤية العين كما في غيره من المرئيات وهو على وفق قوله في حديث الباب كما ترون القمر الا أنه منزه عن الجهة والكيفية وذلك أمر زائد على العلم وقال بعضهم ان المراد بالرؤية العلم وعبر عنها بعضهم بأنها حصول حالة في الانسان نسبتها إلى ذاته المخصوصة نسبة الابصار إلى المرئيات وقال بعضهم رؤية المؤمن لله نوع كشف وعلم الا انه أتم واوضح من العلم وهذا أقرب إلى الصواب من الاول وتعقب الاول بأنه حينئذ لا اختصاص لبعض دون بعض لان العلم لا يتفاوت وتعقبه بن التين بأن الرؤية بمعنى العلم تتعدى لمفعولين تقول رأيت زيدا فقيها أي علمته فان قلت رأيت زيدا منطلقا لم يفهم منه الا رؤية البصر ويزيده تحقيقا قوله في الخبر أنكم سترون ربكم عيانا لان اقتران الرؤية بالعيان لا يحتمل أن يكون بمعنى العلم وقال بن بطال ذهب أهل السنة وجمهور الامة إلى جواز رؤية الله في الآخرة ومنع الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثا وحالا في مكان وأولوا قوله ناظرة بمنتظرة وهو خطأ لانه لا يتعدى بالى ثم ذكر نحو ما تقدم ثم قال وما تمسكوا به فاسد لقيام الادلة على أن الله تعالى موجود والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلقه بالمعلوم فإذا كان تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه فكذلك المرئي قال وتعلقوا بقوله تعالى لا تدركه الابصار وبقوله تعالى لموسى لن تراني والجواب عن الاول أنه لا تدركه الابصار في الدنيا جمعا بين دليلي الآيتين وبأن نفي الادراك لا يستلزم نفي الرؤية لامكان رؤية الشئ من غير احاطة بحقيقته وعن الثاني المراد لن تراني في الدنيا جمعا أيضا ولان نفي الشئ لا يقتضي احالته مع ما جاء من الاحاديث الثابتة على وفق الآية وقد تلقاها المسلمون بالقبول من لدن الصحابة والتابعين حتى حدث من أنكر الرؤية وخالف السلف وقال القرطبي اشترط النفاة في الرؤية شروطا عقلية كالبنية المخصوصة والمقابلة واتصال الاشعة وزوال الموانع كالبعد والحجب في خبط لهم وتحكم وأهل السنة لا يشترطون شيئا من ذلك سوى وجود المرئي وان الرؤية إدراك يخلقه الله للرائي فيرى المرئي وتقترن بها أحوال يجوز تبدلها والعلم عند الله تعالى ثم ذكر المؤلف في باب أحد عشر حديثا الحديث الاول حديث جرير ذكره مطولا ومختصرا من ثلاثة أوجه (6997) قوله خالد أو هشيم كذا في نسخة من رواية أبي ذر عن المستملي بالشك وفي أخرى بالواو وكذا للباقين قوله عن إسماعيل وهو بن أبي خالد قوله عن قيس هو بن أبي حازم ونسب في رواية مروان بن معاوية عن إسماعيل المشار إليها قوله عن جرير في رواية مروان المذكورة سمعت جرير بن عبد الله وفي رواية بيان في الباب عن قيس حدثنا جرير قوله كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم في رواية جرير عن إسماعيل في تفسير سورة ق كنا جلوسا ليلا مع رسول الله صلى الله عليه
[ 357 ]
وسلم قوله ليلة البدر في رواية إسحاق ليلة أربع عشرة ووقع في رواية بيان المذكورة خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة البدر فقال ويجمع بينهما بان القول لهم صدر منه بعد ان جلسوا عنده قوله إنكم سترون ربكم في رواية عبد الله بن نمير وأبي أسامة ووكيع عن إسماعيل عند مسلم أنكم ستعرضون على ربكم فترونه وفي رواية أبي شهاب أنكم سترون ربكم عيانا هكذا اقتصر أبو شهاب على هذا القدر من الحديث للاكثر ووقع في رواية المستملي في أوله خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة البدر فقال وأخرجه الاسماعيلي من طريق خلف بن هشام عن أبي شهاب كالاكثر ومن طريق محمد بن زياد البلدي عن أبي شهاب مطولا واسم أبي شهاب هذا عبد ربه بن نافع الحناط بالحاء المهملة والنون واسم الراوي عنه عاصم بن يوسف كان خياطا بالخاء المعجمة والتحتانية قال الطبري تفرد أبو شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد بقوله عيانا وهو حافظ متقن من ثقات المسلمين انتهى وذكر شيخ الاسلام الهروي في كتابه الفاروق ان زيد بن أبي أنيسة رواه أيضا عن إسماعيل بهذا اللفظ وساقه من رواية أكثر من ستين نفسا عن إسماعيل بلفظ واحد كالاول قوله لا تضامون بضم أوله وتخفيف الميم للاكثر وفيه روايات أخرى تقدم بيانها في باب الصراط جسر جهنم من كتاب الرقاق وقال البيهقي سمعت الشيخ الامام أبا الطيب سهل بن محمد الصعلوكي يقول في املائه في قوله لا تضامون في رؤيته بالضم والتشديد معناه لا تجتمعون لرؤيته في جهة ولا يضم بعضكم إلى بعض ومعناه بفتح التاء كذلك والاصل لا تتضامون في رؤيته باجتماع في جهة وبالتخفيف من الضيم ومعناه لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض فانكم ترونه في جهاتكم كلها وهو متعال عن الجهة والتشبيه برؤية القمر للرؤية دون تشبيه المرئي تعالى الله عن ذلك الحديث الثاني حديث أبي هريرة ان الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب الحديث بطوله وقد مضى شرحه مستوفى في كتاب الرقاق ووقع هنا في (7000) قوله فإذا جاء ربنا عرفناه في رواية أبي ذر عن الكشميهني فإذا جاءنا ويحتاج إلى تأمل وفي قوله أول من يجيز في رواية المستملي يجئ من المجئ وفي قوله ويعطي ربه في رواية الكشميهني ويعطي الله وفي قوله أي رب لا أكون في رواية المستملي لا أكونن وقد تقدمت الاشارة لذلك وغيره في شرح الحديث الحديث الثالث حديث أبي سعيد في معنى حديث أبي هريرة بطوله وتقدم شرحه أيضا هناك وقوله (7001) في سنده عن زيد هو بن أسلم وعطاء هو بن يسار وقوله فيه وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم في رواية الكشميهني الههم بالافراد وقوله ما يجلسكم بالجيم واللام من الجلوس أي يقعدكم عن الذهاب وفي رواية الكشميهني ما يحبسكم بالحاء والموحدة من الحبس أي يمنعكم وهو بمعناه وقوله فيه فيأتيهم الله في صورة استدل بن قتيبة بذكر الصورة على ان لله صورة لا كالصور كما ثبت أنه شئ لا كالاشياء وتعقبوه وقال بن بطال تمسك به المجسمة فاثبتوا لله صورة ولا حجة لهم فيه لاحتمال ان يكون بمعنى العلامة وضعها الله لهم دليلا على معرفته كما يسمى الدليل والعلامة صورة وكما تقول صورة حديثك كذا وصورة الامر كذا والحديث والامر لا صورة لهما حقيقة وأجاز غيره ان المراد
[ 358 ]
بالصورة الصفة واليه ميل البيهقي ونقل بن التين ان معناه صورة الاعتقاد وأجاز الخطابي أن يكون الكلام خرج على وجه المشاكلة لما تقدم من ذكر الشمس والقمر والطواغيت وقد تقدم بسط هذا هناك وكذا قوله نعوذ بك وقال غيره في قوله في الصورة التي يعرفونها يحتمل ان يشير بذلك إلى ما عرفوه حين أخرج ذرية آدم من صلبه ثم أنساهم ذلك في الدنيا ثم يذكرهم بها في الآخرة وقوله فإذا رأينا ربنا عرفناه قال بن بطال عن المهلب ان الله يبعث لهم ملكا ليختبرهم في اعتقاد صفات ربهم الذي ليس كمثله شئ فإذا قال لهم أنا ربكم ردوا عليه لما رأوا عليه من صفة المخلوق فقوله فإذا جاء ربنا عرفناه أي إذا ظهر لنا في ملك لا ينبغي لغيره وعظمة لا تشبه شيئا من مخلوقاته فحينئذ يقولون أنت ربنا قال واما قوله هل بينكم وبينه علامة تعرفونها
[ 359 ]
فيقولون الساق فهذا يحتمل ان الله عرفهم على ألسنة الرسل من الملائكة أو الانبياء ان الله جعل لهم علامة تجليه الساق وذلك انه يمتحنهم بإرسال من يقول لهم انا ربكم والى ذلك الاشارة بقوله تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وهي وان ورد انها في عذاب القبر فلا يبعد ان تتناول يوم الموقف أيضا قال واما الساق فجاء عن بن عباس في قوله تعالى يوم يكشف عن ساق قال عن شدة من الامر والعرب تقول قامت الحرب على ساق إذا اشتدت ومنه قد سن أصحابك ضرب الاعناق وقامت الحرب بنا على ساق وجاء عن أبي موسى الاشعري في تفسيرها عن نور عظيم قال بن فورك معناه ما يتجدد للمؤمنين من الفوائد والالطاف وقال المهلب كشف الساق للمؤمنين رحمة ولغيرهم نقمة وقال الخطابي تهيب كثير من الشيوخ الخوض في معنى الساق ومعنى قول بن عباس ان الله يكشف عن قدرته التي تظهر بها الشدة وأسند البيهقي الاثر المذكور عن بن عباس بسندين كل منهما حسن وزاد إذا خفي عليكم شئ من القرآن فاتبعوه من الشعر وذكر الرجز المشار إليه وأنشد الخطابي في إطلاق الساق على الامر الشديد في سنة قد كشفت عن ساقها وأسند البيهقي من وجه آخر صحيح عن بن عباس قال يريد يوم القيامة قال الخطابي وقد يطلق ويراد النفس وقوله فيه ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعه فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا ذكر العلامة جمال الدين بن هشام في المغني أنه وقع في البخاري في هذا الموضع كيما مجردة وليس بعدها لفظ يسجد فقال بعد ان حكى عن الكوفيين ان كي ناصبة دائما قال ويرده قولهم كيمه كما يقولون لمه وأجابوا بأن التقدير كي تفعل ماذا ويلزمهم كثرة الحذف واخراج ما الاستفهامية عن الصدر وحذف ألفها في غير الجر وحذف الفعل المنصوب مع بقاء عامل النصب وكل ذلك لم يثبت نعم وقع في صحيح البخاري في تفسير وجوه يومئذ ناضرة فيذهب كيما فيعود ظهره طبقا واحدا أي كيما يسجد وهو غريب جدا لا يحتمل القياس عليه انتهى كلامه وكأنه وقعت له نسخة سقطت منها هذه اللفظة لكنها ثابتة في جميع النسخ التي وقفت عليها حتى ان بن بطال ذكرها بلفظ كي يسجد بحذف ما وكلام بن هشام يوهم أن البخاري أورده في التفسير وليس كذلك بل ذكرها هنا فقط وقوله فيه فيعود ظهره طبقا واحدا قال بن بطال تمسك به من أجاز تكليف ما لا يطاق من الاشاعرة واحتجوا أيضا بقصة أبي لهب وان الله كلفه الايمان به مع اعلامه بأنه يموت على الكفر ويصلى نارا ذات لهب قال ومنع الفقهاء من ذلك وتمسكوا بقوله تعالى لا يكلف الله نفسا الا وسعها وأجابوا عن السجود بأنهم يدعون إليه تبكيتا إذ ادخلوا أنفسهم في المؤمنين الساجدين في الدنيا فدعوا مع المؤمنين إلى السجود فتعذر عليهم فاظهر الله بذلك نفاقهم وأخزاهم قال ومثله من التبكيت ما يقال لهم بعد ذلك ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا وليس في هذا تكليف ما لا يطاق بل إظهار خزيهم ومثله كلف أن يعقد شعيرة فانها للزيادة في التوبيخ والعقوبة انتهى ولم يجب عن قصة أبي لهب وقد ادعى بعضهم ان مسألة تكليف ما لا يطاق لم تقع الا بالايمان فقط وهي مسألة طويلة الذيل ليس هذا موضع ذكرها وقوله قال مدحضة مزلة بفتح الميم وكسر الزاي ويجوز فتحها وتشديد اللام قال أي موضع الزلل ويقال بالكسر في المكان وبالفتح في المقال ووقع في رواية أبي ذر عن الكشميهني هنا الدحض الزلق ليدحضوا ليزلقوا زلقا لا يثبت فيه
[ 360 ]
قدم وهذا قد تقدم لهم في تفسير سورة الكهف وتقدم هناك الكلام عليه وقوله عليه خطا طيف وكلاليب تقدم بيانه وقوله وحسكة بفتح الحاء والسين المهملتين قال صاحب التهذيب وغيره الحسك نبات له ثمر خشن يتعلق بأصواف الغنم وربما اتخذ مثله من حديد وهو من آلات الحرب وقوله مفلطحة بضم الميم وفتح الفاء وسكون اللام بعدها طاء ثم حاء مهملتان كذا وقع عند الاكثر وفي رواية الكشميهني مطلفحة بتقديم الطاء وتأخير الفاء واللام قبلها ولبعضهم كالاول لكن بتقديم الحاء على الطاء والاول هو المعروف في اللغة وهو الذي فيه اتساع وهو عريض يقال فلطح القرص بسطه وعرضه وقوله شوكة عقيفة بالقاف ثم الفاء وزن عظيمة ولبعضهم عقيفاء بصيغة التصغير ممدود تنبيه قرأت في تنقيح الزركشي وقع هنا في حديث أبي سعيد بعد شفاعة الانبياء فيقول الله بقيت شفاعتي فيخرج من النار من لم يعمل خيرا وتمسك به بعضهم في تجويز إخراج غير المؤمنين من النار ورد بوجهين أحدهما أن هذه الزيادة ضعيفة لانها غير متصلة كما قال عبد الحق في الجمع والثاني ان المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الاقرار بالشهادتين كما تدل عليه بقية الاحاديث هكذا قال والوجه الاول غلط منه فان الرواية متصلة هنا وأما نسبة ذلك لعبد الحق فغلط على غلط لانه لم يقله الا في طريق أخرى وقع فيها أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة خردل من خير قال هذه الرواية غير متصلة ولما ساق حديث أبي سعيد الذي في هذا الباب ساقه بلفظ البخاري ولم يتعقبه بأنه غير متصل ولو قال ذلك لتعقبناه عليه فإنه لا انقطاع في السند أصلا ثم ان لفظ حديث أبي سعيد هنا ليس كما ساقه الزركشي وانما فيه فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيخرج أقواما قد امتحشوا ثم قال في آخره فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن ادخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيجوز ان يكون الزركشي ذكره بالمعنى الحديث الرابع حديث أنس في الشفاعة وقد مضى شرحه مستوفى في باب صفة الجنة والنار من كتاب الرقاق وقوله (7002) هنا وقال حجاج بن منهال حدثنا همام كذا عند الجميع الا في رواية أبي زيد المروزي عن الفربري فقال فيها حدثنا حجاج وقد وصله الاسماعيلي من طريق إسحاق بن إبراهيم وأبو نعيم من طريق محمد ابن أسلم الطوسي قالا حدثنا حجاج بن منهال فذكره بطوله وساقوا الحديث كله الا النسفي فساق منه إلى قوله خلقك الله بيده ثم قال فذكر الحديث ووقع لابي ذر عن الحموي نحوه لكن قال
[ 361 ]
وذكر الحديث بطوله بعد قوله حتى يهموا بذلك ونحوه للكشميهني وقوله فيه ثلاث كذبات في رواية المستملي ثلاث كلمات وقوله فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه قال الخطابي هذا يوهم المكان والله منزه عن ذلك وانما معناه في داره الذي اتخذها لاوليائه وهي الجنة وهي دار السلام وأضيفت إليه إضافة تشريف مثل بيت الله وحرم الله وقوله فيه قال قتادة سمعته يقول فأخرجهم هو موصول بالسند المذكور ووقع للكشميهني وسمعته أيضا يقول وللمستملي وسمعته يقول فأخرج فأخرجهم الاول بفتح الهمزة وضم الراء والثاني بضم الهمزة وكسر الراء الحديث الخامس حديث أنس اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فاني على الحوض (7003) قوله في السند حدثني عمي هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد وأبوه هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وليعقوب فيه شيخ آخر أخرجه مسلم من طريقه أيضا عن بن أخي بن شهلب عن عمه وهي أعلى من روايته إياه عن أبيه عن صالح وهو بن كيسان عن بن شهاب الزهري قوله أرسل إلى الانصار فجمعهم في قبة كذا أورده مختصرا وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه وقال في أوله لما أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن ثم أحال ببقيته على الرواية التي قبلها من طريق يونس عن الزهري فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا من قريش فذكر الحديث في معاتبتهم وفي آخره فقالوا بلى يا رسول الله رضينا قال فانكم ستجدون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فاني على الحوض وقد تقدم من وجه آخر في غزوة حنين وساقه من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم أتم منه وتقدم شرحه مستوفى هناك بحمد الله تعالى والغرض منه هنا قوله حتى تلقوا الله ورسوله فانها زيادة لم تقع في بقية الطرق وقد تقدم في أوائل الفتن من رواية أنس عن أسيد بن الحضير في قصة فيها فسترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني وترجم له في مناقب الانصار باب قول النبي صلى الله عليه وسلم يعني للانصار اصبروا حتى تلقوني على الحوض قال الراغب اللقاء مقابلة الشئ ومصادفته لقيه يلقاه ويقال أيضا في الادراك بالحس وبالبصيرة ومنه ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه وملاقاة الله يعبر بها عن الموت وعن يوم القيامة وقيل ليوم القيامة يوم التلاق لالتقاء الاولين والآخرين فيه الحديث السادس عن بن عباس في الدعاء عند قيام الليل وقد تقدم شرحه في أوائل كتاب التهجد مستوفى والغرض منه (7004) قوله ولقاؤك حق وقد ذكرت ما يتعلق باللقاء في الذي قبله وسفيان في سنده هو الثوري وسليمان هو بن أبي مسلم وقوله فيه وقال قيس بن سعد وأبو الزبير عن طاوس قيام يريد أن قيس بن سعد روى هذا الحديث عن طاوس
[ 362 ]
عن بن عباس فوقع عنده بدل قوله أنت قيم السماوات والارض أنت قيام السماوات والارض وكذلك أبو الزبير عن طاوس وطريق قيس وصلها مسلم وأبو داود من طريق عمران بن مسلم عن قيس ولم يسوقا لفظه وساقها النسائي كذلك وأبو نعيم في المستخرج ورواية أبي الزبير وصلها مالك في الموطأ عنه وأخرجها مسلم من طريقه ولفظه قيام السماوات والارض قوله وقال مجاهد القيوم القائم على كل شئ وصله الفريابي وتفسيره عن ورقاء عن بن أبي نجيح عن مجاهد بهذا قال الحليمي القيوم القائم على كل شئ من خلقه يدبره بما يريد وقال أبو عبيدة بن المثنى القيوم فيعول وهو القائم الذي لا يزول وقال الخطابي القيوم نعت للمبالغة في القيام على كل شئ فهو القيم على كل شئ بالرعاية له قوله وقرأ عمر القيام قلت تقدم ذكر من وصله عن عمر في تفسير سورة نوح قوله وكلاهما مدح أي القيوم والقيام لانهما من صيغ المبالغة الحديث السابع حديث عدي بن حاتم ما منكم من أحد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان وقوله (7005) في سنده عن خيثمة في رواية حفص بن غياث عن الاعمش حدثني خيثمة بن عبد الرحمن كما تقدم في كتاب الرقاق وسياقه هناك أتم وسيأتي أيضا من وجه آخر عن الاعمش وقوله ولا حجاب يحجبه في رواية الكشميهني ولا حاجب قال بن بطال معنى رفع الحجاب إزالة الآفة من أبصار المؤمنين المانعة لهم من الرؤية فيرونه لارتفاعها عنهم بخلق ضدها فيهم ويشير إليه قوله تعالى في حق الكفار كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وقال الحافظ صلاح الدين العلائي في شرح قوله في قصة معاذ واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب المراد بالحاجب والحجاب نفي المانع من الرؤية كما نفى عدم إجابة دعاء المظلوم ثم استعار الحجاب للرد فكان نفيه دليلا على ثبوت الاجابة والتعبير بنفي الحجاب أبلغ من التعبير بالقبول لان الحجاب من شأنه المنع من الوصول إلى المقصود فاستعير نفيه لعدم المنع ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية وهي ان يشترك شيئان في وصف ثم يعتمد لوازم أحدهما حيث تكون جهة الاشتراك وصفا فيثبت كماله في المستعار بواسطة شئ آخر فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في اثبات المشترك قال وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجسم قال ويحتمل ان يراد بالحجاب استعارة محسوس لمعقول لان الحجاب حسي والمنع عقلي قال وقد ورد ذكر الحجاب في عدة أحاديث صحيحة والله سبحانه وتعالى منزه عما يحجبه إذ الحجاب انما يحيط بمقدر محسوس ولكن المراد بحجابه منعه أبصار خلقه وبصائرهم بما شاء متى شاء كيف شاء وإذا شاء كشف ذلك عنهم ويؤيده (7006) صلى الله عليه وسلم قوله في الحديث الذي بعده وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم الا رداء الكبرياء على وجهه فان ظاهره ليس مرادا قطعا فهي استعارة جزما وقد يكون المراد بالحجاب في بعض الاحاديث الحجاب الحسي لكنه بالنسبة للمخلوقين والعلم عند الله تعالى ونقل الطيبي في شرح حديث أبي موسى عند مسلم حجابه النور لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره أن فيه إشارة إلى ان حجابه خلاف الحجب المعهودة فهو محتجب عن الخلق بأنوار عزه وجلاله وأشعة عظمته وكبريائه وذلك هو الحجاب الذي تدهش دونه العقول وتبهت الابصار وتتحير البصائر فلو كشفه فتجلى لما وراءه بحقائق الصفات وعظمة الذات لم يبق مخلوق الا احترق ولا منظور الا اضمحل وأصل الحجاب الستر الحائل بين الرائي والمرئي والمراد به هنا منع الابصار من الرؤية له بما ذكر فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل
[ 363 ]
فعبر به عنه وقد ظهر من نصوص الكتاب والسنة ان الحالة المشار إليها في هذا الحديث هي في دار الدنيا المعدة للفناء دون دار الآخرة المعدة للبقاء والحجاب في هذا الحديث وغيره يرجع إلى الخلق لانهم هم المحجوبون عنه وقال النووي أصل الحجاب المنع من الرؤية والحجاب في حقيقة اللغة الستر وانما يكون في الاجسام والله سبحانه منزه عن ذلك فعرف أن المراد المنع من رؤيته وذكر النور لانه يمنع من الادراك في العادة لشعاعه والمراد بالوجه الذات وبما انتهى إليه بصره جميع المخلوقات لانه سبحانه محيط بجميع الكائنات الحديث الثامن حديث أبي موسى وعبد العزيز بن عبد الصمد هو بن عبد الصمد العمي بفتح المهملة وتشديد الميم وأبو عمران هو عبد الملك بن حبيب الجوني وأبو بكر هو بن أبي موسى الاشعري وقد تقدم ذلك في تفسير سورة الرحمن قوله جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما في رواية حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال حماد لا أعلمه الا قد رفعه قال جنتان من ذهب للمقربين ومن دونهما جنتان من ورق لاصحاب اليمين أخرجه الطبري وابن أبي حاتم ورجاله ثقات وفيه رد على ما حكيته عن الترمذي الحكيم ان المراد بقوله تعالى ومن دونهما جنتان الدنو بمعنى القرب لا انهما دون الجنتين المذكورتين قبلهما وصرح جماعة بأن الاوليين أفضل من الاخريين وعكس بعض المفسرين والحديث حجة للاولين قال الطبري اختلف في قوله ومن دونهما جنتان فقال بعضهم معناه في الدرجة وقال آخرون معناه في الفضل وقوله جنتان إشارة إلى قوله تعالى ومن دونهما جنتان وتفسير له وهو خبر مبتدأ محذوف أي هما جنتان وآنيتهما مبتدأ ومن فضة خبره قاله الكرماني قال ويحتمل ان يكون فاعل فضة كما قال بن مالك مررت بواد ابل كله ان كله فاعل أي جنتان مفضض آنيتهما انتهى ويحتمل ان يكون بدل اشتمال وظاهر الاول أن الجنتين من ذهب لا فضة فيهما وبالعكس ويعارضه حديث أبي هريرة قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها قال لبنة من ذهب ولبنة من فضة الحديث أخرجه أحمد والترمذي وصححه بن حبان وله شاهد عن بن عمر أخرجه الطبراني وسنده حسن وآخر عن أبي سعيد أخرجه البزار ولفظه خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة الحديث ويجمع بأن الاول صفة ما في كل جنة من آنية وغيرها والثاني صفة حوائط الجنان كلها ويؤيده انه وقع عند البيهقي في البعث في حديث أبي سعيد أن الله أحاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وعلى هذا فقوله آنيتهما وما فيهما بدل من قوله من ذهب ويترجح الاحتمال الثاني قوله وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم الا رداء الكبرياء على وجهه قال المازري كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب العرب بما تفهم ويخرج لهم الاشياء المعنوية إلى الحس ليقرب تناولهم لها فعبر عن زوال الموانع ورفعه عن الابصار بذلك وقال عياض كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيرا وهو أرفع ادوات بديع فصاحتها وايجازها ومنه قوله تعالى جناح الذل فمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم لهم برداء الكبرياء على وجهه ونحو ذلك من هذا المعنى ومن لم يفهم ذلك تاه فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الامر إلى التجسيم ومن لم يتضح له وعلم ان الله منزه عن الذي يقتضيه ظاهرها اما ان يكذب نقلتها واما ان يؤولها كأن يقول استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانع إدراك أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداء الكبرياء فإذا شاء تقوية أبصارهم
[ 364 ]
وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته وموانع عظمته انتهى ملخصا وقال الطيبي قوله على وجهه حال من رداء الكبرياء وقال الكرماني هذا الحديث من المتشابهات فاما مفوض واما متأول بأن المراد بالوجه الذات والرداء صفة من صفة الذات اللازمة المنزهة عما يشبه المخلوقات ثم استشكل ظاهره بأنه يقتضي ان رؤية الله غير واقعة وأجاب بأن مفهومه بيان قرب النظر إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعا من الرؤية فعبر عن زوال المانع عن الابصار بإزالة المراد انتهى وحاصله ان رداء الكبرياء مانع عن الرؤية فكأن في الكلام حذفا تقديره بعد قوله الا رداء الكبرياء فإنه يمن عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه فكأن المراد ان المؤمنين إذا تبوؤا مقاعدهم من الجنة لولا ما عندهم من هيبة ذي الجلال لما حال بينهم وبين الرؤية حائل فإذا أراد أكرامهم حفهم برأفته وتفضل عليهم بتقويتهم على النظر إليه سبحانه ثم وجدت في حديث صهيب في تفسير قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ما يدل على ان المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى الحجاب المذكور في حديث صهيب وانه سبحانه يكشف لاهل الجنة اكراما لهم والحديث عند مسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان ولفظ مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله عزوجل تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا وتدخلنا الجنة قال فيكشف لهم الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم منه ثم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة أخرجه مسلم عقب حديث أبي موسى ولعله أشار إلى تأويله به وقال القرطبي في المفهم الرداء استعارة كنى بها عن العظمة كما في الحديث الآخر الكبرياء ردائي والعظمة ازاري وليس المراد الثياب المحسوسة لكن المناسبة ان الرداء والازار لما كانا متلازمين للمخاطب من العرب عبر العظمة والكبرياء بهما ومعنى حديث الباب ان مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالا للنعمة فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء فكأنه رفع عنهم حجابا كان يمنعهم ونقل الطبري عن علي وغيره في قوله تعالى ولدينا مزيد قال هو النظر إلى وجه الله قوله في جنة عدن قال بن بطال لا تعلق للمجسمة في اثبات المكان لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالا في مكان فيكون تأويل الرداء الآفة الموجودة لابصارهم المانعة لهم من رؤيته وإزالتها فعل من أفعاله يفعله في محل رؤيتهم فلا يرونه ما دام ذلك المانع موجودا فإذا فعل الرؤية زال ذلك المانع وسماه رداء لتنزله في المنع منزلة الرداء الذي يحجب الوجه عن رؤيته فأطلق عليه الرداء مجازا وقوله في جنة عدن راجع إلى القوم وقال عياض معناه راجع إلى النظرين أي وهم في جنة عدن لا إلى الله فإنه لا تحويه الامكنة سبحانه وقال القرطبي يتعلق بمحذوف في موضع الحال من القوم مثل كائنين في جنة عدن وقال الطيبي قوله في جنة عدن متعلق بمعنى الاستقرار في الظرف فيقيد بالمفهوم انتفاء هذا الحصر في غير الجنة واليه أشار التوربشتي بقوله يشير إلى ان المؤمن إذا تبوأ مقعده والحجب مرتفعة والموانع التي تحجب عن النظر إلى ربه مضمحلة الا ما يصدهم من الهيبة كما قيل أشتاقه فإذا بدا أطرقت من اجلاله فإذا حفهم برأفته ورحمته رفع ذلك عنهم تفضلا منه عليهم الحديث التاسع عن عبد الله وهو بن
[ 365 ]
مسعود (7007) قوله قال عبد الله وهو بن مسعود راويه وهو موصول بالسند المذكور قوله مصداقه أي الحديث ومصداق بكسر أوله مفعال من الصدق بمعنى الموافقة قوله ان الذين يشترون إلى أن قال ولا يكلمهم الله الآية كذا لابي ذر وغيره والمراد هنا من هذه الآية قوله بعده ولا ينظر إليهم ويؤخذ منه تفسير قوله لقي الله وهو عليه غضبان ومقتضاه أن الغضب سبب لمنع الكلام والرؤية والرضا سبب لوجودهما وقد تقدم في شرح هذا الحديث في كتاب الايمان والنذور الحديث العاشر حديث أبي هريرة (7008) قوله عن عمرو هو بن دينار المكي وقد تقدم هذا الحديث سندا ومتنا في كتاب الشرب وتقدم شرحه مستوفى في أواخر الاحكام الحديث الحادي عشر حديث أبي بكرة و عبد الوهاب في سنده هو بن عبد المجيد الثقفي وأيوب هو السختياني ومحمد هو بن سيرين وابن أبي بكرة هو عبد الرحمن كما وقع التصريح به في كتاب الحج والسند كله بصريون وقد تقدم بعينه في بدء الخلق وفي المغازي وأغفل المزي ذكر هذا السند في التوحيد وفي المغازي وهو ثابت فيهما وزعم انه أخرجه في التفسير عن أبي موسى ولم أره في التفسير مع انه لم يذكر منه في بدء الخلق الا قطعة يسيرة إلى (7009) قوله وشعبان وساقه بتمامه في المغازي وهنا الا أنه سقط من وسطه هنا عند أبي ذر عن السرخسي قوله قال فأي يوم هذا إلى قوله قال فان دماءكم وقد تقدم شرحه مفرقا اما ما يتعلق بأوله وهو ان الزمان قد استدار كهيئته ففي تفسير سورة براءة وأما ما يتعلق بالشهر الحرام والبلد الحرام ففي باب الخطبة أيام منى من كتاب الحج واما ما يتعلق بالنهي عن ضرب بعضهم رقاب بعض ففي كتاب الفتن واما ما يتعلق بالحث على التبليغ ففي كتاب العلم والمراد منه هنا قوله وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد ذكرت ما فسر به اللقاء في الحديث الخامس وبالله التوفيق تكملة جمع الدارقطني طرق الاحاديث الواردة في رؤية الله تعالى في الآخرة فزادت على العشرين وتتبعها بن القيم في حادي الارواح فبلغت الثلاثين وأكثرها جياد وأسند الدارقطني عن يحيى بن معين قال عندي سبعة عشر حديثا في الرؤية صحاح (0) قوله باب ما جاء في قول الله تعالى ان رحمة الله قريب من المحسنين قال بن بطال الرحمة تنقسم إلى صفة ذات والى صفة فعل وهنا يحتمل ان تكون صفة ذات فيكون معناها إرادة اثابة الطائعين ويحتمل ان تكون صفة فعل فيكون معناها أن فضل الله بسوق السحاب وانزال المطر قريب من المحسنين فكان ذلك رحمة لهم لكونه بقدرته وارادته ونحو تسمية الجنة رحمة لكونها فعلا من أفعاله حادثة بقدرته وقال البيهقي في كتاب الاسماء والصفات باب الاسماء التي تتبع اثبات التدبير لله دون من سواه فمن ذلك الرحمن الرحيم قال الخطابي معنى الرحمن ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم واسباب معايشهم ومصالحهم قال والرحيم خاص بالمؤمنين كما قال سبحانه وكان بالمؤمنين رحيما وقال
[ 366 ]
غيره الرحمن خاص في التسمية عام في الفعل والرحيم عام في التسمية خاص في الفعل انتهى وقد تقدم شئ من هذا في أوائل التوحيد في باب قل أدعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى وتكلم أهل العربية على الحكمة في تذكير قريب مع انه وصف الرحمة فقال الفراء قريبة وبعيدة ان أريد بها النسب ثبوتا ونفيا فتؤنث جزما فتقول فلانة قريبة أو ليست قريبة لي فان أريد المكان جاز الوجهان لان صفة المكان فتقول فلانة قريبة وقريب إذا كانت في مكان غير بعيد ومنه قوله عشية لا عفراء منك قريبة فتدنو ولا عفراء منك بعيد ومنه قول امرؤ القيس له الويل ان أمسى ولا أم سالم قريب البيت وأما قول بعضهم سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما فمردود لانه ود الجائز بالمشهور وقال تعالى وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا وقال أبو عبيدة قريب من قوله تعالى قريب من المحسنين ليس وصفا للرحمة انما هو ظرف لها فجاز في التأنيث والتذكير ويصلح للجمع والمثنى والمفرد ولو أريد بها الصفة لوجبت المطابقة وتعقبه الاخفش بأنها لو كانت ظرفا لنصبت وأجيب بأنه يتسع في الظرف ووراء ذلك أجوبة أخرى متقاربة ويقال ان أقواها قول أبي عبيدة فقيل هي صفة لموصوف محذوف أي شئ قريب وقيل لما كانت بمعنى الغفران أو العفو أو المطر أو الاحسان حملت عليه وقيل الرحم بالضمة والرحمة بمعنى واحد فذكر باعتبار الرحم وقيل المعنى انها ذات قرب كقولهم حائض لانها ذات حيض وقيل هو مصدر جاء على فعيل كنقيق لصوت الضفدع وقيل لما كان وزنه وزن المصدر نحو زفير وشهيق أعطى حكمة في استواء التذكير والتأنيث وقيل أن الرحمة بمعنى مفعلة فتكون بمعنى مفعول وفعيل بمعنى مفعول كثير وقيل أعطى فعيل بمعنى فاعل حكم فعيل بمعنى مفعول وقيل هو من التأنيث المجازي كطلع الشمس وبهذا جزم بن التين وتعقبوه بأن شرطه تقدم الفعل وهنا جاء الفعل متأخرا فلا يجوز الا في ضرورة الشعر وأجيب بأن بعضهم حكى الجواز مطلقا والله أعلم ثم ذكر في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث أسامة بن زيد وقد تقدم التنبيه عليه في أوائل كتاب التوحيد وقوله (7010) انما يرحم الله فيه اثبات صفة الرحمة له وهو مقصود الترجمة ثانيها حديث أبي هريرة اختصمت الجنة والنار ويعقوب في سنده هو بن إبراهيم بن سعد الذي تقدم في الحديث الخامس من الباب قبله والاعرج هو عبد الرحمن بن هرمز وليس لصالح بن كيسان عنه في الصحيحين الا هذا الحديث (7011) قوله اختصمت في رواية همام عن أبي هريرة المتقدمة في سورة ق تحاجت ولمسلم من طريق أبي الزناد عن الاعرج احتجت وكذا له من طريق بن سيرين عن أبي هريرة وكذا في حديث أبي سعيد عنده قال الطيبي تحاجت أصله تحاججت وهو مفاعلة من الحجاج وهو الخصام وزنه ومعناه يقال حاججته محاججة ومحاجة وحجاجا أي غالبته بالحجة ومنه فحج آدم موسى لكن حديث الباب لم يظهر فيه غلبة واحد منهما قلت انما وزان فحج آدم موسى لو جاء تحاجت الجنة والنار فحاجت الجنة النار والا فلا يلزم من وقوع الخصام الغلبة قال بن بطال عن المهلب يجوز ان يكون هذا الخصام حقيقة بأن يخلق الله فيهما حياة وفهما وكلاما والله قادر على كل شئ ويجوز ان يكون هذا مجازا كقولهم امتلا الحوض وقال قطني والحوض لا يتكلم وانما ذلك عبارة عن امتلائه وانه
[ 367 ]
لو كان ممن ينطق لقال ذلك وكذا في قول النار هل من مزيد قال وحاصل اختصاصهما افتخار أحدهما على الاخرى بمن يسكنها فتظن النار انها بمن ألقي فيها من عظماء الدنيا أبر عند الله من الجنة وتظن الجنة أنها بمن أسكنها من أولياء الله تعالى أبر عند الله فأجيبتا بأنه لا فضل لاحداهما على الاخرى من طريق من يسكنهما وفي كلاهما شائبة شكاية إلى ربهما إذ لم تذكر كل واحدة منهما الا ما اختصت به وقد رد الله الامر في ذلك إلى مشيئته وقد تقدم كلام النووي في هذا في تفسير ق وقال صاحب المفهم يجوز ان يخلق الله ذلك القول فيما شاء من أجزاء الجنة والنار لانه لا يشترط عقلا في الاصوات ان يكون محلها حيا على الراجح ولو سلمنا الشرط لجاز ان يخلق الله في بعض أجزائهما الجمادية حياة لا سيما وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى وان الدار الآخرة لهي الحيوان ان كل ما في الجنة حي ويحتمل ان يكون ذلك بلسان الحال والاول أولى قوله فقالت الجنة يا رب ما لها فيه التفات لان نسق الكلام ان تقول ما لي وقد وقع كذلك في رواية همام ما لي وكذا المسلم عن أبي الزناد قوله إلا ضعفاء الناس وسقطهم زاد مسلم وعجزهم وفي رواية له وغرثهم وقد تقدم بيان المراد بالضعفاء في تفسير ق وسقطهم بفتحتين جمع الساقط وهو النازل القدر الذي لا يؤبه له وسقط المتاع رديئه وعجزهم بفتحتين أيضا جمع عاجز ضبطه عياض وتعقبه القرطبي بأنه يلزم ان يكون بتاء التأنيث ككاتب وكتبه وسقوط التاء في هذا الجمع نادر قال والصواب بضم أوله وتشديد الجيم مثل شاهد وشهد وأما غرثهم فهو بمعجمة ومثلثه جمع غرثان أي جيعان ووقع في رواية الطبري بكسر أوله وتشديد الراء ثم مثناة أي غفلتهم والمراد به أهل الايمان الذين لم يتفطنوا للشبه ولم توسوس لهم الشياطين بشئ من ذلك فهم أهل عقائد صحيحة وايمان ثابت وهم الجمهور وأما أهل العلم والمعرفة فهم بالنسبة إليهم قليل قوله وقالت النار فقال للجنة كذا وقع هنا مختصرا قال بن بطال سقط قول النار هنا من جميع النسخ وهو محفوظ في الحديث رواه بن وهب عن مالك بلفظ أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين قلت هو في غرائب مالك للدارقطني وكذا هو عند مسلم من رواية ورقاء عن أبي الزناد وله من رواية سفيان عن أبي الزناد يدخلني الجبارون والمتكبرون وفي رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة ما لي لا يدخلني الا أخرجه النسائي وفي حديث أبي سعيد فقالت النار في أخرجه أبو يعلى وساق مسلم سنده قوله فقال الله تعالى للجنة أنت رحمتي زاد أبو الزناد في روايته ارحم بك من أشاء من عبادي وكذا لهمام قوله وقال للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء زاد أبو الزناد من عبادي قوله ملؤها بكسر أوله وسكون اللام بعدها همزة قوله فأما الجنة فان الله لا يظلم من خلقه أحدا وانه ينشئ للنار من يشاء قال أبو الحسن القابسي المعروف في هذا الموضع ان الله ينشئ للجنة خلقا واما النار فيضع فيها قدمه قال ولا اعلم في شئ من الاحاديث أنه ينشئ للنار خلقا الا هذا انتهى وقد مضى في تفسير سورة ق من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة يقال لجهنم هل امتلات وتقول هل من مزيد فيضع الرب عليها قدمه فتقول قط قط ومن طريق همام بلفظ فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول قط قط فهناك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا وتقدم هناك بيان اختلافهم في المراد بالقدم مستوفى وأجاب عياض بأن أحد ما قيل في تأويل القدم انهم قوم تقدم في علم الله انه يخلقهم قال فهذا مطابق للانشاء
[ 368 ]
وذكر القدم بعد الانشاء يرجح أن يكونا متغايرين وعن المهلب قال في هذه الزيادة حجة لاهل السنة في قولهم ان لله ان يعذب من لم يكلفه لعبادته في الدنيا لان كل شئ ملكه فلو عذبهم لكان غير ظالم انتهى وأهل السنة انما تمسكوا في ذلك بقوله تعالى لا يسئل عما يفعل ويفعل ما يشاء وغير ذلك وهو عندهم من جهة الجواز واما الوقوع ففيه نظر وليس في الحديث حجة للاختلاف في لفظه ولقبوله التأويل وقد قال جماعة من الائمة ان هذا الموضع مقلوب وجزم بن القيم بأنه غلط واحتج بأن الله تعالى أخبر بان جهنم تمتلئ من إبليس واتباعه وكذا أنكر الرواية شيخنا البلقيني واحتج بقوله ولا يظلم ربك أحد ثم قال وحمله على أحجار تلقى في النار أقرب من حمله على ذي روح يعذب بغير ذنب انتهى ويمكن التزام ان يكونوا من ذوي الارواح ولكن لا يعذبون كما في الخزنة ويحتمل ان يراد بالانشاء ابتداء إدخال الكفار النار وعبر عن ابتداء الادخال بالانشاء فهو إنشاء الادخال لا الانشاء بمعنى ابتداء الخلق بدليل قوله فيلقون فيها وتقول هل من مزيد وأعادها ثلاث مرات ثم قال حتى يضع فيها قدمه فحينئذ تمتلئ فالذي يملؤها حتى تقول حسبي هو القدم كما هو صريح الخبر وتأويل القدم قد تقدم والله أعلم وقد أيد بن أبي جمرة حمله على غير ظاهره بقوله تعالى كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون إذ لو كان على ظاهره لكان أهل النار في نعيم المشاهدة كما يتنعم أهل الجنة برؤية ربهم لان مشاهدة الحق لا يكون معها عذاب وقال عياض يحتمل ان يكون معنى قوله عند ذكر الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا انه يعذب من يشاء غير ظالم له كما قال أعذب بك من أشاء ويحتمل ان يكون راجعا إلى تخاصم أهل الجنة والنار فان الذي جعل لكل منهما عدل وحكمة وباستحقاق كل منهم من غير أن يظلم أحدا وقال غيره يحتمل أن يكون ذلك على سبيل التلميح بقوله تعالى ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات انا لا نضيع أجر من أحسن عملا فعبر عن ترك تضييع الاجر بترك الظلم والمراد أنه يدخل من أحسن الجنة التي وعد المتقين برحمته وقد قال للجنة أنت رحمتي وقال ان رحمة الله قريب من المحسنين وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة والعلم عند الله تعالى وفي الحديث دلالة على اتساع الجنة والنار بحيث تسع كل من كان ومن يكون إلى يوم القيامة وتحتاج إلى زيادة وقد تقدم في آخر الرقاق ان آخر من يدخل الجنة يعطى مثل الدنيا عشرة أمثالها وقال الداودي يؤخذ من الحديث أن الاشياء توصف بغالبها لان الجنة قد يدخلها غير الضعفاء والنار قد يدخلها غير المتكبرين وفيه رد على من حمل قول النار هل من مزيد على أنه استفهام إنكار وانها لا تحتاج إلى زيادة الحديث الثالث حديث أنس قوله سفع بفتح المهملة وسكون الفاء ثم مهملة هو أثر تغير البشرة فيبقى فيها بعض سواد قوله وقال همام حدثنا قتادة حدثنا أنس تقدم موصولا في كتاب الرقاق مع شرحه وأراد به هنا ان العنعنة التي في طريق هشام محمولة على السماع بدليل رواية همام والله أعلم (0) قوله باب قول الله تعالى ان الله يمسك السماوات والارض أن تزولا وقع لبعضهم يمسك السماوات على أصبع وهو خطأ ذكر فيه حديث بن مسعود قال المهلب الآية تقتضي انهما ممسكتان بغير آلة والحديث يقتضي انهما ممسكتان بالاصبع والجواب ان الامساك بالاصبع محال لانه يفتقر إلى ممسك وأجاب غيره بأن الامساك في الآية يتعلق بالدنيا وفي الحديث بيوم القيامة وقد مضى توجيه الاصبع من كلام أهل السنة مع شرحه في باب قوله لما خلقت بيدي
[ 369 ]
قال الراغب امساك الشئ التعلق به وحفظه ومن الثاني قوله تعالى ويمسك السماء أن تقع على الارض الآية ويقال أمسكت عن كذا امتنعت عنه ومنه هل هن ممسكات رحمته قوله ان الله يضع السماوات على أصبع الحديث ومضى هناك بلفظ ان الله يمسك وهو المطابق للترجمة لكن جرى على عادته في الاشارة وذكر فيه من وجه آخر عن الاعمش وفيه تصريحه بسماعه له من إبراهيم وهو النخعي وموسى شيخ البخاري فيه هو بن إسماعيل كما جزم به أبو نعيم في المستخرج وقوله جاء حبر بفتح المهملة ويجوز كسرها بعدها موحدة ساكنة ثم راء واحد الاحبار وذكر صاحب المشارق انه وقع في بعض الروايات جاء جبريل قال وهو تصحيف فاحش وهو كما قال فقد مضى في الباب المشار إليه جاء رجل وفي الرواية التي قبلها أن يهوديا جاء ولمسلم جاء حبر من اليهود فعرف ان من قال جبريل فقد صحف (0) قوله باب ما جاء في تخليق السماوات والارض وغيرها من الخلائق كذا للاكثر تخليق وفي رواية الكشمهيني خلق السماوات وعليها شرح بن بطال وهو المطابق للآية وأما التخليق فإنه من خلق بالتشديد وقد استعمل في مثل قوله تعالى مخلقة وغير مخلقة وتقدمت الاشارة إلى تفسيره في كتاب الحيض قوله وهو فعل الرب وأمره المراد بالامر هنا قوله كن والامر يطلق بإزاء معان منها صيغة افعل ومنها الصفة والشأن والاول المراد هنا قوله فالرب بصفاته وفعله وأمره كذا ثبت للجميع وزاد أبو ذر في روايته وكلامه قوله هو الخالق المكون غير مخلوق المكون بتشديد الواو المكسورة لم يرد في الاسماء الحسنى ولكن ورد معناه وهو المصور وقوله وكلامه بعد قوله وأمره من عطف الخاص على العام لان المراد بالامر هنا قوله كن وهو من جملة كلامه وسقط قوله من هذا الموضع وفعله في بعض النسخ قال الكرماني وهو أولى ليصح لفظ غير مخلوق كذا قال وسياق المصنف يقتضي التفرقة بين الفعل وما ينشأ عن الفعل فالاول من صفة الفاعل والباري غير مخلوق فصفاته غير مخلوقة وأما مفعوله وهو ما ينشأ عن فعله فهو مخلوق ومن ثم عقبه بقوله وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون بفتح الواو والمراد بالامر هنا المأمور به وهو المراد بقوله تعالى وكان أمر الله مفعولا وبقوله تعالى والله غالب على امره ان قلنا الضمير لله وبقوله تعالى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا بقوله تعالى قل الروح من أمر ربي وفي الحديث الصحيح أن الله يحدث من أمره ما شاء وفيه سبوح قدوس رب الملائكة والروح وأما قوله تعالى الا له الخلق والامر فسيأتي في اواخر كتاب التوحيد احتجاج بن عيينة وغيره به على ان القرآن غير مخلوق لان المراد بالامر قوله تعالى كن وقد عطف على الخلق والعطف يقتضي المغايرة وكن من كلامه فصح الاستدلال ووهم من ظن ان المراد بالامر هنا هو المراد بقوله تعالى وكان أمر الله مفعولا لان المراد به في هذه الآية المأمور فهو الذي يوجد بكن وكن صيغة الامر وهي من كلام الله وهو غير مخلوق والذي يوجد بها هو المخلوق وأطلق عليه الامر لانه نشأ عنه ثم وجدت بيان مراده في كتابه الذي أفرده في خلق أفعال العباد فقال اختلف الناس في الفاعل والفعل والمفعول فقالت القدرية الافاعيل كلها من البشر وقالت الجبرية الافاعيل كلها من الله وقالت الجهمية الفعل والمفعول واحد ولذلك قالوا كن مخلوق وقال السلف التخليق فعل الله وأفاعيلنا مخلوقة ففعل الله صفة الله والمفعول من سواه من المخلوقات انتهى ومسألة التكوين مشهورة بين
[ 370 ]
المتكلمين وأصلها أنهم اختلفوا هل صفة الفعل قديمة أو حادثة فقال جمع من السلف منهم أبو حنيفة هي قديمة وقال آخرون منهم بن كلاب والاشعري هي حادثة لئلا يلزم ان يكون المخلوق قديما وأجاب الاول بأنه يوجد في الازل صفة الخلق ولا مخلوق وأجاب الاشعري بأنه لا يكون خلق ولا مخلوق كما لا يكون ضارب ولا مضروب فألزموه بحدوث صفات فيلزم حلول الحوادث بالله فأجاب بأن هذه الصفات لا تحدث في الذات شيئا جديدا فتعقبوه بأنه يلزم ان لا يسمى في الازل خالقا ولا رازقا وكلام الله قديم وقد ثبت انه فيه الخالق الرزاق فانفصل بعض الاشعرية بأن إطلاق ذلك انما هو بطريق المجاز وليس المراد بعدم التسمية عدمها بطريق الحقيقة ولم يرتض هذا بعضهم بل قال وهو المنقول عن الاشعري نفسه ان الاسامي جارية مجرى الاعلام والعلم ليس بحقيقة ولا مجاز في اللغة واما في الشرع فلفظ الخالق الرازق صادق عليه تعالى بالحقيقة الشرعية والبحث انما هو فيها لا في الحقيقة اللغوية فالزموه بتجويز إطلاق اسم الفاعل على من لم يقم به الفعل فأجاب ان الاطلاق هنا شرعي لا لغوي انتهى وتصرف البخاري في هذا الموضع يقتضي موافقة القول الاول والصائر إليه يسلم من الوقوع في مسألة حوادث لا أول لها وبالله التوفيق واما بن بطال فقال غرضه بيان أن جميع السماوات والارض وما بينهما مخلوق لقيام دلائل الحدوث عليها ولقيام البرهان على انه لا خالق غير الله وبطلان قول من يقول ان الطبائع خالقة أو الافلاك أو النور أو الظلمة أو العرش فلما فسدت جميع هذه المقالات لقيام الدليل على حدوث ذلك كله وافتقاره إلى محدث لاستحالة وجود محدث لا محدث له وكتاب الله شاهد بذلك كآية الباب استدل بآيات السماوات والارض على وحدانيته وقدرته وأنه الخلاق العظيم وأنه خلاق سائر المخلوقات لانتفاء الحوادث عنه الدالة على حدوث من يقوم به وان ذاته وصفاته غير مخلوقة والقرآن صفة له فهو غير مخلوق ولزم من ذلك أن كل ما سواه كان عن أمره وفعله وتكوينه وكل ذلك مخلوق له انتهى ولم يعرج على ما أشار إليه البخاري فلله الحمد على ما انعم (7014) قوله في الحديث فلما كان ثلث الليل الاخير أو بعضه في رواية الكشميهني أو نصفه بنون ومهملة وفاء وقد تقدم في تفسير آل عمران بهذا السند والمتن لكن لم يذكر فيه هذه اللفظة (0) قوله باب قوله تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ذكر فيه ستة أحاديث أولها حديث أبي هريرة ان رحمتي سبقت غضبي وقد تقدم شرحه في باب قوله تعالى ويحذركم الله نفسه وأشار به إلى ترجيح القول بأن الرحمة من صفات الذات لكون الكلمة من صفات الذات فمهما استشكل في إطلاق السبق في صفة الرحمة جاء مثله في صفة الكلمة ومهما أجيب به عن قوله سبقت كلمتنا حصل به الجواب عن قوله سبقت رحمتي وقد غفل عن مراده من قال دل وصف الرحمة بالسبق على انها من صفات الفعل وقد سبق في شرح الحديث قول من قال المراد بالرحمة إرادة إيصال الثواب وبالغضب إرادة إيصال العقوبة فالسبق حينئذ بين متعلقي الارادة فلا اشكال وقوله (7015) في أول الحديث لما قضى الله الخلق أي خلقهم وكل صنعة محكمة متقنة فهي قضاء ومنه قوله تعالى إذا قضى أمرا الحديث الثاني حديث بن مسعود حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
[ 371 ]
الصادق المصدوق وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب القدر والمراد منه هنا (7016) قوله فيسبق عليه الكتاب وفيه من البحث ما تقدم في الذي قبله ونقل بن التين عن الداودي انه قال في هذا الحديث رد على من قال ان الله لم يزل متكلما بجميع كلامه لقوله فيؤمر بأربع كلمات لان الامر بالكلمات انما يقع عند التخليق وكذا قوله ثم ينفخ فيه الروح وهو انما يقع بقوله كن وهو من كلامه سبحانه وقال ويزد قول من قال انه لو شاء لعذب أهل الطاعة ووجه الرد انه ليس من صفة الحكيم ان يتبدل علمه وقد علم في الازل من يرحم ومن يعذب وتعقبه بن التين بأنهما كلام أهل السنة ولن يحتج لهم ووجه الرد على ما ادعاه الداودي أما الاول فالآمر انما هو الملك ويحمل على انه يتلقاه من اللوح المحفوظ واما الثاني فالمراد لو قدر ذلك في الازل لوقع فلا يلزم ما قال الحديث الثالث حديث بن عباس في نزول قوله تعالى (7017) وما نتنزل الا بأمر ربك وقد تقدم شرحه في تفسير سورة مريم وزاد هنا قال كان هذا الجواب لمحمد وللكشميهني هذا كان الجواب لمحمد والامر في قوله هنا بأمر ربك بمعنى الاذن أي ما نتنزل إلى الارض الا بإذنه ويحتمل ان يكون المراد بالوحي والباء للمصاحبة ويجئ في قول جبريل عليه السلام بأمر ربك البحث الذي تقدم قبله عن الداودي وجوابه الحديث الرابع حديث بن مسعود في نزول قوله تعالى (7018) ويسألونك عن الروح ويحيي شيخه فيه هو بن جعفر وقد تقدم شرحه في التفسير ويأتي شئ منه في الباب الذي بعده وقوله فظننت أنه يوحي إليه يأتي في الذي بعده بلفظ فعلمت فقيل أطلق العلم وأراد الظن وقيل بالعكس وقيل ظن أولا ثم تحقق آخرا فاطلاق الظن باعتبار أول ما رآه وإطلاق العلم باعتبار آخر الحال الحديث الخامس حديث أبي هريرة تكفل الله لمن جاهد في سبيله والمراد منه هنا (7019) قوله وتصديق كلماته أي الواردة القرآن بالحث على الجهاد وما وعد فيه من الثواب وشيخه إسماعيل فيه هو بن أبي أويس وتقدم بهذا السند في فرض الخمس وتقدم شرحه في كتاب الجهاد وستأتى الاشارة إليه أيضا بعد باب الحديث السادس حديث أبي موسى من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وقد تقدم شرحه في الجهاد والمراد هنا بقوله كلمة الله هي العليا كلمة التوحيد أي كلمة توحيد الله وهي المراد بقوله تعالى قل تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الآية ويحتمل ان يكون المراد بالكلمة القضية قال الراغب كل قضية تسمى كلمة سواء كانت قولا أو فعلا والمراد هنا حكمه وشرعه (0) قوله باب قول الله تعالى انما أمرنا لشئ إذا اردناه زاد غير أبي ذر ان نقول له كن فيكون ونقص إذا اردناه من رواية أبي زيد المروزي قال عياض كذا وقع لجميع الرواة عن الفربري من طريق أبي ذر والاصيلي والقابسي وغيرهم وكذا وقع في روايه النسفي وصواب التلاوة انما قولنا وكأنه أراد ان يترجم بالآية الاخرى وما أمرنا الا واحدة كلمح بالبصر وسبق القلم إلى هذه قلت وقع في نسخة معتمدة من رواية أبي ذر انما قولنا على وفق التلاوة وعليها شرح بن التين فان لم يكن من إصلاح من تأخر عنه والا فالقول ما قاله القاضى عياض قال بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية حدثنا أبي قال قال أحمد بن حنبل دل على ان القرآن غير مخلوق حديث عبادة أول ما خلق الله القلم فقال اكتب الحديث قال
[ 372 ]
وانما نطق القلم بكلامه لقوله انما قولنا لشئ إذا اردناه ان نقول له كن فيكون قال فكلام الله سابق على أول خلقه فهو غير مخلوق عن الربيع بن سليمان سمعت البويطى يقول خلق الله الخلق كله بقوله كن فلو كان كن مخلوقا لكان قد خلق الخلق بمخلوق وليس كذلك ثم ذكر فيه خمسة أحاديث الاول حديث المغيرة وقوله (7021) فيه عن إسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم والغرض منه ومن الذي بعده قوله حتى يأتيهم أمر الله وقد تقدم بيان المراد به عند شرحه في كتاب الاعتصام وقال بن بطال المراد بأمر الله في هذا الحديث الساعة والصواب أمر الله بقيام الساعة فيرجع إلى حكمه وقضائه والثاني والثالث حديث معاوية في ذلك وفيه رواية مالك بن يخامر بضم التحتانية وتخفيف الخاء المعجمة وكسر الميم عن معاذ وهم بالشام وذكر معاوية عنه ذلك وقوله (7022) فيه ولا من خذلهم وقع في رواية الاصيلى حذاهم بكسر المهملة ثم دال معجمة بعدها الف لينة قال ولها وجه يعنى من جاورهم ممن لا يوافقهم قال ولكن الصواب بفتح الخاء المعجمة وباللام من الخذلان وابن جابر المذكور فيه هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر نسب لجده الحديث الرابع حديث بن عباس في شأن مسيلمة ذكر منه طرفا وقد تقدم بتمامه في اواخر المغازي مع شرحه والغرض منه (7023) قوله ولن يعدوا أمر الله فيك أي ما قدره عليك من الشقاء أو السعادة الحديث الخامس حديث بن مسعود في سؤال اليهود عن الروح وقوله (7024) قل الروح من أمر ربي تمسك به من زعم ان الروح قديمة زعما ان المراد بالامر هنا الامر الذي في قوله تعالى الا له الخلق والامر وهو فاسد فان الامر ورد في القرآن لمعان بتبين المراد بكل منها من سياق الكلام وسيأتى في باب والله خلقكم وما تعملون ما يتعلق بالامر الذي في قوله تعالى الا له الخلق والامر وانه بمعنى الطلب الذي هو أحد أنواع الكلام واما الامر في حديث بن مسعود هذا فان المراد به المأمور كما يقال الخلق ويراد به المخلوق وقد وقع التصريح في بعض طرق الحديث ففي تفسير السدي عن أبي مالك عن بن عباس وعن غيره في قوله تعالى قل الروح من أمر ربي يقول هو خلق من خلق الله ليس هو شئ من أمر الله وقد اختلف في المراد بالروح المسؤل عنها هل هي الروح التي تقوم بها الحياة أو الروح المذكور في قوله تعالى يوم يقوم الروح والملائكة صفا وفي قوله تعالى تنزل الملائكة والروح فيها وتمسك من قال بالثاني بأن السؤال انما يقع في العادة عما لا يعرف الا بالوحي والروح التي بها الحياة قد تكلم الناس فيه قديما وحديثا بخلاف الروح المذكور فان أكثر الناس لا علم لهم به بل هي من علم الغيب بخلاف الاولى وقد اطلق الله لفظ الروح على الوحي في قوله تعالى وكذلك اوحينا إليك روحا من أمرنا وفي قوله يلقي الروح من امره على من يشاء وعلى القوة والثبات والنصر في قوله تعالى وأيدهم بروح منه وعلى جبريل في عدة آيات وعلى عيسى بن مريم ولم يقع في القرآن تسمية روح بنى آدم روحا بل سماها نفسا في قوله النفس المطمئنة والنفس الامارة بالسوء والنفس اللوامة واخرجوا أنفسكم ونفس وما سواها كل نفس ذائقة الموت وتمسك من زعم بأنها قديمه باضافتها إلى الله تعالى في قوله تعالى ونفخت فيه من روحي ولا حجة فيه لان الاضافة تقع على صفه تقوم بالموصوف
[ 373 ]
كالعلم والقدرة وعلى ما ينفصل عنه كبيت الله وناقة الله فقوله روح الله من هذا القبيل الثاني وهي إضافة تخصيص وتشريف وهي فوق الاضافة العامة التي بمعنى الايجاد فالاضافة على ثلاث مراتب إضافة ايجاد واضافة تشريف واضافة صفة والذي يدل على ان الروح مخلوقة عموم قوله تعالى الله خالق كل شئ وهو رب كل شئ ربكم ورب آبائكم الاولين والارواح مربوبة وكل مربوب مخلوق رب العالمين وقوله تعالى لزكريا وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا وهذا الخطاب لجسده وروحه معا ومنه قوله هل اتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا وقوله تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم سواء قلنا ان قوله خلقنا يتناول الارواح والاجساد معا أو الارواح فقط ومن الاحاديث الصحيحة حديث عمران بن حصين كان الله ولم يكن شئ غيره وقد تقدم التنبيه عليه في كتاب بدء الخلق وقد وقع الاتفاق على ان الملائكة مخلوقون وهم أرواح وحديث الارواح جنود مجندة والجنود المجندة لا تكون الا مخلوقة وقد تقدم هذا الحديث وشرحه في كتاب الادب وحديثه أبي قتادة ان بلالا قال لما ناموا في الوادي يا رسول الله اخذ بنفسي الذي اخذ بنفسك والمراد بالنفس الروح قطعا لقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ان الله قبض ارواحكم حين شاء الحديث كما في قوله تعالى الله يتوفى الانفس حين موتها الآية وقد تقدم الكلام على بقية فوائد هذا الحديث في سورة سبحان وقوله في آخره وما اوتوا من العلم الا قليلا كذا للاكثر ووقع في رواية الكشميهني وما اوتيتم على وفق القراءة المشهورة ويؤيد الاول قوله في بقيته قال الاعمش هكذا في قراءتنا قال بن بطال غرضه الرد على المعتزلة في زعمهم ان أمر الله مخلوق فتبين ان الامر هو قوله تعالى للشئ كن فيكون بامره له وان امره وقوله بمعنى واحد وانه يقول كن حقيقة وان الامر غير الخلق لعطفه عليه بالواو انتهى وسيأتي مزيد لهذا في باب والله خلقكم وما تعملون (0) قوله باب قول الله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي إلى قوله جئنا بمثله مددا في رواية أبي زيد المروزي إلى آخر الآية وساق في رواية كريمة الآية كلها قوله وقوله ولو ان ما في الارض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله جاء في سبب نزولها ما أخرجه بن أبي حاتم بسند صحيح عن بن عباس في قصة سؤال اليهود عن الروح ونزول قوله تعالى قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم الا قليلا قالوا كيف وقد أوتينا التوراة فنزلت قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي الآية فأخرج عبد الرزاق في تفسيره من طريق أبي الجوزاء قال لو كان كل شجرة في الارض اقلاما والبحر مدادا لنفد الماء وتكسرت الاقلام قبل أن تنفد كلمات الله وعن معمر عن قتادة ان المشركين قالوا في هذا القرآن يوشك ان ينفد فنزلت وأخرج بن أبي حاتم من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة نحوه وفيه فأنزل الله لو كان شجر الارض أقلاما ومع البحر سبعة أبحر مدادا لتكسرت الاقلام ونفد ماء البحار قبل أن تنفد قال بن أبي حاتم حدثنا أبي سمعت بعض أهل العلم يقول قول الله عزوجل انا كل شئ خلقناه بقدر وقوله قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر الآية يدل على ان القرآن غير مخلوق لانه لو كان مخلوقا لكان له قدر وكانت له عناية ولنفد كنفاد المخلوقين وتلا قوله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي إلى آخر الآية قوله ان ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار
[ 374 ]
سخر ذلل كذا لابي ذر عن المستملي وحده وفي رواية أبي زيد المروزي وقوله ان ربكم الله وساق إلى ان قال بعد قوله على العرش إلى قوله تبارك الله رب العالمين وساق في رواية كريمة الآية كلها وذكر فيه حديث أبي هريرة المشار إليه قريبا تكفل الله لمن جاهد في سبيله والمراد منه قوله وتصديق كلمته ووقع في نسخة من طريق أبي ذر وكلمات بصيغة الجمع قال بن التين يحتمل ان يكون المراد بكلماته الاوامر الواردة بالجهاد وما وعد عليه من الثواب ويحتمل ان يراد بها ألفاظ الشهادتين وأن تصديقه بها يثبت في نفسه عداوة من كذبهما والحرص على قتله وقوله خلق السماوات والارض في ستة أيام تقدم بيان السنة في الكلام على حديث بن عباس في تفسير حم فصلت وقوله يغشي الليل النهار أي ويغشي النهار الليل فحذف لدلالة السياق عليه وهو قوله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل والغرض من الآية قوله الا له الخلق والامر وسيأتي بسط القول فيه في أواخر هذا الكتاب في باب والله خلقكم وما تعملون ان شاء الله تعالى وحذف بن بطال هذ الباب وما فيه (0) قوله باب في المشيئة والارادة قال الراغب المشيئة عند الاكثر كالارادة سواء وعند بعضهم ان المشيئة في الاصل ايجاد الشئ واصابته فمن الله الايجاد ومن الناس الاصابة وفي العرف تستعمل موضع الارادة قوله وقول الله تعالى تؤتي الملك من تشاء وقوله وما تشاؤن الا ان يشاء الله وقوله ولا تقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله وقوله انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء قال البيهقي بعد ان ساق بسنده إلى الربيع بن سليمان قال الشافعي المشيئة إرادة الله وقد اعلم الله خلقه ان المشيئة له دونهم فقال وما تشاؤن الا ان يشاء الله فليست للخلق مشيئة الا ان يشاء الله وبه إلى الربيع قال سئل الشافعي عن القدر فقال ما شئت كان وان لم أشأ وما شئت ان لم تشأ لم يكن الابيات ثم ساق مما تكرر من ذكر المشيئة في الكتاب العزيز أكثر من أربعين موضعا منها غير ما ذكر في الترجمة قوله تعالى في البقرة ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم وقوله يختص برحمته من يشاء وقوله ولو شاء الله لاعنتكم وقوله وعلمه مما يشاء وقوله في آل عمران قل ان الفضل بيد الله يؤته من يشاء وقوله ويجتبي من رسله من يشاء وقوله في النساء ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء واما قوله في الانعام سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا الآية فقد تمسك بها المعتزلة وقالوا ان فيها ردا على أهل السنة والجواب ان أهل السنة تمسكوا بأصل قامت عليه البراهين وهو ان الله خالق كل مخلوق ويستحيل ان يخلق المخلوق شيئا والارادة شرط في الخلق ويستحيل ثبوت المشروط بدون شرطه فلما عاند المشركون المعقول وكذبوا المنقول الذي جاءتهم به الرسل وألزموا الحجة بذلك تمسكوا بالمشيئة والقدر السابق وهي حجة مردودة لان القدر لا تبطل به الشريعة وجريان الاحكام على العباد بأكسابهم فمن قدر عليه بالمعصية كان ذلك علامة على انه قدر عليه العقاب الا ان يشاء أن يغفر له من غير المشركين ومن قدر عليه بالطاعة كان ذلك علامة على انه قدر عليه بالثواب وحرف المسألة ان المعتزلة قاسوا الخالق على المخلوق وهو باطل لان المخلوق لو عاقب من يطيعه من اتباعه عد ظالما لكونه ليس مالكا له بالحقيقة والخالق لو عذب من يطيعه لم يعد ظالما لان الجميع ملكه فله الامر كله يفعل ما يشاء
[ 375 ]
ولا يسئل عما يفعل وقال الراغب يدل على ان الامور كلها موقوفة على مشيئة الله وان أفعال العباد متعلقة بها وموقوفة عليها ما اجتمع الناس على تعليق الاستثناء به في جميع الافعال وأخرج أبو نعيم في الحلية في ترجمة الزهري من طريق بن أخي الزهري عن عمه قال كان عمر بن الخطاب يأمر برواية قصيدة لبيد التي يقول فيها ان تقوى ربنا خير نفل وباذن الله ريثى وعجل احمد الله فلا ند له بيديه الخيرما شاء فعل من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل وحرف النزاع بين المعتزلة وأهل السنة ان الارادة عند أهل السنة تابعة للعلم وعندهم تابعة للامر ويدل لاهل السنة قوله تعالى يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة وقال بن بطال غرض البخاري اثبات المشيئة والارادة وهما بمعنى واحد وارادته صفة من صفات ذاته وزعم المعتزلة أنها صفة من صفات فعله وهو فاسد لان ارادته لو كانت محدثة لم يخل ان يحدثها في نفسه أو في غيره أو في كل منهما أو لا في شئ منها والثاني والثالث محال لانه ليس محلا للحوادث والثاني فاسد أيضا لانه يلزم ان يكون الغير مريدا لها وبطل ان يكون الباري مريدا إذ المريد من صدرت منه الارادة وهو الغير كما بطل ان يكون عالما إذا أحدث العلم في غيره وحقيقة المريد ان تكون الارادة منه دون غيره والرابع باطل لانه يستلزم قيامها بنفسها وإذا فسدت هذه الاقسام صح انه مريد بإرادة قديمة هي صفة قائمة بذاته ويكون تعلقها بما يصح كونه مرادا فما وقع بإرادته قال وهذه المسألة مبنية على القول بأنه سبحانه خالق أفعال العباد وانهم لا يفعلون الا ما يشاء وقد دل على ذلك قوله وما تشاءون الا ان يشاء الله وغيرها من الآيات وقال ولو شاء الله ما اقتتلوا ثم اكد ذلك بقوله تعالى ولكن الله يفعل ما يريد فدل على انه فعل اقتتالهم الواقع منهم لكونه مريدا له وإذا كان هو الفاعل لاقتتالهم فهو المريد لمشيئتهم والفاعل فثبت بهذه الآية ان كسب العباد انما هو بمشيئة الله وارادته ولو لم يرد وقوعه ما وقع وقال بعضهم الارادة على قسمين إرادة أمر وتشريع وإرادة قضاء وتقدير فالاولى تتعلق بالطاعة والمعصية سواء وقعت أم لا والثانية شاملة لجميع الكائنات محيطة بجميع الحادثات طاعة ومعصية والى الاول الاشارة بقوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر والى الثاني الاشارة بقوله تعالى فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا وفرق بعضهم بين الارادة والرضا فقالوا يريد وقوع المعصية ولا يرضاها لقوله تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها الآية وقوله ولا يرضى لعباده الكفر وتمسكوا أيضا بقوله ولا يرضى لعباده الكفر وأجاب أهل السنة بما أخرجه الطبري وغيره بسند رجاله ثقات عن بن عباس في قوله تعالى ان تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر يعني بعباده الكفار الذين أراد الله ان يطهر قلوبهم بقولهم لا إله إلا الله فأراد عباده المخلصين الذين قال فيهم ان عبادي ليس لك عليهم سلطان فحبب إليهم الايمان وألزمهم كلمة التقوى شهادة ان لا إله إلا الله وقالت المعتزلة في قوله تعالى وما تشاءون الا أن يشاء الله معناه وما تشاءون الطاعة الا ان يشاء الله فسركم عليها وتعقب بأنه لو كان كذلك لما قال الا ان يشاء في موضع ما شاء لان حرف الشرط للاستقبال وصرف المشيئة إلى القسر تحريف
[ 376 ]
لا اشعار للآية بشئ منه وانما المذكور في الآية مشيئة الاستقامة كسبا وهو المطلوب من العباد وقالوا في قوله تعالى تؤتي الملك من تشاء أي يعطي من اقتضته الحكمة الملك يريدون ان الحكمة تقتضي رعاية المصلحة ويدعون وجوب ذلك على الله تعالى الله عن قولهم وظاهر الآية ان يعطي الملك من يشاء سواء كان متصفا بصفات من يصلح للملك أم لا من غير رعاية استحقاق ولا وجوب ولا أصلح بل يؤتي الملك من يكفر به ويكفر نعمته حتى يهلكه ككثير من الكفار مثل نمرود والفراعنة ويؤته ان شاء من يؤمن به ويدعو إلى دينه ويرحم به الخلق مثل يوسف وداود وسليمان وحكمته في كلا الامرين علمه واحكامه بإرادته تخصيص مقدوراته قوله إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء قال سعيد بن المسيب عن أبيه نزلت في أبي طالب تقدم موصولا بتمامه في تفسير سورة القصص وتقدم هناك شرحه مستوفى وبعضه في الجنائز وقالت المعتزلة في هذه الآية معنى لا تهدي من أحببت لانك لا تعلم المطبوع على قلبه فيقرن به اللطف حتى يدعوه إلى القبول والله اعلم بالمهتدين القابلين لذلك وتعقب بان اللطف الذي يستندون إليه لا دليل عليه ومرادهم بمن يقبل ممن لا يقبل من يقع ذلك منه لذاته لا بحكم الله وانما المراد بقوله تعالى وهو أعلم بالمهتدين أي الذين خصصهم بذلك في الازل قوله يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر هذه الآية مما تمسك بها المعتزلة لقولهم فقالوا هذا يدل على انه لا يريد المعصية وتعقب بأن معنى إرادة اليسر التخيير بين الصوم في السفر ومع المرض والافطار بشرطه وارادت العسر المنفية الالزام بالصوم في السفر في جميع الحالات فالالزام الذي لا يقع لانه لا يريده وبهذا تظهر الحكمة في تأخيرها عن الحديث المذكور والفصل بين آيات المشيئة وآيات الارادة وقد تكرر ذكر الارادة في القرآن في مواضع كثيرة أيضا وقد اتفق أهل السنة على انه لا يقع الا ما يريده الله تعالى وانه مريد لجميع الكائنات وان لم يكن آمرا بها وقالت المعتزلة لا يريد الشر لانه لو أراده لطلبه وزعموا ان الامر نفس الارادة وشنعوا على أهل السنة أنه يلزمهم ان يقولوا ان الفحشاء مرادة لله وينبغي ان ينزه عنها وانفصل أهل السنة عن ذلك بأن الله تعالى قد يريد الشئ ليعاقب عليه ولثبوت انه خلق النار وخلق لها أهلا وخلق الجنة وخلق لها أهلا وألزموا المعتزلة بأنهم جعلوا انه يقع في ملكه ما لا يريد ويقال ان بعض أئمة السنة أحضر للمناظرة مع بعض أئمة المعتزلة فلما جلس المعتزلي قال سبحان من تنزه عن الفحشاء فقال السني سبحان من لا يقع في ملكه الا ما يشاء فقال المعتزلي أيشاء ربنا أن يعصي فقال السني أفيعصى ربنا قهرا فقال المعتزلي أرأيت أن منعني الهدى وقضى علي بالردى أحسن الي أو أساء فقال السني ان كان منعك ما هو لك فقد أساء وان كان منعك ما هو له فإنه يختص برحمته من يشاء فانقطع ثم ذكر البخاري بعد الحديث المعلق فيه سبعة عشر حديثا فيها كلها ذكر المشيئة وتقدمت كلها في أبواب متفرقة كما سأبينه الحديث الاول حديث أنس إذا دعوتم الله فاعزموا في الدعاء أي اجزموا ولا ترددوا من عزمت على شئ إذا صممت على فعله وقيل عزم المسألة الجزم بها من غير ضعف في الطلب وقيل هو حسن الظن بالله في الاجابة والحكمة فيه أن في التعليق سورة الاستغناء عن المطلوب منه وعن المطلوب وقوله (7026) لا مستكره له أي لان التعليق يوهم إمكان اعطاءه على غير المشيئة وليس بعد المشيئة الا الاكراه والله لا مكره له وقد تقدم شرحه في كتاب الدعوات الحديث الثاني حديث علي وقد تقدم شرحه في كتاب التهجد وموضع الدلالة منه قول علي انما أنفسنا بيد الله
[ 377 ]
فإذا شاء ان يبعثنا بعثنا وأقره صلى الله عليه وسلم على ذلك وقوله (7027) رضي الله تعالى عنه فقال لهم وكذا قول علي يبعثنا إشارة إلى نفسه والى من عنده وقوله فيه حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس وأخوه عبد الحميد هو أبو بكر مشهور بكنيته أكثر من اسمه وسليمان هو بن بلال وقد سمع إسماعيل بن سليمان بلا واسطة كما تقدم في عدة مواضع الحديث الثالث حديث أبي هريرة مثل المؤمن كمثل خامة الزرع وقد تقدم شرحه في الرقاق والمراد منه (7028) قوله في آخره يقصمها الله إذا شاء أي في الوقت الذي سبقت ارادته أن يقصمه فيه الحديث الرابع حديث بن عمر انما بقاؤكم فيما سلف من قبلكم من الامم بطوله وقد تقدم شرحه في الصلاة وذكر لقوله في آخره (7029) ذلك فضلي أوتيه من أشاء وللاشارة بقوله ذلك إلى جميع الثواب لا إلى القدر الذي يقابل العمل كما يزعم أهل الاعتزال الحديث الخامس حديث عبادة بن الصامت في المبايعة وقد تقدم شرحه في كتاب الايمان أوائل الكتاب والمراد منه هنا (7030) قوله ومن ستره الله فذلك إلى الله ان شاء عذبه وان شاء غفر له الحديث السادس حديث أبي هريرة في قول سليمان عليه السلام لاطوفن الليلة على نسائي وقد تقدم شرحه في أحاديث الانبياء وبيان الاختلاف في عدد نسائه وذكره هنا بلفظ لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأة منهن أي لو قال ان شاء الله كما في الرواية الاخرى وإطلاق الاستثناء على قول ان شاء الله بحسب اللغة الحديث السابع حديث بن عباس في الاعرابي الذي قال بل هي حمى تفور وقد تقدم شرحه في الطب وذكره لقوله طهور ان شاء الله الحديث الثامن حديث أبي قتادة حين ناموا عن الصلاة ان الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء ذكره هنا مختصرا وتقدم بأتم منه في باب الاذان بعد ذهاب الوقت من كتاب الصلاة الحديث التاسع حديث أبي هريرة في قصة المسلم الذي لطم اليهودي أورده من وجهين وذكره لقوله فيه أو كان
[ 378 ]
ممن استثنى الله وأشار بذلك إلى قوله تعالى (7034) فصعق من في السماوات ومن في الارض الا من شاء الله وقد تقدم الحديث العاشر حديث أنس في المدينة وفيه ولا الطاعون ان شاء الله وقد تقدم شرحه في كتاب الفتن وشيخه إسحاق بن أبي عيسى ليس له الا هذه الرواية الحديث الحادي عشر حديث أبي هريرة لكل نبي دعوة وقد تقدم شرحه في أوائل كتاب الدعوات الحديث الثاني عشر حديثه بينا أنا نائم رأيتني على قليب فنزعت ما شاء الله الحديث وقد تقدم شرحه في مناقب عمر وفي الفتن ويسرة شيخه بفتح التحتانية والمهملة بوزن بشرة بموحدة ومعجمة وقوله (7037) في السند حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري وخالفه يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه فقال عن صالح بن كيسان عن الزهري زاد بين إبراهيم والزهري صالحا أخرجه مسلم نبه على ذلك أبو مسعود وقد تعقبه قبله الاسماعيلي فقال انما يعرف عن إبراهيم عن صالح عن الزهري ثم ساقه من رواية جماعة عن إبراهيم بن سعد كذلك وقال يبعد تواطؤهم على الغلط وقال البرقاني في كل من رواه عن إبراهيم ادخل بينه وبين الزهري صالحا الحديث الثالث عشر حديث أبي موسى اشفعوا فلتؤجروا وقد تقدم بهذا السند والمتن في كتاب الادب وشرح هناك والغرض منه (7038) قوله ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء أي يظهر الله على لسان رسوله بالوحي أو الالهام ما قدره في علمه بأنه سيقع الحديث الرابع عشر حديث أبي هريرة لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي ان شئت وقد تقدم شرحه في كتاب الدعوات مع حديث أنس المبدأ بذكره في هذا الباب الحديث الخامس عشر حديث بن عباس عن أبي بن كعب في صاحب موسى والخضر وقد تقدم شرحه مستوفى في التفسير وتقدم شئ منه في كتاب العلم وشيخه عبد الله بن محمد هو المسندي
[ 379 ]
وشيخ المسندي أبو حفص عمرو بفتح العين هو بن أبي سلمة التنيسي بمثناة ونون ثقيلة مكسورة وأبو سلمة أبوه لم أقف على اسمه والمراد منه (7040) رضي الله تعالى عنهما قوله فيه حكاية عن موسى ستجدني ان شاء الله صابرا وفيه إشارة إلى ان قول ذلك يرجى فيه النجح ووقوع المطلوب غالبا وقد يتخلف ذلك إذا لم يقدر الله وقوعه كما سيأتي مثاله في الحديث الآخر الحديث السادس عشر حديث أبي هريرة ننزل غدا ان شاء الله بخيف بني كنانة وقد تقدم بأتم من هذا في كتاب الحج وتقدم شرحه أيضا الحديث السابع عشر حديث عبد الله بن عمر حاصر النبي صلى الله عليه وسلم الطائف الحديث وقد تقدم شرحه في الغزوات وبيان الاختلاف على أبي العباس تابعيه هل هو عن عبد الله بن عمر بضم العين أو بفتحها وبيان الصواب من ذلك وذكر هنا لقوله انا قافلون غدا ان شاء الله مرتين فما قفلوا في الاولى وقفلوا في الثانية (0) قوله باب قول الله تعالى ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن أذن له وساق إلى آخر الآية ثم قال ولم يقل ماذا خلق ربكم قال بن بطال استدل البخاري بهذا على ان قول الله قديم لذاته قائم بصفاته لم يزل موجودا به ولا يزال كلامه لا يشبه المخلوقين خلافا للمعتزلة التي نفت كلام الله وللكلابية في قولهم هو كناية عن الفعل والتكوين وتمسكوا بقول العرب قلت بيدي هذا أي حركتها واحتجوا بأن الكلام لا يعقل الا بأعضاء ولسان والباري منزه عن ذلك فرد عليهم البخاري بحديث الباب والآية وفيه انهم إذا ذهب عنهم الفزع قالوا لمن فوقهم ماذا قال ربكم فدل ذلك على انهم سمعوا قولا لم يفهموا معناه من أجل فزعهم فقالوا ماذا قال ولم يقولوا ماذا خلق وكذا أجابهم من فوقه من الملائكة بقولهم قالوا الحق والحق أحد صفتي الذات التي لا يجوز عليها غيره لانه لا يجوز على كلامه الباطل فلو كان خلقا أو فعلا لقالوا خلق خلقا انسانا أو غيره فلما وصفوه بما يوصف به الكلام لم يجز ان يكون القول بمعنى التكوين انتهى وهذا الذي نسبه للكلابية بعيد من كلامهم وانما هو كلام بعض المعتزلة فقد ذكر البخاري في خلق أفعال العباد عن أبي عبيد القاسم بن سلام ان المريسي قال في قوله تعالى انما قولنا لشئ إذا أردناه ان نقول له كن فيكون هو كقول العرب قالت السماء فأمطرت وقال الجدار هكذا إذا مال فمعناه قوله إذا أردناه إذا كوناه وتعقبه أبو عبيد بأنه أغلوطة لان القائل إذا قال قالت السماء لم يكن كلاما صحيحا حتى يقول فأمطرت بخلاف من يقول قال الانسان فإنه يفهم منه انه قال كلاما فلولا قوله فأمطرت لكان الكلام باطلا لان السماء لا قول لها فالى هذا أشار البخاري وهذا أول باب تكلم فيه البخاري على مسألة الكلام وهي طويلة الذيل قد أكثر أئمة الفرق فيها القول وملخص ذلك فال البيهقي في كتاب الاعتقاد القرآن كلام الله وكلام الله صفة من صفات ذاته وليس شئ من صفات ذاته مخلوقا ولا محدثا ولا حادثا قال تعالى انما قولنا لشئ إذا أردنا ان نقول له كن فيكون فلو كان القرآن مخلوقا لكان مخلوقا يكن ويستحيل ان يكون قول الله للشئ بقول لانه يوجب قولا ثانيا وثالثا فيتسلسل وهو فاسد وقال الله تعالى الرحمن علم القرآن خلق الانسان فخص القرآن بالتعليم لانه كلامه وصفته وخص الانسان بالتخليق لانه خلقه ومصنوعه ولولا ذلك لقال خلق القرآن والانسان وقال الله تعالى وكلم الله موسى تكليما ولا يجوز ان يكون كلام المتكلم قائما بغيره وقال الله تعالى وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا الآية فلو كان لا يوجد الا مخلوقا في شئ مخلوق لم يكن لاشتراط الوجوه
[ 380 ]
المذكورة في الآية معنى لاستواء جميع الخلق في سماعه عن غير الله فبطل قول الجهمية انه مخلوق في غير الله ويلزمهم في قولهم ان الله خلق كلاما في شجرة كلم به موسى ان يكون من سمع كلام الله من ملك أو نبي أفضل في سماع الكلام من موسى ويلزمهم أن تكون الشجرة هي المتكلمة بما ذكر الله انه كلم به موسى وهو قوله انني انا الله لا اله الا انا فاعبدني وقد أنكر الله تعالى قول المشركين ان هذا الا قول البشر ولا يعترض بقوله تعالى انه لقول رسول كريم لان معناه قول تلقاه عن رسول كريم كقوله تعالى فأجره حتى يسمع كلام الله ولا بقوله انا جعلناه قرآنا عربيا لان معناه سميناه قرآنا وهو كقوله وتجعلون رزقكم انكم تكذبون وقوله ويجعلون لله ما يكرهون وقوله ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث فالمراد أن تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه وبهذا احتج الامام أحمد ثم ساق البيهقي حديث نيار بكسر النون وتخفيف التحتانية بن مكرم ان أبا بكر قرأ عليهم سورة الروم فقالوا هذا كلامك أو كلام صاحبك قال ليس كلامي ولا كلام صاحبي ولكنه كلام الله وأصل هذا الحديث أخرجه الترمذي مصححا وعن علي بن أبي طالب ما حكمت مخلوقا ما حكمت الا القرآن ومن طريق سفيان بن عيينة سمعت عمرو بن دينار وغيره من مشيختنا يقولون القرآن كلام الله ليس بمخلوق وقال بن حزم في الملل والنحل أجمع أهل الاسلام على ان الله تعالى كلم موسى وعلى ان القرآن كلام الله وكذا غيره من الكتب المنزلة والصحف ثم اختلفوا فقالت المعتزلة ان كلام الله صفة فعل مخلوقة وانه كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة وقال أحمد ومن تبعه كلام الله هو علمه لم يزل وليس بمخلوق وقالت الاشعرية كلام الله صفة ذات لم يزل وليس بمخلوق وهو غير علم الله وليس الله الا كلام واحد واحتج لاحمد بأن الدلائل القاطعة قامت على ان الله لا يشبهه شئ من خلقه بوجه من الوجوه فلما كان كلامنا غيرنا وكان مخلوقا وجب ان يكون كلامه سبحانه وتعالى ليس غيره وليس مخلوقا وأطال في الرد على المخالفين لذلك وقال غيره اختلفوا فقالت الجهمية والمعتزلة وبعض الزيدية والامامية وبعض الخوارج كلام الله مخلوق خلقه بمشيئته وقدرته في بعض الاجسام كالشجرة حين كلم موسى وحقيقته قولهم ان الله لا يتكلم وان نسب إليه ذلك فبطريق المجاز وقالت المعتزلة يتكلم حقيقة لكن يخلق ذلك الكلام في غيره وقالت الكلابية الكلام صفة واحدة قديمة العين لازمة لذات الله كالحياة وانه لا يتكلم بمشيئته وقدرته وتكليمه لمن كلمه انما هو خلق إدراك له يسمع به الكلام ونداءه لموسى لم يزل لكنه اسمعه ذلك النداء حين ناجاه ويحكى عن أبي منصور الماتريدي من الحنفية نحوه لكن قال خلق صوتا حين ناداه فأسمعه كلامه وزعم بعضهم ان هذا هو مراد السلف الذين قالوا ان القرآن ليس بمخلوق وأخذ بقول بن كلاب القابسي والاشعري وأتباعهما وقالوا إذا كان الكلام قديما لعينه لازما لذات الرب وثبت أنه ليس بمخلوق فالحروف ليست قديمة لانها متعاقبة وما كان مسبوقا بغيره لم يكن قديما والكلام القديم معنى قائم بالذات لا يتعدد ولا يتجزأ بل هو معنى واحد ان عبر عنه بالعربية فهو قرآن أو بالعبرانية فهو توراة مثلا وذهب بعض الحنابلة وغيرهم إلى ان القرآن العربي كلام الله وكذا التوراة وان الله لم يزل متكلما إذا شاء وانه تكلم بحروف القرآن وأسمع من شاء من الملائكة والانبياء صوته وقالوا ان هذه الحروف والاصوات قديمة العين لازمة الذات ليس متعاقبا بل لم تزل قائمة بذاته مقترنة لا تسبق والتعاقب انما يكون في حق المخلوق
[ 381 ]
بخلاف الخالق وذهب أكثر هؤلاء إلى ان الاصوات والحروف هي المسموعة من القارئين وأبي ذلك كثير منهم فقالوا ليست هي المسموعة من القارئين وذهب بعضهم إلى انه متكلم بالقرآن العربي بمشيئته وقدرته بالحروف والاصوات القائمة بذاته وهو غير مخلوق لكنه في الازل لم يتكلم لامتناع وجود الحادث في الازل فكلامه حادث في ذاته لا محدث وذهب الكرامية إلى انه حادث في ذاته ومحدث وذكر الفخر الرازي في المطالب العالية أن قول من قال انه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الاقوال نقلا وعقلا وأطال في تقرير ذلك والمحفوظ عن جمهور السلف ترك الخوض في ذلك والتعمق فيه والاقتصار على القول بأن القرآن كلام الله وانه غير مخلوق ثم السكوت عما وراء ذلك وسيأتي الكلام على مسألة اللفظ حيث ذكره المصنف بعد إن شاء الله تعالى قوله وقال جل ذكره من ذا الذي يشفع عنده الا بإذنه زعم بن بطال إلى انه أشار بذلك إلى سبب النزول لنه جاء انهم لما قالوا شفعاؤنا عند الله الاصنام نزلت فأعلم الله ان الذين يشفعون عنده من الملائكة والانبياء انما يشفعون فيمن يشفعون فيه بعد اذنه لهم في ذلك انتهى ولم أقف ع لى نقل في هذه الآية بخصوصها وأظن البخاري أشار بهذا إلى ترجيح قول من قال ان الضمير في قوله عن قلوبهم للملائكة وان فاعل الشفاعة في قوله ولا تنفع الشفاعة هم الملائكة بدليل قوله بعد وصف الملائكة ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون بخلاف قول من زعم ان الضمير للكفار المذكورين في قوله تعالى ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه كما نقله بعض المفسرين وزعم ان المراد بالتفزيع حالة مفارقة الحياة ويكون اتباعهم إياه مستصحبا إلى يوم القيامة على طريق المجاز والجملة من قوله قل ادعوا إلى آخره معترضة وحمل هذا القائل على هذا الزعم ان قوله حتى إذا فزع عن قلوبهم غاية لا بد لها من مغيا فادعى انه ما ذكره وقال بعض المفسرين في المعتزلة المراد بالزعم الكفر في قوله تعالى زعمتم أي تماديتم في الكفر إلى غاية التفزيع ثم تركتم زعمكم وقلتم قال الحق وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة ويفهم من سياق الكلام ان هناك فزعا ممن يرجو الشفاعة هل يؤذن له بالشفاعة اولا فكأنه قال يتربصون زمانا فزعين حتى إذا كشف الفزع عن الجميع بكلام يقول الله في إطلاق الاذن تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضا ماذا قال ربكم قالوا الحق أي القول الحق وهو الاذن في الشفاعة لمن ارتضى قلت وجميع ذلك مخالف لهذا الحديث الصحيح والاحاديث كثيرة تؤيده قد ذكرت بعضها في تفسير سورة سبأ وسأشير إليها هنا بعد والصحيح في اعرابها ما قاله بن عطية وهو ان المغيا محذوف ك أنه قيل ولا هم شفعاء كما تزعمون بل هم عنده ممتثلون لامره إلى ان يزول الفزع عن قلوبهم والمراد بهم الملائكة وهو المطابق للاحاديث الواردة في ذلك فهو المعتمد واما اعتراض من تعقبه بأنهم لم يزالوا منقادين فلا يلزم منه دفع ما تأوله لكن حق العبارة ان يقول بل هم خاضعون لامره مرتقبون لما يأتيهم من قبله خائفون ان يكون ذلك من أمر الساعة إلى ان يكشف عنهم ذلك بأخبار جبريل بما أمر به من ابلاغ الوحي للرسل وبالله التوفيق ثم ذكر فيه ستة أحاديث الحديث الاول قوله وقال مسروق عن بن مسعود إذا تكلم الله تبارك وتعالى بالوحي سمع أهل السماوات فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا انه الحق ونادوا ماذا قال ربكم قالوا الحق ووقع في رواية الكشميهني وثبت بمثلثه وموحدة مفتوحتين بدل وسكن هكذا ذكر هذا التعليق
[ 382 ]
مختصرا وقد وصله البيهقي في الاسماء والصفات من طريق أبي معاوية عن الاعمش عن مسلم بن صبيح وهو أبو الضحى عن مسروق وهكذا أخرجه أحمد عن أبي معاوية ولفظه ان الله عزوجل إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاء فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم قال ويقولون يا جبريل ماذا قال ربكم قال فيقول الحق قال فينادون الحق الحق قال البيهقي رواه أحمد بن شريح الرازي وعلي بن أشكاب وعلي بن مسلم ثلاثتهم عن أبي معاوية مرفوعا أخرجه أبو داود في السنن عنهم ولفظه مثله الا انه قال فيقولون ماذا قال ربك قال ورواه شعبة عن الاعمش موقوفا وجاء عنه مرفوعا أيضا قلت وهكذا رواه الحسن بن محمد الزعفراني عن أبي معاوية مرفوعا وأخرجه البخاري في كتاب خلق افعال العباد من روايه أبي حمزة السكري عن الاعمش بهذا السند إلى مسروق قال من كان يحدثنا بتفسير هذه الآية لولا بن مسعود سألناه عنه فذكره موقوفا باللفظ المذكور في الصحيح ثم ساقه من طريق حفص بن غياث عن الاعمش قال بهذا وأخرجه بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن علي بن أشكاب مرفوعا وقال هكذا حدث به أبو معاوية مسندا ووجدته بالكوفة موقوفا ثم أخرجه من رواية عبد الله بن نمير وشعبة كلاهما عن الاعمش موقوفا ومن رواية شعبة عن منصور والاعمش معا ومن رواية الثوري عن منصور كذلك وهكذا رواه عبد الرحمن بن محمد المحاربي وجرير عن الاعمش موقوفا ورواه فضيل بن عياض عن منصور عن أبي الضحى ورواه الحسن بن عبيد الله النخعي عن أبي الضحى مرفوعا وأخرجه بن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك عن مسروق كذلك واغفل أبو الحسن بن الفضل في الجزء الذي جمعه في الكلام على أحاديث الصوت هذه الطرق كلها وأقتصر على طريق البخاري فنقل كلام من تكلم فيه وأسند إلى ان الجرح مقدم على التعديل وفيه نظر لانه ثقة مخرج حديثه في الصحيحين ولم ينفرد به وقد نقل بن دقيق العيد عن بن المفضل وكان شيخ والده انه كان يقول فيمن خرج له في الصحيحين هذا جاز القنطرة وقرر بن دقيق العيد ذلك بأن من اتفق الشيخان على التخريج لهم ثبتت عدالتهم بالاتفاق بطريق الاستلزام لاتفاق العلماء على تصحيح م ا أخرجاه ومن لازمه عدالة رواته إلى ان تتبين العلة القادحة بان تكون مفسرة ولا تقبل التأويل قوله سمع أهل السماوات في رواية أبي داود وغيره سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا ولبعضهم الصفوان بدل الصفا وفي رواية الثوري الحديد بدل السلسلة وفي رواية شيبان بن عبد الرحمن عن منصور عند بن أبي حاتم مثل صوت السلسلة وعنده من رواية عامر الشعبي عن بن مسعود سمع من دونه صوتا كجر السلسلة ووقع في حديث النواس بن سمعان عند بن أبي حاتم إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو قال رعدة شديدة من خوف الله فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا وكذا وقع قوله ويخرون سجدا في رواية أبي مالك وكذا في رواية سفيان وابن نمير المشار إليها ووقع في رواية شعبة فيرون انه من أمر الساعة فيفزعون الحديث الثاني قوله ويذكر عن جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس بنون ومهملة مصغر هو الجهني كما تقدم في كتاب العلم وان الحديث الموقوف هناك طرف من هذا الحديث المرفوع وتقدم بيان الحكمة في إيراده هناك بصيغة الجزم وهنا بضيغة التمريض
[ 383 ]
وساق هنا من الحديث بعضه وأخرجه بتمامه في الادب المفرد وكذا أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني كلهم من طريق همام بن يحيى عن القاسم بن عبد الواحد المكي عن عبد الله بن محمد بن عقيل انه سمع جابر بن عبد الله يقول فذكر القصة وأول المتن المرفوع يحشر الله الناس يوم القيامة أو قال العباد عراة غرلا بهما قال قلنا وما بهما قال ليس معهم شئ ثم يناديهم فذكره وزاد بعد قوله الديان لا ينبغي لاحد من أهل النار ان يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه ولا ينبغي لاحد من أهل الجنة ان يدخل الجنة ولاحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة قال قلنا كيف وانا انما نأتي عراة بهما قال الحسنات والسيئات لفظ أحمد عن يزيد ابن هرون عن همام وعبيد الله بن محمد بن عقيل مختلف في الاحتجاج به وقد أشرت إلى ذكر من تابعه في كتاب العلم وقوله غرلا بضم المعجمة وسكون الراء وقد تقدم بيانه في الرقاق في شرح حديث بن عباس وفيه حفاة بدل قوله بهما وهو بضم الموحدة وسكون الهاء وقيل معناه الذين لا شئ معهم وقيل المجهولون وقيل المتشابه والالوان والاول الموافق لما هنا قوله فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب حمله بعض الائمة على مجاز الحذف أي يأمر من ينادي واستبعده بعض من أثبت الصوت بأن في قوله يسمعه من بعد إشارة إلى انه ليس من المخلوقات لانه لم يعهد مثل هذا فيهم وبأن الملائكة إذا سمعوه صعقوا كما سيأتي في الكلام على الحديث الذي بعده وإذا سمع بعضهم بعضا لم يصعقوا قال فعلى هذا فصفاته صفة من صفات ذاته لا تشبه صوت غيره إذ ليس يوجد شئ من صفاته من صفات المخلوقين هكذا قرره المصنف في كتاب خلق أفعال العباد وقال غيره معنى يناديهم يقول وقوله بصوت أي مخلوق غير قائم بذاته والحكمة في كونه خارقا لعادة الاصوات المخلوقة المعتادة التي يظهر التفاوت في سماعها بين البعيد والقريب هي أن يعلم ان المسموع كلام الله كما ان موسى لما كلمه الله كان يسمعه من جميع الجهات وقال البيهقي الكلام ما ينطق به المتكلم وهو مستقر في نفسه كما جاء في حديث عمر يعني في قصة السقيفة وقد تقدم سياقه في كتاب الحدود وفيه وكنت زورت في نفسي مقالة وفي رواية هيأت في نفسي كلاما قال فسماه كلاما قبل التكلم به قال فان كان المتكلم ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات وان كان غير ذي مخارج فهو بخلاف ذلك والباري عزوجل ليس بذي مخارج فلا يكون كلامه بحروف وأصوات فإذا فهمه السامع تلاه بحروف وأصوات ثم ذكر حديث جابر عن عبد الله بن أنيس وقال اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات بن عقيل لسوء حفظه ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم غير حديثه فان كان ثابتا فإنه يرجع إلى غيره كما في حديث بن مسعود يعني الذي قبله وفي حديث أبي هريرة يعني الذي بعده ان الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتا فيحتمل ان يكون الصوت للسماء أو للملك الآتي بالوحي أو لاجنحة الملائكة وإذا احتمل ذلك لم يكن نصا في المسألة وأشار في موضع آخر ان الراوي أراد فينادي نداء فعبر عنه بقوله بصوت انتهى وهذا حاصل كلام من ينفي الصوت من الائمة ويلزم منه ان الله لم يسمع أحدا من ملائكته ورسله كلامه بل ألهمهم إياه وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين لانها التي عهد أنها ذات مخارج ولا يخفى ما فيه إذ الصوت قد يكون من غير مخارج كما ان الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة كما سبق سلمنا لكن تمنع القياس
[ 384 ]
المذكور وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الاحاديث الصحيحة وجب الايمان به ثم اما التفويض واما التأويل وبالله التوفيق قوله الديان قال الحليمي هو ماخوذ من قوله ملك يوم الدين وهو المحاسب المجازي لا يضيع عمل عامل انتهى ووقع مرسل أبي قلابة البر لا يبلى والاثم لا ينسى والديان لا يموت وكن كما شئت كما تدين تدان ورجاله ثقات أخرجه البيهقي في الزهد وقد تقدمت الاشارة إليه في تفسير سورة الفاتحة وقال الكرماني المعنى لا ملك الا انا ولا مجازي الا انا وهو من حصر المبتدأ في الخبر وفي هذا اللفظ إشارة إلى صفة الحياة والعلم والارادة والقدرة وغيرها من الصفات المتفق عليها عند أهل السنة وقوله في آخر الحديث قال الحسنات والسيئات يعني ان القصاص بين المتظالمين انما يقع بالحسنات والسيئات وقد تقدم بيان ذلك في الرقاق وتقدم أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا قبل أخيه مظلمة الحديث الثالث (7043) حدثنا علي بن عبد الله هو المديني وسفيان هو بن عيينة وقد تقدم بهذا السند والمتن في تفسير سورة الحجر وسياقه هناك أتم وتقدم معظم شرحه هناك قوله يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الحميدي عن سفيان كما تقدم في تفسير سورة سبأ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال قوله إذا قضي الله الامر في السماء وقع في حديث بن مسعود المذكور اولا إذا تكلم الله بالوحي وكذا في حديث النواس بن سمعان عند الطبراني قوله ضربت الملائكة بأجنحتها في حديث بن مسعود سمع أهل السماء الصلصلة قوله خضعانا مصدر كقوله غفرانا قاله الخطابي وقال غيره هو جمع خاضع قوله قال علي هو بن المديني وقال غيره صفوان ينفذهم قال عياض ضبطوه بفتح الفاء من صفوان وليس له معنى وانما أراد لغير المبهم قوله ينفذهم وهو بفتح أوله وضم الفاء أي يعمهم قلت وكذا أخرجه بن أبي حاتم عن محمد ابن عبد الله بن زيد عن سفيان بن عيينة بهذه الزيادة ولكن لا يفسر به الغير المذكور لان المراد به غير سفيان وذكره الكرماني بلفظ صفوان ينفذ فيهم ذلك بزيادة لفظ الانفاذ أي ينفذ الله ذلك القول إلى الملائكة أو من النفوذ أي ينفذ ذلك إليهم أو عليهم ثم قال ويحتمل ان يراد غير سفيان قال ان صفوان بفتح الفاء فالاختلاف في الفتح والسكون وينفذهم غير مختص بالغير بل مشترك بين سفيان وغيره انتهى وسياق علي في هذا الرواية يخالف هذا الاحتمال لكن قد وقعت زيادة ينفذهم في الرواية التي ذكرتها وهي عن سفيان فيوقوي ما قال قوله قال علي وحدثنا سفيان إلى قوله قال نعم علي هو بن المديني المذكور ومراده ان بن عيينة كان يسوق السند مرة بالعنعنة ومرة بالتحديث والسماع فاستثبته علي من ذلك فقال نعم وقد تقدم عن علي بن عبد الله المذكور في تفسير سورة الحجر بصيغة التصريح في جميع السند وكذا عن الحميدي عن سفيان في تفسير سبأ قوله قال علي هو بن المديني أيضا قوله ان انسانا روى عن عمرو بن دينار إلى ان قال انه فرغ هو بالراء المهملة والغين المعجمة وزن القراءة المشهورة وقد ذكرت في تفسير سورة سبأ من قرأها كذلك ووقع للاكثر هنا كالقراءة المشهورة والسياق يؤيد الاول وقوله قال سفيان هكذا قرأ عمرو يعني بن دينار قوله فلا أدري سمعه هكذا أم لا أي سمعه من عكرمة أو قرأها كذلك من قبل نفسه بناء على انها قراءته وقول سفيان وهي قراءتنا يريد نفسه ومن تابعه تنبيه وقع في تفسير سورة الحجر بالسند المذكور هنا بعد قوله وهو العلي الكبير
[ 385 ]
فسمعها مسترقوا السمع هكذا إلى آخر ما ذكر من ذلك وهذا مما يبين ان التفزيع المذكور يقع للملائكة وان الضمير في قلوبهم للملائكة لا للكفار بخلاف ما جزم به من قدمت ذكره من المفسرين وقد وقع في حديث النواس بن سمعان الذي أشرت إليه ما نصه أخذت أهل السماوات منه رعدة خوفا من الله وخروا سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله بما أراد فيمضي به على الملائكة من سماء إلى سماء وفي حديث بن عباس عند بن خزيمة وابن مردويه كمر السلسلة على الصفوان فلا ينزل على أهل السماء الا صعقوا فإذا فزع عن قلوبهم إلى آخر الآية ثم يقول يكون العام كذا فيسمعه الجن وعند بن مردويه من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لما نزل جبريل بالوحي فزع أهه السماء لانحطاطه وسمعوا صوت الوحي كأشد ما يكون من صوت الحديد على الصفا فيقولون يا جبريل بما أمرت الحديث وعنده وعند بن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن بن عباس لم تكن قبيلة من الجن الا ولهم مقاعد للسمع فكان إذا نزل الوحي سمع الملائكة صوتا كصوت الحديدة القيتها على الصفا فإذا سمعت الملائكة ذلك خروا سجدا فلم يرفعوا حتى ينزل فإذا نزل قالوا ماذا قال ربكم فان كان مما يكون في السماء قالوا الحق وان كان مما يكون في الارض من غيث أو موت تكلموا فيه فسمعت الشياطين فينزلون على اوليائهم من الانس وفي لفظ فيقولون يكون العام كذا فيسمعه الجن فتحدثه الكهنة وفي لفظ ينزل الامر إلى السماء الدنيا له وقعة كوقع السلسلة على الصخرة فيفزع له جميع أهل السماوات الحديث فهذه الاحاديث ظاهرة جدا في ان ذلك وقع في الدنيا بخلاف قول من ذكرنا من المفسرين الذين أقدموا على الجزم بان الضمير للكفار وان ذلك يقع يوم القيامة مخالفين لما صح من الحديث النبوي من أجل خفاء معنى الغاية في قوله حتى إذا فزع عن قلوبهم وفي الحديث اثبات الشفاعة وانكرها الخوارج والمعتزلة وهي أنواع أثبتها أهل السنة منها الخلاص من هول الموقف وهي خاصة بمحمد رسول الله المصطفى صلى الله عليه وسلم كما تقدم بيان ذلك واضحا في الرقاق وهذه لا ينكرها أحد من فرق الامة ومنها الشفاعة في قوم يدخلون الجنة بغير حساب وخص هذه المعتزلة بمن لا تبعة عليه ومنها الشفاعة في رفع الدرجات ولا خلاف في وقوعها ومنها الشفاعة في إخراج قوم من النار عصاة أدخلوها بذنوبهم وهذه التي أنكروها وقد ثبتت بها الاخبار الكثيرة وأطبق أهل السنة على قبولها وبالله التوفيق الحديث الرابع حديث أبي هريرة في التغني بالقرآن وقد مضى شرحه في فضائل القرآن وقوله (7044) في آخره وقال صاحب له يجهر به في رواية الكشميهني يجهر بالقرآن وقد تقدم بيانه هناك وسيأتي بعد أبواب من وجه آخر مدرجا وأشار بإيراده هنا إلى حديث فضالة بن عبيد الذي أخرجه بن ماجة من رواية ميسرة مولى فضالة عن فضالة بن عبيد قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لله عزوجل أشد اذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته وذكره البخاري في خلق أفعال العباد عن ميسرة وقوله اذنا بفتح الهمزة والمعجمة أي استماعا الحديث الخامس حديث أبي سعيد في بعث النار ذكره مختصرا وقد مضى شرحه مستوفى في أواخر الرقاق وقوله (7045) يقول الله يا آدم في رواية التفسير يقول الله يوم القيامة يا آدم قوله فينادي بصوت ان الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار هذا آخر ما أورد منه من هذه الطريق وقد
[ 386 ]
أخرجه بتمامه في تفسير سورة الحج بالسند المذكور هنا ووقع فينادي مضبوطا للاكثر بكسر الدال وفي رواية أبي ذر بفتحها على البناء للمجهول ولا محذور في رواية الجمهور فان قرينة قوله ان الله يأمرك تدل ظاهرا على ان المنادي ملك يأمره الله بان ينادي بذلك وقد طعن أبو الحسن بن الفضل في صحة هذه الطريق وذكر كلامهم في حفص بن غياث وانه انفرد بهذا اللفظ عن الاعمش وليس كما قال فقد وافقه عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الاعمش أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة له عن أبيه عن المحاربي واستدل البخاري في كتاب خلق أفعال العباد على ان الله يتكلم كيف شاء وان أصوات العباد مؤلفة حرفا حرفا فيها التطريب بالهمز والترجيع بحديث أم سلمة ثم ساقه من طريق يعلي بن مملك بفتح الميم واللام بينهما ميم ساكنة ثم كاف انه سأل أم سلمة عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته فذكر الحديث وفيه ونعتت قراءته فإذا قراءته حرفا حرفا وهذا أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما واختلف أهل الكلام في أن كلام الله هل هو بحرف وصوت أو لا فقالت المعتزلة لا يكون الكلام الا بحرف وصوت والكلام المنسوب إلى الله قائم بالشجرة وقالت الاشاعرة كلام الله ليس بحرف ولا صوت واثبتت الكلام النفسي وحقيقته معنى قائم بالنفس وان اختلفت عنه العبارة كالعربية والعجمية واختلافها لا يدل على اختلاف المعبر عنه والكلام النفسي هو ذلك المعبر عنه واثبتت الحنابلة ان الله متكلم بحرف وصوت اما الحروف فللتصريح بها في ظاهر القرآن واما الصوت فمن منع قال ان الصوت هو الهواء المنقطع المسموع من الحنجرة وأجاب من أثبته بأن الصوت الموصوف بذلك هو المعهود من الآدميين كالسمع والبصر وصفات الرب بخلاف ذلك فلا يلزم المحذور المذكور مع اعتقاد التنزيه وعدم التشبيه وانه يجوز ان يكون من غير الحنجرة فلا يلزم التشبيه وقد قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة سألت أبي عن قوم يقولون لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت فقال لي أبي بل تكلم بصوت هذه الاحاديث تروى كما جاءت وذكر حديث بن مسعود وغيره الحديث السادس حديث عائشة في فضل خديجة وفيه ولقد أمره الله في رواية المستملي والسرخسي ولقد امره ربه (7046) بسم الله الرحمن الرحيم قوله ببيت من الجنة في رواية الكشميهني ببيت في الجنة وقد مضى شرحه مستوفى في المناقب (0) قوله باب كلام الرب تعالى مع جبريل ونداء الله الملائكة ذكر فيه أثرا وثلاثة أحاديث في الحديث الاول نداء الله جبريل وفي الثاني سؤال الله الملائكة على عكس ما وقع في الترجمة وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه ووقع عند مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه في هذا الحديث أن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال اني أحب فلانا فأحبه وذكر في الادب ان أحمد أخرجه من حديث ثوبان بلفظ حتى يقول يا جبريل ان عبدي فلانا يلتمس ان يرضيني الحديث قوله وقال معمر وانك لتلقى القرآن أي يلقى عليك وتلقاه أنت أي تأخذه عنهم ومثله فتلقى آدم من ربه كلمات معمر هذا قد يتبادر انه بن راشد شيخ عبد الرزاق وليس كذلك بل هو أبو عبيدة معمر بن المثني اللغوي قال أبو ذر الهروي وجدت ذلك في كتاب المجاز له فقال في تفسير سورة النمل في قوله عزوجل وانك لتلقى القرآن أي تأخذه عنهم ويلقى عليك وقال في تفسير سورة البقرة في قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات أي قبلها واخذها عنه قال أبو عبيدة وتلا علنا أبو مهدي آية فقال تلقيتها من عمي تلقاها عن أبي هريرة تلقاها عن النبي
[ 387 ]
صلى الله عليه وسلم وقال في قوله تعالى ولا يلقاها الا الصابرون أي لا يوفق لها ولا يلقنها ولا يرزقها وحاصله انها تأتي بالمعاني الثلاثة وانها هنا صالحة لكل منها وأصله اللقاء وهو استقبال الشئ ومصادفته الحديث الاول (7047) قوله حدثنا إسحاق هو بن منصور وتردد أبو علي الجياني بينه وبين إسحاق بن راهويه وانما جزمت به لقوله حدثنا عبد الصمد فان إسحاق لا يقول الا أخبرنا وقد تقدم في الحديث الثاني من باب ما يكره من كثرة السؤال في كتاب الاعتصام نحو هذا وعبد الصمد هو بن عبد الوارث وقد تقدم في هذا السند في كتاب الطهارة حديث آخر وقد جزم أبو نعيم في المستخرج بان إسحاق المذكور فيه هو بن منصور وتكلمت على سنده هناك وهو في باب الماء الذي يغسل به شعر الانسان قوله ان الله قد أحب فلانا كذا هنا بصيغة الفعل الماضي وفي رواية نافع عن أبي هريرة الماضية في الادب ان الله يحب فلانا بصيغة المضارعة وفي الاول إشارة إلى سبق المحبة على النداء وفي الثاني إشارة إلى استمرار ذلك وقد تقدمت مباحثه في كتاب الادب قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في تعبيره عن كثرة الاحسان بالحب تأنيس العباد وإدخال المسرة عليهم لان العبد إذا سمع عن مولاه انه يحبه حصل على أعلى السرور عنده وتحقق بكل خير ثم قال وهذا انما يتأتى لمن في طبعه فتوة ومروءة وحسن انابة كما قال تعالى وما يتذكر الا من ينيب وأما من في نفسه رعونة وله شهوة غالبة فلا يرده الا الزجر بالتعنيف والضرب قال وفي تقديم الامر بذلك لجبريل قبل غيره من الملائكة إظهار لرفيع منزلته عند الله تعالى على غيره منهم قال ويؤخذ من هذا الحديث الحث على توفية أعمال البر على اختلاف أنواعها فرضها وسنتها ويؤخذ منه أيضا كثرة التحذير عن المعاصي والبدع لانها مظنة السخط وبالله التوفيق الحديث الثاني حديث أبي هريرة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل الحديث وقد تقدم شرحه في أوائل كتاب الصلاة والمراد منه (7048) قوله فيه فيسألهم وهو أعلم بهم أي من الملائكة وليس في رواية مالك المذكورة هنا التصريح بتسمية الذي يسأل ووقع التصريح به في بعض طرقه في الصلاة بلفظ فيسألهم ربهم وهي من رواية مالك أيضا والمشهور عند جمهور رواة مالك حذفها ووقع عند بن خزيمة من طريق أبي صالح عن أبي هريرة فيسألهم ربهم وقد ذكرت لفظه هناك وتقدم القول في العروج في باب تعرج الملائكة والروح إليه قريبا الحديث الثالث حديث أبي ذر (7049) قوله عن واصل هو المعروف بالاحدب والمعرور بمهملات قوله أتاني جبريل فبشرني هو طرف من حديث تقدم بتمامه مشروحا في كتاب الرقاق قوله وان سرق وان زنى في رواية الكشميهني وان سرق وزنى في الموضعين وفي مناسبته للترجمة غموض وكأنه من جهة ان جبريل انما يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بأمر يتلقاه عن ربه عزوجل فكأن الله سبحانه قال له بشر محمدا بان من مات من أمته لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة فبشره بذلك (0) قوله باب قوله انزله بعلمه والملائكة يشهدون كذا للجميع ونقل في تفسير الطبري أنزله إليك بعلم منه انك خيرته من خلقه قال بن بطال المراد بالانزال افهام العباد معاني الفروض التي في القرآن وليس انزاله له كإنزال الاجسام المخلوقة لان القرآن ليس بجسم ولا مخلوق انتهى والكلام الثاني متفق عليه بين أهل السنة سلفا وخلفا وأما الاول فهو على طريقة أهل التأويل والمنقول عن السلف اتفاقهم على ان القرآن كلام الله غير مخلوق تلقاه جبريل عن الله وبلغه جبريل إلى محمد عليه الصلاة والسلام وبلغه صلى الله
[ 388 ]
عليه وسلم إلى أمته قوله قال مجاهد يتنزل الامر بينهن بين السماء السابعة والارض السابعة في رواية أبي ذر عن السرخسي من بدل بين وقد وصله الفريابي والطبري من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ من السماء السابعة إلى الارض السابعة وأخرج الطبري من وجه آخر عن مجاهد قال الكعبة بين أربعة عشر بين بيتا من السماوات السبع والارضين السبع وعن قتادة نحو ذلك ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث الحديث الاول حديث البراء في القول عند النوم وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الادعية والمراد منه (7050) قوله فيه آمنت بكتابك الذي أنزلت الحديث الثاني حديث عبد الله بن أبي أوفى وقد تقدم شرحه في كتاب الجهاد والغرض منه هنا اللهم منزل الكتاب وقوله (7051) في آخره وزلزلهم في رواية السرخسي وزلزل بهم قوله زاد الحميدي حدثنا سفيان إلى آخر السند مراده بزيادة التصريح الواقع في رواية الحميدي لسفيان وإسماعيل وعبد الله بخلاف رواية قتيبة فانها بالعنعنة في الثلاثة وقد أخرجه الحميدي في مسنده هكذا وأبو نعيم في المستخرج من طريقه وقال أخرجه البخاري عن قتيبة والحميدي وظاهره ان البخاري جمع بينهما في سياقه وليس كذلك الحديث الثالث حديث بن عباس في قوله تعالى (7052) ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها أنزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة الحديث وقد تقدم شرحه في آخر تفسير سورة سبحان والمراد منه هنا قوله أنزلت والآيات المصرحة بلفظ الانزال والتنزيل في القرآن كثيرة قال الراغب الفرق بين الانزال والتنزيل في وصف القرآن والملائكة ان التنزيل يختص بالموضع الذي يشير إلى انزاله متفرقا ومرة بعد أخرى والانزال أعم من ذلك ومنه قوله تعالى انا أنزلناه في ليلة القدر قال الراغب عبر بالانزال دون التنزيل لان القرآن نزل دفعة واحدة إلى سماء الدنيا ثم نزل بعد ذلك شيئا فشيئا ومنه قوله تعالى حم والكتاب المبين انا أنزلناه في ليلة مباركة ومن الثاني قوله تعال ى وقرآنا وفرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ويؤيد التفصيل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل فان المراد بالكتاب الاول القرآن وبالثاني ما عداه والقرآن نزل نجوما إلى الارض بحسب الوقائع بخلاف غيره من الكتب ويرد على التفصيل المذكور قوله تعالى وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة وأجيب بأنه أطلق نزل موضع أنزل قال ولولا هذا التأويل لكان متدافعا لقوله جملة واحدة وهذا بناه هذا القائل على ان نزل بالتشديد يقتضي التفريق فاحتاج إلى ادعاء ما ذكر والا فقد قال غيره ان التضعيف لا يستلزم حقيقة التكثير بل يرد للتعظيم وهو في حكم التكثير معنى فبهذا يدفع الاشكال (0) قوله باب قول الله تعالى يريدون ان يبدلوا كلام الله كذا للجميع زاد أبو ذر الآية قال بن بطال أراد بهذه الترجمة وأحاديثها ما أراد في الابواب قبلها ان كلام الله تعالى صفة قائمة به وانه لم يزل متكلما ولا يزال ثم أخذ في ذكر سبب نزول الآية والذي يظهر ان غرضه ان كلام الله لا يختص بالقرآن فإنه ليس نوعا واحدا كما تقدم نقله عمن قاله وانه وان كان غير مخلوق وهو صفة قائمة به فإنه يلقيه على من يشاء من عباده بحسب حاجتهم في الاحكام الشرعية وغيرها من مصالحهم وأحاديث الباب كالمصرحة بهذا المراد قوله إنه لقول
[ 389 ]
فصل الحق وما هو بالهزل باللعب كذا لابي ذر وسقط من أوله لفظ انه من رواية غيره وثبت لكل من عدا أبا ذر حق بغير الف ولام وسقطت من رواية أبي زيد المروزي والتفسير المذكور مأخوذ من كلام أبي عبيدة فإنه قال في كتاب المجاز قوله وما هو بالهزل أي ما هو باللعب والمراد بالحق الشئ الثابت الذي لا يزول وبهذا تظهر مناسبة هذا الآية للآية التي في الترجمة ثم ذكر فيه سبعة عشر حديثا معظمها من حديث أبي هريرة وأكثرها قد تكرر أولها حديث أبي هريرة (7053) قوله قال الله يؤذيني بن آدم بسب الدهر الحديث والغرض منه هنا اثبات إسناد القول إليه سبحانه وتعالى وقوله يؤذيني أي ينسب إلى ما لا يليق بي وتقدم له توجيه آخر في تفسير سورة الجاثية مع سائر مباحثه وهو من الاحاديث القدسية وكذا ما بعده إلى آخر الخامس الثاني حديث أبي هريرة أيضا (7054) قوله يقول الله تعالى الصوم لي وأنا اجزي به وفيه والصوم جنة وللصائم فرحتان وفيه ولخلوف فم الصائم وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الصيام وقوله في السند حدثنا أبو نعيم يريد الفضل بن دكين الكوفي الحافظ المشهور القديم وليس هو الحافظ المتأخر صاحب الحلية والمستخرج وقوله حدثنا الاعمش كذا للجميع الا لابي علي بن السكن فوقع عنده حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان وهو الثوري حدثنا الاعمش زاد فيه الثوري قال أبو علي الجياني والصواب قول من خالفه من سائر الرواة ورأيت في رواية القابسي عن أبي زيد المروزي حدثنا أبو نعيم أراه حدثنا سفيان الثوري حدثنا محمد فحذف لفظ قال بين قوله أراه وحدثنا وأراه بضم الهمزة أي أظنه وأبو نعيم سمع من الاعمش ومن السفيانين عن الاعمش لكن سفيان المذكور هنا هو الثوري جزما وعلى تقدير ثبوت ذلك فقائل أراه يحتمل ان يكون البخاري ويحتمل ان يكون من دونه وهو الراجح وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من رواية الحارث بن أبي أسامة عن أبي نعيم عن الاعمش بدون الواسطة وهذا من أعلى ما وقع لابي نعيم من العوالي في هذا الجامع الصحيح الحديث الثالث حديث أبي هريرة أيضا في اغتسال أيوب عليه السلام عريانا وقد تقدم في كتاب الطهارة والغرض منه هنا (7055) قوله فناداه ربه إلى آخره الحديث الرابع حديث أبي هريرة أيضا (7056) قوله يتنزل ربنا كذا للاكثر بمثناة وتشديد ولابي ذر عن المستملي والسرخسي ينزل بحذف التاء والتخفيف وقد تقدم شرحه في كتاب التهجد في باب الدعاء في الصلاة في آخر الليل وترجم له في الدعوات الدعاء نصف الليل وتقدم هناك مناسبة الترجمة لحديث الباب مع ان لفظه حين يبقى ثلث الليل ومضى بيان الاختلاف فيما يتعلق بأحاديث الصفات في أوائل كتاب التوحيد في باب وكان عرشه على الماء والغرض منه هنا قوله فيقول من يدعوني إلى آخره وهو ظاهر في المراد سواء كان المنادى به ملكا بأمره أو لا لان المراد اثبات نسبة القول إليه وهي حاصلة على كل من الحالتين وقد نبهت على من أخرج الزيادة المصرحة بأن الله يأمر ملكا فينادي في كتاب التهجد وتأول بن حزم النزول بأنه فعل يفعله الله في سماء الدنيا كالفتح لقبول الدعاء وان تلك الساعة من مظان الاجابة وهو معهود في اللغة تقول فلان نزل لي عن حقه بمعنى وهبه قال والدليل على انها صفة فعل تعليقه بوقت محدود ومن لم يزل لا يتعلق بالزمان فصح انه فعل حادث وقد عقد شيخ الاسلام أبو إسماعيل الهروي وهو من المبالغين في الاثبات حتى طعن فيه بعضهم بسبب ذلك في كتابه الفاروق بابا لهذا الحديث وأورده من طرق كثيرة ثم ذكره من طرق زعم انها
[ 390 ]
لا تقبل التأوبل مثل حديث عطاء مولى أم ضبية عن أبي هريرة بلفظ إذا ذهب ثلث الليل وذكر الحديث وزاد فلا يزال بها حتى يطلع الفجر فيقول هل من داع يستجاب له أخرجه النسائي وابن خزيمة في صحيحه وهو من رواية محمد بن إسحاق وفيه اختلاف وحديث بن مسعود وفيه فإذا طلع الفجر صعد إلى العرش أخرجه بن خزيمة وهو من رواية إبراهيم الهجري وفيه مقال وأخرجه أبو إسماعيل من طريق أخرى عن بن مسعود قال جاء رجل من بني سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علمني فذكر الحديث وفيه فإذا انفجر الفجر صعد وهو من رواية عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عم أبيه ولم يسمع منه ومن حديث عبادة بن الصامت وفي آخره ثم يعلو ربنا على كرسيه وهو من رواية إسحاق بن يحيى عن عبادة ولم يسمع منه ومن حديث جابر وفيه ثم يعلو ربنا إلى السماء العليا إلى كرسيه وهو من رواية محمد بن إسماعيل الجعفري عن عبد الله بن سلمة بن أسلم وفيهما مقال ومن حديث أبي الخطاب انه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوتر فذكر الوتر وفي آخره حتى إذا طلع الفجر ارتفع وهو من رواية ثوير بن أبي فاخته وهو ضعيف فهذه الطرق كلها ضعيفة وعلى تقدير ثبوتها لا يقبل قوله انها لا تقبل التأويل فان محصلها ذكر الصعود بعد النزول فكما قبل النزول التأويل لا يمنع قبول الصعود التأويل والتسليم اسلم كما تقدم والله اعلم وقد أجاد هو في قوله في آخر كتابه فأشار إلى ما ورد من الصفات وكلها من التقريب لا من التمثيل وفي مذاهب العرب سعة يقولون أمر بين كالشمس وجواد كالريح وحق كالنهار ولا تريد تحقيق الاشتباه وانما تريد تحقيق الاثبات والتقريب على الافهام فقد علم من عقل أن الماء أبعد الاشياء شبها بالصخر والله يقول في موج كالجبال فأراد العظم والعلو لا الشبه في الحقيقة والعرب تشبه الصورة بالشمس والقمر واللفظ بالسحر والمواعيد الكاذبة بالرياح ولا تعد شيئا من ذلك كذبا ولا توجب حقيقة وبالله التوفيق الحديث الخامس حديث أبي هريرة قوله انه سمع أبا هريرة انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نحن الآخرون السابقون يوم القيامة وبهذا الاسناد قال الله أنفق انفق عليك تقدم القول في الحكمة في تصديره هذا الحديث بقوله نحن الآخرون السابقون في كتاب الديات في باب من أخذ حقه أو اقتص وحاصله انه أول حديث في النسخة فكان البخاري أحيانا إذا ساق منها حديثا ذكر طرفا من أول حديث فيها ثم ذكر الحديث الذي يريد إيراده وأحيانا لا يصنع ذلك وقد وقع له في هذا الحديث بعينه كل من الامرين فان هذا القدر وهو (7057) قوله أنفق أنفق عليك طرف من حديث طويل أورده بتمامه في تفسير سورة هود وفيه وقال يد الله ملاى لا يغيضها نفقة الحديث بتمامه واقتطع هذا القدر فساقه في باب قوله تعالى لما خلقت بيدي فذكر أوله يد الله ملاى ولم يذكر أوله نحن الآخرون السابقون ولا انفق أنفق عليك واقتصر منه هنا على هذا القدر ووقع في الاطراف للمزي في ترجمة شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة للبخاري في التفسير وفي التوحيد بجميعه عن أبي اليمان عن شعيب انتهى والمفهوم من إطلاقه أنه في التوحيد نظير ما في التفسير وليس كذلك والغرض من هذا الحديث نسبة هذا القول إلى الله سبحانه وهو قوله أنفق أنفق عليك وهو من الاحاديث القدسية الحديث السادس حديث أبي هريرة (7058) قوله ابن فضيل هو محمد
[ 391 ]
قوله عمارة هو بن القعقاع بن شبرمة قوله عن أبي هريرة فقال هذه خديجة كذا أورده هنا مختصرا والقائل جبريل كما تقدم في باب تزويج خديجة أو أواخر المناقب عن قتيبة بن سعيد عن محمد بن فضيل بهذا السند عن أبي هريرة قال أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذه خديجة إلى آخره وبهذا يظهر ان جزم الكرماني بان هذا الحديث موقوف غير مرفوع مردود قوله أتتك في رواية المستملى هنا تأتيك بصيغة الفعل المضارع وتقدم هناك بلفظ أتت بغير ضمير قوله بإناء فيه طعام أو اناء أو شراب كذا للاصيلي وأبي ذر وفي رواية لابي ذر أو اناء فيه شراب وكذا للباقين وتقدم هناك بلفظ ادام أو طعام أو شراب وقال الكرماني قوله بإناء فيه طعام أو اناء شك من الراوي هل قال فيه طعام أو قال اناء فقط لم يذكر ما فيه ويجوز في قوله أو شراب الرفع والجر قوله فأقرئها زاد في رواية قتيبة فإذا هي أتتك فاقرأ عليها وقد تقدمت مباحثه في الباب المذكور والغرض منه قوله فأقرئها من ربها السلام وتقدم هناك حديث عائشة وفيه وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب وتقدم شرح المراد بالقصب ومطابقته للترجمة من جهة اقرأ السلام فإنه بمعنى التسليم عليها الحديث السابع حديث أبي هريرة قال الله أعددت لعبادي وهو من الاحاديث القدسية والاضافة في قوله تعالى لعبادي للتشريف وتقدم شرحه في تفسير سورة السجدة وسياقه هناك أتم الحديث الثامن حديث بن عباس في الدعاء في التهجد في الليل وقد تقدم قريبا في باب قوله تعالى خلق السماوات والارض بالحق أورده من وجه آخر عن بن جريج والغرض منه هنا قوله وقولك الحق وقد تقدم أن المراد بالحق اللازم الثابت الحديث التاسع حديث عائشة في قصة الافك ذكر منه طرفا وقد ذكر منه بهذا الاسناد قطعا يسيرة في ستة مواضع منها في الجهاد والشهادات والتفسير وساقه بتمامه في الشهادات وفي تفسير سورة النور وتقدم شرحه فيها والغرض منه هنا قولها والله ما كنت أظن أن الله عزوجل كان ينزل في براءتي وحيا يتلى ومناسبته للترجمة ظاهره من قولها يتكلم الله الحديث العاشر حديث أبي هريرة أيضا (7062) قوله يقول الله تعالى إذا أراد عبدي ان يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها تقدم شرحه في الرقاق في باب من هم بحسنة أو سيئة وهو من الاحاديث القدسية أيضا وكذا الاربعة بعده ومناسبته للباب ظاهرة أيضا وقوله فإذا عملها في رواية الكشميهني فان وقوله في آخره إلى سبعمائة زاد في رواية أبي ذر عن السرخسي ضعف وهي ثابتة للجميع في آخر حديث بن عباس في الرقاق واستدل بمفهوم الغاية في قوله لا تكتبوها
[ 392 ]
حتى يعملها وبمفهوم الشرط في قوله فإذا عملها فاكتبوها له بمثلها من قال ان العزم على فعل المعصية لا يكتب سيئة حتى يقع العمل ولو بالشروع وقد تقدم بسط البحث فيه هناك الحديث الحادي عشر حديث أبي هريرة أيضا فيما يتعلق بالرحم وفيه قال الا ترضين ان أصل من وصلك وفيه قالت بلى يا رب وقد تقدم شرحه في أوائل كتاب الادب وإسماعيل بن عبد الله شيخه هو بن أبي أويس وسليمان هو بن بلال وصرح إسماعيل بتحديثه له وقد تقدم له حديث في باب المشيئة والارادة أدخل فيه أخاه بينه وبين سليمان المذكور قال النووي الرحم التي توصل وتقطع انما هي معنى من المعاني لا يتأتى منها الكلام إذ هي قرابة تجمعها رحم واحدة فيتصل بعضها ببعض فالمراد تعظيم شأنها وبيان فضيلة من وصلها واثم من قطعها فورد الكلام على عادة العرب في استعمال الاستعارات وقال غيره يجوز حمله على ظاهره وتجسد المعاني غير ممتنع في القدرة الحديث الثاني عشر حديث زيد بن خالد وهو الجهني ذكر فيه طرفا من حديث مضى بتمامه في آخر الاستسقاء مع شرحه وسفيان فيه هو بن عيينة وصالح هو بن كيسان وعبيد الله هو بن عبد الله بن عتبة وقد أخرجه النسائي عن قتيبة والاسماعيلي من رواية محمد بن عباد وأبو نعيم من رواية إسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم عن سفيان وذكرت ما في سياقه من فائدة هناك وقوله (7064) هنا مطر النبي صلى الله عليه وسلم بضم الميم أي وقع المطر بدعائه أو نسب ذلك إليه لان من عداه كان تبعا له يقال مطرت السماء وأمطرت بمعنى واحد وقيل مطرت في الرحمة وأمطرت العذاب وقيل مطرت في اللازم وأمطرت في المتعدي الحديث الثالث عشر حديث أبي هريرة أيضا (7065) رضي الله تعالى عنهما قوله إذا أحب عبدي لقائي تقدم الكلام عليه مستوفى في باب من احب لقاء الله من كتاب الرقاق بعون الله تعالى قال بن عبد البر بعد ان اورد الاحاديث الواردة في تخصيص ذلك بوقت الوفاة النبوية دلت هذه الآثار ان ذلك عند حضور الموت ومعاينة ما هنالك وذلك حين لا تقبل توبة التائب ان لم يتب قبل ذلك الحديث الرابع عشر حديث أبي هريرة أيضا (7066) قوله قال الله انا عند ظن عبدي بي تقدم في أوائل التوحيد في باب ويحذركم الله نفسه من رواية أبي صالح عن أبي هريرة وأوله يقول الله وزاد وانا معه إذا ذكرني الحديث وتقدم شرحه هناك مستوفى الحديث الخامس عشر حديث أبي هريرة أيضا في قصة الذي أمر بأن يحرقوه إذا مات وقد تقدم شرحه في الرقاق ومن قبل ذلك في ذكر بني إسرائيل ويأتي شئ منه في آخر هذا الباب وقوله (7067) في هذه الطريق قال رجل لم يعمل خيرا قط إذا مات فحرقوه فيه التفات ونسق الكلام ان يقول إذا مت فحرقوني وقوله فأمر الله البحر ليجمع في رواية المستملي والكشميهني فجمع الحديث السادس عشر (7068) قوله حدثنا أحمد بن إسحاق هو السرماري بفتح المهملة وبكسرها وبسكون الراء تقدم بيانه في ذكر بني إسرائيل وعمرو بن عاصم هو الكلابي البصري يكنى أبا عثمان وقد حدث عنه البخاري بلا واسطة في كتاب الصلاة وغيرها فنزل البخاري في هذا السند بالنسبة لهمام درجة وقد وقع هذا الحديث لمسلم عاليا فإنه أخرجه من طريق حماد بن سلمة عن إسحاق نعم وأخرجه من طريق همام نازلا كالبخاري وإسحاق بن عبد الله هو بن أبي طلحة الانصاري التابعي المشهور وعبد الرحمن بن أبي عمرة تابعي ج
[ 393 ]
ليل من أهل المدينة له في البخاري عن أبي هريرة عشرة أحاديث غير هذا الحديث واسم أبيه كنيته وهو أنصاري صحابي ويقال ان لعبد الرحمن رؤية وقال بن أبي حاتم ليست له صحبة ولهم عبد الرحمن بن أبي عمرة آخر أدركه مالك وقال بن عبد البر هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمرة نسب لجده قلت فعلى هذا هو بن أخي الراوي عنه قوله ان عبدا أصاب ذنبا وربما قال أذنب ذنبا كذا تكرر هذا الشك في هذا الحديث من هذ الوجه ولم يقع في رواية حماد بن سلمة ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عزوجل قال أذنب عبد ذنبا وكذا في بقية المواضع قوله فقال ربه اعلم بهمزة استفهام والفعل الماضي قوله ويأخذ به أي يعاقب فاعله وفي رواية حماد ويأخذ بالذنب قوله ثم مكث ما شاء أي من الزمان وسقط هذا من رواية حماد قوله ثم أصاب ذنبا في رواية حماد ثم عاد فأذنب قوله في آخره غفرت لعبدي في رواية حماد اعمل ما شئت فقد غفرت لك قال بن بطال في هذا الحديث ان المصر على المعصية في مشيئة الله تعالى ان شاء عذبه وان شاء غفر له مغلبا الحسنة التي جاء بها وهي اعتقاده ان له ربا خالقا يعذبه ويغفر له واستغفاره إياه على ذلك يدل عليه قوله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ولا حسنة أعظم من التوحيد فان قيل ان استغفاره ربه توبة منه قلنا ليس الاستغفار أكثر من طلب المغفرة وقد يطلبها المصر والتائب ولا دليل في الحديث على انه تائب مما سأل الغفران عنه لان حد التوبة الرجوع عن الذنب والعزم ان لا يعود إليه والاقلاع عنه والاستغفار بمجرده لا يفهم منه ذلك انتهى وقال غيره شروط التوبة ثلاثة الاقلاع والندم والعزم على ان لا يعود والتعبير بالرجوع عن الذنب لا يفيد معنى الندم بل هو إلى معنى الاقلاع أقرب وقال بعضهم يكفي في التوبة تحقق الندم على وقوعه منه فإنه يستلزم الاقلاع عنه والعزم على عدم العود فهما ناشئان عن الندم لا أصلان معه ومن ثم جاء الحديث الندم توبة وهو حديث حسن من حديث بن مسعود أخرجه بن ماجة وصححه الحاكم وأخرجه بن حبان من حديث أنس وصححه وقد تقدم البحث في ذلك في باب التوبة من أوائل كتاب الدعوات مستوفى وقال القرطبي في المفهم يدل هذا الحديث على عظيم فائدة الاستغفار وعلى عظيم فضل الله وسعة رحمته وحلمه وكرمه لكن هذا الاستغفار هو الذي ثبت معناه في القلب مقارنا للسان لينحل به عقد الاصرار ويحصل معه الندم فهو ترجمة للتوبة ويشهد له حديث خياركم كل مفت تواب ومعناه الذي يتكرر منه الذنب والتوبة فكلما وقع في الذنب عاد إلى التوبة لا من قال استغفر الله بلسانه وقلبه مصر على تلك المعصية فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى الاستغفار قلت ويشهد له ما أخرجه بن أبي الدنيا من حديث بن عباس مرفوعا التائب من الذنب كمن لا ذنب له والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه والراجح ان قوله والمستغفر إلى آخره موقوف وأوله عند بن ماجة والطبراني من حديث بن مسعود وسنده حسن وحديث خياركم كل مفت تواب ذكره في مسند الفردوس عن علي قال القرطبي وفائدة هذ الحديث ان العود إلى الذنب وان كان أقبح من ابتدائه لانه انضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة لكن العود إلى التوبة أحسن من ابتدائها لانه ان ضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم والالحاح في سؤاله والاعتراف بأنه لا غافر للذنب سواه قال النووي في الحديث ان الذنوب ولو تكررت مائة مرة بل ألفا وأكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته أو تاب
[ 394 ]
عن الجميع توبة واحدة صحت توبته وقوله اعمل ما شئت معناه ما دمت تذنب فتتوب غفرت لك وذكر في كتاب الاذكار عن الربيع بن خيثم انه قال لا تقل استغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبا وكذبا ان لم تفعل بل قل اللهم اغفر لي وتب علي قال النووي هذا حسن واما كراهية أستغفر الله وتسميته كذبا فلا يوافق عليه لان معنى استغفر الله أطلب مغفرته وليس هذا كذبا قال ويكفي في رده حديث بن مسعود بلفظ من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وان كان قد فر من الزحف أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الحاكم قلت هذا في لفظ أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأما أتوب إليه فهو الذي عنى الربيع رحمه الله انه كذب وهو كذلك إذا قاله ولم يفعل التوبة كما قال وفي الاستدلال للرد عليه بحديث بن مسعود نظر لجواز ان يكون المراد منه ما إذا قالها وفعل شروط التوبة ويحتمل ان يكون الربيع قصد مجموع اللفظين لا خصوص استغفر الله فيصح كلامه كله والله أعلم ورأيت في الحلبيات للسبكي الكبير الاستغفار طلب المغفرة اما باللسان أو بالقلب أو بهما فالاول فيه نفع لانه خير من السكوت ولانه يعتاد قول الخير والثاني نافع جدا والثالث أبلغ منهما لكنهما لا يمحصان الذنب حتى توجد التوبة فان العاصي المصر يطلب المغفرة ولا يستلزم ذلك وجود التوبة منه إلى ان قال والذي ذكرته من أن معنى الاستغفار هو غير معنى التوبة هو بحسب وضع اللفظ لكنه غلب عند كثير من الناس أن لفظ استغفر الله معناه التوبة فمن كان ذلك معتقده فهو يريد التوبة لا محاله ثم قال وذكر بعض العلماء ان التوبة لا تتم الا بالاستغفار لقوله تعالى وان استغفروا ربكم ثم توبوا إليه والمشهور انه لا يشترط الحديث السابع عشر حديث أبي سعيد في قصة الذي أمر ان يحرقوه وتقدم التنبيه عليه في الخامس عشر (7069) قوله معتمر سمعت أبي هو سليمان بن طرخان التيمي والسند كله بصريون وفيه ثلاثة من التابعين في نسق قوله عن عقبة بن عبد الغافر في رواية شعبة عن قتادة سمعت عقبة وقد تقدمت في الرقاق مع سائر شرحه وقوله انه ذكر رجلا فيمن سلف أو فيمن كان قبلكم شك من الراوي ووقع عند الاصيلي قبلهم وقد مضى في الرقاق عن موسى بن إسماعيل عن معتمر بلفظ ذكر رجلا فيمن كان سلف قبلكم ولم يشك وقوله قال كلمة يعني أعطاه الله مالا في رواية موسى آتاه الله مالا وولدا وقوله أي أب كنت لكم قال أبو البقاء هو بنصب أي على انه خبر كنت وجاز تقديمه لكونه استفهاما ويجوز الرفع وجوابهم بقولهم خير أب الاجود النصب على تقدير كنت خير أب فيوافق ما هو جواب عنه ويجوز الرفع بتقدير أنت خير أب وقوله فإنه لم يبتئر أو لم يبتئز تقدم عزو هذا الشك انها بالراء أو بالزاي لرواية أبي زيد المروزي تبعا للقاضي عياض وقد وجدتها هنا فيما عندنا من رواية أبي ذر عن شيوخه وقوله فاسحقوني أو قال فاسحكوني في رواية موسى مثله لكن قال أو قال فاسهكوني بالهاء بدل الحاء المهملة والشك هل قالها بالقاف أو الكاف قال الخطابي في رواية أخرى فاسحلوني يعني باللام ثم قال معناه أبردوني بالسحل وهو المبرد ويقال للبرادة سحالة واما اسحكوني بالكاف فأصله السحق فأبدلت القاف كافا ومثله السهك بالهاء والكاف وقوله في آخره قال فحدثت به أبا عثمان القائل هو سليمان التيمي وذهل الكرماني فجزم بأنه قتادة وأبو عثمان هو النهدي وقوله سمعت هذا من سلمان إلى آخره سلمان هو الفارسي وأبو عثمان معروف بالرواية عنه وقد أغفل المزي ذكر هذا الحديث من مسند سلمان في
[ 395 ]
الاطراف وقد تقدم أيضا في الرقاق ونبهت على صفة تخريج الاسماعيلي له وقوله (7070) حدثنا موسى حدثنا معتمر وقال لم يبتئر أي بالراء لم يشك وقد ساقه بتمامه في الرقاق عن موسى المذكور وهو بن إسماعيل التبوذكي وساق في آخر روايته حديث سلمان أيضا كذلك وقوله بعده وقال لي خليفة هو بن خياط وسقط للاكثر لفظ لي حدثنا معتمر لم يبتئر يعني بالحديث بكماله ولكنه قال لم يبتئز بالزاي وقوله فسره قتادة لم يدخر وقعت هذه الزيادة في رواية خليفة دون رواية موسى بن إسماعيل وعبد الله بن أبي الاسود وقد أخرجه الاسماعيلي من رواية عبيد الله بن معاذ العنبري عن معتمر وذكر فيه تفسير قتادة هذا وكذا أخرجه أبو نعيم في المستخرج من رواية إسحاق بن إبراهيم الشهيدي عن معتمر وقد استوعبت اختلاف ألفاظ الناقلين لهذا الخبر في هذه اللفظة في كتاب الرقاق بما يغني عن اعادته وبالله التوفيق (0) قوله باب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الانبياء وغيرهم ذكر فيه خمسة أحاديث الحديث الاول حديث أنس في الشفاعة أورده مختصرا جدا ثم مطولا وقد مضى شرحه مستوفى في كتاب الرقاق قوله حدثنا يوسف بن راشد هو يوسف بن موسى بن راشد القطان الكوفي نزيل بغداد نسبه لجده وهو بالنسبة لابيه أشهر ولهم شيخ آخر يقال له يوسف بن موسى التستري نزيل الري أصغر من القطان وشيخه أحمد بن عبد الله هو أحمد بن عبد الله بن يونس ينسب لجده كثيرا وأبو بكر بن عياش هو المقرئ وقد أخرج البخاري عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن أبي بكر بن عياش حديثا غير هذا بغير واسطة بينه وبين أحمد وتقدم في باب الغنى غنى النفس في كتاب الرقاق قوله إذا كان يوم القيامة شفعت كذا للاكثر بضم أوله مشددا وللكشميهني بفتحه مخففا قوله فقلت يا رب أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة هكذا في هذه الرواية وفي التي بعدها أن الله سبحانه هو الذي يقول ذلك وهو المعروف في سائر الاخبار قال بن التين هذا فيه كلام الانبياء مع الرب ليس كلام الرب مع الانبياء قوله ثم أقول ذكر بن التين أنه وقع عنده بلفظ ثم نقول بالنون قال ولا أعلم من رواه بالياء فان كان روي بالياء طابق التبويب أي ثم يقول الله ويكون جوابا عن اعتراض الداودي حيث قال قوله ثم أقول خلاف لسائر الروايات فان فيها ان الله امره أن يخرج قلت وفيه نظر والموجود عند أكثر الرواة ثم أقول بالهمزة كما لابي ذر والذي أظن ان البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كعادته فقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق أبي عاصم أحمد بن جواس بفتح الجيم والتشديد عن أبي بكر عن عياش ولفظه أشفع يوم القيامة فيقال لي لك من في قلبه شعيرة ولك من في قلبه خردلة ولك من في قلبه شئ فهذا من كلام الرب مع النبي صلى الله عليه وسلم ويمكن التوفيق بينهما بأنه صلى الله عليه وسلم يسأل عن ذلك اولا فيجاب إلى ذلك ثانيا فوقع في إحدى الروايتين ذكر السؤال وفي البقية ذكر الاجابة وقوله في الاولى من كان في قلبه أدنى شئ قال الداودي هذا زائد على سائر الروايات وتعقب بأنه مفسر في الرواية الثانية حيث جاء فيها أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من ايمان قال الكرماني قوله أدنى أدنى التكرير للتأكيد ويحتمل أن يراد التوزيع على الحبة والخردل أي أقل حبة من أقل خردلة من الايمان ويستفا منه صحة القول بتجزئ الايمان وزيادته ونقصانه وقوله قال أنس كأني أنظر إلى أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني قوله أدنى شئ وكأنه
[ 396 ]
يضم أصابعه ويشير بها وقوله فأخرجه من النار من النار من النار التكرير للتأكيد أيضا للمبالغة أو للنظر إلى الامور الثلاثة من الحبة والخردلة والايمان أو جعل أيضا للنار مراتب قلت سقط تكرير قوله من النار عند مسلم ومن ذكرت معه في رواية حماد بن زيد هذه والله تعالى أعلم وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب الرقاق وقوله (7072) فيه فذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله في رواية الكشميهني فسأله بفاء وصيغة الفعل الماضي قال بن التين فيه تقديم الرجل الذي هو من خاصة العالم ليسأله وفي قوله وفادا هو في قصره قال بن التين فيه اتخاذ القصر لمن كثرت ذريته وقوله فوافقنا كذا لهم بحذف المفعول وللكشميهني فوافقناه وقوله ماج الناس أي اختلطوا يقال ماج البحر أي اضطربت أمواجه وقوله فإنه كليم الله كذا للاكثر وللكشميهني فإنه كلم الله بلفظ الفعل الماضي وقوله فيقال يا محمد في رواية الكشميهني فيقول ف ي المواضع الثلاثة قوله وهو متوار في منزل أبي خليفة هو حجاج بن عتاب العبدي البصري والد عمر بن أبي خليفة سماه البخاري في تاريخه وتبعه الحاكم أبو أحمد في الكنى قوله وهو جميع أي وهو مجتمع العقل وهو إشارة إلى انه كان حينئذ لم يدخل في الكبر الذي هو مظنة تفرق الذهن وحدوث اختلاط الحفظ وقوله فحدثناه بسكون المثلثة وحذف الضمير وقوله قلنا يا أبا سعيد في رواية الكشميهني فقلنا قال بن التين قال هنا لست لها وفي غيره لست هنا كم قال وأسقط هنا ذكر نوح وزاد فأقول أنا لها وزاد فيقول أمتي أمتي قال الداودي لا أراد محفوظا لان الخلائق اجتمعوا واستشفعوا ولو كان المراد هذه الامة خاصة لم تذهب إلى غير نبيها فدل على ان المراد الجميع وإذا كانت الشفاعة لهم في فصل القضاء فكيف يخصها بقوله أمتي أمتي ثم قال وأول هذه الحديث ليس متصلا بآخره بل بقي بين طلبهم الشفاعة وبين قوله فاشفع أمور كثيرة من أمور القيامة قلت وقد بينت الجواب عن هذا الاشكال عند شرح الحديث بما يغني عن اعادته هنا وقد أجاب عنه القاضي عياض بأن معنى الكلام فيؤذن له في الشفاعة
[ 397 ]
الموعود بها في فصل القضاء وقوله ويلهمني ابتداء كلام آخر وبيان للشفاعة الاخرى الخاصة بأمته وفي السياق اختصار وادعى المهلب ان قوله فأقول يا رب أمتي مما زاد سليمان بن حرب على سائر الرواة كذا قال وهو اجتراء على القول بالظن الذي لا يستند إلى دليل فان سليمان بن حرب لم ينفرد بهذه الزيادة بل رواها معه سعيد بن منصور عند مسلم وكذا أبو الربيع الزهراني عند مسلم والاسماعيلي ولم يسق مسلم لفظه ويحيى بن حبيب بن عربي عند النسائي في التفسير ومحمد بن عبيد ابن حساب ومحمد بن سليمان لوين كلاهما عند الاسماعيلي كلهم عن حماد بن زيد شيخ سليمان بن حرب فيه بهذه الزيادة وكذا وقعت هذه الزيادة في هذا الموضع من حديث الشفاعة في رواية أبي هريرة الماضية في كتاب الرقاق وبالله التوفيق الحديث الثاني (7073) قوله حدثنا محمد بن خالد في رواية الكشميهني محمد بن مخلد والاول الصواب ولم يذكر أحد ممن صنف في رجال البحاري ولا في رجال الكتب الستة أحدا اسمه محمد بن مخلد والمعروف محمد بن خالد وقد اختلف فيه فقيل هو الذهلي وهو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس نسب لجد أبيه وبذلك جزم الحاكم والكلاباذي وأبو مسعود وقيل محمد بن خالد بن جبلة الرافعي وبذلك جزم أبو أحمد بن عدي وخلف الواسطي في الاطراف وقد روى هنا عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بالواسطة وروى عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بلا واسطة عدة أحاديث منها في المغازي والتفسير والفرائض ومنصور في السند هو بن المعتمر وإبراهيم هو النخعي وعبيدة بفتح أوله هو بن عمرو السلماني وعبد الله هو بن مسعود ورجال سند هذا إلى عبيد الله بن موسى كوفيون قوله ان آخر أهل الجنة دخولا الجنة الحديث ذكره مختصرا جدا وقد مضى بتمامه مشروحا في الرقاق وقوله كل ذلك يعيد عليه الجنة في رواية الكشميهني فكل ذلك وقوله في أخره عشر مرار في رواية الكشميهني عشر مرات الحديث الثالث حديث عدي بن حاتم ما منكم من أحد الا سيكلمه ربه وقد تقدم شرحه في كتاب الرقاق وقوله (7074) قال الاعمش وحدثني عمرو بن مرة هو موصول بالسند الذي قبله إليه الحديث الرابع حديث عبد الله وهو بن مسعود قال جاء حبر من اليهود فذكر الحديث وقد تقدم شرحه مستوفى في باب قول الله تعالى لما خلقت بيدي وتقدم كلام الخطابي في إنكاره تارة وفي تأويله أخرى وقال أيضا الاستدلال بالتبسم والضحك في مثل هذا الامر العظيم غير سائغ مع تكافئ وجهي الدلالة المتعارضين فيه ولو صح الخبر لكان ظاهر اللفظ منه متأولا على نوع من المجاز وضرب من التمثيل مما جرت عادة الكلام بين الناس في عرف تخاطبهم فيكون المعنى ان قدرته على طيها وسهولة الامر في جمعها بمنزلة من جمع شيئا في كفه فاستخف حمله فلم يشتمل عليه بجميع كفه لكنه أقله ببعض أصابعه وقد يقول الانسان في الامر الشاق إذا أضيف إلى القوي أنه يأتي عليه بأصبع أو أنه يقله بخنصره ثم قال والظاهر ان هذا من تخليط اليهود وتحريفهم وان ضحكه عليه الصلاة والسلام انما كان على معنى التعجب والنكير له والعلم عند الله تعالى الحديث الخامس حديث بن عمر في النجوى (7076) قوله يدنو أحدكم من ربه قال
[ 398 ]
بن التين يعني يقرب من رحمته وهو سائغ في اللغة يقال فلان قريب من فلان ويراد الرتبة ومثله ان رحمت الله قريب من المحسنين وقوله فيضع كنفه بفتح الكاف والنون بعدها فاء المراد بالكنف الستر وقد جاء مفسرا بذلك في رواية عبد الله بن المبارك عن محمد بن سواء عن قتادة فقال في آخر الحديث قال عبد الله بن المبارك كنفه ستره أخرجه المصنف في كتاب خلق أفعال العباد والمعنى أنه تحيط به عنايته التامة ومن رواه بالمثناة المكسورة فقد صحف على ما جزم به جمع من العلماء قوله وقال آدم حدثنا شيبان وهو بن عبد الرحمن إلى آخره ذكر هذه الرواية لتصريح قتادة فيها بقوله حدثنا صفوان وهكذا ذكره عن آدم في كتاب خلق أفعال العباد تنبيهان أحدهما ليس في أحاديث الباب كلام الرب مع الانبياء الا في حديث أنس وسائر أحاديث الباب في كلام الرب مع غير الانبياء وإذا ثبت كلامه مع غير الانبياء فوقوعه للانبياء بطريق الاولى الثاني تقدم في الحديث الاول ما يتعلق بالترجمة وأما الثاني فيختص بالركن الثاني من الترجمة وهو قوله وغيرهم وأما سائرها فهو شامل للانبياء ولغير الانبياء على وفق الترجمة (0) قوله باب ما جاء في قوله عزوجل وكلم الله موسى تكليما كذا لابي زيد المروزي ومثله لابي ذر لكن بحذف لفظ قوله عزوجل ولغيرهما باب قوله تعالى وكلم الله موسى تكليما قال الائمة هذه الآية أقوى من ورد في الرد على المعتزلة قال النحاس أجمع النحويين على ان الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازا فإذا قال تكليما وجب ان يكون كلاما على الحقيقة التي تعقل وأجاب بعضهم بأنه كلام على الحقيقة لكن محل الخلاف هل سمعه موسى من الله تعالى حقيقة أو من الشجرة فالتأكيد رفع المجاز عن كونه غير كلام اما المتكلم به فمسكوت عنه ورد بأنه لا بد من مراعاة المحدث عنه فهو لرفع المجاز عن النسبة لانه قد نسب الكلام فيها إلى الله فهو المتكلم حقيقة ويؤكده قوله في سورة الاعراف اني اصطفيتك عن الناس برسالاتي وبكلامي وأجمع السلف والخلف من أهل السنة وغيرهم على ان كلم هنا من الكلام ونقل الكشاف عن بدع بعض التفاسير انه من الكلم بمعنى الجرح وهو مردود بالاجماع المذكور قال بن التين اختلف المتكلمون في سماع كلام الله فقال الاشعري كلام الله القائم بذاته يسمع عند تلاوة كل تال وقراءة كل قارئ وقال الباقلاني انما تسمع التلاوة دون المتلو والقراءة دون المقروء وتقدم في باب يريدون ان يبدلوا كلام الله شئ من هذا وأورد البخاري في كتاب خلق أفعال العباد ان خالد بن عبد الله القسري قال اني مضح بالجعد بن درهم فإنه يزعم ان الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما وتقدم في أول التوحيد أن سلم بن أحوز قتل جهم بن صفوان لانه أنكر ان الله كلم موسى تكليما ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث أحدها حديث أبي هريرة احتج آدم وموسى وقد مضى شرحه في كتاب القدر والمراد منه (7077) قوله أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه وللكشميهني وبكلامه ثانيها حديث أنس في الشفاعة أورد منه طرفا من أوله إلى قوله في ذكر آدم ويذكر لهم خطيئته التي أصاب وقد مضى شرحه مستوفى في كتاب الرقاق قال الاسماعيلي أراد ذكر موسى قالوا له وكلمك الله فلم يذكره قلت جرى على عادته في الاشارة وقد مضى في تفسير البقرة عن مسلم بن إبراهيم شيخه هنا وساقه فيه بطوله وفيه ائتوا موسى عبدا كلمه الله وأعطاه التوراة الحديث ومضى أيضا في كتاب التوحيد هذا في باب قول الله تعالى لما خلقت بيدي عن معاذ بن فضالة عن هشام بهذا السند
[ 399 ]
وساق الحديث بطوله أيضا وفيه ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه تكليما وكذا وقع في حديث أبي بكر الصديق في الشفاعة الذي أخرجه أحمد وغيره وصححه أبو عوانة وغيره فيأتون إبراهيم فيقول انطلقوا إلى موسى فان الله كلمه تكليما وذكر البخاري في كتاب خلق أفعال العباد منه هذا القدر تعليقا ثالثها حديث أنس في المعراج أورده من رواية شريك بن عبد الله أي بن أبي نمر بفتح النون وكسر الميم وهو مدني تابعي يكنى أبا عبد الله وهو أكبر من شريك بن عبد الله النخعي القاضي وقد أورد بعض هذا الحديث في الترجمة النبوية وأورد حديث الاسراء من رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر في أوائل كتاب الصلاة وأورده من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة في بدء الخلق وفي أوائل البعثة قبل الهجرة وشرحته هناك وأخرت ما يتعلق برواية شريك هذه هنا لما اختصت به من المخالفات (7079) قوله ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاء ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه في رواية الكشميهني إذ جاء بدل انه جاءه والاول أولى والنفر الثلاثة لم أقف على تسميتهم صريحا لكنهم من الملائكة وأخلق بهم أن يكونوا من ذكر في حديث جابر الماضي في أوائل الاعتصام بلفظ جاءت الملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان وبينت هناك أن منهم جبريل وميكائيل ثم وجدت التصريح بتسميتهما في رواية ميمون بن سياه عن أنس عند الطبراني ولفظه فأتاه جبريل وميكائيل فقالا أيهم وكانت قريش تنام حول الكعبة فقالا أمرنا بسيدهم ثم ذهبا ثم جاءا وهم ثلاثة فألقوه فقلبوه لظهره وقوله وقبل قبل أن يوحى إليه انكرها الخطابي وابن حزم وعبد الحق والقاضي عياض والنووي وعبارة النووي وقع في رواية شريك يعني هذه أوهام أنكرها العلماء أحدها قوله قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم يوافق عليه وأجمع العلماء أن فرض الصلاة كان ليلة الاسراء فكيف يكون قبل الوحي انتهى وصرح المذكورون بأن شريكا تفرد بذلك وفي دعوى التفرد نظر فقد وافقه كثير بن خنيس بمعجمه ونون مصغر عن أنس كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الاموي في كتاب المغازي من طريقه قوله وهو نائم في المسجد الحرام قد أكد هذا بقوله في آخر الحديث فاستيقظ وهو في المسجد الحرام ونحوه ما وقع في حديث مالك بن صعصعة بين النائم واليقظان وقد قدمت وجه الجمع بين مختلف الروايات في شرح الحديث قوله فقال أولهم أيهم هو فيه اشعار بأنه كان نائما بين جماعة أقلهم اثنان وقد جاء أنه كان نائما معه حينئذ حمزة بن عبد المطلب عمه وجعفر بن أبي طالب بن عمه قوله فقال أحدهم خذوا خيرهم فكانت تلك الليلة الضمير المستتر في كانت لمحذوف وكذا خبر كان التقدير فكانت القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا قوله فلم يرهم أي بعد ذلك حتى اتوه ليلة أخرى ولم يعين المدة التي بين المجيئين فيحمل على ان المجئ الثاني كان بعد أن أوحى إليه وحينئذ وقع الاسراء والمعراج وقد سبق بيان الاختلاف في ذلك عند شرحه وإذا كان بين المجيئين مدة فلا فرق في ذلك بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالي كثيرة أو عدة سنين وبهذا يرتفع الاشكال عن رواية شريك ويحصل به الوفاق أن الاسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة ويسقط تشنيع الخطابي وابن حزم وغيرهما بأن شريكا خالف الاجماع في دعواه ان المعراج كان قبل البعثة وبالله التوفيق وأما ما ذكره بعض الشراح انه كان بين الليلتين اللتين
[ 400 ]
أتاه فيهما الملائكة سبع وقيل ثمان وقيل تسع وقيل عشر وقيل ثلاثة عشر فيحمل على إرادة السنين لا كما فهمه الشارح المذكور أنها ليال وبذلك جزم بن القيم في هذا الحديث نفسه وأقوى ما يستدل به ان المعراج بعد البعثة قوله في هذا الحديث نفسه ان جبريل قال لبواب السماء إذ قال له ابعث قال نعم فإنه ظاهر في ان المعراج كان بعد البعثة فيتعين ما ذكرته من التأويل وأقله قوله فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام فان حمل على ظاهره جاز ان يكون نام بعد ان هبط من السماء فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام وجاز أن يؤول قوله استيقظ أي أفاق مما كان فيه فإنه كان إذا اوحي إليه يستغرق فيه فإذا انتهى رجع إلى حالته الاولى فكني عنه بالاستيقاظ قوله فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك الانبياء تقدم الكلام عليه في الترجمة النبوية قوله فلم يكلموه حتى احتملوه تقدم وجه الجمع بين هذا وبين قوله في حديث أبي ذر فرج سقف بيتي وقوله في حديث مالك بن صعصعة بأنه كان في الحطيم عند شرحه بناء على اتحاد قصة الاسراء أما ان قلنا ان الاسراء كان متعددا فلا اشكال أصلا قوله فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته بفتح اللام وتشديد الموحدة وهي موضع القلادة من الصدر ومن هناك تنحر الابل وقد تقدم عند شرحه الرد على من أنكر شق الصدر عند الاسراء وزعم ان ذلك انما وقع وهو صغير وبينت انه ثبت كذلك في غير رواية شريك في الصحيحين من حديث أبي ذر وان شق الصدر وقع أيضا عند البعثة كما أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده وأبو نعيم والبيهقي بدلائل النبوة وذكر أبو بشر الدولابي بسنده انه صلى الله عليه وسلم رأى في المنام ان بطنه أخرج ثم أعيد فذكر ذلك لخديجة الحديث وتقدم بيان الحكمة في تعدد ذلك ووقع شق الصدر الكريم أيضا في حديث أبي هريرة حين كان بن عشر سنين وهو عند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند وتقدم الالمام بشئ من ذلك في الترجمة النبوية ووقع في الشفاء ان جبريل قال لما غسل قلبه قلب سديد فيه عينان تبصران واذنان تسمعان قوله ثم اتى بطست محشوا كذا وقع بالنصب وأعرب بأنه حال من الضمير الجار والمجرور والتقدير بطست كائن من ذهب فنقل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار والمجرور وتقدم في كتاب الصلاة بلفظ محشو بالجر على الصفة لا اشكال فيه واما قوله ايمانا فمنصوب على التمييز وقوله وحكمة معطوف عليه قوله بطست من ذهب فيه تور من ذهب التور بمثناة تقدم بيانه في كتاب الوضوء وهذا يقتضي انه غير الطست وانه كان داخل الطست فقد تقدم في أوائل الصلاة في شرح حديث أبي ذر في الاسراء انهم غسلوه بماء زمزم فان كانت هذه الزيادة محفوظة احتمل ان يكون أحدهما فيه ماء زمزم والآخر هو المحشو بالايمان واحتمل ان يكون التور ظرف الماء وغيره والطست لما يصب فيه عند الغسل صيانة له عن التبدد في الارض وجريا له على العادة في الطست وما يوضع فيه الماء قوله فحشى به صدره في رواية الكشميهني فحشا بفتح الحاء والشين وصدره بالنصب ولغيره بضم الحاء وكسر الشين وصدره بالرفع قوله ولغاديده بغين معجمة فسره في هذه الرواية بأنها عروق حلقه وقال أهل اللغة هي اللحمات التي بين الحنك وصفحة العنق واحدها لغدود ولغديد ويقال له أيضا لغد وجمعه ألغاد قوله ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا ان كانت القصة متعددة فلا اشكال وان كانت متحدة ففي هذا السياق حذف تقديره ثم أركبه البراق إلى بيت
[ 401 ]
المقدس ثم أتى بالمعراج كما في حديث مالك بن صعصعة فغسل به قلبي ثم حشى ثم أعيد ثم أتيت بدابة فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا وفي سياقه أيضا حذف تقديره حتى اتى بي بيت المقدس ثم أتى بالمعراج كما في رواية ثابت عن أنس رفعه أتيت بالبراق فركبته حتى أتى بي بيت المقدس فربطته ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم عرج بي إلى السماء قوله فاستبشر به أهل السماء كأنهم كانوا أعلموا أنه سيعرج به فكانوا مترقبين ذلك قوله لا يعلم أهل السماء بما يريد في رواية الكشميهني ما يريد الله به في الارض حتى يعلمهم أي على لسان من شاء كجبريل قوله فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان أي يجريان وظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة فان فيه بعد ذكر سدرة المنتهى فإذا في أصلها أربعة أنهار ويجمع بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى ومقرهما في السماء الدنيا ومنها ينزلان إلى الارض فوقع هنا النيل والفرات عنصرها والعنصر بضم العين والصاد المهملتين بينهما نون ساكنة هو الاصل قوله ثم مضى به في السماء الدنيا فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده أي في النهر فإذا هو أي طينه مسك اذفر قال ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي خبأ بفتح المعجمة والموحدة مهموز أي ادخر لك ربك وهذا مما يستشكل من رواية شريك فان الكوثر في الجنة والجنة في السماء السابعة وقد أخرج أحمد من حديث حميد الطويل عن أنس رفعه دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي في مجرى مائه فإذا مسك اذفر فقال جبريل هذا الكوثر الذي أعطاك الله تعالى وأصل هذا الحديث عند البخاري بنحوه وقد مضى في التفسير من طريق قتادة عن أنس لكن ليس فيه ذكر الجنة وأخرجه أبو داود والطبري من طريق سليمان التيمي عن قتادة ولفظه لما عرج بنبي الله صلى الله عليه وسلم عرض له في الجنة نهر الحديث ويمكن ان يكون بهذا الموضع شئ محذوف تقديره ثم مضى به في السماء الدنيا إلى السابعة فإذا هو بنهر قوله كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة ولم أحفظ اسمه وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة كذا في رواية شريك وفي حديث الزهري عن أنس عن أبي ذر قال أنس فذكر انه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم ولم يثبت كيف منازلم غير انه ذكر انه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة انتهى وهذا موافق لرواية شريك في إبراهيم وهما مخالفان لرواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة وقد قدمت في شرحه ان الاكثر وافقوا قتادة وسياقه يدل على رجحان روايته فإنه ضبط اسم كل نبي والسماء التي هو فيها ووافقه ثابت عن أنس وجماعة ذكرتهم هناك فهو المعتمد لكن ان قلنا ان القصة تعددت فلا ترجيح ولا اشكال قوله وموسى في السابعة بفضل كلامه لله في رواية أبي ذر عن الكشميهني بتفضيل كلام الله وهي رواية الاكثر وهي مراد الترجمة والمطابق لقوله تعالى اني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي وهذا التعليق يدل على ان شريكا ضبط كون موسى في السماء السابعة وقد قدمنا أن حديث أبي ذر يوافقه لكن المشهور في الروايات ان الذي في السابعة هو إبراهيم واكد ذلك في حديث مالك بن صعصعة بأنه كان مسندا ظهره إلى البيت المعمور فمع التعدد لا اشكال ومع الاتحاد فقد جمع بأن موسى كان في حالة العروج في السادسة وإبراهيم في السابعة على ظاهر حديث مالك بن صعصعة
[ 402 ]
وعند الهبوط كان موسى في السابعة لانه لم يذكر في القصة أن إبراهيم كلمه في شئ مما يتعلق بما فرض الله على أمته من الصلاة كما كلمه موسى والسماء السابعة هي أول شئ انتهى إليه حالة الهبوط فناسب ان يكون موسى بها لانه هو الذي خاطبه في ذلك كما ثبت في جميع الروايات ويحتمل ان يكون لقي موسى في السادسة فأصعد معه إلى السابعة تفضيلا له على غيره من أجل كلام الله تعالى وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع المصطفى فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة وقد أشار النووي إلى شئ من ذلك والعلم عند الله تعالى قوله فقال موسى رب لم أظن أن ترفع علي أحدا كذا للاكثر بفتح المثناة ثم ترفع واحدا للنصب وفي رواية الكشميهني أن يرفع بضم التحتانية أوله واحد بالرفع قال بن بطال فهم موسى من اختصاصه بكلام الله تعالى له في الدنيا دون غيره من البشر لقوله اني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ان المراد بالناس هنا البشر كلهم وأنه استحق بذلك ان لا يرفع أحد عليه فلما فضل الله محمدا عليه عليهما الصلاة والسلام بما أعطاه من المقام المحمود وغيره ارتفع على موسى وغيره بذلك ثم ذكر الاختلاف في ان الله سبحانه وتعالى في ليلة الاسراء كلم محمدا صلى الله عليه وسلم بغير واسطة أو بواسطة والخلاف في وقوع الرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم بعين رأسه أو بعين قلبه في اليقظة أو في المنام وقد مضى بيان الاختلاف في ذلك في تفسير سورة النجم بما يغني عن اعادته قوله ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه الا الله حتى جاء سدرة المنتهى كذا وقع في رواية شريك وهو مما خالف فيه غيره فان الجمهور على ان سدرة المنتهى في السابعة وعند بعضهم في السادسة وقد قدمت وجه الجمع بينهما عند شرحه ولعل في السياق تقديما وتأخيرا وكان ذكر سدرة المنتهى قبل ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه الا الله وقد وقع في حديث أبي ذر ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الاقلام وقد تقدم تفسير المستوى والصريف عند شرحه في أول باب كتاب الصلاة ووقع في رواية ميمون بن سياه عن أنس عند الطبري بعد ذكر إبراهيم في السابعة فإذا هو بنهر فذكر أمر الكوثر قال ثم خرج إلى سدرة المنتهى وهذا موافق للجمهور ويحتمل ان يكون المراد بما تضمنته هذه الرواية من العلو البالغ لسدرة المنتهى صفة أعلاها وما تقدم صفة أصلها قوله ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى في رواية ميمون المذكورة فدنا ربك عزوجل فكان قاب قوسين أو أدنى قال الخطابي ليس في هذا الكتاب يعني صحيح البخاري حديث أشنع ظاهرا ولا أشنع مذاقا من هذا الفصل فأنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر وتمييز مكان كل واحد منهما هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشئ الذي تعلق من فوق إلى أسفل قال فمن لم يبلغه من هذا الحديث الا هذا القدر مقطوعا عن غيره ولم يعتبره بأول القصة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه وكان قصاراه ما رد الحديث من أصله واما الوقوع في التشبيه وهما خطتان مرغوب عنهما واما من اعتبر أول الحديث بآخره فإنه يزول عنه الاشكال فأنه مصرح فيهما بأنه كان رؤيا لقوله في أوله وهو نائم وفي آخره استيقظ وبعض الرؤيا مثل يضرب ليتأول على الوجه الذي يجب أن يصرف إليه معنى التعبير في مثله وبعض الرؤيا لا يحتاج إلى ذلك بل يأتي كالمشاهدة قلت وهو كما قال ولا التفات إلى من تعقب كلامه بقوله في الحديث الصحيح ان رؤيا الانبياء وحي فلا يحتاج إلى تعبير لانه كلام من لم يمعن النظر في هذا المحل فقد تقدم في كتاب التعبير أن بعض مرأى
[ 403 ]
الانبياء يقبل التعبير وتقدم من أمثلة ذلك قول الصحابة له صلى الله عليه وسلم في رؤية القميص فما أولته يا رسول الله قال الدين وفي رؤية اللبن قال العلم إلى غير ذلك لكن جزم الخطابي بأنه كان في المنام متعقب بما تقدم تقريره قبل ثم قال الخطابي مشيرا إلى رفع الحديث من أصله بأن القصة بطولها انما هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه لم يعزها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا نقلها عنه ولا أضافها إلى قوله فحاصل الامر في النقل انها من جهة الراوي اما من أنس واما من شريك فإنه كثير التفرد بمناكير الالفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة انتهى وما نفاه من ان أنسا لم يسند هذه القصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا تأثير له فادنى أمره فيها ان يكون مرسل صحابي فاما ان يكون تلقاها عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي تلقاها عنه ومثل ما اشتملت عليه لا يقال بالرأي فيكون لها حكم الرفع ولو كان لما ذكره تأثير لم يحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلا وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة فالتعليل بذلك مردود ثم قال الخطابي ان الذي وقع في هذه الرواية من نسبة التدلي للجبار عزوجل مخالف لعامة السلف والعلماء وأهل التفسير من تقدم منهم ومن تأخر قال والذي قيل فيه ثلاثة أقوال أحدها انه دنى جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى أي تقرب منه وقيل هو على التقديم والتأخير أي تدلى فلانا لان التدلي بسبب الدنو الثاني تدلى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع حتى رآه متدليا كما رآه مرتفعا وذلك من آيات الله حيث أقدره على ان يتدلى في الهواء من غير اعتماد على شئ ولا تمسك بشئ الثالث دنا جبريل فتدلى محمد صلى الله عليه وسلم ساجدا لربه تعالى شكرا على ما أعطاه قال وقد روى هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك فلم يذكر فيه هذه الالفاظ الشنيعة وذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من جهة شريك انتهى وقد أخرج الاموي في مغازيه ومن طريقه البيهقي عن محمد ابن عمرو عن أبي سلمة عن بن عباس في قوله تعالى ولقد رآه نزلة أخرى قال دنا منه ربه وهذا سند حسن وهو شاهد قوي لرواية شريك ثم قال الخطابي وفي هذا الحديث لفظة أخرى تفرد بها شريك أيضا لم يذكرها غيره وهي قوله فعلا به يعني جبريل إلى الجبار تعالى فقال وهو مكانه يا رب خفف عنا قال والمكان لا يضاف إلى الله تعالى انما هو مكان النبي صلى الله عليه وسلم في مقامه الاول الذي قام فيه قبل هبوطه انتهى وهذا الاخير متعين وليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى وأما ما جزم به من مخالفة السلف والخلف لرواية شريك عن أنس في التدلي ففيه نظر فقد ذكرت من وافقه وقد نقل القرطبي عن بن عباس انه قال دنا الله سبحانه وتعالى قال والمعنى دنا أمره وحكمه وأصل التدلي النزول إلى الشئ حتى يقرب منه قال وقيل تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم حتى جلس عليه ثم دنا محمد من ربه انتهى وقد تقدم في تفسير سورة النجم ما ورد من الاحاديث في ان المراد بقوله رآه ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح ومضى بسط القول في ذلك هناك ونقل البيهقي نحو ذلك عن أبي هريرة قال فاتفقت روايات هؤلاء على ذلك ويعكر عليه قوله بعد ذلك فأوحى إلى عبده ما أوحى ثم نقل عن الحسن أن الضمير في عبده لجبريل والتقدير فأوحى الله إلى جبريل وعن الفراء التقدير فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما اوحى وقد أزال العلماء اشكاله فقال القاضي عياض في الشفاء إضافة الدنو والقرب إلى الله تعالى أو من الله ليس دنو مكان ولا قرب زمان وانما هو بالنسبة إلى
[ 404 ]
النبي صلى الله عليه وسلم ابانة لعظيم منزلته وشريف رتبته وبالنسبة إلى الله عزوجل تأنيس لنبيه واكرام له ويتأول فيه ما قالوه في حديث ينزل ربنا إلى السماء وكذا في حديث من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا وقال غيره الدنو مجاز عن القرب المعنوي لاظهار عظيم منزلته عند ربه تعالى والتدلي طلب زيادة القرب وقاب قوسين بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم عبارة عن لطف المحل وإيضاح المعرفة وبالنسبة إلى الله إجابة سؤاله ورفع درجته وقال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين زاد فيه يعني شريكا زيادة مجهولة واتى فيه بألفاظ غير معروفة وقد روى الاسراء جماعة من الحفاظ فلم يأت أحد منهم بما اتى به شريك وشريك ليس بالحافظ وسبق إلى ذلك أبو محمد ابن حزم فيما حكاه الحافظ أبو الفضل بن طاهر في جزء جمعه سماه الانتصار لايامي الامصار فنقل فيه عن الحميدي عن بن حزم قال لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا الا حديثين ثم غلبه في تخريجه الوهم مع اتقانهما وصحة معرفتهما فذكر هذا الحديث وقال فيه ألفاظ معجمة والآفة من شريك من ذلك قوله قبل ان يوحى إليه وانه حينئذ فرض عليه الصلاة قال وهذا لا خلاف بين أحد من أهل العلم انما كان قبل الهجرة بسنة وبعد ان أوحي إليه بنحو اثنتي عشرة سنة ثم قوله ان الجبار دنا فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وعائشة رضي الله عنها تقول ان الذي دنى فتدلى جبريل انتهى وقد تقدم الجواب عن ذلك وقال أبو الفضل بن طاهر تعليل الحديث بتفرد شريك ودعوى بن حزم ان الآفة منه شئ لم يسبق إليه فان شريكا قبله أئمة الجرح والتعديل ووثقوه ورووا عنه وادخلوا حديثه في تصانيفهم واحتجوا به وروى عبد الله بن أحمد الدورقي وعثمان الدارمي وعباس الدوري عن يحيى بن معين لا بأس به وقال بن عدي مشهور من أهل المدينة حدث عنه مالك وغيره من الثقات وحديثه إذا روى عنه ثقة لا بأس به الا ان يروي عنه ضعيف قال بن طاهر وحديثه هذا رواه عند ثقة وهو سليمان بن بلال قال وعلى تقدير تسليم تفرده قبل أن يوحى إليه لا يقتضي طرح حديثه فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يسقط جميع الحديث ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور ولو ترك حديث من وهم في تاريخ لترك حديث جماعة من أئمة المسلمين ولعله أراد ان يقول بعد أن اوحي إليه فقال قبل أن يوحى إليه انتهى وقد سبق إلى التنبيه على ما في رواية شريك من المخالفة مسلم في صحيحه فإنه قال بعد ان ساق سنده وبعض المتن ثم قال فقدم وأخر وزاد ونقص وسبق ابن حزم أيضا إلى الكلام في شريك أبو سليمان الخطابي كما قدمته وقال فيه النسائي وأبو محمد بن الجارود ليس بالقوي وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه نعم قال محمد بن سعد وأبو داود ثقة فهو مختلف فيه فإذا تفرد عد ما ينفرد به شاذا وكذا منكرا على رأي من يقول المنكر والشاذ شئ واحد والاولى التزام ورود المواضع التي خالف فيها غيره والجواب عنها اما بدفع تفرده واما بتأويله على وفاق الجماعة ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء بل تزيد على ذلك الاول امكنة الانبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات وقد أفصح بأنه لم يضبط منازلهم وقد وافقه الزهري في بعض ما ذكر كما سبق في أول كتاب الصلاة الثاني كون المعراج قبل البعثة وقد سبق الجواب عن ذلك وأجاب بعضهم عن قوله قبل أن يوحى بأن القبلية هنا في أمر مخصوص وليست مطلقة واحتمل ان يكون المعنى قبل ان يوحى إليه في شأن
[ 405 ]
الاسراء والمعراج مثلا أي أن ذلك وقع بغتة قبل ان ينذر به ويؤيده قوله في حديث الزهري فرج سقف بيتي الثالث كونه مناما وقد سبق الجواب عنه أيضا بما فيه غنية الرابع مخالفته في محل سدرة المنتهى وانها فوق السماء السابعة بما لا يعلمه الا الله والمشهور انها في السابعة أو السادسة كما تقدم الخامس مخالفته في النهرين وهما النيل والفرات وان عنصرهما في السماء الدنيا والمشهور في غير روايته أنهما في السماء السابعة وانهما من تحت سدرة المنتهى السادس شق الصدر عند الاسراء وقد وافقته رواية غيره كما بينت ذلك في شرح رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة وقد أشرت إليه أيضا هنا السابع ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا والمشهور في الحديث انه في الجنة كما تقدم التنبيه عليه الثامن نسبة الدنو والتدلي إلى الله عزوجل والمشهور في الحديث انه جبريل كما تقدم التنبيه عليه التاسع تصريحه بأن امتناعه صلى الله عليه وسلم م ن الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة ومقتضى رواية ثابت عن أنس انه كان بعد التاسع العاشر قوله فعلا به الجبار فقال وهو مكانه وقد تقدم ما فيه الحادي عشر رجوعه بعد الخمس والمشهور في الاحاديث أن موسى عليه الصلاة والسلام امره بالرجوع بعد ان انتهى التخفيف إلى الخمس فامتنع كما سأبينه الثاني عشر زيادة ذكر التور في الطست وقد تقدم ما فيه فهذه أكثر من عشرة مواضع في هذا الحديث لم أرها مجموعة في كلام أحد ممن تقدم وقد بينت في كل واحد اشكال من استشكله والجواب عنه ان أمكن وبالله التوفيق وقد جزم بن القيم في الهدى بأن في رواية شريك عشرة أوهام لكن عد مخالفته لمحال الانبياء أربعة منها وانا جعلتها واحدة فعلى طريقته تزيد العدة ثلاثة وبالله التوفيق قوله ماذا عهد إليك ربك أي أمرك أو أوصاك قال عهد إلى خمسين صلاة فيه حذف تقديره عهد إلى ان أصلي وآمر أمتي أن يصلوا خمسين صلاة وقد تقدم بيان اختلاف الالفاظ في هذا الموضع في أول كتاب الصلاة قوله فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل أي نعم في رواية أن نعم وان بالفتح والتخفيف مفسرة فهي في المعنى هنا مثل أي وهي بالتخفيف قوله ان شئت يقوي ما ذكرته في كتاب الصلاة انه صلى الله عليه وسلم فهم ان الامر بالخمسين لم يكن على سبيل الحتم قوله فعلا به إلى الجبار تقدم ما فيه عند شرح قوله فتدلى وقوله فقال وهو مكانه تقدم أيضا بحث الخطابي فيه وجوابه قوله والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذه أي الخمس وفي رواية الكشميهني من هذا أي القدر فضعفوا فتركوه اما قوله راودت فهو من الرود من راد يرود إذا طلب المرعى وهو الرائد ثم اشتهر فيما يريد الرجال من النساء واستعمل في كل مطلوب وأما قوله أدنى فالمراد به أقل وقد وقع في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس في تفسير بن مردويه تعيين ذلك ولفظه فرض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما قوله فأمتك في رواية الكشميهني وأمتك أضعف أجسادا أي من بني إسرائيل قوله أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا الاجسام والاجساد سواء والجسم والجسد جميع الشخص والاجسام أعم من الابدان لان البدن من الجسد ما سوى الرأس والاطراف وقيل البدن أعالي الجسد دون أسافله قوله كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل في رواية الكشميهني يتلفت بتقديم المثناة وتشديد الفاء قوله فرفعه في رواية المستملي يرفعه والاول أولى
[ 406 ]
قوله عند الخامسة هذا التنصيص على الخامسة على انها الاخيرة يخالف من رواية ثابت عن أنس أنه وضع عنه في كل مرة خمسا وأن المراجعة كانت تسع مرات وقد تقدم بيان الحكمة في ذلك ورجوع النبي صلى الله عليه وسلم بعد تقرير الخمس لطلب التخفيف مما وقع من تفردات شريك في هذه القصة والمحفوظ ما تقدم انه صلى الله عليه وسلم قال لموسى في الاخيرة استحييت من ربي وهذا أصرح بأنه راجع في الاخيرة وان الجبار سبحانه وتعالى قال له يا محمد قال لبيك وسعديك قال انه لا يبدل القول لدي وقد أنكر ذلك الداودي فيما نقله بن التين فقال الرجوع الاخير ليس بثابت والذي في الروايات أنه قال استحييت من ربي فنودي أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي وقوله هنا فقال موسى ارجع إلى ربك قال الداودي كذا وقع في هذه الرواية ان موسى قال له ارجع إلى ربك بعد ان قال لا يبدل القول لدي ولا يثبت لتواطئ الروايات على خلافه وما كان موسى ليأمره بالرجوع بعد ان يقول الله تعالى له ذلك انتهى وأغفل الكرماني رواية ثابت فقال إذا خففت في كل مرة عشرة كانت الاخيرة سادسة فيمكن ان يقال ليس فيه حصر لجواز لان يخفف بمرة واحدة خمس عشرة أو أقل أو أكثر قوله لا يبدل القول لدي تمسك من أنكر النسخ ورد بأن النسخ بيان انتهاء الحكم فلا يلزم منه تبديل القول قوله في الاخيرة قد والله راودت الخ راودت يتعلق بقد والقسم مقحم بينهما لارادة التأكيد فقد تقدم بلفظ والله لقد راودت بني إسرائيل قوله قال فاهبط باسم الله ظاهر السياق ان موسى هو الذي قال له ذلك لانه ذكره عقب قوله صلى الله عليه وسلم قد والله استحييت من ربي مما اختلف إليه قال فاهبط وليس كذلك بل الذي قال له فاهبط باسم الله هو جبريل وبذلك جزم الداودي قوله فاستيقظ وهو في المسجد الحرام قال القرطبي يحتمل أن يكون استيقاظ من نومة نامها بعد الاسراء لان اسراعه لم يكن طول ليلته وانما كان في بعضها ويحتمل ان يكون المعنى افقت مما كنت فيه مما خامر باطنه من مشاهدة الملا الاعلى لقوله تعالى لقد رأى من آيات ربه الكبرى فلم يرجع إلى حال بشريته صلى الله عليه وسلم الا وهو بالمسجد الحرام وأما قوله في أوله بينا انا نائم فمراده في أول القصة وذلك أنه كان قد ابتدأ نومه فأتاه الملك فأيقظه وفي قوله في الرواية الاخرى بينا انا بين النائم واليقظان أتاني الملك إشارة إلى انه لم يكن استحكم في نومه انتهى وهذا كله ينبني على توحد القصة والا فمتى حملت على التعدد بأن كان المعراج مرة في المنام وأخرى في اليقظة فلا يحتاج لذلك تنبيه قيل اختص موسى عليه السلام بهذا دون غيره ممن لقيه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء من الانبياء عليهم الصلاة والسلام لانه أول من تلقاه عند الهبوط ولان أمته أكثر من أمة غيره ولان كتابه أكبر الكتب المنزلة قبل القرآن تشريعا وأحكاما أو لان أمة موسى كانوا كلفوا من الصلاة ما ثقل عليهم فخاف موسى على أمة محمد مثل ذلك واليه الاشارة بقوله فاني بلوت بني إسرائيل قاله القرطبي وأما قول من قال انه أول من لاقاه بعد الهبوط فليس بصحيح لان حديث مالك بن صعصعة أقوى من هذا وفيه أنه لقيه في السماء السادسة انتهى وإذا جمعنا بينهما بأنه لقيه في الصعود في السادسة وصعد موسى إلى السابعة فلقيه فيها بعد الهبوط ارتفع الاشكال وبطل الرد المذكور والله أعلم (0) قوله باب كلام الرب مع أهل الجنة أي بعد دخولهم الجنة ذكر فيه حديثين ظاهرين فيما ترجم له أحدهما حديث أبي سعيد ان الله يقول
[ 407 ]
لاهل الجنة يا أهل الجنة الحديث وفيه فيقول أحل عليكم رضواني وقد تقدم شرحه في أواخر كتاب الرقاق في باب صفة الجنة والنار قال بن بطال استشكل بعضهم هذا لانه يوهم أن له ان يسخط على أهل الجنة وهو خلاف ظواهر القرآن كقوله خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك لهم الامن وهم مهتدون وأجاب بان إخراج العباد من العدم إلى الوجود من تفضله واحسانه وكذلك تنجيز ما وعدهم به من الجنة والنعيم من تفضله واحسانه وأما دوام ذلك فزيادة من فضله على المجازاة لو كانت لازمة ومعاذ الله أن يجب عليه شئ فلما كانت المجازاة لا تزيد في العادة على المدة ومدة الدنيا متناهية جاز ان تتناهى مدة المجازاة فتفضل عليهم بالدوام فارتفع الاشكال جملة انتهى ملخصا وقال غيره ظاهر الحديث ان الرضى أفضل من اللقاء وهو مشكل وأجيب بأنه ليس في الخبر أن الرضى أفضل من كل شئ وانما فيه ان الرضى أفضل من العطاء وعلى تقدير التسليم فاللقاء مستلزم للرضى فهو من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم كذا نقل الكرماني ويحتمل أن يقال المراد حصول أنواع الرضوان ومن جملتها اللقاء فلا اشكال قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في هذا الحديث جواز إضافة المنزل لساكنه وان لم يكن في الاصل له فان الجنة ملك الله عزوجل وقد أضافها لساكنها بقوله يا أهل الجنة قال والحكمة في ذكر دوام رضاه بعد الاستقرار انه لو أخبر به قبل الاستقرار لكان خبرا من باب علم اليقين فأخبر به بعد الاستقرار ليكون من باب عين اليقين واليه الاشارة بقوله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين قال ويستفاد من هذا انه لا ينبغي ان يخاطب أحد بشئ حتى يكون عنده ما يستدل به عليه ولو على بعضه وكذا ينبغي للمرء أن لا يأخذ من الامور الا قدر ما يحمله وفيه الادب في السؤال لقولهم وأي شئ أفضل من ذلك لانهم لم يعلموا شيئا أفضل مما هم فيه فاستفهموا عما لا علم لهم به فيه وان الخير كله والفضل والاغتباط انما هو في رضى الله سبحانه وتعالى وكل شئ ما عداه وان اختلفت أنواعه فهو من أثره وفيه دليل على رضى كل من أهل الجنة بحاله مع اختلاف منازلهم وتنويع درجاتهم لان الكل أجابوا بلفظ واحد وهو أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك وبالله التوفيق ثانيهما حديث أبي هريرة ان رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في رواية السرخسي يستأذن ربه في الزرع (7081) قوله فأحب ان أزرع فأسرع فيه حذف تقديره فأذن له فزرع فأسرع قوله فإنه لا يشبعك شئ كذا للاكثر بالمعجمة والموحدة من الشبع وللمستملي لا يسعك شئ بالمهملة بغير موحدة من الوسع قوله فقال الاعرابي يا رسول الله لا تجد هذا الا قرشيا أو أنصاريا فانهم أصحاب زرع قال الداودي قوله قرشيا وهم لانه لم يكن لاكثرهم زرع قلت وتعليله يرد على نفيه المطلق فإذا ثبت ان لبعضهم زرعا صدق قوله ان الزارع المذكور منهم واستشكل قوله لا يشبعك شئ بقوله تعالى في صفة الجنة ان لك ان لا تجوع فيها ولا تعرى وأجيب بان نفي الشبع لا يوجب الجوع لان بينهما واسطة وهي الكفاية واكل أهل الجنة للتنعم والاستلذاذ لا عن الجوع واختلف في الشبع فيها والصواب ان لا شبع فيها إذ لو كان لمنع دوام أكل المستلذ والمراد بقوله لا يشبعك شئ جنس الآدمي وما طبع عليه فهو في طلب الازدياد الا من شاء الله تعالى وقد تقدم شرح الحديث في اواخر كتاب المزارعة بعون الله تعالى (0) العظيم (0) قوله باب ذكر الله بالامر وذكر العباد بالدعاء والتضرع والرسالة والبلاغ في رواية الكشميهني والابلاغ
[ 408 ]
وعليها اقتصر بن التين قوله لقوله تعالى فاذكروني اذكركم قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد بين بهذه الآية ان ذكر العبد غير ذكر الله عبده لان ذكر العبد الدعاء والتضرع والثناء وذكر الله الاجابة ثم ذكر حديث عمر رفعه يقول الله تعالى من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين قال بن بطال معنى قوله باب ذكر الله بالامر ذكر الله عباده بأن أمرهم بطاعته ويكون من رحمته لهم وانعامه عليهم إذا أطاعوه أو بعذابه إذا عصوه وذكر العباد لربهم ان يدعوه ويتضرعوا إليه ويبلغوا رسالاته إلى الخلق قال بن عباس في قوله تعالى اذكروني أذكركم إذا ذكر العبد ربه وهو على طاعته ذكره برحمته وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته قال ومعنى قوله اذكروني أذكركم اذكروني بالطاعة أذكركم بالمعونة وعن سعيد بن جبير اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة وذكر الثعلبي في تفسير هذه الآية نحو أربعين عبارة أكثرها عن أهل الزهد ومرجعها إلى معنى التوحيد والثواب أو المحبة والوصل أو الدعاء والاجابة واما قوله وذكر العباد بالدعاء إلى آخرة فجميع ما ذكره واضح في حق الانبياء ويشركهم في الدعاء والتضرع سائر العباد وحكى بن التين ان ذكر العبد باللسان وعندما يهم بالسيئة فيذكر مقام ربه فيكف ونقل عن الداودي قال قوم ان هذا الذكر أفضل قال وليس كذلك بل قوله بلسانه لا إله إلا الله مخلصا من قلبه أعظم من ذكره بقلبه ووقوفه عن عمل السيئة قلت انما كان أعظم لانه جمع بين ذكر القلب واللسان وانما يظهر التفاضل بصحة التقابل بذكر الله باللسان دون القلب فإنه لا يكون أفضل من ذكره بالقلب في تلك الصورة وأما وقوفه بسبب الذكر عن عمل السيئة فقدر زائد يزداد بسببه فضل الذكر فظهر صحة ما نقله عن القوم دون ما تخيله قوله واتل عليهم نبأ نوح الخ قال بن بطال أشار إلى ان الله ذكر نوحا بما بلغ به من أمره وذكر بآيات ربه وكذلك فرض على كل نبي تبليغ كتابه وشريعته وقال الكرماني المقصود من ذكر هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم مذكور بأنه أمر بالتلاوة على الامة والتبليغ إليهم ان نوحا كان يذكرهم بآيات الله وأحكامه قوله غمة هم وضيق هو تفسير قوله تعالى حكاية عن نوح ثم لا يكن أمركم عليكم غمة وهو بقية الآية المذكورة أولا وهي قوله تعالى واتل عليهم نبأ نوح وحكى بن التين أن معنى غمة شئ ليس ظاهرا يقال القوم في غمة إذا غطي عليهم أمرهم والتبس ومنه غم الهلال إذا غشيه شئ فغطاه والغم ما يغشى القلب من الكرب قوله قال مجاهد اقضوا إلى ما في أنفسكم افرق اقض وصله الفريابي في تفسيره عن ورقاء بن عمر عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى ثم اقضوا الي ولا تنظرون قال اقضوا إلى ما في أنفسكم وحكى بن التين اقضوا الي افعلوا ما بدا لكم وقال غيره أظهروا الامر وميزوه بحيث لا تبقى شبهة ثم اقضوا بما شئتم من قتل أو غيره من غير اهمال واما قوله أفرق اقض فمعناه أظهر الامر وأفصله بحيث لا تبقى شبهة وفي بعض النسخ يقال افرق اقض فلا يكون من كلام مجاهد ويؤيده اعادة قوله بعده وقال مجاهد قوله وقال مجاهد وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله انسان يأتيه أي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيستمع ما يقوله وما انزل عليه فهو آمن حتى يأتيه في رواية الكشميهني حين يأتيه فيسمع كلام الله حتى يبلغ مأمنه حيث جاء وصله الفريابي بالسند المذكور إلى مجاهد في هذه الآية وان أحد من المشركين استجارك انسان يأتيه فيسمع ما يقول وما ينزل عليه فهو آمن
[ 409 ]
حتى يأتيه فيسمع كلام الله وحتى يبلغه مأمنه قال بن بطال ذكر هذه الآية من أجل أمر الله تعالى نبيه باجارة الذي يسمع الذكر حتى يسمعه فان امن فذاك والا فيبلغ مأمنه حتى يقضي الله فيه ما شاء قوله والنبأ العظيم القرآن هو تفسير مجاهد وصله الفريابي بالسند المذكور إليه قال بن بطال سمي نبأ لانه ينبأ به والمعنى به إذا سألوا عن النبأ العظيم فأجبهم وبلغ القرآن إليهم قال الراغب النبأ الخبر ذو الفائدة الجليلة يحصل به علم أو ظن غالب وحق الخبر الذي يسمى نبأ ان يتعرى عن الكذب قوله صوابا حقا في الدنيا وعمل به قال بن بطال يريد قوله تعالى الا من أذن له الرحمن وقال صوابا أي حقا في الدنيا وعمل به فهو الذي يؤذن له في الكلام بين يدي الله بالشفاعة لمن أذن له قلت وهذا وصله الفريابي أيضا عن مجاهد بالسند المذكور قال الكرماني عادة البخاري أنه إذا ذكر أية مناسبة للترجمة يذكر مها بعض ما يتعلق بتلك السورة التي فيها تلك الآية مما ثبت عنده في تفسيره ونحوه على سبيل التبعية انتهى وكأنه لم يظهر له وجع مناسبة هذه الآية الاخيرة بالترجمة والذي يظهر في مناسبتها ان تفسير قوله صوابا بقول الحق والعمل به في الدنيا يشمل ذكر الله باللسان والقلب مجتمعين ومنفردين فناسب قوله ذكر العباد بالدعاء والتضرع تنبيه لم يذكر في هذا الباب حديثا مرفوعا ولعله بيض له فأدمجه النساخ كغيره واللائق به الحديث القدسي من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وقد تقدم قريبا فإنه يصح في قوله من ذكرني في ملا أي من الناس بالدعاء والتضرع ذكرته في ملا أي من الملائكة بالرحمة والمغفرة ثم وجدته في كتاب خلق أفعال العباد قد أورد حديث أبي هريرة الذي فيه اقرؤا ان شئتم يقول العبد الحمد الله رب العالمين فيقول الله حمدني عبدي إلى ان قال يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل الحديث قال البخاري فيه بيان ان سؤال العبد غير ما يعطيه الله وان قول العبد غير كلام الله وهذا من العبد الدعاء والتضرع ومن الله الامر والاجابة انتهى وحديث أبي هريرة أخرجه مالك ومسلم وأصحاب السنن وليس هو على شرط البخاري في صحيحه فاكتفى فيه بالاشارة إليه وفي كتابه من ذلك نظائر (0) ، قوله باب قول الله تعالى فلا تجعلوا لله أندادا وقوله وتجعلون له اندادا ذلك رب العالمين ثم ذكر آيات وآثارا إلى ذكر حديث بن مسعود سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم قال ان تجعل الله ندا وهو خلقك الند بكسر النون وتشديد الدال يقال له النديد أيضا وهو نظير الشئ الذي يعارضه في أموره وقيل ند الشئ من يشاركه في جوهره وهو ضرب من المثل لكن المثل يقال في أي مشاركة كانت فكل ند مثل من غير عكس قاله الراغب قال والضد أحد المتقابيلن وهما الشيئان المختلفان اللذان لا يجتمعان في شئ واحد ففارق الند في المشاركة ووافقه في المعارضة قال بن بطال غرض البخاري في هذا الباب اثبات نسبة الافعال كلها لله تعالى سواء كانت من المخلوقين خيرا أو شرا فهي لله تعالى خلق وللعباد كسب ولا ينسب شئ من الخلق لغير الله تعالى فيكون شريكا وندا ومساويا له في نسبة الفعل إليه وقد نبه الله تعالى عباده على ذلك بالآيات المذكورة وغيرها المصرحة بنفي الانداد والآلهة المدعوة معه فتضمنت الرد على من يزعم انه يخلق أفعاله ومنها ما حذر به المؤمنين أو أثنى عليهم ومنها ما وبخ به الكافرين وحديث الباب ظاهر في ذلك وقال الكرماني الترجمة مشعرة بان المقصود اثبات نفي الشريك عن الله سبحانه وتعالى فكان
[ 410 ]
المناسب ذكره في أوائل كتاب التوحيد لكن ليس المقصود هنا ذلك بل المراد بيان كون أفعال العباد بخلق الله تعالى إذ لو كانت أفعالهم بخلقهم لكانوا أندادا لله وشركاء له في الخلق ولهذا عطف ما ذكر عليه وتضمن الرد على الجهمية في قولهم لا قدرة للعبد أصلا وعلى المعتزلة حيث قالوا لا دخل لقدرة الله تعالى فيها والمذهب الحق ان لا جبر ولا قدر بل أمر بين أمرين فان قيل لا يخلو ان يكون فعل العبد بقدره منه أولا إذ لا واسطة بين النفي والاثبات فعلى الاول يثبت القدر الذي تدعيه المعتزلة والا ثبت الجبر الذي هو قول الجهمية فالجواب أن يقال بل للعبد قدرة يفرق بها بين النازل من المنارة والساقط منها ولكن لا تأثير لها بل فعله ذلك واقع بقدرة الله تعالى فتأثير قدرته بعد قدرة العبد عليه وهذا هو المسمى بالكسب وحاصل ما تعرف به قدرة العبد انها صفة يترتب عليها الفعل والترك عادة وتقع على وفق الارادة انتهى وقد أطنب البخاري في كتاب خلق أفعال العباد في تقرير هذه المسألة واستظهر بالآيات والاحاديث والآثار الواردة عن السلف في ذلك وغرضه هنا الرد على من لم يفرق بين التلاوة والمتلو ولذلك أتبع هذا الباب بالتراجم المتعلقة بذلك مثل باب لا تحرك به لسانك لتعجل به وباب وأسروا قولكم أو اجهروا به وغيرهما وهذه المسألة هي المشهورة بمسألة اللفظ ويقال لاصحابها اللفظية واشتد إنكار الامام أحمد ومن تبعه على من قال لفظي بالقرآن مخلوق ويقال ان أول من قاله الحسين بن علي الكرابيسي أحد أصحاب الشافعي الناقلين لكتابه القديم فلما بلغ ذلك أحمد بدعه وهجره ثم قال بذلك داود بن علي الاصبهاني رأس الظاهرية وهو يومئذ بنيسابور فأنكر عليه إسحاق وبلغ ذلك أحمد فلما قدم بغداد لم يأذن له في الدخول عليه وجمع بن أبي حاتم أسماء من أطلق على اللفظية أنهم جهمية فبلغوا عددا كثيرا من الائمة وأفرد لذلك بابا في كتابه الرد على الجهمية والذي يتحصل من كلام المحققين منهم أنهم أرادوا حسم المادة صونا للقرآن ان يوصف بكونه مخلوقا وإذا حقق الامر عليهم لم يفصح أحد منهم بأن حركة لسانه إذا قرأ قديمة وقال البيهقي في كتاب الاسماء والصفات مذهب السلف والخلف من أهل الحديث والسنة ان القرآن كلام الله وهو صفة من صفات ذاته وأما التلاوة فهم على طرقيتين منهم من فرق بين التلاوة والمتلو ومنهم من احب ترك القول فيه وأما ما نقل عن أحمد بن حنبل انه سوى بينهما فانما أراد حسم المادة لئلا يتدرع أحد إلى القول بخلق القرآن ثم اسند من طريقين إلى أحمد انه أنكر على من نقل عنه انه قال لفظي بالقرآن غير مخلوق وأنكر على من قال لفظي بالقرآن مخلوق وقال القرآن كيف تصرف غير مخلوق فأخذ بظاهر هذا الثاني من لم يفهم مراده وهو مبين في الاول وكذا نقل عن محمد بن أسلم الطوسي أنه قال الصوت من المصوت كلام الله وهي عبارة رديئة لم يرد ظاهرها وانما أراد نفي كون المتلو مخلوقا ووقع نحو ذلك لامام الائمة محمد بن خزيمة ثم رجع وله في ذلك مع تلامذته قصة مشهورة وقد أملى أبو بكر الضبعي الفقيه أحد الائمة من تلامذته بن خزيمة اعتقاده وفيه لم يزل الله متكلما ولا مثل لكلامه لانه نفى المثل عن صفاته كما نفى المثل عن ذاته ونفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن نفسه فقال لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي وقال كل شئ هالك الا وجهه فاستصوب ذلك بن خزيمة ورضي به وقال غيره ظن بعضهم ان البخاري خالف أحمد وليس كذلك بل من تدبر كلامه لم يجد فيه خلافا معنويا لكن العالم من شأنه إذا ابتلي في رد بدعة يكون أكثر
[ 411 ]
كلامه في ردها دون ما يقابلها فلما ابتلي أحمد ممن يقول القرآن مخلوق كان أكثر كلامه في الرد عليهم حتى بالغ فأنكر على من يقف ولا يقول مخلوق ولا غير مخلوق وعلى من قال لفظي بالقرآن مخلوق لئلا يتدرع بذلك من يقول القرآن بلفظي مخلوق مع ان الفرق بينهما لا يخفى عليه لكنه قد يخفى على البعض وأما البخاري فابتلي بمن يقول أصوات العباد غير مخلوقة حتى بالغ بعضهم فقال والمداد والورق بعد الكتابة فكان أكثر كلامه في الرد عليهم وبالغ في الاستدلال بان أفعال العباد مخلوقة بالآيات والاحاديث واطنب في ذلك حتى نسب إلى انه من اللفظية مع ان قول من قال ان الذي يسمع من القارئ هو الصوت القديم لا يعرف عن السلف ولا قاله أحمد ولا أئمة اصحابه وانما سبب نسبة ذلك لاحمد قوله من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي فظنوا انه سوى بين اللفظ والصوت ولم ينقل عن أحمد في الصوت ما نقل عنه في اللفظ بل صرح في مواضع بأن الصوت المسموع من القارئ هو صوت القارئ ويؤيده حديث زينوا القرآن بأصواتكم وسيأتي قريبا والفرق بينهما ان اللفظ يضاف إلى المتكلم به ابتداء فيقال عمن روى الحديث بلفظه هذا لفظه ولمن رواه بغير لفظه هذا معناه ولفظه كذا ولا يقال في شئ من ذلك هذا صوته فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه ليس هو كلام غيره واما قوله تعالى انه لقول رسول كريم واختلف هل المراد جبريل أو الرسول عليهما الصلاة والسلام فالمراد به التبليغ لان جبريل مبلغ عن الله تعالى إلى رسوله والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ للناس ولم ينقل عن أحمد قط ان فعل العبد قديم ولا صوته وانما أنكر إطلاق اللفظ وصرح البخاري بأن أصوات العباد مخلوقة وان أحمد لا يخالف ذلك فقال في كتاب خلق أفعال العباد ما يدعونه عن أحمد ليس الكثير منه بالبين ولكنهم لم يفهموا مراده ومذهبه والمعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق وما سواه مخلوق لكنهم كرهوا التنقيب عن الاشياء الغامضة وتجنبوا الخوض فيها والتنازع الا ما بينه الرسول عليه الصلاة والسلام ثم نقل عن بعض أهل عصره انه قال القرآن بألفاظنا وألفاظنا بالقرآن شئ واحد فالتلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء قال فقيل له ان التلاوة فعل التالي فقال ظننتها مصدرين قال فقيل له أرسل الي من كتب عنك ما قلت فاستدره فقال كيف وقد مضى انتهى ومحصل ما نقل عن أهل الكلام في هذا المسألة خمسة أقوال الاول قول المعتزلة انه مخلوق والثاني قول الكلابية انه قديم قائم بذات الرب ليس بحروف ولا أصوات والموجود بين الناس عبارة عنه لا عينه والثالث قول السالمية انه حروف وأصوات قديمة الاعين وهو عين هذه الحروف المكتوبة والاصوات المسموعة والرابع قول الكرامية انه محدث لا مخلوق وسيأتي بسط القول فيه في الباب الذي بعده والخامس انه كلام الله غير مخلوق انه لم يزل يتكلم إذا شاء نص على ذلك أحمد في كتاب الرد على الجهمية وافترق أصحابه فرقتين منهم من قال هو لازم لذاته والحروف والاصوات مقترنة لا متعاقبة ويسمع كلامه من شاء وأكثرهم قالوا انه متكلم بما شاء متى شاء وانه نادى موسى عليه السلام حين كلمه ولم يكن ناداه من قبل والذي استقر عليه قول الاشعرية ان القرآن كلام الله غير مخلوق مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالالسنة قال الله تعالى فأجره حتى يسمع كلام الله وقال تعالى بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم وفي الحديث المتفق عليه عن بن عمر كما تقدم في الجهاد
[ 412 ]
لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو كراهية ان يناله العدو وليس المراد ما في الصدور بل ما في الصحف وأجمع السلف على ان الذي بين الدفتين كلام الله وقال بعضهم القرآن يطلق ويراد به المقروء وهو الصفة القديمة ويطلق ويراد به القراءة وهي الالفاظ الدالة على ذلك وبسبب ذلك وقع الاختلاف واما قولهم انه منزه عن الحروف والاصوات فمرادهم الكلام النفسي القائم بالذات المقدسة فهو من الصفات الموجودة القديمة واما الحروف فان كانت حركات ادوات كاللسان والشفتين فهي أعراض وان كانت كتابة فهي أجسام وقيام الاجسام والاعراض بذات الله تعالى محال ويلزم من أثبت ذلك ان يقول بخلق القرآن وهو يأبى ذلك ويفر منه فألجأ ذلك بعضهم إلى ادعاء قدم الحروف كما التزمته السالمية ومنهم من التزم قيام ذلك بذاته ومن شدة اللبس في هذه المسألة كثر نهي السلف عن الخوض فيها واكتفوا باعتقاد أن القرآن كلام الله غير مخلوق ولم يزيدوا على ذلك شيئا وهو أسلم الاقوال والله المستعان قوله وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ووقع في بعض النسخ فلا تجعلوا له أندادا ذلك رب العالمين وهو غلط قوله ولقد أوحي إليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك إلى قوله بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ساق في رواية كريمة الآيتين بكمالهما قال الطبري هذا من الكلام الموجز الذي يراد به التقديم والمعنى ولقد أوحى إليك لئن أشركت إلى قوله من الخاسرين وأوحي إلى الذين من قبلك مثل ما أوحي إليك من ذلك ومعنى ليحبطن ليبطلن ثواب عملك انتهى والغرض هنا تشديد الوعيد على من أشرك بالله وان الشرك محذر منه في الشرائع كلها وان للانسان عمل يثاب عليه إذا سلم من الشرك ويبطل ثوابه إذا أشرك قوله والذين لا يدعون مع الله الها آخر أشار بايرادها إلى ما وقع في بعض طرق الحديث المرفوع في الباب كما تقدم في تفسير سورة الفرقان ففيه بعد (7082) الرب عز وجلقوله أن تزاني بحليلة جارك ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين لا يدعون مع الله الها آخر الآية وكأن المصنف أشار بها إلى تفسير الجعل المذكور في الآيتين قبلها وان المراد الدعاء اما بمعنى النداء واما يمعنى العبادة واما بمعنى الاعتقاد وقد رد أحمد على من تمسك من القائلين بخلق القرآن بقوله تعالى انا جعلناه قرآنا عربيا وقال هي حجة في ان القرآن مخلوق لان المجعول مخلوق فناقضه بنحو قوله تعالى فلا تجعلوا لله اندادا وذكر بن أبي حاتم في الرد على الجهمية ان أحمد رد عليه بقوله تعالى فجعلهم كعصف مأكول فليس المعنى فخلقهم ومثله احتجاج محمد بن أسلم الطوسي بقوله تعالى وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية قال أفخلقهم بعد ان أغرقهم وعن إسحاق بن راهويه انه احتج عليه بقوله تعالى وجعلوا لله شركاء الجن وعن نعيم بن حماد أنه احتج عليه بقوله تعالى جعلوا القرآن عضين وعن عبد العزيز بن يحيى المكي في مناظرته لبشر المريسي حين قال له ان قوله تعالى انا جعلناه قرآنا عربيا نص في انه مخلوق فناقضه بقوله تعالى وقد جعلتم الله عليكم كفيلا وبقوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا وحاصل ذلك ان الجعل جاء في القرآن وفي لغة العرب لمعان متعددة قال الراغب جعل لفظ عام في الافعال كلها ويتصرف على خمسة أوجه الاول صار نحو جعل زيد يقول والثاني أوجد كقوله تعالى وجعل الظلمات والنور والثالث إخراج شئ من شئ كقوله تعالى وجعل لكم من أزواجكم بنين والرابع تصيير شئ على
[ 413 ]
حالة مخصوصة كقوله تعالى جعل لكم الارض فراشا والخامس الحكم بالشئ على الشئ فمثال ما كان منه حقا قوله تعالى انا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ومثال ما كان باطنا قوله تعالى وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والنعام نصيبا انتهى وأثبت بعضهم سادسا وهو الوصف ومثل بقوله تعالى وقد جعلتم الله عليكم كفيلا وتقدم أنها تأتي بمعنى الدعاء والنداء والاعتقاد والعلم عند الله تعالى قوله وقال عكرمة الخ وصله الطبري عن هناد بن السرى عن أبي الاحوص عن سماك بن حرب عن عكرمة في قوله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون قال يسألهم من خلقهم ومن خلق السماوات والارض فيقولون الله فذلك ايمانهم وهم يعبدون غيره ومن طريق يزيد بن الفضل الثماني عن عكرمة في هذه الآية وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون قال هو قول الله ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله فإذا سئلوا عن الله وعن صفته وصفوه بغير صفته وجعلوا له ولدا وأشركوا به وبأسانيد صحيحه عن عطاء وعن مجاهد نحوه وبسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس قال من ايمانهم إذا قيل لهم من خلق السماوات ومن خلق الارض ومن خلق الجبال قالوا الله وهم به مشركون قوله وما ذكر في خلق أفعال العباد في رواية الكشميهني أعمال والاول أكثر قوله واكسابهم بالجر عطفا على أفعال وفي رواية واكتسابهم بزيادة مثناة وقد تقدم القول في الكسب ويأتي الالمام به في شرح قوله تعالى والله خلقكم وما تعملون قوله لقوله وخلق كل شئ فقدره تقديرا وجه الدلالة عموم قوله خلق كل شئ والكسب شئ فيكون مخلوقا لله تعالى قوله وقال مجاهد ما تنزل الملائكة الا بالحق يعني بالرسالة والعذاب وصله الفريابي عن ورقاء عن بن أبي نجيح عن مجاهد قوله ليسأل الصادقين عن صدقهم المبلغين المؤدين من الرسل هو في تفسير الفريابي أيضا بالسند المذكور قال الطبري معناه أخذت الميثاق من الانبياء المذكورين كيما أسأل من أرسلتهم عما أجابتهم به أممهم قوله وإنا له لحافظون عندنا هو أيضا من قول مجاهد أخرجه الفريابي بالسند المذكور قوله والذي جاء بالصدق القرآن وصدق به المؤمن يقول يوم القيامة هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه وصله الطبري من طريق منصور بن المعتمر عن مجاهد قال الذي جاء بالصدق وصدق به هم أهل القرآن يجيئون به يوم القيامة يقولون هذا الذي أعطيتمونا عملنا بما فيه ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس الذي جاء بالصدق وصدق به رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا اله الا الله ومن طريق لين إلى علي بن أبي طالب الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم والذي صدق به أبو بكر ومن طريق قتادة بسند صحيح الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالقرآن والذي صدق به المؤمنون ومن طريق السدي الذي جاء بالصدق وصدق به هو محمد صلى الله عليه وسلم قال الطبري الاولى أن المراد بالذي جاء بالصدق كل من دعا إلى توحيد الله والايمان برسوله وما جاء به والمصدق به المؤمنون ويؤيده أن ذلك ورد عقب قوله فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه الآية وأما حديث بن مسعود فتقدم شرحه في باب اثم الزناة من كتاب الحدود وذكرت ما في سنده من الاختلاف على أبي وائل والمراد هنا الاشارة إلى أن من زعم أنه يخلق فعل نفسه يكون كمن جعل لله ندا وقد ورد فيه الوعيد الشديد فيكون اعتقاده حراما (0) قوله باب قوله تعالى وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم الآية
[ 414 ]
ساق في رواية كريمة الآية كلها ذكر فيه حديث عبد الله وهو بن مسعود اجتمع عند البيت وفيه يسمع ان جهرنا ولا يسمع أن أخفينا فأنزل الله تعالى وما كنتم تستترون وقد تقدم شرحه في تفسير فصلت قال بن بطال غرض البخاري في هذا الباب اثبات السمع لله وأطال في تقرير ذلك وقد تقدم في أوائل التوحيد في قوله وكان الله سميعا بصيرا والذي أقول ان غرضه في هذا الباب اثبات ما ذهب إليه أن الله يتكلم متى شاء وهذا الحديث من أمثلة إنزال الآية بعد الآية على السبب الذي يقع في الارض وهذا ينفصل عنه من ذهب إلى أن الكلام صفة قائمة بذاته أن الانزال بحسب الوقائع من اللوح المحفوظ أو من السماء الدنيا كما ورد في حديث بن عباس رفعه نزل القرآن دفعة واحدة إلى السماء الدنيا فوضع في بيت العزة ثم أنزل إلى الارض نجوما رواه أحمد في مسنده وسيأتي مزيد لهذا في الباب الذي يليه قال بن بطال وفي هذا الحديث اثبات القياس الصحيح وابطال القياس الفاسد لان الذي قال يسمع ان جهرنا ولا يسمع ان أخفينا قاس قياسا فاسدا لانه شبه سمع الله تعالى بأسماع خلقه الذين يسمعون الجهر ولا يسمعون السر والذي قال ان كان يسمع ان جهرنا فإنه يسمع ان أخفينا أصاب في قياسه حيث لم يشبه الله بخلقه ونزهه عن مماثلتهم وانما وصف الجميع بقلة الفقه لان هذا الذي أصاب لم يعتقد حقيقة ما قال بل شك بقوله ان كان وقوله في وصفهم كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم وقع بالرفع على الصفة ويجوز النصب وانث الشحم والفقه لاضافتهما إلى البطون والقلوب والتأنيث يسري من المضاف إليه إلى المضاف أو أنث بتأويل شحم بشحوم وفقه بفهوم (0) قوله باب قول الله تعالى كل يوم هو في شأن تقدم ما جاء في تفسيرها في سورة الرحمن في التفسير قوله وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث وقوله لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وان حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى ليس كمثله شئ وهو السميع البصير قال بن بطال غرض البخاري الفرق بين وصف كلام الله تعالى بأنه مخلوق وبين وصفه بأنه محدث فأحال وصفه بالخلق وأجاز وصفه بالحدث اعتمادا على الآية وهذا قول بعض المعتزلة وأهل الظاهر وهو خطأ لان الذكر الموصوف في الآية بالاحداث ليس هو نفس كلامه تعالى لقيام الدليل على ان محدثا ومنشأ ومخترعا ومخلوقا ألفاظ مترادفه على معنى واحد فإذا لم يجز وصف كلامه القائم بذاته تعالى بأنه مخلوق لم يجز وصفه بأنه محدث وإذا كان كذلك فالذكر الموصوف في الآية بأنه محدث هو الرسول لان الله تعالى قد سماه في قوله تعالى قد أنزل الله اليكم ذكرا رسولا فيكون المعنى ما يأتيهم من رسول محدث ويحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا وعظ الرسول إياهم وتحذيره من المعاصي فسماه ذكرا وأضافه إليه إذ هو فاعله ومقدر رسوله على اكتسابه وقال بعضهم في هذه الآية ان مرجع الاحداث إلى الاتيان لا إلى الذكر القديم لان نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شيئا بعد شئ فكان نزوله يحدث حينا بعد حين كما أن العالم يعلم ما لا يعلمه الجاهل فإذا علمه الجاهل حدث عنده العلم ولم يكن احداثه عن التعلم احداث عين المعلم قلت والاحتمال الاخير أقرب إلى مراد البخاري لما قدمت قبل أن مبنى هذه التراجم عنده على اثبات أن أفعال العباد مخلوقة ومراده هنا الحدث بالنسبة للانزال وبذلك جزم بن المنير ومن تبعه وقال الكرماني صفات الله تعالى سلبية ووجودية واضافية فالاولى هي التنزيهات والثانية هي القديمة والثالثة الخلق والرزق وهي حادثة
[ 415 ]
ولا يلزم من حدوثها تغير في ذات الله ولا في صفاته الوجودية كما ان تعلق العلم وتعلق القدرة بالمعلومات والمقدورات حادث وكذا جميع الصفات الفعلية فإذا تقرر ذلك فالانزال حادث والمنزل قديم وتعلق القدرة حادث ونفس القدرة قديمة فالمذكور وهو القرآن قديم والذكر حادث وأما ما نقله بن بطال عن المهلب ففيه نظر لان البخاري لا يقصد ذلك ولا يرضى بما نسب إليه إذ لا فرق بين مخلوق وحادث لا عقلا ولا نقلا ولا عرفا وقال بن المنير قيل ويحتمل أن يكون مراده حمل لفظ محدث على الحديث فمعنى ذكر محدث أي متحدث به وأخرج بن أبي حاتم من طريق هشام بن عبيد الله الرازي أن رجلا من الجهمية احتج لزعمه أن القرآن مخلوق بهذه الآية فقال له هشام محدث إلينا محدث إلى العباد وعن أحمد بن إبراهيم الدورقي نحوه ومن طريق نعيم بن حماد قال محدث عند الخلق لا عند الله قال وانما المراد انه محدث عند النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه بعد ان كان لا يعلمه واما الله سبحانه فلم يزل عالما وقال في موضع آخر كلام الله ليس بمحدث لانه لم يزل متكلما لا انه كان لا يتكلم حتى أحدث كلاما لنفسه فمن زعم ذلك فقد شبه الله بخلقه لان الخلق كانوا لا يتكلمون حتى أحدث لهم كلاما فتكلموا به وقال الراغب المحدث ما أوجد بعد ان لم يكن وذلك اما في ذاته أو احداثه عند من حصل عنده ويقال لكل ما قرب عهده حدث فعالا كان أو مقالا وقال غيره في قوله تعالى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وفي قوله لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا المعنى يحدث عندهم ما لم يكن يعلمونه فهو نظير الآية الاولى وقد نقل الهروي في الفاروق بسنده إلى حرب الكرماني سألت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يعني بن راهويه عن قوله تعالى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث قال قديم من رب العزة محدث إلى الارض فهذا هو سلف البخاري في ذلك وقال بن التين احتج من قال بخلق القرآن بهذه الآية قالوا والمحدث هو المخلوق والجواب ان لفظ الذكر في القرآن يتصرف على وجوه الذكر بمعنى العلم ومنه فاسألوا أهل الذكر والذكر بمعنى العظة ومنه ص والقرآن ذي الذكر والذكر بمعنى الصلاة ومنه فاسعوا إلى ذكر الله والذكر بمعنى الشرف ومنه وانه لذكر لك ولقومك ورفعنا لك ذكرك قال فإذا كان الذكر يتصرف إلى هذه الاوجه وهي كلها محدثة كان حمله على احداها أولى ولانه لم يقل ما يأتيهم من ذكر من ربهم الا كان محدثا ونحن لا ننكر ان يكون من الذكر ما هو محدث كما قلنا وقيل محدث عندهم ومن زائدة للتوكيد وقال الداودي الذكر في هذه الآية هو القرآن وهو محدث عندنا وهو من صفاته تعالى ولم يزل سبحانه وتعالى بجميع صفاته قال بن التين وهذا منه أي من الداودي عظيم واستدلاله يرد عليه فإنه إذا كان لم يزل بجميع صفاته وهو قديم فكيف تكون صفته محدثه وهو لم يزل الا ان يريد أن المحدث غير المخلوق كما يقول البلخي ومن تبعه وهو ظاهر كلام البخاري حيث قال وان حدثه لا يشبه حدث المخلوقين فاثبت انه محدث انتهى وما استعظمه من كلام الداودي هو بحسب ما تخيله والا فالذي يظهر ان مراد الداودي أن القرآن هو الكلام القديم الذي هو من صفات الله تعالى وهو غير محدث وانما يطلق الحدث بالنسبة إلى انزاله إلى المكلفين وبالنسبة إلى قراءتهم له واقرائهم غيرهم ونحو ذلك وقد أعاد الداودي نحو هذا في شرح قول عائشة ولشأني في نفسي كان أحقر من ان يتكلم الله في بأمر يتلى قال الداودي فيه أن الله تكلم ببراءة عائشة حين أنزل براءتها بخلاف قول بعض الناس انه لم يتكلم
[ 416 ]
فقال بن التين أيضا هذا من الداودي عظيم لانه يلزم منه أن يكون الله تعالى متكلما بكلام حادث فتحل فيه الحوادث تعالى الله عن ذلك وانما المراد بأنزل ان الانزال هو المحدث ليس أن الكلام القديم نزل الآن انتهى وهذا مراد البخاري وقد قال في كتاب خلق أفعال العباد قال أبو عبيد يعني القاسم بن سلام احتج هؤلاء الجهمية بآيات وليس فيما احتجوا به أشد بأسا من ثلاث آيات قوله وخلق كل شئ فقدره تقدريا وانما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث قالوا ان قلتم ان القرآن لا شئ كفرتم وان قلتم أن المسيح كلمة الله فقد أقررتم أنه خلق وان قلتم ليس بمحدث رددتم القرآن قال أبو عبيد اما قوله وخلق كل شئ فقد قال في آية أخرى انما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون فأخبر ان خلقه بقوله وأول خلقه هو من أول الشئ الذي قال وخلق كل شئ وقد أخبر انه خلقه بقوله فدل على ان كلامه قبل خلقه وأما المسيح فالمراد أن الله خلقه بكلمته لا انه هو الكلمة لقوله القاها إلى مريم ولم يقل ألقاه ويدل عليه قوله تعالى ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن واما الآية الثالثة فانما حدث القرآن عند النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما علمه ما لم يعلم قال البخاري والقرآن كلام الله غير مخلوق ثم ساق الكلام على ذلك إلى ان قال سمعت عبيد الله بن سعيد يقول سمعت يحيى بن سعيد يعني القطان يقول ما زلت أسمع أصحابنا يقولون ان أفعال العباد مخلوقة قال البخاري حركاتهم واصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة فاما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بخلق قال وقال إسحاق بن إبراهيم يعني بن راهويه فاما الاوعية فمن يشك في خلقها قال البخاري فالمداد والورق ونحوه خلق وأنت تكتب الله فالله في ذاته هو الخالق وخطك من فعلك وهو خلق لان كل شئ دون الله هو بصنعه ثم ساق حديث حذيفة رفعه ان الله يصنع كل صانع وصنعته وهو حديث صحيح قوله وقال بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يحدث من أمره ما يشاء وان مما أحدث ان لا تكلموا في الصلاة هذا طرف من حديث أخرجه أبو داود واللفظ له وأحمد والنسائي وصححه بن حبان من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن عبد الله قال كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد على السلام فأخذني ما قدم وما حدث فلما قضى صلاته قال ان الله يحدث من أمره ما يشاء وان الله قد أحدث ان لا تكلموا في الصلاة وفي رواية النسائي وان مما أحدث وأصل هذه القصة في الصحيحين من رواية علقمة عن بن مسعود لكن قال فيها ان في الصلاة لشغلا وقد مضى في أواخر الصلاة وفي هجرة الحبشة وتقدم شرحه في الصلاة وليس فيه مقصود الباب ثم ذكر حديث بن عباس موقوفا من وجهين (7084) قوله كيف تسألون أهل الكتاب عن كتبهم هذه رواية عكرمة عنه ورواية عبيد الله بن عبد الله وهو بن عتبة عنه يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شئ قوله وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهدا بالله هذه رواية عكرمة ورواية عبيد الله وكتابكم الذي أنزل الله عليكم أحدث الاخبار بالله أي أقربها نزولا اليكم وأخبارا من الله سبحانه وتعالى وقد جرى البخاري على عادته في الاشارة إلى اللفظ الذي يريده وايراده لفظا آخر غيره فإنه أورد أثر بن عباس بلفظ أقرب وهو عنده في الموضع الآخر بلفظ
[ 417 ]
أحدث وهو أليق بمراده هنا وقد جاء نظير هذا الوصف من كلام كعب الاحبار منسوبا إلى الله سبحانه وتعالى فأخرج بن أبي حاتم بسند حسن عن عاصم بن بهدلة عن مغيث بن سمي قال قال كعب عليكم بالقرآن فأنه أحدث الكتب عهدا بالرحمن زاد في رواية أخرى عن كعب وان الله تعالى قال في التوراة يا موسى اني منزل عليك توراة حديثة افتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا قوله تقرءونه محصنا لم يشب هذا آخر حديث عكرمة وقوله لم يشب بضم أوله وفتح الشين المعجمة وسكون الموحدة أي لم يخالطه غيره وزاد عبيد الله في روايته وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا الخ يشير إلى قوله فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم إلى يكسبون وقوله ليشتروا بذلك في رواية المستملي ليشتروا به وقوله عن الذي أنزل عليكم في رواية المستملي اليكم وقوله (7085) جاءكم من العلم إسناد المجئ إلى العلم كإسناد النهي إليه قوله فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم فيه تأكيد الخبر بالقسم وكأنه يقول لا يسألونكم عن شئ مع علمهم بان كتابكم لا تحريف فيه فكيف تسألونهم وقد علمتم أن كتابهم محرف (0) قوله باب قول الله تعالى لا تحرك به لسانك يعني إلى آخر الآية قوله وفعل النبي صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي قد بينه في حديث الباب بأنه كان يعالج شدة من أجل تحفظه فلما نزلت صار يستمع فإذا ذهب الملك قرأه كما سمعه قوله وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الله عزوجل انا مع عبدي إذا ذكرني في رواية الكشميهني ما ذكرني وتحركت بي شفتاه هذا طرف من حديث أخرجه أحمد والبخاري في خلق أفعال العباد والطبراني من رواية عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر عن كريمة بنت الحسحاس بمهملات عن أبي هريرة فذكره بلفظ إذا ذكرني وفي رواية لاحمد حدثنا أبو هريرة ونحن في بيت هذه يعني أم الدرداء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه البيهقي في الدلائل من طريق ربيعة بن يزيد الدمشقي عن إسماعيل بن عبيد الله قال دخلت على أم الدرداء فلما سلمت جلست فسمعت كريمة بنت الحسحاس وكانت من صواحب أبي الدرداء قالت سمعت أبا هريرة رضي الله عنه وهو في بيت هذه تشير إلى أم الدرداء سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول فذكره بلفظ ما ذكرني وأخرجه أحمد أيضا وابن ماجة والحاكم من رواية الاوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي هريرة ورواه بن حبان في صحيحه من رواية الاوزاعي عن إسماعيل عن كريمة عن أبي هريرة ورجح الحفاظ طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وربيعة بن يزيد ويحتمل ان يكون عند إسماعيل عن كريمة وعن أم الدرداء معا وهذا من الاحاديث التي علقها البخاري ولم يصلها في موضع آخر من كتابه وبالله التوفيق قال بن بطال معنى الحديث أنا مع عبدي زمان ذكره لي أي أنا معه بالحفظ والكلاءة لا أنه معه بذاته حيث حل العبد ومعنى قوله تحركت بي شفتاه أي تحركت باسمي لا أن شفتيه ولسانه تتحرك بذاته تعالى لاستحالة ذلك انتهى ملخصا وقال الكرماني المعية هنا معية الرحمة واما في قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم فهي معية العلم يعني فهذه أخص من المعية التي في الآية ثم ذكر حديث بن عباس في قوله تعالى (7086) لا تحرك به لسانك قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة
[ 418 ]
الحديث وهو من أوضح الادلة على ان القرآن يطلق ويراد به القراءة فان المراد بقوله قرآنا في الآيتين القراءة لا نفس القرآن وقد تقدم شرحه في بدء الوحي قال بن بطال غرضه في هذا الباب أن تحريك اللسان والشفتين بقراءة القرآن عمل له يؤجر عليه وقوله فإذا قرأناه فاتبع قرآنه فيه إضافة الفعل إلى الله تعالى والفاعل له من يأمره بفعله فان القارئ لكلامه تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم هو جبريل ففيه بيان لكل ما أشكل من كل فعل ينسب إلى الله تعالى مما لا يليق به فعله من المجئ والنزول ونحو ذلك انتهى والذي يظهر ان مراد البخاري بهذين الحديثين الموصول والمعلق الرد على من زعم أن قراءة القارئ قديمة فأبان أن حركة لسان القارئ بالقرآن من فعل القارئ بخلاف المقروء فإنه كلام الله القديم كما أن حركة لسان ذاكر الله حادثة من فعله والمذكور وهو الله سبحانه تعالى قديم والى ذلك أشار بالتراجم التي تأتي بعد هذا (0) قوله باب قول الله تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به انه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير أشار بهذه الآية إلى ان القول أعم من ان يكون بالقرآن أو بغيره فان كان بالقرآن فالقرآن كلام الله وهو من صفات ذاته فليس بمخلوق لقيام الدليل القاطع بذلك وان كان بغيره فهو مخلوق بدليل قوله تعالى الا يعلم من خلق بعد قوله انه عليم بذات الصدور قال بن بطال مراده بهذا الباب اثبات العلم لله صفة ذاتية لاستواء علمه بالجهر من القول والسر وقد بينه بقوله في آية أخرى سواء منكم من أسر القول ومن جهر به وان اكتساب العبد من القول والفعل لله تعالى لقوله انه عليم بذات الصدور ثم قال عقب ذلك ألا يعلم من خلق فدل على انه عالم بما أسروه وما جهروا به وانه خالق لذلك فيهم فان قيل قوله من خلق راجع إلى القائلين قيل له ان هذا الكلام خرج مخرج التمدح منه بعلمه بما أسر العبد وجهر وانه خلقه فإنه جعل خلقه دليلا على كونه عالما بقولهم فيتعين رجوع قوله خلق إلى قولهم ليتم تمدحه بالامرين المذكورين وليكون أحدهما دليلا على الآخر ولم يفرق أحد بين القول والفعل وقد دلت الآية على ان الاقوال خلق الله تعالى فوجب أن تكون الافعال خلقا له سبحانه وتعالى وقال بن المنير ظن الشارح انه قصد بالترجمة اثبات العلم وليس كما ظن والا لتقاطعت المقاصد مما اشتملت عليه الترجمة لانه لا مناسبة بين العلم وبين حديث ليس منا من لم يتغن بالقرآن وانما قصد البخاري الاشارة إلى النكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللفظ فأشار بالترجمة إلى ان تلاوة الخلق تتصف بالسر والجهر ويستلزم أن تكون مخلوقة وساق الكلام على ذلك وقد قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد بعد ان ذكر عدة أحاديث دالة على ذلك فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أصوات الخلق وقراءتهم ودراستهم وتعليمهم وألسنتهم مختلفة بعضها أحسن وأزين وأحلى وأصوت وأرتل وألحن وأعلى وأخفض وأغض وأخشع وأجهر وأخفى وأقصر وأمد وألين من بعض قوله يتخافتون يتسارون بتشديد الراء والسين مهملة وفي بعضها بشين معجمة وزيادة واو بغير تثقيل أي يتراجعون فيما بينهم سرا ثم ذكر حديث بن عباس في نزول قوله تعالى (7087) ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وفي آخره فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولا تجهر بصلاتك أي بقراءتك وحديث عائشة انها نزلت في الدعاء وقد تقدم شرحهما في تفسير سبحان وحديث أبي هريرة ليس منا من لم يتغن بالقرآن وزاد غيره يجهر به أورده من طريق بن جريج حدثنا بن شهاب وقد مضى في فضائل القرآن وفي باب
[ 419 ]
قول الله تعالى ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن أذن له من طريق عقيل عن بن شهاب بلفظ ما أذن الله لشئ ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن وقال صاحب له يجهر به وسيأتي قريبا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بلفظ ما أذن الله لشئ ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به فيستفاد منه ان الغير المبهم في حديث الباب وهو الصاحب المبهم في رواية عقيل ومحمد بن إبراهيم هو محمد بن إبراهيم التيمي والحديث واحد الا ان بعضهم رواه بلفظ ما أذن الله وبعضهم رواه بلفظ ليس منا وإسحاق شيخه فيه هو بن منصور وقال الحاكم بن نصر ورجح الاول أبو علي الجياني وأبو عاصم هو النبيل وهو من شيوخ البخاري قد أكثر عنه بلا واسطة وأقرب ذلك في أول حديث من كتاب التوحيد (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار في رواية الكشميهني والنهار بحذف واناء الثانية (7090) قوله ورجل يقول لو أوتيت مثل ما أوتي هذا فعلت كما يفعل قال الكرماني كذا أورد الترجمة مخرومة إذ ذكر من صاحب القرآن حال المحسود فقط ومن صاحب المال حال الحاسد فقط ولكن لا لبس في ذلك لانه اقتصر على ذكر حالي حامل القرآن حاسدا ومحسودا وترك حال ذي المال قوله فبين ان قيامه بالكتاب هو فعله في رواية الكشميهني ان قراءته الكتاب هو فعله قوله ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم وقال وافعلوا الخير لعلكم تفلحون أما الآية الاولى فالمراد منها اختلاف السنتكم لانها تشمل الكلام كله فتدخل القراءة وأما الآية الثانية فعموم فعل الخير يتناول قراءة القرآن والذكر والدعاء وغير ذلك فدل على ان القراءة فعل القارئ ثم ذكر حديث أبي هريرة لا تحاسد الا في اثنتين رجل أتاه الله القرآن فهو يتلوه وحديث سالم عن أبيه وهو عبد الله بن عمر لا حسد الا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به وقد مضى شرح المتن في فضائل القرآن وقوله (7091) سمعت من سفيان مرارا هو كلام علي بن عبد الله وهو بن المديني شيخ البخاري وقوله لم أسمعه يذكر الخبر أي ما سمعه منه الا بالعنعنة قوله وهو من صحيح حديثه قلت قد أخرجه الاسماعيلي عن أبي يعلى عن أبي خيثمة قال حدثنا سفيان هو بن عيينة قال حدثنا الزهري عن سالم به قال بن المنير دلت أحاديث الباب الذي قبله على ان القراءة فعل القارئ وأنها تسمى تغنيا وهذا هو الحق اعتقادا لا اطلاقا حذرا من الايهام وفرارا من الابتداع بمخالفة السلف في الاطلاق وقد ثبت عن البخاري أنه قال من نقل عني أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب وانما قلت ان أفعال العباد مخلوقة قال وقد قارب الافصاح في هذه الترجمة بما رمز إليه في التي قبلها (0) قوله باب قول الله عز وجل يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالاته كذا للجميع وظاهره اتحاد الشرط والجزاء لان معنى ان لم تفعل لم تبلغ لكن المراد من الجزاء لازمه فهو كحديث ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه واختلف في المراد بهذا الامر فقيل المراد بلغ كما أنزل وهو على ما فهمت عائشة وغيرها وقيل المراد بلغه ظاهرا ولا تخش من أحد فان الله يعصمك من الناس والثاني أخص من الاول وعلى هذا لا يتحد الشرط والجزاء لكن الاولى قول الاكثر لظهور العموم في قوله تعالى ما أنزل والامر للوجوب فيجب عليه تبليغ كل ما أنزل إليه والله أعلم ورجح الاخير بن التين ونسبه لاكثر أهل اللغة وقد احتج أحمد بن حنبل بهذه الآية على ان القرآن غير مخلوق لانه لم يرد في شئ من القرآن ولا من الاحاديث أنه مخلوق
[ 420 ]
ولا ما يدل على انه مخلوق ثم ذكر عن الحسن البصري انه قال لو كان ما يقول الجعد حقا لبلغه النبي صلى الله عليه وسلم قوله وقال الزهري من الله الرسالة وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ وعلينا التسليم هذا وقع في قصة أخرجها الحميدي في النوادر ومن طريقه الخطيب قال الحميدي حدثنا سفيان قال قال رجل للزهري يا أبا بكر قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا من شق الجيوب ما معناه فقال الزهري من الله العلم وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم وهذا الرجل هو الاوزاعي أخرجه بن أبي عاصم في كتاب الادب وذكر بن أبي الدنيا عن دحيم عن الوليد بن مسلم عن الاوزاعي قال قلت للزهري فذكره قوله وقال الله تعالى ليعلم ان قد أبلغوا رسالات ربهم وقال ابلغكم رسالات ربي قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد بعد ان ساق قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ الآية قال فذكر تبيلغ ما أنزل إليه ثم وصف فعل تبليغ الرسالة فقال وان لم تفعل فما بلغت قال فسمى تبليغه الرسالة وتركه فعلا ولا يمكن أحدا أن يقول ان الرسول لم يفعل ما أمر به من تبليغ الرسالة يعني فإذا بلغ فقد فعل ما أمر به وتلاوته ما أنزل إليه هو التبليغ وهو فعله وذكر حديث أبي الاحوص عوف بن مالك الجشمي عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكر القصة وفيها قال أتتني رسالة من ربي فضقت بها ذرعا ورأيت ان الناس سيكذبونني فقيل لي لتفعلن أو ليفعلن بك وأصله في السنن وصححه بن حبان والحاكم وحديث سمرة بن جندب في قصة الكسوف وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته انما انا بشر رسول فأذكركم بالله ان كنتم تعلمون اني قصرت عن تبليغ شئ من رسالات ربي يعني فقولوا فقالوا نشهد انك بلغت رسالات ربك وقضيت الذي عليك وأصله في السنن وصححه بن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال في الكتاب المذكور أيضا قوله تعالى بلغ ما أنزل إليك من ربك هو مما أمر به وكذلك أقيموا الصلاة والصلاة بجملتها طاعة الله وقراءة القرآن من جملة الصلاة فالصلاة طاعة والامر بها قرآن وهو مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء على الالسنة فالقراءة والحفظ والكتابة مخلوقة والمقروء والمحفوظ والمكتوب ليس بمخلوق ومن الدليل عليه انك تكتب الله وتحفظه وتدعوه فدعاؤك وحفظك وكتابتك وفعلك مخلوق والله هو الخالق قوله وقال كعب بن مالك حين تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون قد تقدم هذا مسندا في تفسير براءة في حديثه الطويل وفي آخره قال الله تعالى يعتذرون اليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله الآية قال الكرماني ومناسبته للترجمة من جهة التفويض والانقياد والتسليم ولا ينبغي لاحد ان يزكي عمله بل يفوض إلى الله سبحانه وتعالى قلت ومراد البخاري تسمية ذلك عملا كما تقدم من كلامه في الذي قبله قوله وقالت عائشة إذا اعجبك حسن عمل امرئ فقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ولا يستخفنك أحد قلت زعم مغلطاي ان عبد الله بن المبارك أخرج هذا الاثر في كتاب البر والصلة عن سفيان عن معاوية بن إسحاق عن عروة عن عائشة وقد وهم في ذلك وانما وقع هذا في قصة ذكرها البخاري في كتاب خلق أفعال العباد من رواية عقيل عن بن شهاب عن عروة عن عائشة قالت وذكرت الذي كان من شأن عثمان وددت أني كنت نسيا منسيا فوالله ما أحببت أن ينتهك من عثمان أمر قط الا انتهك مني مثله حتى والله لو أحببت قتله لقتلت يا عبيد الله بن عدي لا يغرنك
[ 421 ]
أحد بعد الذين تعلم فوالله ما احتقرت من أعمال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نجم النفر الذين طعنوا في عثمان فقالوا قولا لا يحسن مثله وقرءوا قراءة لا يحسن مثلها وصلوا صلاة لا يصلى مثلها فلما تدبرت الصنيع إذا هم والله ما يقاربون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أعجبك حسن قول امرئ فقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ولا يستخفنك أحد وأخرجه بن أبي حاتم من رواية يونس بن يزيد عن الزهري أخبرني عروة ان عائشة كانت تقول احتقرت أعمال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نجم القراء الذين طعنوا على عثمان فذكر نحوه وفيه فوالله ما يقاربون عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أعجبك حسن عمل امرئ منهم فقل اعملوا الخ والمراد بالقراء المذكورين الذين قاموا على عثمان وانكروا عليه أشياء اعتذر عن فعلها ثم كانوا مع علي ثم خرجوا بعد ذلك على علي وقد تقدمت أخبارهم مفصلة في كتاب الفتن ودل سياق القصة على ان المراد بالعمل ما أشارت إليه من القراءة والصلاة وغيرهما فسمت كل ذلك عملا وقولها في آخره ولا يستخفنك أحد بالخاء المعجمة المكسورة والفاء المفتوحة والنون الثقيلة للتأكيد قال بن التين عن الداودي معناه لا تغتر بمدح أحد وحاسب نفسك والصواب ما قاله غيره أن المعنى لا يغرنك أحد بعلمه فتظن به الخير الا ان رأيته واقفا عند حدود الشريعة قوله قال معمر ذلك الكتاب هذا القرآن هدى للمتقين بيان ودلالة كقوله ذلكم حكم الله هذا حكم الله لا ريب فيه لا شك تلك آيات الله يعني هذه أعلام القرآن ومثله حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم يعني بكم معمر هذا هو بن المثنى اللغوي أبو عبيدة وهذا المنقول عنه ذكره في كتاب مجاز القرآن ووهم من قال انه معمر بن راشد شيخ عبد الرزاق وقد اغتر مغلطاي بذلك فزعم ان عبد الرزاق أخرج ذلك في تفسيره عن معمر وليس ذلك في شئ من نسخ تفسير عبد الرزاق ولفظ أبي عبيدة ذلك الكتاب معناه هذا القرآن قال وقد تخاطب العرب الشاهد بمخاطبة الغائب وقد أنكر ثعلب هذه المقالة وقال استعمال أحد اللفظين موضع الآخر يقلب المعنى وانما المراد هذا القرآن هو ذلك الذي كانوا يستفتحون به عليكم وقال الكسائي لما كان القول والرسالة من السماء والكتاب والرسول في الارض قيل ذلك يا محمد وقال الفراء هو كقولك للرجل وهو يحدثك وذلك والله الحق فهو في اللفظ بمنزلة الغائب وليس بغائب وانما المعنى ذلك الذي سمعت به واستشهد أبو عبيدة بقوله تعالى حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة فلما جاز أن يخبر بضميرين مختلفين ضمير المخاطب للحاضر وضمير الغيبة عن الغائب في قصة واحدة فكذلك يجوز ان يخبر عن ضمير القريب بضمير البعيد وهو صنيع مشهور في كلام العرب يسميه أصحاب المعاني الالتفات وقيل الحكمة في هذا هنا ان كل من خوطب يجوز ان يركب الفلك لكن لما كان في العادة ان لا يركبها الا الاقل وقع الخطاب أولا للجميع ثم عدل إلى الاخبار عن البعض الذين من شأنهم الركوب وقال أيضا لا ريب فيه لا شك فيه هدى للمتقين أي بيان للمتقين ومناسبة هذه الآية لما تقدم من جهة ان الهداية نوع من التبليغ وقال في تفسير سورة أخرى تلك آيات هذه آيات وقال في تفسير سورة أخرى الآيات الاعلام وهذا قد تقدم في تفسير سورة يونس التنبيه عليه وأما قوله ومثله حتى إذا كنتم فمراده انه نظير استعمال ذلك موضع هذا فلما ساغ استعمال ما هو للبعيد للقريب جاز استعمال ما هو للغائب للحاضر ولفظ مثله بكسر الميم وسكون المثلثة
[ 422 ]
وضبطه بعضهم بضم الميم والمثلثة واللام وهو بعيد والاول هو الموجود في كتاب أبي عبيدة قاله في مقدمة كتابه المذكور فإنه قال ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد ثم حول إلى مخاطبة الغائب قوله تعالى حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم أي بكم ثم ذكر فيه أربعة أحاديث الحديث الاول قوله وقال أنس بعث النبي صلى الله عليه وسلم خاله حراما إلى قوم وقال اتؤمنوني حتى أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يحدثهم هذا طرف من حديث وصله المؤلف في الجهاد من طريق همام عن إسحاق بن عبيد الله بن أبي طلحة عن أنس قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم أقواما من بني سليم إلى بني عامر في سبعين راكبا فلما قدموا قال لهم خالي أتقدمكم فإن أمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والا كنتم قريبا مني فتقدم فأمنوه فبينما هو يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر القصة ولفظه في المغازي عن أنس فانطلق حرام أخو أم سليم فذكره وفيه وان قتلوني أتيتم أصحابكم فقال أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يحدثهم وأومؤا إلى رجل منهم فأتاه فطعنه من خلفه الحديث وسياقه في المغازي أقرب إلى اللفظ المعلق هنا وفي السياق حذف تقديره بعد قوله أتيتم أصحابكم فأتى المشركين فقال أتؤمنوني الحديث الثاني (7092) قوله حدثنا سعيد بن عبيد الله الثقفي كذا للاكثر ووقع في رواية القابسي عن أبي زيد سعيد بن عبد الله بفتح العين وسكون الموحدة قال أبو علي الجياني وكذا كان في نسخة أبي محمد الاصيلي الا انه أصلحه عبيد الله بالتصغير وقال هو سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية قوله عن جبير بن حية بمهملة وتحتانية ثقيلة وجبير هو والد زياد بن جبير الراوي عنه قوله قال المغيرة هو بن شعبة قوله أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا انه من قتل منا صار إلى الجنة هذا القدر هو المرفوع من الحديث وقد مضى بطوله وشواهده في كتاب الجزية وبيان الاختلاف في ضبط المعتمر بن سليمان المذكور في سنده بما أغنى عن اعادته الحديث الثالث (7093) قوله حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن إسماعيل عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت من حدثك ان محمد صلى الله عليه وسلم كتم شيئا وقال محمد حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا عن شعبة إسماعيل بن أبي خالد اما محمد بن يوسف فهو الفريابي كما جزم به أبو نعيم في المستخرج وأما س فيان فهو الثوري واما إسماعيل فهو بن أبي خالد المذكور في الرواية الثانية واما محمد المذكور أول الرواية الثانية فيحتمل أن يكون هو محمد بن يوسف الفريابي المذكور في الرواية الاولى فيكون موصولا ويحتمل ان يكون غيره فيكون معلقا وهو مقتضى صنيع المزي واما أبو نعيم فقال في المستخرج رواه عن محمد عن أبي عامر ومقتضاه ان يكون وقع عنده حدثنا محمد أو قال لي محمد لان عادته إذا وقع بصيغة قال مجردة أن يقول أخرجه بلا رواية يعني صيغة صريحة وأبو عامر العقدي هو عبد الملك بن عمرو وقد أخرجه الاسماعيلي من طريق أحمد بن ثابت عن أبي عامر العقدي مثل ما ساقه البخاري وزاد من حدثك ان الله رآه أحد من خلقه فلا تصدقه ان الله يقول لا تدركه الابصار وقد تقدم هذا القدر مفردا في باب قول الله تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا في كتاب التوحيد هذا عن محمد بن يوسف بهذا السند وزاد من حدثك انه يعلم الغيب الحديث وأخرجه أحمد عن غندر عن شعبة كذلك وقد تقدم الكلام على قصة الرؤية والغيب هناك وكل ما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم فله بالنسبة إليه طرفان طرف
[ 423 ]
الاخذ من جبريل عليه السلام وقد مضى في الباب السابق وطرف الاداء للامة وهو المسمى بالتبليغ وهو المقصود هنا الحديث الرابع حديث عبد الله هو بن مسعود أي الذنب أكبر تقدم قريبا في باب قوله تعالى فلا تجعلوا لله أندادا وزاد في آخره هنا فأنزل الله تصديقها (7094) والذين لا يدعون مع الله الها آخر إلى آخر الآية ومناسبته للترجمة أن التبليغ على نوعين أحدهما وهو الاصل ان يبلغه بعينه وهو خاص بما يتعبد بتلاوته وهو القرآن وثانيهما أن يبلغ ما يستنبط من أصول ما تقدم انزاله فينزل عليه موافقته فيما استنبطه اما بنصه واما بما يدل على موافقته بطريق الاولى كهذه الآية فانها اشتملت على الوعيد الشديد في حق من أشرك وهي مطابقة للنص وفي حق من قتل النفس بغير حق وهي مطابقة للحديث بطريق الاولى لان القتل بغير حق وان كان عظيما لكن قتل الولد أشد قبحا من قتل من ليس بولد وكذا القول في الزناة فان الزنا بحليلة الجار أعظم قبحا من مطلق الزنا ويحتمل ان يكون إنزال هذه الآية سابقا على اخباره صلى الله عليه وسلم بما أخبر به لكن لم يسمعها الصحابي الا بعد ذلك ويحتمل أن يكون كل من الامور الثلاثة نزل تعظيم الاثم فيه سابقا ولكن اختصت هذه الآية بمجموع الثلاثة في سياق واحد مع الاقتصار عليها فيكون المراد بالتصديق الموافقة في الاقتصار عليها فعلى هذا فمطابقة الحديث للترجمة ظاهرة جدا والله أعلم واستدل أبو المظفر بن السمعاني بآيات الباب وأحاديثه على فساد طريقة المتكلمين في تقسيم الاشياء إلى جسم وجوهر وعرض قالوا فالجسم ما اجتمع من الافتراق والجوهر ما حمل العرض والعرض مالا يقوم بنفسه وجعلوا الروح من الاعراض وردوا الاخبار في خلق الروح قبل الجسد والعقل قبل الخلق واعتمدوا على حدسهم وما يؤدي إليه نظرهم ثم يعرضون عليه النصوص فما وافقه قبلوه وما خالفه ردوه ثم ساق هذه الآيات ونظائرها من الامر بالتبليغ قال وكان مما أمر بتبليغه التوحيد بل هو أصل ما أمر به فلم يترك شيئا من أمور الدين أصوله وقواعده وشرائعه الا بلغه ثم لم يدع الا الاستدلال بما تمسكوا به من الجوهر والعرض ولا يوجد عنه ولا عن أحد من أصحابه من ذلك حرف واحد فما فوقه فعرف بذلك انهم ذهبوا خلاف مذهبهم وسلكوا غير سبيلهم بطريق محدث مخترع لم يكن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم ويلزم من سلوكه العود على السلف بالطعن والقدح ونسبتهم إلى قلة المعرفة واشتباه الطرق فالحذر من الاشتغال بكلامهم والاكتراث بمقالاتهم فانها سريعة التهافت كثيرة التناقض وما من كلام تسمعه لفرقة منهم الا وتجد لخصومهم عليه كلاما يوازنه أو يقاربه فكل بكل مقابل وبعض ببعض معارض وحسبك من قبيح ما يلزم من طريقتهم انا إذا جرينا على ما قالوه وألزمنا الناس بما ذكروه لزم من ذلك تكفير العوام جميعا لانهم لا يعرفون الا الاتباع المجرد ولو عرض عليهم هذا الطريق ما فهمه أكثرهم فضلا عن أن يصير منهم صاحب نظر وانما غاية توحيدهم التزام ما وجدوا عليه أئمتهم في عقائد الدين والعض عليها بالنواجذ والمواظبة على وظائف العبادات وملازمة الاذكار بقلوب سليمة طاهرة عن الشبه والشكوك فتراهم لا يحيدون عما اعتقدوه ولو قطعوا اربا اربا فهنيئا لهم هذا اليقين وطوبى لهم هذه السلامة فإذا كفر هؤلاء وهم السواد الاعظم وجمهور الامة فما هذا الا طي بساط الاسلام وهدم منار الدين والله المستعان (0) قوله باب قول الله تعالى قل فأتوا بالتوراة
[ 424 ]
فاتلوها مراده بهذه الترجمة أن يبين أن المراد بالتلاوة القراءة وقد فسرت التلاوة بالعمل والعمل من فعل العامل وقال في كتاب خلق أفعال العباد ذكر صلى الله عليه وسلم أن بعضهم يزيد على بعض في القراءة وبعضهم ينقص فهم يتفاضلون في التلاوة بالكثرة والقلة وأما المتلو وهو القرآن فإنه ليس فيه زيادة ولا نقصان ويقال فلان حسن القراءة وردئ القراءة ولا يقال حسن القرآن ولا ردئ القرآن وانما يسند إلى العبادة القراءة لا القرآن لان القرآن كلام الرب سبحانه وتعالى والقراءة فعل العبد ولا يخفى هذا الا على من لم يوفق ثم قال تقول قرأت بقراءة عاصم وقراءتك على قراءة عاصم ولو ان عاصما حلف أن لا يقرأ اليوم ثم قرأت أنت على قراءته لم يحنث هو قال وقال أحمد لا تعجبني قراءة حمزة قال البخاري ولا يقال لا يعجبني القرآن فظهر افتراقهما قوله وقول النبي صلى الله عليه وسلم أعطي أهل التوراة التوراة الخ وصله في آخر هذا الباب بلفظ أوتي في الموضوعين وأوتيتم وقد مضى في اللفظ المعلق أعطي وأعطيتم في باب المشيئة والارادة في أول كتاب التوحيد قوله وقال أبو رزين براء ثم زاي بوزن عظيم هو مسعود بن مالك الاسدي الكوفي من كبار التابعين قوله يتلونه حق تلاوته يعملون به حق عمله كذا لابي ذر ولغيره يتلونه يتبعونه ويعملون به حق عمله وهذا وصله سفيان الثوري في تفسيره من رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عنه عن منصور بن المعتمر عن أبي رزين في قوله تعالى يتلونه حق تلاوته قال يتبعونه حق اتباعه ويعملون به حق عمله قال بن التين وافق أبا رزين عكرمة واستشهد بقوله تعالى والقمر إذا تلاها أي تبعها وقال الشاعر قد جعلت دلوي تستتليني وقال قتادة هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا بكتاب الله وعملوا بما فيه قوله يقال يتلى يقرأ هو كلام أبي عبيدة في كتاب المجاز في قوله تعالى انا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم يقرأ عليهم وفي قوله تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ما كنت تقرأ كتابا قبل القرآن قوله حسن التلاوة حسن القراءة للقرآن قال الراغب التلاوة الاتباع وهي تقع بالجسم تارة وتارة بالاقتداء في الحكم وتارة بالقراءة وتدبر المعنى والتلاوة في عرف الشرع تختص باتباع كتب الله تعالى المنزلة تارة بالقراءة وتارة بامتثال ما فيه من أمر ونهي وهي أعم من القراءة فكل قراءة تلاوة من غير عكس قوله لا يمسه لا يجد طعمه ونفعه الا من آمن بالقرآن ولا يحمله بحقه الا الموقن وفي رواية المستملي المؤمن لقوله ت عالى مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا وحاصل هذا التفسير ان معنى لا يمس القرآن لا يجد طعمه ونفعه الا من آمن به وأيقن بأنه من عند الله فهو المطهر من الكفر ولا يحمله بحقه الا المطهر من الجهل والشك لا الغافل عنه الذي لا يعمل فيكون كالحمار الذي يحمل ما لا يدريه قوله وسمى النبي صلى الله عليه وسلم الاسلام والايمان والصلاة عملا اما تسميته صلى الله عليه وسلم الاسلام عملا فاستنبطه المصنف من حديث سؤال جبريل عن الايمان والاسلام فقال قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين سأله عن الايمان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ثم قال ما الاسلام قال تشهد ان لا إله إلا الله وأني رسول الله ثم ساقه من حديث بن عمر عن عمر بلفظ فقال يا رسول الله ما الاسلام قال أن تسلم وجهك لله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت الحديث وساقه من حديث أنس بنحوه قال فسمى الايمان والاسلام والاحسان والصلاة بقراءتها وما فيها من حركات الركوع والسجود فعلا انتهى والحديث الاول
[ 425 ]
أسنده في كتاب الايمان عن أبي هريرة والثاني أخرجه مسلم وأما تسمية الايمان عملا فهو في الحديث المعلق في الباب أي العمل أفضل قال ايمان بالله الحديث وقد أعاده في باب والله خلقكم وما تعملون وأما تسمية الصلاة عملا فهو في الباب الذي يليه كما سيأتي بيانه قوله وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال الخ تقدم موصولا مشروحا في مناقب بلال من مناقب الصحابة رضي الله عنهم ودخوله فيه ظاهر من حيث ان الصلاة لا بد فيها من القراءة قوله وسئل أي العمل أفضل قال ايمان بالله ورسوله ثم الجهاد ثم حج مبرور وهو حديث وصله في كتاب الايمان وفي الحج من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وأورده في كتاب خلق أفعال العباد من وجهين آخرين عن الزهري ومن وجهين آخرين عن إبراهيم بن سعد وأورده فيه من طريق أبي جعفر عن أبي هريرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول أفضل الاعمال عند الله ايمان لا شك فيه الحديث وهو أصرح في مراده لكن ليس سنده على شرطه في الصحيح وقد أخرجه أحمد والدارمي وصححه بن حبان وأخرج البخاري فيه أيضا من حديث عبد الله بن حبشي بضم المهملة وسكون الموحدة بعدها معجمة وياء كياء النسب مثل حديث أبي جعفر عن أبي هريرة وهو عند أحمد والدارمي وأورد فيه حديث أبي ذر انه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الاعمال خير قال ايمان بالله وجهاد في سبيله وقد تقدم في العتق وحديث عائشة نحو حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وهو عند أحمد بمعناه وحديث عبادة بن الصامت ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الاعمال أفضل فقال ايمان بالله وتصديق بكتابه قال فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الايمان والتصديق والجهاد والحج عملا ثم أورد حديث معاذ قلت يا رسول الله أي الاعمال احب إلى الله قال ان تموت ولسانك رطب من ذكر الله قال فبين ان ذكر الله وتعالى هو العمل ثم ذكر حديث انما بقاؤكم فيمن سلف من الامم أي زمن بقاؤكم بالنسبة إلى زمن الامم السالفة وقد تقدم في مواقيت الصلاة مشروحا واحد طرفي التشبيه محذوف والمراد باقي النهار وعبدان شيخه هو عبد الله بن عثمان وعبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد وسالم هو بن عبد الله بن عمر وقوله (7095) فيه حتى غربت الشمس في رواية الكشميهني حتى غروب الشمس وقوله هل وظلمتكم من حقكم من شئ في رواية الكشميهني شيئا قال بن بطال معنى هذا الباب كالذي قبله ان كل ما ينشئه الانسان مما يؤمر به من صلاة أو حج أو جهاد وسائر الشرائع عمل يجازى على فعله ويعاقب على تركه أن انفذ الوعيد انتهى وليس غرض البخاري هنا بيان ما يتعلق بالوعيد بل ما أشرت إليه قبل وتشاغل بن التين ببعض ما يتعلق بلفظ حديث بن عمر فنقل عن الداودي انه أنكر قوله في الحديث انهم اعطوا قيراطا وتمسك بما في حديث أبي موسى انهم قالوا لا حاجة لنا في أجرك ثم قال لعل هذا في طائفة أخرى وهم من آمن بنبيه قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا الاخير هو المعتمد وقد أوضحته بشواهده في كتاب المواقيت وفي تشاغل من شرح هذا الكتاب بمثل هذا هنا اعراض عن مقصود المصنف هنا وحق الشارح بيان مقاصد المصنف تقريرا وانكارا وبالله المستعان (0) قوله باب كذا لهم بغير ترجمة وهو كالفصل من الباب الذي قبله وهو ظاهر قوله وسمى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عملا وقال لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب اما التعليق الاول فمذكور في حديث بن مسعود في الباب
[ 426 ]
واما الثاني فمضى في كتاب الصلاة من حديث عبادة بن الصامت (7096) قوله حدثني سليمان هو بن حرب قوله عن الوليد وحدثني عباد اما الوليد فهو بن العيزار المذكور في السند الثاني والقائل حدثني عباد هو البخاري وعباد هذا شيخه هنا مذكور بالرفض ولكنه موصوف بالصدق وليس له عند البخاري الا هذا الحديث الواحد وساقه على لفظه وقد تقدم لفظ شعبة في باب فضل الصلاة لوقتها في أبواب المواقيت من كتاب الصلاة وفيه ثم أي ثم أي في الموضعين وأوله سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل احب إلى الله وعرف منه تسمية المبهم في هذه الرواية حيث قال فيها ان رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الاعمال أفضل فيحتمل ان يكون الراوي حدث به بالمعنى فأبهم السائل ذهولا عن انه الراوي كما حدث من صورة السؤال الترتيب في قوله قلت ثم أي ويحتمل ان يكون بن مسعود حدث به على الوجهين والاول أقرب وأبو عمرو الشيباني شيخ الوليد بن العيزار هو سعد بن إياس أحد كبار التابعين والشيباني الراوي عن العيزار هو أبو إسحاق الكوفي واسمه سليمان وهو تابعي صغير وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق ورجال سنده كلهم كوفيون وقد أخرجه الاسماعيلي من رواية أحمد بن إبراهيم الموصلي عن عباد بن العوام فقال في روايته عن أبي إسحاق يعني الشيباني وقال فيه سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم أو قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الاعمال أيها أفضل فهذا مما يؤيد الاحتمال الاول وان الراوي لم يضبط اللفظ وشعبه أتقن من الشيباني واضبط لالفاظ الحديث فروايته هي المعتمدة والله أعلم (0) قوله باب قول الله تعالى ان الانسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا سقط لابي ذر لفظ قول الله تعالى وزاد في روايته هلوعا ضجورا وهو تفسير أبي عبيدة قال خلق هلوعا أي ضجورا والهلاع مصدر وهو أشد الجزع (7097) قوله عن الحسن هو البصري والسند كله بصريون وعمرو بن تغلب بالمثناة المفتوحة والمعجمة الساكنة واللام المكسورة بعدها موحدة هو النمري بفتح الميم والنون والتخفيف وقد تقدم شرح حديثه هذا في فرض الخمس والغرض منه قوله فيه لما في قلوبهم من الجزع والهلع قال بن بطال مراده في هذا الباب اثبات خلق الله تعالى للانسان بأخلاقه من الهلع والصبر والمنع ولا عطاء وقد استثنى الله المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون لا يضجرون بتكررها عليهم ولا يمنعون حق الله في أموالهم لانهم يحتسبون بها الثواب ويكسبون بها التجارة الرابحة في الآخرة وهذا يفهم منه أن من ادعى لنفسه قدرة وحولا بالامساك والشح والضجر من الفقر وقلة الصبر لقدر الله تعالى ليس بعالم ولا عابد لان من ادعى أن له قدرة على نفع نفسه أو دفع الضر عنها فقد افترى انتهى ملخصا وأوله كاف في المراد فان قصد البخاري أن الصفات المذكورة بخلق الله تعالى في الانسان لا أن الانسان يخلقها بفعله وفيه أن الرزق في الدنيا ليس على درجة المرزوق في الآخرة واما في الدنيا فانما تقع العطية والمنع بحسب السياسة الدنيوية فكان صلى الله عليه وسلم يعطي من يخشى عليه الجزع والهلع لو منع ويمنع من يثق بصبره واحتماله وقناعته بثواب الآخرة وفيه ان البشر جبلوا على حب العطاء وبغض المنع والاسراع إلى إنكار ذلك قبل الفكرة في عاقبته الا من شاء الله وفيه أن المنع قد يكون خيرا للممنوع كما قال تعالى وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم ومن ثم قال الصحابي ما احب ان لي بتلك الكلمة حمر النعم والباء في قوله بتلك
[ 427 ]
للبدلية أي ما أحب ان لي بدل كلمته النعم الحمر لان الصفة المذكورة تدل على قوة ايمانه المفضي به لدخول الجنة وثواب الآخرة خير وأبقى وفيه استئلاف من يخشى جزعه أو يرجى بسبب اعطائه طاعة من يتبعه والاعتذار إلى من ظن ظنا والامر بخلافه (0) قوله باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وروايته عن ربه يحتمل ان تكون الجملة الاولى محذوفة المفعول والتقدير ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ربه عزوجل ويحتمل أن يكون ضمن الذكر معنى التحديث فعداه بعن فيكون قوله عن ربه متعلق بالذكر والرواية معا وقد ترجم هذا في كتاب خلق أفعال العباد بلفظ ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر ويروي عن ربه وهو أوضح وقد قال بن بطال معنى هذا الباب ان النبي صلى الله عليه وسلم روى عن ربه السنة كما روى عنه القرآن انتهى والذي يظهر ان مراده تصحيح ما ذهب إليه كما تقدم التنبيه عليه في تفسير المراد في كلام الله سبحانه وتعالى وذكر فيه خمسة أحاديث الحديث الاول (7098) قوله حدثني محمد بن عبد الرحيم هو أبويحيى البغدادي الملقب صاعقة وأبو زيد من شيوخ البخاري قد حدث عنه بلا واسطة في باب إذا رأى المحرمون صيدا في أواخر كتاب الحج وكذا في غزوة الحديبية قوله عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم هذه رواية قتادة وخالفه سليمان التيمي كما في الحديث الثاني فقال عن أنس عن أبي هريرة فالاول مرسل صحابي قوله يرويه عن ربه عزوجل في رواية الاسماعيلي من طريق محمد بن جعفر ومن طريق حجاج بن محمد كلاهما عن شعبة سمعت قتادة يحدث عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال ربكم وفي رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة ومن طريقه أخرجه أبو نعيم يقول الله قال الاسماعيلي قوله قال ربكم وقوله يرويه عن ربكم سواء أي في المعنى قوله إذا تقرب العبد الي شبرا في رواية الاسماعيلي مني وفي رواية الطيالسي ان تقرب مني عبدي والاصل هنا الاتيان بمن لكن يفيد استعمال إلى بمعنى الانتهاء فهو أبلغ قوله تقربت إليه ذراعا وإذا تقرب الي في رواية الكشميهني مني وكذا للاسماعيلي والطيالسي قوله ذراعا تقربت منه باعا وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة لم يقع وإذا أتاني الخ في رواية الطيالسي قال بن بطال وصف سبحانه نفسه بأنه يتقرب إلى عبده ووصف العبد بالتقرب إليه ووصفه بالاتيان والهرولة كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز فحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتداني الاجسام وذلك في حقه تعالى محال فلما استحالت الحقيقة تعين المجاز لشهرته في كلام العرب فيكون وصف العبد بالتقرب إليه شبرا وذراعا واتيانه ومشيه معناه التقرب إليه بطاعته واداء مفترضاته ونوافله ويكون تقربه سبحانه من عبده واتيانه والمشي عبارة عن إثابته على طاعته وتقربه من رحمته ويكون قوله أتيته هرولة أي أتاه ثوابي مسرعا ونقل عن الطبري انه انما مثل القليل من الطاعة بالشبر منه والضعف من الكرامة والثواب بالذراع فجعل ذلك دليلا على م بلغ كرامته لمن أدمن على طاعته ان ثواب عمله له على عمله الضعف وان الكرامة مجاوزة حده إلى ما يثيبه الله تعالى وقال بن التين القرب هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى فان المراد به قرب الرتبة وتوفير الكرامة والهرولة كناية عن سرعة الرحمة إليه ورضى الله عن العبد وتضعيف الاجر قال والهرولة ضرب من المشي السريع وهي دون العدو وقال صاحب المشارق المراد بما جاء في هذا الحديث سرعة قبول توبة الله للعبد أو تيسير طاعته وتقويته
[ 428 ]
عليها وتمام هدايته وتوفيقه والله أعلم بمراده وقال الراغب قرب العبد من الله التخصيص بكثير من الصفات التي يصح ان يوصف الله بها وان لم تكن على الحد الذي يوصف به الله تعالى نحو الحكمة والعلم والحلم والرحمة وغيرها وذلك يحصل بإزالة القاذورات المعنوية من الجهل والطيش والغضب وغيرها بقدر طاقة البشر وهو قرب روحاني لا بدني وهو المراد بقوله إذا تقرب العبد مني شبرا تقربت منا ذراعا الحديث الثاني (7099) قوله يحيى هو بن سعيد القطان والتيمي هو سليمان بن طرخان قوله ربما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا تقرب العبد مني كذا للجميع ليس فيه الرواية عن الله تعالى وكذا أخرجه الاسماعيلي من رواية محمد بن خلاد عن يحيى القطان وأخرجه من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن يحيى فقال فيه عن أبي هريرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله عزوجل وقال مسلم حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى هو بن سعيد وابن أبي عدي كلاهما عن سليمان فذكره بلفظ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله عزوجل قوله وإذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا أو بوعا كذا فيه بالشك وكذا في رواية مسلم والاسماعيلي وقد تقدم في باب قول الله تعالى ويحذركم الله نفسه بغير شك من رواية أبي صالح عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله عزوجل أنا عند ظن عبدي بي فذكر الحديث وفيه وان تقرب الي شبرا تقربت إليه ذراعا وان تقرب الي ذراعا تقربت إليه باعا ووقع ذكر الهرولة في حديث أبي ذر الذي أوله رفعه يقول الله تعالى من عمل حسنة فجزاؤه عشر أمثالها وفيه ومن تقرب إليه شبرا الحديث وفي آخره ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن أتاني بقراب الارض خطيئة لم يشرك بي شيئا جعلتها له مغفرة أخرجه مسلم قال الخطابي الباع معروف وهو قدر مد اليدين واما البوع بفتح الموحدة فهو مصدر باع يبوع بوعا قال ويحتمل ان يكون بضم الباء جمع باع مثل دار ودور وأغرب النووي فقال الباع والبوع والبوع بالضم والفتح كله بمعنى فان أراد ما قال الخطابي والا لم يصرح أحد بأن البوع بالضم والباع بمعنى واحد وقال الباجي الباع طول ذراعي الانسان وعضديه وعرض صدره وذلك قدر أربعة أذرع وهو من الدواب قدر خطوها في المشي وهو ما بين قوائمها وزاد مسلم في روايته المذكورة وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة وفي رواية بن أبي عدي عن سليمان التيمي عند الاسماعيلي وإذا تقرب مني بوعا أتيته هرولة قوله وقال معتمر هو بن سليمان التيمي المذكور وأراد بهذا التعليق بيان التصريح بالرواية فيه عن الله عزوجل وقد وصله مسلم وغيره من رواية المعتمر كما سأنبه عليه قوله عن أبي هريرة عن ربه عزوجل كذا سقط من رواية أبي ذر عن السرخسي والكشميهني لفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبتت للمستملي والباقين وقال عياض عن الاصيلي لم يكن عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الفربري وقد ألحقها عبدوس قلت وثبتت عند مسلم عن محمد بن عبد الاعلى عن المعتمر ولم يسق لفظه لكنه أحال به على رواية محمد بن بشار وأخرجه الاسماعيلي عن القاسم بن زكريا عن محمد بن عبد الاعلى فقال في سياقه عن أبيه حدثني أنس أن أبا هريرة حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حدثه عن ربه تعالى ووصلها الاسماعيلي أيضا من رواية عبيد الله بن معاذ حدثنا المعتمر قال حدث أبي عن أنس ان أبا هريرة حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه حدثه عن ربه تبارك وتعالى ووصله أبو نعيم من طريق إسحاق بن إبراهيم الشهيد حدثنا المعتمر عن أبيه عن أنس
[ 429 ]
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عزوجل ووقع عند بن حبان في صحيحه من طريق الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني حدثنا معتمر بن سليمان حدثني أبي أخبرني أنس بن مالك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل إذا تقرب العبد مني شبرا فذكره وقال فيه باعا ولم يشك وفي آخره أتيته هرولة وزاد وان هرول سعيت إليه والله أسرع بالمغفرة قال البرقاني بعد أن أخرجه في مستخرجه من طريق الحسن بن سفيان لم أجد هذه الزيادة في حديث غيره يعني محمد بن المتوكل انتهى وهو صدوق عارف بالحديث عنده غرائب وأفراد وهو من شيوخ أبي داود في السنن والقول في معناه كما تقدم قال الخطابي في مثل مضاعفة الثواب يقبل من أقبل نحو آخر قدر شبر فاستقبله بقدر ذراع قال ويحتمل ان يكون معناه التوفيق له بالعمل الذي يقربه منه وقال الكرماني لما قامت البراهين على استحالة هذه الاشياء في حق الله تعالى وجب أن يكون المعنى من تقرب الي بطاعة قليلة جازيته بثواب كثير وكلما زاد في الطاعة أزيد في الثواب وان كانت كيفية اتيانه بالطاعة بطريق التأني يكون كيفية اتياني بالثواب بطريق الاسراع والحاصل ان الثواب راجح على العمل بطريق الكيف والكم ولفظ القرب والهرولة مجاز على سبيل المشاكلة أو الاستعارة أو إرادة لوازمها الحديث الثالث حديث محمد بن زياد وهو الجمحي سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربكم قال لكل عمل كفارة والصوم لي وانا أجزي به في رواية محمد بن جعفر وهو غندر عن شعبة يرويه عن ربه عزوجل لكل عمل كفارة الا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به أخرجه أحمد عنه وأورده الاسماعيلي من طريق غندر وأورده من طريق علي بن أبي الجعد ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة بلفظ لكل عمل كفارة وقد تقدم شرحه في كتاب الصيام الحديث الرابع حديث أبي العالية وهو رفيع بفاء مصغر الرياحي بكسر الراء بعدها تحتانية ثم حاء مهملة عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه وأورده من طريق شعبة ومن طريق سعيد وهو بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة عنه وساقه على لفظ سعيد وقد تقدم في ترجمة يونس عليه السلام من أحاديث الانبياء عليهم الصلاة والسلام عن حفص بن عمر بالسند المذكور هنا ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما ينبغي لعبد فذكره وأخرجه في تفسير سورة الانعام من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة كذلك وصرح فيه بالتحديث عن بن عباس ولفظه عن أبي العالية حدثني بن عم نبيكم صلى الله عليه وسلم يعني بن عباس قال أبو داود بعد ان أخرجه عن حفص بن عمر عن شعبة لم يسمع قتادة من أبي العالية الا ثلاثة أحاديث وفي موضع آخر أربعة أحاديث هذا أحدها قلت قد أخرجه مسلم من طريق محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن قتادة سمعت أبا العالية وكذا أخرجه الاسماعيلي من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة ولم ار في شئ من الطرق عن شعبة فيه عن ربه ولا عن الله عزوجل وكذا تقدم في آخر تفسير النساء من حديث بن مسعود ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنهما ليس فيه عن ربه وحكى بن التين عن الداودي قال أكثر الروايات ليس فيها فيما يروي عن ربه فان كان هذا محفوظا فهو ممن سوى النبي صلى الله عليه وسلم وساق الكلام على ذلك كما مضى في أحاديث الانبياء عليهم الصلاة والسلام وهو وارد سواء كان في الرواية عن ربه أو لم يكن بخلاف ما يوهمه كلامه الحديث الخامس (7102) قوله حدثنا أحمد بن أبي سريج
[ 430 ]
وهو بمهملة ثم جيم وهو أحمد بن عمر فقيل هو اسم أبي سريج وقيل أبو سريج جد أحمد وأحمد يكنى أبا جعفر قوله عبد الله بن المغفل بالغين المعجمة وتشديد الفاء وفي رواية حجاج بن منهال عن شعبة أخبرني أبو إياس وهو معاوية بن قرة سمعت عبد الله بن المغفل تقدم في فضائل القرآن قوله سورة الفتح أو من سورة الفتح في رواية حجاج سورة الفتح ولم يشك قوله فرجع فيها بتشديد الجيم أي ردد الصوت في الحلق والجهر بالقول مكررا بعد خفائه ووقع في رواية آدم عن شعبة وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة لينة يرجع فيها أخرجه في فضائل القرآن أيضا قوله ثم قرأ معاوية بن قرة يحكى قراءة بن مغفل هو كلام شعبة وظاهره ان معاوية قرأ ورجع ووقع في رواية مسلم بن إبراهيم في تفسير سورة الفتح عن شعبة قال معاوية لو شئت ان أحكي لكم قراءته لفعلت وفي غزوة الفتح عن أبي الوليد عن شعبة لولا ان يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع وهذا ظاهره انه لم يرجع وهو المعتمد ويحمل الاول على انه حكى القراءة دون الترجيع بدليل قوله في آخره كيف كان ترجيعه وقد أخرجه الاسماعيلي من وجه آخر عن شعبة فقال فيه قال معاوية لولا ان أخشى ان يجتمع عليكم الناس لحكيت لكم عن عبد الله بن مغفل ما حكى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فقلت لمعاوية أبي بن قرة والقائل شعبة قوله كيف كان ترجيعه قال آ آ آ ثلاث مرات قال ابن بطال في هذا الحديث إجازة القراءة بالترجيع والالحان الملذذة للقلوب بحسن الصوت وقول معاوية لولا ان يجتمع الناس يشير إلى ان القراءة بالترجيع تجمع نفوس الناس إلى الاصغاء وتستميلها بذلك حتى لا تكاد تصبر عن استماع الترجيع المشوب بلذة الحكمة المهيمة وفي قوله آ بمد الهمزة والسكوت دلالة على انه صلى الله عليه وسلم كان يراعي في قراءته المد والوقف انتهى وقد تقدم شرح هذا كله في أواخر فضائل القرآن في باب الترجيع وقال القرطبي يحتمل ان يكون حكاية صوته عند هز الراحلة كما يعتري رافع صوته إذا كان راكبا من انضغاط صوته وتقطيعه لاجل هز المركوب وبالله التوفيق قال بن بطال وجه دخول حديث عبد الله بن مغفل في هذا الباب انه صلى الله عليه وسلم كان أيضا يروي القرآن عن ربه كذا قال فقال الكرماني الرواية عن الرب أعم من أن تكون قرآنا أو غيره بدون الواسطة وبالواسطة وان كان المتبادر هو ما كان بغير الواسطة والله اعلم (0) قوله باب ما يجوز من تفسير التوراة وكتب الله كذا لابي ذر ولغيره من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله تعالى وكل منهما من عطف العام على الخاص لان التوراة من كتب الله قوله بالعربية وغيرها أي من اللغات في رواية الكشميهني بالعبرانية وغيرها ولكن وجه والحاصل ان الذي بالعربية مثلا يجوز التعبير عنه بالعبرانية وبالعكس وهل يتقيد الجواز بمن لا يفقه ذلك اللسان أو لا الاول قول الاكثر قوله لقول الله تعالى قل فاتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين وجه الدلالة أن التوراة بالعبرانية وقد أمر الله تعالى أن تتلى على العرب وهم لا يعرفون العبرانية فقضية ذلك الاذن في التعبير عنها بالعربية ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث الحديث الاول قوله وقال بن عباس أخبرني أبو سفيان بن الحرب أن هرقل دعا ترجمانه في رواية الكشميهني بترجمانه ثم دعا بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم هذا طرف من الحديث الطويل الذي تقدم موصولا في بدء الوحي وفي عدة
[ 431 ]
مواضع وتقدم شرحه في أول الكتاب وفي تفسير سورة آل عمران ووجه الدلالة منه ان النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل باللسان العربي ولسان هرقل رومي ففيه اشعار بأنه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجم عنه بلسان المبعوث إليه يفهمه والمترجم المذكور هو الترجمان وكذا وقع واستدل البخاري في كتاب خلق أفعال العباد بقصة هرقل لمطلوبه ان القراءة فعل القارئ فقال قد كتب النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه إلى قيصر بسم الله الرحمن الرحيم قرأه ترجمان قيصر على قيصر وأصحابه ولا يشك في قراءة الكفار انها أعمالهم واما المقروء فهو كلام الله تعالى ليس بمخلوق ومن حلف بأصوات الكفار ونداء المشركين لم يكن عليه يمين بخلاف ما لو حلف بالقرآن الحديث الثاني حديث أبي هريرة حدثنا محمد بن بشار ذكره بهذا الاسناد في تفسير البقرة وفي باب لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ من كتاب الاعتصام وهنا وهو من نوادر ما وقع له فإنه لا يكاد يخرج الحديث في مكانين فضلا عن ثلاثة بسياق واحد بل يتصرف في المتن بالاختصار والاقتصار وبالتمام وفي السند بالوصل والتعليق من جميع أوجه وفي الرواة بسياقه عن راو غير الآخر فبحسب ذلك لا يكون مكررا على الاطلاق ويندر له ما وقع هنا وانما وقع ذلك غالبا حيث يكون المتن قصيرا والسند فردا وقد سبق الكلام على بعضه في تفسير سورة البقرة قال بن بطال استدل بهذا الحديث من قال تجوز قراءة القرآن بالفارسية وأيد ذلك بأن الله تعالى حكى قول الانبياء عليهم السلام كنوح عليه السلام وغيره ممن ليس عربيا بلسان القرآن وهو عربي مبين وبقوله تعالى لانذركم به ومن بلغ والانذار انما يكون بما يفهمونه من لسانهم فقراءة أهل كل لغة بلسانهم حتى يقع لهم الانذار به قال وأجاب من منع بأن الانبياء عليهم الصلاة والسلام ما نطقوا الا بما حكى الله عنهم في القرآن سلمنا ولكن يجوز أن يحكي الله قولهم بلسان العرب ثم يتعبدنا بتلاوته على من أنزله ثم نقل الاختلاف في أجزاء صلاة من قرأ فيها بالفارسي ومن أجاز ذلك عند العجز دون الامكان وعمم وأطال في ذلك والذي يظهر التفصيل فان كان القارئ قادرا على التلاوة باللسان العربي فلا يجوز له العدول عنه ولا تجزئ صلاته وان كان عاجزا وان كان خارج الصلاة فلا يمتنع عليه القراءة بلسانه لانه معذور وبه حاجة إلى حفظ ما يجب عليه فعلا وتركا وان كان داخل الصلاة فقد جعل الشارع له بدلا وهو الذكر وكل كلمة من الذكر لا يعجز عن النطق بها من ليس بعربي فيقولها ويكررها فتجزئ عن الذي يجب عليه قراءته في الصلاة حتى يتعلم وعلى هذا فمن دخل في الاسلام أو أراد الدخول فيه فقرئ عليه القرآن فلم يفهمه فلا بأس أن يعرب له لتعريف أحكامه أو لتقوم عليه الحجة فيدخل فيه واما الاستدلال لهذه المسألة بهذا الحديث وهو قوله إذا حدثكم أهل الكتاب فهو وان كان ظاهره أن ذلك بلسانهم فيحتمل ان يكون بلسان العرب فلا يكون نصا في الدلالة ثم المراد بإيراد هذا الحديث في هذا الباب ليس ما تشاغل به بن بطال وانما المراد منه كما قال البيهقي فيه دليل على ان أهل الكتاب ان صدقوا فيما فسروا من كتابهم بالعربية كان ذلك مما أنزل إليهم على طريق التعبير عما أنزل وكلام الله واحد لا يختلف باختلاف اللغات فبأي لسان قرئ فهو كلام الله ثم اسند عن مجاهد في قوله تعالى لانذركم به ومن بلغ يعني ومن أسلم من العجم وغيرهم قال البيهقي وقد يكون لا يعرف العربية فإذا بلغه معناه بلسانه فهو له نذير وقد تقدم الكلام على هذه الآية في أول الباب الذي قبل هذا بثلاثة أبواب الحديث الثالث
[ 432 ]
حديث بن عمر في رجم اليهوديين وقد تقدم شرحه في كتاب الحدود وإسماعيل في السند هو بن إبراهيم بن مقسم المعروف بابن علية وأيوب هو السختياني وقوله (7104) فيه فقالوا لرجل ممن يرضون أعور اقرأ كذا للكشميهني وهو مجرور بالفتحة صفة رجل وفي رواية غيره يا أعور وهو بالرفع وقوله فوضع يده عليها أي على آية الرجم وعند الكشميهني عليه أي على الموضع قوله قال ارفع يدك كذا أبهم القائل وتقدم انه عبد الله بن سلام والواضع هو عبد الله بن صوريا وقوله نتكاتمه أي الرجم وعند الكشميهني نتكاتمها أي الآية (0) قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الماهر أي الحاذق والمراد به هنا جودة التلاوة مع حسن الحفظ قوله مع سفرة الكرام البررة كذا لابي ذر إلا عن الكشميهني فقال مع السفرة وهو كذلك للاكثر والاول من إضافة الموصوف إلى صفته والمراد بالسفرة الكتبة جمع سافر مثل كاتب وزنه ومعناه وهم هنا الذين ينقلون من اللوح المحفوظ فوصفوا بالكرام أي المكرمين عند الله تعالى والبررة أي المطيعين المطهرين من الذنوب وأصل الحديث تقدم مسندا في التفسير لكن بلفظ مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة وأخرجه مسلم بلفظه من طريق زرارة بن أبي أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة مرفوعا الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة قال القرطبي الماهر الحاذق وأصله الحذق بالسباحة قاله الهروي والمراد بالمهارة بالقرآن جودة الحفظ وجودة التلاوة من غير تردد فيه لكونه يسره الله تعالى عليه كما يسره على الملائكة فكان مثلها في الحفظ والدرجة قوله وزينوا القرآن بأصواتكم هذا الحديث من الاحاديث التي علقها البخاري ولم يصلها في موضع آخر من كتابه وقد أخرجه في كتاب خلق أفعال العباد من رواية عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بهذا وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من هذا الوجه وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه بن حبان في صحيحه وعن بن عباس أخرجه الدارقطني في الافراد بسند حسن وعن عبد الرحمن بن عوف أخرجه البزار بسند ضعيف وعن بن مسعود وقع لنا في الاول من فوائد عثمان بن المال ولكنه موقوف قال بن بطال المراد بقوله زينوا القرآن بأصواتكم المد والترتيل والمهارة في القرآن جودة التلاوة بجودة الحفظ فلا يتلعثم ولا يتشكك وتكون قراءته سهلة بتيسير الله تعالى كما يسره على الكرام البررة قال ولعل البخاري أشار بأحاديث هذا الباب إلى ان الماهر بالقرآن هو الحافظ له مع حسن الصوت به والجهر به بصوت مطرب بحيث يلتذ سامعه انتهى والذي قصده البخاري اثبات كون التلاوة فعل العبد فانها يدخلها التزيين والتحسين والتطريب وقد يقع بأضداد ذلك وكل ذلك دال على المراد وقد أشار إلى ذلك بن المنير فقال ظن الشارح أن غرض البخاري جواز قراءة القرآن بتحسين الصوت وليس كذلك وانما غرضه الاشارة إلى ما تقدم من وصف التلاوة بالتحسين والترجيع والخفض والرفع ومقارنة الاحوال البشرية كقول عائشة يقرأ القرآن في حجري وأنا ح ائض فكل ذلك يحقق ان التلاوة فعل القارئ وتتصف بما تتصف به الافعال ويتعلق بالظروف الزمانية والمكانية انتهى ويؤيده ما قال في كتاب خلق أفعال العباد بعد ان أخرج حديث زينوا القرآن بأصواتكم من حديث البراء وعلقه من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما وذكر حديث أبي موسى رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا أبا موسى لقد أوتيت من مزامير آل
[ 433 ]
داود وأخرجه من حديث البراء بلفظ سمع أبا موسى يقرأ فقال كأن هذا من أصوات آل داود ثم قال ولا ريب في تخليق مزامير آل داود وندائهم لقوله تعالى وخلق كل شئ ثم ذكر حديث عائشة الماهر بالقرآن مع السفرة الحديث وحديث أنس أنه سئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كان يمد مدا وحديث قطبة بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة الفجر والنخل باسقات لها طلع نضيد يمد بها صوته ثم قال فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أصوات الخلق وقراءتهم مختلفة بعضها أحسن من بعض وأزين وأحلى وأرتل وأمهر وأمد وغير ذلك ثم ذكر فيه ستة أحاديث الحديث الاول حديث أبي هريرة (7105) قوله ابن أبي حازم هو عبد العزيز بن سلمة بن دينار ويزيد شيخه هو بن الهاد ومحمد بن إبراهيم هو التيمي وقد تقدمت الاشارة إليه في باب وأسروا قولكم أو اجهروا به من كتاب التوحيد الحديث الثاني حديث عائشة رضي الله عنها في قصة الافك ذكر منه طرفا من رواية يحيى بن بكير عن الليث عن يونس هو بن يزيد عن بن شهاب عن مشايخه وفيه ولكن والله وفي رواية الكشميهني ولكني والله ما كنت أظن ان الله ينزل في شأني وحيا يتلى فأنزل الله (7106) ان الذين جاءوا بالافك عصبة منكم العشر الآيات كلها هكذا اقتصر على هذا القدر منه وتقدم بطوله في تفسير سورة النور مع شرحه وقد أورد هذا القدر من هذا الحديث في باب قوله يريدون أن يبدلوا كلام الله من وجه آخر عن يونس وذكره في خلق أفعال العباد من طرق أخرى عن بن شهاب ثم قال فبينت رضي الله عنها ان الانذار من الله وان الناس يتلونه ثم ذكر عدة آيات فيها ذكر التلاوة ثم قال فبين سبحانه وتعالى ان التلاوة من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وأن الوحي من الله سبحانه وتعالى الحديث الثالث حديث البراء (7107) قوله يقرأ في العشاء والتين في رواية الكشميهني بالتين فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه وقد تقدم شرحه في كتاب الصلاة ومراده منه هنا بيان اختلاف الاصوات بالقراءة من جهة النغم الحديث الرابع حديث بن عباس في نزول قوله تعالى (7108) ولا تجهر بصلاتك وقد تقدم في تفسير سبحان وتقدم قريبا في باب قوله تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به ومراده منه هنا بيان اختلاف الاصوات بالجهر والاسرار الحديث الخامس حديث أبي سعيد لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شئ الا شهد له الحديث وقد تقدم شرحه في كتاب الاذان ومراده منه هنا بيان اختلاف الاصوات بالرفع والخفض وقال الكرماني وجه مناسبته أن رفع الاصوات بالقرآن أحق بالشهادة له وأولى الحديث السادس حديث عائشة (7110) قوله سفيان هو الثوري ومنصور هو بن عبد الرحمن الشيبي وأمه هي صفية بنت شيبة من صغار الصحابة قوله يقرأ القرآن ورأسه في حجري وأنا حائض تقدم شرحه في كتاب الحيض وتقدم بيان المراد به من كلام بن المنير
[ 434 ]
ومنه يظهر وجه مناسبة ذكره في هذا الباب (0) قوله باب قول الله تعالى فاقرؤا ما تيسر منه كذا للكشميهني وللباقين من القرآن وكل من اللفظين في السورة والمراد بالقراءة الصلاة لان القراءة بعض أركانها ذكر فيه حديث عمر في قصته مع هشام بن حكيم في قراءة سورة الفرقان وقد تقدم شرحه مستوفى في فضائل القرآن وقوله (7111) في آخره ان هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤا ما تيسر منه الضمير للقرآن والمراد بالمتيسر منه في الحديث غير المراد به في الآية لان المراد بالمتيسر في الآية بالنسبة للقلة والكثرة والمراد به في الحديث بالنسبة إلى ما يستحضره القارئ من القرآن فالاول من الكمية والثاني من الكيفية ومناسبة هذه الترجمة وحديثها للابواب التي قبلها من جهة التفاوت في الكيفية ومن جهة جواز نسبة القراءة للقارئ (0) قوله باب قول الله تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر قيل المراد بالذكر الاذكار والاتعاظ وقيل الحفظ وهو مقتضى قول مجاهد قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم كل ميسر لما خلق له فذكره موصولا في الباب من حديث علي قوله وقال مجاهد يسرنا القرآن بلسانك هوناه عليك في رواية غير أبي ذر هونا قراءته عليك وهو بفتح الهاء والواو وتشديد النون من التهوين وقد وصله الفريابي عن ورقاء عن بن أبي نجيع عن مجاهد في قوله تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر قال هوناه قال بن بطال تيسير القرآن تسهيله على لسان القارئ حتى يسارع إلى قراءته فربما سبق لسانه في القراءة فيجاوز الحرف إلى ما بعده ويحذف الكلمة حرصا على ما بعدها انتهى وفي دخول هذا في المراد نظر كبير قوله وقال مطر الورق ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر قال هل من طالب علم فيعان عليه وقع هذا التعليق عند أبي ذر عن الكشميهني وحده وثبت أيضا للجرجاني عن الفربري ووصله الفرياني عن ضمرة بن زمعة عن عبد الله بن شوذب عن مطر وأخرجه أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب العلم من طريق ضمرة ثم ذكر حديث عمران بن حصين قلت يا رسول الله فيما يعمل العاملون قال كل ميسر لما خلق له وهو مختصر من حديث سبق في كتاب القدر فيه عن عمران قال قال رجل يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار قال نعم قال فلم يعمد العاملون وقد تقدم شرحه هناك ويزيد شيخ عبد الوارث فيه هو المعروف بالرشك وتقدم هناك من رواية شعبة قال حدثنا يزيد الرشك فذكره وحديث علي رضي الله عنه وفيه وما منكم من أحد الا كتب مقعده من النار أو من الجنة وتقدم شرحه هناك أيضا وفيه وفي حديث عمران الذي قبله كل ميسر قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في شرح حديث أبي سعيد المذكور في باب كلام الله مع أهل الجنة فيه نداء الله تعالى لاهل الجنة لقرينة جوابهم بلبيك وسعديك والمراجعة بقوله هل رضيتم وقولهم وما لنا لا نرضى وقوله ألا أعطيكم أفضل وقولهم يا ربنا وأي شئ أفضل وقوله أحل عليكم
[ 435 ]
رضواني فان ذلك كله يدل على انه سبحانه وتعالى هو الذي كلمهم وكلامه قديم أزلي ميسر بلغة العرب والنظر في كيفيته ممنوع ولا نقول بالحلول في المحدث وهي الحروف ولا انه دل عليه وليس بموجود بل الايمان بأنه منزل حق ميسر باللغة العربية صدق وبالله التوفيق قال الكرماني حاصل الكلام انهم قالوا إذا كان الامر مقدرا فلنترك المشقة في العمل الذي من أجلها سمي بالتكليف وحاصل الجواب ان كل من خلق لشئ يسر لعمله فلا مشقة مع التيسير وقال الخطابي أرادوا ان يتخذوا ما سبق حجة في ترك العمل فأخبره ان هنا امرين لا يبطل أحدهما الآخر باطن وهو ما اقتضا حكم الربوبية وظاهر وهو السمة اللازمة بحق العبودية وهو امارة للعاقبة فبين لهم ان العمل في العاجل يظهر أثره في الآجل وان الظاهر لا يترك للباطن قلت وكأن مناسبة هذا الباب لما قبله من جهة الاشتراك في لفظ التيسير والله أعلم (0) قوله باب قول الله تعالى بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ قال البخاري في خلق أفعال العباد بعد ان ذكر هذه الآية والذي بعدها قد ذكر الله ان القرآن يحفظ ويسطر والقرآن الموعى في القلوب المستور في المصاحف المتلو بالالسنة كلام الله ليس بمخلوق واما المداد والورق والجلد فإنه مخلوق قوله والطور وكتاب مسطور قال قتادة مكتوب وصله البخاري في خلق أفعال العباد من طريق يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله والطور وكتاب مسطور قال المسطور المكتوب في رق منشور هو الكتاب وصله عبيد بن حميد من رواية شيبان بن عبد الرحمن وعبد الرزاق عن معمر كلاهما عن قتادة نحوه وأخرج عبد بن حميد عن بن أبي نجيح عن مجاهد ف ي قوله وكتاب مسطور قال صحف مكتوبة في رق منشور قال في صحف قوله يسطرون يخطون أي يكتبون أورده عبد بن حميد من طريق شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة في قوله والقلم وما يسطرون قال وما يكتبون قوله في أم الكتاب جملة الكتاب وأصله وصله أبو داود في كتاب الناسخ والمنسوخ من طريق معمر عن قتادة في قوله يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب قال جملة الكتاب وأصله وكذا أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة وعند بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى وعنده أم الكتاب يقول جملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ وما يكتب وما يبدل قوله ما بلفظ من قول ما يتكلم من شئ الا كتب عليه وصله بن أبي حاتم من طريق شعيب بن إسحاق عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن في قوله ما يلفظ من قول قال ما يتكلم به من شئ الا كتب عليه ومن طريق زائدة بن قدامة عن الاعمش عن مجمع قال الملك مداده ريقه وقلمه لسانه قوله وقال بن عباس يكتب الخير والشر وصله الطبري وابن أبي حاتم من طريق هشام بن حسان عن عكرمة عن بن عباس في قوله تعالى ما يلفظ من قول قال انما يكتب الخير والشر وأخرج أيضا من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد قال يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى انه ليكتب قوله أكلت شربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر ما كان من خير أو شر وألقى سائره فذلك قوله يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب وأخرج الطبري هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب بكسر الراء ثم ياء مهموزة وآخره موحدة والكلبي متروك وأبو صالح لم يدرك جابرا هذا
[ 436 ]
وأخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن ما يلفظ من قول ما يتكلم به من شئ الا كتب عليه وكان عكرمة يقول انما ذلك في الخير والشر قلت ويجمع بينهما برواية علي بن أبي طلحة المذكورة قوله يحرفون يزيلون لم أر هذا موصولا من كلام بن عباس من وجه ثابت مع ان الذي قبله من كلامه وكذا الذي بعده وهو قوله دراستهم تلاوتهم وما بعده وأخرج جميع ذلك بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس وقد تقدم في باب قوله كل يوم هو في شأن عن بن عباس ما يخالف ما ذكر هنا وهو تفسير يحرفون بقوله يزيلون نعم أخرجه بن أبي حاتم من طريق وهب بن منبه وقال أبو عبيدة في كتاب المجاز في قوله يحرفون الكلم عن مواضعه قال يقلبون ويغيرون وقال الراغب التحريف الامالة وتحريف الكلام أن يجعله على حرف من الاحتمال بحيث يمكن حمله على وجهين فأكثر قوله وليس أحد يزيل لفظ كتاب الله من كتب الله عزوجل ولكنهم يحرفونه يتأولونه عن غير تأويله في رواية الكشميهني يتأولونه على غير تأويله قال شيخنا بن الملقن في شرحه هذا الذي قاله أحد القولين في تفسير هذه الآية وهو مختاره أي البخاري وقد صرح كثير من أصحابنا بأن اليهود والنصارى بدلوا التوراة والانجيل وفرعوا على ذلك جواز امتهان اوراقهما وهو يخالف ما قاله البخاري هنا انتهى وهو كالصريح في أن قوله وليس أحد إلى آخره من كلام البخاري ذيل به تفيسر بن عباس وهو يحتمل ان يكون بقية كلام بن عباس في تفسير الآية وقال بعض الشراح المتأخرين اختلف في هذه المسألة على أقوال أحدها انها بدلت كلها وهو مقتضى القول المحكي بجواز الامتهان وهو افراط وينبغي حمل إطلاق من اطلقه على الاكثر والا فهي مكابرة والآيات والاخبار كثيرة في انه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل من ذلك قوله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل الآية ومن ذلك قصة رجم اليهوديين وفيه وجود آية الرجم ويؤيده قوله تعالى قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين ثانيها ان التبديل وقع ولكن في معظمها وادلته كثيرة وينبغي حمل الاول عليه ثالثها وقع في اليسير منها ومعظمها باق على حاله ونصره الشيخ تقي الدين بن تيمية في كتابه الرد الصحيح على من بدل دين المسيح رابعها انما وقع التبديل والتغيير في المعاني لا في الالفاظ وهو المذكور هنا وقد سئل بن تيمية عن هذه المسألة مجردا فأجاب في فتاويه ان للعلماء في ذلك قولين واحتج للثاني من أوجه كثيرة منها قوله تعالى لا مبدل لكلماته وهو معارض بقوله تعالى فمن بدله بعدما سمعه فانما اثمه على الذين يبدلونه ولا يتعين الجمع بما ذكر من الحمل على اللفظ في النفي وعلى المعنى في الاثبات لجواز الحمل في النفي على الحكم وفي الاثبات على ما هو أعم من اللفظ والمعنى ومنها ان نسخ التوراة في الشرق والغرب والجنوب والشمال لا يختلف ومن المحال ان يقع التبديل فيتوارد النسخ بذلك على منهاج واحد وهذا استدلال عجيب لانه إذا جاز وقوع التبديل جاز اعدام المبدل والنسخ الموجودة الآن هي التي استقر عليها الامر عندهم عند التبديل والاخبار بذلك طافحة أما فيما يتعلق بالتوراة فلان بختنصر لما غزا بيت المقدس وأهلك بني إسرائيل ومزقهم بين قتيل وأسير وأعدم كتبهم حتى جاء عزيرا فأملاها عليهم وأما فيما يتعلق بالانجيل فان الروم لما دخلوا في النصرانية جمع ملكهم وأكابرهم على ما في الانجيل الذي بأيديهم وتحريفهم المعاني لا ينكر
[ 437 ]
بل هو موجود عندهم بكثرة وانما النزاع هل حرفت الالفاظ أو لا وقد وجد في الكتابين ما لا يجوز ان يكون بهذه الالفاظ من عند الله عزوجل أصلا وقد سرد أبو محمد بن حزم في كتابه الفصل في الملل والنحل أشياء كثيرة من هذا الجنس من ذلك أنه ذكر أن في أول فصل في أول ورقة من توراة اليهود التي عند رهبانهم وقرائهم وعاناتهم وعيسويهم حيث كانوا في المشارق والمغارب لا يختلفون فيها على صفة واحدة لو رام أحد ان يزيد فيها لفظة أو ينقص منها لفظة لافتضح عندهم متفقا عليها عندهم إلى الاحبار الهارونية الذين كانوا قبل الخراب الثاني يذكرون انها مبلغة من أولئك إلى عزرا الهاروني وان الله تعالى قال لما أكل آدم من الشجرة هذا آدم قد صار كواحد منا في معرفة الخير والشر وأن السحرة عملوا لفرعون نظير ما أرسل عليهم من الدم والضفادع وأنهم عجزوا عن البعوض وان ابنتي لوط بعد هلاك قومه ضاجعت كل منهما أباها بعد ان سقته الخمر فوطئ كلا منهما فحملتا منه إلى غير ذلك من الامور المنكرة المستبشعة وذكر في مواضع أخرى أن التبديل وقع فيها إلى ان أعدمت فأملاها عزرا المذكور على ما هي عليه الآن ثم ساق أشياء من نص التوراة التي بأيديهم الآن الكذب فيها ظاهر جدا ثم قال وبلغنا عن قوم من المسلمين ينكرون ان التوراة والانجيل اللتين بأيدي اليهود والنصارى محرفان والحامل لهم على ذلك قلة مبالاتهم بنصوص القرآن والسنة وقد اشتملا على أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون على الله الكذب وهم يعملون ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون ويقال لهؤلاء المنكرين قد قال الله تعالى في صفة الصحابة ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه إلى آخر السورة وليس بأيدي اليهود والنصارى شئ من هذا ويقال لمن ادعى ان نقلهم نقل متواتر قد اتفقوا على أن لا ذكر لمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتابين فان صدقتموهم فيما بأيديهم لكونه نقل نقل المتواتر فصدقوهم فيما زعموه ان لا ذكر لمحمد صلى الله عليه وسلم ولا لاصحابه والا فلا يجوز تصديق بعض وتكذيب بعض مع مجيئهما مجيئا واحدا انتهى كلامه وفيه فوائد وقال الشيخ بدر الدين الزركشي اغتر بعض المتأخرين بهذا يعني بما قال البخاري فقال ان في تحريف التوراة خلافا هل هو في اللفظ والمعنى أو في المعنى فقط ومال إلى الثاني ورأى جواز مطالعتها وهو قول باطل ولا خلاف أنهم حرفوا وبدلوا والاشتغال بنظرها وكتابتها لا يجوز بالاجماع وقد غضب صلى الله عليه وسلم حين رأى مع عمر صحيفة فيها شئ من التوراة وقال لو كان موسى حيا ما وسعه الا اتباعي ولولا أنه معصية ما غضب فيه قلت ان ثبت الاجماع فلا كلام فيه وقد قيده بالاشتغال بكتابتها ونظرها فان أراد من يتشاغل بذلك دون غيره فلا يحصل المطلوب لانه يفهم أنه لو تشاغل بذلك مع تشاغله بغيره جاز وان أراد مطلق التشاغل فهو محل النظر وفي وصفه القول المذكور بالبطلان مع ما تقدم نظر أيضا فقد نسب لوهب بن منبه وهو من أعلم الناس بالتوراة ونسب أيضا لابن عباس ترجمان القرآن وكان ينبغي له ترك الدفع بالصدر والتشاغل برد أدلة المخالف التي حكيتها وفي استدلاله على عدم الجواز الذي ادعى الاجماع فيه بقصة عمر نظر أيضا سأذكره بعد تخريج الحديث المذكور وقد أخرجه أحمد والبزار واللفظ له من حديث جابر قال نسخ عمر كتابا من التوراة بالعربية فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلى الله عليه
[ 438 ]
وسلم يتغير فقال له رجل من الانصار ويحك يا بن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ فانهم لن يهدوكم وقد ضلوا وانكم اما ان تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له الا ان يتبعني وفي سنده جابر الجعفي وهو ضعيف ولاحمد أيضا وأبي يعلى من وجه آخر عن جابر ان عمر أتى بكتاب أصابه من بعض كتب أهل الكتاب فقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب فذكر نحوه دون قول الانصاري وفيه والذي نفسي بيده لو أن موسى حيا ما وسعه الا أن يتبعني وفي سنده مجالد بن سعيد وهو لين وأخرجه الطبراني بسند فيه مجهول ومختلف فيه عن أبي الدرداء جاء عمر بجوامع من التوراة فذكر بنحوه وسمى الانصاري الذي خاطب عمر عبد الله بن زيد الذي رأى الاذان وفيه لو كان موسى بين أظهركم ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ضلالا بعيدا وأخرجه أحمد والطبراني من حديث عبد الله بن ثابت قال جاء عمر فقال يا رسول الله اني مررت بأخ لي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك قال فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه والذي نفس محمد بيده لو أصبح موسى فيكم ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم وأخرج أبو يعلى من طريق خالد بن عرفطة قال كنت عند عمر فجاءه رجل من عبد القيس فضربه بعصا معه فقال ما لي يا أمير المؤمنين قال أنت الذي نسخت كتاب دانيال قال مرني بأمرك قال انطلق فامحه فلئن بلغني أنك قرأته أو أقرأته لانهكنك عقوبة ثم قال انطلقت فانتسخت كتابا من أهل الكتاب ثم جئت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا قلت كتاب انتسخته لنزداد به علما إلى علمنا فغضب حتى احمرت وجنتاه فذكر قصة فيها يا أيها الناس اني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتمه واختصر لي الكلام اختصارا ولقد آتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا وفي سنده عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف وهذه جميع طرق هذا الحديث وهي وان لم يكن فيها ما يحتج به لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلا والذي يظهر ان كراهية ذلك للتنزيه لا للتحريم والاولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين في الايمان فلا يجوز له النظر في شئ من ذلك بخلاف الراسخ فيجوز له ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف ويدل على ذلك نقل الائمة قديما وحديثا من التوراة وإلزامهم اليهود بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم بما يستخرجونه من كتابهم ولولا اعتقادهم جواز النظر فيه لما فعلوه وتواردوا عليه واما استدلاله للتحريم بما ورد من الغضب ودعواه أنه لو لم يكن معصية ما غضب منه فهو معترض بأنه قد يغضب من فعل المكروه ومن فعل ما هو خلاف الاولى إذا صدر ممن لا يليق منه ذلك كغضبه من تطويل معاذ صلاة الصبح بالقراءة وقد يغضب ممن يقع منه تقصير في فهم الامر الواضح مثل الذي سأل عن لقطة الابل وقد تقدم في كتاب العلم الغضب في الموعظة ومضى في كتاب الادب ما يجوز من الغضب قوله يتأولونه قال أبو عبيدة وطائفة في قوله تعالى وما يعلم تأويله الا الله تعالى التأويل التفسير وفرق بينهما آخرون فقال أبو عبيد الهروي التأويل رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل وحكى صاحب النهاية أن التأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الاصلي إلى مالا يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ وقيل التأويل ابداء احتمال لفظ معتضد بدليل خارج عنه ومثل بعضهم بقوله تعالى لا ريب فيه قال
[ 439 ]
من قال لا شك فيه فهو التفسير ومن قال لانه حق في نفسه لا يقبل الشك فهو التأويل ومراد البخاري بقوله يتأولونه أنهم يحرفون المراد بضرب من التأويل كما لو كانت الكلمة بالعبرانية تحتمل معنيين قريب وبعيد وكان المراد القريب فانهم يحملونها على البعيد ونحو ذلك قوله دراستهم تلاوتهم وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس وكذا قوله تعالى وتعيها أذن واعية قال حافظة قيل النكتة في افراد الاذن الاشارة بقلة من يعي من الناس وورد في خبر ضعيف أن المراد بالاذن في هذه الآية خاص وهي أذن علي أخرجه الثعلبي من مرسل عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وفي سنده أبو حمزة الثمالي بضم المثلثة وتخفيف الميم وأخرج سعيد بن منصور والطبري من مرسل مكحول نحوه قوله وأوحي الي هذا القرآن لانذركم به يعني أهل مكة ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير وصله بن أبي حاتم بالسند المذكور إلى بن عباس وقال بن التين قوله ومن بلغ أي بلغه فحذف الهاء وقيل المعنى ومن بلغ الحلم والاول هو المشهور وأخرج بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الله بن داود الخريبي بخاء معجمة ثم راء ثم موحدة مصغر قال ما في القرآن آية أشد على أصحاب جهم من هذه الآية لانذركم به ومن بلغ فمن بلغه القرآن فكأنما سمعه من الله تعالى (7114) قوله سمعت أبي هو سليمان بن طرخان التيمي قوله عن قتادة عن أبي رافع كذا وقع بالعنعنة وفي السند الذي بعده التصريح بالتحديث من قتادة وأبي رافع عند مسلم وكذا بالسماع لابي رافع وأبي هريرة قوله لما قضى الله الخلق في رواية الكشميهني لما خلق قوله غلبت أو قال سبقت كذا بالشك وفي التي بعدها بالجزم سبقت قوله فهو عنده فوق العرش تقدم الكلام على قوله عنده في باب ويحذركم الله نفسه وعلى قوله فوق العرش في باب وكان عرشه على الماء وتقدم شرح الحديث أيضا والغرض منه الاشارة إلى ان اللوح المحفوظ فوق العرش (7115) قوله حدثني محمد بن أبي غالب في رواية أبي ذر حدثنا وهو قومسي ن زل بغداد ويقال له الطيالسي وكان حافظا من أقران البخاري كما تقدم ذكره في باب الاخذ باليد من كتاب الاستئذان وقد نزل البخاري في هذا الاسناد درجة بالنسبة لحديث معتمر فإنه أخرج عنه الكثير بواسطة واحد فعنده في العلم والجهاد والدعوات والاشربة والصلح واللباس عدة أحاديث أخرجها مسدد عن متعمر ودرجتين بالنسبة لحديث قتادة فإنه عنده الكثير من رواية شعبة عنه بواسطة واحد عن شعبة وقد سمع من محمد بن عبد الله الانصاري والانصاري سمع من سليمان التيمي ولكن لم يخرج البخاري هذه الترجمة في الجامع ومحمد بن إسماعيل شيخ محمد بن أبي غالب بصري يقال له بن أبي سمينة بمهملة ونون وزن عظيمة من الطبقة الثالثة من شيوخ البخاري وقد أخرج عنه في التاريخ بلا واسطة ولم أر عنه في الجامع شيئا الا هذا الموضع وقد سمع منه من حدث عن البخاري مثل صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة بفتح الجيم والزاي وموسى بن هارون وغيرهما (0) رضي الله تعالى عنهما قوله باب قول الله تعالى والله خلقكم وما تعملون ذكر بن بطال عن المهلب ان غرض البخاري بهذه الترجمة اثبات أن أفعال العباد وأقوالهم مخلوقة لله تعالى وفرق بين الامر بقوله كن وبين الخلق بقوله والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره فجعل الامر غير الخلق وتسخيرها الذي يدل على خلقها انما هو عن أمره ثم بين ان نطق الانسان بالايمان عمل من أعماله كما ذكر في قصة عبد القيس حيث سألوا عن عمل يدخلهم الجنة فأمرهم بالايمان
[ 440 ]
وفسره بالشهادة وما ذكر معها وفي حديث أبي موسى المذكور وانما الله الذي حملكم الرد على القدرية الذين يزعمون انهم يخلقون أعماله قوله إنا كل شئ خلقناه بقدر كذا لهم ولعله سقط منه وقوله تعالى وقد تقدم الكلام على هذه الآية في باب قوله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي قال الكرماني التقدير خلقنا كل شئ بقدر فيستفاد منه ان يكون الله خالق كل شئ كما صرح به في الآية الاخرى وأما قوله خلقكم وما تعملون فهو ظاهر في اثبات نسبة العمل إلى العباد فقد يشكل على الاول والجواب ان العمل هنا غير الخلق وهو الكسب الذي يكون مسندا إلى العبد حيث أثبت له فيه صنعا ويسند إلى الله تعالى من حيث ان وجوده انما هو بتأثير قدرته وله جهتان جهة تنفي القدر وجهة تنفي الجبر فهو مسند إلى الله حقيقة والى العبد عادة وهي صفة يترتب عليها الامر والنهي والفعل والترك فكل ما أسند من أفعال العباد إلى الله تعالى فهو بالنظر إلى تأثير القدرة ويقال له الخلق وما أسند إلى العبد انما يحصل بتقدير الله تعالى ويقال له الكسب وعليه يقع المدح والذم كما يذم المشوه الوجه ويمدح الجميل الصورة وأما الثواب والعقاب فهو علامة والعبد انما هو ملك الله تعالى يفعل فيه ما يشاء وقد تقدم تقرير هذا بأتم منه في باب قوله تعالى فلا تجعلوا لله أندادا وهذه طريقة سلكها في تأويل الآية ولم يتعرض لاعراب ما هل هي مصدرية أو موصولة وقد قال الطبري فيها وجهان فمن قال مصدرية قال المعنى والله خلقكم وخلق عملكم ومن قال موصولة قال خلقكم وخلق الذي تعملون أي تعملون منه الاصنام وهو الخشب والنحاس وغيرهما ثم أسند عن قتادة ما يرجح القول الثاني وهو قوله تعالى والله خلقكم وما تعملون أي بأيديكم وأخرج بن أبي حاتم من طريق قتادة أيضا قال تعبدون ما تنحتون أي من الاصنام والله خلقكم وما تعملون أي بأيديكم وتمسك المعتزلة بهذا التأويل قال السهيلي في نتائج الفكر له اتفق العقلاء على أن أفعال العباد لا تتعلق بالجواهر والاجسام فلا تقول عملت حبلا ولا صنعت جملا ولا شجرا فإذا كان كذلك فمن قال أعجبني ما عملت فمعناه الحدث فعلى هذا لا يصح في تأويل والله خلقكم وما تعملون الا أنها مصدرية وهو قول أهل السنة ولا يصح قول المعتزلة أنها موصولة فانهم زعموا انها واقعة على الاصنام التي كانوا ينحتونها فقالوا التقدير خلقكم وخلق الاصنام وزعموا ان نظم الكلام يقتضي ما قالوه لتقدم قوله م ا تنحتون لانها واقعة على الحجارة المنحوتة فكذلك ما الثانية والتقدير عندهم أتعبدون حجارة تنحتونها والله خلقكم وخلق تلك الحجارة التي تعملونها هذه شبهتهم ولا يصح ذلك من جهة النحو إذا ما لا تكون مع الفعل الخاص الا مصدرية فعلى هذا فالآية ترد مذهبهم وتفسد قولهم والنظم على قول أهل السنة أبدع فان قيل قد تقول عملت الصحفة وصنعت الجفنة وكذا يصح عملت الصنم قلنا لا يتعلق ذلك الا بالصورة التي هي التأليف والتركيب وهي الفعل هو الاحداث دون الجواهر بالاتفاق ولان الآية وردت في بيان استحقاق الخالق العبادة لانفراده بالخلق وإقامة الحجة على من يعبد ما لا يخلق وهم يخلقون فقال أتعبدون من لا يخلق وتدعون عبادة من خلقكم وخلق أعمالكم التي تعملون ولو كانوا كما زعموا لما قامت الحجة من نفس هذا الكلام لانه لو جعلهم خالقين لاعمالهم وهو خالق للاجناس لشركهم معهم في الخلق تعالى الله عن إفكهم قال البيهقي في كتاب الاعتقاد قال الله تعالى ذلكم الله ربكم خالق كل شئ فدخل فيه
[ 441 ]
الاعيان والافعال من الخير والشر وقال تعالى أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شئ فنفى ان يكون خالق غيره ونفى أن يكون شئ سواه غير مخلوق فلو كانت الافعال غير مخلوقة له لكان خالق بعض الاشياء لا خالق كل شئ وهو بخلاف الآية ومن المعلوم ان الافعال أكثر من الاعيان فلو كان الله خالق الاعيان والناس خالق الافعال لكان مخلوقات الناس أكثر من مخلوقات الله تعالى الله عن ذلك وقال الله تعالى والله خلقكم وما تعملون وقال مكي بن أبي طالب في اعراب القرآن له قالت المعتزلة ما في قوله تعالى وما تعملون موصولة فرارا من أن يقروا بعموم الخلق لله تعالى ويريدون انه خلق الاشياء التي تنحت منها الاصنام وأما الاعمال والحركات فانها غير داخلة في خلق الله وزعموا انهم أرادوا بذلك تنزيه الله تعالى عن خلق الشر ورد عليهم أهل السنة بأن الله تعالى خلق إبليس وهو الشر كله وقال تعالى قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق فأثبت أنه خلق الشر وأطبق القراء حتى أهل الشذوذ على إضافة شر إلى ما الا عمرو بن عبيد رأس الاعتزال فقرأها بتنوين شر ليصحح مذهبه وهو محجوج بإجماع من قبله على قراءتها بالاضافة قال وإذا تقرر ان الله خالق كل شئ من خير وشر وجب ان تكون ما مصدرية والمعنى خلقكم وخلق عملكم انتهى وقوى صاحب الكشاف مذهبه بأن قوله وما تعملون ترجمة عن قوله قبلها ما تنحتون وما في قوله ما تنحتون موصولة اتفاقا فلا يعدل ما التي بعده عن أختها وأطال في تقرير ذلك ومن جملته فان قلت ما أنكرت أن تكون ما مصدرية والمعنى خلقكم وخلق عملكم كما تقول المجبرة يعنى أهل السنة قلت أقرب ما يبطل به ان معنى الآية يأباه اباء جليا لان الله احتج عليهم بأن العابد والمعبود جميعا خلق الله فكيف يعبد المخلوق مع ان العابد هو الذي عمل صورة المعبود ولولاه لما قدر أن يشكل نفسه فلو كان التقدير خلقكم وخلق عملكم لم يكن فيه حجة عليهم ثم قال فان قلت هي موصولة لكن التقدير والله خلقكم وما تعملونه من أعمالكم قلت ولو كان كذلك لم يكن فيها حجة على المشركين وتعقبه بن خليل السكوني فقال في كلامه صرف للآية عن دلالتها الحقيقة إلى ضرب من التأويل لغير ضرورة بل لنصرة مذهبه أن العباد يخلقون أكسابهم فإذا حملها على الاصنام لم تتناول الحركات وأما أهل السنة فيقولون القرآن نزل بلسان العرب وأئمة العربية على أن الفعل الوارد بعد ما يتأول بالمصدر نحو أعجبني ما صنعت أي صنعك وعلى هذا فمعنى الآية خلقكم وخلق أعمالكم والاعمال ليست هي جواهر الاصنام اتفاقا فمعنى الآية عندهم إذا كان الله خالق أعمالكم التي تتوهم القدرية أنهم خالقون لها فأولى أن يكون خالقا لما لم يدع فيه أحد الخلقية وهي الاصنام قال ومدار هذه المسألة على أن الحقيقة مقدمة على المجاز ولا أثر للمرجوح مع الراجح وذلك أن الخشب التي منها الاصنام والصور التي للاصنام ليست بعمل لنا وانما عملنا ما أقدرنا الله عليه من المعاني المكسوبة التي عليها ثواب العباد وعقابهم فإذا قلت عمل النجار السرير فالمعنى عمل حركات في محل أظهر الله لنا عندها التشكل في السرير فلما قال تعالى والله خلقكم وما تعملون وجب حمله على الحقيقة وهي معمولكم وأما ما يطالب به المعتزلي من الرد على المشركين من الآية فهو من أبين شئ لانه تعالى إذا أخبر انه خلقنا وخلق أعمالنا التي يظهر بها التأثير بين أشكال الاصنام وغيرها فأولى أن يكون خالقا للمتأثر الذي لم يدع فيه أحد لا سني ولا معتزلي ودلالة الموافقة أقوى في لسان العرب وأبلغ
[ 442 ]
من غيرها وقد وافق الزمخشري على ذلك في قوله تعالى فلا تقل لهما أف فإنه أدل على نفي الضرب من أن لو قال ولا تضربهما وقال انها من نكت علم البيان ثم غفل عنها اتباعا لهواه وأما ادعاؤه فك النظم فلا يلزم منه بطلان الحجة لان فكه لما هو أبلغ سائغ بل أكمل لمراعاة البلاغة ثم قال ولم لا تكون الآية مخبرة عن أن كل عمل للعبد فهو خلق للرب فيندرج فيه الرد على المشركين مع مراعاة النظم ومن قيد الآية بعمل العبد دون عمل فعليه الدليل والاصل عدمه وبالله التوفيق وأجاب البيضاوي بأن دعوى أنها مصدرية أبلغ لان فعلهم إذا كان بخلق الله تعالى فالمتوقف على فعلهم أولى بذلك ويترجح أيضا بأن غيره لا يخلو من حذف أو مجاز وهو سالم من ذلك والاصل عدمه وقال الطيبي وتكملة ذلك أن يقال تقرر عند علماء البيان أن الكناية أولى من التصريح فإذا نفى الحكم العام لينتفي الخاص كان أقوى في الحجة وقد سلك صاحب الكشاف هذا بعينه في تفسير قوله تعالى كيف تكفرون بالله الآية وقال بن المنير يتعين حمل ما على المصدرية لانهم لم يعبدوا الاصنام من حيث هي حجارة أو خشب عارية عن الصورة بل عبدوها لاشكالها وهي أثر عملهم ولو عملوا نفس الجواهر لما طابق توبيخهم بأن المعبود من صنعة العابد قال والمخالفون موافقون أن جواهر الاصنام ليست عملا لهم فلو كان كما ادعوه لاحتاج إلى حذف أي والله خلقكم وما تعملون شكله وصورته والاصل عدم التقدير وقد جاء التصريح في الحديث الصحيح بمعنى الذي تقدمت الاشارة إليه في باب قوله كل يوم هو في شأن عن حذيفة رفعه أن الله خلق كل صانع وصنعته وقال غيره قول من ادعى أن المراد بقوله وما تعملون نفس العيدان والمعادن التي تعمل منها الاوثان باطل لان أهل اللغة لا يقولون ان الانسان يعمل العود أو الحجر بل يقيدون ذلك بالصنعة فيقولون عمل العود صنما والحجر وثنا فمعنى الآية أن الله خلق الانسان وخلق شكل الصنم وأما الذي نحت أو صاغ فانما هو عمل النحت والصياغة وقد وصرحت الآية بذلك والذي عمله هو الذي وقع التصريح بأن الله تعالى هو الذي خلقه وقال التونسي في مختصر تفسير الفخر الرازي احتج الاصحاب بهذه الآية على ان عمل العبد مخلوق لله على اعراب ما مصدرية وأجاب المعتزلة بأن إضافة العبادة والنحت لهم إضافة الفعل للفاعل ولانه وبخهم ولم لو تكن الافعال لخلقهم لما وبخهم قالوا ولا نسلم انها مصدرية لان الاخفش يمنع أعجبني ما قمت أي قيامك وقال انه خاص بالمتعدي سلمنا جوازه لكن لا يمنع ذلك من تقدير ما مفعولا للنحاتين ولموافقة ما ينحتون ولان العرب تسمي محل العمل عملا فتقول في الباب هو عمل فلان ولان القصد هو تزييف عبادتهم لا بيان أنهم لا يوجدون أعمال أنفسهم قال وهذه شبهة قوية فالاولى ان لا يستدل بهذه الآية لهذا المراد كذا قال وجرى على عادته في إيراد شبهه المخالفين وترك بذل الوسع في أجوبتها وقد أجاب الشمس الاصبهاني في تفسيره وهو ملخص من تفسير الفخر فقال وما تعملون أي عملكم وفيها دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله وعلى أنها مكتسبة للعباد حيث أثبت لهم عملا فأبطلت مذهب القدرية والجبرية معا وقد رجح بعض العلماء كونها مصدرية لانهم لم يعبدوا الاصنام الا لعملهم لا لجرم الصنم والا لكانوا يعبدونها قبل العمل فكأنهم عبدوا العمل فأنكر عليهم عبادة المنحوت الذي لم ينفك عن العمل المخلوق وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية في الرد على الرافضي لا نسلم أنها موصولة ولكن لا حجة فيها للمعتزلة لان قوله تعالى والله خلقكم يدخل فيه
[ 443 ]
ذاتهم وصفاتهم وعلى هذا إذا كان التقدير والله خلقكم وخلق الذي تعملونه ان كان المراد خلقه لها قبل النحت لزم أن يكون المعمول غير مخلوق وهو باطل فثبت أن المراد خلقه لها قبل النحت وبعده وان الله خلقها بما فيها من التصوير والنحت فثبت انه خالقه ما تولد عن فعلهم ففي الآية دلالة على انه تعالى خلق أفعالهم القائمة بهم وخلق ما تولد عنها ووافق على ترجيح انها موصولة من جهة ان السياق يقتضي انه انكر عليهم عبادة المنحوت فناسب ان ينكر ما يتعلق بالمنحوت وأنه مخلوق له فيكون التقدير الله خالق العابد والمعبود وتقدير خلقكم وخلق أعمالكم يعني إذا أعربت مصدرية ليس فيه ما يقتضي ذمهم على ترك عبادته والعلم عند الله تعالى وقد ارتضى الشيخ سعد الدين الثفتزاني هذه الطريق وأوضحها ونقحها فقال في شرح العقائد له بعد ان ذكر أصل المسألة وأدلة الفريقين ومنها استدلال أهل السنة بالآية المذكورة والله خلقكم وما تعملون قالوا معناه وخلق عملكم على اعراب ما مصدرية ورجحوا ذلك لعدم احتياجه إلى حذف الضمير قال فيجوز أن يكون المعنى وخلق معمولكم على اعرابها موصولة ويشمل أعمال العباد لانا إذا قلنا انها مخلوقة لله أو للعبد لم يرد بالفعل المعنى المصدري الذي هو الايجاد بل الحاصل بالمصدر الذي هو متعلق الايجاد وهو ما يشاهده من الحركات والسكنات قال وللذهول عن هذه النكتة توهم من توهم أن الاستدلال بالآية موقوف على كون ما مصدرية وليس الامر كذلك تكملة جوز من صنف في اعراب القرآن في اعراب ما تعملون زيادة على ما تقدم قالوا واللفظ للمنتخب في ما أوجه أحدها ان تكون مصدرية منصوبة المحل عطف على الكاف والميم في خلقكم الثاني أن تكون موصولة في موضع نصب أيضا عطفا على المذكور آنفا والتقدير خلقكم والذي تعملون أي تعملون منه الاصنام يعني الخشب والحجارة وغيرها الثالث أن تكون استفهامية منصوبة المحل بقوله تعملون توبيخا لهم وتحقيرا لعملهم الرابع أن تكون نكرة موصولة وحكمها حكم الموصولة الخامس أن تكون نافية على معنى وما تعملون ذلك لكن الله هو خلقه ثم قال البيهقي وقد قال تعالى خلق كل شئ وهو بكل شئ عليم فامتدح بأنه خلق كل شئ وبأنه يعلم كل شئ فكما لا يخرج عن علمه شئ وكذا لا يخرج عن خلقه شئ وقال تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به انه عليم بذات الصدور الا يعلم من خلق فأخبر ان قولهم سرا وجهرا خلقه لانه بجميع ذلك عليم وقال تعالى خلق الموت والحياة وقال وانه هو أمات وأحيا فأخبر أنه المحيي المميت وأنه خلق الموت والحياة فثبت ان الافعال كلها خيرها وشرها صادرة عن خلقه واحداثه إياها وقال تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وقال تعالى أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون فسلب عنهم هذه الافعال وأثبتها لنفسه ليدل بذلك على أن المؤثر فيها حتى صارت موجودة بعد العدم هو خلقه وان الذي يقع من الناس انما هو مباشرة تلك الافعال بقدرة حادثة أحدثها على ما أراد فهي من الله تعالى خلق بمعنى الاختراع بقدرته القديمة ومن العباد كسب على معنى تعلق قدرة حادثة بمباشرتهم التي هي كسبهم ووقوع هذه الافعال على وجوده بخلاف فعل مكتسبها أحيانا من أعظم الدلالة على موقع أوقعها على ما أراد ثم ساق حديث حذيفة المشار إليه ثم قال وأما ما ورد في حديث دعاء الافتتاح في أول الصلاة والشر ليس إليك فمعناه كما قال النضر بن شميل والشر لا يتقرب به إليك وقال غيره أرشد إلى استعمال الادب في الثناء على الله تعالى بأن يضاف إليه محاسن
[ 444 ]
الامور دون مساويها وقد وقع في نفس هذا الحديث والمهدي من هديت فأخبر انه يهدي من شاء كما وقع التصريح به في القرآن وقال في حديث أبي سعيد الماضي في الاحكام الذي في أوله ان كل وال له بطانتان والمعصوم من عصم الله فدل على انه يعصم قوما دون قوم وقال غيره يستحيل ان يصلح قدرة العباد للابراز من العدم إلى الوجود وهو المعبر عنه بالاختراع وثبوته لله سبحانه وتعالى قطعي لان قدرة الابراز من العدم إلى الوجود تتوجه إلى تحصيل ما ليس بحاصل فحال توجيهها لا بد من وجودها لاستحالة أن يحصل العدم شيئا فقدرته ثابتة وقدرة المخلوقين عرض لا بقاء له فيستحيل تقدمها وقد تواردت النقول السمعية والقرآن والاحاديث الصحيحة بانفراد الرب سبحانه وتعالى بالاختراع كقوله تعالى هل من خالق غير الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ومن الدليل على ان الله تعالى يحكم في خلقه بما يشاء ولا تتوقف أحكامه في ثوابهم وعقابهم على ان يكونوا خالقين لافعالهم أنه نصب الثواب والعقاب على ما يقع مباينا لمحال قدرتهم واما اكتساب العباد فلا يقع الا في محل الكسب ومثال ذلك السهم الذي يرميه العبد لا تصرف له فيه بالرفع وكذلك لا تصرف له فيه بالوضع وأيضا فان إرادة الله سبحانه وتعالى تتعلق بما لا نهاية له على وجه النفوذ وعدم التعذر وإرادة العبد لا تتعلق بذلك مع تسميتها إرادة وكذلك علمه تعالى لا نهاية له على سبيل التفصيل وعلم العبد لا يتعلق بذلك مع تسميته علما فصل احتج بعض المبتدعة بقوله تعالى الله خالق كل شئ على ان القرآن مخلوق لانه شئ وتعقب ذلك نعيم بن حماد وغيره من أهل الحديث بأن القرآن كلام الله وهو صفته فكما ان الله لم يدخل في عموم قوله كل شئ اتفاقا فكذلك صفاته ونظير ذلك قوله تعالى ويحذركم الله نفسه مع قوله تعالى كل نفس ذائقة الموت فكما لم تدخل نفس الله في هذا العموم اتفاقا فكذا لا يدخل القرآن قوله ويقال للمصورين احيوا ما خلقتم كذا للاكثر وهو المحفوظ ووقع في رواية الكشميهني ويقول أي الله سبحانه أو الملك بأمره وقال الكرماني لفظ الحديث الموصول في الباب ويقال لهم فأظهر البخاري مرجع الضمير انتهى وسيأتي الكلام على نسبة الخلق إليهم في آخر الباب قوله ان ربكم الله الذي خلق السماوات والارض إلى تبارك الله رب العالمين ساق في رواية كريمة الآية كلها والمناسب منها لما تقدم قوله تعالى الا له الخلق والامر فيصح به قول الله خالق كل شئ ولذلك عقبه بقوله قال بن عيينة بين الله الخلق من الامر بقوله تعالى الا له الخلق والامر وهذا الاثر وصله ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية من طريق بشار بن موسى قال كنا عند سفيان بن عيينة فقال الا له الخلق والامر فالخلق هو المخلوقات والامر هو الكلام ومن طريق حماد بن نعيم سمعت سفيان بن عيينة وسئل عن القرآن أمخلوق هو فقال يقول الله تعالى الا له الخلق والامر ألا ترى كيف فرق بين الخلق والامر فالامر كلامه فلو كان كلامه مخلوقا لم يفرق قلت وسبق بن عيينة إلى ذلك محمد بن كعب القرظي وتبعه الامام أحمد بن حنبل وعبد السلام بن عاصم وطائفة أخرج كل ذلك بن أبي حاتم عنهم وقال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد خلق الله الخلق بأمره لقوله تعالى لله الامر من قبل ومن بعد ولقوله انما قولنا لشئ إذا أردناه ان نقول له كن فيكون ولقوله ومن آياته ان تقوم السماوات والارض بأمره قال وتواترت الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان القرآن كلام الله وان أمر الله قبل مخلوقاته قال ولم يذكر عن أحد من المهاجرين
[ 445 ]
والانصار والتابعين لهم بإحسان خلاف ذلك وهم الذين ادوا إلينا الكتاب والسنة قرنا بعد قرن ولم يكن بين أحد من أهل العلم في ذلك خلاف إلى زمان مالك والثوري وحماد وفقهاء الامصار ومضى على ذلك من أدركنا من علماء الحرمين والعراقين والشام ومصر وخراسان وقال عبد العزيز بن يحيى المكي في مناظرته لبشر المريسي بعد ان تلا الآية المذكورة أخبر الله تعالى عن الخلق أنه مسخر بأمره فالامر هو الذي كان الخلق مسخرا به فكيف يكون الامر مخلوق وقال تعالى انما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون فأخبر ان الامر متقدم على الشئ المكون وقال لله الامر من قبل ومن بعد أي من قبل خلق الخلق ومن بعد خلقهم وموتهم بدأهم بأمره ويعيدهم بأمره وقال غيره لفظ الامر يرد لمعان منها الطلب ومنها الحكم ومنها الحال والشأن ومنها المأمور كقوله تعالى فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شئ لما جاء أمر ربك أي مأموره وهو اهلاكهم واستعمال المأمور بلفظ الامر كاستعمال المخلوق بمعنى الخلق وقال الراغب الامر لفظ عام للافعال والاقوال كلها ومنه قوله تعالى واليه يرجع الامر كله ويقال للابداع أمر نحو قوله تعالى ألا له الخلق والامر وعلى ذلك حمل بعضهم قوله تعالى قل الروح من أمر ربي أي هو من ابداعه ويختص ذلك بالله تعالى دون الخلائق وقوله انما أمرنا لشئ إذا أردناه إشارة إلى ابداعه وعبر عنه بأقصر لفظ وأبلغ ما نتقدم به فيما بيننا بفعل الشئ ومنه وما أمرنا الا واحدة فعبر عن سرعة ايجاده بأسرع ما يدركه وهمنا والامر التقدم بالشئ سواء كان ذلك بقول أفعل أو لتفعل أو بلفظ خبر نحو والمطلقات يتربصن أو بإشارة أو غير ذلك كتسميته ما رأى إبراهيم أمرا حيث قال ابنه يا أبت افعل ما تؤمر واما قوله وما أمر فرعون برشيد فعام في أقواله وأفعاله وقوله اتى أمر الله إشارة إلى يوم القيامة فذكره بأعم الالفاظ وقوله بل سولت لكم أنفسكم أمرا أي ما تأمر به النفس الامارة انتهى وفي بعض ما ذكره نظر لا سيما في تفسير الامر في آية الباب بالابداع والمعروف فيه ما نقل عن بن عيينة وعلى ما قال الراغب يكون الامر في الآية من عطف الخاص على العام وقد قال بعض المفسرين المراد بالامر بعد الخلق تصريف الامور وقال بعضهم المراد بالخلق في الآية الدنيا وما فيها وبالامر الآخرة وما فيها فهو كقوله أتى أمر الله قوله وسمى النبي صلى الله عليه وسلم الايمان عملا تقدم بيان هذا في باب من قال الايمان هو العمل من كتاب الايمان أول الجامع قوله وقال أبو ذر وأبو هريرة سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الاعمال أفضل قال ايمان بالله وجهاد في سبيله تقدم الكلام عليهما وبيان من وصلهما وشواهدهما في باب قل فاتوا بالتوراة فاتلوها قبل أبواب قوله وقال جزاء بما كانوا يعملون أي من الايمان والصلاة وسائر الطاعات فسمى الايمان عملا حيث أدخله في جملة الاعمال قوله وقال وفد عبد القيس إلى أن قال فجعل ذلك كله عملا سيأتي ذلك موصولا بعد حديث ثم ذكر في الباب خمسة أحاديث مسندة الاول حديث أبي موسى الاشعري في قصة الذين طلبوا الحملان فقال صلى الله عليه وسلم لست أنا احملكم ولكن الله حملكم وقد تقدم شرحه في كتاب الايمان وعبد الوهاب في السند هو بن عبد المجيد الثقفي وليس هو والد عبد الله بن عبد الوهاب العبدري الحجي الراوي عنه هنا والقاسم التميمي هو بن عاصم وزهدم هو بن مضرب بتشديد الراء وقوله (7116) يأكل فقذرته زاد الكشميهني يأكل شيئا وقوله فحلفت لا آكله في رواية الكشميهني ان لا آكله وقوله
[ 446 ]
فلاحدثك وقال لغير الكشميهني فلاحدثنك بالنون المؤكدة والمراد منه نسبة الحمل إلى الله تعالى وان كان الذي باشر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فهو كقوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وقد تقدم توجيهه قريبا الحديث الثاني حديث وفد عبد القيس (7117) قوله أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد البصري المعروف بالنبيل بنون وموحدة وزن عظيم وهو من شيوخ البخاري أخرج عنه بغير واسطة في كتاب الزكاة وغيره وهنا بواسطة وكذلك في عدة مواضع قوله حدثنا قرة بن خالد قال عياض سقط من رواية أبي زيد المروزي وثبت لغيره والحقه عبدوس في روايته يعني عن المروزي ونقل أبو علي الجياني ان أبا زيد قال لما حدث به اظن بينهما قرة بن خالد قال أبو علي وما هو بالظن ولكنه يقين وبه يتصل الاسناد قوله قلت لابن عباس فقال قدم وفد عبد القيس كذا في هذه الرواية لم يذكر مقول قلت وبينه الاسماعيلي من طريق أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي بفتح المهملة والقاف عن قرة بن خالد فقال في روايته حدثنا أبو حمزة قال قلت لابن عباس ان لي جرة انتبذ فيها فأشربه حلوا لو أكثرت منه فجالست القوم لخشيت ان أفتضح فقال قدم وفد عبد القيس وقد أخرج مسلم طريق أبي عامر لكن لم يسق لفظه ولم يقف الكرماني على هذا فقال التقدير قلت لابن عباس حدثنا اما مطلقا واما عن قصة وفد عبد القيس فجعل مقول قلت طلب التحديث وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب الايمان وما يتعلق منه بالاشربة في كتاب الاشربة وتقدم جواب الاشكال عن تفسير الايمان بالاعمال البدنية مع أنه فعل القلب وعن الحكمة في قوله وان تعطوا الخمس ولم يقل واعطاء الخمس على نسق ما تقدم وعن سقوط ذكر الصوم في هذه الرواية مع كونه ثابتا في غيرها والتنبيه على انه وقع ذكر الحج في بعض طرق هذا الحديث من هذا الوجه من رواية قرة بن خالد الحديث الثالث والرابع والخامس عن عائشة وابن عمر وأبي هريرة في ذكر المصورين والاول من رواية الليث عن نافع عن عائشة والثاني من رواية أيوب عن نافع عن بن عمر ولفظهما واحد الا انه وقع في حديث عائشة ويقال لهم وفي حديث بن عمر يقال لهم بدون واو ومحمد بن العلاء في أول سند حديث أبي هريرة هو أبو كريب وهو بكنيته أشهر وابن فضيل هو محمد وعمارة هو بن القعقاع بن شبرمة وقد مضى في كتاب اللباس من وجه آخر عن عمارة وفيه قصة لابي هريرة ومضى شرحه هناك وقوله (7120) ومن ذهب أي قصد وقوله يخلق كخلقي نسب الخلق إليهم على سبيل الاستهزاء أو التشبيه في الصورة فقط وقوله فليخلقوا ذرة أو شعيرة أمر بمعنى التعجيز وهو على سبيل الترقي في الحقارة أو التنزل في الالزام والمراد بالذرة ان كان النملة فهو من تعذيبهم وتعجيزهم بخلق الحيوان تارة وبخلق الجماد أخرى وان كان بمعنى الهباء فهو بخلق ما ليس له جرم محسوس تارة وبماله جرم أخرى ويحتمل ان يكون أو شكا من الراوي قال بن بطال قوله في حديث عائشة وغيره يقال لهم احيوا ما خلقتم انما نسب خلقها إليهم تقريعا لهم بمضاهاتهم الله تعالى في خلقه فبكتهم بان قال إذا شابهتم بما صورتم مخلوقات الله تعالى فأحيوها كما
[ 447 ]
احيا هو من خلق وقال الكرماني أسند الخلق إليهم صريحا وهو خلاف الترجمة لكن المراد كسبهم فاطلق لفظ الخلق عليهم استهزاء أو ضمن خلقتم معنى صورتم تشبيها بالخلق أو أطلق بناء على زعمهم فيه قلت والذي يظهر ان مناسبة ذكر حديث المصورين لترجمة هذا الباب من جهة ان من زعم انه يخلق فعل نفسه لو صحت دعواه لما وقع الانكار على هؤلاء المصورين فلما كان أمرهم بنفخ الروح فيما صوروه أمر تعجيز ونسبة الخلق إليهم انما هي على سبيل التهكم والاستهزاء دل على فساد قول من نسب خلق فعله إليه استقلالا والعلم عند الله تعالى ثم قال الكرماني هذه الاحاديث تدل على ان العمل منسوب إلى العبد لان معنى الكسب اعتبار الجهتين فيستفاد المطلوب منها ولعل غرض البخاري في تكثير هذا النوع في الباب وغيره بيان جواز ما نقل عنه انه قال لفظي بالقرآن مخلوق ان صح عنه قلت قد صح عنه انه تبرأ من هذا الاطلاق فقال كل من ن قل عني اني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب علي وانما قلت أفعال العباد مخلوقة أخرج ذلك غنجار في ترجمة البخاري من تاريخ بخارا بسند صحيح إلى محمد بن نصر المروزي الامام المشهور انه سمع البخاري يقول ذلك ومن طريق أبي عمر وأحمد بن نصر النيسابوري الخفاف انه سمع البخاري يقول ذلك (0) قوله باب قراءة الفاجر والمنافق وتلاوتهم لا تجاوز حناجرهم قال الكرماني المراد بالفاجر المنافق بقرينة جعله قسيما للمؤمن في الحديث يعني الاول ومقابلا له فعطف المنافق عليه في الترجمة من باب العطف التفسيري قال وقوله وتلاوتهم مبتدأ وخبره لا يجاوز حناجرهم وانما جمع الضمير لانه حكاية عن لفظ الحديث قال وزيد في بعضها وأصواتهم قلت هي ثابتة في جميع ما وقفنا عليه من نسخ البخاري ووقع في رواية أبي ذر قراءة الفاجر أو المنافق بالشك وهو يؤيد تأويل الكرماني ويحتمل ان يكون للتنويع والفاجر أعم من المنافق فيكون من عطف الخاص على العام وذكر فيه ثلاثة أحاديث الحديث الاول حديث أبي موسى وهو الاشعري مثل المؤمن وقد تقدم شرحه في فضائل القرآن والسند كله بصريون ومطابقته للترجمة ظاهرة ومناسبتها لما قبلها من الابواب ان التلاوة متفاوتة بتفاوت التالي فيدل على انها من عمله وقال بن بطال معنى هذا الباب ان قراءة الفاجر والمنافق لا ترتفع إلى الله ولا تزكو عنده وانما يزكو عنده ما أريد به وجهه وكان عن نية التقرب إليه وشبهه بالريحانة حين لم ينتفع ببركة القرآن ولم يفز بحلاوة أجره فلم يجاوز الطيب موضع الصوت وهو الحلق ولا اتصل بالقلب وهؤلاء هم الذين يمرقون من الدين الحديث الثاني (7122) قوله علي هو بن عبد الله بن المديني وهشام هو بن يوسف الصنعاني ويونس في السند الثاني هو بن يزيد وابن شهاب فيه هو الزهري المذكور في الاول وقد تقدمت طريق علي بن عبد الله المديني في اواخر كتاب الطب في باب الكهانة ونسبه فيها ونسب شيخه كما ذكرت وساق المتن على لفظه هناك ووقع عنده أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير انه سمع عروة بن الزبير قوله سأل أناس في رواية معمر ناس وهما بمعنى وقوله هنا يحدثون بالشئ يكون حقا في رواية معمر انهم يحدثوننا أحيانا بشئ فيكون حقا قوله يخطفها في رواية الكشميهني يحفظها بحاء مهملة وطاء مشالة والفاء قبلها من الحفظ قوله فيقرقرها في رواية معمر فيقرها بتشديد الراء قوله كقرقرة الدجاجة في رواية المستملي الزجاجة بضم الزاي وتقدم شرحه مستوفى في الباب المذكور ومناسبته للترجمة تعرض له بن بطال ولخصه الكرماني فقال
[ 448 ]
لمشابهة الكاهن بالمنافق من جهة انه لا ينتفع بالكلمة الصادقة لغلبة الكذب عليه ولفساد حاله كما ان المنافق لا ينتفع بقراءته لفساد عقيدته والذي يظهر لي من مراد البخاري ان تلفظ المنافق بالقرآن كما يتلفظ به المؤمن فتختلف تلاوتهما والمتلو واحد فلو كان المتلو عين التلاوة لم يقع فيه تخالف وكذلك الكاهن في تلفظه بالكلمة من الوحي التي يخبره بها الجني مما يختطفه من الملك تلفظه بها وتلفظ الجني مغاير لتلفظ الملك فتفاوتا الحديث الثالث (7123) قوله عن معبد بن سيرين هو أخو محمد وهو أكبر منه والسند كله بصريون الا الصحابي وقد دخل البصرة قوله يخرج ناس من قبل المشرق تقدم في كتاب الفتن انهم الخوارج وبيان مبدا أمرهم وما ورد فيهم وكان ابتداء خروجهم في العراق وهي من جهة المشرق بالنسبة إلى مكة المشرفة قوله لا يجاوز تراقيهم جمع ترقوة بفتح أوله وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق وذكره في الترجمة بلفظ حناجرهم جمع حنجرة وهي الحلقوم وتقدم بيان الحلقوم في أواخر كتاب العلم وقد رواه عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد بلفظ حناجرهم وتقدم في باب قوله تعالى تعرج الملائكة والروح إليه من كتاب التوحيد قوله قيل ما سماهم بكسر المهملة وسكون التحتانية أي علامتهم والسائل عن ذلك لم أقف على تعيينه قوله التحليق أو قال التسبيد شك من الراوي وهو بالمهملة والموحدة بمعنى التحليق وقيل ابلغ منه وهو بمعنى الاستئصال وقيل ان نبت بعد أيام وقيل هو ترك دهن الشعر وغسله قال الكرماني فيه اشكال وهو انه يلزم من وجود العلامة وجود ذي العلامة فيستلزم ان كل من كان محلوق الرأس فهو من الخوارج والامر بخلاف ذلك اتفاقا ثم أجاب بان السلف كانوا لا يحلقون رؤوسهم الا للنسك أو في الحاجة والخوارج اتخذوه ديدنا فصار شعارا لهم وعرفوا به قال ويحتمل ان يراد به حلق الرأس واللحية وجميع شعورهم وان يراد به الافراط في القتل والمبالغة في المخالفة في أمر الديانة قلت الاول باطل لانه لم يقع من الخوارج والثاني محتمل لكن طرق الحديث المتكاثرة كالصريحة في إرادة حلق الرأس والثالث كالثاني والله أعلم تنبيه وقع لابن بطال في وصف الخوارج خبط أردت التنبيه عليه لئلا يغتر به وذلك انه قال يمكن ان يكون هذا الحديث في قوم عرفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي أنهم خرجوا ببدعتهم عن الاسلام إلى الكفر وهم الذين قتلهم علي بالنهروان حين قالوا انك ربنا فاغتاظ عليهم وأمر بهم فحرقوا بالنار فزادهم ذلك فتنة وقالوا الآن تيقنا انك ربنا إذ لا يعذب بالنار الا الله انتهى وقد تقدمت هذه القصة لعلي في الفتن وليست للخوارج وانما هي للزنادقة كما وقع مصرحا به في بعض طرقه ووقع في شرح الوجيز للرافعي عند ذكر الخوارج قال هم فرقة من المبتدعة خرجوا على علي حيث اعتقدوا انه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لرضاه بقتله ومواطأته إياهم ويعتقدون ان من اتى كبيرة فقد كفر واستحق الخلود في النار ويطعنون لذلك في الائمة انتهى وليس الوصف الاول في كلامه وصف الخوارج المبتدعة وانما هو وصف النواصب اتباع معاوية بصفين واما الخوارج فمن معتقدهم تكفير عثمان وانه قتل بحق ولم يزالوا مع علي حتى وقع التحكيم بصفين فأنكروا التحكيم وخرجوا على علي وكفروه وقد تقدم القول فيهم مبسوطا في كتاب الفتن (0) قوله باب قول الله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة كذا لابي ذر وسقط لاكثرهم ليوم القيامة والموازين جمع ميزان
[ 449 ]
وأصله موزان فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها واختلف في ذكره هنا بلفظ الجمع هل المراد ان لكل شخص ميزانا أو لكل عمل ميزان فيكون الجمع حقيقة أو ليس هناك الا ميزان واحد والجمع باعتبار تعدد الاعمال أو الاشخاص ويدل على تعدد الاعمال قوله تعالى ومن خفت موازينه ويحتمل أن يكون الجمع للتفخيم كما في قوله تعالى كذبت قوم نوح المرسلين مع انه لم يرسل إليهم الا واحد والذي يترجح انه ميزان واحد ولا يشكل بكثرة من يوزن عمله لان أحوال القيامة لا تكيف بأحوال الدنيا والقسط العدل وهو نعت الموازين وان كان مفردا وهي جمع لانه مصدر قال الطبري القسط العدل وجعل وهو مفرد من نعت الموازين وهي جمع لانه كقولك عدل ورضى وقال أبو إسحاق الزجاج المعنى ونضع الموازين ذوات القسط والقسط العدل وهو مصدر يوصف به يقال ميزان قسط وميزانان قسط وموازين قسط وقيل هو مفعول من أجله أي لاجل القسط واللام في قوله ليوم القيامة للتعليل مع حذف مضاف أي لحساب يوم القيامة وقيل هي بمعنى في كذا جزم به بن قتيبة واختاره بن مالك وقيل للتوقيت كقول النابغة توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع وحكى حنبل بن إسحاق في كتاب السنة عن أحمد بن حنبل انه قال ردا على من أنكر الميزان ما معناه قال الله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الميزان يوم القيامة فمن رد على النبي صلى الله عليه وسلم فقد رد على الله عز وجل قوله وان أعمال بني آدم وقولهم يوزن كذا للاكثر وللقابسي وطائفة وأقوالهم بصيغة الجمع وهو المناسب للاعمال وظاهره التعميم لكن خص منه طائفتان فمن الكفار من لا ذنب له الا الكفر ولم يعمل حسنة فإنه يقع في النار من غير حساب ولا ميزان ومن المؤمنين من لا سيئة له وله حسنات كثيرة زائدة على محض الايمان فهذا يدخل الجنة بغير حساب كما في قصة السبعين ألفا ومن شاء الله ان يلحقه بهم وهم الذين يمرون على السراط كالبرق الخاطف وكالريح وكأجاويد الخيل ومن عدا هذين من الكفار والمؤمنين يحاسبون وتعرض أعمالهم على الموازين ويدل على محاسبة الكفار ووزن اعمالهم قوله تعالى في سورة المؤمنين فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم إلى قوله ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ونقل القرطبي عن بعض العلماء انه قال الكافر لا ثواب له وعمله مقابل بالعذاب فلا حسنة له توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار واستدل بقوله تعالى فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا وبحديث أبي هريرة وهو في الصحيح في الكافر لا يزن عند الله جناح بعوضة وتعقب انه مجاز عن حقارة قدره ولا يلزم منه عدم الوزن وحكى القرطبي في صفة وزن عمل الكافر وجهين أحدهما ان كفره يوضع في الكفة ولا يجد له حسنة يضعها في الاخرى فتطيش التي لا شئ فيها قال وهذا ظاهر الآية لانه وصف الميزان بالخفة لا الموزون ثانيهما قد يقع منه العتق والبر والصلة وسائر أنواع الخير المالية مما لو فعلها المسلم لكانت له حسنات فمن كانت له حسنات جمعت ووضعت غير ان الكفر إذا قابلها رجح بها قلت ويحتمل ان يجازى بها عما يقع منه من ظلم العباد مثلا فان استوت عذب بكفره مثلا فقط والا زيد عذابه بكفره أو خفف عنه كما في قصة أبي طالب قال أبو إسحق الزجاج اجمع أهل السنة على الايمان بالميزان وان أعمال العباد توزن يوم القيامة وان الميزان
[ 450 ]
له لسان وكفتان ويميل بالاعمال وانكرت المعتزلة الميزان وقالوا هو عبارة عن العدل فخالفوا الكتاب والسنة لان الله أخبر انه يضع الموازين لوزن الاعمال ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين وقال بن فورك أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على ان الاعراض يستحيل وزنها إذا لا تقوم بأنفسها قال وقد روى بعض المتكلمين عن بن عباس ان الله تعالى يقلب الاعراض اجساما فيزنها انتهى وقد ذهب بعض السلف إلى ان الميزان بمعنى العدل والقضاء فأسند الطبري من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة قال انما هو مثل كما يجوز وزن الاعمال كذلك يجوز الحط ومن طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال الموازين العدل والراجح ما ذهب إليه الجمهور وأخرج أبو القاسم اللالكائي في السنة عن سلمان قال يوضع الميزان وله كفتان لو وضع في إحداهما السماوات والارض ومن فيهن لوسعته ومن طريق عبد الملك بن أبي سليمان ذكر الميزان عند الحسن فقال له لسان وكفتان وقال الطيبي قيل انما توزن الصحف واما الاعمال فانها أعراض فلا توصف بثقل ولا خفة والحق عند أهل السنة ان الاعمال حينئذ تجسد أو تجعل في أجسام فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة وأعمال المسيئين في صورة قبيحة ثم توزن ورجح القرطبي ان الذي يوزن الصحائف التي تكتب فيها الاعمال ونقل عن بن عمر قال توزن صحائف الاعمال قال فإذا ثبت هذا فالصحف أجسام فيرتفع الاشكال ويقويه حديث البطاقة الذي أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه وفيه فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة انتهى والصحيح ان الاعمال هي التي توزن وقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه بن حبان عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خلق حسن وفي حديث جابر رفعه توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال حبة دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسانته مثقال حبة دخل النار قيل فمن استوت حسناته وسيئاته قال أولئك أصحاب الاعراف أخرجه خيثمة في فوائده وعند بن المبارك في الزهد عن بن مسعود نحوه موقوفا وأخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة عن حذيفة موقوفا ان صاحب الميزان يوم القيامة جبريل عليه السلام قوله وقال مجاهد القسطاس العدل بالرومية وصله الفريابي في تفسيره عن سفيان الثوري عن رجل عن مجاهد وعن ورقاء عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى وزنوا بالقسطاس المستقيم قال هو العدل بالرومية وقال الطبري معنى قوله وزنوا بالقسطاس بالميزان وقال بن دريد مثله وزاد وهو رومي عرب ويقال قسطار بالراء آخره بدل السين وقال صاحب المشارق القسطاس أعدل الموازين وهو بكسر القاف وبضمها وقرئ بهما في المشهور قوله ويقال القسط مصدر المقسط وهو العادل واما القاسط فهو الجائر قال الفراء القاسطون الجائرون والمقسطون العادلون وقال الراغب القسط النصيب بالعدل كالنصف والنصفة والقسط بفتح القاف ان يأخذ قسط غيره وذلك جور والاقساط ان يعطي غيره قسطه وذلك انصاف ولذلك قيل قسط إذا جار وأقسط إذا عدل وقال صاحب المحكم القسط النصيب إذا تقاسموه بالسوية وقال الاسماعيلي متعقبا على قول البخاري القسط مصدر المقسط ما نصه القسط العدل ومصدر المقسط الاقساط يقال أقسط إذا عدل وقسط إذا جار ويرجعان إلى معنى متقارب لانه يقال
[ 451 ]
عدل عن كذا إذا مال عنه وكذلك قسط إذ عدل عن الحق وأقسط كأنه لزم القسط وهو العدل قال الله تعالى وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا وقال النبي صلى الله عليه وسلم المقسطون على منابر من نور انتهى وكان من حقه ان يستشهد للمعنى الثاني بالآية الاخرى وهي قوله تعالى ان الله يحب المقسطين وهي في المائدة وفي الحجرات والحديث الذي ذكره صحيح أخرجه مسلم وفي الصحيح عن أبي هريرة رفعه في ذكر عيسى بن مريم ينزل حكما مقسطا وفي الاسماء الحسنى المقسط قال الحليمي هو المعطي عباده القسط وهو العدل من نفسه وقد يكون معناه المعطي لكل منهم قسطا من خيره وقوله كأنه لزم القسط يشير إلى ان الهمزة فيه للسلب وبذلك جزم صاحب النهاية وذكر بن القطاع ان قسط من الاضداد وقد أجاب بن بطال عن اعتراض من اعترض على قول البخاري مصدر المقسط فقال أراد بالمصدر ما حذفت زوائده كقول الشاعر وان أهلك فذلك حين قدري أي تقديري فرده إلى أصله وانما تحذف العرب الزوائد لترد الكلمة إلى أصلها واما المصدر المقسط الجاري على فعله فهو الاقساط وقال الكرماني المراد بالمصدر المحذوف الزوائد نظرا إلى أصله فهو مصدر مصدره إذ لا خفاء ان المصدر الجاري على فعله هو الاقساط فان قيل المزيد لا بد أن يكون من جنس المزيد عليه قلت اما ان يكون من القسط بالكسر واما ان يكون من القسط بالفتح الذي هو بمعنى الجور والهمزة للسلب والازالة (7124) قوله حدثنا أحمد بن أشكاب بكسر الهمزة وسكون المعجمة وآخره موحدة غير منصرف لانه أعجمي وقيل بل عربي فينصرف وهو لقب واسمه مجمع وقيل معمر وقيل عبيد الله وكنية أحمد أبو عبد الله وهو الصفار الحضرمي نزيل مصر قال البخاري آخر ما لقيته بمصر سنة سبع عشرة وأرخ بن حبان وفاته فيها وقال بن يونس مات سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة قلت وليس بينه وبين علي بن أشكاب ولا محمد بن أشكاب قرابة قوله حدثنا محمد بن فضيل أي بن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي ولم أر هذه الحديث الامن طريقه بهذا الاسناد وقد تقدم في الدعوات وفي الايمان والنذور وأخرجه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان كلهم من طريقه قال الترمذي حسن صحيح غريب قلت وجه الغرابة فيه ما ذكرته من تفرد محمد بن فضيل وشيخه وشيخ شيخه وصحابيه قوله عن عمارة في رواية قتيبة عن بن فضيل حدثنا عمارة وقد تقدمت في الايمان والنذور قوله كلمتان حبيبتان إلى الرحمن كذا في هذه الرواية بتقديم حبيبتان وتأخير ثقيلتان وقد تقدم في الدعوات وفي الايمان والنذور بتقديم خفيفتان وتأخير حبيبتان وهي رواية مسلم عن زهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نمير وأبي كريب ومحمد بن طريف وكذا عند الباقين ممن تقدم ذكره ومن سيأتي عن شيوخهم وفي قوله كلمتان إطلاق كلمة على الكلام وهو مثل كلمة الاخلاص وكلمة الشهادة وقوله كلمتان هو الخبر وحبيبتان وما بعدها صفة والمبتدأ سبحان الله إلى آخره والنكتة في تقديم الخبر تشويق السامع إلى المبتدأ وكلما طال الكلام في وصف الخبر حسن تقديمه لان كثرة الاوصاف الجميلة تزيد السامع شوقا وقوله حبيبتان أي محبوبتان والمعنى محبوب قائلهما ومحبة الله للعبد تقدم معناها في كتاب الرقاق وقوله ثقيلتان في الميزان هو موضع الترجمة لانه ومطابقه لقوله وان أعمال بني آدم توزن قال الكرماني فان قيل فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث ولا سيما إذا كان موصوفه معه فلم عدل عن
[ 452 ]
التذكير إلى التأنيث فالجواب ان ذلك جائز لا واجب وأيضا فهو في المفرد لا المثنى سلمنا لكن أنث لمناسبة الثقيلتين والخفيفتين أو لانها بمعنى الفاعل لا المفعول والتاء لنقل اللفظة من الوصفية إلى الاسمية وقد يطلق على ما لم يقع لكنه متوقع كمن يقول خذ ذبيحتك للشاة التي لم تذبح فإذا وقع عليها الفعل فهي ذبيح حقيقة وخص لفظ الرحمن بالذكر لان المقصود من الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى على عباده حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الكثير قوله خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان وصفهما بالخفة والثقل لبيان قلة العمل وكثرة الثواب وفي هذه الالفاظ الثلاثة سجع مستعذب وقد تقدم في الدعوات بيان الجائز منه والمنهي عنه وكذا في الحدود في حديث سجع كسجع الكهان والحاصل ان المنهي عنه ما كان متكلفا أو متضمنا لباطل لا ما جاء عفوا عن غيره قصد إليه وقوله خفيفتان فيه إشارة إلى قلة كلامهما وأحرفهما ورشاقتهما قال الطيبي الخفة مستعارة للسهولة وشبه سهولة جريانها على اللسان بما خف على الحامل من بعض الامتعة فلا تتعبه كالشئ الثقيل وفيه إشارة إلى أن سائر التكاليف صعبة شاقة على النفس ثقيلة وهذه سهلة عليها مع أنها تثقل الميزان كثقل الشاق من التكاليف وقد سئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة وخفة السيئة فقال لان الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت فلا يحملنك ثقلها على تركها والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خفت فلا يحملنك خفتها على ارتكابها قوله سبحان الله تقدم معناه في باب فضل التسبيح من كتاب الدعوات قوله وبحمده قيل الواو للحال والتقدير أسبح الله متلبسا بحمدي له من أجل توفيقه وقيل عاطفة والتقدير أسبح الله وأتلبس بحمده ويحتمل أن يكون الحمد مضافا للفاعل والمراد من الحمد لازمه أو ما يوجب الحمد من التوفيق ونحوه ويحتمل ان تكون الباء متعلقة بمحذوف متقدم والتقدير واثنى عليه بحمده فيكون سبحان الله جملة مستقلة وبحمده جملة أخرى وقال الخطابي في حديث سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أي بقوتك التي هي نعمة توجب علي حمدك سبحتك لا بحولي وبقوتي كأنه يريد أن ذلك مما أقيم فيه السبب مقام المسبب واتفقت الروايات عن محمد بن فضيل على ثبوت وبحمده الا أن الاسماعيلي قال بعد أن أخرجه من رواية زهير بن حرب وأحمد بن عبدة وأبي بكر بن أبي شيبة والحسين بن علي بن الاسود عنه لم يقل أكثرهم وبحمده قلت وقد ثبت من رواية زهير بن حرب عند الشيخين وعند مسلم عن بقية من سميت من شيوخه والترمذي عن يوسف بن عيسى والنسائي عن محمد بن آدم وأحمد بن حرب وابن ماجة عن علي بن محمد وعلي بن المنذر وأبو عوانة عن محمد بن إسماعيل بن سمرة الاحمسي وابن حبان أيضا من رواية محمد بن عبد الله بن نمير كلهم عن محمد بن فضيل كأنها سقطت من رواية أبي بكر وأحمد بن عبدة والحسين قوله سبحان الله العظيم هكذا عند الاكثر بتقديم سبحان الله وبحمده على سبحان الله العظيم وتقدم في الدعوات عن زهير بن حرب بتقديم سبحان الله العظيم على سبحان الله وبحمده وكذا هو عند أحمد بن حنبل عن محمد بن فضيل وكذا عند جميع من سميته قبل وقد وقع لي بعلو ف ي كتاب الدعاء لمحمد بن فضيل من رواية علي بن المنذر عنه بثبوت وبحمده وتقديم سبحان الله وبحمده قال بن بطال هذه الفضائل الواردة في فضل الذكر انما هي لاهل الشرف في الدين والكمال كالطهارة من الحرام والمعاصي العظام فلا تظن ان من ادمن الذكر وأصر على ما شاءه من
[ 453 ]
شهواته وانتهك دين الله وحرماته انه يلتحق بالمطهرين المقدسين ويبلغ منازلهم بكلام أجراه على لسانه ليس معه تقوى ولا عمل صالح قال الكرماني صفات الله وجودية كالعلم والقدرة وهي صفات الاكرام وعدمية كلا شريك له ولا مثله وهي صفات الجلال فالتسبيح إشارة إلى صفات الجلال والتحميد إشارة إلى صفات الاكرام وترك التقييد مشعر بالتعميم والمعنى أنزهه عن جميع النقائص واحمده بجميع الكمالات قال والنظم الطبيعي يقتضي تقديم التحلية على التخلية فقدم التسبيح الدال على التخلي على التحميد الدال على التحلي وقدم لفظ الله لانه اسم الذات المقدسة الجامع لجميع الصفات والاسماء الحسنى ووصفه بالعظيم لانه الشامل لسلب ما لا يليق به واثبات ما يليق به إذ العظمة الكاملة مستلزمة لعدم النظير والمثيل ونحو ذلك وكذا العلم بجميع المعلومات والقدرة على جميع المقدورات ونحو ذلك وذكر التسبيح متلبسا بالحمد ليعلم ثبوت الكمال له نفيا واثباتا وكرره تأكيدا ولان الاعتناء بشأن التنزيه أكثر من جهة كثرة المخالفين ولهذا جاء في القرآن بعبارات مختلفة نحو سبحان وسبح بلفظ الامر وسبح بلفظ الماضي ويسبح بلفظ المضارع ولان التنزيهات تدرك بالعقل بخلاف الكمالات فانها تقصر عن إدراك حقائقها كما قال بعض المحققين الحقائق الالهية لا تعرف الا بطريق السلب كما في العلم لا يدرك منه الا انه ليس بجاهل واما معرفة حقيقة علمه فلا سبيل إليه وقال شيخنا شيخ الاسلام سراج الدين البلقيني في كلامه على مناسبة أبواب صحيح البخاري الذي نقلته عنه في أواخر المقدمة لما كان أصل العصمة أولا وآخرا هو توحيد الله فختم بكتاب التوحيد وكان آخر الامور التي يظهر بها المفلح من الخاسر ثقل الموازين وخفتها فجعله آخر تراجم الكتاب فبدأ بحديث الاعمال بالنيات وذلك في الدنيا وختم بأن الاعمال توزن يوم القيامة وأشار إلى انه انما يثقل منها ما كان بالنية الخالصة لله تعالى وفي الحديث الذي ذكره ترغيب وتخفيف وحث على الذكر المذكور لمحبة الرحمن له والخفة بالنسبة لما يتعلق بالعمل والثقل بالنسبة لاظهار الثواب وجاء ترتيب هذا الحديث على أسلوب عظيم وهو ان حب الرب سابق وذكر العبد وخفة الذكر على لسانه تال ثم بين ما فيهما من الثواب العظيم النافع يوم القيامة انتهى ملخصا وقال الكرماني تقدم في أول كتاب التوحيد بيان ترتيب أبواب الكتاب وان الختم بمباحث كلام الله لانه مدار الوحي وبه تثبت الشرائع ولهذا افتتح ببدء الوحي والانتهاء إلى ما منه الابتداء ونعم الختم بها ولكن ذكر هذا الباب ليس مقصودا بالذات بل هو لارادة ان يكون آخر الكلام التسبيح والتحميد كما انه ذكر حديث الاعمال بالنيات في أول الكتاب لارادة بيان اخلاصه فيه كذا قال والذي يظهر انه قصد ختم كتابه بما دل على وزن الاعمال لانه آخر آثار التكليف فإنه ليس بعد الوزن الا الاستقرار في أحد الدارين إلى ان يريد الله إخراج من قضى بتعذيبه من الموحدين فيخرجون من النار بالشفاعة كما تقدم بيانه قال الكرماني وأشار أيضا إلى انه وضع كتابه قسطاسا وميزانا يرجع إليه وانه سهل على من يسره الله تعالى عليه وفيه اشعار بما كان عليه المؤلف في حالتيه أولا وآخرا تقبل الله تعالى منه وجزاه أفضل الجزاء قلت وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم الحث على ادامة هذا الذكر وقد تقدم في باب فضل التسبيح من وجه آخر عن أبي هريرة حديث آخر لفظه من قال سبحان الله وبحمده في يومه مائة مرة حطت خطاياه وان كانت مثل زبد البحر وإذا ثبت هذا في قول سبحان الله وبحمده وحدها
[ 454 ]
فإذا انضمت إليها الكلمة الاخرى فالذي يظهر انها تفيد تحصيل الثواب الجزيل المناسب لها كما ان من قال الكلمة الاولى وليست له خطايا مثلا فإنه يحصل له من الثواب ما يوازن ذلك وفيه إيراد الحكم المرغب في فعله بلفظ الخبر لان المقصود من سياق هذا الحديث الامر بملازمة الذكر المذكور وفيه تقديم المبتدأ على الخبر كما مضى في قوله كلمتان وفيه من البديع المقابلة والمناسبة والموازنة في السجع لانه قال حبيبتان إلى الرحمن ولم يقل للرحمن لموازنة قوله على اللسان وعدى كلا من الثلاثة بما يليق به وفيه إشارة امتثال قوله تعالى وسبح بحمد ربك وقد أخبر الله تعالى عن الملائكة في عدة آيات انهم يسبحون بحمد ربهم وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أي الكلام أحب إلى الله قال ما اصطفى الله لملائكته سبحان ربي وبحمده سبحان ربي وبحمده وفي لفظ له ان احب الكلام إلى الله سبحانه سبحان الله وبحمده خاتمة اشتمل كتاب التوحيد من الاحاديث المرفوعة على مائتي حديث وخمسة وأربعين حديثا المعلق منها وما في معناه من المتابعة خمسة وخمسون طريقا والباقي موصول المكرر منها فيه وفيما مضى معظمها والخالص منها أحد عشر حديثا انفرد عن مسلم بأكثرها وأخرج مسلم منها حديث عائشة في أمر السرية في ذكر قل هو الله أحد وحديث أبي هريرة اذنب عبد من عبادي ذنبا وحديثه إذا تقرب العبد مني شبرا وحديثه يقول الله عزوجل انا عند ظن عبدي بي وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ستة وثلاثون أثرا فجميع ما في الجامع من الاحاديث بالمكرر موصولا ومعلقا وما في معناه من المتابعة تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثا وجميع ما فيه موصولا ومعلقا بغير تكرار الفا حديث وخمسمائة حديث وثلاثة عشر حديثا فمن ذلك المعلق وما في معناه من المتابعة مائة وستون حديثا والباقي موصول وافقه مسلم على تخريجها سوى ثمانمئة وعشرين حديثا وقد بينت ذلك مفصلا في آخر كل كتاب من كتب هذا الجامع وجمعت ذلك هنا تنبيها على وهم من زعم ان عدده بالمكرر سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا وان عدده بغير المكرر أربعة آلاف أو نحو أربعة آلاف وقد أوضحت ذلك مفصلا في أواخر المقدمة وذلك كله خارج عما أودعه في تراجم الابواب من ألفاظ الحديث من غير تصريح بما يدل على انه حديث مرفوع كما نبهت على كل موضع من ذلك في بابه كقوله باب اثنان فما فوقهما جماعة فإنه لفظ حديث أخرجه بن ماجة وفيه من الآثار الموقوفة على أصحابه فمن بعدهم ألف وستمائة وثمانية آثار وقد ذكرت تفاصيلها أيضا عقب كل كتاب ولله الحمد في الكتاب آثار كثيرة لم يصرح بنسبتها لقائل مسمى ولا مبهم خصوصا في التفسير وفي التراجم فلم يدخل في هذه العدة وقد نبهت عليها أيضا في اماكنها ومما اتفق له من المناسبات التي لم أر من نبه عليها انه يعتني غالبا بأن يكون في الحديث الاخير من كل كتاب من كتب هذا الجامع مناسبة لختمه ولو كانت الكلمة في أثناء الحديث الاخير أو من الكلام عليه كقوله في آخر حديث بدء الوحي فكان ذلك آخر شأن هرقل وقوله في آخر كتاب الايمان ثم استغفر ونزل وفي آخر كتاب العلم وليقطعهما حتى يكون تحت الكعبين وفي آخر كتاب الوضوء واجعلهن آخر ما تكلم به وفي آخر كتاب الغسل وذلك الاخير انما بيناه لاختلافهم وفي آخر كتاب التيمم عليك بالصعيد فإنه يكفيك وفي آخر كتاب الصلاة استئذان المرأة زوجها في الخروج وفي آخر كتاب الجمعة ثم تكون القائلة وفي آخر كتاب العيدين لم يصل قبلها ولا بعدها
[ 455 ]
وفي آخر الاستسقاء بأي أرض تموت وفي آخر تقصير الصلاة وان كنت نائمة اضطجعي وفي آخر التهجد والتطوع وبعد العصر حتى تغرب وفي آخر العمل في الصلاة فأشار إليهم ان اجلسوا فلما انصرف وفي آخر كتاب الجنائز فنزلت تبت يدا أبي لهب وتب وهو من التباب ومعناه الهلاك وفي آخر الزكاة صدقة الفطر ولها دخول في الآخرية من جهة كونها تقع في آخر رمضان مكفرة لما مضى وفي آخر الحج واجعل موتي في بلد رسولك وفي آخر الصيام ومن لم يكن أكل فليصم وفي آخر الاعتكاف ما انا بمعتكف فرجع وفي آخر البيع والاجارة حتى أجلاهم عمر وفي آخر الحوالة فصلى عليه وفي آخر الكفالة من ترك مالا فلورثته وفي آخر المزارعة ما نسيت من مقالتي تلك إلى يومي هذا شيئا وفي آخر الملازمة حتى أموت ثم ابعث وفي آخر الشرب فشرب حتى رضيت وفي آخر المظالم فكسروا صومعته وأنزلوه وفي آخر الشركة أفنذبح بالقصب وفي آخر الرهن أولئك لا خلاق لهم في الآخرة وفي آخر العتق الولاء لمن اعتق وفي آخر الهبة ولا تعد في صدقتك وفي آخر الشهادات لاتوهما ولو حبوا وفي آخر الصلح قم فاقضه وفي آخر الشروط لا تباع ولا توهب ولا تورث وفي آخر الجهاد قدمت فقال صل ركعتين وفي آخر فرض الخمس حرمها البتة وفي آخر الجزية والموادعة فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وفي آخر بدء الخلق وأحاديث الانبياء قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها وفي آخر المناقب توفيت خديجة رضي الله عنها قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم وفي آخر الهجرة فترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام المغازي الوفاة النبوية وما يتعلق بها وفي آخر التفسير تفسير المعوذتين وفي آخر فضائل القرآن اختلفوا فأهلكوا وفي آخر النكاح فلا يمنعني من التحرك وفي آخر الطلاق وتعفو أثرة وفي آخر اللعان أبعد لك منها وفي آخر النفقات أعتقها أبو لهب وفي آخر الاطعمة وانزل الحجاب وفي آخر الذبائح والاضاحي حتى تنفر من منى وفي آخر الاشربة وتابعه سعيد بن المسيب عن جابر وفي آخر المرضى وانقل حماها وفي آخر الطب ثم ليطرحه وفي آخر اللباس إحدى رجليه على الاخرى وفي آخر الادب فليرده ما استطاع وفي آخر الاستئذان منذ قبض النبي صلى الله عليه وسلم وفي آخر الدعوات كراهية السآمة علينا وفي آخر الرقاق أن نرجع على أعقابنا وفي آخر القدر إذا أرادوا فتنة أبينا وفي آخر الايمان والنذور إذا سهم غابر فقتله وفي آخر الكفارة وكفر عن يمينك وفي آخر الحدود ان شاء عذبه وان شاء غفر له وفي آخر المحاربين اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة وفي آخر الاكراه يحجزه عن الظلم وفي آخر تعبير الرؤيا تجاوز الله عنهم وفي آخر الفتن أنهلك وفينا الصالحون وفي آخر الاحكام فاعتمرت بعد أيام الحج وفي آخر الاعتصام سبحانك هذا بهتان عظيم والتسبيح مشروع في الختام فلذلك ختم به كتاب التوحيد والحمد لله بعد التسبيح آخر دعوى أهل الجنة قال الله تعالى دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين وقد ورد في حديث أبي هريرة في ختم المجلس ما أخرجه الترمذي في الجامع والنسائي في اليوم والليلة وابن حبان في صحيحه والطبراني في الدعاء والحاكم في المستدرك كلهم من رواية حجاج بن محمد عن بن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال أقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلس في مجلس وكثر فيه لغطه فقال قبل ان يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا أنت
[ 456 ]
أستغفرك وأتوب إليك الا غفر له ما كان في مجلسه ذلك هذا لفظ الترمذي وقال حسن صحيح غريب لا نعرفه من حديث سهيل الا من هذا الوجه وفي الباب عن أبي برزة وعائشة وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم الا ان البخاري أعله برواية وهيب عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن كعب الاحبار كذا قال في المستدرك ووهم في ذلك فليس في هذا السند ذكر لوالد سهيل ولا كعب والصواب عن سهيل عن عون وكذا ذكره على الصواب في علوم الحديث فإنه ساقه فيه من طريق البخاري عن محمد بن سلام عن مخلد بن يزيد عن بن جريج بسنده ثم قال قال البخاري هذا حديث مليح ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الا انه معلول حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله قوله قال البخاري هذا أولى فانا لا نذكر لموسى بن عقبة سماعا من سهيل انتهى وأخرجه البيهقي في المدخل عن الحاكم بسنده المذكور في علوم الحديث عن البخاري فقال عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين كلاهما عن حجاج بن محمد وساق كلام البخاري لكن قال لا أعلم بهذا الاسناد في الدنيا غير هذا الحديث الا انه معلول وقوله لا أعلم بهذا الاسناد في الدنيا هو المنقول عن البخاري لا قوله لا أعلم في الدنيا في هذا الباب فان في الباب عدة أحاديث لا تخفى على البخاري وقد ساق الخليل في الارشاد هذه القصة عن غير الحاكم وذكر فيها ان مسلما قال للبخاري أتعرف بهذا الاسناد في الدنيا حديثا غير هذا فقال لا الا انه معلول ثم ذكره عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله قوله وهو موافق لما في علوم الحديث في سند التعليل لا في قوله في هذا الباب فهو موافق لرواية البيهقي في قوله بهذا الاسناد وكأن الحاكم وهم في هذه اللفظة وهي قوله في هذا الباب وانما هي بهذا الاسناد وهو كما قال لان هذا الاسناد وهو بن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل لا يوجد الا في هذا المتن ولهذا قال البخاري لا أعلم لموسى سماعا من سهيل يعني انه إذا لم يكن معروفا بالاخذ عنه وجاءت عنه رواية خالف راويها وهو بن جريج من هو أكثر ملازمة لموسى بن عقبة منه رجحت رواية الملازم فهذا يوجبه تعليل البخاري واما من صححه فإنه لا يرى هذا الاختلاف علة قادحه بل يجوز انه عند موسى بن عقبة على الوجهين وقد سبق البخاري إلى تعليل هذه الرواية أحمد بن حنبل فذكر الدارقطني في العلل عنه انه قال حديث بن جريج وهم والصحيح قول وهيب عن سهيل عن عون بن عبد الله قال الدارقطني والقول قول أحمد وعلى ذلك جرى أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان قال بن أبي حاتم في العلل سألت أبي وأبا زرعة عن هذا الحديث فقالا هذا خطأ رواه وهيب عن سهيل عن عون بن عبد الله موقوفا وهذا أصح قال أبو حاتم يحتمل ان يكون الوهم من بن جريج ويحتمل ان يكون من سهيل انتهى وقد وجدناه من رواية أربعة عن سهيل غير موسى بن عقبة ففي الافراد للدارقطني من طريق عاصم بن عمرو وسليمان ابن بلال وفي الذكر لجعفر الفريابي من طريق إسماعيل بن عياش وفي الدعاء للطبراني من طريق محمد بن أبي حميد أربعتهم عن سهيل والراوي عن عاصم وسليمان هو الواقدي وهو ضعيف وكذا محمد بن أبي حميد واما إسماعيل فان روايته عن غير الشاميين ضعيفة وهذا منها وقد قال أبو حاتم هذه الرواية ما أدري ما هي ولا أعلم روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في شئ من طريق أبي هريرة الا من رواية موسى عن سهيل انتهى وقد أخرجه أبو داود في السنن وابن حبان في صحيحه
[ 457 ]
والطبراني في الدعاء من طريق بن وهب عن عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن أبي عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا وعن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد المقبري عن عبد الله بن عمرو موقوفا وذكر شيخنا شيخ الاسلام أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي الحافظ في النكت التي جمعها على علوم الحديث لابن الصلاح ان هذا الحديث ورد من رواية جماعة من الصحابة عدتهم سبعة زائدة على من ذكر الترمذي وأحال ببيان ذلك على تخريجه لاحاديث الاحياء وقد تتبعت طرقه فوجدته من رواية خمسة آخرين فكملوا خمسة عشر نفسا ومعهم صحابي لم يسم فلم أضفه إلى العدد لاحتمال ان يكون أحدهم وقد خرجت طرقه فيما كتبته على علوم الحديث وأذكره هنا ملخصا وهم عبد الله بن عمرو بن العاص وحديثه عند الطبراني في المعجم الكبير أخرجه موقوفا وعند أبي داود أخرجه موقوفا كما تقدم التنبيه عليه وأبو برزة الاسلمي وحديثه عند أبي داود والنسائي والدارمي وسنده قوي وجبير بن مطعم وحديثه عند النسائي وابن أبي عاصم ورجاله ثقات والزبير بن العوام وحديثه عند الطبراني في المعجم الصغير وسنده ضعيف وعبد الله بن مسعود وحديثه عند بن عدي في الكامل وسنده ضعيف والسائب بن يزيد وحديثه عند الطحاوي في مشكل الآثار والطبراني في الكبير وسنده صحيح وأنس بن مالك وحديثه عند الطحاوي والطبراني وسنده ضعيف وعائشة وحديثها عند النسائي وسنده قوي وأبو سعيد الخدري وحديثه في كتاب الذكر لجعفر الفريابي وسنده صحيح الا انه لم يصرح برفعه وأبو امامة وحديثه عند أبي يعلى وابن السني وسنده ضعيف ورافع بن خديج وحديثه عند الحاكم والطبراني في الصغير ورجاله موثوقون الا انه اختلف على راوية في سنده وأبي بن كعب ذكره أبو موسى المديني ولم أقف على سنده ومعاوية ذكره أبو موسى أيضا وأشار إلى انه وقع في بعض رواته تصحيف وأبو أيوب الانصاري وحديثه في الذكر للفريابي أيضا وفي سنده ضعف يسير وعلي بن أبي طالب وحديثه عند أبي علي بن الاشعث في السنن المروية عن أهل البيت وسنده واه وعبد الله بن عمر وحديثه في الدعوات من مستدرك الحاكم وحديث رجل من الصحابة لم يسم أخرجه بن أبي شيبة في مصنفه من طريق أبي معشر زياد بن كليب قال حدثنا رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ورجاله ثقات ووقع لي مع ذلك من مراسيل جماعة من التابعين منهم الشعبي وروايته عند جعفر الفريابي في الذكر ويزيد الفقير وروايته في الكنى لابي بشر الدولابي وجعفر أبو سلمة وروايته في الكنى للنسائي ومجاهد وعطاء ويحيى بن جعدة ورواياتهم في زيادات البر والصلة للحسين بن الحسن المروزي وحسان بن عطية وحديثه في ترجمته في الحلية لابي نعيم وأسانيد هذه المراسيل جياد وفي بعض هذا ما يدل على ان للحديث أصلا وقد استوعبت طرقها وبينت اختلاف أسانيدها وألفاظ متونها فيما علقته على علوم الحديث لابن الصلاح في الكلام على الحديث المعلول ورأيت ختم هذا الفتح بطريق من طرق هذا الحديث مناسبة للختم أسوقها بالسند المتصل العالي بالسماع والاجازة إلى منتهاه قرأت على الشيخ الامام العدل المسند المكثر الفقيه شهاب الدين أبي العباس أحمد بن الحسن بن محمد بن محمد ابن زكريا القدسي الزينبي بمنزله ظاهر القاهرة أخبرنا محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر الايوبي أنبأنا إسماعيل بن عبد المنعم بن الخيمي أنبأنا أبو بكر بن عبد العزيز بن أحمد بن باقا أنبأنا
[ 458 ]
أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر أنبأنا عبد الرحمن بن حمد ح وقرأته عاليا على الشيخ الامام المقرئ المفتي العلامة أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن بن كامل عن أيوب بن نعمة النابلسي سماعا عليه أنبأنا إسماعيل بن أحمد العراقي عن عبد الرزاق بن إسماعيل القومسي أنبأنا عبد الرحمن بن حمد الدو أنبأنا أبو نصر أحمد بن الحيسن الكسار أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الحافظ المعروف بأن السني أنبأنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي أنبأنا محمد بن إسحاق هو الصغاني حدثنا أبو مسلم منصور بن سلمة الخزاعي حدثنا خلاد ابن سليمان هو الحضرمي عن خالد بن أبي عمران عن عروة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلسا أو صلى تكلم بكلمات فسألته عن ذلك فقال ان تكلم بكلام خير كان طابعا عليه يعني خاتما عليه إلى يوم القيامة وان تكلم بغير ذلك كانت كفارة له سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا أنت أستغفرك وأتوب إليك والله أعلم والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه وذريته والتابعين لم بإحسان وسلم تسلميا كثيرا قال مؤلفه حافظ العصر امام السنة النبوية على صاحبها افضل الصلاة والسلام فرغ منه جامعه احمد بن على بن محمد بن محمد بن على بن احمد بن حجر الكنانى النسب العسقلاني الاصل المصرى المولد والمنشا نزيل القاهرة في اول يوم من رجب سنة اثنتين واربعين وثمانمائة سوى ما الحقه في هذا الكراس في ثانى عشر رجب منها وكان جمعه للمقدمة في سنة ثلاث عشرة وشروعه في الشرح في اوائل سنة سبع عشرة ولله الحمد باطنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر أنبأنا عبد الرحمن بن حمد ح وقرأته عاليا على الشيخ الامام المقرئ المفتي العلامة أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن بن كامل عن أيوب بن نعمة النابلسي سماعا عليه أنبأنا إسماعيل بن أحمد العراقي عن عبد الرزاق بن إسماعيل القومسي أنبأنا عبد الرحمن بن حمد الدو أنبأنا أبو نصر أحمد بن الحيسن الكسار أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الحافظ المعروف بأن السني أنبأنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي أنبأنا محمد بن إسحاق هو الصغاني حدثنا أبو مسلم منصور بن سلمة الخزاعي حدثنا خلاد ابن سليمان هو الحضرمي عن خالد بن أبي عمران عن عروة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلسا أو صلى تكلم بكلمات فسألته عن ذلك فقال ان تكلم بكلام خير كان طابعا عليه يعني خاتما عليه إلى يوم القيامة وان تكلم بغير ذلك كانت كفارة له سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا أنت أستغفرك وأتوب إليك والله أعلم والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه وذريته والتابعين لم بإحسان وسلم تسلميا كثيرا قال مؤلفه حافظ العصر امام السنة النبوية على صاحبها افضل الصلاة والسلام فرغ منه جامعه احمد بن على بن محمد بن محمد بن على بن احمد بن حجر الكنانى النسب العسقلاني الاصل المصرى المولد والمنشا نزيل القاهرة في اول يوم من رجب سنة اثنتين واربعين وثمانمائة سوى ما الحقه في هذا الكراس في ثانى عشر رجب منها وكان جمعه للمقدمة في سنة ثلاث عشرة وشروعه في الشرح في اوائل سنة سبع عشرة ولله الحمد باطنا وظاهرا اولا وآخرا يقول مصححه وجدنا في بعض النسخ الصحيحة ما لفظه