الكتاب : تفسير الفخر الرازى ـ موافق للمطبوع
المؤلف : محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي المعروف بالفخر الرازي أبو عبد الله فخر الدين ولد بالري من أعمال فارس من تصانيفه الكثيرة: مفاتيح الغيب من القرآن الكريم.
عدد الأجزاء / 32
دار النشر / دار إحياء التراث العربى
تنبيه
أولا : الكتاب موافق للمطبوع
ثانيا : الترقيم داخل الصفحات
ثالثا : الترقيم لذيل الصفحات وليس لأولها
رابعا : ترقيم الشاملة للكتاب آلى
المقدمة الأولى : في بيان أن التصورات غير كسبية ، وذلك لأن من يحاول اكتسابها فإما أن يكون متصوراً لها أو لا يكون متصوراً لها فإن كان متصوراً لها استحال أن يطلب تحصيل تصورها لأن تحصيل الحاصل محال ، وإن لم يكن متصوراً لها كان ذهنه غافلاً عنها والغافل عن الشيء يستحيل أن يكون طالبه.
المقدمة الثانية : في بيان أن التصديقات البديهية غير كسبية لأن حصول طرفي التصديق إما أن يكون كافياً في جزم الذهن بذلك التصديق أولاً يكون كافياً فإن كان الأول كان ذلك التصديق دائراً مع ذينك التصورين على سبيل الوجوب نفياً وإثباتاً وما كان كذلك لم يكن مقدوراً ، وإن كان الثاني لم يكن التصديق بديهياً بل متوقفاً فيه.
المقدمة الثالثة : في بيان أن التصديقات بأسرها غير كسبية وذلك لأن هذه النظريات إن كانت واجبة اللزوم عن تلك البديهيات التي هي غير مقدورة كانت تلك النظريات أيضاً غير مقدورة. وإن لم تكن واجبة اللزوم عن تلك البديهيات لم يمكن الاستدلال بتلك البديهيات على تلك النظريات ، فلم تكن تلك الاعتقادات الحاصلة في تلك النظريات علوماً ، بل لا تكون إلا اعتقاداً حاصلاً للمقلد وليس كلامنا فيه ، فثبت أن كلامكم في عدم إسناد الاهتداء والضلال إلى الله / تعالى معارض بهذه الوجوه العقلية القاطعة التي لا جواب عنها. ولنتكلم الآن فيما ذكروه من التأويلات أما التأويل الأول فساقط لأن إنزال هذه المتشابهات هل لها أثر في تحريك الدواعي أو ليس لها أثر في ذلك ؟
فإن كان الأول وجب على قولكم أن يقبح لوجهين ، الأول : أنا قد دللنا في تفسير قوله : {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} على أنه متى حصل الرجحان فلا بدّ وأن يحصل الوجوب وأنه ليس بين الاستواء وبين الوجوب المانع من النقيض واسطة ، فإذا أثر إنزال هذه المتشابهات في الترجيح وثبت أنه متى حصل الترجيح فقد حصل الوجوب فحينئذٍ جاء الجبر وبطل ما قلتموه. الثاني : هب أنه لا ينتهي إلى حد الوجوب إلا أن المكلف ينبغي أن يكون مزاح العذر والعلة وإنزال هذه المتشابهات عليه مع أن لها أثراً في ترجيح جانب الضلال على جانب الاهتداء كالعذر للمكلف في عدم الإبقدام على الطاعة فوجب أن يقبح ذلك من الله تعالى ، وأما إن لم يكن لذلك أثر في إقدامهم على ترجيح جانب الضلال على جانب بالاهتداء كانت نسبة هذه المتشابهات إلى ضلالهم كصرير الباب ونعيق الغراب فكما أن ضلالهم لا ينسب إلى هذه الأمور الأجنبية كذلك وجب أن لا ينسب إلى هذه المتشابهات بوجه ما/ وحينئذٍ يبطل تأويلهم ، أما التأويل الثاني وهو التسمية والحكم فهو وإن كان في غاية البعد لكن الإشكال معه باقٍ لأنه إذا سماه الله بذلك وحكم به عليه فلو لم يأتِ المكلف به لانقلب خبر الله الصدق كذباً وعلمه جهلاً ، وكل ذلك محال والمفضي إلى المحال محال ، فكان عدم إتيان المكلف به محالاً وإتيانه به واجباً وهذا عين الجبر الذي تفرون منه وأنه ملاقيكم لا محالة ، وههنا ينتهي البحث إلى الجوابين المشهورين لهما في هذا المقام وكل عاقل يعلم ببديهة عقله سقوط ذلك ، وأما التأويل الثالث وهو التخلية وترك المنع فهذا إنما يسمى إضلالاً إذا كان الأنول والأحسن بالوالد أن يمنعه عن ذلك فأما إذا كان الولد بحيث لو منعه والده عن ذلك لوقع في مفسدة أعظم من تلك المفسدة الأولى لم يقل أحد أنه أفسد ولده وأضله ، وههنا الأمر بخلاف ذلك لأنه تعالى لو منع المكلف جبراً عن هذه المفسدة لزمت مفسدة أخرى أعظم من الأولى ، فكيف يقال إنه تعالى أفسد المكلف وأضله بمعنى أنه ما منعه عن الضلال مع أنه لو منعه لكانت تلك المفسدة أعظم وأما التأويل الرابع فقد اعتراض القفال عليه فقال : لا نسلم بأن الضلال جاء بمعنى العذاب أما قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 360
(1/294)

{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـالٍ وَسُعُرٍ} (القمر : 47) فيمكن أن يكون المراد في ضلال عن الحق في الدنيا وفي سعر : أي في عذاب جهنم في الآخرة ويكون قوله : {يَوْمَ يُسْحَبُونَ} من صلة سعر وأما قوله تعالى : {إِذِ الاغْلَـالُ فِى أَعْنَـاقِهِمْ} إلى قوله : {كَذَالِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَـافِرِينَ} فمعنى قوله ضلوا عنا أي بطلوا فلم ينتفع بهم في هذا اليوم الذي كنا نرجو شفاعتهم فيه ثم قوله : {كَذَالِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَـافِرِينَ} قد يكون على معنى كذلك يضل الله أعمالهم أي يحبطها يوم القيامة ، ويحتمل كذلك يخذلهم الله تعالى في الدنيا فلا يوفقهم لقبول الحق إذ ألفوا الباطل وأعرضوا عن التدبر ، فإذا خذلهم الله تعالى وأتوا يوم القيامة فقد بطلت أعمالهم التي كانوا يرجون الانتفاع بها في الدنيا ، وأما / التأويل الخامس : وهو الإهلاك فغير لائق بهذا الموضع لأن قوله تعالى : {وَيَهْدِي بِه كَثِيرًا } يمنع من حمل الإضلال على الإهلاك. وأما التأويل السادس : وهو أنه يضله عن طريق الجنة فضعيف لأنه تعالى قال : {يُضِلُّ بِه } أي يضل بسبب استماع هذه الآيات والإضلال عن طريق الجنة ليس بسبب استماع هذه الآيات بل بسبب إقدامه على القبائح فكيف يجوز حمله عليه. وأما التأويل السابع : وهو أن قوله : {يُضِلُّه } أي يجده ضالاً قد بينا أن إثبات هذه اللغة لا دليل عليه وأيضاً فلأنه عدى الإضلال بحرف الباء فقال : {يُضِلُّ بِه } والإضلال بمعنى الوجدان لا يكون معدى بحرف الباء. وأما التأويل الثامن : فهو في هذه الآية يوجب تفكيك النظم لأنه إلى قوله يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً من كلام الكفار ثم قوله : {وَمَا يُضِلُّ بِه إِلا الْفَـاسِقِينَ} كلام الله تعالى من غير فصل بينهما بل مع حرف العطف وهو الواو ، ثم هب أنه ههنا كذلك لكنه في سورة المدثر وهو قوله : {كَذَالِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ } لا شك أنه قول الله تعالى فهذا هو الكلام في الإضلال.
جزء : 3 رقم الصفحة : 360
أما الهدى فقد جاء على وجوه : أحدها : الدلالة والبيان قال تعالى : {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا} (السجدة : 26) وقال : {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} (البقرة : 38) وهذا إنما يصح لو كان الهدى عبارة عن البيان وقال : {إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الانفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى } (النجم : 23) وقال : {إِنَّا هَدَيْنَـاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان : 3) أي سواء شكر أو كفر فالهداية قد جاءته في الحالتين وقال : {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } (فصلت : 17) وقال : {ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَـابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام : 154) وهذا لا يقال للمؤمن وقال تعالى حكاية عن خصوم داود عليه السلام : {وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَآ إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاطِ} (ص : 22) أي أرشدنا وقال : {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى ا أَدْبَـارِهِم مِّنا بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَـانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} (محمد : 25) وقال : {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَـاحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِى جَنابِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّـاخِرِينَ} (الزمر : 56) إلى قوله : {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَاـانِى لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (الزمر : 57) إلى قوله : {بَلَى قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَـاتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ} الزمر : 59) أخبر أنه قد هدى الكافر مما جاءه من الآيات وقال : {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَـابُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُم فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى} (الأنعام : 157) وهذه مخاطبة للكافرين. وثانيها : قالوا في قوله : {عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى : 52) أي لتدعو وقوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 360
(1/295)

{وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} (الرعد : 7) أي داع يدعوهم إلى ضلال أو هدى. وثالثها : التوفيق من الله بالألطاف المشروطة بالإيمان يؤتيها المؤمنين جزاء على إيمانهم ومعونة عليه وعلى الازدياد من طاعته ، فهذا ثواب لهم وبإزائه ضده للكافرين وهو أن يسلبهم ذلك فيكون مع أنه تعالى ما هداهم يكون قد أضلهم ، والدليل على هذا الوجه قوله تعالى : {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} (محمد : 17) ، {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوا هُدًى} (مريم : 76) ، {وَاللَّهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّـالِمِينَ} (آل عمران : 86) ، {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَفِى الاخِرَةِا وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّـالِمِينَ } (إبراهيم : 27) ، {كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَـاـنِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ الْبَيِّنَـاتُا وَاللَّهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّـالِمِينَ} (آل عمران : 86) فأخبر أنه لا يهديهم وأنهم قد جاءهم البينات ، فهذا الهدى غير البيان لا محالة ، وقال تعالى : {وَمَن يُؤْمِنا بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَه } (التغابن : 11) أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} (المجادلة : 22). ورابعها : الهدى إلى طريق الجنة قال تعالى : (المجادلة : 22). ورابعها : الهدى إلى طريق الجنة قال تعالى : {فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِه فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} (النساء : 175) وقال : {يَـا أَهْلَ الْكِتَـابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَـابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍا قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَـابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَه سُبُلَ السَّلَـامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَـاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِه وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (المائدة : 15 ، 16) وقال : {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى ا إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَالِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ انتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـاكِن لِّيَبْلُوَا بَعْضَكُم بِبَعْضٍا وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ} (
جزء : 3 رقم الصفحة : 360
(1/296)

محمد : 4 ـ 6) والهداية بعد القتل لا تكون إلا إلى الجنة/ وقال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـانِهِم تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الانْهَـارُ} (يونس : 90) وهذا تأويل الجبائي ، وخامسها : الهدى بمعنى التقديم يقال هدى فلان فلاناً أي قدمه أمامه ، وأصل هدى من هداية الطريق ؛ لأن الدليل يتقدم المدلول ، وتقول العرب أقبلت هوادي الخيل. أي متقدماتها ويقال للعنق هادي وهوادي الخيل أعناقها لأنها تتقدمها ، وسادسها : يهدي أي يحكم بأن المؤمن مهتد وتسميته بذلك لأن حقيقة قول القائل هداه جعله مهتدياً ، وهذا اللفظ قد يطلق على الحكم والتسمية قال تعالى : {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنا بَحِيرَةٍ} (المائدة : 103) أي ما حكم ولا شرع ، وقال : {إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} (آل عمران : 73) معناه أن الهدى ما حكم الله بأنه هدى وقال : {مَن يَهْدِ اللَّهُ} أي من حكم الله عليه بالهدى فهو المستحق لأن يسمى مهتدياً فهذه هي الوجوه التي ذكرها المعتزلة : وقد تكلمنا عليها فيما تقدم في باب الإضلال. قالت الجبرية : وههنا وجه آخر وهو أن يكون الهدى بمعنى خلق الهداية والعلم ، قال الله تعالى : {وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَـامِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (يونس : 25) قالت القدرية هذا غير جائز لوجوه : أحدها : أنه لا يصح في اللغة أن يقال لمن حمل غيره على سلوك الطريق كرهاً وجبراً أنه هداه إليه وإنما يقال رده إلى الطريق المستقيم وحمله عليه وجره إليه فأما أن يقال إنه هداه إليه فلا ، وثانيها : لو حصل ذلك بخلق الله تعالى لبطل الأمر والنهي والمدح والذم والثواب والعقاب ، فإن قيل هب أنه خلق الله تعالى إلا أنه كسب العبد قلنا هذا الكسب مدفوع من وجهين : الأول : أن وقوع هذه الحركة إما أن يكون بتخليق الله تعالى أو لا يكون بتخليقه ، فإن كان بتخليقه ، فمتى خلقه الله تعالى استحال من العبد أن يمتنع منه ، ومتى لم يخلقه استحال من العبد الإتيان به ، فحينئذٍ تتوجه الإشكالات المذكورة وإن لم يكن بتخليق الله تعالى بل من العبد فهذا هو القول بالاعتزال ، الثاني : أنه لو كان خلقاً لله تعالى وكسباً للعبد لم يخل من أحد وجوه ثلاثة ، إما أن يكون الله بخلقه أولاً ثم يكتسبه العبد أو يكتسبه العبد أولاً ثم يخلقه الله تعالى. أو يقع الأمران معاً ، فإن خلقه الله تعالى كان العبد مجبوراً على اكتسابه فيعود الإلزام وإن اكتسبه العبد أولاً فالله مجبور على / خلقه ، وإن وقعا معاً وجب أن لا يحصل هذا الأمر إلا بعد اتفاقهما لكن هذا الاتفاق غير معلوم لنا فوجب أن لا يحصل هذا الاتفاق ، وأيضاً فهذا الاتفاق وجب أن لا يحصل إلا باتفاق آخر ، لأنه من كسبه وفعله ، وذلك يؤدي إلى ما لا نهاية له من الاتفاق وهو محال هذا مجموع كلام المعتزلة قالت الجبرية : إنا قد دللنا بالدلائل العقلية التي لا تقبل الاحتمال ، والتأويل على أن خالق هذه الأفعال هو الله تعالى ، إما بواسطة أو بغير واسطة ، والوجوه التي تمسكتم بها وجوه نقلية قابلة للاحتمال والقاطع لا يعارضة المحتمل فوجب المصير إلى ما قلناه وبالله التوفيق.
جزء : 3 رقم الصفحة : 360
المسألة السادسة عشرة : لقائل أن يقول لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم لقوله : {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ} (سبأ : 13) ، وقليل ما هم ولحديث "الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة" وحديث "الناس أخبر قلة" ، والجواب : أهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال ، وأيضاً فإن القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة فسموا بالكثير ذهاباً إلى الحقيقة.
المسألة السابعة عشرة : قال الفراء : الفاسق أصله من قولهم فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت/ فكأن الفاسق هو الخارج عن الطاعة ، وتسمى الفأرة فويسفة لخروجها لأجل المضرة ، واختلف أهل القبلة في أنه هل هو مؤمن أو كافر ، فعند أصحابنا أنه مؤمن ، وعند الخوارج أنه كافر ، وعند المعتزلة أنه لا مؤمن ولا كافر ، واحتج المخالف بقوله تعالى : {بِئْسَ ا سْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الايمَـانِ } (الحجرات : 11) وقال : {إِنَّ الْمُنَـافِقِينَ هُمُ الْفَـاسِقُونَ} (التوبة : 17) وقال : {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الايمَـانَ وَزَيَّنَه فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ } الحجرات : 7) وهذه المسألة طويلة مذكورة في علم الكلام.
جزء : 3 رقم الصفحة : 360
(1/297)

المسألة الثامنة عشرة : اختلفوا في المراد ، من قوله تعالى : {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنا بَعْدِ مِيثَـاقِه } وذكروا وجوهاً : أحدها : أن المراد بهذا الميثاق حججه القائمة على عباده الدالة لهم على صحة توحيده وصدق رسله ، فكان ذلك ميثاقاً وعهداً على التمسك بالتوحيد إذا كان يلزم بهذه الحجج ما ذكرنا من التمسك بالتوحيد وغيره ، ولذلك صح قوله : {وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} (البقرة : 40) ، وثانيها : يحتمل أن يعني به ما دل عليه بقوله : {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـانِهِمْ لَـاـاِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الامَمِا فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا} (فاطر : 42) فلما لم يفعلوا ما حلفوا عليه وصفهم بنقض عهده وميثاقه ، والتأويل الأول يمكن فيه العموم في كل من ضل وكفر ، والثاني : لا يمكن إلا فيمن اختص بهذا القسم ، إذا ثبت هذا ظهر رجحان التأويل الأول على الثاني من وجهين : الأول : أن على التقدير الأول يمكن إجراء الآية على عمومها ، وعلى الثاني يلزم التخصيص ، الثاني : أن على التقدير الأول يلزمهم الذم لأنهم نقضوا عهداً أبرمه الله وأحكمه بما أنزل من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وأوضحها وأزال التلبيس عنها ، ولما أودع في العقول من دلائلها وبعث الأنبياء وأنزل الكتب مؤكداً لها : وأما على التقدير الثاني / فإنه يلزمهم الذم لأجل أنهم تركوا شيئاً هم بأنفسهم التزموه ومعلوم أن ترتيب الذم على الوجه الأول أولى ، وثالثها : قال القفال : يحتمل أن يكون المقصود بالآية قوماً من أهل الكتاب قد أخذ عليهم العهد والميثاق في الكتب المنزلة على أنبيائهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلّم وبين لهم أمره وأمر أمته فنقضوا ذلك وأعرضوا عنه وجحدوا نبوته. ورابعاً : قال بعضهم ، إنه عنى به ميثاقاً أخذه من الناس وهم على صورة الذر وأخرجهم من صلب آدم كذلك ، وهو معنى قوله تعالى : {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى ا أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى } (الأعراف : 172) قال المتكلمون هذا ساقط لأنه تعالى لا يحتج على العباد بعهد وميثاق لا يشعرون به كما لا يؤاخذهم بما ذهب علمه عن قلبهم بالسهو والنسيان فكيف يجوز أن يعيبهم بذلك ؟
وخامسها : عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود. العهد الأول : الذي أخذه على جميع ذرية آدم وهو الإقرار بربوبيته وهو قوله : {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وهو قوله : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّنَ مِيثَـاقَهُمْ} وعهد خص به العلماء ، وهو قوله : {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَـاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ لَتُبَيِّنُنَّه لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَه } (آل عمران : 187) قال صاحب "الكشاف" : الضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله ويجوز أن يكون بمعنى توثيقه كما أن الميعاد والميلاد بمعنى الوعد والولادة ، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه ورسله.
جزء : 3 رقم الصفحة : 360
المسألة التاسعة عشرة : اختلفوا في المراد من قوله تعالى : {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِه أَن يُوصَلَ} فذكروا وجوهاً : أحدها : أراد به قطيعة الرحم وحقوق القرابات التي أمر الله بوصلها وهو كقوله تعالى : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِى الارْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلّم من القرابة ، وعلى هذا التأويل تكون الآية خاصة. وثانيها : أن الله تعالى أمرهم أن يصلوا حبلهم بحبل المؤمنين فهم انقطعوا عن المؤمنين واتصلوا بالكفار فذاك هو المراد من قوله : {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِه أَن يُوصَلَ} . وثالثها : أنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن وهم كانوا مشتغلين بذلك.
(1/298)

المسألة العشرون : أما قوله تعالى : {وَيُفْسِدُونَ فِى الارْضِ } فالأظهر أن يراد به الفساد الذي يتعدى دون ما يقف عليهم. والأظهر أن المراد منه الصد عن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام لأن تمام الصلاح في الأرض بالطاعة لأن بالتزام الشرائع يلتزم الإنسان كل ما لزمه ، ويترك التعدي إلى الغير ، ومنه زوال التظالم وفي زواله العدل الذي قامت به السموات والأرض ، قال تعالى فيما حكى عن فرعون أنه قال : {إِنِّى أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الارْضِ الْفَسَادَ} (غافر : 26) ثم إنه سبحانه وتعالى أخبر أن من فعل هذه الأفاعيل خاسر فقال : { أولئك هُمُ الْخَـاسِرُونَ} وفي هذا الخسران وجوه : أحدها : أنهم خسروا نعيم الجنة لأنه لا أحد إلا وله في الجنة أهل ومنزل ، فإن أطاع الله وجده ، وإن عصاه ورثه المؤمنون ، فذلك قوله تعالى : { أولئك هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ} (المؤمنون : 10 ـ 11) وقال : {إِنَّ الْخَـاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ } وثانيها : أنهم خسروا حسناتهم التي عملوها لأنهم أحبطوها بكفرهم فلم يصل لهم منها خير ولا ثواب ، والآية في اليهود ولهم أعمال في شريعتهم ، وفي المنافقين وهم يعملون في الظاهر ما يعمله المخلصون فحبط ذلك كله ، وثالثها : أنهم إنما أصروا على الكفر خوفاً من أن تفوتهم اللذات العاجلة ، ثم إنها تفوتهم إما عند ما يصير الرسول صلى الله عليه وسلّم مأذوناً في الجهاد أو عند موتهم ، وقال القفال رحمه الله تعالى : وبالجملة أن الخاسر اسم عام يقع على كل من عمل عملاً لا يجزي عليه فيقال له خاسر ، كالرجل الذي إذا تعنى وتصرف في أمر فلم يحصل منه على نفع قيل له خاب وخسر لأنه كمن أعطى شيئاً ولم يأخذ بإزائه ما يقوم مقامه ، فسمى الكفار الذين يعملون بمعاصي الله خاسرين قال تعالى : {إِنَّ الانسَـانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ} (العصر : 2 ، 3) وقال : {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالاخْسَرِينَ أَعْمَـالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَواةِ الدُّنْيَا} (الكهف : 103 ، 104) والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 360
375
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد إلى هذا الموضع فمن هذا الموضع إلى قوله : {يَـابَنِى إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} (البقرة : 40) في شرح النعم التي عمت جميع المكلفين وهي أربعة : أولها : نعمة الأحياء وهي المذكورة في هذه الآية. واعلم أن قوله : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} وإن كان بصورة الاستخبار فالمراد به التبكيت والتعنيف ، لأن عظم النعمة يقتضي عظم معصية المنعم ، يبين ذلك أن الوالد كلما عظمت نعمته على الولد بأن رباه وعلمه وخرجه وموله وعرضه للأمور الحسان ، كانت معصيته لأبيه أعظم ، فبين سبحانه وتعالى بذلك عظم ما أقدموا عليه من الكفر ، بأن ذكرهم نعمه العظيمة عليهم ليزجرهم بذلك عما أقدموا عليه من التمسك بالكفر ويبعثهم على اكتساب الإيمان ، فذكر تعالى من نعمه ما هو الأصل في النعم وهو الأحياء ، فهذا هو المقصود الكلي ، فإن قيل لم كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم ؟
قلنا لأن الأحياء الأول قد يعقب الموت بغير تراخ ، وأما الموت فقد تراخى عن الأحياء والأحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخياً ظاهراً ، وههنا مسائل :
جزء : 3 رقم الصفحة : 375
(1/299)

المسألة الأولى : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن الكفر من قبل العباد من وجوه : أحدها : أنه تعالى لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} / موبخاً لهم ، كما لا يجوز أن يقول كيف تسودون وتبيضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك أجمع من خلقه فيهم. وثانيها : إذا كان خلقهم أولاً للشقاء والنار وما أراد بخلقهم إلا الكفر وإرادة الوقوع في النار ، فكيف يصح أن يقول موبخاً لهم كيف تكفرون ؟
. وثالثها : أنه كيف يعقل من الحكيم أن يقول لهم : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} حال ما يخلق الكفر فيهم ويقول : {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا } حال ما منعهم عن الإيمان ويقول : {فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} (الانشقاقق : 20) ، {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} (المدثر : 49) وهو يخلق فيهم الأعراض ويقول : {إِلا الضَّلـالُا فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} ويخلق فيهم الإفك والصرف ومثل هذا الكلام بأن يعد من السخرية أولى من أن يذكر في باب إلزام الحجة على العباد. ورابعها : أن الله تعالى إذا قال للعبيد : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} فهل ذكر هذا الكلام توجيهاً للحجة على العبد وطلباً للجواب منه أو ليس كذلك ؟
فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره فائدة فكان هذا الخطاب عبثاً ، وإن ذكره لتوجيه الحجة على العبد ، فللعبد أن يقول حصل في حقي أمور كثيرة موجبة للكفر. فالأول : أنك علمت بالكفر مني والعلم بالكفر يوجب الكفر. والثاني : أنك أردت الكفر مني وهذه الإرادة موجبة له. والثالث : أنك خلقت الكفر في وأنا لا أقدر على إزالة فعلك. والرابع : أنك خلقت في قدرة موجبة للكفر. والخامس : أنك خلقت في إرادة موجبة للكفر. والسادس : أنك خلقت في قدرة موجبة للإرادة الموجبة للكفر ثم لما حصلت هذه الأسباب الستة في حصول الكفر والإيمان يوقف على حصول هذه الأسباب الستة في طرف الإيمان وهي بأسرها كانت مفقودة ، فقد حصل لعدم الإيمان اثنا عشر سبباً كل واحد منها مستقل بالمنع من الإيمان ، ومع قيام هذه الأسباب الكثيرة كيف يعقل أن يقال كيف تكفرون بالله ؟
وخامسها : أنه تعالى قال لرسوله قل لهم كيف تكفرون بالله الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة أعني نعمة الحياة وعلى قول أهل الجبر لا نعمة له تعالى على الكافر/ وذلك لأن عندهم كل ما فعله الله تعالى بالكافر فإنما فعله ليستدرجه إلى الكفر ويحرقه بالنار ، فأي نعمة تكون لله على العبد على هذا التقدير وهل يكون ذلك إلا بمنزلة من قدم إلى غيره صحفة فالوذج مسموم فإن ظاهره وإن كان لذيذاً ويعد نعمة لكن لما كان باطنه مهلكاً فإن أحداً لا يعده نعمة ، ومعلوم أن العذاب الدائم أشد ضرراً من ذلك السم فلا يكون لله تعالى نعمة على الكافر ، فكيف يأمر رسوله بأن يقول لهم كيف تكفرون بمن أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة ، والجواب : أن هذه الوجوه عند البحث يرجع حاصلها إلى التمسك بطريقة المدح والذم والأمر والنهي والثواب والعقاب ، فنحن أيضاً نقابلها بالكلام المعتمد في هذه الشبهة ، وهو أن الله سبحانه وتعالى علم أنه لا يكون ، فلو وجد لانقلب علمه جهلاً وهو محال ومستلزم المحال محال ، فوقوعه محال مع أنه قال :
جزء : 3 رقم الصفحة : 375
{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَـاكُمْ } وأيضاً فالقدرة على الكفر إن كانت صالحة للإيمان امتنع كونها مصدراً للإيمان على التعيين إلا لمرجح ، وذلك المرجح إن كان من العبد عاد السؤال ، وإن / كان من الله فما لم يحصل ذلك المرجح من الله امتنع حصول الكفر ، وإذا حصل ذلك المرجح وجب ، وعلى هذا كيف لا يعقل قوله : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} واعلم أن المعتزلي إذا طول كلامه وفرع وجوهه في المدح والذم فعليك بمقابلتها بهذين الوجهين فإنهما يهدمان جميع كلامه ويشوشان كل شبهاته وبالله التوفيق.
(1/300)

المسألة ا لثانية : اتفقوا على أن قوله : {وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا} المراد به وكنتم تراباً ونطفاً ، لأن ابتداء خلق آدم من التراب وخلق سائر المكلفين من أولاده إلا عيسى عليه السلام من النطف ، لكنهم اختلفوا في أن إطلاق اسم الميت على الجماد حقيقة أو مجاز والأكثرون على أنه مجاز لأنه شبه الموات بالميت وليس أحدهما من الآخر بسبيل لأن الميت ما يحل به الموت ولا بدّ وأن يكون بصفة من يجوز أن يكون حياً في العادة فيكون اللحمية والرطوبة وقال الأولون هو حقيقة فيه وهو مروي عن قتادة ، قال كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى ثم أخرجهم ثم أماتهم الموتة التي لا بدّ منها ، ثم أحياهم بعد الموت. فهما حياتان وموتتان واحتجوا بقوله : {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَواةَ} والموت المقدم على الحياة هو كونه مواتاً فدل على أن إطلاق الميت على الموات ثابت على سبيل الحقيقة والأول هو الأقرب ، لأنه يقال في الجماد إنه موات وليس بميت فيشبه أن يكون استعمال أحدهما في الآخر على سبيل التشبيه قال القفال : وهو كقوله تعالى : {هَلْ أَتَى عَلَى الانسَـانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـاًا مَّذْكُورًا} (الإنسان : 1) فبين سبحانه وتعالى أن الإنسان كان لا شيء يذكر فجعله الله حياً وجعله سميعاً بصيراً ومجازه من قولهم فلان ميت الذكر. وهذا أمر ميت ، وهذه سلعة ميتة ، إذا لم يكن لها طالب ولا ذاكر قال المخبل السعدي :
فوأحييت لي ذكرى وما خاملا
ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
فكذا معنى الآية : {وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا} أي خاملين ولا ذكر لكم لأنكم لم تكونوا شيئاً {فَأَحْيَـاكُمْ } أي فجعلكم خلقاً سميعاً بصيراً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 375
المسألة الثالثة : احتج قوم بهذه الآية على بطلان عذاب القبر ، قالوا لأنه تعالى بين أنه يحييهم مرة في الدنيا وأخرى في الآخرة ولم يذكر حياة القبر ويؤكده قوله : {ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَالِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ تُبْعَثُونَ} (المؤمنون : 15 ، 16) ولم يذكر حياة فيما بين هاتين الحالتين ، قالوا ولا يجوز الاستدلال بقوله تعالى : {قَالُوا رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} (غافر : 11) لأنه قول الكفار ، ولأن كثيراً من الناس أثبتوا حياة الذر في حلب آدم عليه السلام حين استخرجهم وقال : {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } وعلى هذا التقدير حصل حياتان وموتتان من غير حاجة إلى إثبات حياة في القبر ، فالجواب لم يلزم من عدم الذكر في هذه الآية أن لا تكون حاصلة ، وأيضاً فلقائل أن يقول : إن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية. لأن قوله في يحييكم ليس هو الحياة الدائمة وإلا لما صح أن يقول : {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} لأن كلمة ثم تقتضي التراخي ، والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة / الدائمة من غير تراخ فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلاً على حياة القبر كان قريباً.
المسألة الرابعة : قال الحسن رحمه الله قوله : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} يعني به العامة ، وأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرات نحو ما حكى في قوله : {أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} (البقرة : 259) إلى قوله : {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِا ئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَه } وكقوله : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَـارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَـاهُمْ } (البقرة : 243) وكقوله : {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّـاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَـاكُم مِّنا بَعْدِ مَوْتِكُمْ} وكقوله : {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى } وكقوله : {وَكَذَالِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَآ} (الكهف : 21) وكقوله في قصة أيوب عليه السلام : {فَاسْتَجَبْنَا لَه فَكَشَفْنَا مَا} فإن الله تعالى رد عليه أهله بعد ما أماتهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 375
المسألة الخامسة : تمسك المجسمة بقوله تعالى : {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} على أنه تعالى في مكان وهذا ضعيف ، والمراد أنهم إلى حكمة يرجعون لأنه تعالى يبعث من في القبور ويجمعهم في المحشر وذلك هو الرجوع إلى الله تعالى وإنما وصف بذلك لأنه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم غيره كقولهم رجع أمره إلى الأمير ، أي إلى حيث لا يحكم غيره.
(1/301)

المسألة السادسة : هذه الآية دالة على أمور : الأول : أنها دالة على أنه لا يقدر على الإحياء والإماتة إلا الله تعالى فيبطل به قول أهل الطبائع من أن المؤثر في الحياة والموت كذا وكذا من الأفلاك والكواكب والأركان والمزاجات كما حكى عن قوم في قوله : {مَا هِىَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلا الدَّهْرُ } (الجاثية : 24) الثاني : أنها تدل على صحة الحشر النشر مع التنبيه على الدليل العقلي الدال عليه ، لأنه تعالى بين أنه أحيا هذه الأشياء بعد موتها في المرة الأولى فوجب أن يصح ذلك في المرة الثانية ، الثالث : أنها تدل على التكليف والترغيب والترهيب. الرابع : أنها دالة على الجبر والقدر كما تقدم بيانه ، الخامس : أنها دالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنه قال : {فَأَحْيَـاكُم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} فبين أنه لا بدّ من الموت ثم بين أنه لا يترك على هذا الموت. بل لا بدّ من الرجوع إليه أما أنه لا بدّ من الموت ، فقد بين سبحانه وتعالى أنه بعد ما كان نطقة فإن الله أحياه وصوره أحسن صورة وجعله بشراً سوياً وأكمل عقله وصيره بصيراً بأنواع المنافع والمضار وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور ، ثم إنه تعالى يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئاً ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر ويبقى مدة طويلة في اللحود كما قال تعالى : {وَمِن وَرَآاـاِهِم بَرْزَخٌ} (المؤمنون : 100) ينادي فلا يجيب ويستنطق فلا يتكلم ثم لا يزوره الأقربون ، بل ينساه الأهل والبنون. كما قال يحيى بن معاذ الرازي :
جزء : 3 رقم الصفحة : 375
فيمر أقاربي بحذاء قبري
كأن أقاربي لم يعرفوني
وقال أيضاً : إلهي كأني بنفسي وقد أضجعوها في حفرتها ، وانصرف المشيعون عن تشييعها ، وبكى الغريب عليها لغربتها ، وناداها من شفير القبر ذو مودتها ، ورحمتها الأعادي عند جزعتها ، / ولم يخف على الناظرين عجز حيلتها ، فما رجائي إلا أن نقول : ما تقول ملائكتي انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون ، ووحيد قد جفاه المحبون ، أصبح مني قريباً وفي اللحد غريباً ، وكان لي في الدنيا داعياً ومجيباً ، ولإحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجياً ، فأحسن إلى هناك يا قديم الإحسان ، وحقق رجائي فيك يا واسع الغفران. وأما أنه لا بدّ من الرجوع إلى الله فلأن سبحانه يأمر بأن ينفخ في الصور {فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَن فِى الارْضِ إِلا مَن شَآءَ اللَّه ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} (الزمر : 68) وقال : {يَخْرُجُونَ مِنَ الاجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} (المعارج : 43) ثم يعرضون على الله كما قال : {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا} (الكهف : 48) فيقومون خاشعين خاضعين كما قال : {وَخَشَعَتِ الاصْوَاتُ لِلرَّحْمَـانِ} (طه : 108) وقال بعضهم : إلهنا إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا. ومن شدة الخوف شاحبة وجوهنا ، ومن هول القيامة مطرقة رؤوسنا. وجائعة لطول القيامة بطوننا ، وبادية لأهل الموقف سوآتنا ، وموقرة من ثقل الأوزار ظهورنا ، وبقينا متحيرين في أمورنا نادمين على ذنوبنا ، فلا تضعف المصائب بإعراضك عنا ، ووسع رحمتك وغفرانك لنا ، يا عظيم الرحمة يا واسع المغفرة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 375
379
اعلم أن هذا هو النعمة الثانية التي عمت المكلفين بأسرهم وما أحسن ما رعى الله سبحانه وتعالى هذا الترتيب فإن الانتفاع بالأرض والسماء إنما يكون بعد حصول الحياة فلهذا ذكر الله أمر الحياة أولاً ثم أتبعه بذكر السماء والأرض ، أما قوله : {خَلَـاقٍ} فقد مر تفسيره في قوله : {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ} وأما قوله : {لَكُمْ} فهو يدل على أن المذكور بعد قوله خلق لأجل انتفاعنا في الدين والدنيا ، أما في الدنيا فليصلح أبداننا ولنتقوى به على الطاعات وأما في الدين فللاستدلال بهذه الأشياء والاعتبار بها وجمع بقوله : {مَّا فِى الارْضِ جَمِيعًا} جميع المنافع ، فمنها ما يتصل بالحيوان والنبات والمعادن والجبال ومنها ما يتصل بضروب الحرف والأمور التي استنبطها العقلاء وبين تعالى أن كل ذلك إنما خلقها كي ينتفع بها كما قال : {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ} فكأنه سبحانه وتعالى قال كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم وكيف تكفرون بالله وقد خلق لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً أو يقال كيف تكفرون بقدرة الله على الإعادة وقد أحياكم بعد موتكم ولأنه خلق لكم ما في الأرض / جميعاً فكيف يعجز عن إعادتكم ثم إنه تعالى ذكر تفاصيل هذه المنافع في سورة مختلفة كما قال : {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبًّا} وقال في أول سورة أتى أمر الله {وَالانْعَـامَ خَلَقَهَا لَكُمْ} (النحل : 5) إلى آخره وههنا مسائل :
(1/302)

المسألة الأولى : قال أصحابنا : إنه سبحانه وتعالى لا يفعل فعلاً لغرض لأنه لو كان كذلك كان مستكملاً بذلك الغرض والمستكمل بغيره ناقص بذاته وذلك على الله تعالى محال فإن قيل : فعله تعالى معلل بغرض غير عائد إليه بل إلى غيره ، قلنا : عود ذلك الغرض إلى ذلك الغير هل هو أولى لله تعالى من عود ذلك الغرض إليه أو ليس أولى ؟
فإن كان أولى فهو تعالى قد انتفع بذلك الفعل فيعود المحذور المذكور وإن كان الثاني لم يكن تحصيل ذلك الغرض المذكور لذلك الغير غرضاً لله تعالى فلا يكون مؤثراً فيه. وثانيها : أن من فعل فعلاً لغرض كان عاجزاً عن تحصيل ذلك الغرض إلا بواسطة ذلك الفعل والعجز على الله تعالى محال. وثالثها : أنه تعالى لو فعل فعلاً لغرض لكان ذلك الغرض إن كان قديماً لزم قدم الفعل وإن كان محدثاً كان فعله لذلك الغرض لغرض آخر ويلزم التسلسل وهو محال. ورابعها : أنه تعالى لو كان يفعل لغرض لكان ذلك الغرض هو رعاية مصلحة المكلفين ولو توقفت فاعليته على ذلك لما فعل ما كان مفسدة في حقهم لكنه قد فعل ذلك حيث كلف من علم أنه لا يؤمن ثم إنهم تكلموا في اللام في قوله تعالى : {خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارْضِ جَمِيعًا} وفي قوله : {إِلا لِيَعْبُدُونِ} فقالوا إنه تعالى لما فعل ما لو فعله غيره لكان فعله لذلك الشيء لأجل الغرض لا جرم أطلق الله عليه لفظ الغرض بسبب هذه المشابهة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 379
المسألة الثانية : احتج أهل الإباحة بقوله تعالى : {خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارْضِ جَمِيعًا} على أنه تعالى خلق الكل للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلاً وهو ضعيف لأنه تعالى قابل الكل بالكل ، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، والتعيين يستفاد من دليل منفصل والفقهاء رحمهم الله استدلوا به على أن الأصل في المنافع الإباحة وقد بيناه في أصول الفقه.
المسألة الثالثة : قيل إنها تدل على حرمة أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض/ ولقائل أن يقول في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الأرض فيكون جمعاً للموضعين ، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى بعض لها ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه.
المسألة الرابعة : قوله : {خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارْضِ جَمِيعًا} يقتضي أنه لا تصح الحاجة على الله تعالى وإلا لكان قد فعل هذه الأشياء لنفسه أيضاً لا لغيره ، وأما قوله تعالى : {ثُمَّ اسْتَوَى ا إِلَى السَّمَآءِ} فيه مسائل :
المسألة الأولى : الاستواء في كلام العرب قد يكون بمعنى الانتصاب وضده الإعوجاج ولما كان ذلك من صفات الأجسام ، فالله تعالى يجب أن يكون منزهاً عن ذلك ولأن في الآية ما يدل على فساده لأن قوله : {ثُمَّ اسْتَوَى } يقتضي التراخي ولو كان المراد من هذا الاستواء العلو / بالمكان لكان ذلك العلو حاصلاً أولاً ولو كان حاصلاً أولاً لما كان متأخراً عن خلق ما في الأرض لكن قوله : {ثُمَّ اسْتَوَى } يقتضي التراخي ، ولما ثبت هذا وجب التأويل وتقريره أن الاستواء هو الاستقامة يقال استوى العود إذا قام واعتدل ثم قيل استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلتفت إلى شيء آخر ومنه استعير قوله : {ثُمَّ اسْتَوَى ا إِلَى السَّمَآءِ} أي خلق بعد الأرض السماء ولم يجعل بينهما زماناً ولم يقصد شيئاً آخر بعد خلقه الأرض.
المسألة الثانية : قوله تعالى : {هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى ا إِلَى السَّمَآءِ} مفسر بقوله : {قُلْ أَاـاِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الارْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَه ا أَندَادًا ذَالِكَ رَبُّ الْعَـالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآاـاِلِينَ} (فصلت : 9 ، 10) بمعنى تقدير الأرض في يومين وتقدير الأقوات في يومين آخرين كما يقول القائل من الكوفة إلى المدينة عشرون يوماً ، وإلى مكة ثلاثون يوماً يريد أن جميع ذلك هو هذا القدر ثم استوى إلى السماء في يومين آخرين ومجموع ذلك ستة أيام على ما قال : {خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} .
جزء : 3 رقم الصفحة : 379
(1/303)

المسألة الثالثة : قال بعض الملحدة هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء وكذا قوله : {قُلْ أَاـاِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الارْضَ فِى يَوْمَيْنِ} إلى قوله تعالى : {ثُمَّ اسْتَوَى ا إِلَى السَّمَآءِ} وقال في سورة النازعات : {ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَآءُا بَنَـاـاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاـاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَـاـاهَا * وَالارْضَ بَعْدَ ذَالِكَ دَحَـاـاهَآ} (النازعات : 27 ـ 30) وهذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السماء وذكر العلماء في الجواب عنه وجوهاً : أحدها : يجوز أن يكون خلق الأرض قبل خلق السماء إلا أنه ما دحاها حتى خلق السماء لأن التدحية هي البسط ولقائل أن يقول هذا أمر مشكل من وجهين : الأول : أن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية وإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها أيضاً لا محالة متأخراً عن خلق السماء. الثاني : أن قوله تعالى : {خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى ا إِلَى السَّمَآءِ} يدل على أن خلق الأرض وخلق كل ما فيها متقدم على خلق السماء لكن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوة فهذه الآية تقتضي تقدم كونها مدحوة قبل خلق السماء وحينئذٍ يتحقق التناقض. والجواب : أن قوله تعالى : {وَالارْضَ بَعْدَ ذَالِكَ دَحَـاـاهَآ} يقتضي تقديم خلق السماء على الأرض ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض/ وعلى هذا التقدير يزول التناقض ، ولقائل أن يقول : قوله تعالى : {ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَآءُا بَنَـاـاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاـاهَا} يقتضي أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدم على تدحية الأرض ولكن تدحية الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض فإن ذات السماء وتسويتها متقدمة على ذات الأرض وحينئذٍ يعود السؤال ، وثالثها : وهو الجواب الصحيح أن قوله : "ثم" ليس للترتيب ههنا وإنما هو على جهة تعديد النعم ، مثاله قول الرجل لغيره : / أليس قد أعطيتك النعم العظيمة ثم رفعت قدرك ثم دفعت الخصوم عنك ، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم فكذا ههنا والله أعلم.
المسألة الرابعة : الضمير في فسواهن ضمير مبهم ، وسبع سموات تفسير له كقوله ربه رجلاً وفائدته أن المبهم إذا تبين كان أفخم وأعظم من أن يبين أولاً لأنه إذا أبهم تشوفت النفوس إلى الاطلاع عليه وفي البيان بعد ذلك شفاء لها بعد التشوف ، وقيل الضمير راجع إلى السماء ، والسماء في معنى الجنس وقيل جمع سماءة ، والوجه العربي هو الأول ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وإخلاؤه من العوج والفطور وإتمام خلقهن.
جزء : 3 رقم الصفحة : 379
(1/304)

المسألة الخامسة : اعلم أن القرآن ههنا قد دل على وجود سبع سموات ، وقال أصحاب الهيئة أقربها إلينا كرة القمر ، وفوقها كرة عطارد ، ثم كرة الزهرة ، ثم كرة الشمس. ثم كرة المريخ ، ثم كرة المشتري ، ثم كرة زحل ، قالوا ولا طريق إلى معرفة هذا الترتيب إلا من وجهين : الأول : الستر وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يصيران ككوكب واحد ويتميز الساتر عن المستور بكونه الغالب كحمرة المريخ وصفرة عطارد ، وبياض الزهرة ، وزرقة المشتري ، وكدورة زحل كما أن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة. وكوكب عطارد يكسف الزهرة ، والزهرة تكسف المريخ ، وهذا الترتيب على هذا الطريق يدل على كون الشمس فوق القمر لانكسافها به ولكن لا يدل على كونها تحت سائر الكواكب أو فوقها لأنها لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال سائر الكواكب عند طلوعها فعند هذا ذكروا طريقين : أحدهما : ذكر بعضهم أنه رأى الزهرة كشامة في صحيفة الشمس ، وهذا ضعيف لأن منهم من زعم أن في وجه الشمس شامة كما أن حصل في وجه القمر المحو ، الثاني : اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل ، وأما في حق الشمس فإنه قليل جداً فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين هذا ما قاله الأكثرون إلا أن أبا الريحان قال في "تلخيصه لفصول الفرغاني" : إن اختلاف المنظر لا يحس إلا في القمر فبطلت هذه الوجوه وبقي موضع الشمس مشكوكاً. واعلم أن أصحاب الأرصاد وأرباب الهيئة زعموا أن الأفلاك تسعة ، فالسبعة هي هذه التي ذكرناها والفلك الثامن هو الذي حصلت هذه الكواكب الثابتة فيه ، وأما الفلك التاسع فهو الفلك الأعظم وهو يتحرك في كل يوم وليلة دورة واحدة بالتقريب ، واحتجوا على إثبات الفلك الثامن بأنا وجدنا لهذه الكواكب الثابتة حركات بطيئة وثبت أن الكواكب لا تتحرك إلا بحركة فلكها والأَفلاك الحاملة لهذه السيارات تتحرك حركات سريعة فلا بدّ من جسم آخر يتحرك حركة بطيئة ويكون هو الحامل لهذه الثوابت ، وهذه الدلالة ضعيفة من وجوه : أولها : لم لا يجوز أن يقال الكواكب تتحرك بأنفسها من غير أن تكون مركوزة في جسم آخر وهذا الاحتمال لا يفسد إلا بإفساد المختار / ودونه خرط القتاد. وثانيها : سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال إن هذه الكواكب مركوزة في ممثلات السيارات والسيارات مركوزة في حواملها ، وعند ذلك لا يحتاج إلى إثبات الفلك الثامن. وثالثها : لم لا يجوز أن يكون ذلك الفلك تحت فلك
جزء : 3 رقم الصفحة : 379
(1/305)

القمر فيكون تحت كرات السيارات لا فوقها فإن قيل إنا نرى هذه السيارات تكسف هذه الثوابت والكاسف تحت المكسوف لا محالة قلنا هذه السيارات إنما تكسف الثوابت القريبة من المنطقة فأما الثوابت القريبة من القطبين فلا/ فلم لا يجوز أن يقال هذه الثوابت القريبة من المنطقة مركوزة في الفلك الثامن الذي هو فوق كرة زحل وهذه الثوابت القريبة من القطبين التي لا يمكن انكسافها بالسيارات مركوزة في كرة أخرى تحت كرة القمر وهذا الاحتمال لا دافع له ، ثم نقول هب أنكم أثبتم هذه الأفلاك التسعة فما الذي دلكم على نفي الفلك العاشر ، أقصى ما في الباب أن الرصد ما دل إلا على هذا القدر إلا أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول ، والذي يحقق ذلك أنه قال بعض المحققين منهم : إنه ما تبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة أو كرات منطو بعضها على بعض وأقول هذا الاحتمال واقع ، لأن الذي يستدل به على وحدة كرة الثوابت ليس إلا أن يقال إن حركاتها متشابهة ومتى كان الأمر كذلك كانت مركوزة في كرة واحدة ولكتا المقدمتين غير يقينتيني. أما الأولى : فلأن حركاتها وإن كانت في الحس واحدة ولكن لعلها لا تكون في الحقيقة واحدة ، لأنا لو قدرنا أن واحداً منها يتمم الدورة في ستة وثلاثين ألف سنة. والآخر يتمم الدورة في مثل هذه المدة بنقصان سنة واحدة فإذا وزعنا ذلك النقصان على هذه السنين كان الذي هو حصة السنة الواحدة ثلاثة عشر جزءاً من ألف ومائتي جزء من واحد ، وهذا القدر مما لا يحس به بل العشر سنين والمائة والألف مما لا يحس به البتة ، وإذا كان ذلك محتملاً سقط القطع البتة عن استواء حركات الثوابت. وأما الثانية : فلأن استواء حركات الثوابت في مقادير حركاتها لا يوجب كونها بأسرها مركوزة في كرة واحدة لاحتمال كونها مركوزة في كرات متباينة وإن كانت مشتركة في مقادير حركاتها وهذا كما يقولون في ممثلات أكثر الكواكب فإنها في حركاتها مساوية لفلك الثوابت فكذا ههنا. وأقول إن هذا الاحتمال الذي ذكره هذا القائل غير مختص بفلك الثوابت فلعل الجرم المتحرك بالحركة اليومية ليس جرماً واحداً بل أجراماً كثيرة إما مختلفة الحركات لكن بتفاوت قليل لا تفي بإدراكها أعمارنا وأرصادنا وإما متساوية على الإطلاق ولكن تساويها لا يوجب وحدتها ، ومن أصحاب الهيئة من قطع بإثبات أفلاك أخر غير هذه التسعة فإن من الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت وتحت الفلك الأعظم واستدل عليه من وجوه : الأول : أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار فكل من كان رصده أقدم وجد مقدار الميل أعظم فإن بطليموس وجده "لح يا" ثم وجد في زمان المأمون "كح له" ثم وجد بعد / المأمون قد تناقص بدقيقة وذلك يقتضي أن من شأن المنطقتين أن يقل ميلهما تارة ويكثر أخرى وهذا إنما يمكن إذا كان بين كرة الكل وكرة الثوابت كرة أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة الكل وتكون كرة الثوابت يدور قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضاً وتارة إلى جانب الجنوب مرتفعاً فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة البروج ، وأن ينفصل عنه تارة أخرى إلى الجنوب عندما يرتفع قطب فلك الثوابت إلى الجنوب ، وتارة إلى الشمال. كما هو الآن. الثاني : أن أصحاب الأرصاد اضطربوا اضطراباً شديداً في مقدار سير الشمس على ما هو مشروح في "كتب النجوم" حتى أن بطليموس حكى عن أبرخيس أنه كان شاكاً في أن هذه العودة تكون في أزمنة متساوية أو مختلفة وأنه يقول في بعض أقاويله : إنها مختلفة ، وفي بعضها : إنها متساوية في إن الناس ذكروا في سبب اختلافه قولين : أحدهما : قول من يجعل أوج الشمس متحركاً فإنه زعم أن الاختلاف الذي يلحق حركة الشمس من هذه الجهة يختلف عند نقطة الاعتدال لاختلاف بعدها عن الأوج فيختلف زمان سير الشمس من أجله. الثاني : قول أهل الهند والصين وبابل وأكثر قدماء الروم ومصر والشام : إن السبب فيه انتقال فلك البروج وارتفاع قطبه وانحطاطه ، وحكي عن أبرخيس أنه كان يعتقد هذا الرأي وذكر بارياء الإسكندراني أن أصحاب الطلسمات كانوا يعتقدون ذلك وأن نقطة فلك البروج تتقدم عن موضعها وتتأخر ثمان درجات وقالوا إن ابتداء الحركة من "كب" درجة من الحوت إلى أول الحمل واعلم أن هذا الخبط مما ينبهك على أنه لا سبيل للعقول البشرية إلى إدراك هذه الأشياء وأنه لا يحيط بها إلا علم فاطرها وخالقها فوجب الاقتصار فيه على الدلائل السمعية/ فإن قال قائل فهل يدل التنصيص على سبع سموات على نفي العدد الزائد ؟
قلنا الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد.
جزء : 3 رقم الصفحة : 379
(1/306)

المسألة السادسة : قوله تعالى : {وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} يدل على أنه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون خالقاً للأرض وما فيها وللسموات وما فيها من العجائب والغرائب إلا إذا كان عالماً بها محيطاً بجزئياتها وكلياتها ، وذلك يدل على أمور : أحدها : فساد قول الفلاسفة الذين قالوا إنه لا يعلم الجزئيات وصحة قول المتكلمين ، وذلك لأن المتكلمين استدلوا على علم الله تعالى بالجزئيات بأن قالوا : إن الله تعالى فاعل لهذه الأجسام على سبيل الأحكام والاتقان وكل فاعل على هذا الوجه فإن لا بدّ وأن يكون عالماً بما فعله وهذه الدلالة بعينها ذكرها الله تعالى في هذا الموضع لأنه ذكر خلق السموات والأرض ثم فرع على ذلك كونه عالماً ، فثبت بهذا أن قول المتكلمين في هذا المذهب وفي هذا الاستدلال مطابق للقرآن. وثانيها : فساد قول المعتزلة وذلك لأنه سبحانه وتعالى بين أن الخالق للشيء على سبيل التقدير والتحديد لا بدّ وأن يكون عالماً به وبتفاصيله لأن خالقه قد خصه بقدر دون قدر والتخصيص بقدر معين لا بدّ وأن يكون بإرادة وإلا فقد حصل الرجحان من غير مرجح والإرادة مشروطة بالعلم فثبت أن خالق / الشيء لا بدّ وأن يكون عالماً به على سبيل التفصيل. فلو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بها وبتفاصيلها في العدد والكمية والكيفية فلما لم يحصل هذا العلم علمنا أنه غير موجد نفسه. وثالثها : قالت المعتزلة : إذا جمعت بين هذه الآية وبين قوله : {وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ} ظهر أنه تعالى عالم بذاته ، والجواب : قوله تعالى : {وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ} عام وقوله : {أَنزَلَه بِعِلْمِه } خاص والخاص مقدم على العام. والله تعالى أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 379
383
اعلم أن هذه الآية دالة على كيفية خلقة آدم عليه السلام وعلى كيفية تعظيم الله تعالى إياه فيكون ذلك إنعاماً عاماً على جميع بني آدم فيكون هذا هو النعمة الثالثة من تلك النعم العامة التي أوردها في هذا الموضع ثم فيه مسائل :
المسألة الأولى : في إذ قولان : أحدهما : أنه صلة زائدة إلا أن العرب يعتادون التكلم بها والقرآن نزل بلغة العرب. الثاني : وهو الحق أنه ليس في القرآن ما لا معنى له وهو نصب بإضمار اذكر ، والمعنى أذكر لهم قال ربك للملائكة فأضمر هذا لأمرين : أحدهما : أن المعنى معروف. والثاني : أن الله تعالى قد كشف ذلك في كثير من المواضع كقوله : {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَه بِالاحْقَافِ} (الأحقاف : 21) وقال : {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُادَ} (ص : 17) ، {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلا أَصْحَـابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ} (يس : 13 ، 14) والقرآن كله كالكلمة الواحدة ولا يبعد أن تكون هذه المواضع المصرحة نزلت قبل هذه السورة فلا جرم ترك ذلك ههنا اكتفاء بذلك المصرح. قال صاحب "الكشاف" : ويجوز أن ينتصب "إذ" بقالوا.
المسألة الثانية : الملك أصله من الرسالة ، يقال ألكني إليه أي أرسلني إليه والمألكة والألوكة الرسالة وأصله الهمزة من "ملأكة" حذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها طلباً للخفة لكثرة استعمالها ، قال صاحب "الكشاف" : الملائك جمع ملأك على الأصل كالشمائل في جمع شمأل وإلحاق التاء لتأنيث الجمع.
/
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
(1/307)

المسألة الثالثة : من الناس من قال : الكلام في الملائكة ينبغي أن يكون مقدماً على الكلام في الأنبياء لوجهين : الأول : أن الله تعالى قدم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالرسل في قوله : {وَالْمُؤْمِنُونَا كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَـا اـاِكَتِه وَكُتُبِه وَرُسُلِه } (المؤمنون : 285) ولقد قال عليه السلام : "ابدؤا بما بدأ الله به" الثاني : أن الملك واسطة بين الله وبين الرسول في تبليغ الوحي والشريعة فكان مقدماً على الرسول ، ومن الناس من قال : الكلام في النبوات مقدم على الكلام في الملائكة لأنه لا طريق لنا إلى معرفة وجود الملائكة بالعقل بل بالسمع ، فكان الكلام في النبوات أصلاً للكلام في الملائكة فلا جرم وجب تقديم الكلام في النبوات ، والأولى أن يقال الملك قبل النبي بالشرف والعلية وبعده في عقولنا وأذهاننا بحسب وصولنا إليها بأفكارنا. واعلم أنه لا خلاف بين العقلاء في أن شرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود الملائكة فيه كما أن شرف الرتبة للعالم السفلى هو وجود الإنسان فيه إلا أن الناس اختلفوا في ماهية الملائكة وحقيقتهم وطريق ضبط المذاهب أن يقال : الملائكة لا بدّ وأن تكون ذوات قائمة بأنفسها ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة أولا تكون ، أما الأول : وهو أن تكون الملائكة ذوات متحيزة فهنا أقوال : أحدها : أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات ، وهذا قول أكثر المسلمين. وثانياً : قول طوائف من عبدة الأوثان وهو أن الملائكة هي الحقيقة في هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد والأنحاس فإنها بزعمهم أحياء ناطقة ، وأن المسعدات منها ملائكة الرحمة والمنحسات منها ملائكة العذاب ، وثالثها : قول معظم المجوس والثنوية وهو أن هذا العالم مركب من أصلين أزليين وهما النور والظلمة/ وهما في الحقيقة جوهران شفافان مختاران قادران متضادا النفس والصورة مختلفا الفعل والتدبير ، فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر ، وينفع ولا يمنع ، ويحيى ولا يبلى وجوهر الظلمة على ضد ذلك. ثم إن جوهر النور لم يزل يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضيء. وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء وهم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح فهذه أقوال من جعل الملائكة أشياء متحيزة جسمانية. القول الثاني : أن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ولا بأجسام فههنا قولان : أحدهما : قول طوائف من النصارى وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها على نعت الصفاء والخيرية وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافية خالصة فهي الملائكة ، وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين. وثانيهما : قول الفلاسفة : وهي أنها جواهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة البتة ، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية وأنها أكمل قوة منها وأكثر علماً منها ، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء ، ثم إن هذه الجواهر على قسمين ، منها ما هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب / كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا ، ومنها ما هي لا على شيء من تدبير الأفلاك بل هي مستغرقة في معرفة الله ومحبته ومشتغلة بطاعته ، وهذا القسم هم الملائكة المقربون ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السموات كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة. فهذان القسمان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما ، ومنهم من أثبت أنواعاً أخر من الملائكة وهي الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي ، ثم إن المدبرات لهذا العالم إن كانت خيرة فهم الملائكة وإن كانت شريرة فهم الشياطين ، فهذا تفصيل مذاهب الناس في الملائكة واختلف أهل العلم في أنه هل يمكن الحكم بوجودها من حيث العقل أو لا سبيل إلى إثباتها إلا بالسمع ؟
أما الفلاسفة فقد اتفقوا على أن في العقل دلائل تدل على وجود الملائكة ، ولنا معهم في تلك الدلائل أبحاث دقيقة عميقة ، ومن الناس من ذكر في ذلك وجوهاً عقلية اقناعية ولنشر إليها. أحدها : أن المراد من الملك الحي الناطق الذي لا يكون ميتاً ، فنقول القسمة العقلية تقتضي وجود أقسام ثلاثة فإن الحي إما أن يكون ناطقاً وميتاً معاً وهو الإنسان ، أو يكون ميتاً ولا يكون ناطقاً وهو البهائم ، أو يكون ناطقاً ولا يكون ميتاً وهو الملك ، ولا شك أن أخس المراتب هو الميت غير الناطق ، وأوسطها الناطق الميت ، وأشرفها الناطق الذي ليس بميت ، فإذا اقتضت الحكمة الإلهية إيجاد أخس المراتب وأوسطها ، فلأن تقتضي إيجاد أشرف المراتب وأعلاها كان ذلك أولى ، وثانياً : أن الفطرة تشهد بأن عالم السموات أشرف من هذا العالم السفلي وتشهد بأن الحياة والعقل والنطق أشرف من أضدادها ومقابلتها فيبعد في العقل أن تحصل الحياة والعقل والنطق في هذا العالم الكدر الظلماني ، ولا تحصل البتة في ذلك العالم الذي هو عالم الضوء والنور والشرف. وثالثها : أن
(1/308)

أصحاب المجاهدات أثبتوها من جهة المشاهدة والمكاشفة ، وأصحاب الحاجات والضرورات أثبتوها من جهة أخرى وهي ما يشاهد من عجائب آثارها في الهداية إلى المعالجات النادرة الغريبة وتركيب المعجونات واستخراج صنعة التريقات ، ومما يدل على ذلك حال الرؤيا الصادقة ، فهذه وجوه إقناعية بالنسبة إلى من سمعها ولم يمارسها ، وقطعية بالنسبة إلى من جربها وشاهدها واطلع على أسرارها ، وأما الدلائل النقلية فلا نزاع البتة بين الأنبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة ، بل ذلك كالأمر المجمع عليه بينهم والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
المسألة الرابعة : في شرح كثرتهم : قال عليه الصلاة والسلام : "أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع" وروي أن بني آدم عشر الجن ، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر ، وهؤلاء كلهم عشر الطيور ، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر ، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين بها ، وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا ، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثالثة ، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل ، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات / العرش التي عددها ستمائة ألف ، طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرضون وما فيها وما بينها فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً صغيراً ، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم ، لهم زجل بالتسبيح والتقديس ، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعلم عددهم إلا الله. ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليه السلام. والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام. وهم كلهم سامعون مطيعون لا يفترون مشتغلون بعبادته سبحانه وتعالى. رطاب الألسن بذكره وتعظيمه يتسابقون في ذلك مذ خلقهم ، لا يستكبرون عن عبادته آناء الليل والنهار ولا يسألمون ، لا يحصى أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى ، وهذا تحقيق حقيقة ملكوته جل جلاله على ما قال : {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ } (المدثر : 31). وأقول رأيت في بعض كتب التذكير أنه عليه الصلاة والسلام حين عرج به رأى ملائكة في موضع بمنزلة سوق بعضهم يمشي تجاه بعض فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم أيهم إلى أين يذهبون. فقال جبريل عليه السلام. لا أدري إلا أني أراهم مذ خلقت ولا أرى واحداً منهم قد رأيته قبل ذلك ثم سألوا واحداً منهم وقيل له مذ كم خلقت ؟
فقال لا أدري غير أن الله تعالى يخلق كوكباً في كل أربعمائة ألف سنة فخلق مثل ذلك الكوكب منذ خلقني أربعمائة ألف مرة ، فسبحانه من إله ما أعظم قدرته وما أجل كماله. واعلم أن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن أصنافهم وأوصافهم ، أما الأصناف. فأحدها : حملة العرش وهو قوله : {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَـاـاِذٍ ثَمَـانِيَةٌ} (الحاقة : 17) ، وثانيها : الحافون حول العرش على ما قال سبحانه :
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
(1/309)

{وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } (الزمر : 75) وثالثها : أكابر الملائكة فمنهم جبريل وميكائيل صلوات الله عليهما لقوله تعالى : {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلـا ـاـاِكَتِه وَرُسُلِه وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـافِرِينَ} (البقرة : 98) ثم إنه سبحانه وتعالى وصف جبريل عليه السلام بأمور. الأول : أنه صاحب الوحي إلى الأنبياء قال تعالى : {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الامِينُ * عَلَى قَلْبِكَ} (الشعراء : 193 ، 194) الثاني : أنه تعالى ذكره قبل سائر الملائكة في القرآن {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} (البقرة : 97) ولأن جبريل صاحب الوحي والعلم ، وميكائيل صاحب الأرزاق والأغذية ، والعلم الذي هو الغذاء الروحاني أشرف من الغذاء الجسماني فوجب أن يكون جبريل عليه السلام أشرف من ميكائيل الثالث : أنه تعالى جعله ثاني نفسه {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَـاـاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـالِحُ الْمُؤْمِنِينَ } . الرابع : سماه روح القدس قال في حق عيسى عليه السلام : {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ} (المائدة : 110) الخامس : ينصر أولياء الله ويقهر أعداءه مع ألف من الملائكة مسومين ، السادس : أنه تعالى مدحه بصفات ست في قوله : {إِنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} (التكوير : 19 ـ 21) فرسالته أنه رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى جميع الأنبياء ، فجميع الأنبياء والرسل أمته وكرمه على ربه أنه جعله واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء ، وقوته أنه رفع مدائن قوم لوط إلى السماء وقلبها ، ومكانته عند الله أنه / جعله ثاني نفسه في قوله تعالى : {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَـاـاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـالِحُ الْمُؤْمِنِينَ } وكونه مطاعاً أنه إمام الملائكة ومقتداهم ، وأما كونه أميناً فهو قوله : {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الامِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} (الشعراء : 193) ومن جملة أكابر الملائكة إسرافيل وعزرائيل صلوات الله عليهما وقد ثبت وجودهما بالأخبار وثبت بالخبر أن عزرائيل هو ملك الموت على ما قال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
{قُلْ يَتَوَفَّـاـاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ} (السجدة : 11) وأما قوله : {حَتَّى ا إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} (الأنعام : 61) فذلك يدل على وجود ملائكة موكلين بقبض الأرواح ويجوز أن يكون ملك الموت رئيس جماعة وكلوا على قبض الأرواح قال تعالى : {وَلَوْ تَرَى ا إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ا الْمَلَـا اـاِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـارَهُمْ} (الأنفال : 50). وأما إسرافيل عليها السلام فقد دلت الأخبار على أنه صاحب الصور على ما قال تعالى {وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَن فِى الارْضِ إِلا مَن شَآءَ اللَّه ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} (الزمر : 68). ورابعها : ملائكة الجنة قال تعالى : {جَنَّـاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآاـاِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّـاتِهِم وَالْمَلَـا اـاِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَـامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُم فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد : 23 ، 24). وخامسها : ملائكة النار قال تعالى : {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} (المدثر : 30) وقوله تعالى : {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـابَ النَّارِ إِلا ملائكة } (المدثر : 31) ورئيسهم مالك ، وهو قوله تعالى : {وَنَادَوْا يَـامَـالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } (الزخرف : 77) وأسماء جملتهم الزبانية قال تعالى : {فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} (العلق : 17 ، 18) وسادسها : الموكلون ببني آدم لقوله تعالى : {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق 17 ، 18) وقوله تعالى : {لَه مُعَقِّبَـاتٌ مِّنا بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِه يَحْفَظُونَه مِنْ أَمْرِ اللَّه } (الرعد : 11) وقوله تعالى : {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِه ا وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} (الأنعام : 61). وسابعها : كتبة الأعمال وهو قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
(1/310)

{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـافِظِينَ * كِرَامًا كَـاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} (اونفطار : 10 ـ 12). وثامنها : الموكلون بأحوال هذا العالم وهم المرادون بقوله تعالى : {وَالصَّـا فَّـاتِ صَفًّا} (الصافات : 1) وبقوله : {وَالذَّارِيَـاتِ ذَرْوًا} إلى قوله : {فَالْمُقَسِّمَـاتِ أَمْرًا} (الذاريات : 1 ، 4) وبقوله : {وَالنَّـازِعَـاتِ غَرْقًا} (النازعات : 1). وعن ابن عباس قال : إن لله ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الأشجار ، فإذا أصاب أحدكم حركة بأرض فلاة فليناد : أعينوا عباد الله يرحمكم الله. وأما أوصاف الملائكة فمن وجوه : أحدها : أن الملائكة رسل الله ، قال تعالى : {جَاعِلِ الملائكة رُسُلا} (فاطر : 1) أما قوله تعالى : {اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلا} (الحج : 75) فهذا يدل على أن بعض الملائكة هم الرسل فقط ، وجوابه أن من للتبيين لا للتبعيض. وثانيها : قربهم من الله تعالى ، وذلك يمتنع أن يكون بالمكان والجهة فلم يبق إلا أن يكون ذلك القرب هو القرب بالشرف وهو المراد من قوله : {وَمَنْ عِندَه لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه } (الأنبياء : 19) وقوله : {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} (الأنبياء : 26) وقوله : {يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} (الأنبياء : 20) وثالثها : وصف طاعاتهم وذلك من وجوه : الأول : قوله تعالى حكاية عنهم {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } وقال في موضع آخر {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} (الصافات : 166) والله تعالى ما كذبهم في ذلك فثبت بها مواظبتهم على العبادة. الثاني : مبادرتهم إلى امتثال أمر الله تعظيماً له وهو قوله : {فَسَجَدَ الْمَلَـا اـاِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} (الحجر : 30). الثالث : أنهم لا يفعلون شيئاً إلا بوحيه وأمره وهو قوله : / {لا يَسْبِقُونَه بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِه يَعْمَلُونَ} (الأنبياء : 27). ورابعها : وصف قدرتهم وذلك من وجوه : الأول : أن حملة العرش وهم ثمانية يحملون العرش والكرسي ثم إن الكرسي الذي هو أصغر من العرش أعظم من جملة السموات السبع لقوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
(1/311)

{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ } (البقرة : 255) فانظر إلى نهاية قدرتهم وقوتهم. الثاني : أن علو العرش شيء لا يحيط به الوهم ويدل عليه قوله : {تَعْرُجُ الْمَلَـا اـاِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُه خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} (المعارج : 4) ثم إنهم لشدة قدرتهم ينزلون منه في لحظة واحدة. الثالث : قوله تعالى : {وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَن فِى الارْضِ إِلا مَن شَآءَ اللَّه ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} (الزمر : 68) فصاحب الصور يبلغ في القوة إلى حيث أن بنفخة واحدة منه يصعق من في السموات والأرض ، وبالنفخة الثانية منه يعودون أحياء. فاعرف منه عظم هذه القوة. والرابع : أن جبريل عليه السلام بلغ في قوته إلى أن قلع جبال آل لوط وبلادهم دفعة واحدة. وخامسها : وصف خوفهم ويدل عليه وجوه : الأول : أنهم مع كثرة عباداتهم وعدم إقدامهم على الزلات البتة يكونون خائفين وجلين حتى كأن عبادتهم معاصي قال تعالى : {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} (النحل : 50) وقال : {وَهُم مِّنْ خَشْيَتِه مُشْفِقُونَ} (الأنبياء : 28). الثاني : قوله تعالى : {حَتَّى ا إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُم قَالُوا الْحَقَّا وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ} (سبأ : 23) روي في التفسير أن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمعه أهل السموات مثل صوت السلسلة على الصفوان ففزعوا فإذا انقضى الوحي قال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ، الثالث : روى البيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عباس قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلّم بناحية ومعه جبريل إذ انشق أفق السماء فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الأرض فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً وبين أن تكون نبياً عبداً ، قال عليه السلام : فأشار إلى جبريل بيده أن تواضع فعرفت أنه لي ناصح فقلت عبداً نبياً فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل فقال هذا إسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافاً قدميه لا يرفع طرفه وبين الرب وبينه سبعون نوراً ما منها نور يدنو منه إلا احترق وبين يديه اللوح المحفوظ فإذا أذن الله له في شيء من السماء أو من الأرض ارتفع ذلك اللوح بقرب جبينه فينظر فيه فإن كان من عملي أمرني به وإن كان من عمل ميكائيل أمره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به قلت يا جبريل على أي شيء أنت قال على الرياح والجنود قلت على أي شيء ميكائيل قال على النبات. قلت على أي شيء ملك الموت قال على قبض الأنفس وما ظننت أنه هبط إلا لقيام الساعة وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفاً من قيام الساعة. واعلم أنه ليس بعد كلام الله وكلام رسوله كلام في وصف الملائكة أعلى وأجل من كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام ، قال في بعض خطبه : ثم فتق ما بين السموات العلى فملأهن أطواراً من ملائكة فمنهم سجود لا يركعون / وركوع لا ينتصبون وصافون لايتزايلون ومسبحون لا يسأمون لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره ومنهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم والمارقة من السماء العليا أعناقهم والخارجة من الأقطار أركانهم والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ناكسة دونه أبصارهم متلفعون بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر.
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
المسألة الخامسة : اختلفوا في أن المراد من قوله : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً } كل الملائكة أو بعضهم فروى الضحاك عن ابن عباس أنه سبحانه وتعالى إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا محاربين مع إبليس لأن الله تعالى لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضاً بعث الله إبليس في جند من الملائكة فقتلهم إبليس بعسكره حتى أخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر فقال تعالى لهم : {إِنِّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً } وقال الأكثرون من الصحابة والتابعين أنه تعالى قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص لأن لفظ الملائكة يفيد العموم فيكون التخصيص خلاف الأصل.
المسألة السادسة : جاعل من جعل الذي له مفعولان دخل على المبتدأ والخبر وهما قوله : {فِى الارْضِ خَلِيفَةً } فكانا مفعولين ومعناه مصير في الأرض خليفة.
(1/312)

المسألة السابعة : الظاهر أن الأرض التي في الآية جميع الأرض من المشرق إلى المغرب وروى عبد الرحمن بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : دحيت الأرض من مكة وكانت الملائكة تطوف بالبيت وهم أول من طاف به وهو في الأرض التي قال الله تعالى : {إِنِّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً } والأول أقرب إلى الظاهر.
المسألة الثامنة : الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه قال الله تعالى : {ثُمَّ جَعَلْنَـاكُمْ خَلَـا اـاِفَ فِى الارْضِ} (يونس : 14). {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ} (الأعراف : 69) فأما أن المراد بالخليفة من ؟
ففيه قولان : أحدهما : أنه آدم عليه السلام. وقوله : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} المراد ذريته لا هو ، والثاني : أنه ولد آدم ، أما الذين قالوا المراد آدم عليه السلام فقد اختلفوا في أنه تعالى لم سماه خليفة وذكروا فيه وجهين : الأول : بأنه تعالى لما نفى الجن من الأرض وأسكن آدم الأرض كان آدم عليه السلام خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه. يروى ذلك عن ابن عباس. الثاني : إنما سماه الله خليفة لأنه يخلف الله في الحكم بين المكلفين من خلقه وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس والسدي وهذا الرأي متأكد بقوله : {إِنَّا جَعَلْنَـاكَ خَلِيفَةً فِى الارْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (ص : 26) أما الذين قالوا المراد ولد آدم فقالوا : إنما سماهم خليفة لأنهم يخلف بعضهم بعضاً وهو / قول الحسن ويؤكده قوله : {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـا اـاِفَ الارْضِ} والخليفة اسم يصلح للواحد والجمع كما يصلح للذكر والأنثى وقرىء خليقة بالقاف. فإن قيل ما الفائدة في أن قال الله تعالى للملائكة : {إِنِّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً } مع أنه منزه عن الحاجة إلى المشورة والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى علم أنهم إذا اطلعوا على ذلك السر أوردوا عليه ذلك السؤال فكانت المصلحة تقتضي إحاطتهم بذلك الجواب فعرفهم هذه الواقعة لكي يوردوا ذلك السؤال ويسمعوا ذلك الجواب. الوجه الثاني : أنه تعالى علم عباده المشاورة. وأما قوله تعالى : {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا} إلى آخر الآية ، ففيه مسائل :
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
المسألة الأولى : الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل الملائكة عن جميع الذنوب ومن الحشوية من خالف في ذلك ولنا وجوه : الأول : قوله تعالى : {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم : 6) إلا أن هذه الآية مختصة بملائكة النار فإذا أردنا الدلالة العامة تمسكنا بقوله تعالى : {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } (النحل : 50) فقوله ويفعلون ما يؤمرون يتناول جميع فعل المأمورات وترك المنهيات لأن المنهي عن الشيء مأمور بتركه. فإن قيل ما الدليل على أن قوله ويفعلون ما يؤمرون يفيد العموم قلنا لأنه لا شيء من المأمورات إلا ويصح الاستثناء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل على ما بيناه في أصول الفقه.والثاني : قوله تعالى : {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَـانُ وَلَدًا سُبْحَـانَه ا بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَه بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِه يَعْمَلُونَ} (الأنبياء : 26 ـ 27) فهذا صريح في براءتهم عن المعاصي وكونهم متوقفين في كل الأمور إلا بمقتضى الأمر والوحي. والثالث : أنه تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في البشر بالمعصية ولو كانوا من العصاة لما حسن منهم ذلك الطعن الرابع : أنه تعالى حكى عنهم أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ومن كان كذلك امتنع صدور المعصية منه واحتج المخالف بوجوه : الأول : أنه تعالى حكيىعنهم أنهم قالوا : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } وهذا يقتضي صدور الذنب عنهم ويدل على ذلك وجوه : أحدها : أن قولهم : أتجعل فيها. هذا اعتراض على الله تعالى وذلك من أعظم الذنوب. وثانيها : أنهم طعنوا في بني آدم بالفساد والقتل وذلك غيبة والغيبة من كبائر الذنوب. وثالثها : أنهم بعد أن طعنوا في بني آدم مدحوا أنفسهم بقولهم : {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } وأنهم قالوا : {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} (الصافات : 165 ، 166) وهذا للحصر فكأنهم نفوا كون غيرهم كذلك وهذا يشبه العجب والغيبة وهو من الذنوب المهلكة قال عليه السلام. (ثلاث مهلكات ، وذكر فيها إعجاب المرء بنفسه). وقال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
(1/313)

{فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ } (النجم : 32). ورابعها : أن قولهم لا علم لنا إلا ما علمتنا يشبه الاعتذار فلولا تقدم الذنب وإلا لما اشتغلوا بالعذر. وخامسها : أن قوله : {أَنابِئُونِى بِأَسْمَآءِ هَـا ؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ} (البقرة : 31) يدل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه أو لا. وسادسها : أن قوله : {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} (البقرة : 33) يدل على / أن الملائكة ما كانوا عالمين بذلك قبل هذه الواقعة وأنهم كانوا شاكين في كون الله تعالى عالماً بكل المعلومات ، وسابعها : أن علمهم يفسدون ويسفكون الدماء ، إما أن يكون قد حصل بالوحي إليهم في ذلك أو قالوه استنباطاً والأول بعيد لأنه إذا أوحى الله تعالى ذلك إليهم لم يكن لإعادة ذلك الكلام فائدة فثبت أنهم قالوه عن الاستنباط والظن والقدح في الغير على سبيل الظن غير جائز لقوله تعالى : {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ } (الإسراء : 36) وقال : {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْـاًا } (يونس : 36) وثامنها : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله سبحانه وتعالى قال للملائكة الذين كانوا جند إبليس في محاربة الجن {إِنِّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً } فقالت الملائكة مجيبين له سبحانه : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} ثم علموا غضب الله عليهم : {قَالُوا سُبْحَـانَكَ لا عِلْمَ لَنَآ} وروي عن الجن وقتادة أن الله تعالى لما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق فلن يخلق خلقاً إلا كنا أعظم منه وأكرم عليه فلما خلق آدم عليه السلام وفضله عليهم {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَـا ئِكَةِ فَقَالَ أَنابِئُونِى بِأَسْمَآءِ هَـا ؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ} (البقرة : 31) في أني لا أخلق خلقاً إلا وأنتم أفضل منه ففزع القوم عند ذلك إلى التوبة و{قَالُوا سُبْحَـانَكَ لا عِلْمَ لَنَآ} وفي بعض الروايات أنهم لما قالوا أتجعل فيها ، أرسل الله عليهم ناراً فأحرقتهم. الشبهة الثانية : تمسكوا بقصة هاروت وماروت وزعموا أنهما كانا ملكين من الملائكة وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي أنكرا ذلك وأكبراه ودعوا على أهل الأرض فأوحى الله تعالى إليهما إني لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني فقالا يا رب لو ابتليتنا لم نفعل فجربنا فأهبطهما إلى الأرض وابتلاهما الله بشهوات بني آدم فمكثا في الأرض وأمر الله الكوكب المسمى بالزهرة والملك الموكل به فهبطا إلى الأرض فجعلت الزهرة في صورة امرأة والملك في صورة رجل ثم إن الزهرة اتخذت منزلاً وزينت نفسها ودعتهما إلى نفسها ونصب الملك نفسه في منزلها في مثال صنم فأقبلا إلى منزلها ودعواها إلى الفاحشة فأبت عليهما إلا أن يشربا خمراً فقالا لا نشرب الخمر ثم غلبت الشهوة عليهما فشربا ثم دعواها إلى ذلك فقالت بقيت خصلة لست أمكنكما من نفسي حتى تفعلاها قالا وما هي ؟
قالت : تسجدان لهم الصنم ، فقالا : لا نشرك بالله ، ثم غلبت الشهوة عليهما فقالا : نفعل ثم نستغفر فسجدا للصنم فارتفعت الزهرة وملكها إلى موضعهما من السماء فعرفا حينئذٍ أنه إنما أصابهما ذلك بسبب تعيير بني آدم وفي رواية أخرى أن الزهرة كانت فاجرة من أهل الأرض وإنما واقعاها بعد أن شربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للصنم وعلماها الاسم الأعظم الذي كانا به يعرجان إلى السماء فتكلمت المرأة بذلك الاسم وعرجت إلى السماء فمسخها الله تعالى وصيرها هذا الكوكب المسمى بالزهرة ثم إن الله تعالى عرفت هاروت وماروت قبيح ما فيه وقعا ثم خيرهما بين عذاب الآخرة آجلاً وبين عذاب الدنيا عاجلاً فاختارا عذاب الدنيا فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى / يوم القيامة وهما يعلمان الناس السحر ويدعوان إليه ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر خاصة وتعلقوا في ذلك بقوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
(1/314)

{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَـاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَـانَ } (البقرة : 102) الشبهة الثالثة : أن إبليس كان من الملائكة المقربين ثم إنه عصى الله تعالى وكفر وذلك يدل على صدور المعصية من جنس الملائكة. الشبهة الرابعة : قوله تعالى : {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـابَ النَّارِ إِلا ملائكة } (المدثر : 31) قالوا : فدل هذا على أن الملائكة يعذبون لأن أصحاب النار لا يكونون إلا ممن يعذب فيها كما قال : {أُوالَـا ئِكَ أَصْحَـابُ النَّارِا هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ} والجواب عن الشبهة الأولى أن نقول : أما الوجه الأول وهو قولهم أنهم اعترضوا على الله تعالى وهذا من أعظم الذنوب فنقول إنه ليس غرضهم من ذلك السؤال تنبيه الله على شيء كان غافلاً عنه/ فإن من اعتقد ذلك في الله فهو كافر ، ولا الإنكار على الله تعالى في فعل فعله ، بل المقصود من ذلك السؤال أمور : أحدها : أن الإنسان إذا كان قاطعاً بحكمة غيره ثم رأى أن ذلك الغير يفعل فعلاً لا يقف على وجه الحكمة فيه فيقول له أتفعل هذا كأنه يتعجب من كمال حكمته وعلمه ، ويقول إعطاء هذه النعم لمن يفسد من الأمور التي لا تهتدي العقول فيها إلى وجه الحكمة فإذا كنت تفعلها وأعلم أنك لا تفعلها إلا لوجه دقيق وسر غامض أنت مطلع عليه فما أعظم حكمتك وأجل علمك فالحاصل أن قوله : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} كأنه تعجب من كمال علم الله تعالى وإحاطة حكمته بما خفي على كل العقلاء. وثانيها : أن إيراد الإشكال طلباً للجواب غير محذور فكأنهم قالوا إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه البتة ونحن نرى في العرف أن تمكين السفيه من السفه سفه فإذا خلقت قوماً يفسدون ويقتلون وأنت مع علمك أن حالهم كذلك خلقتهم ومكنتهم وما منعتهم عن ذلك فهذا يوهم السفه وأنت الحكيم المطلق فكيف يمكن الجمع بين الأمرين فكأن الملائكة أوردوا هذا السؤال طلباً للجواب ، وهذا جواب المعتزلة قالوا : وهذا يدل على أن الملائكة لم يجوزوا صدور القبيح من الله تعالى وكانوا على مذهب أهل العدل قالوا والذي يؤكد هذا الجواب وجهان : أحدهما : أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء إلى المخلوقين لا إلى الخالق. والثاني : أنهم قالوا : {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } لأن التسبيح تنزيه ذاته عن صفة الأجسام والتقديس تنزيه أفعاله عن صفة الذم ونعت السفه ، وثالثها : أن الشرور وإن كانت حاصلة في تركيب هذا العالم السفلي إلا أنها من لوازم الخيرات الحاصلة فيه وخيراتها غالبة على شرورها وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فالملائكة ذكروا تلك الشرور ، فأجابهم الله تعالى بقوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
{إِنِّى أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} يعني أن الخيرات الحاصلة من أجل تراكيب العالم السفلي أكثر من الشرور الحاصلة فيها والحكمة تقتضي إيجاد ما هذا شأنه لا تركه وهذا جواب الحكماء. ورابعها : أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله تعالى فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه. وخامسها : أن قول الملائكة : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} مسألة منهم / أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحاً فكأنهم قالوا : يا إلهنا إجعل الأرض لنا لا لهم كما قال موسى عليه السلام : {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ مِنَّآ } (الأعراف : 155) والمعنى لا تهلكنا فقال تعالى : {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} من صلاحكم وصلاح هؤلاء الذين أجعلهم في الأرض فبين ذلك أنه اختار لهم السماء خاصة ولهؤلاء الأرض خاصة لعلمه بصلاح ذلك في أديانهم ليرضى كل فريق بما اختاره الله له. وسادسها : أنهم طلبوا الحكمة التي لأجلها خلقهم مع هذا الفساد والقتل ، وسابعها : قال القفال يحتمل أن الله تعالى لما أخبرهم أنه يجعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها ، أي ستفعل ذلك فهو إيجاب خرج مخرج الاستفهام قال جرير :
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
فألستم خير من ركب المطايا
وأندى العالمين بطون راح
(1/315)

أي أنتم كذلك. ولو كان استفهاماً لم يكن مدحاً ، ثم قالت الملائكة إنك تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبح بحمدك ونقدس لما أنا نعلم أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة فلما قالوا ذلك قال الله تعالى لهم : {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} كأنه قال والله أعلم نعم ما فعلتم حيث لم تجعلوا ذلك قادحاً في حكمتي فإني أعلم ما لا تعلمون فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل وما علمتم باطنهم وأنا أعلم ظاهرهم وباطنهم فأعلم من بواطنهم أسراراً خفية وحكماً بالغة تقتضي خلقهم وإيجادهم. أما الوجه الثاني : وهو أنهم ذكروا بني آدم بما لا ينبغي وهو الغيبة ، فالجواب أن محل الإشكال في خلق بني آدم إقدامهم على الفساد والقتل ، ومن أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال لا لغيره فلهذا السبب ذكروا من بني آدم هاتين الصفتين وما ذكروا منهم عبادتهم وتوحيدهم لأن ذلك ليس محل الإشكال. أما الوجه الثالث : وهو أنهم مدحوا أنفسهم وذلك يوجب العجب وتزكية النفس. فالجواب : أن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقاً لقولاه : {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} وأيضاً فيحتمل أن يكون قولهم : {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } ليس المراد مدح النفس ، بل المراد بيان أن هذا السؤال ما أوردناه لنقدح به في حكمتك يا رب فإنا نسبح بحمدك ونعترف لك بالإلهية والحكمة فكأن الغرض من ذلك بيان أنهم ما أوردوا السؤال للطعن في الحكمة والإلهية. بل لطلب وجه الحكمة على سبيل التفصيل ، أما الوجه الرابع : وهو أن قولهم : {لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآ } يشبه الاعتذار فلا بدّ من سبق الذنب ، قلنا نحن نسلم أن الأولى للملائكة أن لا يوردوا ذلك السؤال ، فلما تركوا هذا الأولى كان ذلك الاعتذار اعتذاراً من ترك الأولى فإن قيل أليس أنه تعالى قال : {لا يَسْبِقُونَه بِالْقَوْلِ} (الأنبياء : 27) فهذا السؤال وجب أن يكون بإذن الله تعالى ، وإذا كانوا مأذونين في هذا السؤال فكيف اعتذروا عنه ؟
قلنا العام قد يتطرق إليه التخصيص. أما الوجه الخامس : وهو أن إخبار الملائكة عن الفساد وسفك الدماء ، إما أن يكون حصل عن الوحي أو قالوه استنباطاً وظناً ، قلنا اختلف العلماء فيه ، فمنهم من قال : إنهم ذكروا ذلك ظناً ثم ذكروا فيه وجهين : الأول : وهو مروي عن ابن عباس والكلبي أنهم قاسوه / على حال الجن الذين كانوا قبل آدم عليه السلام في الأرض. الثاني : أنهم عرفوا خلقته وعرفوا أنه مركب من هذه الأخلاط الأربعة فلا بّد وأن تتركب فيه الشهوة والغضب فيتولد الفساد عن الشهوة وسفك الدماء عن الغضب. ومنهم من قال إنهم قالوا ذلك على اليقين وهو مروي عن ابن مسعود وناس من الصحابة ثم ذكروا فيه وجوهاً : أحدها : أنه تعالى لما قال للملائكة :
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
{إِنِّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً } قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟
قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً ، فعند ذلك قالوا : ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. وثانيها : أنه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء. وثالثها : قال ابن زيد لما خلق الله تعالى النار خافت الملائكة خوفاً شديداً فقالوا : ربنا لمن خلقت هذه النار ؟
قال لمن عصاني من خلقي ولم يكن لله يومئذٍ خلق إلا الملائكة ولم يكن في الأرض خلق البتة فلما قال : {إِنِّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً } عرفوا أن المعصية تظهر منهم. ورابعها : لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك. وخامسها : إذا كان معنى الخليفة من يكون نائباً لله تعالى في الحكم والقضاء ، والاحتجاج إلى الحاكم والقاضي إنما يكون عند التنازع والتظالم كان الأخبار عن وجود الخليفة إخباراً عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام قال أهل التحقيق والقول بأنه كان هذا الأخبار عن مجرد الظن باطل لأنه قدح في الغير بما لا يأمن أن يكون كاذباً فيه ، وذلك ينافي العصمة والطهارة. أما الوجه السادس : هو الأخبار التي ذكروها فهي من باب أخبار الآحاد فلا تعارض الدلائل التي ذكرناها.
(1/316)

أما الشبهة الثانية : وهي قصة هاروت وماروت ، فالجواب عنها أن القصة التي ذكروها باطلة من وجوه : أحدها : أنهم ذكروا في القصة أن الله تعالى قال لهما لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا لو فعلت ذلك بنا يا رب لما عصيناك/ وهذا منهم تكذيب لله تعالى وتجهيل له وذلك من صريح الكفر ، والحشوية سلموا أنهما كانا قبل الهبوط إلى الأرض معصومين ، وثانيها : في القصة أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وذلك فاسد بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة وبين العذاب والله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره وبالغ في إيذاء أنبيائه. وثالثها : في القصة أنهما يعلمان السحر حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما معاقبان على المعصية. ورابعها : أن المرأة الفاجرة كيف يعقل أنها لما فجرت صعدت إلى السماء وجعلها الله تعالى كوكباً مضيئاً وعظم قدره بحيث أقسم به حيث قال : {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} (التكوير : 15) فهذه القصة قصة ركيكة يشهد كل عقل سليم بنهاية ركاكتها ، وأما الكلام في تعليم السحر فسيأتي في تفسير تلك الآية في موضعها إن شاء الله تعالى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
وأما الشبهة الثالثة : فسنتكلم في بيان أن إبليس ما كان من الملائكة.
/ وأما الشبهة الرابعة : وهي قوله : {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـابَ النَّارِ إِلا ملائكة } (المدثر : 31) فهذا لا يدل على كونهم معذبين في النار وقوله : {أُوالَـا ئِكَ أَصْحَـابُ النَّارِا هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ} لا يدل أيضاً على كونهم معذبين بالنار بمجرد هذه الآية بل إنما عرف ذلك بدليل آخر فقوله : {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـابَ النَّارِ إِلا ملائكة } يريد به خزنة النار والمتصرفين فيها والمدبرين لأمرها والله أعلم.
المسألة الثانية : اختلفوا في أن الملائكة هل هم قادرون على المعاصي والشرور أم لا ؟
فقال جمهور الفلاسفة وكثير من أهل الجبر : إنهم خيرات محض ولا قدرة لهم البتة على الشرور والفساد وقال جمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء : إنهم قادرون على الأمرين واحتجوا على ذلك بوجوه : أحدها : أن قولهم : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} إما أن يكون معصية أو ترك الأولى وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، وثانيها : قوله تعالى : {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّى إِلَـاهٌ مِّن دُونِه فَذاَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } (الأنبياء : 29) وذلك يقتضي كونهم مزجورين ممنوعين وقال أيضاً : {لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه } (الأعراف : 206) والمدح بترك الاستكبار إنما يجوز له كان قادراً على فعل الاستكبار. وثالثها : أنهم لو لم يكونوا قادرين على ترك الخيرات لما كانوا ممدوحين بفعلها لأن الملجأ إلى الشيء ومن لا يقدر على ترك الشيء لا يكون ممدوحاً بفعل ذلك الشيء ، ولقد استدل بهذا بعض المعتزلة فقلت له أليس أن الثواب والعوض واجبان على الله تعالى ، ومعنى كونه واجباً عليه أنه لو تركه للزم من تركه إما الجهل وإما الحاجة وهما محالان والمفضي إلى المحال محال ، فيكون ذلك الترك محالاً من الله تعالى ، وإذا كان الترك محالاً كان الفعل واجباً فيكون الله تعالى فاعلاً للثواب والعوض واجب وتركه محال مع أنه تعالى ممدوح على فعل ذلك ، فثبت أن امتناع الترك لا يقدح في حصول المدح فانقطع وما قدر على الجواب.
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
(1/317)

المسألة الثالثة : الواو في {وَنَحْنُ} للحال كما تقول أتحسن إلى فلان وأنا أحق بالإحسان والتسبيح تبعيد الله تعالى من السوء وكذا التقديس ، من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد ، واعلم أن التبعيد إن أريد به التبعيد عن السوء فهو التسبيح وإن أريد به التبعيد عن الخيرات فهو اللعن ، فنقول التبعيد عن السوء يدخل فيه التبعيد عن السوء في الذات والصفات والأفعال ، أما في الذات فأن لا تكون محلاً للإمكان فإن منع السوء وإمكانه هو العدم ونفي الإمكان يستلزم نفي الكثرة ، ونفيها يستلزم نفي الجسمية والعرضية ونفي الضد والند ، وحصول الوحدة المطلقة والوجوب الذاتي وأما في الصفات فأن يكون منزهاً عن الجهل فيكون محيطاً بكل المعلومات وقادراً على كل المقدورات وتكون صفاته منزهة عن التغييرات/ وأما في الأفعال فأن لا تكون أفعاله لجلب المنافع ودفع المضار وأن لا يستكمل بشيء منها ولا ينتقص بعدم شيء منها فيكون مستغنياً عن كل الموجودات والمعدومات مستولياً بالإعدام والإيجاد على كل الموجودات والمعدومات ، وقال أهل التذكير : التسبيح جاء تارة في القرآن بمعنى / التنزيه وأخرى بمعنى التعجب. أما الأول فجاء على وجوه : "ا" أنا المنزه عن النظير والشريك ، هو الله الواحد القهار "ب" أنا المدبر للسموات والأرض سبحان رب السموات والأرض "ج" أنا المدبر لكل العالمين سبحان الله رب العالمين "د" أنا المنزه عن قول الظالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون (هـ) أنا المستغني عن الكل سبحانه هو الغني "و" أنا السلطان الذي كل شيء سوائي فهو تحت قهري وتسخيري فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء "ز" أنا العالم بكل شيء ، سبحان الله عما يصفون عالم الغيب "ح" أنا المنزه عن الصاحبة والولد سبحانه أنى يكون له ولد "ط" أنا المنزه عن وصفهم وقولهم ، سبحانه وتعالى عما يشركون ، عما يقولون ، عما يصفون ، أما التعجب فكذلك "ا" أنا الذي سخرت البهائم القوية للبشر الضعيف ، سبحان الذي سخر لنا هذا "ب" أنا الذي خلقت العالم وكنت منزهاً عن التعب والنصب ، سبحانه إذا قضى أمراً "ج" أنا الذي أعلم لا بتعليم المعلمين ولا بإرشاد المرشدين ، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا "د" أنا الذي أزيل معصية سبعين سنة بتوبة ساعة فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ، ثم يقول إن أردت رضوان الله فسبح ، وسبحوه بكرة وأصيلاً. وإن أردت الفرج من البلاء فسبح لا إله أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، وإن أردت رضا الحق فسبح ، ومن الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ، وإن أردت الخلاص من النار فسبح ، سبحانك فقنا عذاب النار ، أيها العبد واظب على تسبيحي فسبحان الله فسبح وسبحوه فإن لم تفعل تسبيحي فالضرر عائد إليك ، لأن لي من يسبحني ، ومنهم حملة العرش
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
(1/318)

{فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ} (فصلت : 38) ومنهم المقربون {قَالُوا سُبْحَـانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا} (سبأ : 41) ومنهم سائر الملائكة {قَالُوا سُبْحَـانَكَ مَا كَانَ يَنابَغِى لَنَآ} (الفرقان : 18) ومنهم الأنبياء كما قال ذو النون {لا إِلَـاهَ إِلا أَنتَ سُبْحَـانَكَ} (يونس : 1) وقال موسى : {قَالَ سُبْحَـانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} (الأعراف : 143) والصحابة يسبحون في قوله : {سُبْحَـانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران : 191) والكل يسبحون ومنهم الحشرات والدواب والذرات {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَه } (الإسراء : 44) وكذا الحجر والمدر والرمال والجبال والليل والنهار والظلمات والأنوار والجنة والنار والزمان والمكان والعناصر والأركان والأرواح والأجسام على ما قال : {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَـاوَاتِ} (الحديد : 1) ثم يقول أيها العبد : أنا الغني عن تسبيح هذه الأشياء ، وهذه الأشياء ليست من الأحياء فلا حاجة بها إلى ثواب هذا التسبيح فقد صار ثواب هذه التسبيحات ضائعاً وذلك لا يليق بي {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالارْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـاعِبِينَ} (ص : 27) لكني أوصل ثواب هذه الأشياء إليك ليعرف كل أحد أن من اجتهد في خدمتي أجعل كل العالم في خدمته. والنكتة الأخرى أذكرني بالعبودية لتنتفع به لا أنا {سُبْحَـانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ} (الصافات : 180) فإنك إذا ذكرتني بالتسبيح طهرتك عن المعاصي {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا} (الأحزاب : 42) أقرضني {وَأَقْرِضُواُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } (الحديد : 18) وإن كنت أنا الغني حتى أرد الواحد عليك عشرة {مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَـاعِفَه لَه } (البقرة : 245) كن معيناً لي وإن كنت غنياً عن إعانتك / {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } (الفتح : 4) وأيضاً فلا حاجة بي إلى العسكر {وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ انتَصَرَ مِنْهُمْ} لكنك إذا نصرتني نصرتك {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} (محمد : 7) كن مواظباً على ذكرى {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ } (البقرة : 203) ولا حاجة بي إلى ذكرك لأن الكل يذكروني {وَلَـاـاِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه } (لقمان : 25) لكنك إذا ذكرتني ذكرتك {فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ} (البقرة : 152) اخدمني : {قَدِيرٌ * يَـا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} لا لأني أحتاج إلى خدمتك فإني أنا الملك {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } (آل عمران : 189). {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ} (الرعد : 15) ولكن انصرف إلى خدمتي هذه الأيام القليلة لتنال الراحات الكثيرة {قُلِ اللَّه ثُمَّ ذَرْهُمْ} (الأنعام : 91).
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
(1/319)

المسألة الرابعة : قوله : {بِحَمْدِكَ} قال صاحب "الكشاف" بحمدك في موضع الحال. أي نسبح لك حامدين لك ومتلبسين بحمدك ، وأما المعنى ففيه وجهان : الأول : أنا إذا سبحناك فنحمدك سبحانك يعني ليس تسبيحنا تسبيحاً من غير استحقاق بل تستحق بحمدك وجلالك هذا التسبيح الثاني : أنا نسبحك بحمدك فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك كما قال داود عليه السلام : يا رب كيف أقدر أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكر نعمتك إلا بنعمتك إلا بنعمتك ، فأوحى الله تعالى إليه : "الآن قد شكرتني حيث عرفت أن كل ذلك مني" واختلف العلماء في المراد من هذا التسبيح فروي أنا أبا ذر دخل بالغداة على رسول الله صلى الله عليه وسلّم أو بالعكس ، فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي : أي الكلام أحب إلى الله قال ما اصطفاه الله لملائكته : سبحان الله وبحمد رواه مسلم وروى سعيد بن جبير قال : "كان النبي صلى الله عليه وسلّم يصلي فمر رجل من المسلمين على رجل من المنافقين فقال له رسول الله يصلي وأنت جالس لا تصلي فقال له امضِ إلى عملك إن كان لك عمل ، فقال ما أظن إلا سيمر بك من ينكر عليك فمر عليه عمر بن الخطاب قال يا فلان إن رسول الله يصلي وأنت جالس ، فقال له مثلها فوثب عليه فضربه ، وقال هذا من عملي ثم دخل المسجد وصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم فلما فرغ رسول الله من صلاته قام إليه عمر فقال يا نبي الله مررت آنفاً على فلان وأنت تصلي وهو جالس فقلت له : نبي الله يصلي وأنت جالس فقال لي مر إلى عملك فقال عليه الصلاة والسلام هلا ضربت عنقه ، فقام عمر مسرعاً ليلحقه فيقتله فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم : يا عمر إرجع فإن غضبك عز ورضاك حكم إن لله في السموات ملائكة له غنى بصلاتهم عن صلاة فلان ، فقال عمر يا رسول الله وما صلاتهم ، فلم يرد عليه شيئاً فأتاه جبريل فقال : يا نبي الله سألك عمر عن صلاة أهل السماء قال : نعم قال : أقرئه مني السلام وأخبره بأن أهل سماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت ، وأهل السماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة يقولون ، سبحان الحي الذي لا يموت ، فهذا هو تسبيح الملائكة".
القول الثاني : أن المراد بقوله : {نُسَبِّحُ} أي نصلي والتسبيح هو الصلاة ، وهو قول ابن عباس وابن مسعود.
/
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
المسألة الخامسة : التقديس التطهير ، ومنه الأرض المقدسة ثم اختلفوا على وجوه : أحدها : نطهرك أي نصفك بما يليق بك من العلو والعزة ، وثانيها : قول مجاهد نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء لمرضاتك. وثالثها : قول أبي مسلم نطهر أفعالنا من ذنوبنا حتى تكون خالصة لك. ورابعها : نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقة في أنوار معرفتك قالت المعتزلة هذه الآية تدل على العدل من وجوه : أحدها : قولهم : {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } أضافوا هذه الأفعال إلى أنفسهم فلو كانت أفعالاً لله تعالى لما حسن التمدح بذلك ولا فضل لذلك على سفك الدماء إذ كل ذلك من فعل الله تعالى. وثانيها : لو كان الفساد والقتل فعلاً لله تعالى لكان يجب أن يكون الجواب أن يقول إني مالك أفعل ما أشاء. وثالثها : أن قوله : {أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} يقتضي التبري من الفساد والقتل لكن التبري من فعل نفسه محال. ورابعها : إذا كان لا فاحشة ولا قبح ولا جور ولا ظلم ولا فساد إلا بصنعه وخلقه ومشيئته فكيف يصح التنزيه والتقديس ؟
وخامسها : أن قوله : {أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} يدل على مذهب العدل لأنه لو كان خالقاً للكفر لكان خلقهم لذلك الكفر فكان ينبغي أن يكون الجواب نعم خلقهم ليفسدوا وليقتلوا. فلما لم يرضى بهذا الجواب سقط هذا المذهب. وسادسها : لو كان الفساد والقتل ، من فعل الله تعالى لكان ذلك جارياً مجرى ألوانهم وأجسامهم وكما لا يصح التعجب من هذه الأشياء فكذا من الفساد والقتل والجواب عن هذه الوجوه المعارضة بمسألة الداعي والعلم والله أعلم.
(1/320)

المسألة السادسة : إن قيل قوله : {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} كيف يصلح أن يكون جواباً عن السؤال الذي ذكروه قلنا قد ذكرنا أن السؤال يحتمل وجوهاً : أحدها : فيكون قوله : {أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} جواباً له من حيث إنه قال تعالى لا تتعجبوا من أن يكون فيهم من يفسد ويقتل فإني أعلم مع هذا بأن فيهم جمعاً من الصالحين والمتقين وأنتم لا تعلمون. وثانيها : أنه للغم فيكون الجواب لا تغتموا بسبب وجود المفسدين فإني أعلم أيضاً أن فيهم جمعاً من المتقين ، ومن لم أقسم علي لأبره. وثالثها : أنه طلب الحكمة فجوابه أن مصلحتكم فيه أن تعرفوا وجه الحكمة فيه على الإجمال دون التفصيل. بل ربما كان ذلك التفصيل مفسدة لكم ورابعها : أنه التماس لأن يتركهم في الأرض وجوابه إني أعلم أن مصلحتكم أن تكونوا في السماء لا في الأرض ، وفيه وجه خامس : وهو أنهم لما قالوا : {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } قال تعالى : {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} وهو أن معكم إبليس وأن في قلبه حسداً وكبراً ونفاقاً. ووجه سادس : وهو أني أعلم ما لاتعلمون فإنكم لما وصفتم أنفسكم بهذه المدائح فقد استعظمتم أنفسكم فكأنكم أنتم بهذا الكلام في تسبيح أنفسكم لا في تسبيحي ولكن اصبروا حتى يظهر البشر فيتضرعون إلى الله بقولهم : {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} وبقوله : {وَالَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِى ئَتِى} وبقوله : {وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّـالِحِينَ} .
جزء : 3 رقم الصفحة : 383
396
اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته وإسكانه تعالى إياهم في الأرض وأخبر الله تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الأجمال بقوله تعالى : {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} أراد تعالى أن يزيدهم بياناً وأن يفصل لهم ذلك المجمل ، فبين تعالى لهم من فضل آدم عليه السلام ما لم يكن من ذلك معلوماً لهم ، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كمال فضله وقصورهم عنه في العلم فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال الأشعري والجبائي والكعبي : اللغات كلها توقيفية. بمعنى أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني ، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني. واحتجوا عليه بقوله تعالى : {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاسْمَآءَ كُلَّهَا} يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء. وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التعليم ، وإذا كان كذلك كانت اللغات حاصلة قبل ذلك التعليم. ورابعها : أن آدم عليه السلام لما تحدى الملائكة بعلم الأسماء فلا بدّ وأن تعلم الملائكة كونه صادقاً في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات ، وإلا لم يحصل العلم بصدقه ، وذلك يقتضي أن يكون وضع تلك الأسماء لتلك المسميات متقدماً على ذلك التعليم. والجواب عن الأول : لم لا يجوز أن يقال بخلق العلم الضروري بأن واضعاً وضع هذه الأسماء لهذه المسميات من غير تعيين أن ذلك الواضع هو الله تعالى أو الناس ؟
وعلى هذا لا يلزم أن تصير الصفة معلومة بالضرورة حال كون الذات معلومة بالدليل. سلمنا أنه تعالى / ما خلق هذا العلم في العاقل ، فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى خلقه في غير العاقل والتعويل على الاستعباد في هذا المقام مستبعد. وعن الثاني : لم لا يجوز أن يقال خاطب الملائكة بطريق آخر بالكتابة وغيرها. وعن الثالث : لا شك إن إرادة الله تعالى وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني سابقة على التعليم فكفى ذلك في إضافة التعليم إلى الأسماء ، وعن الرابع : ماسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/321)

المسألة الثانية : من الناس من قال قوله : {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاسْمَآءَ كُلَّهَا} أي علمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها والدليل عليه أن الاسم اشتقاقه إما من السمة أو من السمو ، فإن كان من السمة كان الاسم هو العلامة وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها ، فصح أن يكون المراد من الأسماء : الصفات ، وإن كان من السمو فكذلك لأن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول ، فكان الدليل أسمى في الحقيقة ، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة ، بقي أن أهل النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة ، ولكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به ، وإذا ثبت أن هذا التفسير ممكن بحسب اللغة وجب أن يكون هو المراد لا غيره ، لوجوه : أحدها : أن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها ، وحمل الكلام المذكور لإظهار الفضيلة على ما يوجب مزيد الفضيلة ، أولى من حمله على ما ليس كذلك ، وثانيها : أن التحدي إنما يجوز ويحسن بما يتمكن السامع من مثله في الجملة ، فإن من كان عالماً باللغة والفصاحة ، يحسن أن يقول له غيره على سبيل التحدي : ائت بكلام مثل كلامي في الفصاحة ، أما العربي فلا يحسن منه أن يقول للزنجي في معرض التحدي : تكلم بلغتي ، وذلك لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات البتة : بل ذلك لا يحصل إلا بالتعليم ، فإن حصل التعليم ، حصل العلم به وإلا فلا ، أما العلم بحقائق الأشياء ، فالعقل متمكن من تحصيله فصحَّ وقوع التحدي فيه. القول الثاني : وهو الشمهور أن المراد أسماء كل ما خلق الله من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها ، وكان ولد آدم عليه السلام يتكلمون بهذه اللغات فلما مات آدم وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد منهم بلغة معينة من تلك اللغات ، فغلب عليه ذلك اللسان ، فلما طالت المدة ومات منهم قرن بعد قرن نسوا سائر اللغات ، فهذا هو السبب في تغير الألسنة في ولد آدم عليه السلام. قال أهل المعاني : قوله تعالى : {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاسْمَآءَ} لا بدّ فيه من إضمار ، فيحتمل أن يكون المراد وعلم آدم أسماء المسميات ، ويحتمل أن يكون المراد وعلم آدم مسميات الأسماء ، قالوا لكن الأول أولى لقوله : {أَنابِئُونِى بِأَسْمَآءِ هَـا ؤُلاءِ} وقوله تعالى : {فَلَمَّآ أَنابَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ} ولم يقل أنبئوني بهؤلاء وأنبأهم بهم ، فإن قيل : فلما علمه الله تعالى أنواع جميع المسميات ، وكان في المسميات ما لا يكون عاقلاً ، فلم قال عرضهم ولم يقل عرضها ؟
قلنا لأنه لما / كان في جملتها الملائكة والإنس والجن وهم العقلاء ، فغلب الأكمل ، لأنه جرت عادة العرب بتغليب الكامل على الناقص كلما غلبوا.
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
المسألة الثالثة : من الناس من تمسك بقوله تعالى : {أَنابِئُونِى بِأَسْمَآءِ هَـا ؤُلاءِ} على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف ، لأنه تعالى إنما استنبأهم مع علمه تعالى بعجزهم على سبيل التبكيت ويدل على ذلك قوله تعالى : {إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ} .
(1/322)

المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إن ما ظهر من آدم عليه السلام من علمه بالأسماء معجزة دالة على نبوته عليه السلام في ذلك الوقت ، والأقرب أنه كان مبعوثاً إلى حواء ولا يبعد أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى من توجه التحدي إليهم من الملائكة لأن جميعهم وإن كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسول كبعثة إبراهيم عليه السلام إلى لوط عليه السلام واحتجوا عليه بأن حصول ذلك العلم له ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً ، وإذا ثبت كونه معجزاً ثبت كونه رسولاً في ذلك الوقت ، ولقائل أن يقول لا نسلم أن ذلك العلم ناقض للعادة لأن حصول العلم باللغة لمن علمه الله تعالى وعدم حصوله لمن لم يعلمه الله ليس بناقض للعادة. وأيضاً فأما أن يقال : الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو ما علموا ذلك فإن علموا ذلك فقد قدروا على أن يذكروا أسماء تلك المسميات فحينئذٍ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة ، وإن لم يعلموا ذلك فكيف عرفوا أن آدم عليه السلام أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الألفاظ إسماً لكل واحد من تلك المسميات ، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين : الأول : ربما كان لكل صنف من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات. وكان كل صنف جاهلاً بلغة الصنف الآخر ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وأن آدم عليه السلام عد عليهم جميع تلك اللغات بأسرها فعرف كل صنف إصابته في تلك اللغة خاصة فعرفوا بهذا الطريق صدقه إلا أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها فكان ذلك معجزاً. الثاني : لا يمتنع أن يقال إنه تعالى عرفهم قبل أن سمعوا من آدم عليه السلام تلك الأسماء ما استدلوا به على صدق آدم فلما سمعوا منه عليه السلام تلك الأسماء عرفوا صدقه فيها فعرفوا كونه معجزاً ، سلمنا أنه ظهر عليه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان وحينئذٍ يصير الكلام في هذه المسألة فرعاً على الكلام فيهما واحتج من قطع بأنه عليه السلام ما كان نبياً في ذلك الوقت بوجوه : أحدها : أنه لو كان نبياً في ذلك الزمان ، لكان قد صدرت المعصية عنه بعد النبوة. وذلك غير جائز ، فوجب أن لا يكون نبياً في ذلك الزمان أما الملازمة فلأن صدور الزلة عنه كان بعد هذه الواقعة بالاتفاق وتلك الزلة من باب الكبائر على ما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى والإقدام على الكبيرة يوجب استحقاق الطرد والتحقير واللعن وكل ذلك على الأنبياء غير جائز فيجب أن يقال وقعت تلك الواقعة قبل النبوة. / وثانيها : لو كان رسولاً في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثاً إلى أحد أو لا يكون فإن كان مبعوثاً إلى أحد ، فإما أن يكون مبعوثاً إلى الملائكة أو الإنس أو الجن والأول باطل لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف لأن الرسول والأمة تبع ، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل وأيضاً فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ولهذا قال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
{وَلَوْ جَعَلْنَـاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَـاهُ رَجُلا} (الأنعام : 9) ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى البشر ، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حواء ، وأن حواء إنماعرفت التكليف لا بواسطة آدم لقوله تعالى : {وَلا تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ} (الأعراف : 19) شافههما بهذا التكليف وما جعل آدم واسطة ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى الجن لأنه ما كان في السماء أحد من الجن ولا جائز أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى أحد لأن المقصود من جعله رسولاً التبليغ فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولاً فائدة وهذا الوجه ليس في غاية القوة. وثالثها : قوله تعالى : {ثُمَّ اجْتَبَـاهُ رَبُّه } فهذه الآية دل على أنه تعالى إنما اجتباه بعد الزلة فوجب أن يقال إنه قبل الزلة ما كان مجتبى ، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبى وجب أن لا يكون رسولاً لأن الرسالة والاجتباء متلازمان لأن الاجتباء لا معنى له إلا التخصيص بأنواع التشريفات وكل من جعله الله رسولاً فقد خصه بذلك لقوله تعالى : {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه } (الأنعام : 124).
المسألة الخامسة : ذكروا في قوله : {إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ} وجوهاً : أحدها : معناه أعلموني أسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الأعلام. وثانيها : معناه أخبروني ولا تقولوا إلا حقاً وصدقاً فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم عليه من القصور والعجز ، لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن أخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم إليه سبيل علموا أن ذلك متعذر عليهم. وثالثها : إن كنتم صادقين في قولكم أنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا وأنتم تصلحون وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود. ورابعها : إن كنتم صادقين في قولكم إني لم أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء.
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/323)

المسألة السادسة : هذه الآية دالة على فضل العلم فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم عليه السلام إلا بأن أظهر علمه فلو كان في الإمكان وجود شيء من العلم أشرف من العلم لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء. لا بالعلم ، واعلم أنه يدل على فضيلة العلم الكتاب والسنة والمنقول ، أما الكتاب فوجوه : الأول : أن الله تعالى سمى العلم بالحكمة ثم إنه تعالى عظم أمر الحكمة وذلك يدل على عظم شأن العلم ، بيان أنه تعالى سمى العلم بالحكمة ما يروى عن مقاتل : أنه قال : تفسر الحكمة في القرآن على أربعة أوجه : أحدها : مواعظ القرآن قال في البقرة : {وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَـابِ وَالْحِكْمَةِ} (البقرة : 231) يعني مواعظ القرآن وفي النساء : {وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَةَ} يعني المواعظ ومثلها في آل عمران. وثانيها : الحكمة بمعنى الفهم والعلم قوله تعالى / {وَءَاتَيْنَـاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} (مريم : 12) وفي لقمان {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَـانَ الْحِكْمَةَ} (لقمان : 12) يعني الفهم والعلم وفي الأنعام { أولئك الَّذِينَ ءَاتَيْنَـاهُمُ الْكِتَـابَ وَالْحُكْمَ} (الأنعام : 89) وثالثها : الحكمة بمعنى النبوة في النساء {فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَةَ} ، يعني النبوة وفي ص {وَشَدَدْنَا مُلْكَه } يعني النبوة وفي البقرة {وَءَاتَـاـاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ} ، ورابعها : القرآن في النحل {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} (النساء : 54) وفي البقرة : {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } (البقرة : 269) وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ثم تفكر أن الله تعالى ما أعطى من العلم إلا القليل قال : {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا} (الإسراء : 85) وسمى الدنيا بأسرها قليلاً {قُلْ مَتَـاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} (النساء : 77) فما سماه قليلاً لا يمكننا أن ندرك كميته فما ظنك بما سماه كثيراً. ثم البرهان العقلي على قلة الدنيا وكثرة الحكمة أن الدنيا متناهي القدر متناهي العدد متناهي المدة. والعلم لا نهاية لقدره ، وعدده ومدته ولا للسعادات الحاصلة منه ، وذلك ينبهك على فضيلة العلم. الثاني : قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } (الزمر : 9) وقد فرق بين سبع نفر في كتابه فرق بين الخبيث والطيب فقال : {قُل لا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} (المائدة : 100) يعني الحلال والحرام ، وفرق بين الأعمى والبصير فقال : {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاعْمَى وَالْبَصِيرُ } (الأنعام : 50) وفرق بين النور والظلمة فقال : {أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَـاتُ وَالنُّورُ } (الرعد : 16) وفرق بين الجنة والنار وبين الظل والحرور ، وإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذاً من الفرق بين العالم والجاهل. الثالث : قوله : {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِى الامْرِ مِنكُمْ } (النساء : 59) والمراد من أولى الأمر العلماء في أصح الأقوال لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء ولا ينعكس ، ثم انظر إلى هذه المرتبة فإنه تعالى ذكر العالم في موضعين من كتابه في المرتبة الثانية قال : {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّه لا إِلَـاهَ إِلا هُوَ وَالْمَلَـا اـاِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ} (آل عمران : 18) ، وقال : {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِى الامْرِ مِنكُمْ } ثم إنه سبحانه وتعالى زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الأولى في آيتين فقال تعالى : {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَه ا إِلا اللَّه والراسخون فِي الْعِلْمِ} (آل عمران : 7) وقال : {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْا عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَـابِ} (الرعد : 43) الرابع : { يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِى الْمَجَـالِسِ} (المجادلة : 11) واعلم أنه تعالى ذكر الدرجات لأربعة أصناف. وألها : للمؤمنين من أهل بدر قال : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} (الأنفال : 2) إلى قوله : {لَّهُمْ دَرَجَـاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} (الأنفال : 4)
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/324)

والثانية : للمجاهدين قال : {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَـاهِدِينَ عَلَى الْقَـاعِدِينَ} (النساء : 95). والثالثة : للصالحين قال : {وَمَن يَأْتِه مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّـالِحَـاتِ فَ أولئك لَهُمُ الدَّرَجَـاتُ الْعُلَى } . الرابعة : للعلماء. قال : {وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَـاتٍ } والله فضل أهل بدر على غيرهم من المؤمنين بدرجات وفضل المجاهدين على القاعدين بدرجات وفضل الصالحين على هؤلاء بدرجات ثم فضل العلماء على جميع الأصناف بدرجات ، فوجب أن يكون العلماء أفضل الناس. الخامس : قوله تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالانْعَـامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُه } (فاطر : 28) فإن الله تعالى وصف العلماء في كتابه بخمس مناقب ، أحدها : الإيمان { والراسخون فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِه } (آل عمران : 7) وثانيها : التوحيد والشهادة {شَهِدَ اللَّهُ} إلى قوله : {وَأُوْلُوا الْعِلْمِ} وثالثها : / البكاء {وَيَخِرُّونَ لِلاذْقَانِ يَبْكُونَ} (الإسراء : 109). ورابعها : الخشوع {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِه } (الإسراء : 107) الآية. وخامسها : الخشية (الإسراء : 107) الآية. وخامسها : الخشية {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالانْعَـامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُه } أما الأخبار فوجوه : أحدها : روى ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب عالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنّة وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له ويمسي ويصبح مغفوراً له وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار" وثانيها : عن أنس قال : قال عليه السلام : "من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله ومن طلب العلم لله فهو كالصائم نهاره وكالقائم ليله وإن باباً من العلم يتعلمه الرجل خير من أن يكون له أبو قبيس ذهباً فينفقه في سبيل الله". وثالثها : عن الحسن مرفوعاً" من جاءه الموت وهو يطلب
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/325)

العلم ليحيى به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة واحدة في الجنة" ورابعها : أبو موسى الأشعري مرفوعاً "يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول : يا معشر العلماء إني لم أضع نوري فيكم إلا لعلمي بكم ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم انطلقوا فقد غفرت لكم". وخامسها : قال عليه السلام : "معلم الخير إذا مات بكى عليه طير السماء ودواب الأرض وحيتان البحور" وسادسها : أبو هريرة مرفوعاً "من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء". وسابعها : ابن عمر مرفوعاً "فضل العالم على العابد بسبعين درجة بين كل درجة عدو الفرس سبعين عاماً وذلك أن الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم فيزيلها والعابد يقبل على عبادته لا يتوجه ولا يتعرف لها". وثامنها : الحسن مرفوعاً قال عليه السلام : "رحمة الله على خلفائي فقيل من خلفاؤك يا رسول الله ؟
قال الذين يحيون سنّتي ويعلمونها عباد الله" وتاسعها : قال عليه السلام : "من خرج يطلب باباً من العلم ليرد به باطلاً إلى حق أو ضلالاً إلى هدى كان عمله كعبادة أربعين عاماً" ، وعاشرها : قال عليه السلام لعلي حين بعثه إلى اليمن "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما تطلع عليه الشمس أو تغرب" الحادي عشر : ابن مسعود مرفوعاً "من طلب العلم ليحدث به الناس ابتغاء وجه الله أعطاه أجر سبعين نبياً". الثاني عشر : عامر الجهني مرفوعاً "يؤتى بمداد طالب العلم ودم الشهيد يوم القيامة لا يفضل أحدهما على الآخر" وفي رواية فيرجح مداد العلماء. الثالث عشر : أبو وافد الليثي : أنه عليه السلام بينما هو جالس والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر أما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس إليها ، وأما الآخر فجلس خلفهم ، وأما الثالث فإنه رجع وفر فلما فرغ عليه السلام من كلامه قال : أخبركم عن النفر الثلاثة. أما الأول : فآوى إلى الله فآواه الله ، وأما الثاني : فاستحيا من الله فاستحيا الله منه ، وأما الثالث : فأعرض عن الله فأعرض الله عنه" رواه مسلم ، وأما الآثار فمن وجوه "ا" العالم أرأف بالتلميذ من الأب والأم لأن الآباء والأمهات يحفظونه من نار الدنيا وآفاتها والعلماء يحفظونه من نار الآخرة وشدائدها "ب" قيل / لابن مسعود بم وجدت هذا العلم : قال بلسان سؤول ، وقلب عقول "ج" قال بعضهم سل مسألة الحمقى ، واحفظ حفظ الأكياس "د" مصعب بن الزبير قال لابنه : يا بني تعلم العلم فإن كان لك مال كان العلم لك جمالاً وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالاً "هـ" قال علي بن أبي طالب : لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل "و" قال بعض المحققين : العلماء ثلاثة عالم بالله غير عالم بأمر الله ، وعالم بأمر الله غير عالم بالله ، وعالم بالله وبأمر الله. أما الأول : فهو عبد قد استولت المعرفة الإلهية على قلبه فصار مستغرقاً بمشاهدة نور الجلال وصفحات الكبرياء فلا يتفرغ لتعلم علم الأحكام إلا ما لا بدّ منه. الثاني : هو الذي يكون عالماً بأمر الله وغير عالم بالله وهو الذي عرف الحلال والحرام وحقائق الأحكام لكنه لا يعرف أسرار جلال الله. أما العالم بالله وبأحكام الله فهو جالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات فهو تارة مع الله بالحب له ، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة ، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم كأنه لا يعرف الله وإذا خلا بربه مشتغلاً بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق فهذا سبيل المرسلين والصديقين وهذا هو المراد بقوله عليه السلام : "سائل العلماء وخالط الحكماء وجالس الكبراء" فالمراد من قوله عليه السلام : سائل العلماء أي العلماء بأمر الله غير العالمين بالله فأمر بمساءلتهم عند الحاجة إلى الله استفتاء منهم ، وأما الحكماء فهم العالمون بالله الذين لا يعلمون أوامر الله فأمر بمخالطتهم وأما الكبراء فهم العالمون بالله وبأحكام الله فأمر بمجالستهم لأن في تلك المجالسة منافع الدنيا والآخرة ، ثم قال شقيق البلخي : لكل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاث علامات أما العالم بأمر الله فله ثلاث علامات أن يكون ذاكراً باللسان دون القلب ، وأن يكون خائفاً من الخلق دون الرب ، وأن يستحي من الناس في الظاهر ولا يستحي من الله في السر ، وأما العالم بالله فإنه يكون ذاكراً خائفاً مستحيياً. أما الذكر فذكر القلب لا ذكر اللسان ، وأما الخوف فخوف الرياء لا خوف المعصية ، وأما الحياء فحياء ما يخطر على القلب لا حياء الظاهر ، وأما العالم بالله وبأمر الله فله ستة أشياء الثلاثة التي ذكرناها للعالم بالله فقط مع ثلاثة أخرى كونه جالساً على الحد المشترك بين عالم الغيب وعالم الشهادة ، وكونه معلماً للقسمين الأولين ، وكونه بحيث يحتاج الفريقان الأولان إليه وهو يستغني عنهما/ ثم قال : مثل العالم بالله وبأمر الله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص ، ومثل العالم بالله فقد كمثل القمر يكمل تارة وينقص تارة أخرى ، ومثل العالم بأمر الله فقد كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره "ز" قال فتح الموصلي : أليس المريض
(1/326)

إذا امتنع عنه الطعام والشراب والدواء يموت ؟
فكذا القلب إذا امتنع عنه العلم والفكر والحكمة يموت "ح" قال شقيق البليح : الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف : كافر محض ، ومنافق محض ، ومؤمن محض ، وذلك لأني أفسر القرآن فأقول عن الله وعن الرسول فمن لا يصدقني فهو كافر محض ، ومن ضاق قلبه منه فهو منافق محض ، ومن ندم على ما صنع / وعزم على أن لا يذنب كان مؤمناً محضاً. وقال أيضاً : ثلاثة من النوم يبغضها الله تعالى. وثلاثة من الضحك : النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة. والنوم في الصلاة ، والنوم عند مجلس الذكر ، والضحك خلف الجنازة ، والضحك في المقابر ، والضحك في مجلس الذكر "ط" قال بعضهم في قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
{فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا } (الرعد : 17) السيل ههنا العلم ، شبهه الله تعالى بالماء لخمس خصال : أحدها : كما أن المطر ينزل من السماء كذلك العلم ينزل من السماء. والثاني : كما أن إصلاح الأرض بالمطر فإصلاح الخلق بالعلم ، الثالث : كما أن الزرع والنبات لا يخرج بغير المطر كذلك الأعمال والطاعات لا تخرج بغير العلم. والرابع : كما أن المطر فرع الرعد والبرق كذلك العلم فإنه فرغ الوعد والوعيد. الخامس : كما أن المطر نافع وضار ، كذلك العلم نافع وضار : نافع لمن عمل به ضار لمن لم يعمل به "ي" كم من مذكر بالله ناس لله ، وكم من مخوف بالله ، جريء على الله ، وكم من مقرب إلى الله بعيد عن الله ، وكم من داع إلى الله فار من الله ، وكم من تال كتاب الله منسلخ عن آيات الله "يا" الدنيا بستان زينت بخمسة أشياء : علم العلماء وعدل الأمراء وعبادة العباد وأمانة التجار ونصيحة المحترفين. فجاء إبليس بخمسة أعلام فأقامها بجنب هذه الخمس جاء بالحسد فركزه في جنب العلم ، وجاء بالجور فركزه بجنب العدل ، وجاء بالرياء فركزه بجنب العبادة ، وجاء بالخيانة فركزها بجنب الأمانة ، وجاء بالغش فركزه بجنب النصيحة "يب" فضل الحسن البصري على التابعين بخمسة أشياء : أولها : لم يأمر أحداً بشيء حتى عمله ، والثاني : لم ينه أحداً عن شيء حتى انتهى عنه ، والثالث : كل من طلب منه شيئاً مما رزقه الله تعالى لم يبخل به من العلم والمال. والرابع : كان يستغني بعلمه عن الناس ، والخامس : كانت سريرته وعلانيته سواء. "يج" إذا أردت أن تعلم أن علمك ينفعك أم لا فاطلب من نفسك خمس خصال : حب الفقر لقلة المؤنة ، وحب الطاعة طلباً للثواب ، وحب الزهد في الدنيا طلباً للفراغ ، وحب الحكمة طلباً لصلاح القلب ، وحب الخلوة طلباً لمناجاة الرب "يد" اطلب خمسة في خمسة ، الأول : أطلب العز في التواضع لا في المال والعشيرة. والثاني : أطلب الغنى في القناعة لا في الكثرة ، والثالث : أطلب الأمن في الجنة لا في الدنيا. والرابع : اطلب الراحة في القلة لا في الكثرة. والخامس : أطلب منفعة العلم في العمل لا في كثرة الرواية "يه" قال ابن المبارك ما جاء فساد هذه الأمة إلا من قبل الخواص وهم خمسة : العلماء ، والغزاة ، والزهاد : والتجار ، والولاة. أما العلماء فهم ورثة الأنبياء ، وأما الزهاد فعماد أهل الأرض ، وأما الغزاة فجند الله في الأرض ، وأما التجار فأمناء الله في أرضه ، وأما الولاة فهم الرعاة فإذا كان العالم للدين واضعاً وللمال رافعاً فبمن يقتدي الجاهل ، وإذا كان الزاهد في الدنيا راغباً فبمن يقتدي التائب ، وإذا كان الغازي طامعاً مرائياً فكيف يظفر بالعدو. وإذا كان التاجر خائنا فكيف تحصل الأمانة ، وإذا كان الراعي ذئباً فكيف تحصل الرعاية "يو" قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : العلم أفضل من / المال بسبعة أوجه : أولها : العلم ميراث الأنبياء ، والمال ميراث الفراعنة. الثاني : العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص ، والثالث : يحتاج المال إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه. والرابع : إذا مات الرجل يبقى ماله والعلم يدخل مع صاحبه قبره. والخامس : المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمؤمن ، والسادس : جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال. السابع : العلم يقوي
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/327)

الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه "يز" قال الفقيه أبو الليث : إن من يجلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم شيئاً فله سبع كرامات : أولها : ينال فضل المتعلمين. والثاني : ما دام جالساً عنده كان محبوساً عن الذنوب. والثالث : إذا خرج من منزله طلباً للعلم نزلت الرحمة عليه. والرابع : إذا جلس في حلقة العلم فإذا نزلت الرحمة عليهم حصل له منها نصيب. والخامس : ما دام يكون في الاستماع ، تكتب له طاعة. والسادس : إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه لحرمانه عن إدراك العلم فيصير ذلك الغم وسيلة له إلى حضرة الله تعالى لقوله عزّ وجّل : "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" والسابع : يرى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق فيرد قلبه عن الفسق ويميل طبعه إلى العلم فلهذا أمر عليه الصلاة والسلام بمجالسة الصالحين "يح" قيل من العلماء من يضن بعلمه ولا يحب أن يوجد عند غيره فذاك في الدرك الأول من النار ، ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان فإن رد عليه شيء من حقه غضب ، فذاك في الدرك الثاني من النار ، ومن العلماء من يجعل حديثه وغرائب علمه لأهل الشرف واليسار ولا يرى الفقراء له أهلاً ، فذاك في الدرك الثالث من النار ، ومن العلماء من كان معجباً بنفسه إن وعظ عنف وإن وعظ أنف فذاك في الدرك الرابع من النار. ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتي خطأ فذاك في الدرك الخامس من النار ، ومن العلماء من يتعلم كلام المبطلين فيمزجه بالدين فهو في الدرك السادس من النار ، ومن العلماء من يطلب العلم لوجوه الناس فذاك في الدرك السابع من النار "يط" قال الفقيه أبو الليث : من جلس مع ثمانية أصناف من الناس زاده الله ثمانية أشياء. من جلس مع الأغنياء زاده الله حب الدنيا والرغبة فيها ومن جلس مع الفقراء جعل الله له الشكر والرضا بقسمة الله ، ومن جلس مع السلطان زاده الله القسوة والكبر ، ومن جلس مع النساء زاده الله الجهل والشهوة ، ومن جلس مع الصبيان ازداد من اللهو والمزاح ، ومن جلس مع الفساق ازداد من الجرأة على الذنوب وتسويف التوبة ، ومن جلس مع الصالحين ازداد رغبة في الطاعات ، ومن جلس مع العلماء ازداد العلم والورع "يي" إن الله علم سبعة نفر سبعة أشياء "ا" علم آدم الأسماء {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاسْمَآءَ كُلَّهَا} "ب" علم الخضر الفراسة {وَعَلَّمْنَـاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} (الكهف : 65) "ج" وعلم يوسف علم التعبير
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
{رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الاحَادِيثِ } (يوسف : 101) "د" علم داود صنعة الدرع {وَعَلَّمْنَـاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} (الأنبياء : 80) "هـ" علم سليمان منطق الطير {وَقَالَ يَـا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ} (النمل : 16) "و" علم عيسى عليه السلام علم التوراة / والإنجيل {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاـاةَ وَالانجِيلَ} (آل عمران : 48) "ز" وعلم محمداً صلى الله عليه وسلّم الشرع والتوحيد {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ } (النساء : 113) ، {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَةَ} (البقرة : 129) ، {الرَّحْمَـانُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ} الرحمن : 1) فعلم آدم كان سبباً له في حصول السجدة والتحية/ وعلم الخضر كان سبباً لأن وجد تلميذاً مثل موسى ويوشع عليهما السلام ، وعلم يوسف كان سبباً لوجدان الأهل والمملكة ، وعلم داود كان سبباً لوجدان الرياسة والدرجة ، وعلم سليمان كان سبباً لوجدان بلقيس والغلبة ، وعلم عيسى كان سبباً لزوال التهمة عن أمه وعلم محمد صلى الله عليه وسلّم كان سبباً لوجود الشفاعة ، ثم نقول من علم أسماء المخلوقات وجد التحية من الملائكة فمن علم ذات الخالق وصفاته أما يجد تحية الملائكة ؟
بل يجد تحية الرب {سَلَـامٌ قَوْلا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} (يس : 58) والخضر وجد بعلم الفراسة صحبة موسى ، فيا أمة الحبيب بعلم الحقيقة كيف لا تجدون صحبة محمد صلى الله عليه وسلّم {فَ أولئك مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّانَ} (النساء : 69) ويوسف بتأويل الرؤيا نجا من حبس الدنيا ، فمن كان عالماً بتأويل كتاب الله كيف لا ينجو من حبس الشهوات {وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (يونس : 25) وأيضاً فإن يوسف عليه السلام ذكر منة الله على نفسه حيث قال : {وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الاحَادِيثِ } (يوسف : 101). فأنت يا عالم أما تذكر منة الله على نفسك حيث علمك تفسير كتابه فأي نعمة أجل مما أعطاك الله حيث جعلك مفسراً لكلامه
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/328)

وسمياً لنفسه ووارثاً لنبيه وداعياً لخلقه وواعظاً لعباده وسراجاً لأهل بلاده وقائداً للخلق إلى جنته وثوابه وزاجراً لهم عن ناره وعقابه ، كما جاء في الحديث : العلماء سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة "كا" المؤمن لا يرغب في طلب العلم حتى يرى ست خاصل من نفسه. أحدها : أن يقول إن الله أمرني بأداء الفرائض وأنا لا أقدر على أدائها إلا بالعلم. الثانية : أن يقول نهاني عن المعاصي وأنا لا أقدر على اجتنابها إلا بالعلم. الثالثة : أنه تعالى أوجب على شكر نعمه ولا أقدر عليه إلا بالعلم. والرابعة : أمرني بإنصاف الخلق وأنا لا أقدر أن أنصفهم إلا بالعلم. والخامسة : أن الله أمرني بالصبر على بلائه ولا أقدر عليه إلا بالعلم والسادسة : إن الله أمرني بالعداوة مع الشيطان ولا أقدر عليها إلا بالعلم "كب" طريق الجنة في أيدي أربعة : العالم والزاهد والعابد والمجاهد ، فالزاهد إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الأمن ، والعابد إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الخوف ، والمجاهد إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الثناء والحمد ، والعالم إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الحكمة "كج" أطلب أربعة من أربعة : من الموضع السلامة ، ومن الصاحب الكرامة ، ومن المال الفراغة ، ومن العلم المنفعة ، فإذا لم تجد من الموضع السلامة فالسجن خير منه ، وإذا لم تجد من صاحبك الكرامة فالكلب خير منه ، وإذا لم تجد من مالك الفراغة فالمدر خير منه ، وإذا لم تجد من العلم المنفعة فالموت خير منه "كد" لا تتم أربعة أشياء إلا بأربعة أشياء : لا يتم الدين إلا بالتقوى ، ولا يتم القول إلا بالفعل ، ولا تتم / المروءة إلا بالتواض ، عولا يتم العلم إلا بالعمل ، فالدين بلا تقوى على الخطر ، والقول بلا فعل كالهدر ، والمروءة بلا تواضع كشجر بلا ثمر ، والعلم بلا عمل كغيث بلا مطر "كه" قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لجابر بن عبد الله الأنصاري : قوام الدنيا بأربعة بعالم يعمل بعلمه ، وجاهل لا يستنكف من تعلمه ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ، فإذا لم يعمل العالم بعلمه استنكف الجاهل من تعلمه وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه فالويل لهم والثبور سبعين مرة "كو" قال الخليل : الرجال أربعة رجل يدري ويدري أنه يدري فهو عالم فاتبعوه ، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فهو نائم فأيقظوه ، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فهو مسترشد فأرشدوه/ ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهو شيطان فاجتنبوه "كز" أربعة لا ينبغي للشريف أن يأنف منها وإن كان أميراً : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته لضيفه ، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه ، والسؤال عما لا يعلم ممن هو أعلم منه "كح" إذا اشتغل العلماء بجمع الحلال حار العوام آكلين للشبهات ، وإذا صال العالم آكلاً للشبهات صار العامي آكلاً للحرام ، وإذا صار العالم آكلاً للحرام صار العامي كافراً يعني إذا استحلوا. أما الوجوه العقلية فأمور : أحدها : أن الأمور على أربعة أقسام ، قسم يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة. وقسم ترضاه الشهوة ولا يرضاه العقل ، وقسم يرضاه العقل والشهوة معاً ، وقسم لا يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة. أما الأول : فهو الأمراض والمكاره في الدنيا ، وأما الثاني : فهو المعاصي أجمع ، وأما الثالث : فهو العلم ، وأما الرابع : فهو الجهل فينزل العلم من الجهل منزلة الجنة من النار ، فكما أن العقل والشهوة لا يرضيان بالنار فكذلك لا يرضيان بالجهل وكما أنهما يرضيان بالجنة فكذا يرضيان بالعلم فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة ، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة ، فكل من اختار العلم يقال له تعودت المقام في الجنة فأدخل الجنة ، ومن اكتفى بالجهل يقال له تعودت النار فأدخل النار ، والذي يدل على أن العلم جنة والجهل نار أن كمال اللذة في إدراك المحبوب وكمال الألم في البعد عن المحبوب ، والجراحة إنما تؤلم لأنها تبعد جزءاً من البدن عن جزء محبوب من تلك الأجزاء وهو الاجتماع فلما اقتضت الجراحة إزالة ذلك الاجتماع فقد اقتضت إزالة المحبوب وبعده ، فلا جرم كان ذلك مؤلماً والإحراق بالنار إنما كان أشد إيلاماً من الجرح لأن الجرح لا يفيد إلا تبعيد جزء معين عن جزء معين ، أما النار فإنها تغوص في جميع الأجزا فاقتضت تبعيد جميع الأجزاء بعضها عن بعض ، فلما كانت التفريقات في الإحراق أشد كان الألم هناك أصعب ، أما اللذة فهي عبارة عن إدراك المحبوب ، فلذة الأكل عبارة عن إدراك تلك الطعوم لموافقة للبدن ، وكذلك لذة النظر إنما تحصل لأن القوة الباصرة مشتاقة إلى إدراك المرئيات ، فلا جرم كان ذلك الإدراك لذة لها فقد ظهر بهذا أن اللذة عبارة عن إدراك المحبوب ، والألم عبارة عن إدراك المكروه وإذا عرفت هذا فنقول : / كلما كان الإدراك أغوص وأشد والمدرك أشرف وأكمل ، والمدرك أنقى وأبقى. وجب أن تكون اللذة أشرف وأكمل. ولا شك أن محل العلم هو الروح وهو أشرف من البدن ولا شك أن الإدراك العقلي أغوص وأشرف على ما سيجيء بيانه في تفسير قوله :
(1/329)

جزء : 3 رقم الصفحة : 396
{اللَّهُ نُورُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } (النور : 35) وأما المعلوم فلا شك أنه أشرف لأنه هو الله رب العالمين وجميع مخلوقاته من الملائكة والأفلاك والعناصر والجمادات والنبات والحيوانات وجميع أحكامه وأوامره وتكاليفه وأيُّ معلوم أشرف من ذلك فثبت أنه لا كمال ولا لذة فوق كمال العلم ولذاته ولا شقاوة ولا نقصان فوق شقاوة الجهل ونقصانه ، ومما يدل على ما قلناه أنه إذا سئل الواحد منا عن مسألة علمية فإن علمها وقدر على الجواب والصواب فيها فرح بذلك وابتهج به ، وأن جهلها نكس رأسه حياء من ذلك ، وذلك يدل على أن اللذة الحاصلة بالعلم أكمل اللذات ، والشقاء الحاصل بالجهل أكمل أنواع الشقاء ، واعلم أن ههنا وجوهاً أخر من النصوص تدل على فضيلة العلم نسينا إيرادها قبل ذلك فلا بأس أن نذكرها ههنا. الوجه الأول : أن أول ما نزل قوله تعالى : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الانسَـانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الانسَـانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق : 1 ـ 5) فقيل فيه إنه لا بدّ من رعاية التناسب بين الآيات فأي مناسبة بين قوله : {خَلَقَ الانسَـانَ مِنْ عَلَقٍ} وبين قوله : {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} فأجيب عنه بأن وجه المناسبة أنه تعالى ذكر أول حال الإنسان وهو كونه علقة. مع أنها أخس الأشياء وآخر حاله وهي صيرورته عالماً وهو أجل المراتب كأنه تعالى قال كنت أنت في أول حالك في تلك الدرجة التي هي غاية الخساسة فصرت في آخر حالك في هذه الدرجة التي هي الغاية في الشرف. وهذا إنما يتم لو كان العلم أشرف المراتب إذ لو كان غيره أشرف لكان ذكر ذلك الشيء في هذا المقام أولى. الثاني : أنه قال : {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} وقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى إنما استحق الوصف بالأكرمية لأنه أعطى العلم فلولا أن العلم أشرف من غيره وإلا لما كانت إفادته أشرف من إفادة غيره : الثالث : قوله سبحانه : {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالانْعَـامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُه } وهذه الآية فيها وجوه من الدلائل على فضل العلم. أحدها : دلالتها على أمم من أهل الجنة وذلك لأن العلماء من أهل الخشية ؛ ومن كان من أهل الخشية كان من أهل الجنة فالعلماء من أهل الجنة فبيان أن العلماء من أهل الخشية قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/330)

{وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالانْعَـامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُه } (فاطر : 28) وبيان أن أهل الخشية من أهل الجنة قوله تعالى : {لَهُمْ جَنَّـاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَـارُ } (البينة : 8) إلى قوله تعالى : {ذَالِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّه } ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّه جَنَّتَانِ} ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : "وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين فإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة" واعلم أنه يمكن إثبات مقدمتي هذه / الدلالة بالعقل ، أما بيان أن العالم بالله يجب أن يخشاه ، فذلك لأن من لم يكن عالماً بالشيء استحال أن يكون خائفاً منه ، ثم إن العلم بالذات لا يكفي في الخوف ، بل لا بدّ له من العلم بأمور ثلاثة. منها : العلم بالقدرة ، لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة ، لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعها. ومنها : العلم بكونه عالماً ، لأن السارق من مال السلطان يعلم قدرته ، ولكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه. ومنها العلم بكونه حكيماً. فإن المسخر عند السلطان عالم بكون السلطان قادراً على منعه عالماً بقبائح أفعاله ، لكنه يعلم أنه قد يرضى بما لا ينبغي فلا يحصل الخوف ؛ أما لو علم اطلاع السلطان على قبائح أفعاله وعلم قدرته على منعه وعلم أنه حكيم لا يرضى بشفاهته ؛ صارت هذه العلوم الثلاثة موجبة لحصول الخوف في قلبه ، فثبت أن خوف العبد من الله لا يحصل إلا إذا علم بكونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ، قادراً على كل المقدورات ، غير راضٍ بالمنكرات والمحرمات ، فثبت أن الخوف من لوازم العلم بالله ، وإنما قلنا : أن الخوف سبب الفوز بالجنة ، وذلك لأنه إذا سنح للعبد لذة عاجلة وكانت تلك اللذة على خلاف أمر الله ، وفعل ذلك الشيء يكون مشتملاً على منفعة ومضرة ، فصريح العقل حاكم بترجيح الجانب الراجح على الجانب المرجوح ، فإذا علم بنور الإيمان أن اللذة العاجلة حقيرة في مقابلة الألم الآجل ، صار ذلك الإيمان سبباً لفراره عن تلك اللذة العاجلة ، وذلك هو الخشية ، وإذا صار تاركاً للمحظور فاعلاً للواجب كان من أهل الثواب ، فقد ثبت بالشواهد النقلية والعقلية أن العالم بالله خائف والخائف من أهل الجنة. وثانيها : أن ظاهر الآية يدل على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء/ وذلك لأن كلمة إنما للحصر ، فهذا يدل على أن خشية الله لا تحصل إلا للعلماء. والآية الثانية وهي قوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
{ذَالِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّه } دالة على أن الجنة لأهل الخشية وكونها لأهل الخشية ينافي كونها لغيرهم ، فدل مجموع الآيتين على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء واعلم أن هذه الآية فيها تخويف شديد ، وذلك لأنه ثبت أن الخشية من الله تعالى من لوازم العلم بالله ، فعند عدم الخشية يلزم عدم العلم بالله ، وهذه الدقيقة تنبهك على أن العلم الذي هو سبب القرب من الله تعالى هو الذي يورث الخشية ، وأن أنواع المجادلات وإن دقت وغمضت إذا خلت عن إفادة الخشية كانت من العلم المذموم. وثالثها : قرىء {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالانْعَـامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُه } برفعه الأول ونصب الثاني ، ومعنى هذه القراءة : أنه تعالى لو جازت الخشية عليه ؛ لما خشي العلماء ، لأنهم هم الذين يميزون بين ما يجوز وبين ما لا يجوز. وأما الجاهل الذي لا يميز بين هذين البابين فأي مبالاة به وأي التفات إليه ، ففي هذه القراءة نهاية النصب للعلماء والتعظيم. الرابع : قوله تعالى : {وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا} (طه : 114). وفيه أدل دليل على نفاسة العلم وعلو مرتبته وفرط محبة الله تعالى إياه ، حيث أمر نبيه بالازدياد منه خاصة دون غيره. وقال قتادة : لو اكتفى أحد من العلم لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام ولم يقل {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى ا أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} (الكهف : 66). الخامس : كان لسليمان عليه السلام من ملك الدنيا ما كان حتى أنه قال : {رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لا يَنابَغِى لاحَدٍ مِّنا بَعْدِى } ثم إنه لم يفتخر بالمملكة وافتخر بالعلم حيث قال : {وَقَالَ يَـا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ } (النمل : 16) فافتخر بكونه عالماً بمنطق الطير فإذا حسن من سليمان أن يفتخر بذلك العلم فلأن يحسن بالمؤمن أن يفتخر بمعرفة رب العالمين كان أحسن ولأنه قدم ذلك على قوله : {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ } وأيضاً فإنه تعالى لما ذكر كمال حالهم قدم العلم أولاً وقال : {وَدَاوُادَ وَسُلَيْمَـانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ} (الأنبياء : 78) إلى قوله : {وَكُلا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } (
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/331)

الأنبياء : 79) ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك ما يتعلق بأحوال الدنيا فدل على أن العلم أشرف. السادس : قال بعضهم الهدهد مع أنه في نهاية الضعف ومع أنه كان في موقف المعاتبة قال لسليمان {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِه } فلولا أن العلم أشرف الأشياء وإلا فمن أين للهدهد أن يتكلم في مجلس سليمان بمثل هذا الكلام ولذلك يرى الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول عند السلاطين وما ذاك إلا ببركة العلم ، السابع : قال عليه الصلاة والسلام : "تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة" وفي التفضيل وجهان : أحدها : أن التفكر يوصلك إلى الله تعالى والعبادة توصلك إلى ثواب الله تعالى والذي يوصلك إلى الله خير مما يوصلك إلى غير الله. والثاني : أن التفكر عمل القلب والطاعة عمل الجوارح ، والقلب أشرف من الجوارح فكان عمل القلب أشرف من عمل الجوارح والذي يؤكد هذا الوجه قوله تعالى : {إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ} (طه : 14) جعل الصلاة وسيلة إلى ذكر القلب والمقصود أشرف من الوسيلة فدل ذلك على أن العلم أشرف من غيره. الثامن : قال تعالى : {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُا وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء : 113) فسمى العلم عظيماً وسمي الحكمة خيراً كثيراً فالحكمة هي العلم وقال أيضاً : {الرَّحْمَـانُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ} (الرحمن : 1) فجعل هذه النعمة مقدمة على جميع النعم ، فدل على أنه أفضل من غيره. التاسع : أن سائر كتب الله ناطقة بفضل العلم. أما التوراة فقال تعالى لموسى عليه السلام "عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة في قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له فتعلمها ثم اعمل بها ثم ابذلها كي تنال بها كرامتي في الدنيا والآخرة" وأما الزبور فقال سبحانه وتعالى : "يا داود قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم حادثوا من الناس الأتقاء فإن لم تجدوا فيهم تقياً فحادثوا العلماء فإن لم تجدوا عالماً فحادثوا العقلاء فإن التقى والعلم والعقل ثلاث مرات بما جعلت واحدة منهن في أحد من خلقي وأنا أريد إهلاكه" وأقول إنما قدم الله تعالى التقي على العلم لأن التقي لا يوجد بدون العلم كما بينا أن الخشية لا تحصل إلا مع العلم والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأمر واحد ، وهذا السر أيضاً قدم العالم على العاقل لأن العالم لا بدّ وأن يكون عاقلاً ، أما العاقل فقد لا يكون عالماً
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
فالعقل كالبذر والعلم كالشجرة والتقوى كالثمر. وأما الإنجيل قال الله تعالى في السورة السابعة عشر منه "ويل لمن سمع بالعلم فلم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار اطلبوا العلم وتعلموه فإن العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم / وإن لم يرفعكم لم يضعكم وإن لم يغنكم لم يفقركم وإن لم ينفعكم لم يضركم ولا تقولوا نخاف أن نعلم فلا نعمل ولكن قولوا نرجوا أن نعلم فنعمل" والعلم شفيع لصاحبه وحق على الله تعالى أن لا يخزيه ، إن الله تعالى يقول يوم القيامة : "يا معاشر العلماء ما ظنكم بربكم ؟
يقولون. ظننا أن يرحمنا ويغفر لنا ، فيقول : فأني قد فعلت ، إني قد استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم ، بل لخير أردته بكم ، فادخلوا في صالح عبادي إلى جنتي برحمتي" وقال مقاتل بن سليمان وجدت في الإنجيل. أن الله تعالى قال لعيسى بن مريم عليهما السلام : يا عيسى عظم العلماء واعرف فضلهم لأني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين كفضل الشمس على الكواكب ، وكفضل الآخرة على الدنيا ، وكفضلي على كل شيء ، أما الأخبار : "ا" عن عبد الله بن عمر قال قال عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى للعلماء "إني لم أضع علمي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم ادخلوا الجنة على ما كان منكم" "ب" قال أبو هريرة وابن عباس : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم خطبة بليغة قبل وفاته وهي آخر خطبة خطبها بالمدينة فقال : من تعلم العلم وتواضع في العلم وعلمه عباد الله يريد ما عند الله. لم يكن في الجنة أفضل ثواباً منه ولا أعظم منزلة ، ولم يكن في الجنة منزلة ولا درجة رفيعة نفيسة إلا كان له فيها أوفر النصيب وأشرف المنازل". "ج" ابن عمر مرفوعاً إذا كان يوم القيامة صفت منابر من ذهب عليها فباب من فضة منضدة بالدر والياقوت والزمرد جلالها السندس والاستبرق ، ثم ينادي منادى الرحمن : أين من حمل إلى أمة محمد علماً يريد به وجه الله : اجلسوا على هذه المنابر فلا خوف عليكم حتى تدخلوا الجنة. "د" عن عيسى ابن مريم عليهما السلام : أن أمة محمد عليه الصلاة والسلام علماء حكماء كأنهم من الفقه أنبياء ، يرضون من الله باليسير من الرزق ، ويرضى الله منهم باليسير من العمل ، ويدخلون الجنة بلا إله إلا الله "هـ" قال عليه السلام "من اغبرت قدماه في طلب العلم ، حرم الله جسد على النار ، واستغفر له ملكاه وإن مات في طلبه مات شهيداً ، وكان قبره روضة من رياض الجنة ، ويوسع له في قبره مد بصره ، وينور على جيرانه أربعين قبراً عن يمينه. وأربعين
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/332)

قبراً عن يساره ، وأربعين عن خلفه ، وأربعين أمامه ، ونوم العالم عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، ونفسه صدقة ، وكل قطرة نزلت من عينيه تطفىء بحراً من جهنم فمن أهان العالم فقد أهان العلم ، ومن أهان العلم فقد أهان النبي ، ومن أهان النبي فقد أهان جبريل ومن أهان جبريل أهان الله. ومن أهان الله أهانه الله يوم القيامة" "و" قال عليه الصلاة والسلام : "ألا أخبركم بأجود الأجواد. قالوا : نعم يا رسول الله ، قال الله تعالى : "أجود الأجواد وأنا أجود ولد آدم ، وأجودهم من بعدي رجل عالم ينشر علمه فيبعث يوم القيامة أمة وحده ورجل جاهد في سبيل الله حتى يقتل". "ز" عن أبي هريرة مرفوعاً "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة ، ومن يسر على معسر يسر / الله عليه في الدنيا والآخرة ، والله تعالى في عون العبد ، ما دام العبد في عون أخيه ، ومن سلك طريقاً يبتغي به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة وما اجتمع قوم في مسجد من مساجد الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفت بهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده" رواه مسلم في الصحيح "ح" قال عليه الصلاة والسلام "يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء". قال الراوي : فأعظم مرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة "ط" معاذ بن جبل قال عليه الصلاة والسلام "تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه صدقة ، وبذله لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبل الجنة والأنيس من الوحشة والصاحب في الوحدة والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والضراء والسلاح على الأعداء ، والدين عند الاختلاف يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة هداة يهتدى بهم ، وأئمة في الخير يقتفى بآثارهم ويقتدى بأفعالهم ، وينتهى إلى آرائهم ترغب الملائكة في خلقتهم وبأجنحتها تمسحهم وفي صلاتها تستغفر لهم حتى كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه والسماء ونجومها. لأن العلم حياة القلوب من العمى ونور الأبصار من الظلمة وقوة الأبدان من الضعف يبلغ بالبعيد منازل الأحرار ومجالس الملوك والدرجات العلى في الدنيا والآخرة والتفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام به يطاع الله ويعبد وبه يمجد ويوحد وبه توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام" "ي" أبو هريرة قال عليه الصلاة والسلام "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية ؛ أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له بالخير" "يا" قال عليه الصلاة والسلام "إذا سألتم الحوائج فاسألوها الناس قيل يا رسول الله ومن الناس ؟
قال أهل القرآن قيل ثم من ؟
قال أهل العلم قيل ثم من ؟
قال الصباح الوجوه" قال الراوي والمراد بأهل القرآن من يحفظ معانيه "يب" قال عليه الصلاة والسلام : "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله والدنيا سم الله القتال لعباده فخذوا منها بقدر السم في الأدوية لعلكم تنجون" قال الراوي والعلماء داخلون فيه لأنهم يقولون هذا حرام فاجتنبوه وهذا حلال فخذوه "يج" في الخبر : العالم نبي لم يوح إليه "يد" قال عليه الصلاة والسلام "كن عالماً ، أو متعلماً ، أو مستمعاً ، أو محباً ، ولا تكن الخامس فتهلك" قال الراوي : وجه التوفيق بين هذه الرواية وبين الرواية الأخرى وهي قوله عليه الصلاة والسلام "الناس رجلان عالم ومتعلم وسائر الناس همج لا خير فيهم" إن المستمع والمحب بمنزلة المتعلم وما أحسن قول بعض الأعراب لولده : كن سبعاً خالساً أو ذئباً خانساً أو كلباً حارساً ، وإياك وأن تكون إنساناً ناقصاً ، "يه" قال عليه الصلاة والسلام : "من اتكأ على يده عالم كتب الله له بكل خطوة عتق رقبة ومن قبل رأس عالم كتب الله له بكل شعرة حسنة" "يو" قال عليه الصلاة والسلام برواية أبي هريرة "بكت السموات / السبع ومن فيهن ومن عليهن والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن لعزيز ذل وغني افتقر وعالم يلعب به الجهال" "يز" وقال عليه السلام : "حملة القرآن عرفاء أهل الجنة والشهداء قواد أهل الجنة والأنبياء سادة أهل الجنة "يح" وقال عليه السلام : "العلماء مفاتيح الجنة وخلفاء الأنبياء" قال الراوي الإنسان لا يكون مفتاحاً إنما المعنى أن عندهم من العلم مفتاح الجنان والدليل عليه أن من رأى في النوم أن بيده مفاتيح الجنة فإنه يؤتى علماً في الدين. "يط" وقال عليه الصلاة والسلام "إن لله تعالى في كل يوم وليلة ألف رحمة على جميع خلقه الغافلين والبالغين وغير البالغين ، فتسعمائة وتسعة وتسعون رحمة للعلماء وطالبي العلم والمسلمين ، والرحمة الواحدة لسائر الناس". "ك" وقال عليه الصلاة والسلام : "قلت يا جبريل أي الأعمال أفضل لأمتي ؟
قال : العلم ، قلت ثم أي ؟
قال : النظر إلى العالم ، قلت : ثم أي ؟
قال : زيارة العالم ، ثم قال : ومن كسب العلم لله وأراد به صلاح نفسه وصلاح المسلمين ، ولم يرد به عرضاً من الدنيا ، فأنا كفيله بالجنة"
(1/333)

"كا" وقال عليه الصلاة والسلام "عشرة تستجاب لهم الدعوة العالم والمتعلم وصاحب حسن الخلق والمريض واليتيم والغازي والحاج والناصح للمسلمين والولد المطيع لأبويه والمرأة المطيعة لزوجها" "كب" "سئل النبي صلى الله عليه وسلّم ما العلم ؟
فقال : دليل العمل قيل : فما العقل ؟
قال : قائد الخير ، قيل : فما الهوى ؟
قال : مركب المعاصي ؛ قيل : فما المال ؟
قال : رداء المتكبرين ، قيل : فما الدنيا ؟
قال : سوق الآخرة".
"
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
كج" أنه عليه الصلاة والسلام كان يحدث إنساناً فأوحى الله إليه أنه لم يبق من عمر هذا الرجل الذي تحدثه إلا ساعة ، وكان هذا وقت العصر ، فأخبره الرسول بذلك فاضطرب الرجل وقال : يا رسول الله دلني على أوفق عمل لي في هذه الساعة ، قال اشتغل بالتعلم فاشتغل بالتعلم ، وقبض قبل المغرب ، قال الراوي : فلو كان شيء أفضل من العلم ، لأمره النبي صلى الله عليه وسلّم به في ذلك الوقت. "كد" قال عليه الصلاة والسلام : "الناس كلهم موتى إلا العالمون" والخبر مشهور "كه" عن أنس قال عليه الصلاة والسلام "سبعة للعبد تجري بعد موته : من علم علماً أو أجرى نهراً أو حفر بئراً أو بنى مسجداً أو ورث مصحفاً أو ترك ولداً صالحاً يدعو له بالخير أو صدقة تجري له بعد موته" فقدم عليه الصلاة والسلام التعليم على جميع الانتفاعات لأنه روحاني والروحاني أبقى من الجسمانيات "كو" قال عليه الصلاة والسلام : "لا تجالسوا العلماء إلا إذا دعوكم من خمس إلى خمس : من الشك إلى اليقين ومن الكبر إلى التواضع ومن العداوة إلى النصيحة ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد" "كز" أوصى النبي صلى الله عليه وسلّم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال يا علي احفظ التوحيد فأنه رأس مالي والزم العمل فإنه حرفتي ، وأقم الصلاة فإنها قرة عيني ، واذكر الرب فإنه بصيرة فؤادي ، واستعمل العلم فإنه ميراثي "كح" أبو كبشة الأنصاري قال ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم مثل الدنيا مثل أربعة رهط رجل آتاه الله علماً وآتاه مالاً فهو يعمل بعلمه في ماله ، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فيقول لو أن الله تعالى آتاني مثل ما أوتي فلان لفعلت فيه مثل ما يفعل فلان فهما في الأجر سواء ، ورجل آتاه الله مالاً / ولم يؤته علماً فهو يمنعه من الحق وينفقه في الباطل ، ورجل لم يؤته الله علماً ولم يؤته مالاً فيقول : لو أن الله تعالى آتاني مثل ما أوتي فلان لفعلت فيه مثل ما يفعل فلان فهما في الوزر سواء.
"
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/334)

ا" كميل بن زياد قال أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيدي فأخرجني إلى الجبانة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال يا كميل بن زياد إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها فاحفظ ما أقول لك : الناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق/ يا كميل العلم خير من المال ، والعلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو بالإنفاق ، وصنيع المال يزول بزواله ، يا كميل معرفة العلم زين يزان به يكتسب به الإنسان الطاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعد وفاته ، والعلم حاكم ، والمال محكوم عليه "ب" عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبل تهامة فإذا سمع العلم وخاف واسترجع على ذنوبه انصرف إلى منزله وليس عليه ذنب فلا تفارقوا مجالس العلماء فإن الله لم يخلق تربة على وجه الأرض أكرم من مجالس العلماء "ج" عنم ابن عباس خير سليمان بين الملك والمال وبين العلم فاختار العلم فأعطي العلم والملك معاً "د" سليمان لم يحتج إلى الهدهد إلا لعلمه لما روي عن نافع بن الأرزق قال لابن عباس كيف اختار سليمان الهدهد لطلب الماء قال ابن عباس لأن الأرض كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها فقال نافع فكيف بأوقات الفخ يغطي له بأصبع من تراب فلا يراه بل يقع فيه فقال ابن عباس إذا جاء القدر عمي البصر (هـ) قال أبو سعيد الخدري تقسم الجنة على عشرة آلاف جزء تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعون منها للذين عقلوا عن الله أمره فكان هذا ثوابهم على قدر ما قسم الله لهم من العقول يقتسمون المنازل فيها وجزء للمؤمنين الضعفاء الفقراء الصالحين "و" قال ابن عباس لولده يا بني عليك بالأدب فإنه دليل على المروءة وأنس في الوحشة وصاحب في الغربة وقرين في الحضر وصدر في المجلس ووسيلة عند انقضاء الوسائل وغنى عند العدم ورفعة للخسيس وكمال للشريف وجلالة للملك "ز" عن الحسن البصري : صرير قلم العلماء تسبيح وكتابة العلم والنظر فيه عبادة وإذا أصاب من ذلك المداد ثوبه فكأنما أصابه دم الشهداء وإذا قطر منها على الأرض تلألأ نوره ، وإذا قام من قبره نظر إليه أهل الجمع فيقال هذا عبد من عباد الله أكرمه الله وحشر مع الأنبياء عليهم السلام "ح" في "كتاب كليلة" ودمنة : أحق من لا يستخف بحقوقهم ثلاثة : العالم والسلطان والإخوان فإن من استخف بالعالم أهلك دينه ومن استخف بالسلطان أهلك دنياه ومن استخف بالإخوان أهلك مروءته "ط" قال سقراط من فضيلة العلم أنك لا تقدر على أن يخدمك فيه أحدكما تجد من يخدمك في سائر الأشياء بل تخدمه بنفسك ولا يقدر أحد على سلبه عنك "ي" قيل لبعض الحكماء لا تنظر فأغمض عينيه ، فقيل لا تسمع فسد أذنيه ، فقيل لا تتكلم فوضع يده على فيه ، فقيل له لا تعلم فقال : لا أقدر عليه "يا" إذا كان السارق عالماً لا تقطع يده لأنه يقول كان المال وديعة لي وكذا / الشارب يقول حسبته خلا وكذا الزاني يقول تزوجتها فإنه لا يحد "يب" قال بعضهم أحيوا قلوب إخوانكم ببصائر بيانكم كما تحيون الموات بالنبات والنواة ، فإن نفساً تبعد من الشهوات والشبهات أفضل من أرض تصلح للنبات. قال الشاعر :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
فوفي الجهل قبل الموت موت لأهله
وأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرأ لم يحيى بالعلم ميت
وليس له حتى النشور نشور
(1/335)

{وَأَمَّا} فمن وجوه : "ا" المعصية عند الجهل لا يرجى زوالها وعند الشهورة يرجى زوالها ، انظر إلى زلة آدم فإنه بعلمه استغفر والشيطان غوى وبقي في غيه أبداً لأن ذلك كان بسبب الجهل "ب" إن يوسف عليه السلام لما صار ملكاً احتاج إلى زير فسأل ربه عن ذلك فقال له جبريل إن ربك يقول لا تختر إلا فلاناً فرآه يوسف في أسوإ الأحوال فقال لجبريل إنه كيف يصلح لهذا العمل مع سوء حاله فقال جبريل إن ربك عينه لذلك لأنه كان ذب عنك حيث قال : {وَإِن كَانَ قَمِيصُه قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّـادِقِينَ} (يوسف : 27) والنكتة أن الذي ذب عن يوسف عليه السلام استحق الشركة في مملكته فمن ذب عن الدين القويم بالبرهان المستقيم كيف لا يستحق من الله الإحسان والتحسين "ج" أراد واحد خدمة ملك فقال الملك اذهب وتعلم حتى تصلح لخدمتي فلما شرع في التعلم وذاق لذة العلم بعث الملك إليه وقال اترك التعلم فقد صرت أهلاً لخدمتي فقال كنت أهلاً لخدمتك حين لم ترني أهلاً لخدمتك وحين رأيتني أهلاً لخدمتك رأيت نفسي أهلاً لخدمة الله تعالى وذلك أني كنت أظن أن الباب بابك لجهلي والآن علمت أن الباب باب الرب "د" تحصيل العلم إنما يصعب عليك لفرط حبك للدنيا لأنه تعالى أعطاك سواد العين وسويداء القلب ولا شك أن السواد أكبر من السويداء في اللفظ لأن السويداء تصغير السواد ثم إذا وضعت على سواد عينك جزءاً من الدنيا لا ترى شيئاً فكيف إذا وضعت على السويداء كل الدنيا كيف ترى بقلبك شيئاً "هـ" قال حكيم : القلب ميت وحياته بالعالم والعلم ميت وحياته بالطلب والطلب ضعيف وقوته بالمدارسة فإذا قوي بالمدارسة فهو محتجب وإظهاره بالمناظرة وإذا ظهر بالمناظرة فهو عقيم ونتاجه بالعمل فإذا زوج العلم بالعمل توالد وتناسل ملكاً أبدياً لا آخر له "و" {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَـا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَـاكِنَكُمْ} (النمل : 18) إلى قوله : {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} كانت رياسة تلك النملة على غيرها لم تكن إلا بسبب أنها علمت مسألة واحدة وهي قوله تعالى : {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} كأنها قالت إن سليمان معصوم والمعصوم لا يجوز منه إيذاء البريء عن الجرم ولكنه لو حطمكم فإنما يصدر ذلك منه على سبيل السهو لأنه لا يعلم حالكم فقوله تعالى : {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} إشارة إلى تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن المعصية فتلك النملة لما علمت هذه المسألة الواحدة استحقت الرياسة التامة فمن علم حقائق الأشياء من الموجودات والمعدومات كيف لا يستوجب الرياسة في الدنيا والدين "ز" الكلب إذا تعلم وأرسله المالك على اسم الله تعالى صار صيده النجس طاهراً والنكتة أن / العلم هناك انضم إلى الكلب فصار النجس ببركة العلم طاهراً ، فههنا النفس والروح طاهرتان في أصل الفطرة إلا أنهما تلوثتا بأقذار المعصية ثم انضم إليهما العلم بالله وبصفاته فنرجو من عميم لطفه أن يقلب النجس طاهراً ههنا والمردود مقبولاً "ح" القلب رئيس الأعضاء ثم تلك الرياسة ليست للقوة فإن العظم أقوى منه ولا للعظم فإن الفخذ أعظم منه ولا للحدة فإن الظفر أحد منه وإنما تلك الرياسة بسبب العلم فدل على أن العلم أشرف الصفات.
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/336)

أما الحكايات : "ا" حكي أن هرون الرشيد كان معه فقهاء وكان فيهم أبو يوسف فأتي برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيته مالاً بالليل فأقر الآخذ بذلك في المجلس فاتفق الفقهاء على أنه تقطع يده. فقال أبو يوسف : لا قطع عليه ، قالوا لم ؟
قال لأنه أقر بالأخذ والأخذ لا يوجب القطع بل لا بدّ من الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في قوله ، ثم قالوا للآخذ أسرقتها ؟
قال : نعم ، فأجمعوا كلهم على أنه وجب القطع لأنه أقر بالسرقة فقال أبو يوسف : لاقطع لأنه وإن أقر بالسرقة لكن بعد ما وجب الضمان عليه بإقراره بالأخذ فإذا أقر بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الإقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره فتعجب الكل من ذلك "ب" عن الشعبي كنت عند الحجاج فأتي بيحيى بن يعمر فقيه خراسان مع بلخ مكبلاً بالحديد فقال له الحجاج أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال : بلى فقال : الحجاج لتأتيني بها واضحة بينة من كتاب الله أو لأقطعنك عضواً عضواً فقال آتيك بها واضحة بينة من كتاب الله يا حجاج قال : فتعجبت من جرأته بقوله يا حجاج فقال له ولا تأتني بهذه الآية {نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ} (آل عمران : 61) فقال : آتيك بها واضحة من كتاب الله وهو قوله : {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُا وَمِن ذُرِّيَّتِه دَاوُادَ وَسُلَيْمَـانَ} (الأنعام : 84) إلى قوله : {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى } فمن كان أبو عيسى وقد ألحق بذرية نوح ؟
قال : فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال : كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا "ج" يحكى أن جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الإمام ويبكتوه ويشنعوا عليه فقال لهم : لا يمكنني مناظرة الجميع ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره فأشاروا إلى واحد فقال : هذا أعلمكم ؟
قالوا : نعم قال : والمناظرة معه كالمناظرة معكم ؟
قالوا : نعم قال : والإلزام عليه كالإلزام عليكم ؟
قالوا : نعم قال : وإن ناظرته وألزمته الحجة فقد لزمتكم الحجة ؟
قالوا : نعم قال : كيف ؟
قالوا : لأنا رضينا به إماماً فكان قوله قولاً لنا قال : أبو حنيفة فنحن لما اخترنا الإمام في الصلاة كانت قراءته قراءة لنا وهو ينوب عنا فأقروا له بالإلزام "د" هجا الفرزدق واحداً فقال :
فلقد ضاع شعري على بابكم
كما ضاع در على خالصة
وكانت خالصة معشوقة سليمان بن عبد الملك وكانت ظريفة صاحبة أدب وكانت هيبة سليمان بن عبد الملك تفوق هيبة المروانيين فلما بلغها هذا البيت شق عليها فدخلت على سليمان وشكت / الفرزدق فأمر سليمان بإشخاص الفرزدق على أفظع الوجوه مكبلاً مقيداً فلما حضر وما كان به من الرمق إلا مقدار ما يقيمه على الرجل من شدة الهيبة فقال له سليمان بن عبد الملك : أنت القائل :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
فلقد ضاع شعري على بابكم
كما ضاع در على خالصة
فقال ما قلته هكذا وإنما غيره على من أراد بي مكروهاً وإنما قلت : وخالصة من وراء الستر تسمع :
فلقد ضاء شعري على بابكم
كما ضاء در على خالصة
فسرى عن خالصة فلم تملك نفسها أن خرجت من الستر فألقت على الفرزدق ما كان عليها من الحلي وهي زيادة على ألف ألف درهم فأتبعه سليمان بن عبد الملك حاجبه لما خرج من عنده حتى اشترى الحلى من الفرزدق بما ألف ورده على خالصة "هـ" دعا المنصور أبا حنيفة يوماً فقال الربيع وهو يعاديه يا أمير المؤمنين هذا يعني أبا حنيفة يخالف جدك حيث يقول : الاستثناء المنفصل جائز وأبو حنيفة ينكره فقال أبو حنيفة هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة الناس فقال كيف ؟
قال أنهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل بيعتهم فضحك المنصور وقال : إياك يا ربيع وأبا حنيفة فلما خرج فقال الربيع يا أبا حنيفة سعيت في دمي فقال أبو حنيفة كنت البادي وأنا المدافع. ويحكى أن مسلماً قتل ذمياً عمداً فحكم أبو يوسف بقتل المسلم به فبلغ زبيدة ذلك فبعثت إلى أبي يوسف فقالت : إياك وأن تقتل المسلم وكانت في عناية عظيمة بأمر المسلمين فلما حضر أبو يوسف وحضر الفقهاء وجيء بأولياء الذمي والمسلم فقال له الرشيد أحكم بقتله فقال يا أمير المؤمنين هو مذهبي غير أني لست أقتل المسلم به حتى تقوم البينة العادلة أن الذمي يوم قتله المسلم كان ممن يؤدي الجزية فلم يقدروا عليه فبطل دمه "ز" دخل الغضبان على الحجاج بعدما قال لعدوه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك فقال له ما جواب السلام عليك ؟
فقال وعليك السلام ثم فطن الحجاح ، وقال : قاتلك الله يا غضبان ، أخذت لنفسك أمانا بردي عليك أما والله لولا الوفاء والكرم/ لما شربت الماء البارد بعد ساعتك هذه. فانظر إلى فائدة العلم في هذه الصورة فلله در العلم ومن به تردى ، وتعسا للجهل ومن في أوديته تردى "ح" بلغ عبد الملك بن مروان قول الشاعر :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
فومنا سويد والبطين وقعنب
(1/337)

ومنا أمير المؤمنين شبيب
(1/338)

فأمر به فأدخل عليه ، فقال أنت القائل ومنا أمير المؤمنين شبيب ؟
فقال : إنما قلت ومنا أمير المؤمنين شبيب ، بنصب الراء فناديتك واستغثت بك ، فسرى عن عبد الملك وتخلص الرجل من الهلاك بصنعة يسيرة عملها بعلمه ، وهو أنه حول الضمة فتحة. "ط" قال أبو مسلم : صاحب الدولة لسليمان بن كثير : بلغني أنك كنت في مجلس وقد جرى بين يديك ذكرى ، فقلت : اللهم سود وجهه واقطع عنقه وأسقني من دمه ، فقال : نعم قلته ، ولكن في كرم كذا لما نظرت إلى الحصرم فاستحسن / قوله ، وعفا عنه. "ي" قال رجل لأبي حنيفة : إني حلفت لا أكلم امرأتي حتى تكلمني وحلفت بصدقة ما تملك أن لا تكلمني أو أكلمها فتحير الفقهاء فيه فقال سفيان من كلم صاحبه حنث فقال أبو حنيفة : إذهب وكلمها ولا حنث عليكما. فذهب إلى سفيان وأخبره بما قال أبو حنيفة ؛ فذهب سفيان إلى أبي حنيفة مغضباً وقال : تبيح الفروج فقال أبو حنيفة : وما ذاك ؟
قال سفيان : أعيدوا على أبي حنيفة السؤال ، فأعادوا وأعاد أبو حنيفة الفتوى ، فقال من أين قلت ؟
قال : لما شافهته باليمين بعدما حلف كانت مكلمة فسقطت يمينه ، وإن كلمها فلا حنث عليه ولا عليها ؛ لأنه قد كلمها بعد اليمين فسقطت اليمين عنهما. قال سفيان : إنه ليكشف لك من العلم عن شيء كلنا عنه غافل. "يا" دخل اللصوص على رجل فأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثاً أن لا يعلم أحداً ، فأصبح الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل يمينه ، فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة فقال : أحضر لي إمام مسجدك وأهل محلتك فأحضرهم إياه ، فقال لهم أبو حنيفة. هل تحبون أن يرد الله على هذا متاعه ؟
قالوا : نعم ، قال : فاجمعوا كلاً منهم وأدخلوهم في دار ثم أخرجوهم واحداً واحداً ، وقولوا أهذا لصك ؟
فإن كان ليس بلصه قال : لا ، وإن كان لصه فليسكت ، وإذا سكت فاقبضوا عليه ، ففعلوا ما أمرهم به أبو حنيفة ، فرد الله عليه جميع ما سرق منه "يب" كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة ، فقال يوماً لأبي حنيفة : إني أريد أن أتزوج ابنة فلان وقد خطبتها ، إلا أنهم قد طلبوا مني من المهر فوق طاقتي ، فقال : احتل واقترض وادخل عليها ، فإن الله تعالى يسهل الأمر عليك بعد ذلك ، ثم أقرضه أبو حنيفة ذلك القدر ؛ ثم قال له : بعد الدخول أظهر أنك تريد الخروج من هذا البلد إلى بلد بعيد ، وأنك تسافر بأهلك معك : فأظهر الرجل ذلك. فاشتد ذلك على أهل المرأة وجاؤا إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه ، فقال لهم أبو حنيفة : له ذلك ، فقالوا : وكيف الطريق إلى دفع ذلك ؟
فقال أبو حنيفة : الطريق أن ترضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه منه ، فأجابوه إليه ؛ فذكر أبو حنيفة ذلك للزوج ، فقال الزوج : فأنا أريد منهم شيئاً آخر فوق ذلك ، فقال أبو حنيفة : أيما أحب إليك أن ترضى بهذا القدر وإلا أقرت لرجل بدين فلا تملك المسافرة بها حتى تقضي ما عليها من الدين فقال الرجل الله الله لا يسمعوا بهذا فلا آخذ منهم شيئاً ورضي بذلك القدر فحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين "يج" عن الليث بن سعد قال : قال رجل لأبي حنيفة ؛ لي ابن ليس بمحمود السيرة أشتري له الجارية بالمال العظيم فيعتقها وأزوجه المرأة بالمال العظيم فيطلقها فقال له أبو حنيفة : إذهب به معك إلى سوق النخاسين فإذا وقعت عينه على جارية فابتعها لنفسك ثم زوجها إياه فإن طلقها عادت إليك مملوكة وإن أعتقها لم يجز عتقه إياها/ قال الليث : فوالله ما أعجبني جوابه كما أعجبني سرعة جوابه "يد"سئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته نهاراً في رمضان فلم يعرف أحد وجه الجواب فقال أبو حنيفة : يسافر مع امرأته فيطؤها نهاراً / في رمضان "يه" جاء رجل إلى الحجاج فقال : سرقت لي أربعة آلاف درهم فقال الحجاج : من تتهم ؟
فقال : لا أتهم أحداً قال : لعلك أتيت من قبل أهلك ؟
قال : سبحان الله امرأتي خير من ذلك قال الحجاج لعطاره إعمل لي طيباً ذكياً ليس له نظير فعمل له الطيب ثم دعا الشيخ فقال : ادهن من هذه القارورة ولا تدهن منها غيرك ثم قال الحجاج لحرسه : اقعدوا على أبواب المساجد وأراهم الطيب وقال من وجد منه ريح هذا الطيب فخذوه فإذا رجل له وفرة فأخذوه فقال الحجاج من أين لك هذا الذهن ؟
قال : اشتريته قال : أصدقني وإلا قتلتك فصدقه فدعا الشيخ وقال : هذا صاحب الأربعة آلاف عليك بامرأتك فأحسن أدبها ، ثم أخذ الأربعة آلاف من الرجل ، وردها إلى صاحبها "يو" قال الرشيد يوماً لأبي يوسف : عند جعفر بن عيسى جارية هي أحب الناس إليّ وقد عرف ذلك وقد حلف أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق ، وهو الآن يطلب حل يمينه. فقال : يهب النصف ويبيع النصف ولايحنث "يز" قال محمد بن الحسن : كنت نائماً ذات ليلة ، فإذا أنا بالباب يدق ويقرع فقلت : انظروا من ذاك ؟
فقالوا : رسول الخليفة يدعوك فخفت على روحي فقمت ومضيت إليه ، فلما دخلت عليه قال : دعوتك في مسألة : إن أم محمد يعني زبيدة قلت لها أنا الإمام العدل ، والإمام العدل في الجنة ، فقالت لي إنك ظالم عاصٍ فقد شهدت لنفسك بالجنة فكفرت بكذبك على الله وحرمت عليك ، فقلت
(1/339)

له يا أمير المؤمنين إذاوقعت في معصية هل تخاف الله في تلك الحالة أو بعدها : فقال إي والله أخاف خوفاً شديداً ، فقلت : أنا أشهد أن لك جنتين ، لا جنة واحدة قال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّه جَنَّتَانِ} (الرحمن : 46) فلاطفني وأمرني بالانصراف فلما رجعت إلى داري رأيت البدر متبادرة إلي "يح" يحكى أن أبا يوسف أتاه ذات ليلة رسول الرشيد يستعجله ، فخاف أبو يوسف على نفسه ، فلبس إزاره ومشى خائفاً إلى دار الخليفة ، فلما دخل عليه سلم فرد عليه الجواب وأدناه ، فعند ذلك هدأ روعه ، قال الرشيد إن حلياً لنا فقد من الدار فاتهمت فيه جارية من جواري الدار الخاصة ، فحلفت لتصدقيني أولأقتلنك وقد ندمت فاطلب لي وجهاً ؛ فقال أبو يوسف : فأذن لي في الدخول عليها فأذن له فرأى جارية كأنها فلقة قمر ؛ فأخلى المجلس ثم قال لها : أمعك الحلى ؟
فقالت : لا والله ، فقال : لها احفظي ما أقول لك ولا تزيدي عليه ولا تنقصي عنه إذا دعاك الخليفة وقال لك أسرقت الحلى فقولي نعم ، فإذا قال لك فهاتها فقولي ما سرقتها ، ثم خرج أبو يوسف إلى مجلس الرشيد وأمر بإحضار الجارية فحضرت ، فقال للخليفة : سلها عن الحلى ، فقال لها الخليفة : أسرقت الحلى ؟
قالت : نعم ، قال لها : فهاتها ، قالت : لم أسرقها والله ، قال أبو يوسف : قد صدقت يا أمير المؤمنين في الإقرار أو الإنكار وخرجت مناليمين ، فسكن غضب الرشيد وأمر أن يحمل إلى دار أبي يوسف مائة ألف درهم ، فقالوا : إن الخزان غيب فلو أخرنا ذلك إلى الغد ، فقال : إن القاضي أعتقنا الليلة / فلا نؤخر صلته إلى الغد ، فأمر حتى حمل عشر بدر مع أبي يوسف إلى منزله. "يط" قال بشر المريسي للشافعي : كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أن أهل المشرق والمغرب لا يمكن معرفة وجود إجماعهم على الشيء الواحد وكانت هذه المناظرة عند الرشيد ، فقال الشافعي : هل تعرف إجماع الناس على خلافة هذا الجالس ؟
فأقر به خوفاً وانقطع ؛ "ك" أعرابي قصد الحسين بن علي رضي الله عنهما ، فسلم عليه وسأله حاجة وقال : سمعت جدك يقول : إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة : إما عربي شريف ، أو مولى كريم/ أو حامل القرآن ، أو صاحب وجه صبيح فأما العرب فشرفت بجدك ، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم ، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل ، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين ، فقال الحسين : ما حاجتك ؟
فكتبها على الأرض ، فقال الحسين سمعت أبي علياً يقول قيمة كل امرىء ما يحسنه. وسمعت جدي يقول : المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي وقد حمل إليّ صرة مختومة من العراق فقال : سل ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال : أي الأعمال أفضل قال الأعرابي : الإيمان بالله. قال : فما نجاة العبد من الهلكة قال : الثقة بالله ، قال : فما يزين المرء قال : علم معه حلم قال : فإن أخطأه ذلك قال : فمال معه كرم قال : فإن أخطأه ذلك قال : ففقر معه صبر قال : فإن أخطأه ذلك قال : فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه فضحك الحسين ورمى بالصرة إليه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
أما الشواهد العقلية في فضيلة العلم فنقول : اعلم أن كون العلم صفة شرف وكمال وكون الجهل صفة نقصان أمر معلوم للعقلاء بالضرورة ولذلك لو قيل للرجل العالم يا جاهل فأنه يتأذى بذلك وإن كان يعلم كذب ذلك ولو قيل للرجل الجاهل يا عالم فإنه يفرح بذلك وإن كان يعلم أنه ليس كذلك وكل ذلك دليل على أن العلم شريف لذاته ومحبوب لذاته والجهل نقصان لذاته وأيضاً فالعلم أينما وجد كان صاحبه محترماً معظماً حتى أن الحيوان إذا رأى الإنسان احتشمه بعض الاحتشام وانزجر به بعض الانزجار وإن كان ذلك الحيوان أقوى بكثير من الإنسان وكذلك جماعة الرعاة إذا رأوا من جنسهم من كان أوفر عقلاً منهم وأغزر فضلاً فيما هم فيه وبصدده انقادوا له طوعاً فالعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من كان دونهم في العلم ولذلك فإن كثيراً ممن كانوا يعاندون النبي صلى الله عليه وسلّم فصدوه ليقتلوه فما كان إلا أن وقع بصرهم عليه فألقى الله في قلوبهم منه روعة وهيبة فهابوه وانقادوا له صلى الله عليه وسلّم ولهذا قال الشاعر :
فلو لم تكن فيه آيات مبينة
كانت بداهتة تنبيك عن خبر
(1/340)

وأيضاً فلا شك أن الإنسان أفضل من سائر الحيوانات وليست تلك الفضيلة لقوته وصولته فإن كثيراً من الحيوانات يساويه فيها أو يزيد عليه فأذن تلك الفضيلة ليست إلا لاختصاصه بالمزية / النورانية واللطيفة الربانية التي لأجلها صار مستعداً لإدراك حقائق الأشياء والاطلاع عليها والاشتغال بعبادة الله على ما قال : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} ( ) وأيضاً الجاهل كأنه في ظلمة شديدة لا يرى شيئاً البتة والعالم كأنه يطير في أقطار الملكوت ويسبح في بحار المعقولات فيطالع الموجود والمعدوم والواجب والممكن والمحال ثم يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرض والجوهر إلى البسيط والمركب ويبالغ في تقسيم كل منها إلى أنواعها وأنواع أنواعها وأجزائها وأجزاء أجزائها والجزء الذي به يشارك غيره والجزء الذي به يمتاز عن غيره ويعرف أثر كل شيء ومؤثره ومعلوله وعلته ولازمه وملزومه وكليه وجزئيه وواحده وكثيره حتى يصير عقله كالنسخة التي أثبت فيها جميع المعلومات بتفاصيلها وأقسامها فأي سعادة فوق هذه الدرجة ثم إنه بعد صيرورته كذلك تصير النفوس الجاهلة عالمة فتصير تلك النفس كالشمس في عالم الأرواح وسبباً للحياة الأبدية لسائر النفوس فإنها كانت كاملة ثم صارت مكملة وتصير واسطة بين الله وبين عباده ولهذا قال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
{يُنَزِّلُ الملائكة بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِه } (النحل : 2) والمفسرون فسروا هذا الروح بالعلم والقرآن وكما أن البدن بلا روح ميت فاسد فكذا الروح بلا علم ميت ونظيره قوله تعالى : {وَكَذَالِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا } (الشورى : 52) فالعلم روح الروح ونور النور ولب اللب ومن خواص هذه السعادة أنها تكون باقية آمنة عن الفناء والتغير ، فإن التصورات الكلية لا يتطرق إليها الزوال والتغير وإذا كانت هذه السعادة في نهاية الجلالة في ذاتها ثم إنها باقية أبد الآبدين ودهر الداهرين كانت لا محالة أكمل السعادات وأيضاً فالأنبياء صلوات الله عليهم ما بعثوا إلا للدعوة إلى الحق قال تعالى : {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} (النحل : 125) إلى آخره ، وقال : {قُلْ هَـاذِه سَبِيلِى أَدْعُوا إِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى } ث(يوسف : 108) م خذ من أول الأمر فإنه سبحانه لما قال : {إِنِّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً } (البقرة : 30) قالت الملائكة : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} قال سبحانه : {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} فأجابهم سبحانه بكونه عالماً فلم يجعل سائر صفات الجلال من القدرة. والإرادة ، والسمع ، والبصر ، والوجود ، والقدم ، والاستغناء عن المكان والجهة جواباً لهم وموجباً لسكوتهم وإنما جعل صفة العلم جواباً لهم وذلك يدل على أن صفات الجلال والكمال وإن كانت بأسرها في نهاية الشرف إلا أن صفة العلم أشرف من غيرها ثم إنه سبحانه إنما أظهر فضل آدم عليه السلام بالعلم وذلك يدل أيضاً على أن العلم أشرف من غيره ثم إنه سبحانه لما أظهر علمه جعله مسجود الملائكة وخليفة العالم السفلى وذلك يدل على أن تلك المنقبة إنما استحقها آدم عليه السلام بالعلم ثم إن الملائكة افتخرت بالتسبيح والتقديس والافتخار بهما إنما يحصل لو كانا مقرونين بالعلم فإنهما إن حصلا بدون العلم كان ذلك نفاقاً والنفاق أخس المراتب قال تعالى : {إِنَّ الْمُنَـافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الاسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (النساء : 145) أو تقليداً والتقليد مذموم فثبت أن تسبيحهم وتقديسهم إنما صار موجباً للافتخار ببركة العلم. ثم إن آدم عليه السلام إنما وقع عليه اسم المعصية لأنه أخطأ / في مسألة واحدة اجتهادية على ما سيأتي بيانه ولأجل هذا الخطأ القليل وقع فيما وقع فيه والشيء كلما كان الخطر فيه أكثر كان أشرف فذلك يدل على غاية جلالة العلم. ثم إنه ببركة جلالة العلم لما تاب وأناب وترك الإصرار والاستكبار وجد خلعة الاجتباء ، ثم انظر إلى إبراهيم عليه السلام كيف اشتغل في أول أمره بطلب العلم على ما قال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/341)

{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا } (الأنعام : 76) ثم انتقل من الكواكب إلى القمر ومن القمر إلى الشمس ولم يزل ينتقل بفكره من شيء إلى شيء إلى أن وصل بالدليل الزاهر والبرهان الباهر إلى المقصود وأعرض عن الشرك فقال : {إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ} (الأنعام : 79) فلما وصل إلى هذه الدرجة مدحه الله تعالى بأشرف المدائح وعظمه على أتم الوجوه فقال تارة : {وَكَذَالِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ} (الأنعام : 75) وقال أخرى : {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِه ا نَرْفَعُ دَرَجَـاتٍ مَّن نَّشَآءُ } (الأنعام : 83) ثم إنه عليه السلام بعد الفراغ من معرفة المبدأ اشتغل بمعرفة المعاد فقال : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِـامُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى } (البقرة : 26) ثم لما فرغ من التعلم اشتغل بالتعليم والمحاجة تارة مع أبيه على ما قال : {لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ} (مريم : 42) وتارة مع قومه فقال : {مَا هَـاذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَـاكِفُونَ} (الأنبياء : 52) وأخرى مع ملك زمانه فقال : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَآجَّ إِبْرَاهِـامَ فِى رَبِّه } (البقرة : 258) وانظر إلى صالح وهود وشعيب كيف كان اشتغالهم في أوائل أمورهم وأواخرها بالتعلم والتعليم وإرشاد الخلق إلى النظر والتفكر في الدلائل وكذلك أحوال موسى عليه السلام مع فرعون وجنوده ووجوه دلائله معه ، ثم انظر إلى حال سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلّم كيف من الله عليه بالعلم مرة بعد أخرى فقال : {وَوَجَدَكَ ضَآلا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَآاـاِلا فَأَغْنَى } (الضحى : 7 ـ 8) فقدم الامتنان بالعلم على الامتنان بالمال وقال أيضاً : {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَـابُ وَلا الايمَـانُ} (الشورى : 52) وقال : {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـاذَا } (هود : 49) ثم إنه أول ما أوحى إليه قال : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} (
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
العلق : 1) ثم قال : {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ } (النساء : 113) وهو عليه الصلاة والسلام كان أبداً يقول : أرنا الأشياء كما هي. فلو لم يظهر للإنسان مما ذكرنا من الدلائل النقلية والعقلية شرف العلم لاستحال أن يظهر له شيء أصلاً وأيضاً فإن الله تعالى سمى العلم في كتابه بالأسماء الشريفة. فمنها : الحياة {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـاهُ} (الأنعام : 122). وثانيها : الروح {وَكَذَالِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا } (الشورى : 52) ، وثالثها : النور {اللَّهُ نُورُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } (النور : 35) وأيضاً قال تعالى في صفة طالوت : {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَـاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَه بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ } (البقرة : 247) فقدم العلم على الجسم ولا شك أن المقصود من سائر النعم سعادة البدن ، فسعادة البدن أشرف من السعادة المالية فإذا كانت السعادة العلمية راجحة على السعادة الجسمانية فأولى أن تكون راجحة على السعادة المالية. وقال يوسف {اجْعَلْنِى عَلَى خَزَآاـاِنِ الارْضِا إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (يوسف : 55) ولم يقل إني حسيب نسيب فصيح مليح ، وأيضاً فقد جاء في الخبر "المرء بأصغريه قلبه ولسانه" إن تكلم تكلم بلسانه ، وإن قاتل قاتل بجنانه ، قال الشاعر :
/ لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وأيضاً فإن الله تعالى قدم عذاب الجهل على عذاب النار فقال : {كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَـاـاِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ} (المطففين : 15 ، 16) وقال بعضهم : العلوم مطالعها من ثلاثة أوجه ، قلب متفكر ، ولسان معبر ، وبيان مصور ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : "عين العلم من العلو ، ولامه من اللطف ، وميمه من المروءة" وأيضاً قيل العلوم عشرة : علم التوحيد للأديان ، وعلم السر لرد الشيطان ، وعلم المعاشرة للإخوان ، وعلم الشريعة للأركان ، وعلم النجوم للأزمان ، وعلم المبارزة للفرسان ، وعلم السياسة للسلطان ، وعلم الرؤيا للبيان ، وعلم الفراسة للبرهان ، وعلم الطب للأبدان ، وعلم الحقيقة للرحمن ، وأيضاً قيل ضرب المثل في العلم بالماء قوله تعالى : {أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً} (البقرة : 22) والمياه أربعة : ماء المطر ، وماء السيل ، وماء القناة ، وماء العين فكذا العلوم أربعة علم التوحيد كماء العين لا يجوز تحريكه لئلا يتكدر ، وكذا لا ينبغي طلب معرفة كيفية الله عزّ وجلّ لئلا يحصل الكفر. وعلم الفقه يزداد بالاستنباط كماء القناة يزداد بالحفر/ وعلم الزهد كماء المطر ينزل صافياً ويتكدر بغبار الهواء كذلك علم الزهد صاف ويتكدر بالطمع وعلم البدع كماء السيل يميت الأحياء ويهلك الخلق فكذا البدع والله أعلم.
(1/342)

جزء : 3 رقم الصفحة : 396
المسألة السابعة : في أقوال الناس في حد العلم قال أبو الحسن الأشعري العلم ما يعلم به وربما قال ما يصير الذات به عالماً واعترضوا عليه بأن العالم والمعلوم لا يعرفان إلا بالعلم فتعريف العلم بهما دور وهو غير جائز أجاب عنه بأن علم الإنسان بكونه عالماً بنفسه وبألمه ولذاته علم ضروري والعلم بكونه عالماً بهذه الأشياء علم بأصل العلم لأن الماهية داخلة في الماهية المقيدة فكان علمه بكون العلم علماً علم ضروري فكان الدور ساقطاً وسيأتي مزيد تقريره إذا ذكرنا ما نختاره نحن في هذا الباب إن شاء الله تعالى وقال القاضي أبو بكر العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه وربما قال العلم هو المعرفة والاعتراض على الأول أن قوله معرفة المعلوم تعريف العلم بالمعلوم فيعود الدور أيضاً فالمعرفة لا تكون إلا وفق المعلوم فقوله على ما هو عليه بعد ذكر المعرفة يكون حشواً ، أما قوله العلم هو المعرفة ففيه وجوه من الخلل : أحدها : أن العلم هو نفس المعرفة فتعريفه بها تعريف للشيء بنفسه وهو محال. وثانيها : أن المعرفة عبارة عن حصول العلم بعد الالتباس ولهذا يقال ما كنت أعرف فلاناً والآن فقد عرفته. وثالثها : أن الله تعالى يوصف بأنه عالم ولا يوصف بأنه عارف لأن المعرفة تستدعي سبق الجهل وهو على الله محال وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني : العلم تبيين المعلوم وربما قال إنه استبانة الحقائق وربما اقتصر على التبيين فقال العلم هو التبيين وهو أيضاً ضعيف أما قول العلم هو التبيين فليس فيه إلا تبديل لفظ بلفظ أخفى منه ولأن التبيين والاستبانة يشعران بظهور الشيء بعد الخفاء وذلك لا يطرد في علم الله ، وأما قوله تبيين المعلوم على ما هو به فيتوجه عليه الوجوه المذكورة على كلام القاضي قال الأستاذ أبو بكر بن فورك : العلم ما يصح من المتصف به / إحكام الفعل وإتقانه وهو ضعيف ، لأن العلم بوجوب الواجبات وامتناع الممتنعات لا يفيد الأحكام. وقال القفال : العلم إثبات المعلوم على ما هو به وربما قيل العلم تصور المعلوم على ما هو به والوجوه السالفة متوجهة على هذه العبارة. وقال إمام الحرمين : الطريق إلى تصور ماهية العلم وتميزها عن غيرها أن نقول إنا نجد من أنفسنا بالضرورة كوننا معتقدين في بعض الأشياء ، فنقول اعتقادنا في الشيء ، إما أن يكون جازماً أو لا يكون ، فإن كان جازماً فأما أن يكون مطابقاً أو غير مطابق فإن كان مطابقاً فأما أن يكون لموجب هو نفس طرفي الموضوع والمحمول وهو العلم
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/343)

البديهي أو لموجب حصل من تركيب تلك العلوم الضرورية وهو العلم النظري أولاً لموجب وهو اعتقاد المقلد ، وأما الجزم الذي لا يكون مطابقاً فهو الجهل والذي لا يكون جازماً فأما أن يكون الطرفان متساويين وهو الشك أو يكون أحدهما أرجح من الآخر فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم واعلم أن هذا التعريف مختل من وجوه : أحدها : أن هذا التعريف لا يتم إلا إذا ادعينا أن علمنا بماهية الاعتقاد علم بديهي وإذا جاز ذلك فلم لا ندعي أن العلم بماهية العلم بديهي. وثانيها : أن هذا تعريف العلم بانتفاء أضداده وليست معرفة هذه الأضداد أقوى من معرفة العلم حتى يجعل عدم النقيض معرفاً للنقيض فيرجع حاصل الأمر إلى تعريف الشيء بمثله أو بالأخفى. وثالثها : أن العلم قد يكون تصوراً وقد يكون تصديقاً والتصور لا يتطرق إليه الجزم ولا التردد ولا القوة ولا الضعف فإذا كان كذلك كانت العلوم التصورية خارجة عن هذا التعريف قالت المعتزلة العلم هو الاعتقاد المقتضى سكون النفس وربما قالوا العلم ما يقتضي سكون النفس قالوا : ولفظ السكون وإن كان مجازاً ههنا إلا أن المقصود منه لما كان ظاهراً لم يكن ذكره قادحاً في المقصود واعلم أن الأصحاب قالوا : الاعتقاد جنس مخالف للعلم فلا يجوز جعل العلم منه ولهم أن يقولوا لا شك أن بين العلم واعتقاد المقلد قدراً مشتركاً فنحن نعني بالاعتقاد ذلك القدر قال الأصحاب وهذا التعريف يخرج عنه أيضاً علم الله تعالى فإنه لا يجوز أن يقال فيه إنه يقتضي سكون النفس قالت الفلاسفة العلم صورة حاصلة في النفس مطابقة للمعلوم وفي هذا التعريف عيوب : أحدها : إطلاق لفظ الصورة على العلم لا شك أنه من المجازات فلا بدّ في ذلك من تلخيص الحقيقة والذي يقال إنه كما يحصل في المرآة صورة الوجه فكذلك تحصل صورة المعلوم في الذهن وهو ضعيف لأنا إذا عقلنا الجبل والبحر فإن حصلا في الذهن ففي الذهن جبل وبحر وهذا محال وإن لم يحصلا في الذهن ولكن الحاصل في الذهن صورتاهما فقط فحينئذٍ يكون المعلوم هو الصورة فالشيء الذي تلك الصورة صورته وجب أن لا يصير معلوماً وإن قيل حصلت الصورة ومحلها في الذهن فحينئذٍ يعود ما ذكرنا من أنه يحصل الجبل والبحر في الذهن. وثانيها : أن قوله مطابقة للمعلوم يقتضي الدور ، وثالثها : أن عندهم المعلومات قد تكون موجودة في الخارج وقد لا تكون وهي التي يسمونها بالأمور الاعتبارية والصور الذهنية والمعقولات الثانية والمطابقة في هذا القسم غير معقول. ورابعها : / أنا قد نعقل المعدوم ولا يمكن أن يقال الصورة العقلية مطابقة للمعدوم لأن المطابقة تقتضي كون المتطابقين أمراً ثبوتياً والمعدوم نفي محض يستحيل تحقق المطابقة فيه ولقد حاول الغزالي إيضاح كلام الفلاسفة في تعريف العلم فقال إدراك البصيرة الباطنة نفهمه بالمقايسة بالبصر الظاهر ولا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المرئي في القوة الباصرة كما نتوهم انطباع الصورة في المرآة مثلاً فكما أن البصر يأخذ صورة المبصرات أي ينطبع فيه مثالها المطابق لها لا عينها فإن عين النار لا تنطبع في العين بل مثال مطابق صورتها فكذا العقل على مثال مرآة ينطبع فيها صور المعقولات وأعني بصورة المعقولات حقائقها وماهياتها ففي المرآة أمور ثلاثة : الحديد وصقالته والصورة المنطبعة فيه فكذا جوهر الآدمي كالحديد وعقله كالصقالة والمعلوم كالصورة واعلم أن هذا الكلام ساقط جداً أما قوله لا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المرئي في القوة الباصرة فباطل لوجوه : أحدها : أنه ذكر في تعريف الأبصار المبصر والباصر وهو دور. وثانيها : أنه لو كان الأبصار عبارة عن نفس هذا الانطباع لما أبصرنا إلا بمقدار نقطة الناظر لاستحالة انطباع العظيم في الصغير فإن قيل الصورة الصغيرة المنطبعة شرط لحصول إبصار الشيء العظيم في الخارج قلنا الشرط مغاير للمشروط فالإبصار مغاير للصورة المنطبعة. وثالثها : أنا نرى المرئي حيث هو ، ولو كان المرئي هو الصورة المنطبعة لما رأيته في حيزه ومكانه ، وأما قوله : فكذا العقل ينطبع فيه صور المعقولات فضعيف لأن الصورة المرتسمة من الحرارة في العقل ، إما أن تكون مساوية للحرارة في الماهية أو لا تكون ، فإن كان الأول لزم أن يصير العقل حاراً عند تصور الحرارة لأن الحار لا معنى له إلا الموصوف بالحرارة ، وإن كان الثاني لم يكن تعقل الماهية إلا عبارة عن حصول شيء في الذهن مخالف للحرارة في الماهية وذلك يبطل قوله ، وأما الذي ذكر من انطباع الصور في المرآة فقد اتفق المحققون من الفلاسفة على أن صورة المرئي لا تنطبع في المرآة فثبت أن الذي ذكره في تقرير قولهم لا يوافق قولهم ولا يلائم أصولهم ولما ثبت أن التعريفات التي ذكرها الناس باطلة فاعلم أن العجز عن التعريف قد يكون لخفاء المطلوب جداً وقد يكون لبلوغه في الجلاء إلى حيث لا يوجد شيء أعرف منه ليجعل معرفاً له/ والعجز عن تعريف ا لعلم لهذا الباب والحق أن ماهية العلم متصورة تصوراً بديهياً جلياً ، فلا حاجة في معرفته إلى
(1/344)

معرف ، والدليل عليه أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه يعلم وجود نفسه وأنه يعلم أنه ليس على السماء ولا في لجة البحر ، والعلم الضروري بكونه عالماً بهذه الأشياء علم باتصاف ذاته بهذه العلوم والعالم بانتساب شيء إلى شيء عالم لا محالة بكلا الطرفين ، فلما كان العلم الضروري بهذه المنسوبية حاصلاً كان العلم الضروري بماهية العلم حاصلاً وإذا كان كذلك كان تعريفه ممتنعاً فهذا القدر كافٍ ههنا وسائر التدقيقات مذكورة في "الكتب العقلية" والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
المسألة الثامنة : في البحث عن ألفاظ يظن بها أنها مرادفة للعلم وهي ثلاثون : أحدها : / الإدراك وهو اللقاء والوصول يقال أدرك الغلام وأدركت الثمرة قال تعالى : {قَالَ أَصْحَـابُ مُوسَى ا إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} (الشعراء : 61) فالقوة العاقلة إذا وصلت إلى ماهية المعقول وحصلتها كان ذلك إدراكاً من هذه الجهة ، وثانيها : الشعور وهو إدراك بغير استثبات وهو أول مراتب وصول المعلوم إلى القوة العاقلة وكأنه إدراك متزلزل ولهذا يقال في الله تعالى إنه يشعر بكذا كما يقال إنه يعلم كذا ، وثالثها : التصور إذا حصل وقوف القوة العاقلة على المعنى وأدركه بتمامه فذلك هو التصور ، واعلم أن التصور لفظ مشتق من الصورة ولفظ الصورة حيث وضع فإنما وضع للهيئة الجسمانية الحاصلة في الجسم المتشكل إلا أن الناس لما تخيلوا أن حقائق المعلومات تصير حالة في القوة العاقلة كما أن الشكل والهيئة يحلان في المادة الجسمانية أطلقوا لفظ التصور عليه بهذا التأويل. ورابعها : الحفظ فإذا حصلت الصورة في العقل وتأكدت واستحكمت وصارت بحيث لو زالت لتمكنت القوة العاقلة من استرجاعها واستعادتها سميت تلك الحالة حفظاً ولما كان الحفظ مشعراً بالتأكد بعد الضعف لا جرم لا يسمى علم الله حفظاً ولأنه إنما يحتاج إلى الحفظ ما يجوز زواله ولما كان ذلك في علم الله تعالى محالاً لا جرم لا يسمى ذلك حفظاً. وخامسها : التذكر وهو أن الصورة المحفوظة إذا زالت عن القوة العاقلة فإذا حاول الذهن استرجاعها فتلك المحاولة هي التذكر. واعلم أن للتذكر سراً لا يعلمه إلا الله تعالى وهو أن التذكر صار عبارة عن طلب رجوع تلك الصورة الممحية الزائلة فتلك الصورة إن كانت مشعوراً بها فهي حاضرة حاصلة والحاصل لا يمكن تحصيله فلا يمكن حينئذٍ استرجاعها وإن لم تكن مشعوراً بها كان الذهن غافلاً عنها وإذا كان غافلاً عنها استحال أن يكون طالباً لاسترجاعها لأن طلب ما لا يكون متصوراً محال فعلى كلا التقديرين يكون التذكر المفسر بطلب الاسترجاع ممتنعاً مع أنا نجد من أنفسنا أنا قد نطلبها ونسترجعها وهذه الأسرار إذا توغل العاقل فيها وتأملها عرف أنه لا يعرف كنهها مع أنها من أظهر الأشياء عند الناس فكيف القول في الأشياء التي هي أخفى الأمور وأعضلها على العقول والأذهان. وسادسها : الذكر فالصورة الزائلة إذا حاول استرجاعها فإذا عادت وحضرت بعد ذلك الطلب سمي ذلك الوجدان ذكراً فإن لم يكن هذا الإدراك مسبوقاً بالزوال لم يسم ذلك الإدراك ذكراً ولهذا قال الشاعر :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
فالله يعلم أني لست أذكره
وكيف أذكره إذ لست أنساه
(1/345)

فجعل حصول النسيان شرطاً لحصول الذكر ويوصف القول بأنه ذكر لأنه سبب حصول المعنى في النفس قال تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَه لَحَـافِظُونَ} (الحجر : 9) وههنا دقيقة تفسيرية وهي أنه سبحانه وتعالى قال : {فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ} (البقرة : 52) فهذا الأمر هل يتوجه على العبد حال حصول النسيان أو بعد زواله فإن كان الأول فهو حال النسيان غافل عن الأمر وكيف يوجه عليه التكليف مع النسيان وإن كان الثاني فهو ذاكر والذكر حاصل وتحصيل الحاصل محال فكيف كلفه به / وهو أيضاً متوجه على قوله : {فَاعْلَمْ أَنَّه لا إِلَـاهَ إِلا اللَّهُ} (محمد : 19) إلا أن الجواب في قوله فاعلم أن المأمور به إنما هو معرفة للتوحيد وهذا من باب التصديقات فلا يقوى فيه ذلك الإشكال وأما الذكر فهو من باب التصورات فيقوى فيه ذلك الإشكال وجوابه على الإطلاق أنا نجد من أنفسنا أنه يمكننا التذكر وإذا كان ذلك ممكناً كان ما ذكرته تشكيكاً في الضروريات فلا يستحق الجواب. بقي أن يقال فكيف يتذكر فنقول لا نعرف كيف يتذكر لكن علمك بتمكنك في علمك بأن في الجملة يكفيك في الاشتغال بالمجاهدة وعجزك عن إدراك تلك الكيفية يكفيك من التذكر ذاك ليس منك بل ههنا سر آخر وهو أنك لما عجزت عن إدراك ماهية التذكر والذكر مع أنه صفتك فأنى يمكنك الوقوف على كنه المذكور مع أنه أبعد الأشياء مناسبة منك فسبحان من جعل أظهر الأشياء أخفاها ليتوصل العبد به إلى كنه عجزه ونهاية قصوره فحينئذٍ يطالع شيئاً من مبادىء مقادير أسرار كونه ظاهراً باطناً. وسابعها : المعرفة وقد اختلفت الأقوال في تفسير هذه اللفظة فمنهم من قال المعرفة إدراك الجزئيات والعلم إدراك الكليات وآخرون قالوا المعرفة التصور والعلم هو التصديق وهؤلاء جعلوا العرفان أعظم درجة من العلم قالوا لأن تصديقنا باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود أمر معلوم بالضرورة فأما تصور حقيقته فأمر فوق الطاقة البشرية ولأن الشيء ما لم يعرف وجوده فلا تطلب ماهيته فعلى هذا الطريق كل عارف عالم وليس كل عالم عارفاً ولذلك فإن الرجل لا يسمى بالعارف إلا إذا توغل في ميادين العلم وترقى من مطالعها إلى مقاطعها ومن مباديها إلى غياتها بحسب الطاقة البشرية وفي الحقيقة فإن أحداً من البشر لا يعرف الله تعالى لأن الاطلاع على كنه هويته وسر ألوهيته محال. وآخرون قالوا من أدرك شيئاً وانحفظ أثره في نفسه ثم أدرك ذلك الشيء ثانياً وعرف أن هذا المدرك الذي أدركه ثانياً هو الذي أدركه أولاً فهذا هو المعرفة فيقال : عرفت هذا الرجل وهو فلان الذي كنت رأيته وقت كذا. ثم في الناس من يقول بقدم الأرواح ومنهم من يقول بتقدمها على الأبدان ويقول إنها هي الذر المستخرج من صلب آدم عليه السلام وإنها أقرت بالإلهية واعترفت بالربوبية إلا أنها لظلمة العلاقة البدنية نسيت مولاها فإذا عادت إلى نفسها متخلصة من ظلمة البدن وهاوية الجسم عرفت ربها وعرفت أنها كانت عارفة به فلا جرم سمى هذا الإدراك عرفاناً. وثامنها : الفهم وهو تصور الشيء من لفظ المخاطب والإفهام هو اتصال المعنى باللفظ إلى فهم السامع ، وتاسعها : الفقه وهو العلم بغرض المخاطب من خطابه يقال فقهت كلامك أي وقفت على غرضك من هذا الخطاب ثم إن كفار قريش لما كانوا أرباب الشبهات والشهوات فما كانوا يقفون على ما في تكاليف الله تعالى من المنافع العظيمة لا جرم قال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/346)

{لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا} (الكهف : 93) أي لا يقفون على المقصود الأصلي والغرض الحقيقي. وعاشرها : العقل وهو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها فإنك متى علمت ما فيها من المضار والمنافع صار علمك بما في / الشيء من النفع داعياً لك إلى الفعل وعلمك بما فيه من الضرر داعياً لك إلى الترك فصار ذلك العلم مانعاً من الفعل مرة ومن الترك أخرى فيجري ذلك العلم مجرى عقال الناقة. ولهذا لما سئل بعض الصالحين عن العقل ، قال هو العلم بخير الخيرين وشر الشرين ولما سئل عن العاقل قال العاقل من عقل عن الله أمره ونهيه ، فهذا هو القدر اللائق بهذا المكان والاستقصاء فيه يجيء في موضع آخر إن شاء الله تعالى. الحادي عشر : الدراية وهي المعرفة الحاصلة بضرب من الحيل وهو تقديم المقدمات واستعمال الروية وأصله من دريت الصيد والدرية لما يتعلم عليه الطعن والمدرى يقال لما يصلح به الشعر وهذا لا يصح إطلاقه على الله تعالى لامتناع الفكر والحيل عليه تعالى. الثاني عشر : الحكمة : وهي اسم لكل علم حسن ، وعمل صالح وهو بالعلم العملي أخص منه بالعلم النظري وفي العمل أكثر استعمالاً منه في العلم ، ومنها يقال أحكم العمل إحكاماً إذا أتقنه وحكم بكذا حكماً والحكمة من الله تعالى خلق ما فيه منفعة العباد ومصلحتهم في الحال وفي المآل ومن العباد أيضاً كذلك ثم قد حدت الحكمة بألفاظ مختلفة فقيل هي معرفة الأشياء بحقائقها ، وهذا إشارة إلى أن إدراك الجزئيات لا كمال فيه لأنها إدراكات متغيرة. فأما إدراك الماهية ، فإنه باقٍ مصون عن التغير والتبدل وقيل هي الإتيان بالفعل الذي عاقبته محمودة وقيل هي الاقتداء بالخالق سبحانه وتعالى في السياسة بقدر الطاقة البشرية وذلك بأن يجتهد بأن ينزه علمه عن الجهل وفعله عن الجور وجوده عن البخل وحلمه عن السفه. الثالث عشر : علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين قالوا إن اليقين لا يحصل إلا إذا اعتقد أن الشيء كذا وأنه يمتنع كون الأمر بخلاف معتقده إذا كان لذلك الاعتقاد موجب هو إما بديهية الفطرة وإما نظر العقل ، الرابع عشر : الذهن وهو قوة النفس على اكتساب العلوم التي هي غير حاصلة وتحقيق القول فيه إنه سبحانه وتعالى خلق الروح خالياً عن تحقيق الأشياء وعن العلم بها كما قال تعالى : {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنا بُطُونِ أُمَّهَـاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْـاًا} لكنه سبحانه وتعالى إنما خلقها للطاعة على ما قال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/347)

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات : 56) والطاعة مشروطة بالعلم وقال في موضع آخر {وَأَقِمِ الصَّلَواةَ لِذِكْرِى } (طه : 14) فبين أنه أمر بالطاعة لغرض العلم والعلم لا بدّ منه على كل حال فلا بدّ وأن تكون النفس متمكنة من تحصيل هذه المعارف والعلوم فأعطاه الحق سبحانه من الحواس ما أعان على تحصيل هذا الغرض فقال في السمع : {وَهَدَيْنَـاهُ النَّجْدَينِ} (البلد : 10) وقال في البصر : {سَنُرِيهِمْ ءَايَـاتِنَا فِى الافَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ} فصلت : 53) وقال في الفكر : {وَفِى أَنفُسِكُم أَفَلا تُبْصِرُونَ} (الذاريات : 21) فإذا تطابقت هذه القوى صار الروح الجاهل عالماً وهو معنى قوله تعالى : {الرَّحْمَـانُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ} (الرحمن : 1) فالحاصل أن استعداد النفس لتحصيل هذه المعارف هو الذهن. الخامس عشر : الفكر وهو انتقال الروح من التصديقات الحاضرة إلى التصديقات المستحضرة قال بعض المحققين إن الفكر يجري مجرى التضرع إلى الله تعالى في استنزال العلوم من عنده. السادس عشر : الحدس ولا / شك أن الفكر لا يتم عمله إلا بوجدان شيء يتوسط بين طرفي المجهول لتصير النسبة المجهولة معلومة فإن النفس حال كونها جاهلة كأنها واقفة في ظلمة ولا بدّ لها من قائد يقودها وسائق يسوقها وذلك هو المتوسط بين الطرفين وله إلى كل واحد منهما نسبة خاصة فيتولد من نسبته إليهما مقدمتان فكل مجهول لا يحصل العلم به إلا بواسطة مقدمتين معلومتين والمقدمتان هما كالشاهدين فكم أنه لا بدّ في الشرع من شاهدين فكذا لا بدّ في العقل من شاهدين وهما المقدمتان اللتان تنتجان المطلوب فاستعداد النفس لوجدان ذلك المتوسط هو الحدس. السابع عشر : الذكاء وهو شدة الحدس وكماله وبلوغه الغاية القصوى وذلك لأن الذكاء هو المضاء في الأمر وسرعة القطع بالحق وأصله من ذكت النار وذكت الريح وشاة مذكاة أي مدرك ذبحها بحدة السكين. الثامن عشر : الفطنة وهي عبارة عن التنبه لشيء قصد تعريضه ولذلك فإنه يستعمل في الأكثر في استنباط الأحاجي والرموز. التاسع عشر : الخاطر وهو حركة النفس نحو تحصيل الدليل وفي الحقيقة ذلك المعلوم هو الخاطر بالبال والحاضر في النفس ولذلك يقال : هذا خطر ببالي إلا أن النفس لما كانت محلاً لذلك المعنى الخاطر جعلت خاطراً إطلاقاً لاسم الحال على المحل. العشرون : الوهم وهو الاعتقاد المرجوح وقد يقال إنه عبارة عن الحكم بأمور جزئية غير محسوسية لأشخاص جزئية جسمانية كحكم السخلة بصداقة الأم وعداوة المؤذي. الحادي والعشرون : الظن وهو الاعتقاد الراجح ولما كان قبول الاعتقاد للقوة والضعف غير مضبوط فكذا مراتب الظن غير مضبوطة فلهذا قيل أنه عبارة عن ترجيح أحد طرفي المعتقد في القلب على الآخر مع تجويز الطرف الآخر ثم إن الظن المتناهي في القوة قد يطلق عليه اسم العلم فلا جرم قد يطلق أيضاً على العلم اسم الظن كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
(1/348)

{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـاقُوا رَبِّهِمْ} (البقرة : 46) قالوا : إنما أطلق لفظ الظن على العلم ههنا لوجهين : أحدهما : التنبيه على أن علم أكثر الناس في الدنيا بالإضافة إلى علمه في الآخرة كالظن في جنب العلم. والثاني : أن العلم الحقيقي في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى : {الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا } (الحجرات : 15) واعلم أن الظن إن كان عن أمارة قوية قبل ومدح وعليه مدار أكثر أحوال هذا العلم. وإن كان عن أمارة ضعيفة ذم كقوله تعالى : {وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْـاًا} (النجم : 28) وقوله : {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } (الحجرات : 12) الثاني والعشرون : الخيال. وهو عبارة من الصورة الباقية عن المحسوس بعد غيبته. ومنه الطيف الوارد من صورة المحبوب خيالاً والخيال قد يقال لتلك الصورة في المنام وفي اليقظة ، والطيف لا يقال إلا فيما كان في حال النوم. الثالث والعشرون : البديهة وهي المعرفة الحاصلة ابتداء في النفس لا بسبب الفكر كعلمك بأن الواحد نصف الاثنين. الرابع والعشرون : الأوليات وهي البديهيات بعينها والسبب في هذه التسمية أن الذهن يلحق محمول القضية بموضوعها أولاً لا بتوسط شيء آخر فأما الذي يكون بتوسط شيء آخر. فذاك المتوسط هو المحمول أولاً / الخامس والعشرون : الروية ، وهي ما كان من المعرفة بعد فكر كثير ، وهي من روى ، السادس والعشرون : الكياسة. وهي تمكن النفس من استنباط ما هو أنفع. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت". من حيث إنه لا خير يصل إليه الإنسان أفضل مما بعد الموت. السابع والعشرون : الخبرة ، وهي معرفة يتوصل إليها بطريق التجربة ، يقال خبرته قال أبو الدرداء : وجدت الناس أخبر تقله. وقيل هو من قولهم : ناقة خبرة. أي غزيرة اللبن ، فكان الخبر هو غزارة المعرفة. ويجوز أن يكون قولهم ناقة خبرة : هي المخبر عنها بغزارتها. الثامن والعشرون : الرأي ، وهو إحاطة الخاطر في المقدمات التي يرجى منها إنتاج المطلوب ، وقد يقال للقضية المستنتجة من الرأي رأي ، والرأي للفكر كالآلة للصانع ، ولهذا قيل : إياك والرأي الفطير ، وقيل : دع الرأي تصب. التاسع والعشرون : الفراسة وهي الاستدلال بالحق الظاهر على الخلق الباطن ، وقد نبه الله تعالى على صدق هذا الطريق بقوله تعالى : {إِنَّ فِى ذَالِكَ لايَـاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} (الحجر : 75) وقوله تعالى : {تَعْرِفُهُم بِسِيمَـاهُمْ} (البقرة : 273) وقوله تعالى : {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ } (محمد : 30) واشتقاقها من قولهم : فرس السبع الشاة ، فكأن الفراسة اختلاس المعارف ، وذلك ضربان : ضرب يحصل للإنسان عن خاطره ولا يعرف له سبب ، وذلك ضرب من الإلهام بل ضرب من الوحي ، وإياه عنى النبي صلى الله عليه وسلّم بقوله : "إن في أمتي لمحدثين وإن عمر لمنهم" ويسمى ذلك أيضاً النفث في الروع ، والضرب الثاني من الفراسة ما يكون بصناعة متعلمة وهي الاستدلال بالأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة وقال أهل المعرفة في قوله تعالى : {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّه وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} (هود : 17) إن البينة هو القسم الأول وهو إشارة إلى صفاء جوهر الروح والشاهد هو القسم الثاني وهو الاستدلال بالأشكال على الأحوال.
المسألة التاسعة : قوله تعالى : {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاسْمَآءَ كُلَّهَا} وقوله : {لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآ } وقوله : {الرَّحْمَـانُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ} لا يقتضي وصف الله تعالى بأنه معلم لأنه حصل في هذه اللفظة تعارف على وجه لا يجوز إطلاقه عليه وهو من يحترف بالتعليم والتلقين وكما لا يقال للمدرس معلم مطلقاً حتى لو أوصى للمتعلمين لا يدخل فيه المدرس فكذا لا يقال لله إنه معلم إلا مع التقييد ولولا هذا التعارف لحسن إطلاقه عليه بل كان يجب أن لا يستعمل إلا فيه تعالى لأن المعلم هو الذي يحصل العلم في غيره ولا قدرة على ذلك لأحد إلا الله تعالى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 396
424
(1/349)

اعلم أن الذين اعتقدوا أن الملائكة أتوا بالمعصية في قولهم : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} قالوا : إنهم لما عرفوا خطأهم في هذا السؤال رجعوا وتابوا واعتذروا عن خطئهم بقولهم : {سُبْحَـانَكَ لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآ } والذين أنكروا معصيتهم ذكروا في ذلك وجهين : الأول : أنهم إنما قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز والتسليم بأنهم لا يعلمون ما سئلوا عنه وذلك لأنهم قالوا إنا لا نعلم إلا ما علمتنا فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه ، الثاني : أن الملائكة إنما قالوا : {أَتَجْعَلُ فِيهَا} لأن الله تعالى أعلمهم ذلك فكأنهم قالوا إنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فقلنا لك أتجعل فيها من يفسد فيها وأما هذه الأسماء فإنك ما أعلمتنا كيفيتها فكيف نعلمها. وههنا مسائل :
المسألة الأولى : احتج أصحابنا بقوله تعالى : {لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآ } على أن المعارف مخلوقة لله تعالى وقالت المعتزلة المراد أنه لا علم لنا إلا من جهته إما بالتعليم وإما بنصب الدلالة والجواب أن التعليم عبارة عن تحصيل العلم في الغير كالتسويد فإنه عبارة عن تحصيل السواد في الغير لا يقال التعليم عبارة عن إفادة الأمر الذي يترتب عليه العلم لو حصل الشرط وانتفى المانع ولذلك يقال علمته فما تعلم والأمر الذي يترتب عليه العلم هو وضع الدليل والله تعالى قد فعل ذلك لأنا نقول المؤثر في وجود العلم ليس هو ذات الدليل بل النظر في الدليل وذلك النظر فعل العبد فلم يكن حصول ذلك العلم بتعليم الله تعالى وأنه يناقص قوله : {لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآ } .
المسألة الثانية : احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله تعالى وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة والعرافة ونظيره قوله تعالى : {وَعِندَه مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَآ إِلا هُوَ } (الأنعام : 59) وقوله : {عَـالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِه أَحَدًا * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} (الجن : 26 ، 27) وللمنجم أن يقول للمعتزلي إذا فسرت التعليم بوضع الدلائل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها الله تعالى على أحوال هذا العالم فإذا استدللت بها على هذه كان ذلك أيضاً بتعليم الله تعالى ، ويمكن أن يقال أيضاً إن الملائكة لما عجزوا عن معرفة الغيب فلأن يعجز عنه أحدنا كان أولى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 424
المسألة الثالثة : العليم من صفات المبالغة التامة في العلم ، والمبالغة التامة لا تتحقق إلا عند الإحاطة بكل المعلومات ، وما ذاك إلا هو سبحانه وتعالى ، فلا جرم ليس العليم المطلق إلا هو ، فلذلك قال إنك أنت العليم الحكيم} على سبيل الحصر.
/ المسألة الرابعة : الحكيم يستعمل على وجهين : أحدهما : بمعنى العليم فيكون ذلك من صفات الذات ، وعلى هذا التفسير نقول : إنه تعالى حكيم في الأزل. الآخر : أنه الذي يكون فاعلاً لما لا عتراض لأحد عليه. فيكون ذلك من صفات الفعل ، فلا نقول إنه حكيم في الأزل والأقرب ههنا أن يكون المراد هو المعنى الثاني وإلا لزم التكرار ، فكأن الملائكة قالت : أنت العالم بكل المعلومات فأمكنك تعليم آدم ، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه. وعن ابن عباس : أن مراد الملائكة من الحكيم ، أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة في الأرض.
المسألة الخامسة : أن الله تعالى لما أمر آدم عليه السلام بأن يخبرهم عن أسماء الأشياء وهو عليه الصلاة والسلام أخبرهم بها فلما أخبرهم بها قال سبحانه وتعالى لهم عند ذلك : على سبيل الحصر.
/ المسألة الرابعة : الحكيم يستعمل على وجهين : أحدهما : بمعنى العليم فيكون ذلك من صفات الذات ، وعلى هذا التفسير نقول : إنه تعالى حكيم في الأزل. الآخر : أنه الذي يكون فاعلاً لما لا عتراض لأحد عليه. فيكون ذلك من صفات الفعل ، فلا نقول إنه حكيم في الأزل والأقرب ههنا أن يكون المراد هو المعنى الثاني وإلا لزم التكرار ، فكأن الملائكة قالت : أنت العالم بكل المعلومات فأمكنك تعليم آدم ، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه. وعن ابن عباس : أن مراد الملائكة من الحكيم ، أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة في الأرض.
جزء : 3 رقم الصفحة : 424
(1/350)

المسألة الخامسة : أن الله تعالى لما أمر آدم عليه السلام بأن يخبرهم عن أسماء الأشياء وهو عليه الصلاة والسلام أخبرهم بها فلما أخبرهم بها قال سبحانه وتعالى لهم عند ذلك : {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ} والمراد من هذا الغيب أنه تعالى كان عالماً بأحوال آدم عليه السلام قبل أن يخلقه وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها ، وذلك يدل على بطلان مذهب هشام بن الحكم في أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها ، فإن قيل الإيمان هو العلم ، فقوله تعالى : {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} يدل على أن العبد يعلم الغيب فكيف قال ههنا : {إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ} والأشعار بأن علم الغيب ليس إلا لي وأن كل من سواي فهم خالون عن علم الغيب وجوابه ما تقدم في قوله : {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} أما قوله : {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} ففيه وجوه : أحدها : ما روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أن قوله : {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} أراد به قولهم : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} وقوله : {وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} أراد به ما أسر إبليس في نفسه من الكبر وأن لا يسجد : وثانيها : {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} من الأمور الغائبة والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه لا مصلحة فيها ولكني لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أن المصلحة في خلقها. وثالثها : أنه تعالى لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً فقالوا ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه فهذا الذي كتموا ويجوز أن يكون هذا القول سراً أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. ورابعها : وهو قول الحكماء أن الأقسام خمسة لأن الشيء إما أن يكون خيراً محضاً أو شراً محضاً أو ممتزجاً وعلى تقدير الامتزاج فأما أن يعتدل الأمر أن أو يكون الخير غالباً أو يكون الشر غالباً أما الخير المحض فالحكمة تقتضي إيجاده وأما الذي يكون فيه الخير غالباً فالحكمة تقتضي إيجاده لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فالملائكة ذكروا الفساد والقتل وهو شر قليل بالنسبة إلى ما يحصل منهم من الخيرات فقوله : {إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ} فأعرف أن خيرهم غالب على هذه الشرور فاقتضت الحكمة إيجادهم وتكوينهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 424
(1/351)

المسألة السادسة : اعلم أن في هذه الآية خوفاً عظيماً وفرحاً عظيماً أما الخوف فلأنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال الضمائر فيجب أن يجتهد المرء في تصفية باطنه وأن لا يكون / بحيث يترك المعصية لاطلاع الخلائق عليها ولا يتركها عند اطلاع الخالق عليها والأخبار مؤكدة لذلك. أحدها : روى عدي بن حاتم أنه عليه الصلاة والسلام قال : "يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون عنها بحسرة ما رجع أحد بمثلها ويقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا : فنودوا ذاك أردت لكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم بالمحبة مخبتين تراءون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني أجللتم الناس ولم تجلوني تركتم المعاصي للناس ولم تتركوها لأجلي كنت أهون الناظرين عليكم فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع حرمتكم من النعيم "وثانيها : قال سليمان بن علي لحميد الطويل : عظني فقال إن كنت إذا عصيت الله خالياً ظننت أنه يراك فلقد اجترأت على أمر عظيم ، وإن كنت ظننت أنه لا يراك فلقد كفرت. وثالثها : قال حاتم الأصم : طهر نفسك في ثلاثة أحوال : إذا كنت عاملاً بالجوارح فاذكر نظر الله إليك. وإذا كنت قائلاً فاذكر سمع الله إليك ، وإذا كنت ساكتاً عاملاً بالضمير فاذكر علم الله بك إذ هو يقول : {إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى } (طه : 46). ورابعها : اعلم أنه لا اطلاع لأحد على أسرار حكمة الله تعالى ، فالملائكة وقع نظرهم على الفساد والقتل فاستحقروا البشر. ووقع نظرهم على طاعة إبليس فاستعظموه ، أما علام الغيوب فإنه كان عالماً بأنهم وإن أتوا بالفساد والقتل لكنهم سيأتون بعده بقولهم : {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} (الأعراف : 23) وأن إبليس وإن أتى بالطاعات لكنه سيأتي بعدها بقوله : {أَنَا خَيْرٌ مِّنْه } ، ومن شأن العقل أن لا يعتمد على ما يراه وأن يكون أبداً في الخوف والوجل ، فقوله تعالى : {إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَـاوَاتِ} معناه أن الذي أعرف الظاهر والباطن والواقع والمتوقع وأعلم أنه ما ترونه عابداً مطيعاً سيكفر ويبعد عن حضرتي ، ومن ترونه فاسقاً بعيداً سيقرب من خدمتي ، فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الجهل ولا يتيسر لهم أن يخرقوا أستار العجز فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه. ثم إنه سبحانه حقق من علم الغيب وعجز الملائكة أن أظهر من البشر كمال العبودية ومن أشد ساكني السموات عبادة كمال الكفر لئلا يغتر أحد بعمله ويفوضوا معرفة الأشياء إلى حكمة الخالق ويزيلوا الاعتراض بالقلب واللسان عن مصنوعاته ومبدعاته.
جزء : 3 رقم الصفحة : 424
427
/ اعلم أن هذا هو النعمة الرابعة من النعم العامة على جميع البشر وهو أنه سبحانه وتعالى جعل أبانا مسجود الملائكة وذلك لأنه تعالى ذكر تخصيص آدم بالخلافة أولاً ثم تخصيصه بالعلم الكثير ثانياً ثم بلوغه في العلم إلى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم وذكر الآن كونه مسجوداً للملائكة ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله تعالى خلقة آدم عليه السلام بدليل قوله : {إِنِّى خَـالِقُا بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُه وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا لَه سَـاجِدِينَ} (ص : 71 ، 72) وظاهر هذه الآية يدل على أنه عليه السلام لما صار حياً صار مسجود الملائكة لأن الفاء في قوله : {فَقَعُوا } للتعقيب وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد أن صار مسجود الملائكة.
(1/352)

المسألة الثانية : أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة لأن سجود العبادة لغير الله كفر والأمر لا يرد بالكفر ثم اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال : الأول : أن ذلك السجود كان لله تعالى وآدم عليه السلام كان كالقبلة ومن الناس من طعن في هذا القول من وجهين : الأول : أنه لا يقال صليت للقبلة بل يقال صليت إلى القبلة فلو كان آدم عليه السلام قبلة لذلك السجود لوجب أن يقال اسجدوا إلى آدم فلما لم يرد الأمر هكذا بل قيل اسجدوا لآدم علمنا أن آدم عليه السلام لم يكن قبلة. الثاني : أن إبليس قال أرأيتك هذا الذي كرمت على أي أن كونه مسجوداً يدل على أنه أعظم حالاً من الساجد ولو كان قبلة لما حصلت هذه الدرجة بدليل أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان يصلي إلى الكعبة ولم يلزم أن تكون الكعبة أفضل من محمد صلى الله عليه وسلّم. والجواب عن الأول أنه كما لا يجوز أن يقال صليت إلى القبلة جاز أن يقال صليت للقبلة والدليل عليه القرآن والشعر ، أما القرآن فقوله تعالى : {أَقِمِ الصَّلَواةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (الإسراء : 78) والصلاة لله لا للدلوك. فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال صليت للقبلة مع أن الصلاة تكون لله تعالى لا للقبلة ، وأما الشعر فقول حسان :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
فما كنت أعرف أن الأمر منصرف
عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
أليس أول من صلى لقبلتكم
وأعرف الناس بالقرآن والسنن
فقوله صلى لقبلتكم نص على المقصود. والجواب عن الثاني أن إبليس شكا تكريمه وذلك التكريم لا نسلم أنه حصل بمجرد تلك المسجودية بل لعله حصل بذلك مع أمور أخر فهذا ما في القول الأول أما القول الثاني فهو أن السجدة كانت لآدم عليه السلام تعظيماً له وتحية له كالسلام منهم عليه ، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك كما يحيي المسلمون بعضهم بعضاً بالسلام وقال قتادة في قوله : {وَخَرُّوا لَه سُجَّدًا } (يوسف : 100) كانت تحية الناس يومئذٍ سجود بعضهم لبعض. وعن صهيب أن معاذاً لما قدم من اليمن سجد للنبي صلى الله عليه وسلّم فقال : يا معاذ ما هذا قال : إن اليهود تسجد لعظمائها / وعلمائها ورأيت النصارى تسجد لقسسها وبطارقتها قلت : ما هذا قالوا : تحية الأنبياء فقال عليه السلام كذبوا على أنبيائهم وعن الثوري عن سماك بن هاني قال : دخل الجاثليق على علي بن أبي طالب فأراد أن يسجد له فقال له عليّ اسجد لله ولا تسجد لي. وقال عليه الصلاة والسلام لو أمرت أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها. القول الثالث : أن السجود في أصل اللغة هو الانقياد والخضوع قال الشاعر :
(ترى الأكم فيها سجداً للحوافر)
أي تلك الجبال الصغار كانت مذللة لحوافر الخيل ومنه قوله تعالى : {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} (الرحمن : 6) واعلم أن القول الأول ضعيف لأن المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم عليه السلام ، وجعله مجرد القبلة لا يفيد تعظيم حاله وأما القول الثالث فضعيف أيضاً لأن السجود لا شك أنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك لأن الأصل عدم التغيير فإن قيل السجود عبادة والعبادة لغير الله لا تجوز قلنا لا نسلم أنه عبادة ، بيانه أن الفعل قد يصير بالمواضعة مفيداً كالقول يبين ذلك أن قيام أحدنا للغير يفيد من الأعظام ما يفيده القول وما ذاك إلا للعبادة وإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الإنسان على الأرض وإلصاقه الجبين بها مفيداً ضرباً من التعظيم وإن لم يكن ذلك عبادة وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يتعبد الله الملائكة بذلك إظهاراً لرفعته وكرامته.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/353)

المسألة الثالثة : اختلفوا في أن إبليس هل كان من الملائكة ؟
قال بعض المتكلمين : ولا سيما المعتزلة إنه لم يكن منهم وقال كثير من الفقهاء إنه كان منهم واحتج الأولون بوجوه : أحدها : أنه كان من الجن فوجب أن لا يكون من الملائكة وإنما قلنا إنه كان من الجن لقوله تعالى في سورة الكهف : {إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} (الكهف : 50) واعلم أن من الناس من ظن أنه لما ثبت أنه كان من الجن وجب أن لا يكون من الملائكة لأن الجن جنس مخالف للملك وهذا ضعيف لأن الجن مأخوذ من الاجتنان وهو الستر ولهذا سمي الجنين جنيناً لاجتنابه ومنه الجنة لكونها ساترة والجنة لكونها مستترة بالأغصان ومنه الجنون لاستتار العقل فيه ، ولما ثبت هذا والملائكة مستورون عن العيون وجب إطلاق لفظ الجن عليهم بحسب اللغة فثبت أن هذا القدر لا يفيد المقصود فنقول لما ثبت أن إبليس كان من الجن وجب أن لا يكون من الملائكة لقوله تعالى : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَـانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ } (سبأ : 40 ، 41) وهذه الآية صريحة في الفرق بين الجن والملك. فإن قيل لا نسلم أنه كان من الجن أما قوله تعالى : {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} فلم لا يجوز أن يكون المراد كان من الجنة على ما روى عن ابن مسعود أنه قال كان من الجن أي كان خازن الجنة سلمنا ذلك لكن لا يجوز أن يكون قوله : {مِّن الْجِنِّ} أي صار من الجن كما أن قوله وكان من الكافرين أي صار من الكافرين سلمنا أن ما ذكرت / يدل على أنه من الجن فلم قلت أن كونه من الجن ينافي كونه من الملائكة وما ذكرتم من الآية معارض بآية أخرى وهي قوله تعالى : {وَجَعَلُوا بَيْنَه وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا } (الصافات : 158) وذلك لأن قريشاً قالت : الملائكة بنات الله فهذه الآية تدل على أن الملك يسمى جناً ؟
والجواب : لا يجوز أن يكون المراد من قوله : {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} أنه كان خازن الجنة لأن قوله : {إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} يشعر بتعليل تركه للسجود لكونه جنياً ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازناً للجنة فيبطل ذلك قوله
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
{كَانَ مِنَ الْجِنِّ} أي صار من الجن. قلنا هذا خلاف الظاهر فلا يصار إلا عند الضرورة وأما قوله تعالى : {وَجَعَلُوا بَيْنَه وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا } قلنا يحتمل أن بعض الكفار أثبت ذلك النسب في الجن كما أثبته في الملائكة وأيضاً فقد بينا أن الملك يسمى جناً بحسب أصل اللغة لكن لفظ الجن بحسب العرف اختص بغيرهم كما أن لفظ الدابة وإن كان بحسب اللغة الأصلية يتناول كل ما يدب لكنه بحسب العرف اختص ببعض ما يدب فتحمل هذه الآية على اللغة الأصلية ، والآية التي ذكرناها على العرف الحادث. وثانيها : أن إبليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم ، إنما قلنا إن إبليس له ذرية لقوله تعالى في صفته : {أَفَتَتَّخِذُونَه وَذُرِّيَّتَه ا أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى} (الكهف : 50) وهذا صريح في إثبات الذرية له ، وإنما قلنا إن الملائكة لا ذرية لهم لأن الذرية إنما تحصل من الذكر والأنثى والملائكة لا أنثى فيهم لقوله تعالى : {وَجَعَلُوا الملائكة الَّذِينَ هُمْ عِبَـادُ الرَّحْمَـن ِ إِنَـاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُم سَتُكْتَبُ شَهَـادَتُهُمْ} (الزخرف : 19) أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة فإذا انتفت الأنوثة انتفى التوالد لا محالة فانتفت الذرية ، وثالثها : أن الملائكة معصومون على ما تقدم بيانه وإبليس لم يكن كذلك فوجب أن لا يكون من الملائكة ورابعها : أن إبليس مخلوق من النار والملائكة ليسوا كذلك إنما قلنا إن إبليس مخلوق من النار لقوله تعالى حكاية عن إبليس {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} وأيضاً فلأنه كان من الجن لقوله تعالى : {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} والجن مخلوقون من النار لقوله تعالى : {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَـاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} (الحجر : 27) وقال : {خَلَقَ الانسَـانَ مِن صَلْصَـالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} (الرحمن : 14 ، 15) وأما أن الملائكة ليسوا مخلوقين من النار بل من النور ، فلما روي الزهري عن عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال : خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار ، ولأن من المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون ، وقيل إنما سموا بذلك ، لأنهم خلقوا من الريح أو الروح. وخامسها : أن الملائكة رسل لقوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/354)

{جَاعِلِ الْمَلَِئكَةِ رُسُلا} (فاطر : 1) ورسل الله معصومون ، لقوله تعالى : {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه } (الأنعام : 124) فلما لم يكن إبليس كذلك وجب أن لا يكون من الملائكة واحتج القائلون بكونه من الملائكة بأمرين : الأول : أن الله تعالى استثناه من الملائكة والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل أو لصح دخوله ، وذلك يوجب كونه من الملائكة لا يقال. الاستثناء المنقطع مشهور في كلام العرب ، قال تعالى : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لابِيهِ وَقَوْمِه إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلا الَّذِى فَطَرَنِى} (الزخرف : 26 ، 27) وقال تعالى : {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلا قِيلا سَلَـامًا سَلَـامًا} (الواقعة : 25 ، 26) وقال تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَـاًا } (النساء : 92) وأيضاً فلأنه كان جنياً واحداً بين الألوف من الملائكة ، فغلبوا عليه في قوله : {فَسَجَدُوا } ثم استثبنى هو مهم استثناء واحد منهم ، لأنا نقول : كل واحد من هذين الوجهين على خلاف الأصل ، فذلك إنما يصار إليه عند الضرورة ، والدلائل التي ذكرتموها في نفي كونه من الملائكة ، ليس فيها إلا الاعتماد على العمومات ، فلو جعلناه من الملائكة لزم تخصيص ما عولتم عليه من العمومات ، ولو قلنا إنه ليس من الملائكة ، لزمنا حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع ومعلوم أن تخصيص العمومات أكثر في كتاب الله تعالى من حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع فكان قولنا أولى. وأيضاً فالاستثناء مشتق من الثني والصرف ومعنى الصرف إنما يتحقق حيث لولا الصرف لدخل والشيء لا يدخل في غير جنسه فيمتنع تحقق معنى الاستثناء فيه ، وأما قوله : إنه جني واحد بين الملائكة فنقول : إنما يجوز إجراء حكم الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه وأما إذا كان معظم الحديث لا يكون إلا عن ذلك الواحد لم يجز إجراء حكم غيره عليه الحجة الثانية : قالوا لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان قوله : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ اسْجُدُوا لادَمَ} متناولاً له ، ولو لم يكن متناولاً له لاستحال أن يكون تركه للسجود إباء واستكباراً ومعصية ولما استحق الذم والعقاب ، وحيث حصلت هذه الأمور علمنا أن ذلك الخطاب يتناوله ولا يتناوله ذلك الخطاب إلا إذا كان من الملائكة ، لا يقال إنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه نشأ معهم وطالت مخالطته بهم والتصق بهم ، فلا جرم يتناوله ذلك الخطاب وأيضاً فلم لا يجوز أن يقال : إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر ، ولكن الله تعالى أمره بالسجود بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
{مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } لأنا نقول : أما الأول فجوابه أن الخطابة لا توجب ما ذكوتموه ، ولهذا قلنا في أصول الفقه إن خطاب الذكور لا يتناول الإِناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين ، وأيضاً فشدة المخالطة بين الملائكة وبين إبليس لما لم تمنع اقتصار اللعن على إبليس فكيف تمنع اقتصار ذلك التكليف على الملائكة ، وأما الثاني فجوابه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فلما ذكر قوله أبى واستكبر عقيب قوله : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ اسْجُدُوا لادَمَ} أشعر هذا التعقيب بأن هذا الإباء إنما حصل بسبب مخالفة هذا الأمر لا بسبب مخالفة أمر آخر فهذا ما عندي في الجانبين والله أعلم بحقائق الأمور.
(1/355)

المسألة الرابعة : أعلم أن جماعة من أصحابنا يحتجون بأمر الله تعالى للملائكة بسجود آدم عليه السلام على أن آدم أفضل من الملائكة فرأينا أن نذكر ههنا هذه المسألة فنقول : قال أكثر أهل السنّة : الأنبياء أفضل من الملائكة وقالت المعتزلة بل الملائكة أفضل من الأنبياء وهو قول جمهور الشيعة ، وهذا القول اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني من المتكلمين منا وأبي عبد الله الحليمي من / فقهائنا ونحن نذكر محصل الكلام من الجانبين : أما القائلون بأن الملائكة أفضل من البشر فقد احتجوا بأمور : أحدها : قوله تعالى : {وَمَنْ عِندَه لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه } (الأنبياء : 19) إلى قوله : {يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} والاستدلال بهذه الآية من وجهين : الأول : أنه ليس المراد من هذه العندية عندية المكان والجهة فإن ذلك محال على الله تعالى بل عندية القرب والشرف ولما كانت هذه الآية واردة في صفة الملائكة علمنا أن هذا النوع من القربة والشرف حاصل لهم لا لغيرهم ولقائل أن يقول : إنه تعالى أثبت هذه العندية في الآخرة لآحاد المؤمنين وهو قوله : {فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر } (القمر : 55) وأما في الدنيا فقال عليه الصلاة والسلام حاكياً عنه سبحانه : "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" وهذا أكثر إشعاراً بالتعظيم لأن هذا الحديث يدل على أنه سبحانه عند هؤلاء المنكسرة قلوبهم وما احتجوا به من الآية يدل على أن الملائكة عند الله تعالى ، ولا شك أن كون الله تعالى عند العبد أدخل في التعظيم ، من كون العبد عند الله تعالى. الوجه الثاني : في الاستدلال بالآية ، أن الله تعالى احتج بعد استكبارهم على أن غيرهم وجب أن لا يستكبروا ولو كان البشر أفضل منهم لما تم هذا الاحتجاج ، فإن السلطان إذا أراد أن يقرر على رعيته وجوب طاعتهم له بقول : الملوك لا يستكبرون عن طاعتي ، فمن هؤلاء المساكين حتى يتمردوا عن طاعتي أو بالجملة فمعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا بالأقوى على الأضعف. ولقائل أن يقول : لا نزاع في أن الملائكة أشد قوة وقدرة من البشر ، ويكفي في صحة الاستدلال هذا القدر من التفاوت ، فإنه تعالى يقول : إن الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض وطول أعمارهم ، لا يتركون العبودية لحظة واحدة ، والبشر مع نهاية ضعفهم ووقوعهم في أسرع الأحوال في المرض والهرم وأنواع الآفات ، أولى أن لا يتمردوا فهذا القدر من التفاوت كافٍ في صحة هذا الاستدلال ، ولا نزاع في حصول التفاوت في هذه المعنى ، إنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب ، فلم قلتم إن هذا الاستدلال لا يصح إلا إذا كان الملك أكثر ثواباً من البشر ، ولا بدّ فيه من دليل ؟
مع أن المتبادر إلى الفهم هو الذي ذكرناه. وثانيها : أنهم قالوا : عبادات الملائكة أشق من عبادات البشر ، فتكون أكثر ثواباً من عبادات البشر ، وإنما قلنا إنها أشق لوجوه : أحدها : أن ميلهم إلى التمرد أشد فتكون طاعتهم أشق ، وإنما قلنا : إن ميلهم إلى التمرد أشد ، لأن العبد السليم من الآفات ، المستغنى عن طلب الحاجات ، يكون أميل إلى النعم والالتذاذ من المغمور في الحاجات ، فإنه يكون كالمضطرب في الرجوع إلى عبادة مولاه والالتجاء إليه ، ولهذا قال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/356)

{فَإِذَا رَكِبُوا فِى الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّـاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت : 65) ومعلوم أن الملائكة سكان السموات وهي جنات وبساتين ومواضع التنزه والراحة وهم آمنون من المرض والفقر ثم إنهم مع استكمال أسباب التنعم لهم أبداً مذ خلقوا مشتغلون بالعبادة خاشعون وجلون مشفقون كأنهم مسجونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنان / واللذات بل هم مقبلون على الطاعات الشاقة موصوفون بالخوف الشديد والفزع العظيم وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المتطاولة ويؤكده قصة آدم عليه السلام ، فإنه أطلق له في جميع مواضع الجنة بقوله : {وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} (البقرة : 35) ثم منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه حتى وقع في الشر ، وذلك يدل على أن طاعتهم أشق من طاعات البشر ، وثانيها : أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من بستان إلى بستان ، أما الإِقامة على نوع واحد فإنها تورث المشقة والملالة ولهذا السبب جعلت التصانيف مقسومة بالأبواب والفصول ، وجعل كتاب الله مقسوماً بالسور والأحزاب والأعشار والأخماس ، ثم إن الملائكة كل واحد منهم مواظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره على ما قال سبحانه : {يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} (الأنبياء : 02) وقال : {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} (الصافات : 165 ، 166) وإذا كان كذلك كانت عبادتهم في نهاية المشقة ، إذ ثبت ذلك وجب أن تكون عباداتهم أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام : "أفضل الأعمال أحمزها" أي أشقها ، وقوله لعائشة رضي الله عنها : "إنما أجرك على قدر نصبك" والقياس أيضاً يقتضي ذلك ، فإن العبد كلما كان تحمله المشاق لأجل رضا مولاه أكثر كان أحق بالتعظيم والتقديم. ولقائل أن يقول على الوجهين : هب أن مشقتهم أكثر فلم قلتم يجب أن يكون ثوابهم أكثر ؟
وذلك لأنا نرى بعض الصوفية في زماننا هذا يتحملون في طريق المجاهدة من المشاق والمتاعب ما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلّم ما كان يتحمل بعض ذلك ثم إنا نقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلّم أفضل منه ومن أمثاله ، بل يحكى عن عباد الهند وزهادهم ورهبانهم أنهم يتحملون من المتاعب في التواضع لله تعالى ما لم يحك مثله عن أحد من الأنبياء والأولياء مع أنا نقطع بكفرهم ، فعلمنا أن كثرة المشقة في العبادة لا تقتضي زيادة الثواب. وتحقيقه هو أن كثرة الثواب لا تحصل إلا بناءً على الدواعي والقصود ، فلعل الفعل الواحد يأتي به مكلفان على السواء فيما يتعلق بالأفعال الظاهرة ويستحق أحدهما به ثواباً عظيماً والآخر لا يستحق به إلا ثواباً قليلاً ، لما أن إخلاص أحدهما أشد وأكثر من إخلاص الثاني ، فإن كثرة العبادات ومشقتها لا تقتضي التفاوت في الفضل ثم نقول : لا نسلم أن عبادات الملائكة أشق. أما قوله في الوجه الأول : السموات كالبساتين النزهة قلنا مسلم ولكن لم قلتم بأن الإِتيان بالعبادة في المواضع الطيبة أشق من الإِتيان بها في المواضع الرديئة ؟
أكثر ما في الباب أن يقال : إنه قد يهيأ له أسباب التنعيم فامتناعه عنها مع تهيئتها له أشق ، ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء مجتمعة على البشر ثم إنهم مع اجتماعها عليهم يرضون بقضاء الله ولا تغيرهم تلك المحن والآفات عن الخشوع له والمواظبة على عبوديته ، وذلك أدخل في العبودية وذلك أن الخدم والعبيد تطيب قلوبهم بالخدمة حال ما يجدون من النعم والرفاهية ولا يصبر أحد منهم حال المشقة على الخدمة إلا من كان في نهاية الإخلاص فما ذكروه بالعكس أولى ، أما قوله : والمواظبة على نوع واحد من العبادة شاق ، قلنا : هذا معارض بوجه آخر / وهو أنهم لما اعتادوا نوعاً واحداً من العبادة صاروا كالمجبورين على الشيء الذي لا يقدرون على خلافه على ما قيل : العادة طبيعة خامسة ، فيكون ذلك النوع في نهاية السهولة عليهم ، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى عن الوصال في الصوم وقال : "أفضل الصوم صوم داود عليه السلام" وهو أن يصوم يوماً ويفطر يوماً. وثالثها : قالوا : عبادات الملائكة أدوم فكانت أفضل بيان أنها أدوم قوله سبحانه وتعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/357)

{يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} (الأنبياء : 02) وعلى هذا لو كانت أعمارهم مساوية لأعمار البشر لكانت طاعاتهم أدوم أكثر فكيف ولا نسبة لعمر كل البشر إلى عمر الملائكة على ما تقدم بيانه في باب صفات الملائكة وعلى هذه الآية سؤال : روي في "شعب الإِيمان" عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال : قلت لكعب أرأيت قول الله تعالى : {يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} ثم قال : {جَاعِلِ الْمَلَكَةِ رُسُلا} (فاطر : 1) أفلا تكون الرسالة معانعة لهم عن هذا التسبيح ؟
وأيضاً قال : {أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والملائكة وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (البقرة : 161) فكيف يكونون مشتغلين باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح ؟
أجاب كعب الأحبار فقال : التسبيح لهم كالتنفس لنا فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا من الكلام فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال. وأقول : لقائل أن يقول الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام لأن آلة التنفس غير آلة الكلام أما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام فاجتماعهما في الآية الواحدة محال. والجواب الأول : استبعاد في أن يخلق الله تعالى لهم ألسنة كثيرة يسبحون الله تعالى ببعضها ويلعنون أعداء الله تعالى بالبعض الآخر. والجواب الثاني : اللعن هو الطرد والتبعيد ، والتسبيح هو الخوض في ثناء الله تعالى ولا شك أن ثناء الله يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي فكان ذلك اللعن من لوازمه. والجواب الثالث : قوله : {لا يَفْتُرُونَ} معناه أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال إن فلاناً مواظب على الجماعات لا يفتر عنها لا يراد به أنه أبداً مشتغل بل بل يراد به أنه مواظب على العزم أبداً على أدائها في أوقاتها وإذا ثبت أن عباداتهم أدوم وجب أن تكون أفضل. أما أولاً فلأن الأدوم أشق فيكون أفضل على ما سبق تقريره في الحجة الثانية. وأما ثانياً : فلقوله عليه السلام : "أفضل العباد من طال عمره وحسن عمله" والملائكة صلوات الله عليهم أطول أعماراً وأحسنهم أعمالاً فوجب أن يكونوا أفضل العباد ولأنه عليه السلام قال : "الشيخ في قومه كالنبي في أمته" وهذا يقتضي أن يكونوا في البشر كالنبي في الأمة وذلك يوجب فضلهم على البشر. ولقائل أن يقول إن نوحاً عليه السلام وكذا لقمان وكذا الخضر كانوا أطول عمراً من محمد صلى الله عليه وسلّم فوجب أن يكونوا أفضل من محمد صلى الله عليه وسلّم وذلك باطل بالاتفاق فبطل ما قالوه وقد نجد في الأمة من هو أطول عمراً وأشد اجتهاداً من النبي صلى الله عليه وسلّم وهو منه أبعد في الدرجة من العرش إلى ما تحت الثرى. والتحقيق فيه ما بينا أن كثرة الثواب إنما تحصل لأمر يرجع إلى الدواعي والقصود فيجوز أن تكون الطاعة القليلة تقع من الإِنسان على وجه يستحق بها ثواباً كثيراً والطاعات الكثيرة تقع على وجه لا يستحق بها / إلا ثواباً قليلاً. ورابعها : أنهم أسبق السابقين في كل العبادات ، لا خصلة من خصال الدين إلا وهم أئمة مقدمون فيها بل هم المنشئون العامرون لطرق الدين والسبق في العبادة تفضيل وتعظيم. أما أولاً فبالإِجماع. وأما ثانياً فلقوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/358)

{وَالسَّـابِقُونَ السَّـابِقُونَ * أولئك الْمُقَرَّبُونَ} (الواقعة : 10 ، 11) وأما ثالثاً فلقوله عليه السلام : "من سن سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" فهذا يقتضي أن يكون قد حصل الملائكة من الثواب كل ما حصل للأنبياء مع زيادة التي استحقوها بأفعالهم التي أتوا بها قبل خلق البشر. ولقائل أن يقول ؛ فهذا يقتضي أن يكون آدم عليه السلام أفضل من محمد صلى الله عليه وسلّم لأنه أول من سن عبادة الله تعالى من البشر وأول من سن دعوة الكفار إلى الله تعالى ولما كان ذلك باطلاً بالإِجماع بطل ما ذكروه والتحقيق فيه ما قدمناه أن كثرة الثواب تكون بأمر يرجع إلى النية فيجوز أن تكون نية المتأخرة أصفى فيستحق من الثواب أكثر ما يستحقه المتقدم ، وخامسها : أن الملائكة رسل الأنبياء والرسول أفضل من الأمة فالملائكة أفضل من الأنبياء. أما أن الملائكة رسل إلى الأنبياء فلقوله تعالى : {عَلَّمَه شَدِيدُ الْقُوَى } (النجم : 5) وقوله : {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الامِينُ * عَلَى قَلْبِكَ} (الشعراء : 193 ، 194) وأما أن الرسول أفضل من الأمة فبالقياس على أن الأنبياء من البشر أفضل من أممهم فكذا ههنا. فإن قيل : العرف أن السلطان إذا أرسل واحداً إلى جمع عظيم ليكون حاكماً فيهم ومتولياً لأمورهم فذلك الرسول يكون أشرف من ذلك الجمع ، أما إذا أرسل واحداً إلى واحد فقد لا يكون الرسول أشرف من المرسل إليه كما إذا أرسل واحداً من عبيده إلى وزيره في مهم فإنه لا يلزم أن يكون ذلك العبد أشرف من الوزير. قلنا ، لكن جبريل عليه السلام مبعوث إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر فلزم على هذا القانون الذي ذكره السائل أن يكون جبريل عليه السلام أفضل منهم. واعلم أن هذه الحجة يمكن تقريرها على وجه آخر وهو أن الملائكة رسل لقوله تعالى : {جَاعِلِ الملائكة رُسُلا} (فاطر : 1) ثم لا يخلو الحال من أحد أمرين إما أن يكون الملك رسولاً إلى ملك آخر أو إلى واحد من الأنبياء الذين هم من الشر وعلى التقديرين فالملك رسول وأمته رسل وأما الرسول البشري فهو رسول لكن أمته ليسوا برسل والرسول الذي كل أمته رسل أفضل من الرسول الذي لا يكون كذلك فثبت فضل الملك على البشر من هذه الجهة ولأن إبراهيم عليه السلام كان رسولاً إلى لوط عليه السلام فكان أفضل منه وموسى عليه السلام كان رسولاً إلى الأنبياء الذين كانوا في عسكره وكان أفضل منهم فكذا ههنا. ولقائل أن يقول الملك إذا أرسل رسولاً إلى بعض النواحي قد يكون ذلك لأنه جعل ذلك الرسول حاكماً عليهم ومتولياً لأمورهم ومتصرفاً في أحوالهم وقد لا يكون لأنه يبعثه إليهم ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه لا يجعله حاكماً عليهم ومتولياً لأمورهم فالرسول في القسم الأول يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه أما في القسم الثاني فظاهر أنه لا يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه فالأنبياء المبعوثون إلى أممهم من القسم الأول فلا جرم كانوا أفضل من الأمم فلم قلتم إنه بعثة الملائكة إلى الأنبياء من / القسم الأول حتى يلزم أن يكونوا أفضل من الأنبياء ، وسادسها : أن الملائكة أتقى من البشر فوجب أن يكونوا أفضل من البشر أما أنهم أتقى فلأنهم مبرؤون عن الزلات وعن الميل إليها لأن خوفهم دائم وإشفاقهم دائم لقوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/359)

{يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} (النحل : 50) وقوله : {وَهُم مِّنْ خَشْيَتِه مُشْفِقُونَ} (الأنبياء : 28) والخوف والإِشفاق ينافيان العزم على المعصية وأما الأنبياء عليهم السلام فهم مع أنهم أفضل البشر ما خلا كل واحد منهم عن نوع زلة وقال عليه الصلاة والسلام : "ما منا من أحد إلا عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا عليهما السلام فثبت أن تقوى الملائكة أشد فوجب أن يكونوا أفضل من البشر لقوله تعالى : {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَـاـاكُمْ } (الحجرات : 13) فإن قيل : {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَـاـاكُمْ } خطاب مع الآدميين فلا يتناول الملائكة وأيضاً فالتقوى مشتق من الوقاية ولا شهوة في حق الملائكة فيستحيل تحقق التقوى في حقهم. والجواب عن الأول : أن ترتيب الكرامة على التقوى يدل على أن الكرامة معللة بالتقوى فحيث كانت التقوى أكثر كانت الكرامة أكثر. وعن الثاني : لا نسلم عدم الشهوة في حقهم لكن لا شهوة لهم إلى الأكل والمباشرة ولكن لا يلزم من عدم شهوة معينة عدم مطلق الشهوة بل لهم الشهوة التقدم والترفع ولهذا قالوا : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } وقال تعالى : {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّى إِلَـاهٌ مِّن دُونِه فَذاَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } (الأنبياء : 29) ولقائل أن يقول الحديث الذي ذكرتم يدل على أن يحيى عليه السلام كان أتقى من سائر الأنبياء فوجب أن يكون أفضل من محمد صلى الله عليه وسلّم وذلك باطل بالإِجماع فعلمنا أنه لا يلزم من زيادة التقوى زيادة الفضل وتحقيقه ما قدمنا أن من المحتمل أن يكون إنسان لم تصدر عنه المعصية قط وصدر عنه من الطاعات ما استحق به مائة جزء من الثواب وإنسان آخر صدرت عنه معصية ثم أتى بطاعة استحق بها ألف جزء من الثواب فيقابل مائة جزء من الثواب بمائة جزء من العقاب فيبقى له تسعمائة جزء من الثواب فهذا الإِنسان مع صدور المعصية منه يكون أفضل من الإِنسان الذي لم تصدر المعصية عنه قط وأيضاً فلا نسلم أن تقوى الملائكة أشد وذلك لأن التقوى مشتق من الوقاية والمقتضي للمعصية في حق بني آدم أكثر فكان تقوى المتقين منهم أكثر ، قوله إن الملائكة لهم شهوة الرياسة قلنا : هذا لا يضرنا وذلك لأن هذه الشهوة حاصلة للبشر أيضاً وقد حصلت لهم أنواع آخر من الشهوات وهي شهوة البطن والفرج وإذا كان كذلك كانت الشهوات الصارفة عن الطاعات أكثر في بني آدم فوجب أن تكون تقوى المتقين منهم أشد. وسابعها : قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/360)

{لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلا الْمَلَـا اـاِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } (النساء : 172) وجه الاستدلال أن قوله تعالى : {وَلا الْمَلَـا اـاِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } خرج مخرج التأكيد للأول ومثل هذا التأكيد إنما يكون بذكر الأفضل يقال هذه الخشبة لا يقدر على حملها العشرة ولا المائة ولا يقال لا يقدر على حملها العشرة ولا الواحد ويقال هذا العالم لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا الملك ولا يقال لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا البواب. ولقائل أن يقول هذه الآية إن دلت فإنما تدل على فضل الملائكة المقربين على المسيح / لكن لا يلزم منه فضل الملائكة المقربين على من هو أفضل من المسيح وهو محمد وموسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام وبالجملة فلو ثبت لهم أن المسيح أفضل من كل الأنبياء كان مقصودهم حاصلاً فأما إذا لم يقيموا الدلالة على ذلك فلا يحصل مقصودهم لاسيما وقد أجمع المسلمون على أن محمداً صلى الله عليه وسلّم أفضل من المسيح عليه السلام وما رأينا أحداً من المسلمين قطع بفضل المسيح على موسى وإبراهيم عليهما السلام ثم نقول قوله : "ولا الملائكة المقربون" ليس فيه إلا واو العطف والواو للجمع المطلق فيدل على أن المسيح لا يستنكف والملائكة لا يستنكفون فأما أن يدل على أن الملائكة أفضل من المسيح فلا ، وأما الأمثلة التي ذكروها فنقول المثال لا يكفي في إثبات الدعوى الكلية ثم إن ذلك المثال معارض بأمثلة أخرى وهو قوله : ما أعانني على هذا الأمر زيد ولا عمرو فهذا لا يفيد كون عمرو أفضل من زيد وكذا قوله تعالى : {وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْىَ وَلا الْقَلَـا اـاِدَ وَلا} (المائدة : 3) ولما اختلفت الأمثلة امتنع التعويل عليها ثم التحقيق أنه إذا قال هذه الخشبة لا يقدر على حملها الواحد ولا العشرة فنحن نعلم بعقولنا أن العشرة أقوى من الواحد فلا جرم عرفنا أن الغرض من ذكر الثاني المبالغة فهذه المبالغة إنما عرفناها بهذا الطريق لا من مجرد اللفظ فههنا في الآية إنما يمكننا أن نعرف أن المراد من قوله : {وَلا الْمَلَـا اـاِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } بيان المبالغة لو عرفنا قبل ذلك أن الملائكة المقربين أفضل من المسيح وحينئذٍ تتوقف صحة الاستدلال بهذه الآية على ثبوت المطلوب قبل هذا الدليل ويتوقف ثبوت المطلوب على دلالة هذه الآية عليه فيلزم الدور وأنه باطل سلمنا أنه يفيد التفاوت لكنه لا يفيد التفاوت في كل الدرجات بل في بعض دون آخر بيانه أنه إذا قيل هذا العالم لا يستنكف عن خدمته القاضي ولا السلطان فهذا لا يفيد إلا أن السلطان أكمل من القاضي في بعض الأمور وهو القدرة والقوة والاستيلاء ولا يدل على كونه أفضل من القاضي في العلم والزهد والخضوع لله تعالى إذا ثبت هذا فنحن نقول بموجبه وذلك لأن الملك أفضل من البشر في القدرة والبطش فإن جبريل عليه السلام قلع مدائن لوط والبشر لا يقدرون على شيء من ذلك فلم قلتم إن الملك أفضل من البشر في كثرة الثواب الحاصل بسبب مزيد الخضوع والعبودية وتمام التحقيق فيه أن الفضل المختلف فيه في هذه المسألة هو كثرة الثواب وكثرة الثواب لا تحصل إلا بالعبودية والعبودية عبارة عن نهاية التواضع والخضوع وكون العبد موصوفاً بنهاية التواضع لله تعالى لا يناسب الاستنكاف عن عبودية الله ولا يلائمها ألبتة بل يناقضها وينافيها وإذا كان هذا الكلام ظاهراً جلياً كان حمل كلام الله تعالى عليه مخرجاً له عن الفائدة ، أما اتصاف الشخص بالقدرة الشديدة والاستيلاء العظيم فإنه مناسب للتمرد وترك العبودية فالنصارى لما شاهدوا من المسيح عليه السلام إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص أخرجوه عن العبودية بسبب هذا القدر من القدرة عن عبوديتي بل ولا الملائكة المقربون الذين هم فوقه في القدرة والقوة والبطش والاستيلاء على عوالم السموات / والأرضين وعلى هذا الوجه ينتظم وجه دلالة الآية على أن الملك أفضل من البشر في الشدة والبطش لكنها لا تدل ألبتة على أنه أفضل من البشر في كثرة الثواب أو يقال إنهم إنما ادعوا إلهيته لأنه حصل من غير أب فقيل لهم الملك ما حصل من أب ولا من أم فكانوا أعجب من عيسى في ذلك مع أنهم لا يستنكفون عن العبودية. فإن قيل في الآية ما يدل على أن المراد وقوع التفاوت بين المسيح والملائكة في العبودية لا في القدرة والقوة والبطش وذلك لأنه تعالى وصفهم بكونهم مقربين والقرب من الله تعالى لا يكون بالمكان والجهة بل بالدرجة والمنزلة فلما وصفهم ههنا بكونهم مقربين علمنا أن المراد وقوع التفاوت بينهم وبين المسيح في درجات الفضل لا في الشدة والبطش. قلنا إن كان مقصودك من هذا السؤال أنه تعالى وصف الملائكة بكونهم مقربين فوجب أن لا يكون المسيح كذلك فهذا باطل لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفسه عما عداه وإن كان مقصودك أنه تعالى لما وصفهم بكونهم مقربين وجب أن يكون التفاوت واقعاً في ذلك فهذا باطل أيضاً لاحتمال أن يكون المسيح والمقربون مع
(1/361)

اشتراكهم في صفة القرب في الطاعة يتباينون بأمور أخرى فيكون المراد بيان التفاوت في تلك الأمور. سؤال آخر : وهو أنا نقول بموجب الآية فنسلم أن عيسى عليه السلام دون مجموع الملائكة في الفضل فلم قلتم إنه دون كل واحد من الملائكة في الفضل. سؤال آخر : لعله تعالى إنما ذكر هذا الخطاب مع أقوات اعتقدوا أن الملك أفضل من البشر فأورد الكلام على حسب معتقدهم كما في فقوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
{وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه } (الروم : 27). وثامنها قوله تعالى حكاية عن إبليس قوله : {مَا نَهَـاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـاذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَـالِدِينَ} (الأعراف : 20) ولو لم يكن متقرراً عند آدم وحواء عليهما السلام يغتران بذلك. ولقائل أن يقول هذا قول إبليس فلا يكون حجة ، ولا يقال إن آدم اعتقد صحة ذلك وإلا لما اغتر ، واعتقاد آدم حجة ، لأنا نقول : لعل آدم عليه السلام أخطأ في ذلك إما لأن الزلة جائزة على الأنبياء أو لأنه ما كان نبياً في ذلك الوقت ، وأيضاً هب أنه حجة لكن آدام عليه السلام لم يكن قبل الزلة نبياً فلم يلزم من فضل الملك عليه في ذلك الوقت فضل الملك عليه حال ما صار نبياً ، وأيضاً هب أن الآية تدل على أن الملك أفضل من البشر في بعض الأمور المرغوبة فلم قلت : إنها تدل على فضل الملك على البشر في باب الثواب ؟
وذلك لأنه لا نزاع أن الملك أفضل من البشر في باب القدرة والقوة ، وفي باب الحسن والجمال ، وفي باب الصفاء والنقاء عن الكدورات الحاصلة بسبب التركيبات فإن الملائكة خلقوا من الأنوار ، وآدم مخلوق من التراب فلعل آدم عليه السلام وإن كان أفضل منهم في كثرة الثواب إلا أنه رغب في أن يكون مساوياً لهم في تلك الأمور التي عددناها فكان التغرير حاصلاً من هذا الوجه ، وأيضاً فقوله : {إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} يحتمل أن يكون المراد إلا أن تنقلبا ملكين فحينئذٍ يصح استدلالكم ويحتمل / أن يكون المراد أن النهي مختص بالملائكة والخالدين دونكما ، هذا كما يقول أحدنا لغيره ما نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون فلاناً ويكون المعنى أن المنهي هو فلان دونك ولم يرد إلا أن ينقلب فيصير فلاناً ، ولما كان غرض إبليس إيقاع الشبهة بهما فمن أوكد الشبهة إيهام أنهما لم ينهيا وإنما المنهي غيرهما ، وأيضاً فهب أن الآية تدل على أن الملك أفضل من آدم فلم قلت أنها تدل على أن الملك أفضل من محمد ؟
وذلك لأن المسلمين أجمعوا على أن محمداً أفضل من آدم عليهما السلام ولا يلزم من كون الملك أفضل من المفضول كونه أفضل من الأفضل. وتاسعها : قوله تعالى : {أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآاـاِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ } (الأنعام : 50). ولقائل أن يقول يحتمل أن يكون المراد ولا أقول لكم إني ملك في كثرة العلوم وشدة القدرة والذي يدل على صحة هذا الاحتمال وجوه : الأول : وهو أن الكفار طالبوه بالأمور العظيمة نحو صعود السماء ونقل الجبال وإحضار الأموال العظيمة وهذه الأمور لا يمكن تحصيلها إلا بالعلوم الكثيرة والقدرة الشديدة. الثاني : أن قوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/362)

{أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآاـاِنُ اللَّهِ} هذا يذل على اعترافه بأنه غير قادر على كل المقدروات وقوله : {وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} يدل على اعترافه بأنه غير عالم بكل المعلومات ثم قوله : {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ } معناه والله أعلم وكما لا أدعي القدرة على كل المقدورات والعلم بكل المعلومات فكذلك لا أدعي قدرة مثل قدرة الملك ولا علماً مثل علومهم الثالث : قوله : {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ } لم يرد به نفي الصورة لأنه لا يفيد الغرض وإنما نفى أن يكون له مثل ما لهم من الصفات وهذا يكفي في صدقه أن لا يكون له مثل ما لهم ولا تكون صفاته مساوية لصفاتهم من كل الوجوه ولا دلالة فيه على وقوع التفاوت في كل الصفات فإن عدم الاستواء في الكل غير ، وحصول الاختلاف في الكل غير. وعاشرها : قوله تعالى : {مَا هَـاذَا بَشَرًا إِنْ هَـاذَآ إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ} (يوسف : 31). فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد وقوع التشبيه في الصورة والجمال. قلنا : الأولى أن يكون التشبيه واقعاً في السيرة لا في الصورة لأنه قال : {إِنْ هَـاذَآ إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ} فشبهه بالملك الكريم والملك إنما يكون كريماتً بسيرته المرضية لا بمجرد صورته فثبت أن المراد تشبيهه بالملك في نفي دواعي البشر من الشهوة والحرص على طلب المشتهى وإثبات ضد ذلك وهي حالة الملك وهي غض البصر وقمع النفس عن الميل إلى المحرمات ، فدلت هذه الآية على إجماع العقلاء من الرجال والنساء ، والمؤمن والكافر ، على اختصاص الملائكة بدرجة فائقة على درجة البشر. ولقائل أن يقول : أن قول المرأة {فَذَالِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيه } (يوسف : 32) كالصريح في أن مراد النساء بقولهن : {إِنْ هَـاذَآ إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ} تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال لا في السيرة ، لأن ظهور عذرها في شدة عشقها ، إنما يحصل بسبب فرط يوسف في الجمال لا بسبب فرط زهده وورعه. فإن ذلك لا يناسب شدة عشقها له. سلمنا أن المراد تشبيه يوسف عليه السلام بالملك في الإِعراض عن المشتهيات ، فلم قلت يجب أن يكون يوسف عليه / السلام أقل ثواباً من الملائكة ؟
وذلك لأنه لا نزاع في أن عدم التفات البشر إلى المطاعم والمناكح أقل من عدم التفات الملائكة إلى هذه الأشياء ، لكن لم قلتم إن ذلك يوجب بالمزيد في الفضل بمعنى كثرة الثواب ؟
فإن تمسكوا بأن كل من كان أقل معصية وجب أن يكون أفضل ، فقد سبق الكلام عليه. الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
{وَفَضَّلْنَـاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا} (الإسراء : 70) ومخلوقات الله تعالى إما المكلفون أو من عداهم ولا شك أن المكلفين أفضل من غيرهم ، أما المكلفون فهم أربعة أنواع الملائكة والإِنس والجن الشياطين. ولا شك أن الإِنس أفضل من الجن والشياطين ، فلو كان أفضل من الملك أيضاً لزم حينئذٍ أن يكون البشر أفضل من كل المخلوقات ، وحينئذٍ لا يبقى لقوله تعالى : {وَفَضَّلْنَـاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا} (الإِسراء : 70) فائدة : بل كان ينبغي أن يقال وفضلناهم على جميع من خلقنا تفضيلاً ، ولما لم يقل ذلك علمنا أن الملك أفضل من البشر ، ولقائل أن يقول حاصل هذا الكلام تمسك بدليل الخطاب ، لأن التصريح بأنه أفضل من كثير من المخلوقات لا يدل على أنه ليس أفضل من الباقي إلا بواسطة دليل الخطاب ، وأيضاً فهب أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من المجموع الثاني أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من المجموع الثاني ، فإنا إذا قدرنا عشرة من العبيد كل واحد منهم يساوي مائة دينار ، وعشرة أخرى حصل فيهم عبد يساوي مائتي دينار والتسعة الباقية يساوي كل واحد منهم ديناراً. فالمجموع الأول أفضل من المجموع الثاني ، إلا أنه حصل في المجموع الثاني واحد هو أفضل من كل واحد من آحاد المجموع الأول ، فكذا ههنا وأيضاً فقوله : {وَفَضَّلْنَـاهُمْ} يجوز أن يكون المراد ، وفضلناهم في الكرامة التي ذكرناها في أول الآية وهي قوله : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ} ويكون المراد من الكرامة حسن الصورة ومزيد الذكاء والقدرة على الأعمال العجيبة والمبالغة في النظافة والطهارة ، وإذا كان كذلك فنحن نسلم أن الملك أزيد من البشر في هذه الأمور ولكن لم قلتم أن الملك أكثر ثواباً من البشر ، وأيضاً فقوله : {خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } (لقمان : 10) لا يقتضي أن يكون هناك عمد غير مرئي وكذلك قوله تعالى : {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهًا ءَاخَرَ لا بُرْهَـانَ لَه بِه } (المؤمنون : 117) يقتضي أن يكون هناك إله آخر له برهان فكذلك ههنا ، الحجة الثانية عشرة : الأنبياء عليهم السلام ما استغفروا لأحد إلا بدأوا بالاستغفار لأنفسهم ثم بعد ذلك لغيرهم من المؤمنين ، قال آدم :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/363)

{رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} (الأعراف : 23) وقال نوح عليه السلام : {رَّبِّ اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا} (نوح : 28) وقال إبراهيم عليه السلام : {رَّبِّ اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ} (إبراهيم : 41) وقال : {رَبِّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّـالِحِينَ} (الشعراء : 83) وقال موسى : {رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلاخِى} (الأعراف : 151) وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلّم : {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنابِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ } (محمد : 19) وقال : {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنابِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (الفتح : 2) أما الملائكة فإنهم لم يستغفروا لأنفسهم ولكنهم طلبوا المغفرة للمؤمنين من البشر يدل عليه تعالى حكاية عنهم {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} (غافر : 7) وقال : {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا } لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لبدأوا في ذلك بأنفسهم لأن دفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير ، وقال عليه الصلاة والسلام : "إبدأ بنفسك ثم بمن تعول" وهذا يدل على أن الملك أفضل من البشر. ولقائل أن يقول : هذا الوجه لا يدل على أن الملائكة لم يصدر عنهم الزلة ألبتة وأن البشر قد صدرت الزلات عنهم ، لكنا بينا فيما تقدم أن التفاوت في ذلك لا يوجب التفاوت في الفضيلة ، ومن الناس من قال إن استغفارهم للبشر كالعذر عمن طعنوا فيهم بقولهم : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} (البقرة : 30). الحجة الثالثة عشرة : قوله تعالى : {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـافِظِينَ * كِرَامًا كَـاتِبِينَ} (الانفطار : 10) وهذا عام في حق جميع المكلفين من بني آدم فدخل فيه الأنبياء وغيرهم وهذا يقتضي كونهم أفضل من البشر لوجهين : الأول : أنه تعالى جعلهم حفظة لبني آدم والحافظ للمكلف من المعصية لا بدّ وأن يكون أبعد عن الخطأ والزلل من المحفوظ ، وذلك يقتضي كونهم أبعد من المعاصي وأقرب إلى الطاعات من البشر وذلك يقتضي مزيد الفضل ، والثاني : أنه سبحانه وتعالى جعل كتابتهم حجة للبشر في الطاعات وعليهم في المعاصي ، وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى بالقبول من قول البشر ولو كان البشر أعظم حالاً منهم لكان الأمر بالعكس. ولقائل أن يقول أما قوله الحافظ يجب أن يكون أكرم من المحفوظ فهذا بعيد فإن الملك قد يوكل بعض عبيده على ولده ولا يلزم أن يكون الحافظ أشرف من المحفوظ هناك ، أما قوله : جعل شهادتهم النافذة على البشر فضعيف ، لأن الشاهد قد يكون أدون حالاً من المشهود عليه. الحجة الرابعة عشرة : قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَـا اـاِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـانُ وَقَالَ صَوَابًا} (النبأ : 38) والمقصود من ذكر أحوالهم المبالغة في شرح عظمة الله تعالى وجلاله ولو كان في خلق طائفة أخرى قيامهم وتضرعهم أقوى في الأنباء عن عظمة الله وكبريائه من قيامهم لكان ذكرهم أولى في هذا المقام ، ثم كما أنه سبحانه بين عظمة ذاته في الآخرة بذكر الملائكة فكذا بين عظمته في الدنيا بذكر الملائكة وهو قوله : {وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } (الزمر : 75) ولقائل أن يقول : كل ذلك يدل على أنهم أزيد حالاً من البشر في بعض الأمور فلم لا يجوز أن تلك الحالة هي قوتهم وشدتهم وبطشهم ، وهذا كما يقال إن السلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك أطراف العالم خاضعين خاشعين فإن عظمة السلطان إنما تشرح بذلك ثم إن هذا لا يدل على أنهم أكرم عند السلطان من ولده فكذا ههنا. الحجة الخامسة عشرة : قوله تعالى : {وَالْمُؤْمِنُونَا كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَـا اـاِكَتِه وَكُتُبِه وَرُسُلِه } (البقرة : 285) فبين تعالى أنه لابدّ في صحة الإِيمان من الإِيمان بهذه الأشياء ثم بدأ بنفسه وثني بالملائكة وثلث بالكتب وربع بالرسل وكذا في قوله : {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّه لا إِلَـاهَ إِلا هُوَ وَالْمَلَـا اـاِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ} (آل عمران : 18) وقال : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـا اـاِكَتَه يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ } (الأحزاب : 56) والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة ويدل عليه أن تقديم الأدون على الأشرف في الذكر قبيح عرفاً ، فوجب أن يكون قبيحاً شرعاً ، أما أنه قبيح عرفاً فلأن الشاعر قال :
عميرة ودع إن تجهزت غاديا
كفى الشيب والإِسلام للمرء ناهيا
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/364)

قال عمر بن الخطاب : لو قدمت السلام لأجزتك ، ولأنهم لما كتبوا كتاب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلّم وبين المشركين وقع التنازع في تقديم الاسم وكذا في كتاب الصلح بين علي ومعاوية ، وهذا يدل على أن التقديم في الذكر يدل على مزيد الشرف وإذا ثبت أنه في العرف كذلك وجب أن يكون في الشرع كذلك ، لقوله عليه السلام : "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن" فثبت أن تقديم الملائكة على الرسل في الذكر يدل على تقديمهم في الفضل ولقائل أن يقول : هذه الحجة ضعيفة لأن الاعتماد إن كان على الواو ، فالواو لا تفيد الترتيب ، وإن كان على التقديم في الذكر ينتقض بتقديم سورة تبت على سورة قل هو الله أحد. الحجة السادسة عشرة : قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـا اـاِكَتَه يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ } فجعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي صلى الله عليه وسلّم وذلك يدل على كون الملائكة أشرف من النبي صلى الله عليه وسلّم. ولقائل أن يقول هذا ينتقض بقوله : {النَّبِىِّا يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} فأمر المؤمنين بالصلاة على النبي ولم يلزم كون المؤمنين أفضل من النبي عليه السلام فكذا في الملائكة. الحجة السابعة عشرة : أن نتكلم في جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلّم فنقول : إن جبريل عليه السلام أفضل من محمد والدليل عليه قوله تعالى : {إِنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} (التكوير : 19 ـ 22) وصف الله تعالى جبريل عليه السلام بست من صفات الكمال ، أحدها : كونه رسولاً لله. وثانيها : كونه كريماً على الله تعالى. وثالثها : كونه ذا قوة عند الله ، وقوته عند الله لا تكون إلا قوته على الطاعات بحيث لا يقوى عليها غيره. ورابعها : كونه مكيناً عند الله. وخامسها : كونه مطاعاً في عالم السموات. وسادسها : كونه أميناً في كل الطاعات مبرءاً عن أنواع الخيانات. ثم إنه سبحانه وتعالى بعد أن وصف جبريل عليه السلام بهذه الصفات العالية وصف محمداً صلى الله عليه وسلّم بقوله : {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} ولو كان محمد مساوياً لجبريل عليه السلام في صفات الفضل أو مقارناً له لكان وصف محمد بهذه الصفة بعد وصف جبريل بتلك الصفات نقصاً من منصب محمد صلى الله عليه وسلّم وتحقيراً لشأنه وإبطالاً لحقه وذلك غير جائز على الله/ فدلت هذه الآية على أنه ليس لمحمد صلى الله عليه وسلّم عند الله من المنزلة إلا مقدار أن يقال إنه ليس بمجنون ، وذلك يدل على أنه لا نسبة بين جبريل وبين محمد عليهما السلام في الفضل والدرجة. فإن قيل لم لا يجوز أن يكون قوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/365)

{إِنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} صفة لمحمد لا لجبريل عليهما السلام. قلنا لأن قوله : {وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالافُقِ الْمُبِينِ} يبطل ذلك. ولقائل أن يقول إنا توافقنا جميعاً على أنه قد كان لمحمد صلى الله عليه وسلّم فضائل أخرى سوى كونه ليس بمجنون وأن الله تعالى ما ذكر شيئاً من تلك الفضائل في هذا الموضع فإذن عدم ذكر الله تعالى تلك الفضائل ههنا لا يدل على عدمها بالإجماع ، أو إذا ثبت أن لمحمد عليه السلام فضائل / سوى الأمور المذكورة ههنا فلم لا يجوز أن يقال إن محمداً عليه السلام بسبب تلك الفضائل التي هي غير مذكورة ههنا يكون أفضل من جبريل عليه السلام فإنه سبحانه كما وصف جبريل عليه السلام ههنا بهذه الصفات الست وصف محمداً صلى الله عليه وسلّم أيضاً بصفات ست وهي قوله : { يَـا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـاكَ شَـاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِه وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} (الأحزاب : 45 ، 46) فالوصف الأول : كونه نبياً والثاني : كونه رسولاً والثالث : كونه شاهداً والرابع : كونه مبشراً والخامس : كونه نذيراً والسادس : كونه داعياً إلى الله تعالى بإذنه والسابع : كونه سراجاً والثامن : كونه منيراً وبالجملة فإفراد أحد الشخصين بالوصف لا يدل البتة على انتفاء تلك الأوصاف عن الثاني. الحجة الثامنة عشرة : الملك أعلم من البشر والأعلم أفضل فالملك أفضل إنما قلنا إن الملك أعلم من البشر لأن جبريل عليه السلام كان معلماً لمحمد عليه السلام بدليل قوله : {عَلَّمَه شَدِيدُ الْقُوَى } والمعلم لا بدّ وأن يكون أعلم من المتعلم ، وأيضاً فالعلوم قسمان : أحدهما : العلوم التي يتوصل إليها بالعقول كالعلم بذات الله تعالى وصفاته ؛ فلا يجوز وقوع التقصير فيها لجبريل عليه السلام ولا لمحمد صلى الله عليه وسلّم ، لأن التقصير في ذلك جهل وهو قادح في معرفة الله تعالى. وأما العلم بكيفية مخلوقات الله تعالى وما فيها من العجائب والعلم بأحوال العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار وطباق السموات وأصناف الملائكة وأنواع الحيوانات في المغاور والجبال والبحار فلا شك أن جبريل عليه السلام أعلم بها ، لأنه عليه السلام أطول عمراً وأكثر مشاهدة لها فكان علمه بها أكثر وأتم. وثانيها : العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالوحي لا لمحمد صلى الله عليه وسلّم ولا لسائر الأنبياء عليهم السلام إلا من جهة جبريل عليه السلام فيستحيل أن يكون لمحمد عليه الصلاة والسلام فضيلة فيها على جبريل عليه السلام ، وأما جبريل عليه السلام فهو كان الواسطة بين الله تعالى وبين جميع الأنبياء فكان عالماً بكل الشرائع الماضية والحاضرة ، وهو أيضاً عالم بشرائع الملائكة وتكاليفهم ومحمد عليه الصلاة والسلام ، ما كان عالماً بذلك ، فثبت أن جبريل عليه السلام كان أكثر علماً من محمد عليه الصلاة والسلام ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون أفضل منه لقوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/366)

{قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } (الزمر : 9) . ولقائل أن يقول لا نسلم أنهم أعلم من البشر ، والدليل عليه أنهم اعترفوا بأن آدم عليه السلام أكثر علماً منهم بدليل قوله تعالى : {قَالَ يَـا اَادَمُ أَنابِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ } ثم إن سلمنا مزيد علمهم ولكن ذلك لا يقتضي كثرة الثواب ، فإنا نرى الرجل المبتدع محيطاً بكثير من دقائق العلم ولا يستحق شيئاً من الثواب فضلاً عن أن يكون ثوابه أكثر وسببه ما نبهنا مراراً عليه أن كثرة الثواب إنما تحصل بحسب الإخلاص في الأفعال ولم نعلم أن إخلاص الملائكة أكثر. الحجة التاسعة عشرة : قوله تعالى : {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّى إِلَـاهٌ مِّن دُونِه فَذاَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } (الأنبياء : 29) فهذه الآية دالة على أنهم / بلغوا في الترفع وعلو الدرجة إلى أنهم لو خالفوا أمر الله تعالى لما خالفوه إلا بادعاء الإلهية لا بشيء آخر من متابعة الشهوات وذلك يدل على نهاية جلالهم. ولقائل أن يقول لا نزاع في نهاية جلالهم ، أما قوله : إنهم بلغوا في الترفع وعلو الدرجة إلى حيث لو خالفوا أمر الله تعالى لما خالفوه إلا في ادعاء الإلهية فهذا مسلم وذلك لأن علومهم كثيرة وقواهم شديدة وهم مبرؤون عن شهوة البطن والفرج ومن كان كذلك فلو خالف أمر الله لم يخالف إلا في هذا المعنى الذي ذكرته لكن لم قلتم إن ذلك يدل على أنهم أكثر ثواباً من البشر فإن محل الخلاف ليس إلا ذاك. الحجة العشرون : قوله عليه الصلاة والسلام رواية عن الله تعالى : "وإذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملائه" وهذا يدل على أن الملأ الأعلى أشرف. ولقائل أن يقول هذا خير واحد وأيضاً فهذا يدل على أن ملأ الملائكة أفضل من ملأ البشر وملأ البشر عبارة عن العوام لا عن الأنبياء فلا يلزم من كون الملك أفضل من عامة البشر كونهم أفضل من الأنبياء ، هذا آخر الكلام في الدلائل النقلية ، واعلم أن الفلاسفة اتفقوا على أن الأرواح السماوية المسماة بالملائكة أفضل من الأرواح الناطقة البشرية واعتمدوا في هذا الباب على وجوه عقلية نحن نذكرها إن شاء الله تعالى. الحجة الأولى : قالوا الملائكة ذواتها بسيطة مبرأة عن الكثرة والبشر مركب من النفس والبدن والنفس مركبة من القوى الكثيرة والبدن مركب من الأجزاء الكثيرة والبسيط خير من المركب لأن أسباب العدم للمركب أكثر منها للبسيط ولذلك فإن فردانية الله تعالى من صفات جلاله ونعوت كبريائه. الاعتراض عليه : لا نسلم أن البسيط أشرف من المركب وذلك لأن جانب الروحاني أمر واحد وجانب الجسماني أمران روحه وجسمه فهو من حيث الروح من عالم الروحانيات والأنوار ومن حيث الجسد من عالم الأجساد فهو لكونه مستجمعاً للروحاني والجسماني يجب أن يكون أفضل من الروحاني الصرف والجسماني الصرف وهذا هو السر في أن جعل البشر الأول مسجوداً للملائكة ومن جه آخر وهو أن الأرواح الملكية مجردات مفارقة عن العلائق الجسمانية فكأن استغراقها في مقاماتها النورانية عاقها عن تدبير هذا العالم الجسداني أما النفوس البشرية النبوية فإنها قويت على الجمع بين العالمين فلا دوام ترقيها في معارج المعارف وعوالم القدس يعوقها عن تدبير العالم السفلي ولا التفاتها إلى مناظم عالم الأجسام يمنعها عن الاستكمال في عالم الأرواح فكانت قوتها وافية بتدبير العالمين محيطة بضبط الجنسين فوجب أن تكون أشرف وأعظم. الحجة الثانية : الجواهر الروحانية مبرأة عن الشهوة التي هي منشأ سفك الدماء والأرواح البشرية مقرونة بها والخالي عن منبع الشر أشرف من المبتلى به. الاعتراض : لا شك أن المواظبة على الخدمة مع كثرة الموانع والعوائق أدل على الإخلاص من المواظبة عليها من غير شيء من العوائق والموانع ، وذلك يدل على أن مقام البشر في المحبة أعلى وأكمل وأيضاً فالروحانيات لما أطاعت خالقها لم تكن طاعتها موجبة قهر الشياطين الذين / هم أعداء الله ، أما الأرواح البشرية لما أطاعت خالقها لزم من تلك الطاعة قهر القوى الشهوانية والغضبية وهي شياطين الإنس فكانت طاعاتهم أكمل وأيضاً فمن الظاهر أن درجات الروحانيات حين قالت :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/367)

{لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآ } أكمل من درجاتهم حين قالت : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} (البقرة : 30) وما ذاك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة وهذا في البشر أكمل ولهذا قال عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه تعالى : "لأنين المذنبين أحب إليّ من زجل المسبحين" الحجة الثالثة : الروحانيات مبرأة عن طبيعة القوة فإن كل ما كان ممكناً لها بحسب أنواعها التي في أشخاصها فقد خرج إلى الفعل والأنبياء ليسوا كذلك ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : "إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة وما أدري ما يفعل بي ولا بكم" {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَـابُ وَلا الايمَـانُ} (الشورى : 52) ولا شك أن ما بالفعل التام أشرف مما بالقوة. الاعتراض : لا نسلم أنها بالفعل التام فلعلها بالقوة في بعض الأمور ، ولهذا قيل إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعقلات من القوة إلى الفعل وهذه التحريكات بالنسبة إليها كالتحريكات العارضة للأرواح الحاملة لقوى الفكر والتخيل عند محاولة استخراج التعقلات التي هي بالقوة إلى الفعل. الحجة الرابعة : الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن طبيعة التغير والقوة والنفوس الناطقة البشرية ليست كذلك. الاعتراض : المقدمتان ممنوعتان أليس أن الروحانيات ممكنة الوجود لذواتها واجبة الوجود بمادتها فهي محدثة سلمنا ذلك ، فلا نسلم أن الأرواح البشرية حادثة ، بل هي عند بعضهم أزلية وهؤلاء قالوا : هذه الأرواح كانت سرمدية موجودة كالأظلال تحت العرش يسبحون بحمد ربهم إلا أن المبدىء الأول أمرها حتى نزلت إلى عالم الأجسام وسكنات المواد ، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها. واستحكم إلفها بها فبعث من تلك الأظلال أكملها وأشرفها إلى هذا العالم ليحتال في تخليص تلك الأرواح عن تلك السكنات وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة في "كتاب كليلة ودمنة". الحجة الخامسة : الروحانيات نورانية علوية لطيفة ، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة وبدائية العقول تشهد بأن النور أشرف من الظلمة ، والعلوي خير من السفلي ، واللطيف أكمل من الكثيف. الاعتراض : هذا كله إشارة إلى المادة وعندنا سببب الشرف الانقياد لأمر رب العالمين على ما قال : {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى} وادعاء الشرف بسبب شرف المادة هو حجة اللعين الأول وقد قيل له ما قيل ، الحجة السادسة : الروحانيات السماوية فضلت الجسمانيات بقوى العلم والعمل. أما العلم فلاتفاق الحكماء على إحاطة الروحانيات السماوية بالمغيبات واطلاعها على مستقبل الأمور ، وأيضاً فعلومهم فعلية فطرية كلية دائمة. وعلوم البشر على الضد في كل ذلك ، وأما العمل فلأنهم مواظبون على الخدمة دائماً يسبحون الليل والنهار لا يفترون لا يلحقهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا غفلة الأبدان طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس والتحميد والتهليل وتنفسهم بذكر الله وفرحتهم بخدمة الله متجردون من العلائق البدنية / غير محجوبين بشيء من القوى الشهوانية والغضبية فأين أحد القسمين من الآحر : الاعتراض : لا نزاع في كل ما ذكرتموه إلا أن ههنا دقيقة وهي أن المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلى بالجوع أياماً كثيرة فالملائكة بسبب مواظبتهم على تلك الدرجات العالية لا يجدون من اللذة مثل ما يجد البشر الذين يكونون في أكثر الأوقات محجوبين بالعلائق الجسمانية والحجب الظلمانية فهذه المزية من اللذة مما يختص بها البشر ولعل هذا هو المراد من قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/368)

{إِنَّا عَرَضْنَا الامَانَةَ عَلَى السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الانسَـانُ } (الأحزاب : 72) فإن إدراك الملايم بعد الابتلاء بالمنافي ألذ من إدراك الملايم على سبيل الدوام ولذلك قالت الأطباء : إن الحرارة في حمى الدق أشد منها في حمى الغب لكن حرارة الحمى في الدق إذا دامت واستقرت بطل الشعور بها فهذه الحالة لم تحصل للملائة لأن كمالاتها دائمة ولم تحصل لسائر الأجسام لأنها كانت خالية عن القوة المستعدة لإدراك المجردات فلم يبق شيء ممن يقوى على تحمل هذه الأمانة إلا البشر. الحجة السابعة : الروحانيات لهم قوة على تصريف الأجسام وتقليب الأجرام والقوة التي هي لهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب ، ثم إنك ترى الخامة اللطيفة من الزرع في بدء نموها تفتق الحجر وتشق الصخر وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من جواهر القوى السماوية فما ظنك بتلك القوى السماوية والروحانيات هي التي تتصرف في الأجسام السفلية تقليباً وتصريفاً لا يستثقلون حمل الأثقال ولا يستصعبون تحريك الجبال فالرياح تهب بتحريكاتها والسحاب تعرض وتزول بتصريفها وكذا الزلازل تقع في الجبال بسبب من جهتها والشرائع ناطقة بذلك على ما قال تعالى : {فَالْمُقَسِّمَـاتِ أَمْرًا} (الذاريات : 4) والعقول أيضاً دالة عليه والأرواح السفلية ليست كذلك فأين أحد القسمين من الآخر. والذي يقال أن الشياطين التي هي الأرواح الخبيثة تقدر على ذلك ممنوع وبتقدير التسليم فلا نزاع في أن قدرة الملائكة على ذلك أشد وأكمل ولأن الأرواح الطيبة الملكية تصرف قواها إلى مناظم هذا العالم السفلي ومصالحها والأرواح الخبيثة تصرف قواها إلى الشرور فأين أحدهما من الآخر. الاعتراض : لا يبعد أن يتفق في النفوس الناطقة البشرية نفس قوية كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية بالتقليب والتصريف فما الدليل على امتناع مثل هذه النفس. الحجة الثامنة : الروحانيات لها اختيارات فائضة من أنوار جلال الله عزّ وجلّ متوجهة إلى الخيرات مقصورة على نظام هذا العالم لا يشوبها البتة شائبة الشر والفساد بخلاف اختيارات البشر فإنها مترددة بين جهتي العلو والسفالة وطرفي الخير وميلهم إلى الخيرات إنما يحصل بإعانة الملائكة على ما ورد في الأخبار من أن لكل إنسان ملكاً يسدده ويهديه. الاعتراض : هذا يدل على
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/369)

أن الملائكة كالمجبورين على طاعاتهم والأنبياء مترددون بين الطرفين والمختار أفضل من المجبور وهذا ضعيف لأن التردد ما دام يبقى استحال / صدور الفعل وإذا حصل الترجيح التحق بالموجب فكان للأنبياء خيرات بالقوة وبواسطة الملائكة تصير خيرات بالفعل ، أما الملائكة فهم خيرات بالفعل فأين هذا من ذاك الحجة التاسعة : الروحانيات مختصة بالهياكل وهي السيارات السبعة وسائر الثوابت والأفلاك كالأبدان والكواكب كالقلوب والملائكة كالأرواح فنسبة الأرواح إلى الأروح كنسبة الأبدان إلى الأبدان ثم إنا نعلم أن اختلافات أحوال الأفلاك مبادىء لحصول الاختلافات في أحوال هذا العالم فإنه يحصل من حركات الكواكب اتصالات مختلفة من التسديس والتثليث والتربيع والمقابلة والمقاربة وكذا مناطق الأفلاك تارة تصير منطبقة بعضها على البعض وذلك هو الرتق فحينئذٍ يبطل عمارة العالم وأخرى ينفصل بعضها عن البعض فتنتقل العمارة من جانب من هذا العالم العلوي مستولية على هياكل العالم السفلي فكذا أرواح العالم السفلى لاسيما وقد دلت المباحث الحكمية والعلوم الفلسفية على أن أرواح هذا العالم معلولات لأرواح العالم العلوي وكمالات هذه الأرواح معلولات لكمالات تلك الأرواح ونسبة هذه الأرواح إلى تلك الأرواح كالشعلة الصغيرة بالنسبة إلى قرص الشمس وكالقطرة الصغيرة بالنسبة إلى البحر الأعظم فهذه هي الآثار وهناك المبدأ والمعاد فكيف يليق القول بادعاء المساواة فضلاً عن الزيادة. الاعتراض : كل ما ذكرتموه منازع فيه لكن بتقدير تسليمه فالبحث باقٍ بعد لأنا بينا أن الوصول إلى اللذيذ بعد الحرمان ألذ من الوصول إليه على سبيل الدوام فهذه الحالة غير حاصلة إلا للبشر. الحجة العاشرة : قالوا الروحانيات الفلكية مبادىء لروحانيات هذا العالم ومعادلها والمبدأ أشرف من ذي المبدأ لأن كل كمال يحصل لذي المبدأ فهو مستفاد من المبدأ والمستفيد أقل حالاً من الواجب وكذلك المعاد يجب أن يكون أشرف/ فعالم الروحانيات عالم الكمال فالمبدأ منها والمعاد إليها والمصدر عنها والمرجع إليها وأيضاً فإن الأرواح إنما نزلت من عالمها حتى اتصلت بالأبدان فتوسخت بأوضار الأجسام ثم تطهرت عنها بالأخلاق الزكية والأعمال المرضية حتى انفصلت عنها إلى عالمها الأول فالنزول هو النشأة الأولى والصعود هو النشأة الأخرى فعرف أن الروحانيات أشرف من الأشخاص البشرية. الاعتراض : هذه الكلمات بنيتموها على نفي المعاد ونفي حشر الأجساد ودونهما خرط القتاد. الحجة الحادية عشرة : أليس أن الأنبياء صلوات الله عليهم اتفقت كلمتهم على أنهم لا ينطقون بشيء من المعارف والعلوم إلا بعد الوحي فهذا اعتراف بأن علومهم مستفادة منهم أليس أنهم اتفقوا على أن الملائكة هم الذين يعينونهم على أعدائهم كما في قلع مدائن قوم لوط وفي يوم بدر وهم الذين يهدونهم إلى مصالحهم كما في قصة نوح في نجر السفينة فإذا اتفقوا على ذلك فمن أين وقع لكم أن فضلتموهم على الملائكة مع تصريحهم فافتقارهم إليهم في كل الأمور. الحجة الثانية عشرة : التقسيم العقلي قد دل على أن الأحياء إما أن تكون خيرة محضة أو شريرة محضة أو تكون خيرة من وجه شريرة من / وجه فالخير المحض هو النوع الملكي والشرير المحض هو النوع الشيطاني والمتوسط بين الأمرين هو النوع البشري وأيضاً فإن الإنسان هو الناطق المائت وعلى جانبيه قسمان آخران : أحدهما : الناطق الذي لا يكون مائتاً وهو الملك : والآخر المائت الذي لا يكون ناطقاً وهم البهائم فقسمة العقل على هذا الوجه قد دلت على كون البشر في الدرجة المتوسطة من الكمال والملك يكون في الطرف الأقصى من الكمال فالقول بأن البشر أفضل قلب للقسمة العقلية ومنازعة في ترتيب الوجود. الاعتراض : أن المراد من الفضل هو كثرة الثواب فلم قلتم إن الملك أكثر ثواباً فهذا محصل ما قيل في هذا الباب من الوجوه العقلية وبالله التوفيق. واحتج من قال بفضل الأنبياء على الملائكة بأمور : أحدهما : أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة بل كانت السجدة في الحقيقة له ، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون آدم أفضل منهم لأن السجود نهاية التواضع وتكليف الأشرف بنهاية التواضع للأدون مستقبح في العقول فإنه يقبح أن يؤمر أبو حنيفة بأن يخدم أقل الناس بضاعة في الفقه فدل هذا على أن آدم عليه السلام كان أفضل من الملائكة. وثانيها : أن الله تعالى جعل آدم عليه السلام خليفة له والمراد منه خلافة الولاية لقوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/370)

{ى دَاوُادُ إِنَّا جَعَلْنَـاكَ خَلِيفَةً فِى الارْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (ص : 26) ومعلوم أن أعلى الناس منصباً عند الملك من كان قائماً مقامه في الولاية والتصرف ، وكان خليفة له فهذا يدل على أن آدم عليه السلام كان أشرف الخلائق وهذا متأكد بقوله : {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ} (الجاثية : 12) ثم أكد هذا التعميم بقوله : {خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارْضِ جَمِيعًا} (البقرة : 29) فبلغ آدم في منصب الخلافة إلى أعلى الدرجات فالدنيا خلقت متعة لبقائه والآخرة مملكة لجزائه وصارت الشياطين معلونين بسبب التكبر عليه والجن رعيته والملائكة في طاعته وسجوده والتواضع له ثم صار بعضهم حافظين له ولذريته وبعضهم منزلين لرزقه وبعضهم مستغفرين لزلاته ثم إنه سبحانه وتعالى يقول مع هذه المناصب العالية : {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} فإذن لا غاية لهذا الكمال والجلال. وثالثها : أن آدم عليه السلام كان أعلم والعلم أفضل ، أم إنه أعلم فلأنه تعالى لما طلب منهم علم الأسماء : {قَالُوا سُبْحَـانَكَ لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (البقرة : 32) فعند ذلك قال الله تعالى : {قَالَ يَـا اَادَمُ أَنابِئْهُم بِأَسْمَآئِهِم فَلَمَّآ أَنابَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ} وذلك يدل على أنه عليه السلام كان عالماً بما لم يكونوا عالمين به وأما أن الأعلم أفضل فلقوله تعالى : {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } ورابعها : قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ا ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَـالَمِينَ} والعالم عبارة عن كل ما سوى الله تعالى وذلك لأن اشتقاق العالم على ما تقدم من العلم فكل ما كان علماً على الله ودالاً عليه فهو عالم ولا شك أن كل محدث فهو دليل على الله تعالى فكل محدث فهو عالم فقوله : {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ا ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَـالَمِينَ} منعاه أن الله تعالى اصطفاهم على كل المخلوقات ولا شك أن الملائكة من المخلوقات / فهذه الآية تقتضي أن الله تعالى اصطفى هؤلاء الأنبياء على الملائكة. فإن قيل : يشكل هذا بقوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
{يَـابَنِى إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ} فإنه لا يلزم أن يكونوا أفضل من الملائكة ومن محمد صلى الله عليه وسلّم فكذا ههنا قال الله تعالى في حق مريم عليها السلام : {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَـاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَـاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَـالَمِينَ} (آل عمران : 42) ولم يلزم كونها أفضل من فاطمة عليها السلام فكذا ههنا قلنا ؛ الإشكال مدفوع لأن قوله تعالى : {وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ} خطاب مع الأنبياء الذين كانوا أسلاف اليهود وحين ما كانوا موجودين لم يكن محمد موجوداً في ذلك الزمان ولما لم يكن موجوداً لم يكن من العالمين لأن المعدوم لا يكون من العالمين وإذا كان كذلك لم يلزم من اصطفاء الله تعالى إياهم على العالمين في ذلك الوقت أن يكونوا أفضل من محمد صلى الله عليه وسلّم وأما جبريل عليه السلام فإنه كان موجوداً حين قال الله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ا ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَـالَمِينَ} فلزم أن يكون قد اصطفى الله تعالى هؤلاء على جبريل عليه السلام وأيضاً فهب أن تلك الآية قد دخلها التخصيص لقيام الدلالة وههنا فلا دليل يوجب ترك الظاهر فوجب إجراؤه على ظاهره في العموم. وخامسها : قوله تعالى : {وَمَآ أَرْسَلْنَـاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَـالَمِينَ} والملائكة من جملة العالمين فكان محمد عليه السلام رحمة لهم فوجب أن يكون محمد أفضل منهم. وسادسها : أن عبادة البشر أشق فوجب أن يكونوا أفضل وإنما قلنا إنها أشق لوجوه : الأول : أن الآدمي له شهوة داعية إلى المعصية والملك ليست له هذه الشهوة والفعل مع المعارض القوى أشد منه بدون المعارض فإن قيل الملائكة لهم شهوة تدعوهم إلى المعصية وهي شهوة الرياسة قلنا هب أن الأمر كذلك لكن البشر لهم أنواع كثيرة من الشهوات مثل شهوة البطن والفرج والرياسة والملك ليس له من تلك الشهوات إلا شهوة واحدة وهي شهوة الرياسة والمبتلى بأنواع كثيرة من الشهوات تكون الطاعة عليه أشق من المبتلى بشهوة واحدة. الثاني : أن الملائكة لا يعملون إلا بالنص لقوله تعالى : {لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآ } (البقرة : 32) وقال : {لا يَسْبِقُونَه بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِه يَعْمَلُونَ} (
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/371)

الأنبياء : 27) والبشر لهم قوة الاستنباط والقياس قال تعالى : {فَاعْتَبِرُوا يَـا أُوْلِى الابْصَـارِ} (الحشر : 2) وقال معاذ اجتهدت برأيي فصوبه رسول الله صلى الله عليه وسلّم في ذلك. ومعلوم أن العمل بالاستنباط أشق من العمل بالنص الثالث : أن الشبهات للبشر أكثر مما للملائكة لأن من جملة الشبهات القوية كون الأفلاك والأنجم السيارة أسباباً لحوادث هذا العالم فالبشر احتاجوا إلى دفع هذه الشبهة والملائكة لا يحتاجون لأنهم ساكنون في عالم السموات فيشاهدون كيفية افتقارها إلى المدبر الصانع ، الرابع : أن الشيطان لا سبيل له إلى وسوسة الملائكة وهو مسلط على البشر في الوسوسة وذلك تفاوت عظيم إذا ثبت أن طاعتهم أشق فوجب أن يكونوا أكثر ثواباً بالنص فقوله عليه الصلاة والسلام : "أفضل العبادات أحمزها" أي أشقها وأما القياس فلأنا نعلم أن الشيخ الذي لم يبق له ميل إلى / النساء إذا امتنع عن الزنا فليست فضيلته كفضيلة من يمتنع عنهن مع الميل الشديد والشوق العظيم فكذا ههنا وسابعها : أن الله تعالى خلق الملائكة عقولاً بلا شهوة وخلق البهائم شهوات بلا عقل وخلق الآدمي وجمع فيه بين الأمرين فصار الآدمي بسبب العقل فوق البهيمة بدرجات لا حد لها فوجب أن يصير بسبب الشهوة دون الملائكة ثم وجدنا الآدمي إذا غلب هواه عقله حتى صار يعمل بهواه دون عقله فإنه يصير دون البهيمة على ما قال تعالى : { أولئك كَالانْعَـامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } (الأعراف : 179) ولذلك صار مصيرهم إلى النار دون البهائم فيجب أن يقال إذا غلب عقله هواه حتى صار لا يعمل بهوى نفسه شيئاً بل يعمل بهوى عقله أن يكون فوق الملائكة اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر. وثامنها : أن الملائكة حفظة وبنو آدم محفوظون والمحفوظ أعز وأشرف من الحافظ فيجب أن يكون بنو آدم أكرم وأشرف على الله تعالى من الملائكة. وتاسعها : ما روى أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وسلّم حتى أركبه على البراق ليلة المعراج وهذا يدل على أن محمداً صلى الله عليه وسلّم أفضل منه ولما وصل محمد عليه الصلاة والسلام إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل عليه السلام وقال : "لو دنوت أنملة لاحترقت" وعاشرها : قوله عليه الصلاة والسلام : "إن لي وزيرين في السماء وزيرين في الأرض ، أما اللذان في السماء فجبريل وميكائيل ، وأما اللذان في الأرض فأبو بكر وعمر" فدل هذا الخبر على أن محمداً صلى الله عليه وسلّم كان كالملك وجبريل وميكائيل كانا كالوزيرين له والملك أفضل من الوزير فلزم أن يكون محمداً أفضل من الملك. هذا تمام القول في دلائل من فضل البشر على الملك. أجاب القائلون بتفضيل الملك عن الحجة الأولى فقالوا. قد سبق بيان أن من الناس من قال : المراد من السجود هو التواضع لا وضع الجبهة على الأرض ومنهم من سلم أنه عبارة عن وضع الجبهة على الأرض لكنه قال السجود لله وآدم قبلة السجود وعلى هذين القولين لا إشكال أما إذا سلمنا أن السجود كان لآدم عليه السلام فلم قلتم إن ذلك لا يجوز من الأشرف في حق الشريف وذلك لأن الحكمة قد تقتضي ذلك كثيراً من حب الأشرف وإظهار النهاية في الانقياد والطاعة فإن للسلطان أن يجلس أقل عبيده في الصدر وأن يأمر الأكابر بخدمته ويكون غرضه من ذلك إظهار كونهم مطيعين له في كل الأمور منقادين له في جميع الأحوال فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك وأيضاً أليس من مذهبنا أنه (يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد) وأن أفعاله غير معللة ولذلك قلنا إنه لا اعتراض عليه في خلق الكفر في الإنسان ثم في تعذيبه عليه أبد الآباد وإذا كان كذلك فكيف يعترض عليه في أن يأمر الأعلى بالسجود للأدنى وأما الحجة الثانية : فجوابها أن آدم عليه السلام إنما جعل خليفة في الأرض وهذا يقتضي أن يكون آدم عليه السلام كان أشرف من كل من في الأرض ولا يدل على كونه أشرف من ملائكة السماء فإن قيل فلم لم يجعل واحداً من ملائكة السماء خليفة له في الأرض قلنا لوجوه / منها أن البشر لا يطيقون رؤية الملائكة ومنها أن الجنس إلى الجنس أميل ومنها أن الملائكة في نهاية الطهارة والعصمة وهذا هو المراد بقوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/372)

{وَلَوْ جَعَلْنَـاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَـاهُ رَجُلا} (الأنعام : 9) وأما الحجة الثالثة : فلا نسلم أن آدم عليه السلام كان أعلم منهم أكثر ما في الباب أن آدم عليه السلام كان عالماً بتلك اللغات وهم ما علموها لكن لعلهم كانوا عالمين بسائر الأشياء مع أن آدم عليه السلام ما كان عالماً بها والذي يحقق هذا أنا توافقنا على أن محمداً صلى الله عليه وسلّم أفضل من آدم عليه السلام مع أن محمداً صلى الله عليه وسلّم ما كان عالماً بهذه اللغات بأسرها وأيضاً فإن إبليس كان عالماً بأن قرب الشجرة مما يوجب خروج آدم عن الجنة وآدم عليه السلام لم يكن عالماً ذلك ولم يلزم منه كون إبليس أفضل من آدم عليه السلام والهدهد قال لسليمان أحطت بما لم تحط به ولم يلزم أن يكون الهدهد أفضل من سليمان سلمنا أنه كان أعلم منهم ولكن لم لا يجوز أن يقال إن طاعاتهم أكثر إخلاصاً من طاعة آدم فلا جرم كان ثوابهم أكثر. أما الحجة الرابعة : فهي أقوى الوجوه المذكورة. أما الحجة الخامسة : وهي قوله تعالى : {وَمَآ أَرْسَلْنَـاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَـالَمِينَ} (الأنبياء : 107) فلا يلزم من كون محمد صلى الله عليه وسلّم رحمة لهم أن يكون أفضل منهم كما في قوله : {فَانظُرْ إِلَى ا ءَاثَـارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ الارْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ } (الروم : 50) ولا يمتنع أن يكون هو عليه الصلاة والسلام رحمة لهم من وجه وهم يكونون رحمة له من وجه آخر. وأما الحجة السادسة : وهي أن عبادة البشر أشق فهذا ينتقض بما أنا نرى الواحد من الصوفية يتحمل في طريق المجاهدة من المشاق والمتاعب ما يقطع بأنه عليه السلام لم يتحمل مثلها مع أنا نعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلّم أفضل من الكل وما ذاك إلا أن كثرة الثواب مبنية على الإخلاص في النية ويجوز أن يكون الفعل أسهل إلا أن إخلاص الآتي به أكثر فكان الثواب عليه أكثر. أما الحجة السابعة : فهي جمع بين الطرفين من غير جامع. وأما الحجة الثامنة : وهي أن المحفوظ أشرف من الحافظ فهذا ممنوع على الإطلاق بل قد يكون الحافظ أشرف من المحفوظ كالأمير الكبير الموكل على المتهمين من الجند. وأما الوجهان الآخران : فهما من باب الآحاد وهما معارضان بما رويناه من شدة تواضع الرسول صلى الله عليه وسلّم فهذا آخر المسألة وبالله التوفيق.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/373)

المسألة الخامسة : اعلم أن الله تعالى لما استثنى إبليس من الساجدين فكان يجوز أن يظن أنه كان معذوراً في ترك السجود فبين تعالى أنه لم يسجد مع القدرة وزوال العذر بقوله أبى لأن الأباء هو الامتناع مع الاختيار ، أما من لم يكن قادراً على الفعل لا يقال له إنه أبى ثم قد كان يجوز أن يكون كذلك ولا ينضم إليه الكبر فبين تعالى أن ذلك الإباء كان على وجه الاستكبار بقوله واستكبر ثم كان يجوز أن يوجد الإباء والاستكبار مع عدم الكفر فبين تعالى أنه كفر بقوله : {وَكَانَ مِنَ الْكَـافِرِينَ} قال القاضي هذه الآية تدل على بطلان قول أهل الجبر من وجوه : أحدها : أنهم يزعمون أنه لما لم يسجد لم يقدر على السجود لأن عندهم القدرة / على الفعل منتفية ومن لا يقدر على الشيء يقال إنه أباه ، وثانيها : أن من لا يقدر على الفعل لا يقال استكبر بأن لم يفعل لأنه إذا لم يقدر على الفعل لا يقال استكبر عن الفعل وإنما يوصف بالاستكبار إذا لم يفعل مع كونه لو أراد الفعل لأمكنه. وثالثها : قال تعالى : {وَكَانَ مِنَ الْكَـافِرِينَ} ولا يجوز أن يكون كافراً بأن لا يفعل ما لا يقدرعليه. ورابعها : أن استكباره وامتناعه خلق من الله فيه فهو بأن يكون معذوراً أولى من أن يكون مذموماً قال ومن اعتقد مذهباً يقيم العذر لإبليس فهو خاسر الصفقة ، والجواب عنه أن هذا القاضي لا يزال يطنب في تكثير هذه الوجوه وحاصلها يرجع إلى الأمر والنهي والثواب والعقاب فنقول له نحن أيضاً : صدور ذلك الفعل عن إبليس عن قصد وداع أو لا عن قصد وداع ؟
فإن كان عن قصد وداع فمن أين ذلك القصد ؟
أوقع لا عن فاعل أو عن فاعل هو العبد أو عن فاعل هو الله ؟
فإن وقع لا عن فاعل كيف يثبت الصانع وإن وقع عن العبد فوقوع ذلك القصد عنه إن كان عن قصد آخر فيلزم التسلسل وإن كان لا عن قصد فقد وقع الفعل لا عن قصد وسنبطله وإن وقع عن فاعل هو الله فحينئذٍ يلزمك كل ما أوردته علينا ، أما إن قلت وقع ذلك الفعل عنه لا عن قصد وادع فقد ترجح الممكن من غير مرجح وهو يسد باب إثبات الصانع وأيضاً فإن كان كذلك كان وقوع ذلك الفعل اتفاقياً والاتفاقي لا يكون في وسعه واختياره فكيف يؤمر به وينهى عنه فيا أيها القاضي ما الفائدة في التمسك بالأمر والنهي ، وتكثير الوجوه التي يرجع حاصلها إلى حرف واحد مع أن مثل هذا البرهان القاطع يقلع خلفك ، ويستأصل عروق كلامك ولو أجمع الأولون والآخرون على هذا البرهان لما تخلصوا عنه إلا بالتزام وقوع الممكن لا عن مرجح وحينئذٍ ينسد باب إثبات الصانع أو بالتزام أنه يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد وهو جوابنا.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/374)

المسألة السادسة : للعقلاء في قوله تعالى : {وَكَانَ مِنَ الْكَـافِرِينَ} قولان : أحدهما : أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقاً كافراً وفي تقرير هذا لقول وجهان : أحدهما : حكى محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أول كتابه المسمى "بالملل والنحل" عن ماري شارح الأناجيل الأربعة وهي مذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس للملائكة إني أسلم أن لي إلهاً هو خالقي ، وموجدي ، وهو خالق الخلق ، لكن لي على حكمة الله تعالى أسئلة سبعة ، الأولى : ما الحكمة في الخلق لا سيما إن كان عالماً بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام ؟
الثاني : ثم ما الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود منه ضر ولا نفع وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف ؟
الثالث : هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني السجود لآدم ؟
الرابع : ثم لما عصيته في ترك السجود لآدم فلم لعنني وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه ، ولي فيه أعظم الضرر ؟
الخامس : ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوست لآدم عليه السلام ؟
ثم لما فعلت ذلك / فلم سلطني على أولاده ومكنني من إغوائهم وإضلالهم ؟
السابع : ثم لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك ، فلم أمهلني. ومعلوم أن العالم لو كان خالياً عن الشر لكان ذلك خيراً ؟
قال شارح الأناجيل : فأوحى الله تعالى إليه من سرادقات الجلال والكبرياء : يا إبليس إنك ما عرفتني ، ولو عرفتني لعلمت أنه لا عتراض على في شيء من أفعالي فإني أنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل. واعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون من الخلائق وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات مخلصاً وكان الكل لازماً ، أما إذا أجبنا بذلك الجواب الذي ذكره الله تعالى زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات وكيف لا وكما أنه سبحانه واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في صفاته فهو مستغنٍ في فاعليته عن المؤثرات والمرجحات إذ لو افتقر لكان فقيراًلا غنياً فهو سبحانه مقطع الحاجات ومنتهى الرغبات ومن عنده نيل الطلبات وإذا كان كذلك لم تتطرق اللمية إلى أفعاله ولم يتوجه الاعتراض على خالقيته وما أحسن ما قال بعضهم : جل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال فهذا القائل أجرى قوله تعالى : {وَكَانَ مِنَ الْكَـافِرِينَ} على ظاهره وقال إنه كان كافراً منافقاً منذ كان. الوجه الثاني : في تقرير أنه كان كافراً أبداً قول أصحاب الموافاة وذلك لأن الإيمان يوجب استحقاق العقاب الدائم والجمع بين الثواب الدائم والعقاب الدائم محال فإذا صدر الإيمان من المكلف في وقت ثم صدر عنه والعياذ بالله بعد ذلك كفر فأما أن يبقى الاستحقاقان معاً وهو محال على ما بيناه أو يكون الطارىء مزيلاً للسابق وهو أيضاً محال لأن القول بالإحباط باطل فلم يبق إلا أن يقال إن هذا الفرض محال وشرط حصول الإيمان أن لا يصدر الكفر عنه في وقت قط فإذا كانت الخاتمة على الكفر علمنا أن الذي صدر عنه أولاً ما كان إيماناً إذا ثبت هذا فنقول : لما كان ختم إبليس على الكفر علمنا أنه ما كان مؤمناً قط ، القول الثاني : أن إبليس كان مؤمناً ثم كفر بعد ذلك وهؤلاء اختلفوا في تفسير قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/375)

{وَكَانَ مِنَ الْكَـافِرِينَ} فمنهم من قال معناه وكان من الكافرين في علم الله تعالى أي كان عالماً في الأزل بأنه سيكفر فصيغة كان متعلقة بالعلم لا بالمعلوم ، والوجه الثاني : أنه لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمناً قبل ذلك فبعد مضى كفره صدق عليه في ذلك الوقت أنه كان في ذلك الوقت من الكافرين ومتى صدق عليه ذلك وجب أن يصدق عليه أنه كان من الكافرين جزء من مفهوم قولنا كان من الكافرين في ذلك الوقت ، ومتى صدق المركب صدق المفرد لا محالة. الوجه الثالث : المراد من كان صار ، أي وصار من الكافرين ، وههنا أبحاث ، البحث الأول : اختلفوا في أن قوله تعالى : {وَكَانَ مِنَ الْكَـافِرِينَ} هل يدل على أنه وجد قبله جمع من الكافرين حتى يصدق القول بأنه من الكافرين ، قال قوم إنه يدل عليه لأن كلمة من للتبعيض ، فالحكم عليه بأنه بعض الكافرين يقتضي وجود قوم آخرين من الكافرين حتى يكون هو بعضاً لهم والذي يؤكد ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه قال : "إن الله تعالى خلق خلقاً من الملائكة ثم قال لهم إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فقالوا لا نفعل ذلك فبعث / الله عليهم ناراً فأحرقتهم وكان إبليس من أولئك الذين أبوا" وقال آخرون هذه الآية لا تدل على ذلك ثم لهم في تفسير الآية وجهان : أحدهما : معنى الآية أنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك وهو قول الأصم وذكر في مثاله قوله تعالى : {الْمُنَـافِقُونَ وَالْمُنَـافِقَـاتُ بَعْضُهُم مِّنا بَعْضٍ } (التوبة : 67) فأضاف بعضهم إلى بعض بسبب الموافقة في الدين فكذا ههنا لما كان الكفر ظاهراً من أهل العالم عند نزول هذه الآية صح قوله وكان من الكافرين. وثانيها : أن هذا إضافة لفرد من أفراد الماهية إلى تلك الماهية وصحة هذه الإضافة لا تقتضي وجود تلك الماهية كما أن الحيوان الذي خلقه الله تعالى أولاً يصح أن يقال إنه فرد من أفراد الحيوان لا بمعنى أنه واحد من الحيوانات الموجودة خارج الذهن بل بمعنى أنه فرد من أفراد هذه الماهية وواحد من آحاد هذه الحقيقة ، واعلم أنه يتفرع على هذا البحث أن إبليس هل كان أول من كفر بالله ، والذي عليه الأكثرون أنه أول من كفر بالله.
البحث الثاني : أن المعصية عند المعتزلة وعندنا ، لا توجب الكفر ، أما عندنا فلأن صاحب الكبيرة مؤمن ، وأما عند المعتزلة فلأنه وإن خرج عن الإيمان فلم يدخل في الكفر ، وأما عند الخوارج فكل معصية كفر ، وهم تمسكوا بهذه الآية ، قالوا إن الله تعالى كفر إبليس بتلك المعصية فدل على أن المعصية كفر ، الجواب إن قلنا إنه كافر من أول الأمر فهذا السؤال زائل ، وإن قلنا إنه كان مؤمناً ، فنقول إنه إنما كفر لاستكباره واعتقاده كونه محقاً في ذلك التمرد واستدلاله على ذلك بقوله : {أَنَا خَيْرٌ مِّنْه } والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
المسألة السابعة : قال الأكثرون إن جميع الملائكة مأمورون بالسجود لآدم واحتجوا عليه بوجهين : الأول : أن لفظ الملائكة صيغة الجمع وهي تفيد العموم لا سيما وقد وردت هذه اللفظة مقرونة بأكمل وجوه التأكيد في قوله : {فَسَجَدَ الْمَلَئكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} . الثاني : هو أنه تعالى استثنى إبليس منهم واستثناء الشخص الواحد منهم يدل على أن من عدا ذلك الشخص كان داخلاً في ذلك الحكم ومن الناس من أنكر ذلك وقال المأمورون بهذا السجود هم ملائكة الأرض واستعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك. وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية وقالوا يستحيل أن تكون الأرواح السماوية منقادة للنفوس الناطقة إنما المراد من الملائكة المأمورين بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة والكلام في هذه المسألة مذكور في العقليات.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
0
(1/376)

المسألة الأولى : اختلفوا في أن قوله {اسْكُنْ} أمرتكليف أو إباحة فالمروي عن قتاده أنه قال : إن الله تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة إن يأكل منها فما زالت به البلايا حتى وقع فيم نهى عنه فبدت سوأته عند ذلك وأهبط من الجنة وأسكن موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف. وقال آخرون : إن ذلك إباحة لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله : {كُلُوا مِن طَيِّبَـاتِ مَا رَزَقْنَـاكُمْ } (الأعراف : 16) أمراً وتكليفاً بل إباحة ، والأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة ، وعلى ما هو تكليف ، أما الإباحة فهو أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذوناً في الانتفاع بجميع نعم الجنة ، وأما التكليف فهو أن المنهى عنه كان حاضراً وهو كان ممنوعاً عن تناوله ، قال بعضهم : لو قال رجل لغيره أسكنتك داري لا تصير الدار ملكاً له ، فههنا لم يقل الله تعالى : وهبت منك الجنة بل قال أسكنتك الجنة وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك.
المسألة الثانية : أن الله تعالى لما أمر الكل بالسجود لآدم وأبى إبليس السجود صيره الله ملعوناً ثم أمر آدم بأن يسكنها مع زوجته. واختلفوا في الوقت الذي خلقت زوجته فيه ، فذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة فبقي فيها وحده وما كان معه من يستأنس به فألقى الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه ، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة فسألها من أنت ؟
قالت : امرأة. قال : ولم خلقت ؟
قالت : لتسكن إليّ ، فقالت الملائكة : / ما اسمها ؟
قالوا : حواء ، ولم سميت حواء ، قال : لأنها خلقت من شيء حي ، وعن عمر وابن عباس رضي الله عنهما قال : بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ وعلى آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت حتى أدخلا الجنة. فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخال آدم الجنة والخبر الأول يدل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بالحقيقة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
المسألة الثالثة : أجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة وفي سائر القرآن ما يدل على ذلك وأنها مخلوقة منه كما قال الله تعالى في سورة النساء : {الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} (النساء : 1) وفي الأعراف : {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } (الأعراف : 189) ، وروى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "إن المرأة خلقت من ضلع الرجل فإن أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها انتفعت بها واستقامت".
المسألة الرابعة : اختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية ، هل كانت في الأرض أو في السماء ؟
وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب أو جنة الخلد أو جنة أخرى ؟
فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني : هذه الجنة كانت في الأرض ، وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى قعة كما في قوله تعالى : {اهْبِطُوا مِصْرًا} (البقرة : 61) واحتجا عليه بوجوه أحدها : أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله : {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى } (طه : 120) ، ولما صح قوله : {مَا نَهَـاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـاذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَـالِدِينَ} (الأعراف : 20). وثانيها : أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى : {وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (الحجر : 48). وثالثها : أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد. ورابعها : أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى : {أُكُلُهَا دَآاـاِمٌ وَظِلُّهَا } (الرعد : 35) ولقوله تعالى : {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِى الْجَنَّةِ خَـالِدِينَ فِيهَا} إلى أن قال : {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} (هود : 108) أي غير مقطوع ، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم عليه السلام لما فنيت ، لكنها تفنى لقوله تعالى : {كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَه } (
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/377)

القصص : 88) ولما خرج منها آدم عليه السلام لكنه خرج منها وانقطعت تلك الراحات. وخامسها : أنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدىء الخلق في جنة يخلدهم فيها ولا تكليف لأنه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل ولأنه لا يهمل عباده بل لا بد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد ، وسادسها : لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء ، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم ، فدل ذلك على أنه لم يحصل ، وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى له : {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} جنة أخرى غير جنة الخلد. القول الثاني : وهو قول الجبائي : أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل / عليه قوله تعالى : {اهْبِطُوا مِنْهَا} (البقرة : 38) ، ثم إن الإهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى ، والإهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض. القول الثالث : وهو قول جمهور أصحابنا : أن هذه الجنة هي دار الثواب والدليل عليه أن الألف واللام في لفظ الجنة لا يفيدان العموم لأن سكنى جميع الجنان محال ، فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب ، فوجب صرف اللفظ إليها ، والقول الرابع : أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة فوجب التوقف وترك القطع والله أعلم.
المسألة الخامسة : قال صاحب الكشاف : السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار و"أنت" تأكيد للمستكن في "اسكن" ليصح العطف عليه و"رغداً" وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً و"حيث" للمكان المبهم أي أي مكان من الجنة شئتما ، فالمراد من الآية إطلاق الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة حيث لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة من بين أشجارها الكثيرة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
المسألة السادسة : لقائل أن يقول : إنه تعالى قال ههنا : {وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا} وقال في الأعراف : {فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} (الأعراف : 19) فعطف {كَلا} على قوله : {اسْكُنْ} في سورة البقرة بالواو وفي سورة الأعراف بالفاء فما الحكمة ؟
والجواب : كل فعل عطف عليه شيء وكان الفعل بمنزلة الشرط ، وذلك الشيء بمنزلة الجزء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو كقوله تعالى : {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَـاذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} (البقرة : 58) فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقاً بدخولها فكأنه قال إن أدخلتموها أكلتم منها ، فالدخول موصل إلى الأكل ، والأكل متعلق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة الأعراف : {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَـاذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ} (الأعراف : 161) ، فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء لأن اسكنوا من السكنى وهي المقام مع طول اللبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده لأن من دخل بستاناً قد يأكل منه وإن كان مجتازاً فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء ، إذا ثبت هذا فنقول : إن {اسْكُنْ} يقال لمن دخل مكاناً فيراد منه الزم المكان الذي دخلته ولا تنتقل عنه ، ويقال أيضاً لمن لم يدخل اسكن هذا المكان يعني ادخله واسكن فيه ، ففي سورة البقرة هذه الأمر إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنة فكان المراد منه اللبث والاستقرار ، وقد بينا أن الأكل لا يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الواو. وفي سورة الأعراف هذا الأمر إنما ورد قيل : أن دخل الجنة فكان المراد منه دخول الجنة وقد بينا أن الأكل يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الفاء والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/378)

المسألة السابعة : قوله : {وَلا تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ} لا شبهة في أنه نهى ولكن فيه بحثان. الأول : أن هذا نهي تحريم أو نهي تنزيه فيه خلاف ، فقال قائلون : هذه الصيغة لنهي / التنزيه ، وذلك لأن هذه الصيغة وردت تارة في التنزيه وأخرى في التحريم ، والأصل عدم الاشتراك فلا بد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين القسمين ، وما ذلك إلا أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب الترك على جانب الفعل من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل أو على الإطلاق فيه ، لكن الإطلاق فيه كان ثابتاً بحكم الأصل ، فإن الأصل في المنافع الإباحة ، فإذا ضممنا مدلول اللفظ إلى هذا الأصل صار المجموع دليلاً على التنزيه ، قالوا : وهذا هو الأولى بهذا المقام لأن على هذا التقدير يرجع حاصل معصية آدم عليه السلام إلى ترك الأولى ومعلوم أن كل مذهب كان أفضى إلى عصمة الأنبياء عليهم السلام كان أولى بالقبول ، وقال آخرون : بل هذا النهي نهي تحريم واحتجوا عليه بأمور. أحدها : أن قوله تعالى : {وَلا تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ} كقوله : {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } (البقرة : 222) وقوله : {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} (الأنعام : 152) فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول. وثانيها : أنه قال : {فَتَكُونَا مِنَ الظَّـالِمِينَ} (البقرة : 35) معناه إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما ألا تراهما لما أكلا {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} (الأعراف : 23). وثالثها : أن هذا النهي لو كان نهي تنزيه لما استحق آدم بفعله الإخراج من الجنة ولما وجبت التوبة عليه ، والجواب عن الأول نقول : إن النهي وإن كان في الأصل للتنزيه ولكنه قد يحمل على التحريم لدلالة منفصلة ، وعن الثاني : أن قوله : {فَتَكُونَا مِنَ الظَّـالِمِينَ} أي فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنة التي لا تظمآن فيها ولا تجوعان ولا تضحيان ولا تعريان إلى موضع ليس لكما فيه شيء من هذا ، وعن الثالث : أنا لا نسلم أن الإخراج من الجنة كان لهذا السبب وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
البحث الثاني : قال قائلون قوله : {وَلا تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ} يفيد بفحواه النهي عن الأكل ، وهذا ضعيف لأن النهي عن القرب لا يفيد النهي عن الأكل إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله ، بل هذا الظاهر يتناول النهي عن القرب. وأما النهي عن الأكل فإنما عرف بدلائل أخرى وهي قوله تعالى في غير هذا الموضع : {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا} (الأعراف : 22) ولأنه صدر الكلام في باب الإباحة بالأكل فقال : {الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} فصار ذلك كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ثمرة تلك الشجرة لكن النهي عن ذلك بهذا القول يعم الأكل وسائر الانتفاعات ولو نص على الأكل ما كان يعم كل ذلك ففيه مزيد فائدة :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
المسألة الثامنة : اختلفوا في الشجرة ما هي ، فروى مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها البر والسنبلة. وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن الشجرة فقال : هي الشجرة المباركة السنبلة. وروى السدي عن ابن عباس وابن مسعود أنها الكرم ، وعن مجاهد وقتادة أنها التين ، وقال الربيع بن أنس : كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين فلا حاجة أيضاً إلى بيانه لأنه ليس المقصود من هذا الكلام أن يعرفنا عين تلك الشجرة وما لا يكون مقصوداً في / الكلام ، لا يجب على الحكيم أن يبينه بل ربما كان بيانه عبثاً لأن أحدنا لو أراد أن يقيم العذر لغيره في التأخر فقال : شغلت بضرب علماني لإساءتهم الأدب لكان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين هذا الغلام ويذكر اسمه وصفته ، فليس لأحد أن يظن أنه وقع ههنا تقصير في البيان ، ثم قال بعضهم الأقرب في لفظ الشجرة أن يتناول ماله ساق وأغصان ، وقيل لا حاجة إلى ذلك لقوله تعالى : {وَأَنابَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} (الصافات : 146) مع أنها كالزرع والبطيخ فلم يخرجه ذهابه على وجه الأرض من أن يكون شجراً ، قال المبرد : وأحسب أن كل ما تفرعت له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجراً في وقت تشعبه وأصل هذا أنه كل ما شجر أي أخذ يمنه ويسرة يقال : رأيت فلاناً في شجرته الرماح. وقال تعالى : {حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (النساء : 65) وتشاجر الرجلان في أمر كذا.
(1/379)

المسألة التاسعة : اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى : {فَتَكُونَا مِنَ الظَّـالِمِينَ} هو أنكما إن أكلتما فقد ظلمتما أنفسكما لأن الأكل من الشجرة ظلم الغير ، وقد يكون ظالماً بأن يظلم نفسه وبأن يظلم غيره ، فظلم النفس أعم وأعظم. ثم اختلف الناس ههنا على ثلاثة أقوال : الأول : قول الحشوية الذين قالوا : إنه أقدم على الكبيرة فلا جرم كان فعله ظلماً ، الثاني : قوله المعتزلة الذين قالوا : إنه أقدم على الصغيرة ثم لهؤلاء قولان : أحدهما : قول أبي علي الجبائي وهو أنه ظلم نفسه بأن ألزمها ما يشق عليه من التوبة والتلافي ، وثانيهما : قول أبي هاشم وهو أنه ظلم نفسه من حيث أحبط بعض ثوابه الحاصل فصار ذلك نقصاً فيما قد استحقه ، الثالث : قول من ينكر صدور المعصية منهم مطلقاً وحمل هذا الظلم على أنه فعل ما الأولى له أن لا يفعله. ومثاله إنسان طلب الوزارة ثم إنه تركها واشتغل بالحياكة ، فإنه يقال له : يا ظالم نفسه لم فعلت ذلك ؟
فإن قيل : هل يجوز وصف الأنبياء عليهم السلام بأنهم كانوا ظالمين أو بأنهم كانوا ظالمي أنفسهم ؟
والجواب أن الأولى أنه لا يطلق ذلك لما فيه من إيهام الذم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
0
قال صاحب الكشاف : {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَـانُ عَنْهَا} تحقيقه ، فأصدر الشيطان زلتهما عنها ولفظة {عَنْ} في هذه الآية كهي في قوله تعالى : {وَمَا فَعَلْتُه عَنْ أَمْرِى } (الكهف : 82) قال القفال رحمه الله : هو من الزلل يكون الإنسان ثابت القدم على الشيء ، فيزل عنه ويصير متحولاً عن ذلك الموضع ، ومن قرأ فهو من الزوال عن المكان ، وحكي عن أبي معاذ أنه قال : يقال أزلتك عن كذا / حتى زلت عنه وأزللتك حتى زللت ومعناهما واحد ، أي : حولتك عنه ، وقال بعض العلماء : أزلهما الشيطان أي استنزلهما ، فهو من قولك زل في دينه إذا أخطأ وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو دنياه. واعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلف الناس في عصمة الأنبياء عليهم السلام وضبط القول فيه أن يقال : الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة : أحدها : ما يقع في باب الاعتقاد ، وثانيها : ما يقع في باب التبليغ ، وثالثها : ما يقع في باب الأحكام والفتيا ، ورابعها : ما يقع في أفعالهم وسيرتهم. أما اعتقادهم الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عند أكثر الأمة. وقالت الفضيلية من الخوارج : إنهم قد وقعت منهم الذنوب ، والذنب عندهم كفر وشرك ، فلا جرم. قالوا بوقوع الكفر منهم ، وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية.
أما النوع الثاني : وهو ما يتعلق بالتبليغ ، فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب والتحريف ، فيما يتعلق بالتبليغ ، وإلا لارتفع الوثوق بالأداء ، واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً كما لا يجوز أيضاً سهواً ، ومن الناس من جوز ذلك سهواً ، قالوا : لأن الاحتراز عنه غير ممكن.
وأما النوع الثالث : وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيه على سبيل التعمد ، وأما على سبيل السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/380)

وأما النوع الرابع : وهو الذي يقع في أفعالهم ، فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها : قول من جوز عليهم الكبائر على جهة العمد وهو قول الحشوية. والثاني : قول من لا يجوز عليهم الكبائر لكنه يجوز عليهم الصغائر على جهة العمد إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف وهذا قول أكثر المعتزلة. القول الثالث : أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا بكبيرة على جهة العمد البتة ، بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي. القول الرابع : أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ ولكنهم مأخوذون بما يقع منهم على هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعاً عن أمتهم وذلك لأن معرفتهم أقوى ودلائلهم أكثر ، وأنهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم. القول الخامس : أنه لا يقع منهم الذنب لا الكبيرة ولا الصغيرة لا على سبيل القصد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل والخطأ ، وهو مذهب الرافضة ، واختلف الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال : أحدها : قول من ذهب إلى أنهم معصومون من وقت مولدهم وهو قول الرافضة ، وثانيها : قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت بلوغهم ولم يجوزوا منهم ارتكاب الكفر والكبيرة قبل النبوة ، وهو قول كثير من المعتزلة ، وثالثها : قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز وقت النبوة ، أما قبل النبوة فجائز ، وهو قول أكثر أصحابنا وقول أبي الهذيل وأبي علي من المعتزلة / والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة البتة لا الكبيرة ولا الصغيرة ، ويدل عليه وجوه : أحدها : لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة وذلك غير جائز ، بيان الملازمة أن درجة الأنبياء كانت في غاية الجلال والشرف ، وكل من كان كذلك كان صدور الذنب عنه أفحش ألا ترى إلى قوله تعالى : {يَـانِسَآءَ النَّبِىِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَـاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } ، (الأحزاب : 30) والمحصن يرجم وغيره يحد ، وحد العبد نصف حد الحر ، وأما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة فذاك بالإجماع. وثانيها : أن بتقدير إقدامه على الفسق وجب أن لا يكون مقبول الشهادة لقوله تعالى : {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُا بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } (الحجرات : 6) لكنه مقبول الشهادة ، وإلا كان أقل حالاً من عدول الأمة ، وكيف لا نقول ذلك وأنه لا معنى للنبوة والرسالة إلا أنه يشهد على الله تعالى بأنه شرع هذا الحكم وذاك ، وأيضاً فهو يوم القيامة شاهد على الكل لقوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
{لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } (البقرة : 143). وثالثها : أن بتقدير إقدامه على الكبيرة يجب زجره عنها ، فلم يكن إيذاؤه محرماً لكنه محرم لقوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالاخِرَةِ} (الأحزاب : 57). ورابعها : أن محمداً صلى الله عليه وسلّم لو أتى بالمعصية لوجب علينا الاقتداء به فيها لقوله تعالى : {فَاتَّبِعُونِى} فيفضي إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال ، وإذا ثبت ذلك حق محمد صلى الله عليه وسلّم ثبت أيضاً في سائر الأنبياء ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق. وخامسها : أنا نعلم ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفة في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه : لا تفعل كذا فيقدم عليه ترجيحاً للذته غير ملتفت إلى نهي ربه ولا منزجر بوعيده. هذا معلوم القبح بالضرورة. وسادسها : أنه لو صدرت المعصية من الأنبياء لكانوا مستحقين للعذاب لقوله تعالى : {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَه فَإِنَّ لَه نَارَ جَهَنَّمَ خَـالِدِينَ فِيهَآ} (الجن : 23) ولا استحقوا اللعن لقوله : {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّـالِمِينَ} (هود : 18) وأجمعت الأمة على أن أحداً من الأنبياء لم يكن مستحقاً للعن ولا للعذاب فثبت أنه ما صدرت المعصية عنه. وسابعها : أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله : {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَـابَا أَفَلا تَعْقِلُونَ} (البقرة : 44). وقال : {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَـاـاكُمْ عَنْه } (هود : 88) ، فما لا يلق بواحد من وعاظ الأمة كيف يجوز أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام. وثامنها : قوله تعالى : {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَـارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ} (الأنبياء : 90) ، ولفظ الخيرات للعموم فيتناول الكل ويدخل فيه فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي ، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل ما ينبغي فعله وتاركين كل ما ينبغي تركه ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. وتاسعها : قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/381)

{وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الاخْيَارِ} (ص : 47) ، وهذا يتناول جميع الأفعال والتروك بدليل جواز الاستثناء فيقال : فلاناً من المصطفين الأخيار إلا في الفعلة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته ، فثبت أنهم كانوا أخياراً في كل الأمور ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. وقال : {اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ } (الحج : 75) ، {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ا ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَـالَمِينَ} (آل عمران : 33). وقال في إبراهيم : {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَـاهُ فِي الدُّنْيَا } (البقرة : 130). وقال في موسى : {إِنِّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَـالَـاتِي وَبِكَلَـامِي} (الأعراف : 144). وقال : {وَاذْكُرْ عِبَـادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الايْدِى وَالابْصَـارِ * إِنَّآ أَخْلَصْنَـاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الاخْيَارِ} (ص : 45 ـ 47). فكل هذه الآيات دالة على كونهم موصوفين بالأصطفاء والخيرية ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. عاشرها : أنه تعالى حكى عن إبليس قوله : {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لاغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (ص : 82 ـ 83) ، فاستثنى من جملة من يغويهم المخلصين وهم الأنبياء عليهم السلام. قال تعالى في صفة إبراهيم وإسحاق ويعقوب : {إِنَّآ أَخْلَصْنَـاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} (ص : 46) وقال في يوسف : {إِنَّه مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} (يوسف : 24) ، وإذا ثبت وجوب العصمة في حق البعض ثبت وجوبها في حق الكل لأنه لا قائل بالفرق. والحادي عشر : قوله تعالى : {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} (سبأ : 20) ، فأولئك الذين ما اتبعوه وجب أن يقال : إنه ما صدر الذنب عنهم إلا فقد كانوا متبعين له ، وإذا ثبت في ذلك الفريق أنهم ما أذنبوا فذلك الفريق إما الأنيباء أو غيرهم ، فإن كانوا هم الأنبياء فقد ثبت في النبي أنه لا يذنب وإن كانوا غير الأنبياء فلو ثبت في الأنبياء أنهم أذنبوا لكانوا أقل درجة عند الله من ذلك الفريق ، فيكون غير النبي أفضل من النبي ، وذلك باطل بالاتفاق فثبت أن الذنب ما صدر عنهم. الثاني عشر : أنه تعالى قسم الخلق قسمين فقال :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
{ أولئك حِزْبُ الشَّيْطَـانِا أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَـانِ هُمُ الْخَـاسِرُونَ} وقال في الصنف الآخر ، { أولئك حِزْبُ اللَّه أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة : 22) ولا شك أن حزب الشيطان هو الذي يفعل ما يرتضيه الشيطان ، والذي يرتضيه الشيطان هو المعصية ، فكل من عصى الله تعالى كان من حزب الشيطان ، فلو صدرت المعصية من الرسول لصدق عليه أنه من حزب الشيطان ولصدق عليه أنه من الخاسرين ولصدق على زهاد الأمة أنهم من حزب الله وأنهم من المفلحين ، فحينئذ يكون ذلك الواحد من الأمة أفضل بكثير عند الله من ذلك الرسول ، وهذا لا يقوله مسلم. الثالث عشر : أن الرسول أفضل من الملك فوجب أن لايصدر الذنب من الرسول ، وإنما قلنا أنه أفضل لقوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ا ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَـالَمِينَ} (آل عمران : 33) ، ووجه الاستدلال به قد تقدم في مسألة فضل الملك على البشر وإنما قلنا إنه لما كان كذلك وجب أن لا يصدر الذنب عن الرسول لأنه تعالى وصف الملائكة بترك الذنب فقال : {لا يَسْبِقُونَه بِالْقَوْلِ} (الأنبياء : 27). وقال : {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم : 6) ، فلو صدرت المعصية عن الرسول لامتنع كونه أفضل من الملك لقوله تعالى : {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الارْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} (ص : 28).
الرابع عشر : روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلّم على وفق دعواه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "كيف شهدت لي" فقال : يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات أفلا أصدقك في هذا القدر ؟
فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلّم / وسماه بذي الشهادتين ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة.
الخامس عشر : قال في حق إبراهيم عليه السلام : {إِنِّى جَـاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } والإمام من يؤتم به فأوجب على كل الناس أن يأتموا به فلو صدر الذنب عنه لوجب عليهم أن يأتموا به في ذلك الذنب وذلك يفضي إلى التناقض.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/382)

السادس عشر : قوله تعالى : {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ} (البقرة : 124) والمراد بهذا العهد إما عهد النبوة أو عهد الإمامة ، فإن كان المراد عهد النبوة وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين ، وإن كان المراد عهد الإمامة وجب أن لا نثبت الإمامة للظالمين وإذا لم تثبت الإمامة للظالمين وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين ، لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماماً يؤتم به ويقتدى به. والآية على جميع التقديرات تدل على أن النبي لا يكون مذنباً ، أما المخالف فقد تمسك في كل واحد من المواضع الأربعة التي ذكرناه بآيات ونحن نشير إلى معاقدها ونحيل بالاستقصاء على ما سيأتي في هذا التفسير إن شاء الله تعالى : أما الآيات التي تمسكوا بها في باب الاعتقاد فثلاثة ، أولها : تمسكوا بالطعن في اعتقاد آدم عليه السلام بقوله : {هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } (الأعراف : 189) إلى آخر الآية. قالوا : لا شك أن النفس الواحدة هي آدم وزوجها المخلوق منها هي حواء ، فهذه الكنايات بأسرها عائدة إليهما فقوله : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لابِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةًا إِنِّى أَرَاـاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـالٍ مُّبِينٍ * وَكَذَالِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا قَالَ هَـاذَا رَبِّى فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الافِلِينَ} ، وأما الثاني فقوله : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِـامُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى ا قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنا قَالَ} (البقرة : 260) ، والجواب : أما قوله : {هَـاذَا رَبِّى } فهو استفهام على سبيل الإنكار ، وأما قوله : {وَلَـاكِن لِّيَطْمَـاـاِنَّ قَلْبِى } ، فالمراد أنه ليس الخبر كالمعاينة ، وثالثها : تمسكوا بقوله تعالى : {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـاَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَـابَ مِن قَبْلِكَا لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} (يونس : 94) ، فدلت الآية على أن محمداً صلى الله عليه وسلّم كان في شك مما أوحى إليه والجواب : أن القلب في دار الدنيا لا ينفك عن الأفكار المستعقبة للشبهات إلا أنه عليه الصلاة والسلام كان يزيلها بالدلائل.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
أما الآيات التي تمسكوا بها في باب التبليغ فثلاثة : أحدها : قوله : {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَآءَ اللَّه } (الأعلى : 6 ، 8) فهذا الاستثناء يدل على وقوع النسيان في الوحي ، الجواب : ليس النهي عن النسيان الذي هو ضد الذكر ، لأن ذاك غير داخل في الوسع بل عن النسيان بمعنى الترك فنحمله على ترك الأولى. وثانيها : قوله : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّه لا إِلَـاهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الحج : 52) ، / والكلام عليه مذكور في سورة الحج على الاستقصاء ، وثالثها : قوله تعالى : {عَـالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِه أَحَدًا * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّه يَسْلُكُ مِنا بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِه رَصَدًا * لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَـالَـاتِ رَبِّهِمْ} (الجن : 26 ـ 28). قالوا : فلولا الخوف من وقوع التخليط في تبليغ الوحي من جهة الأنبياء لم يكن في الاستظهار بالرصد المرسل معهم فائدة ، والجواب : لم لا يجوز أن تكون الفائدة أن يدفع ذلك الرصد الشياطين عن إلقاء الوسوسة. أما الآيات التي تمسكوا بها في الفتيا فثلاثة ، أحدها : قوله : {وَدَاوُادَ وَسُلَيْمَـانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ} (الأنبياء : 78) ، وقد تكلمنا عليه في سورة الأنبياء. وثانيها : (قوله في أسارى بدر حين فاداهم النبي صلى الله عليه وسلّم {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَه ا أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الارْضِ } (الأنفال : 67) ، فلولا أنه أخطأ في هذه الحكومة وإلا لما عوتب ، وثالثها : قوله تعالى : {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة : 43) ، والجواب عن الكل : أنا نحمله على ترك الأولى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/383)

أما الآيات التي تمسكوا بها في الأفعال فكثيرة ، أولها : قصة آدم عليه السلام ، تمسكوا بها من سبعة أوجه ، الأول : أنه كان عاصياً والعاصي لا بد وأن يكون صاحب الكبيرة ، وإنما قلنا إنه كان عاصياً لقوله تعالى : {وَعَصَى ا ءَادَمُ رَبَّه فَغَوَى } (طه : 121) وإنما قلنا أن العاصي صاحب الكبيرة لوجهين : الأول : أن النص يقتضي كونه معاقباً لقوله تعالى : {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَه فَإِنَّ لَه نَارَ جَهَنَّمَ} (الجن : 23) فلا معنى لصاحب الكبيرة إلا ذلك ، الثاني : أن صاحب الكبيرة ، الوجه الثاني في التمسك بقصة آدم أنه كان غاوياً لقوله تعالى {فَغَوَى } العاصي اسم ذم فوجب أن لا يتناول إلا والغي ضد الرشد ، لقوله تعالى : {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ } (البقرة : 256) ، فجعل الغي مقابلاً للرشد ، الوجه الثالث : أنه تائب والتائب مذنب ، وإنما قلنا إنه تائب لقوله تعالى : {فَتَلَقَّى ا ءَادَمُ مِن رَّبِّه كَلِمَـاتٍ فَتَابَ عَلَيْه } (البقرة : 37) وقال : {ثُمَّ اجْتَبَـاهُ رَبُّه فَتَابَ عَلَيْهِ} (طه : 122) وإنما قلنا : التائب مذنب لأن التائب هو النادم على فعل الذنب ، والنادم على فعل الذنب مخبر عن كونه فاعلاً الذنب ، فإن كذب في ذلك الإخبار فهو مذنب بالكذب ، وإن صدق فيه فهو المطلوب. الوجه الرابع : أنه ارتكب المنهي عنه في قوله : {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} (الأعراف : 22) ، {وَلا تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ} (الأعراف : 19) ، وارتكاب المنهى عنه عين الذنب. الوجه الخامس : سماه ظالماً في قوله : {فَتَكُونَا مِنَ الظَّـالِمِينَ} (البقرة : 35) وهو سمى نفسه ظالماً في قوله : {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} (الأعراف : 23) والظالم معلون لقوله تعالى : {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّـالِمِينَ} (هود : 18) ومن استحق اللعن كان صاحب الكبيرة. الوجه السادس : أنه اعترف بأنه لولا مغفرة الله إياه وإلا لكان خاسراً في قوله : {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَـاسِرِينَ} (
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
الأعراف : 23) ، وذلك يقتضي كونه صاحب الكبيرة. وسابعها : أنه أخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان وإزلاله جزاء على ما أقدم عليه من طاعة الشيطان ، وذلك يدل على كونه صاحب الكبيرة ، ثم قالوا : هب أن كل واحد من هذه الوجوه لا يدل على كونه فاعلاً للكبيرة ، لكن مجموعها لا شك في كونه قاطعاً في الدلالة عليه ، ويجوز أن يكون كل واحد من هذه الوجوه وإن لم يدل على الشيء / لكن مجموع تلك الوجوه يكون دالاً على الشيء. والجواب المعتمد عن الوجوه السبعة عندنا أن نقول : كلامكم إنما يتم لو أتيتم بالدلالة على أن ذلك كان حال النبوة ، وذلك ممنوع فلم لا يجوز أن يقال : إن آدم عليه السلام حالما صدرت عنه هذه الزلة ما كان نبياً ؛ ثم بعد ذلك صار نبياً ونحن قد بينا أنه لا دليل على هذا المقام. وأما الاستقصاء في الجواب عن كل واحد من الوجوه المفصلة فسيأتي إن شاء الله تعالى عند الكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات. ولنذكر ههنا كيفية تلك الزلة ليظهر مراد الله تعالى من قوله : {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَـانُ} (البقرة : 36) فنقول لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم عليه السلام بعد النبوة فإقدامه على ذلك الفعل إما أن يكون حال كونه ناسياً أو حال كونه ذاكراً ، أما الأول : وهو أنه فعله ناسياً فهو قول طائفة من المتكلمين واحتجوا عليه بقوله تعالى : {وَلَمْ نَجِدْ لَه عَزْمًا} (طه : 115) ومثلوه بالصائم يشتغل بأمر يستغرقه ويغلب عليه فيصير ساهياً عن الصوم ويأكل في أثناء ذلك السهو (لا) عن قصد ، لا يقال هذا باطل من وجهين. الأول : أن قوله تعالى : {مَا نَهَـاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـاذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} ، وقوله : {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّـاصِحِينَ} (الأعراف : 20 ـ 21) يدل على أنه ما نسي النهي حال الإقدام. وروى عن ابن عباس ما يدل على أن آدم عليه السلام تعمد لأنه قال لما أكلا منها فبدت لهما سوآتهما خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة ، فحبسته فناداه الله تعالى أفراراً مني ، فقال : بل حياء منك ، فقال له : أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك ؟
قال : بلى يا رب ولكني وعزتك ما كنت أرى أن أحداً يحلف بك كاذباً ، فقال : وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا كداً. الثاني : وهو أنه لو كان ناسياً لما عوتب على ذلك الفعل ، أما من حيث العقل فلأن الناسي غير قادر على الفعل ، فلا يكون مكلفاً به لقوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/384)

{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } (البقرة : 276) وأما من حيث النقل فلقوله عليه الصلاة والسلام "رفع القلم عن ثلاث" ، فلما عوتب عليه دل على أن ذلك لم يكن على سبيل النسيان. لأنا نقول : أما الجواب عن الأول فهو أنا لا نسلم أن آدم وحواء قبلا من إبليس ذلك الكلام ولا صدقاه فيه ، لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما في هذا التصديق أعظم من أكل الشجرة ، لأن إبليس لما قال لهما : {مَا نَهَـاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـاذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَـالِدِينَ} . فقد ألقى إليهما سوء الظن بالله ودعاهما إلى ترك التسليم لأمره والرضا بحكمه وإلى أن يعتقدا فيه كون إبليس ناصحاً لهما وأن الرب تعالى قد غشهما ولا شك أن هذه الأشياء أعظم من أكل الشجرة ، فوجب أن تكون المعاتبة في ذلك أشد وأيضاً كان آدم عليه السلام عالماً بتمرد إبليس عن السجود وكونه مبغضاً له وحاسداً له على ما آتاه الله من النعم ، فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوه مع هذه القرائن وليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام أو بعده ، ويدل على أن آدم كان عالماً بعداوته لقوله تعالى : {إِنَّ هَـاذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى } (طه : 117). وأما ما روي عن ابن عباس فهو أثر مروي بالآحاد ، فكيف يعارض القرآن ؟
وأما الجواب عن الثاني : فهو أن العتاب إنما حصل على ترك / التحفظ من أسباب النسيان ، وهذا الضرب من السهو موضوع عن المسلمين وقد كان يجوز أن يؤاخذوا به ، وليس بموضوع عن الأنبياء لعظم خطرهم ومثلوه بقوله تعالى : {كَرِيمًا * يَـانِسَآءَ النَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ } (الأحزاب : 32) ، ثم قال : {مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَـاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } (الأحزاب : 30). وقال عليه الصلاة والسلام : "أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل". وقال أيضاً : "إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم" ، فإن قيل كيف يجوز أن يؤثر عظم حالهم وعلو منزلتهم في حصول شرط في تكليفهم دون تكليف غيرهم ؟
قلنا أما سمعت : "حسنات الأبرار سيئات المقربين" ، ولقد كان على النبي صلى الله عليه وسلّم من التشديدات في التكليف ما لم يكن على غيره. فهذا في تقرير أنه صدر ذلك عن آدم عليه السلام على جهة السهو والنسيان. ورأيت في بعض التفاسير أن حواء سقته الخمر حتى سكر ثم في أثناء السكر فعل ذلك. قالوا : وهذا ليس ببعيد لأنه عليه السلام كان مأذوناً له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة ، فإذا حملنا الشجرة على البر ، كان مأذوناً في تناول الخمر ، ولقائل أن يقول : إن خمر الجنة لا يسكر ، لقوله تعالى في صفة خمر الجنة :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/385)

{لا فِيهَا غَوْلٌ} (الصافات : 47). أما القول الثاني : وهو أنه عليه السلام فعله عامداً فههنا أربعة أقوال : أحدها : أن ذلك النهي كان نهي تنزيه لا نهي تحريم ، وقد تقدم الكلام في هذا القول وعلته. الثاني : أنه كان ذلك عمداً من آدم عليه السلام وكان ذلك كبيرة مع أن آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت نبياً ، وقد عرفت فساد هذا القول. الثالث : أنه عليه السلام فعله عمداً ، لكن كان معه من الوجل والفزع والأشفاق ما صير ذلك في حكم الصغيرة ، وهذا القول أيضاً باطل بالدلائل المتقدمة لأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمداً وإن فعله مع الخوف إلا أنه يكون مع ذلك عاصياً مستحقاً للعن والذم والخلود في النار ، ولا يصح وصف الأنبياء عليهم السلام بذلك ، ولأنه تعالى وصفه بالنسيان في قوله : {فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَه عَزْمًا} (طه : 115) ، وذلك ينافي العمدية. القول الرابع : وهو اختيار أكثر المعتزلة : أنه عليه السلام أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه ، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة ، بيان الاجتهاد الخطأ أنه لما قيل له : {وَلا تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ} فلفظ {هَـاذِهِ} قد يشار به إلى الشخص ، وقد يشار به إلى النوع ، وروي أنه عليه السلام أخذ حريراً وذهباً بيده وقال : "هذان حل لإناث أمتي حرام على ذكورهم" ، وأراد به نوعهما ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة وقال : "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" ، وأراد نوعه ، فلما سمع آدم عليه السلام قوله تعالى : {وَلا تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ} (البقرة : 35) (الأعراف : 19) ظن أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة المعينة ، فتركها وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع ، إلا أنه كان مخطئاً في ذلك الاجتهاد لأن مراد الله تعالى من كلمة {هَـاذِهِ} كان النوع لا الشخص والاجتهاد في الفروع ، إذا كان خطأ لا يوجب استحقاق العقاب واللعن لاحتمال كونه صغيرة مغفورة كما في شرعنا ، فإن قيل : الكلام على هذا القول من وجوه : أحدها : أن كلمة {هَـاذَا} في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء الحاضر. والشيء الحاضر لا يكون إلا شيئاً معيناً ، فكلمة هذا في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء / المعين فأما أن يراد بها الإشارة إلى النوع ، فذاك على خلاف الأصل/ وأيضاً فلأنه تعالى لا تجوز الإشارة عليه فوجب أن يكون أمر بعض الملائكة بالإشارة إلى ذلك الشخص ، فكان ما عداه خارجاً عن النهي لا محالة ، إذا ثبت هذا فنقول : المجتهد مكلف بحمل اللفظ على حقيقته ، فآدم عليه السلام لما حمل لفظ
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/386)

{هَـاذَا} على المعين كان قد فعل الواجب ولا يجوز له حمله على النوع ، واعلم أن هذا الكلام متأيد بأمرين آخرين. أحدهما : أن قوله : {وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} (البقرة : 35) أفاد الإذن في تناول كل ما في الجنة إلا ما خصه الدليل. والثاني : أن العقل يقتضي حل الانتفاع بجميع المنافع إلا ما خصه الدليل ، والدليل المخصص لم يدل إلا على ذلك المعين ، فثبت أن آدم عليه السلام كان مأذوناً له في الانتفاع بسائر الأشجار ، وإذا ثبت هذا امتنع أن يستحق بسبب هذا عتاباً وأن يحكم عليه بكونه مخطئاً فثبت أن حمل القصة على هذا الوجه ، يوجب أن يحكم عليه بأنه كان مصيباً لا مخطئاً ، وإذا كان كذلك ثبت فساد هذا التأويل. الوجه الثاني : في الاعتراض على هذا التأويل. هب أن لفظ {هَـاذَا} متردد بين الشخص والنوع ، ولكن هل قرن الله تعالى بهذا اللفظ ما يدل على أن المراد منه النوع دون الشخص أو ما فعل ذلك ؟
فإن كان الأول فأما أن يقال إن آدم عليه السلام قصر في معرفة ذلك البيان ، فحينئذ يكون قد أتى بالذنب ، وإن لم يقصر في معرفته بل عرفه فقد عرف حينئذ أن المراد هو النوع ، فإقدامه على التناول من شجرة من ذلك النوع يكون إقداماً على الذنب قصداً. الوجه الثالث : أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاجتهاد إقدام على العمل بالظن ، وذلك إنما يجوز في حق من لا يتمكن من تحصيل العلم ، أما الأنبياء فإنهم قادرون على تحصيل اليقين ، فوجب أن لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاكتفاء بالظن مع القدرة على تحصيل اليقين غير جائز عقلاً وشرعاً ، وإذا ثبت ذلك ثبت أن الإقدام على الاجتهاد معصية. الوجه الرابع : هذه المسألة إما أن تكون من المسائل القطعية أو الظنية ، فإن كانت من القطعيات كان الخطأ فيها كبيراً وحينئذ يعود الإشكال ، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا إن كل مجتهد مصيب فلا يتحقق الخطأ فيها أصلاً ، وإن قلنا المصيب فيها واحد والمخطىء فيها معذور بالاتفاق فكيف صار هذا القدر من الخطأ سبباً لأن نزع عن آدم عليه السلام لباسه وأخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض ؟
والجواب عن الأول : أن لفظ هذا وإن كان في الأصل للإشارة إلى الشخص لكنه قد يستعمل في الإشارة إلى النوع كما تقدم بيانه ، وأنه سبحانه وتعالى كان قد قرن به ما دل على أن المراد هو النوع. والجواب عن الثاني : هو أن آدم عليه السلام لعله قصر في معرفة ذلك الدليل لأنه ظن أنه لا يلزمه ذلك في الحال ، أو يقال : إنه عرف ذلك الدليل في وقت ما نهاه الله تعالى عن عين الشجرة ، فلما طالت المدة غفل عنه لأن في الخبر أن آدم عليه السلام بقي في الجنة الدهر الطويل ثم أخرج. والجواب عن الثالث : أنه لا حاجة ههنا إلى إثبات أن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بالاجتهاد ، فأنا بينا أنه عليه السلام قصر في معرفة تلك الدلالة أو أنه كان قد عرفها / لكنه قد نسيها ، وهو المراد من قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
{فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَه عَزْمًا} ، والجواب عن الرابع : يمكن أن يقال : كانت الدلالة قطعية إلا أنه عليه السلام لما نسيها صار النسيان عذراً في أن لا يصير الذنب كبيراً أو يقال : كانت ظنية إلا أنه ترتب عليه من التشديدات ما لم يترتب على خطأ سائر المجتهدين لأن ذلك يجوز أن يختلف باختلاف الأشخاص ، وكما أن الرسول عليه الصلاة والسلام مخصوص بأمور كثيرة في باب التشديدات والتخفيفات بما لا يثبت في حق الأمة ، فكذا ههنا. واعلم أنه يمكن أن يقال في المسألة وجه آخر وهو أنه تعالى لما قال : {وَلا تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ} ونهاهما معاً فظن آدم عليه السلام أنه يجوز لكل واحد منهما وحده أن يقرب من الشجرة وأن يتناول منها ، لأن قوله : {وَلا تَقْرَبَا} نهي لهما على الجمع ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الإنفراد ، فلعل الخطأ في هذا الاجتهاد إنما وقع من هذا الوجه ، فهذا جملة ما يقال في هذا الباب والله أعلم.
(1/387)

المسألة الثانية : اختلفوا في أنه كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم عليه السلام مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم كان في الجنة ، وذكروا فيه وجوهاً. أحدها : قول القصاص وهو الذي رووه عن وهب بن منبه اليماني والسدي عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره : أنه لما أراد إبليس أن يدخل الجنة منعته الخزنة فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البختية ، وهي كأحسن الدواب بعدما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد منها فابتلعته الحية وأدخلته الجنة خفية من الخزنة ، فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من فمها واشتغل بالوسوسة. فلا جرم لعنت الحية وسقطت قوائمها وصارت تمشي على بطنها ، وجعل رزقها في التراب ، وصارت عدواً لبني آدم ، واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة ، ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة. وثانيها : أن إبليس دخل الجنة في صورة دابة ، وهذا القول أقل فساداً من الأول. وثالثها : قال بعض أهل الأصول : إن آدم وحواء عليهما السلام لعلهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان بقرب الباب ويوسوس إليهما ، ورابعها : هو قول الحسن : أن إبليس كان في الأرض وأوصل الوسوسة إليهما في الجنة. قال بعضهم : هذا بعيد لأن الوسوسة كلام خفي والكلام الخفي لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السماء ، واختلفوا من وجه آخر وهو أن إبليس هل باشر خطابهما أو يقال إنه أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه. حجة القول الأول : قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
{وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّـاصِحِينَ} (الأعراف : 21) ، وذلك يقتضي المشافهة ، وكذا قوله : {فَدَلَّـاهُمَا بِغُرُورٍ } (الأعراف : 22). وحجة القول الثاني : أن آدم وحواء عليهما السلام كانا يعرفانه ويعرفان ما عنده من الحسد والعداوة ، فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله وأن يلتفتا إليه ، فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة من بعض أتباع إبليس. بقي ههنا سؤالان ، السؤال الأول : / أن الله تعالى قد أضاف هذا الإزلال إلى إبليس فلم عاتبهما على ذلك الفعل ؟
قلنا معنى قوله : {فَأَزَلَّهُمَا} أنهما عند وسوسته أتيا بذلك الفعل فأضيف ذلك إلى إبليس كما في قوله تعالى : {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِى إِلا فِرَارًا} (نوح : 6). فقال تعالى حاكياً عن إبليس : {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـانٍ إِلا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى } (إبراهيم : 22) ، هذا ما قاله المعتزلة. والتحقيق في هذه الإضافة ما قررناه مراراً أن الإنسان قادر على الفعل والترك ومع التساوي يستحيل أن يصير مصدراً لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الداعي إليه ، والداعي عبارة في حق العبد عن علم أو ظن أو اعتقاد بكون الفعل مشتملاً على مصلحة ، فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبه نبه عليه كان الفعل مضافاً إلى ذلك لما لأجله صار الفاعل بالقوة فاعلاً بالفعل ، فلهذا المعنى انضاف الفعل ههنا إلى الوسوسة ، وما أحسن ما قال بعض العارفين إن زلة آدم عليه السلام هب أنها كانت بسبب وسوسة إبليس ، فمعصية إبليس حصلت بوسوسة من وهذا ينبهك على أنه ما لم يحصل الداعي لا يحصل الفعل وأن الدواعي وإن ترتب بعضها على بعض ، فلا بد من انتهائها إلى ما يخلقه الله تعالى ابتداء/ وهو الذي صرح به موسى عليه السلام في قوله : {إِنْ هِىَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ } (الأعراف : 155). السؤال الثاني : كيف كانت تلك الوسوسة ، الجواب : أنها هي التي حكى الله تعالى عنها في قوله : {مَا نَهَـاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـاذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَـالِدِينَ} (الأعراف : 20) ، فلم يقبلا ذلك منه ، فلما أيس من ذلك عدل إلى اليمين على ما قال : {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّـاصِحِينَ} (الأعراف : 21) ، فلم يصدقاه أيضاً ، والظاهر أنه بعد ذلك عدل إلى شيء آخر وهو أنه شغلهما باستيفاء اللذات المباحة حتى صارا مستغرقين فيه فحصل بسبب استغراقهما فيه نسيان النهي فعند ذلك حصل ما حصل ، والله أعلم بحقائق الأمور كيف كانت.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
أما قوله تعالى : {وَقُلْنَا اهْبِطُوا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : من قال إن جنة آدم كانت في السماء فسر الهبوط بالنزول من العلو إلى السفل ، ومن قال إنها كانت في الأرض فسره بالتحول من موضع إلى غيره ، كقوله : {اهْبِطُوا مِصْرًا} (البقرة : 61).
المسألة الثانية : اختلفوا في المخاطبين بهذا الخطاب بعد الاتفاق على أن آدم وحواء عليهما السلام كانا مخاطبين به وذكروا فيه وجوهاً : الأول : وهو قول الأكثرين : أن إبليس داخل فيه أيضاً قالوا لأن إبليس قد جرى ذكره في قوله : {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَـانُ عَنْهَا} أي فأزلهما وقلنا لهم اهبطوا.
(1/388)

وأما قوله تعالى : {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } فهذا تعريف لأدم وحواء عليهما السلام أن إبليس عدو لهما ولذريتهما كما عرفهما ذلك قبل الأكل من الشجرة فقال : {فَقُلْنَا يَـا ـاَادَمُ إِنَّ هَـاذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى } (طه : 117) ، فإن قيل : إن إبليس لما أبى من السجود صار كافراً / وأخرج من الجنة وقيل له : {فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} (الأعراف : 13) ، وقال أيضاً : {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} (ص : 77 (الحجر : 34) ، وإنما اهبط منها لأجل تكبره ، فزلة آدم عليه السلام إنما وقعت بعد ذلك بمدة طويلة ، ثم أمر بالهبوط بسبب الزلة ، فلما حصل هبوط إبليس قبل ذلك كيف يكون قوله : {اهْبِطُوا } ، متناولاً له ؟
قلنا : إن الله تعالى لما أهبطه إلى الأرض فلعله عاد إلى السماء مر أخرى لأجل أن يوسوس إلى آدم وحواء فحين كان آدم وحواء في الجنة قال الله تعالى لهما : {اهْبِطَا} ، فلما خرجا من الجنة واجتمع إبليس معهما خارج الجنة أمر الكل فقال : {اهْبِطُوا } ومن الناس من قال ليس معنى قوله : {اهْبِطُوا } أنه قال ذلك لهم دفعة واحدة ، بل قال ذلك لكل واحد منهم على حدة في وقت. الوجه الثاني : أن المراد آدم وحواء والحية وهذا ضعيف لأنه ثبت بالإجماع أن المكلفين هم الملائكة والجن والإنس ، ولقائل أن يمنع هذا الإجماع فإن من الناس من يقول قد يحصل في غيرهم جمع من المكلفين على ما قال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
{كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَه وَتَسْبِيحَه } (النور : 41) ، وقال سليمان للهدهد : {لاعَذِّبَنَّه عَذَابًا شَدِيدًا} (النمل : 21). الثالث : المراد آدم وحواء وذريتهما لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم ، والدليل عليه قوله : {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَـانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيه وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّا وَلَكُمْ فِى الارْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى ا ءَادَمُ مِن رَّبِّه كَلِمَـاتٍ فَتَابَ عَلَيْه إِنَّه هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا } (البقرة : 38 ، 36) ، ويدل عليه أيضاً قوله : {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِاَايَـاتِنَآ أُوالَـا ئِكَ أَصْحَـابُ النَّارِا هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ} (البقرة : 38 ، 39). وهذا حكم يعم الناس كلهم ومعنى : {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } ما عليه الناس من التعادي والتباغض وتضليل بعضهم لبعض ، واعلم أن هذا القول ضعيف لأن الذرية ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف يتناولهم الخطاب ؟
أما من زعم أن أقل الجمع اثنان فالسؤال زائل على قوله :
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن قوله : {اهْبِطُوا } أمر أو إباحة ، والأشبه أنه أمر لأن فيه مشقة شديدة لأن مفارقة ما كانا فيه من الجنة إلى موضع لا تحصل المعيشة فيه إلا بالمشقة والكد من أشق التكاليف ، وإذا ثبت هذا بطل ما يظن أن ذلك عقوبة ، لأن التشديد في التكليف سبب للثواب ، فكيف يكون عقاباً مع ما فيه من النفع العظيم ؟
فإن قيل : ألستم تقولون في الحدود وكثير من الكفارات إنها عقوبات وإن كانت من باب التكاليف ، قلنا : أما الحدود فهي واقعة بالمحدود من فعل الغير ، فيجوز أن تكون عقاباً إذا كان الرجل مصراً ، وأما الكفارات فإنما يقال في بعضها إنه يجري مجرى العقوبات لأنها لا تثبت إلا مع المأثم. فأما أن تكون عقوبة مع كونها تعريضات للثواب العظيم فلا.
المسألة الرابعة : أن قوله تعالى : {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } ، أمر بالهبوط وليس أمراً بالعداوة ، لأن عداوة إبليس لآدم وحواء عليهما السلام بسبب الحسد والاستكبار عن السجود واختداعه إياهما حتى أخرجهما من الجنة وعداوته لذريتهما بإلقاء الوسوسة والدعوة إلى الكفر والمعصية ، وشيء من ذلك لا يجوز أن يكون مأموراً به ، فأما عداوة آدم لإبليس / فإنها مأمور بها لقوله تعالى : {إِنَّ الشَّيْطَـانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا } (فاطر : 6) وقال تعالى : {يَـابَنِى ءَادَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَـانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ} (الأعراف : 27) إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من الآية اهبطوا من السماء وأنتم بعضكم لبعض عدو.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/389)

المسألة الخامسة : المستقر قد يكون بمعنى الاستقرار كقوله تعالى : {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَـاـاِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} (القيامة : 12) ، وقد يكون بمعنى المكان الذي يستقر فيه كقوله تعالى : {أَصْحَـابُ الْجَنَّةِ يَوْمَـاـاِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا} (الفرقان : 24) ، وقال تعالى : {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } (الأنعام : 98) إذا عرفت هذا فنقول : الأكثرون حملوا قوله تعالى : {وَلَكُمْ فِى الارْضِ مُسْتَقَرٌّ} (البقرة : 36) (الأعراف : 24) ، على المكان ، والمعنى أنها مستقركم حالتي الحياة والموت ، وروى السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : المستقر هو القبر ، أي قبوركم تكونون فيها. والأول أولى لأنه تعالى قدر المتاع وذلك لا يليق إلا بحال الحياة ، ولأنه تعالى خاطبهم بذلك عند الإهباط وذلك يقتضي حال الحياة ، واعلم أنه تعالى قال في سورة الأعراف في هذه القصة : {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّا وَلَكُمْ فِى الارْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} (الأعراف : 24 ، 25) ، فيجوز أن يكون قوله : {فِيهَا تَحْيَوْنَ} ، إلى آخر الكلام بياناً لقوله : {وَلَكُمْ فِى الارْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـاعٌ إِلَى حِينٍ} ، ويجوز أن يكون زيادة على الأول.
المسألة السادسة : اختلفوا في معنى الحين بعد اتفاقهم على أنه اسم للزمان والأولى أن يراد به الممتد من الزمان لأن الرجل يقول لصاحبه : ما رأيتك منذ حين إذا بعدت مشاهدته له ولا يقال ذلك مع قرب المشاهدة ، فلما كانت أعمار الناس طويلة وآجالهم عن أوائل حدوثهم متباعدة جاز أن يقول : {وَمَتَـاعٌ إِلَى حِينٍ} :
المسألة السابعة : اعلم أن في هذه الآيات تحذيراً عظيماً عن كل المعاصي من وجوه : أحدها : أن من تصور ما جرى على آدم عليه السلام بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة ، كان على وجل شديد من المعاصي ، قال الشاعر :
يا ناظراً يرنو بعيني راقد
ومشاهداً للأمر غير مشاهد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى
درك الجنان ونيل فوز العابد
أنسيت أن الله أخرج آدما
منها إلى الدنيا بذنب واحد
وعن فتح الموصلي أنه قال : كنا قوماً من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا ، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها ، وثانيها : التحذير عن الاستكبار والحسد والحرص ، عن قتادة في قوله تعالى : {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} (البقرة : 34) ، قال حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا ناري وهذا طيني ثم ألقى الحرص في قلب آدم حتى حمله على ارتكاب المنهى عنه ثم ألقى الحسد في قلب قابيل حتى قتل هابيل. وثالثها : أنه سبحانه وتعالى بين العداوة الشديدة بين ذرية آدم وإبليس ، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الحذر.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
0
المسألة الأولى : قال القفال : أصل التلقي هو التعرض للقاء ثم يوضع في موضع الاستقبال للشيء الجائي ثم يوضع موضع القبول والأخذ. قال الله تعالى : {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} (النمل : 6) ، أي تلقنه. ويقال : تلقينا الحجاج أي استقبلناهم. ويقال : تلقيت هذه الكلمة من فلان أي أخذتها منه. وإذا كان هذا أصل الكلمة وكان من تلقى رجلاً فتلاقيا لقي كل واحد صاحبه فأضيف الاجتماع إليهما معاً صلح أن يشتركا في الوصف بذلك ، فيقال : كل ما تلقيته فقد تلقاك فجاز أن يقال : تلقى آدم كلمات أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول ، وجاز أن يقال : تلقى كلمات بالرفع على معنى جاءته عن الله كلمات ومثله قوله : {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ} (البقرة : 124) وفي قراءة ابن مسعود (الظالمون).
المسألة الثانية : اعلن أنه لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد وأن يعرف ماهية التوبة ويتمكن بفعلها من تدارك الذنوب ويميزها عن غيرها فضلاً عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، بل يجب حمله على أحد الأمور. أحدها : التنبيه على المعصية الواقعة منه على وجه صار آدم عليه السلام عند ذلك من التائبين المنيبين. وثانيها : أنه تعالى عرفه وجوب التوبة وكونها مقبولة لا محالة على معنى أن من أذنب ذنباً صغيراً أو كبيراً ثم ندم على ما صنع وعزم على أن لا يعود فإني أتوب عليه. قال الله تعالى : {فَتَلَقَّى ا ءَادَمُ مِن رَّبِّه كَلِمَـاتٍ} ، أي أخذها وقبلها وعمل بها. وثالثها : أنه تعالى ذكره بنعمه العظيمة عليه فصار ذلك من الدواعي القوية إلى التوبة. ورابعها : أنه تعالى علمه كلاماً لو حصلت التوبة معه لكان ذلك سبباً لكمال حال التوبة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/390)

المسألة الثالثة : اختلفوا في أن تلك الكلمات ما هي ؟
فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن آدم عليه السلام قال : يا رب ألم تخلقني بيدك بلا واسطة ؟
قال : بلى. قال : يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك ؟
قال : بلى. قال : ألم تسكني جنتك ؟
قال : بلى. قال : يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك ؟
قال : بلى. قال : يا رب إن تبت وأصلحت تردني إلى الجنة ؟
قال : بلى فهو قوله : {فَتَلَقَّى ا ءَادَمُ مِن رَّبِّه كَلِمَـاتٍ} وزاد السدي فيه : يا رب هل كنت كتبت علي ذنباً ؟
قال : نعم. وثانيها : قال النخعي : أتيت ابن عباس فقلت : ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه. قال : علم الله آدم وحواء أمر الحج فحجا وهي الكلمات التي تقال في الحج ، فلما فرغا من الحج أوحى الله تعالى إليهما بأني قبلت توبتكما. وثالثها : قال مجاهد وقتادة في إحدى الروايتين عنهما هي قوله : {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَـاسِرِينَ} (الأعراف : 23). ورابعها : قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم : إنها قوله لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين ، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت خير الراحمين. لا إله إلا أنت سبحانك / وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم. وخامسها : قالت عائشة لما أراد الله تعالى أن يتوب على آدم طاف بالبيت سبعاً ، والبيت يومئذ ربوة حمراء ، فلما صلى ركعتين استقبل البيت وقال : اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي. اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي وأرضى بما قسمت لي. فأوحى الله تعالى إلى آدم : يا آدم قد غفرت لك ذنبك ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بهذا الدعاء الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من بين عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
المسألة الرابعة : قال الغزالي رحمه الله : التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة ، علم وحال وعمل ، فالعلم أول والحال ثان والعمل ثالث ، والأول موجب للثاني ، والثاني موجب للثالث إيجاباً اقتضته سنة الله في الملك والملكوت ، أما العلم فهو معرفة ما في الذنب من الضرر وكونه حجاباً بين العبد ورحمة الرب ، فإذا عرف ذلك معرفة محققة حصل من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات المحبوب ، فإن القلب مهما شعر بفوات المحبوب تألم ، فإذا كان فواته يفعل من جهته تأسف بسبب فوات المحبوب على الفعل الذي كان سبباً لذلك الفوات فسمي ذلك التأسف ندماً ، ثم إن ذلك الألم إذا تأكد حصلت منه إرادة جازمة ولها تعلق بالحال وبالمستقبل وبالماضي ، أما تعلقها بالحال فبترك الذنب الذي كان ملابساً له وأما بالمستقبل فالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر. وأما بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر ، فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني به اليقين التام بأن هذه الذنوب سموم مهلكة ، فهذا اليقين نور وهذا النور يوجب نار الندم فيتألم به القلب حيث أبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوباً عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيطلع النور عليه بانقشاع السحاب ، فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فتنبعث من تلك النيران إرادته للانتهاض للتدارك ، فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مترتبة في الحصول (على التوبة). ويطلق اسم التوبة على مجموعها وكثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم السابق كالمقدمة والترك كالثمرة والتابع المتأخر. وبهذا الاعتبار قال عليه السلام : "الندم توبة" ، إذ لا ينفك الندم عن علم أوجبه وعن عزم يتبعه فيكون الندم محفوفاً بطرفيه ، أعني مثمره وثمرته ، فهذا هو الذي لخصه الشيخ الغزالي في حقيقة التوبة وهو كلام حسن. وقال القفال : لا بد في التوبة من ترك ذلك الذنب ومن الندم على ما سبق ومن العزم على أن لا يعود إلى مثله ومن الاشفاق فيما بين ذلك كله ، أما أنه لا بد من الترك فلأنه لو لم يترك لكان فاعلاً له فلا يكون تائباً ، وأما الندم فلأنه لو لم يندم لكان راضياً بكونه فاعلاً له والراضي بالشيء قد يفعله والفاعل للشيء لا يكون تائباً عنه ، وأما العزم على أن لا يعود إلى مثله فلأن فعله معصية والعزم على المعصية / معصية ، وأما الأشفاق فلأنه مأمور بالتوبة ولا سبيل له إلى القطع بأنه أتى بالتوبة كما لزمه فيكون خائفاً ، ولهذا قال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/391)

{يَحْذَرُ الاخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّه } (الزمر : 9) وقال عليه السلام : "لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا" ، واعلم أن كلام الغزالي رحمه الله أبين وأدخل في التحقيق ، إلا أنه يتوجه عليه إشكال وهو أن العلم بكون الفعل الفلاني ضرراً مع العلم بأن ذلك الفعل صدر منه يوجب تألم القلب وذلك التألم يوجب إرادة الترك في الحال والاستقبال وإرادة تلافي ما حصل منه في الماضي وإذا كان بعض هذه الأشياء مرتباً على البعض ترتباً ضرورياً لم يكن ذلك داخلاً تحت قدرته فاستحال أن يكون مأموراً به. والحاصل أن الداخل في الوسع ليس إلا تحصيل العلم ، فأما ما عداه فليس للاختيار إليه سبيل ، لكن لقائل أن يقول : تحصيل العلم ليس أيضاً في الوسع لأن تحصيل العلم ببعض المجهولات لا يمكن إلا بواسطة معلومات متقدمة على ذلك المجهول ؛ فتلك العلوم الحاضرة المتوسل بها إلى اكتساب ذلك المجهول/ إما أن تكون مستلزمة للعلم بذلك المجهول أو لم تكن مستلزمة. فإن كان الأول كان ترتب المتوسل إليه على المتوسل به ضرورياً ، فلا يكون ذلك داخلاً في القدرة والاختيار ، وإن كان الثاني لم يكن استنتاج المطلوب المجهول عن تلك المعلومات الحاضرة لأن المقدمات القريبة لا بد وأن تكون بحال يلزم من تسليمها في الذهن تسليم المطلوب ، فإذا لم تكن كذلك لم تكن تلك المقدمات منتجة لتلك النتيجة. فإن قيل لم لا يجوز أن يقال : تلك المقدمات وإن كانت حاضرة في الذهن إلا أن كيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة غير حاضرة في الذهن ، فلا جرم لا يلزم من العلم بتلك المقدمات العلم بتلك النتيجة لا محالة. قلنا : العلم بكيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة إما أن يكون من البديهيات أو من الكسبيات ، فإن كان من البديهيات لم يكن في وسعه ؛ وإن كان من الكسبيات كان القول في كيفية اكتسابه كما في الأول ، فإما أن يفضي إلى التسلسل وهو محال أو يفضي إلى أن يصير من لوازمه فيعود المحذور المذكور والله أعلم.
المسألة الخامسة : سأل القاضي عبد الجبار نفسه فقال : إذا كانت هذه المعصية صغيرة فكيف تلزم التوبة ؟
وأجاب بأن أبا علي قال : إنها تلزمه لأن المكلف متى علم أنه قد عصى لم يحد فيما بعد وهو مختار ولا مانع من أن يكون نادماً أو مصراً لكن الإصرار قبيح فلا تتم مفارقته لهذا القبيح إلا بالتوبة ، فهي إذن لازمة سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة وسواء ذكرها وقد تاب عنها من قبل أو لم يتب. أما أبو هاشم فإنه يجوز أن يخلو العاصي من التوبة والإصرار ويقول : لا يصح أن تكون التوبة واجبة على الأنبياء لهذا الوجه بل يجب أن تكون واجبة لإحدى خلال ، فإما أن تجب لأن بالصغيرة قد نقص ثوابهم فيعود ذلك النقصان بالتوبة ، وإما لأن التوبة نازلة منزلة الترك ، فإذا كان الترك واجباً عند الإمكان فلا بد من وجوب التوبة مع عدم الإمكان ، وربما قال : تجب التوبة عليهم من جهة السمع وهذا هو الأصح على قوله : لأن التوبة / لا يجوز أن تجب لعود الثواب الذي هو المنافع فقط لأن الفعل لا يجوز أن يجب لأجل جلب المنافع كما لا تجب النوافل بل الأنبياء عليهم السلام لما عصمهم الله تعالى صار أحد أسباب عصمتهم التشديد عليهم في التوبة حالاً بعد حال وإن كانت معاصيهم صغيرة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
المسألة السادسة : قال القفال : أصل التوبة الرجوع كالأوبة. يقال : توب كما يقال أوب. قال الله تعالى : {وَقَابِلِ التَّوْبِ} فقولهم تاب يتوب توباً وتوبة ومتاباً فهو تائب وتواب كقولهم آب يؤوب أوباً وأوبة فهو آيب وأواب ، والتوبة لفظة يشترك فيها الرب والعبد ، فإذا وصف بها العبد فالمعنى رجع إلى ربه لأن كل عاصٍ فهو في معنى الهارب من ربه فإذا تاب فقد رجع عن هربه إلى ربه فيقال : تاب إلى ربه والرب في هذه الحالة كالمعرض عن عبده وإذا وصف بها الرب تعالى فالمعنى أنه رجع على عبده برحمته وفضله ولهذا السبب وقع الاختلاف في الصلة ، فقيل في العبد : تاب إلى ربه. وفي الرب على عبده وقد يفارق الرجل خدمة رئيس فيقطع الرئيس معروفه عنده ، ثم يراجع خدمته ، فيقال : فلان عاد إلى الأمير والأمير عاد عليه بإحسانه ومعروفه ، إذا عرفت هذا فنقول : قبول التوبة يكون بوجهين ، أحدهما : أن يثيب عليها الثواب العظيم كما أن قبول الطاعة يراد به ذلك ، والثاني : أنه تعالى يغفر ذنوبه بسبب التوبة.
(1/392)

المسألة السابعة : المراد من وصف الله تعالى بالتواب المبالغة في قبول التوبة وذلك من وجهين ، الأول : أن واحداً من ملوك الدنيا متى جنى عليه إنسان ثم اعتذر إليه فإنه يقبل الاعتذار ، ثم إذا عاد إلى الجناية وإلى الاعتذار مرة أخرى فإنه لا يقبله لأن طبعه يمنعه من قبول العذر ، أما الله سبحانه وتعالى فإنه بخلاف ذلك/ فإنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضرر بل إنما يقبلها لمحض الإحسان والتفضل. فلو عصى المكلف كل ساعة ثم تاب وبقي على هذه الحالة العمر الطويل لكان الله تعالى يغفر له ما قد سلف ويقبل توبته ، فصار تعالى مستحقاً للمبالغة في قبول التوبة فوصف بأنه تعالى تواب. الثاني : أن الذين يتوبون إلى الله تعالى فإنه يكثر عددهم فإذا قبل توبة الجميع استحق المبالغة في ذلك ، ولما كان قبول التوبة مع إزالة العقاب يقتضي حصول الثواب وكان الثواب من جهته نعمة ورحمة وصف نفسه مع كونه تواباً بأنه رحيم.
المسألة الثامنة : في هذه الآية فوائد : إحداها : أنه لا بد وأن يكون العبد مشتغلاً بالتوبة في كل حين وأوان ، لما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار ، أما الأحاديث (أ) روي أن رجلاً سأل أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه عن الرجل يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر فقال أمير المؤمنين : يستغفر أبداً حتى يكون الشيطان هو الخاسر فيقول لا طاقة لي معه ، وقال علي : كلما قدرت أن تطرحه في ورطة وتتخلص منها فافعل. (ب) وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : لم يصر من استغفر / وإن عاد في اليوم سبعين مرة. (ج) وعن ابن عمر قال عليه الصلاة والسلام : توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في كل يوم مائة مرة. (د) وأبو هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام حين أنزل عليه : {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقْرَبِينَ} (الشعراء : 214) "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغنى عنكم من الله شيئاً يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئاً يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئاً يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئاً" أخرجاه في الصحيح. (هـ) وقال عليه الصلاة والسلام : "إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم مائة مرة".
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
واعلم أن الغين شيء يغشى القلب فيغطيه بعض التغطية وهو كالغيم الرقيق الذي يعرض في الجو فلا يحجب عن الشمس ولكن يمنع كمال ضوئها ، ثم ذكروا لهذا الحديث تأويلات أحدها : أن الله تعالى أطلع نبيه على ما يكون في أمته من بعده من الخلاف وما يصيبهم فكان إذا ذكر ذلك وجد غيماً في قلبه فاستغفر لأمته. وثانيها : أنه عليه الصلاة والسلام كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى ، فكان الاستغفار لذلك. وثالثها : أن الغيم عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية ، فإذا عاد إلى الصحو كان الاستغفار من ذلك الصحو وهو تأويل أرباب الحقيقة ، ورابعها : وهو تأويل أهل الظاهر أن القلب لا ينفك عن الخطرات والخواطر والشهوات وأنواع الميل والإرادات فكان يستعين بالرب تعالى في دفع تلك الخواطر (و) أبو هريرة قال : قال عمر رضي الله عنه في قوله تعالى : {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا} (التحريم : 8) إنه هو الرجل يعمل الذنب ثم يتوب ولا يريد أن يعمل به ولا يعود ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : هو أن يهجر الذنب ويعزم على أن لا يعود إليه أبداً. (ز) قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم حاكياً عن الله تعالى : يقول لملائكته : "إذا هم عبدي بالحسنة فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها وإذا هم بالسيئة فعملها فاكتبوها سيئة واحدة فإن تركها فاكتبوها له حسنة" رواه مسلم. (ح) روي أن جبريل عليه السلام سمع إبراهيم عليه السلام وهو يقول : يا كريم العفو ، فقال جبريل : أو تدري ما كريم العفو ؟
فقال : لا يا جبريل. قال : أن يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة. (ط) أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام : "من استفتح أول نهاره بالخير وختمه بالخير قال الله تعالى للملائكة لا تكتبوا على عبدي ما بين ذلك من الذنوب".
(
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/393)

ي) عن أبي سعيد الخدري قال : قال عليه الصلاة والسلام : "كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض ، فدل على راهب فأتاه فقال : إنه قد قتل تسعة وتسعين نفساً فهل للقاتل من توبة ؟
فقال : لا ، فقتله فكمل المائة. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه فقال : إنه قتل مائة نفس فهل من توبة ؟
فقال : نعم ومن يحول بينك وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها ناساً يعبدون الله تعالى فاعبده معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ، فانطلق حتى أتى نصف الطريق فأتاه الموت فاختصمت / فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى. وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيراً قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي وتوسط بينهم فقال : قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد بشبر فقبضته ملائكة الرحمة". رواه مسلم (يا) ثابت البناني : بلغنا أن إبليس قال : يا رب إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه وعلى ولده ، فقال الله سبحانه وتعالى : (جعلت صدورهم مساكن لك) ، فقال : رب زدني ، فقال : لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة. قال : رب زدني. قال : تجري منه مجرى الدم. قال : رب زدني. قال : {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الامْوَالِ وَالاوْلَـادِ} (الإسراء : 6) ، قال : فعندها شكا آدم إبليس إلى ربه تعالى فقال : يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطه علي وعلى ذريتي وأنا لا أطيقه إلا بك ، فقال الله تعالى : لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء. قال : رب زدني. قال : الحسنة بعشر أمثالها. قال : رب زدني. قال : لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر". (يب) أبو موسى الأشعري قال : قال عليه الصلاة والسلام : إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار وبالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" رواه مسلم. (يج) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلّم حديثاً نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني ، فإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته ، فإذا حلف لي صدقته ، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : "ما من عبد يذنب ذنباً فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين فيستغفر الله تعالى إلا غفر له". ثم قرأ :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/394)

{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَـاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} إلى قوله : {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} (البقرة : 135). (يد) أبو إمامة قال : بينا أنا قاعد عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله أصبت حداً فأقمه علي. قال : فأعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك ، وأقيمت الصلاة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلّم فصلى ثم خرج قال أبو أمامة : فكنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم والرجل يتبعه ويقول : يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي ، فقال عليه السلام : "أليس حين خرجت من بيتك توضأت فأحسنت الوضوء ؟
قال : بلى يا رسول ، قال : وشهدت معنا هذه الصلاة ؟
قال : بلى يا رسول الله ، قال : فإن الله قد غفر لك حدك أو قال ذبنك" رواه مسلم. (يه) عبد الله قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وقال : يا رسول الله إني عالجت امرأة من أقصى المدينة وإني أصبت ماء دون أن أمسها فها أنا ذا فاقض في ما شئت ، فقال له عمر : لقد سترك الله لو سترت نفسك ، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلّم شيئاً ، فقام الرجل فانطلق فدعاه النبي صلى الله عليه وسلّم وتلا عليه هذه الآية : {وَأَقِمِ الصَّلَواةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِا إِنَّ الْحَسَنَـاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّـاَاتِ } (هود : 114). فقال واحد من القوم : يا نبي الله هذا له خاصة ، قال : بل للناس عامة. رواه مسلم. (يو) أبو هريرة قال : قال عليه / السلام : "إن عبداً أصاب ذنباً فقال يا رب إني أذنبت ذنباً فاغفر لي فقال ربه : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له ، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً آخر. فقال : يا رب إني أذنبت ذنباً آخر فاغفره لي ، فقال ربه : إن عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له ، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً آخر فقال : يا رب أذنبت ذنباً آخر فاغفره لي ، فقال ربه : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فقال له ربه : غفرت لعبدي فليعمل ما شاء". أخرجاه في الصحيح. (يز) أبو بكر قال : قال عليه الصلاة والسلام : "لم يصر من استغفر الله ولو عاد في اليوم سبعين مرة. (يح) أبو أيوب قال : قد كنت كتمتكم شيئاً سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : "لولا أنكم تذنبون فتستغفرون لخلق الله تعالى خلقاً يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" رواه مسلم. (يط) قال عبد الله : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذ أقبل رجل عليه كساء وفي يده شيء قد التف عليه فقال : يا رسول الله إني مررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فوضعتهن في كسائي فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن أمهن فلففتهن جميعاً في كسائي فهن معي ، فقال عليه الصلاة والسلام : ضعهن عنك فوضعتهن فأبت أمهن إلا لزومهن ، فقال عليه السلام : أتعجبون لرحمة أم الأفراخ بفراخها ، قالوا : نعم يا رسول الله ، فقال : والذي نفس محمد بيده أو قال فوالذي بعثني بالحق نبياً لله عز وجل أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها ، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن وأمهن معهن فرجع بهن". (ك) عن أبي مسلم الخولاني عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن جبريل عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى قال : (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أتقى رجل منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئاً ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أفجر رجل منكم لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منكم ما سأل لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). قال وكان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه إعظاماً له : وأما الآثار فسئل ذو النون عن التوبة فقال : إنها اسم جامع لمعان ستة. أولهن : الندم على ما مضى ، الثاني : العزم على ترك الذنوب في المستقبل. الثالث : أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله تعالى. الرابع : أداء المظالم إلى المخلوقين في / أموالهم وأعراضهم. الخامس : إذابة كل لحم ودم نبت من الحرم. السادس : إذاقة البدن ألم الطاعات كما ذاق حلاوة المعصية. وكان أحمد بن حارس يقول : يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب ، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب ، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب ، يا صاحب الذنوب أنت غداً بالذنوب مطلوب.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/395)

الفائدة الثانية : من فوائد الآية : أن آدم عليه السلام لما لم يستغن عن التوبة مع علو شأنه فالواحد منا أولى بذلك.
الفائدة الثالثة : أن ما ظهر من آدم عليه السلام من البكاء على زلته تنبيه لنا أيضاً لأنا أحق بالبكاء من آدم عليه السلام. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر ، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر ، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح عليهما السلام إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر".
المسألة التاسعة : إنما اكتفى الله تعالى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعاً له كما طوى ذكر النساء في القرآن والسنة لذلك ، وقد ذكرها في قوله : {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} (الأعراف : 23).
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
0
المسألة الأولى : ذكروا في فائدة تكرير الأمر بالهبوط وجهين : الأول : قال الجبائي : الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى سماء الدنيا والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض وهذا ضعيف من وجهين : أحدهما : أنه قال في الهبوط الأول : {وَلَكُمْ فِى الارْضِ مُسْتَقَرٌّ} فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله : {وَلَكُمْ فِى الارْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـاعٌ} (البقرة : 36) عقيب الهبوط الثاني أولى. وثانيهما : أنه قال في الهبوط الثاني : {اهْبِطُوا مِنْهَا} والضمير في (منها) عائد إلى الجنة. وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة. الوجه الثاني : أن التكرير لأجل التأكيد وعندي فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين وهو أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة أمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط ووقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة وجب أن لا يبقى الأمر بالهبوط فأعاد الله تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها بل الأمر بالهبوط باقٍ بعد التوبة لأن الأمر به كان تحقيقاً للوعد المتقدم في قوله : {إِنِّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً } (البقرة : 30) فإن قيل / ما جواب الشرط الأول ؟
قلنا : الشرط الثاني مع جوابه ، كقولك : إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك.
المسألة الثانية : روي في الأخبار أن آدم عليه السلام أهبط بالهند وحواء بجدة وإبليس بموضع من البصرة على أميال والحية بأصفهان.
المسألة الثالثة : في "الهدي" وجوه : أحدها : المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي ، وفيه تنبيه على عظم نعمة الله تعالى على آدم وحواء فكأنه قال : وإن أهبطنكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع. قال الحسن : لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض أوحى الله تعالى إليه يا آدم أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك. واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين الناس ، أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً ، وأما التي لك فإذا عملت نلت أجرتك ، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة ، وأما التي بينك وبين الناس فإن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به. وثانيها : ما روي عن أبي العالية أن المراد من الهدى الأنبياء وهذا إنما يتم لو كان المخاطب بقوله : {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى} غير آدم وهم ذريته وبالجملة فهذا التأويل يوجب تخصيص المخاطبين بذرية آدم وتخصيص الهدي بنوع معين وهو الأنبياء من غير دليل دل على هذا التخصيص.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/396)

المسألة الرابعة : أنه تعالى بين أن من اتبع هداه بحقه علماً وعملاً بالإقدام على ما يلزم والاحجام عما يحرم فإنه يصير إلى حال لا خوف فيها ولا حزن ، وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني لأن قوله : {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى} (البقرة : 38) (طه : 123) دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادات البيان وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكن ، وجميع قوله : {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} (البقرة : 38) تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها ويجمع ذلك كل التكاليف وجمع قوله : {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة : 38) جميع ما أعد الله تعالى لأولياءه لأن زوال الخوف يتضمن السلامة من جميع الآفات وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات وقدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على طلب ما ينبغي/ وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف في القبر ولا عند البعث ولا عند حضور الموقف ولا عند تطاير الكتب ولا عند نصب الموازين ولا عند الصراط كما قال الله تعالى : {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاكْبَرُ وَتَتَلَقَّـاهُمُ الْمَلَـا اـاِكَةُ هَـاذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} (الأنبياء : 103) وقال قوم من المتكلمين : إن أهوال القيامة كما تصل إلى الكفار والفساق تصل أيضاً إلى المؤمنين لقوله تعالى : {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} (الحج : 2) وأيضاً فإذا انكشفت تلك الأهوال وصاروا إلى الجنة ورضوان الله صار ما تقدم كأن لم يمكن ، بل ربما كان زائداً في الالتذاذ بما يجده من / النعيم وهذا ضعيف لأن قوله : {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاكْبَرُ} أخص من قوله : {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} والخاص مقدم على العام. وقال ابن زيد : لا خوف عليهم أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت ، فأمنهم الله تعالى منه. ثم سلاهم عن الدنيا فقال : {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا فإن قيل قوله : {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} يقتضي نفي الخوف والحزن مطلقاً في الدنيا والآخرة وليس الأمر كذلك لأنهما حصلا في الدنيا للمؤمنين أكثر من حصولهما لغير المؤمنين ، قال عليه الصلاة والسلام : "خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل" ، وأيضاً فالمؤمن لا يمكنه القطع أنه أتى بالعبادات كما ينبغي فخوف التقصير حاصل وأيضاً فخوف سوء العاقبة حاصل ، قلنا قرائن الكلام تدل على أن المراد نفيهما في الآخرة لا في الدنيا. ولذلك حكى الله عنهم أنهم قالوا حين دخلوا الجنة : {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَا إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} (فاطر : 43) أي أذهب عنا ما كنا فيه من الخوف والإشفاق في الدنيا من أن تفوتنا كرامة الله تعالى التي نلناها الآن.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
المسألة الخامسة : قال القاضي : قوله تعالى : {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} يدل على أمور. أحدها : أن الهدى قد يثبت ولا اهتداء فلذلك قال : {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} . وثانيها : بطلان القول بأن المعارف ضرورية ، وثالثها : أن باتباع الهدى تستحق الجنة ، ورابعها : إبطال التقليد لأن المقلد لا يكون متبعاً للهدى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
0
قوله تبارك وتعالى : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِاَايَـاتِنَآ أُوالَـا ئِكَ أَصْحَـابُ النَّارِا هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ} لما وعد الله متبع الهدى بالأمن من العذاب والحزن عقبه بذكر من أعد له العذاب الدائم فقال : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِاَايَـاتِنَآ} سواء كانوا من الإنس أو من الجن فهم أصحاب العذاب الدائم.
وأما الكلام في أن العذاب هل يحسن أم لا وبتقدير حسنه فهل يحسن دائماً أم لا ؟
فقد تقدم الكلام فيه في تفسير قوله : {وَعَلَى ا أَبْصَـارِهِمْ غِشَـاوَةٌا وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (البقرة : 7) وههنا آخر الآيات الدالة على النعم التي أنعم الله بها على جميع بني آدم وهي دالة على التوحيد من حيث إن هذه النعم أمور حادثة فلا بد لها من محدث وعلى النبوة من حيث إن محمداً صلى الله عليه وسلّم أخبر عنها موافقاً لما كان موجوداً في التوراة والإنجيل من غير تعلم ولا تلمذة لأحد قدر وعلى المعاد من حيث إن من قدر على خلق هذه الأشياء ابتداء على خلقها إعادة وبالله التوفيق.
/ القول في النعم الخاصة ببني إسرائيل
(1/397)

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولاً ثم عقبها بذكر الإنعامات العامة لكل البشر عقبها بذكر الإنعامات الخاصة على أسلاف اليهود كسراً لعنادهم ولجاجهم بتذكير النعم السالفة واستمالة لقلوبهم بسببها وتنبيهاً على ما يدل على نوبة محمد صلى الله عليه وسلّم من حيث كونها إخباراً عن الغيب. واعلم أنه سبحانه ذكرهم تلك النعم أولاً على سبيل الإجمال فقال : {يَـابَنِى إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} وفرع على تذكيرها الأمر بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلّم فقال : {وَءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ} ثم عقبها بذكر الأمور التي تمنعهم عن الإيمان به ، ثم ذكرهم تلك النعم على سبيل الإجمال ثانياً بقوله مرة أخرى : {يَـابَنِى إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} تنبيهاً على شدة غفلتهم ، ثم أردف هذا التذكير بالترغيب البالغ بقوله : {وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ} (البقرة : 41) مقروناً بالترهيب البالغ بقوله : {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} (البقرة : 48) إلى آخر الآية. ثم شرع بعد ذلك في تعديد تلك النعم على سبيل التفصيل ومن تأمل وأنصف علم أن هذا هو النهاية في حسن الترتيب لمن يريد الدعوة وتحصيل الاعتقاد في قلب المستمع. وإذ قد حققنا هذه المقدمة فلنتكلم الآن في التفير بعون الله.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
0
المسألة الأولى : اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ويقولون إن معنى إسرائيل عبد الله لأن "إسرا" في لغتهم هو العبد و"إيل" هو الله وكذلك جبريل وهو عبد الله وميكائيل عبد الله. قال القفال : قيل إن "إسرا" بالعبرانية في معنى إنسان فكأنه قيل رجل الله فقوله : {مَعِىَ بَنِى إسرائيل } خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب عليه السلام في أيام محمد صلى الله عليه وسلّم.
المسألة الثانية : حد النعمة أنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ومنهم من يقول : المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ، قالوا : وإنما زدنا هذا لأن النعمة يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لم يستحق بها الشكر والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه / يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظوراً لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة استحقاق الذم والعقاب ، فأي امتناع في اجتماعهما ؟
ألا ترى أن الفاسق يستحق الشكر بإنعامه والذم بمعصيته فلم لا يجوز ههنا أن يكون الأمر كذلك ؟
ولنرجع إلى تفيسر الحد فنقول : أما قولنا : المنفعة فلأن المضرة المحضة لا يجوز أن تكون نعمة ، وقولنا : المفعولة على جهة الإحسان فلأنه لو كان نفعاً وقصد الفاعل نفع نفسه لا نفع المفعول به كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها أو أراد استدراجه إلى ضرر واختداعه كمن أطعم خبيصاً مسموماً ليهلكه لم يكن ذلك ، نعمة فأما إذا كانت المنفعة مفعولة على قصد الإحسان إلى الغير كانت نعمة. إذا عرفت حد النعمة فلنفرع عليه فروعاً : الفرع الأول : اعلم أن كل ما يصل إلينا آناء الليل والنهار في الدنيا والآخرة من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى على ما قال تعالى : {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه } (النحل : 53) ، ثم إن النعمة على ثلاثة أوجه : أحدها : نعمة تفرد الله بها نحو أن خلق ورزق ، وثانيها : نعمة وصلت إلينا من جهة غيره بأن خلقها وخلق المنعم ومكنه من الإنعام وخلق فيه قدرة الأنعام وداعيته ووفقه عليه وهداه إليه ، فهذه النعمة في الحقيقة أيضاً من الله تعالى ، إلا أنه تعالى لما أجراها على يد عبده كان ذلك العبد مشكوراً ، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى ، ولهذا قال :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/398)

{أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوَالِدَيْكَ} (لقمان : 14) فبدأ بنفسه ، وقال عليه السلام : "لا يشكر الله من لا يشكر الناس". وثالثها : نعمة وصلت إلينا من الله تعالى بواسطة طاعاتنا وهي أيضاً من الله تعالى لأنه لولا أنه سبحانه وتعالى وفقنا على الطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار وإلا لما وصلنا إلى شيء منها ، فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم من الله تعالى على ما قال سبحانه وتعالى : {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه } . الفرع الثاني : أن نعم الله تعالى على عبيده مما لا يمكن عدها وحصرها على ما قال : {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَآ } (النحل : 18) وإنما لا يمكن ذلك لأن كل ما أودع فينا من المنافع واللذات التي ننتفع بها والجوارح والأعضاء التي نستعملها في جلب المنافع ودفع المضار وما خلق الله تعالى في العالم مما يلتذ به ويستدل على وجود الصانع وما وجد في العالم مما يحصل الانزجار برؤيته عن المعاصي مما لا يحصى عدده وكل ذلك منافع لأن المنفعة هي اللذة أو ما يكون وسيلة إلى اللذة وجميع ما خلق الله تعالى كذلك لأن كل ما يلتذ به نعمة وكل ما يلتذ به وهو وسيلة إلى دفع الضرر فهو كذلك والذي لا يكون جالباً للنفع الحاضر ولا دافعاً للضرر الحاضر فهو صالح لأن يستدل به على الصانع الحكيم فيقع ذلك وسيلة إلى معرفته وطاعته وهما وسيلتان إلى اللذات الأبدية فثبت أن جميع مخلوقاته سبحانه نعم على العبيد/ ولما كانت العقول قاصرة عن تعديد ما في أقل الأشياء من المنافع والحكم فكيف يمكن الإحاطة بكل ما في العالم من المنافع والحكم ، فصح بهذا معنى قوله تعالى : {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَآ } فإن قيل : فإذا كانت النعم غير متناهية وما لا يتناهى لا يحصل العلم به في حق العبد فكيف أمر بتذكرها في قوله : {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} والجواب أنها غير متناهية بحسب الأنواع والأشخاص إلا أنها متناهية بحسب الأجناس ، وذلك يكفي في التذكير الذي يفيد العلم بوجود الصانع الحكيم. واعلم أنه لما ثبت أن استحقاق الحمد والثناء والطاعة لا يتحقق إلا على إيصال النعمة ثبت أنه سبحانه وتعالى هو المستحق لحمد الحامدين. ولهذا قال في ذم الأصنام : {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} (
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
الشعراء : 72 ، 73) وقال تعالى : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ } (الفرقان : 55) وقال : {أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لا يَهِدِّى إِلا أَن يُهْدَى } (يونس : 35). الفرع الثالث : أن أول ما أنعم الله به على عبيده هو أن خلقهم أحياء والدليل عليه قوله تعالى : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَـاكُم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارْضِ جَمِيعًا} (البقرة : 28 ، 29) إلى آخر الآية ، وهذا صريح في أن أصل النعم الحياة لأنه تعالى أول ما ذكر من النعم فإنما ذكر الحياة ثم إنه تعالى ذكر عقيبها سائر النعم وأنه تعالى إنما ذكر المؤمنين ليبين أن المقصود من حياة الدنيا حياة الآخرة والثواب. وبين أن جميع ما خلق قسمان منتفع ومنتفع به ، هذا قول المعتزلة. وقال أهل السنة : إنه سبحانه كما خلق المنافع خلق المضار ولا اعتراض لأحد عليه ، ولهذا سمى نفسه "النافع الضار" ولا يسأل عما يفعل. الفرع الرابع : قالت المعتزلة : إن الله تعالى قد أنعم على المكلفين بنعمة الدنيا ونعمة الدين ، وسوى بين الجميع في النعم الدينية والدنيوية ، أما في النعم الدينية فلأن كل ما كان في المقدور من الألطاف فقد فعل بهم والذي لم يفعله فغير داخل في القدرة إذ لو قدر على لطف لم يفعله بالمكلف لبقي عذر المكلف ، وأما في الدنيا فعلى قول البغداديين خاصة لأن عندهم يجب رعاية الأصلح في الدنيا وعند البصريين لا يجب. وقال أهل السنة : إن الله تعالى خلق الكافر للنار ولعذاب الآخرة ثم اختلفوا في أنه هل لله نعمة على الكافر في الدنيا ؟
فمنهم من قال : هذه النعم القليلة في الدنيا لما كانت مؤدية إلى الضرر الدائم في الآخرة لم يكن ذلك نعمة على الكافر في الدنيا ، فإن من جعل السم في الحلوى لم يعد النفع الحاصل من أكل الحلوى نعمة لما كان ذلك سبيلاً إلى الضرر العظيم ، ولهذا قال تعالى : {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لانفُسِهِم إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا } (آل عمران : 178) ومنهم من قال : إنه تعالى وإن لم ينعم على الكافر بنعمة الدين فلقد أنعم عليه بنعمة الدنيا وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله ، وهذا القول أصوب ويدل عليه وجوه. أحدها : قوله تعالى :
(1/399)

جزء : 3 رقم الصفحة : 427
{قَدِيرٌ * يَـا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الارْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءً} (البقرة : 21 ، 22) فنبه على أنه يجب على الكل طاعته لمكان هذه النعم وهي نعمة الخلق والرزق. ثانيها : قوله تعالى : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا} (البقرة : 28) إلى آخره وذكر ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم ولو لم يصل إليهم من الله تعالى شيء من النعم لما صح ذلك. وثالثها : قوله : {يَـابَنِى إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ} (البقرة : 47) وهذا نص صريح في أن الله تعالى أنعم على الكافر إذ المخاطب بذلك هم أهل الكتاب وكانوا من الكفار وكذا قوله : {يَـابَنِى إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ} إلى قوله : {وَإِذْ أَنجَيْنَـاكُم} وقوله : {وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَـابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (البقرة : 53). وكل ذلك عد للنعم على العبيد. ورابعها : قوله : {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـاهُمْ فِى الارْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا} (الأنعام : 6). وخامسها : قوله : {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَـاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَه } (الأنعام : 63) إلى قوله : {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} . وسادسها : قوله : {وَلَقَدْ مَكَّنَّـاكُمْ فِى الارْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـايِشَا قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ} (الأعراف : 10) وقال في قصة إبليس : {وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـاكِرِينَ} (الأعراف : 17) ، ولو لم يكن عليهم من الله نعمة لما كان لهذا القول فائدة. وسابعها : قوله : {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنا بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الارْضِ} (الأعراف : 86) الآية ، وقال حاكياً عن شعيب : {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ }
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
وقال حاكياً عن موسى : {قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـاهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ} (الأعراف : 140). وثامنها : قوله : {ذَالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ} (الأنفال : 53) وهذا صريح. وتاسعها : قوله : {هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَه مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَا مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَالِكَ إِلا بِالْحَقِّ } (يونس : 5). وعاشرها : قوله تعالى : {وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّنا بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ} . الحادي عشر : قوله : (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها} إلى قوله : إلى قوله : {فَلَمَّآ أَنجَـاـاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الارْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } (يونس : 21 ـ 23). الثاني عشر : قوله : {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا} (الفرقان : 47). وقوله : {هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا } (يونس : 67). الثالث عشر : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} (إبراهيم : 28 ـ 29). الرابع عشر : {اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِه مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُم وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِه } (إبراهيم : 32). الخامس عشر : قوله تعالى : {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَآا إِنَّ الانسَـانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (إبراهيم : 34) وهذا صريح في إثبات النعمة في حق الكفار.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/400)

واعلم أن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى العبارة. وذلك لأنه لا نزاع في أن هذه الأشياء أعني الحياة والعقل والسمع والبصر وأنواع الرزق والمنافع من الله تعالى إنما الخلاف في أن أمثال هذه المنافع إذا حصل عقيبها تلك المضار الأبدية هل يطلق في العرف عليها اسم النعمة أم لا ؟
ومعلوم أن ذلك نزاع في مجرد عبارة ، وأما الذي يدل على أن ما لا يلتذ به المكلف فهو تعالى إنما خلقه لينتفع به في الاستدلال على الصانع وعلى لطفه وإحسانه فأمور. أحدها : قوله تعالى في سورة أتى أمر الله : {يُنَزِّلُ الملائكة بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِه عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِه } فيبين تعالى أنه إنما بعث الرسل مبشرين ومنذرين ولأجل الدعوة إلى وحدانيته والإيمان بتوحيده وعدله ، ثم إنه تعالى قال : {خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ بِالْحَقِّا تَعَـالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الانسَـانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} (النحل : 2 ـ 4) فبين أن حدوث العبد مع ما فيه من الكفر من أعظم الدلائل على وجود الصانع وهو انقلابه من حال إلى حال ، من كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن ينتهي من أخس أحواله / وهو كونه نطفة إلى أشرف أحواله وهو كونه خصيماً مبيناً ، ثم ذكر بعد ذلك وجوه إنعامه فقال : {وَالانْعَـامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} إلى قوله : {هُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءًا لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} (النحل : 10) بين بذلك الرد على الدهرية وأصحاب الطبائع لأنه تعالى بين أن الماء واحد والتراب واحد ومع ذلك اختلفت الألوان والطعوم والروائح ، ثم قال : {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} (إبراهيم : 33) بين به الرد على المنجمين وأصحاب الأفلاك حيث استدل بحركاتها وبكونها مسخرة على طريقة واحدة على حدوثها فأثبت سبحانه وتعالى بهذه الآيات أن كل ما في العالم مخلوق لأجل المكلفين لأن كل ما في العالم مما يغاير ذات المكلف ليس يخلو من أن يلتذ به المكلف ويستروح إليه فيحصل له به سرور أو يتحمل عنه كلفة أو يحصل له به اعتبار نحو الأجسام المؤذية كالحيات والعقارب فيتذكر بالنظر إليها أنواع العقاب في الآخرة فيحترز منها ويستدل بها على المنعم الأعظم ، فثبت أنه لا يخرج شيء من مخلوقاته عن هذه المنافع ، ثم إنه سبحانه وتعالى نبه على عظم إنعامه بهذه الأشياء في آخر هذه الآيات فقال :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
{وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَآ } (إبراهيم : 34). وثانيها : قوله تعالى : {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَـاـاِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ} (النحل : 112) فنبه بذلك على أن كون النعمة واصلة إليهم يوجب أن يكون كفرانها سبباً للتبديل ، وثالثها : قوله في قصة قارون : {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ } (القصص : 77) وقال : {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَه ظَـاهِرَةً وَبَاطِنَةً } (لقمان : 20) وقال : {أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَه ا أَمْ نَحْنُ الْخَـالِقُونَ} (الواقعة : 58) وقال : {فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} (يس : 14) (الرحمن : 16) على سبيل التكرير وكل ما في هذه السورة فهو من النعم ، إما في الدين أو في الدنيا فهذا ما يتعلق بهذا الباب.
المسألة الثالثة : في النعم المخصوصة ببني إسرائيل قال بعض العارفين : عبيد النعم كثيرون وعبيد المنعم قليلون ، فالله تعالى ذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم ولما آل الأمر إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلّم ذكرهم بالمنعم فقال : {فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ} فدل ذلك على فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلّم على سائر الأمم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/401)

واعلم أن نعم الله تعالى على بني إسرائيل كثيرة (أ) استنقذهم مما كانوا فيه من البلاء من فرعون وقومه وأبدلهم من ذلك بتمكينهم في الأرض وتخليصهم من العبودية كما قال : {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الارْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَاـاِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الارْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـامَـانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} (القصص : 5 ، 6). (ب) جعلهم أنبياء وملوكاً بعد أن كانوا عبيداً للقبط فأهلك أعداءهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم كما قال : {كَذَالِكَ وَأَوْرَثْنَـاهَا بَنِى إسرائيل } (الشعراء : 59) (ج) أنزل عليهم الكتب العظيمة التي ما أنزلها على أمة سواهم كما قال : {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِه يَـاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنابِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَـاـاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَـالَمِينَ} (المائدة : 20). (د) روى هشام عن ابن عباس أنه قال : من نعمة الله تعالى على بني إسرائيل أن نجاهم من آل فرعون وظلل عليهم في التيه الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه وأعطاهم الحجر الذي / كان كرأس الرجل يسقيهم ما شاؤوا من الماء متى أرادوا فإذا استغنوا عن الماء رفعوه فاحتبس الماء عنهم وأعطاهم عموداً من النور ليضيء لهم بالليل وكانت رؤوسهم لا تتشعث وثيابهم لا تبلى. واعلم أنه سبحانه وتعالى إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه : أحدها : أن في جملة النعم ما يشهد بصدق محمد صلى الله عليه وسلّم وهو التوراة والإنجيل والزبور. وثانيها : أن كثرة النعم توجب عظم المعصية فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلّم وبالقرآن. وثالثها : أن تذكير النعم الكثيرة يوجب الحياء عن إظهار المخالفة. ورابعها : أن تذكير النعم الكثيرة يفيد أن المنعم خصهم من بين سائر الناس بها ومن خص أحداً بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم لما قيل : إتمام المعروف خير من ابتدائه فكأن تذكير النعم السالفة يطمع في النعم الآتية ، وذلك الطمع مانع من إظهار المخالفة والمخاصمة. فإن قيل : هذه النعم ما كانت على المخاطبين بل كانت على آبائهم فكيف تكون نعماً عليهم وسبباً لعظم معصيتهم ؟
والجواب من وجوه : أحدها : لولا هذه النعم على آبائهم لما بقوا فما كان يحصل هذا النسل فصارت النعم على الآباء كأنها نعم على الأبناء. وثانيها : أن الانتساب إلى الآباء وقد خصهم الله تعالى بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد. وثالثها : الأولاد متى سمعوا أن الله خص آباءهم بهذه النعم لمكان طاعتهم وإعراضهم عن الكفر والجحود رغب الولد في هذه الطريقة لأن الولد مجبول على التشبه بالأب في أفعال الخير فيصير هذا التذكير داعياً إلى الاشتغال بالخيرات والإعراض عن الشرور.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
أما قوله تعالى : {وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} فاعلم أن العهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعاً وذكروا في هذا العهد قولين : الأول : أن المراد منه جميع ما أمر الله به من غير تخصيص ببعض التكاليف دون بعض ثم فيه روايات. إحداها : أنه تعالى جعل تعريفه إياهم نعمه عهداً له عليهم من حيث يلزمهم القايم بشكرها كما يلزمهم الوفاء بالعهد والميثاق ، وقوله : {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} أراد به الثواب والمغفرة. فجعل الوعد بالثواب شبيهاً بالعهد من حيث اشتراكهما في أنه لا يجوز الإخلال به. ثانيها : قال الحسن : المراد منه العهد الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل في قوله تعالى : {وَبَعَثْنَا مِنُهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّى مَعَكُم لئن أَقَمْتُمُ الصَّلَواةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَواةَ} إلى قوله : {وَلادْخِلَنَّكُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَـارُ } (المائدة : 12) فمن وفى لله بعهده وفى الله له بعهده ، وثالثها : وهو قول جمهور المفسرين أن المراد أوفوا بما أمرتكم به من الطاعات ونهيتكم عنه من المعاصي أوف بعهدكم ، أي أرضى عنكم وأدخلكم الجنة وهو الذي حكاه الضحاك عن ابن عباس وتحقيقه ما جاء في قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ } إلى قوله تعالى : {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِه مِنَ اللَّه فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِه } (التوبة : 111).
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/402)

القول الثاني : أن المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من وصف محمد صلى الله عليه وسلّم وأنه سيبعثه على ما صرح بذلك في سورة المائدة بقوله : {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَـاقَ بَنِى إسرائيل } إلى قوله : {لاكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّـاَاتِكُمْ وَلادْخِلَنَّكُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَـارُ } (المائدة : 12) وقال في سورة الأعراف : {وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَـاذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَا قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِه مَنْ أَشَآءُا وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍا فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَواةَ وَالَّذِينَ هُم بِـاَايَـاتِنَا يُؤْمِنُونَ} (الأعراف : 156) وأما عهد الله معهم فهو أن ينجز لهم ما وعدهم من وضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقهم ، وقال : {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَـاقَ النَّبِيِّـانَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ} (آل عمران : 81) الآية. وقال : {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَـابَنِى إسرائيل إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاـاةِ وَمُبَشِّرَا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنا بَعْدِى اسْمُه ا أَحْمَدُا فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْبَيِّنَـاتِ قَالُوا هَـاذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} (الصف : 6). وقال ابن عباس : إن الله تعالى كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به ـ أي بالقرآن ـ غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين ، أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل ، وأجراً باتباع ما جاء به محمد النبي الأمي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في قوله تعالى : {الَّذِينَ ءَاتَيْنَـاهُمُ الْكِتَـابَ مِن قَبْلِه هُم بِه يُؤْمِنُونَ} (القصص : 52) إلى قوله : { أولئك يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا } (القصص : 54) وكان علي بن عيسى يقول تصديق ذلك في قوله تعالى : { يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَءَامِنُوا بِرَسُولِه يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِه } (الحديد : 28) وتصديقه أيضاً فيما روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلّم فله أجران ، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران ، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران" بقي ههنا سؤالان :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
السؤال الأول : لو كان الأمر كما قلتم فكيف يجوز من جماعتهم جحده ؟
والجواب من وجهين : الأول : أن هذا العلم كان حاصلاً عند العلماء بكتبهم لكن لم يكن لهم العدد الكثير فجاز منهم كتمانه. الثاني : أن ذلك النص كان نصاً خفياً لا جلياً فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه.
السؤال الثاني : الشخص المبشر به في هذه الكتب إما أن يكون قد ذكر في هذه الكتب وقت خروجه ومكان خروجه وسائر التفاصيل المتعلقة بذلك أو لم يذكر شيء من ذلك ، فإن كان ذلك النص نصاً جلياً وارداً في كتب منقولة إلى أهل العلم بالتواتر فكان يمتنع قدرتهم على الكتمان وكان يلزم أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين. وإن كان الثاني لم يدل ذلك النص على نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم لاحتمال أن يقولوا : إن ذلك المبشر به سيجيء بعد ذلك على ما هو قول جمهور اليهود. والجواب أن الذين حملوا قوله تعالى : {وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} على الأمر بالتأمل في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة على ما شرحناه في القول الأول إنما اختاروه لقوة هذا السؤال ، فأما من أراد أن ينصر القول الثاني فإنه يجيب عنه بأن تعيين الزمان والمكان لم يكن منصوصاً عليه نصاً جلياً يعرفه كل أحد بل كان منصوصاً / عليه نصاً خفياً فلا جرم لم يلزم أن يعلم ذلك بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين عليهم السلام ولنذكر الآن بعض ما جاء في كتب الأنبياء المتقدمين من البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلّم ، فالأول : جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك (من قبل) الله فقال لها يا هاجر أين تريدين ومن أين أقبلت ؟
قالت : أهرب من سيدتي سارة فقال لها : ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك وستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه إسماعيل من أجل أن الله سمع تبتلك وخشوعك وهو يكون عين الناس وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع وهو يشكر على رغم جميع إخوته.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/403)

واعلم أن الاستدلال بهذا الكلام أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة وليس يجوز أن يبشر الملك من قبل الله بالظلم والجور وبأمر لا يتم إلا بالكذب على الله تعالى ومعلوم أن إسماعيل وولده لم يكونوا متصرفين في الكل أعني في معظم الدنيا ومعظم الأمم ولا كانوا مخالطين للكل على سبيل الاستيلاء إلا بالإسلام لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف ، فلما جاء الإسلام استولوا على الشرق والغرب بالإسلام ومازجو الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة ، فلو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلّم صادقاً لكانت هذه المخالطة منهم للأمم ومن الأمم لهم معصية لله تعالى وخروجاً عن طاعته إلى طاعة الشيطان والله يتعالى عن أن يبشر بما هذا سبيله. والثاني : جاء في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس : "إن الرب إلهكم يقيم لكم نبياً مثلي من بينكم ومن إخوانكم" ، وفي هذا الفصل أن الرب تعالى قال لموسى : "إني مقيم لهم نبياً مثلك من بين إخوانهم وأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي أنا أنتقم منه". وهذا الكلام يدل على أن النبي الذي يقيمه الله تعالى ليس من بني إسرائيل كما أن من قال لبني هاشم : إنه سيكون من إخوانكم إمام ، عقل أنه لا يكون من بني هاشم ، ثم إن يعقوب عليه السلام هو إسرائيل ولم يكن له أخ إلا العيص ولم يكن للعيص ولد من الأنبياء سوى أيوب وإنه كان قبل موسى عليه السلام فلا يجوز أن يكون موسى عليه السلام مبشراً به ، وأما اسماعيل فإنه كان أخاً لإسحق والد يعقوب ثم إن كل نبي بعث بعد موسى كان من بني إسرائيل ، فالنبي عليه السلام ما كان منهم لكنه كان من إخوانهم لأنه من ولد إسماعيل الذي هو أخو إسحق عليهم السلام. فإن قيل قوله : "من بينكم" يمنع من أن يكون المراد محمداً صلى الله عليه وسلّم لأنه لم يقم من بين بني إسرائيل. قلنا : بل قد قام من بينهم لأنه عليه السلام ظهر بالحجاز فبعث بمكة وهاجر إلى المدينة وبها تكامل أمره. وقد كان حول المدينة بلاد اليهود كخيبر وبني قينقاع والنضير وغيرهم ، وأيضاً فإن الحجاز يقارب الشام وجمهور اليهود كانوا إذ ذاك بالشام ، فإذا قام محمد بالحجاز فقد قام من بينهم ، وأيضاً فإنه إذا كان من إخوانهم فقد قام من بينهم فإنه ليس ببعيد منهم. والثالث : قال في الفصل العشرين من هذا السفر : "إن / الرب تعالى جاء
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/404)

في طور سيناء وطلع لنا من ساعير وظهر من جبال فاران وصف عن يمينه عنوان القديسين فمنحهم العز وحببهم إلى الشعوب ودعا لجميع قديسيه بالبركة ، وجه الاستدلال : أن جبل فاران هو بالحجاز لأن في التوراة أن اسماعيل تعلم الرمي في برية فاران ، ومعلوم أنه إنما سكن بمكة. إذا ثبت هذا فنقول : إن قوله : "فمنحهم العز" لا يجوز أن يكون المراد إسماعيل عليه السلام لأنه لم يحصل عقيب سكنى إسماعيل عليه السلام هناك عز ولا اجتمع هناك ربوات القديسين فوجب حمله على محمد عليه السلام. قالت اليهود : المراد أن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضاً ومن جبل فاران أيضاً فانتشرت في هذه المواضع قلنا هذا لا يصح لأن الله تعالى لو خلق ناراً في موضع فإنه لا يقال جاء الله من ذلك إذا تابع ذلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع أو عقوبة وما أشبه ذلك. وعندكم أنه لم يتبع ظهور النار وحي ولا كلام إلا من طور سيناء فما كان ينبغي إلا أن يقال ظهر من ساعير ومن جبل فاران فلا يجوز وروده كما لا يقال جاء الله من الغمام إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران كما يتفق ذلك في أيام الربيع ، وأيضاً ففي كتاب حقوق بيان ما قلنا وهو جاء الله من طور سيناء والقدس من جبل فاران ، وانكشفت السماء من بهاء محمد وامتلأت الأرض من حمده. يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزه تسير المنايا أمامه ويصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض وتأمل الأمم وبحث عنها فتضعضعت الجبال القديمة واتضعت الروابي والدهرية ، وتزعزعت ستور أهل مدين وركبت الخيول ، وعلوت مراكب الانقياد والغوث وستنزع في قسيك إغراقاً ونزعاً وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء وتخور الأرض بالأنهار ، ولقد رأتك الجبال فارتاعت وانحرف عنك شؤبوب السيل ونفرت المهاري نفيراً ورعباً ورفعت أيديها وجلاً وفرقاً وتوقفت الشمس والقمر عن مجراهما وسارت العساكر في برق سهامك ولمعان بيانك تدوخ الأرض غضباً وتدوس الأمم زجراً لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراب آبائك". هكذا نقل عن ابن رزين الطبري. أما النصارى فقال أبو الحسين رحمه الله في كتاب الغرر قد رأيت في نقولهم : "وظهر من جبال فاران لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود وترتوى السهام بأمرك المحمود لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ مسيحك" ، فظهر بما ذكرنا أن قوله تعالى في التوراة : "ظهر الرب من جبال فاران" ليس معناه ظهور النار منه بل معناه ظهور شخص موصوف بهذه الصفات وما ذاك إلا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلّم. فإن قالوا المراد مجيء الله تعالى ولهذا قال في آخر الكلام : "وإنقاذ مسيحك" قلنا لا يجوز وصف الله تعالى بأنه يركب الخيول وبأن شعاع منظره مثل النور وبأنه جاز المشاعر القديمة ، أما قوله : (وإنقاذ مسيحك) فإن محمداً عليه السلام أنقذ المسيح من كذب اليهود والنصارى. والرابع : ما جاء في كتاب أشعياء في الفصل الثاني والعشرين منه : "قومي فأزهري مصباحك ، يريد مكة ، فقد دناوقتك وكرامة الله تعالى طالعة عليك فقد تجلل الأرض الظلام وغطى على الأمم الضباب والرب يشرق عليك إشراقاً ويظهر كرامته / عليك تسير الأمم إلى نورك والملوك إلى ضوء طلوعك وارفعي بصرك إلى ما حولك وتأملي فإنهم مستجمعون عندك ويحجونك ويأتيك ولدك من بلد بعيد لأنك أم القرى فأولاد سائر البلاد كأنهم أولاد مكة وتتزين ثيابك على الأرائك والسرر حين ترين ذلك تسرين وتبتهجين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر ويحج إليك عساكر الأمم ويساق إليك كباش مدين ويأتيك أهل سبأ ويتحدثون بنعم الله ويمجدونه وتسير إليك أغنام فاران ويرفع إلى مذبحي ما يرضيني وأحدث حينئذ لبيت محمدتي حمداً". فوجه الاستدلال أن هذه الصفات كلها موجودة لمكة فإنه قد حج إليها عساكر الأمم ومال إليها ذخائر البحر وقوله : "وأحدث لبيت محمدتي حمداً" معناه أن العرب كانت تلبي قبل الإسلام فتقول لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكة وما ملك ، ثم صار في الإسلام : لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك لبيك ، فهذا هو الحمد الذي جدده الله لبيت محمدته. فإن قيل المراد : بذلك بيت المقدس وسيكون ذلك فيما بعد. قلنا لا يجوز أن يقول الحكيم : "قد دنا وقتك" مع أنه ما دنا بل الذي دنا أمر لا يوافق رضاه ومع ذلك لا يحذر منه وأيضاً فإن كتاب أشعياء مملوء من ذكر البادية وصفتها ، وذلك يبطل قولهم. والخامس : روى السمان في تفسيره في السفر الأول من التوراة أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السلام قال : "قد أجبت دعاك في إسماعيل وباركت عليه فكبرته وعظمته جداً جداً وسيلد اثني عشر عظيماً واجعله لأمة عظيمة" والاستدلال به أنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان كان لأمة عظيمة غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم فأما دعاء إبراهيم عليه السلام وإسماعيل فكان لرسولنا عليه الصلاة والسلام لما فرغا من بناء الكعبة وهو قوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/405)

{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَـاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِم إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (البقرة : 129) ولهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام : "أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى" وهو قوله : {وَمُبَشِّرَا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنا بَعْدِى اسْمُه ا أَحْمَدُ } (الصف : 6) فإنه مشتق من الحمد والاسم المشتق من الحمد ليس إلا لنبينا فإن اسمه محمد وأحمد ومحمود. قيل إن صفته في التوراة أن مولده بمكة ومسكنه بطيبة وملكه بالشام وأمته الحمادون. والسادس : قال المسيح للحواريين : "أنا أذهب وسيأتيكم الفار قليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إنما يقول كما يقال له" وتصديق ذلك : {إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى ا إِلَىَّ } (الأنعام : 50) وقوله : {قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدِّلَه مِن تِلْقَآى ِ نَفْسِى ا إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى ا إِلَىَّ } (يونس : 15) أما "الفارقليط" ففي تفسيره وجهان : أحدهما أنه الشافع المشفع وهذا أيضاً صفته عليه الصلاة والسلام ، الثاني : قال بعض النصارى : الفار قليط هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكان في الأصل فاروق كما يقال راووق للذي يروق به وأما "ليط" فهو التحقيق في الأمر كما يقال شيب أشيب ذو شيب وهذا أيضاً صفة شرعنا لأنه هو الذي يفرق بين الحق والباطل. والسابع : قال دانيال ليختنصر حين سأله عن الرؤيا التي كان رآها من غير أن قصها عليه : رأيت أيها الملك منظراً هائلاً رأسه من الذهب الأبريز وساعده من الفضة وبطنه وفخذاه من نحاس وساقاه من حديد وبعضها / من خزف ورأيت حجراً يقطع من غير قاطع وصك رجل ذلك الصنم ودقها دقاً شديداً فتفتت الصنم كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه وصارت رفاتاً وعصفت بها الرياح فلم يوجد لها أثر وصار ذلك الحجر الذي صك ذلك الرجل من ذلك الصنم جبلاً عالياً امتلأت به الأرض فهذا رؤياك أيها الملك. وأما تفسيرها فأنت الرأس الذي رأيته من الذهب ويقوم بعدك مملكة أخرى دونك والمملكة الثالثة التي تشبه النحاس تنبسط على الأرض كلها ، والمملكة الرابعة تكون قوتها مثل الحديد ، وأما الرجل التي كان بعضها من خزف فإن بعض المملكة يكون عزيزاً وبعضها يكون ذليلاً وتكون كلمة الملك متفرقة ويقيم إله السماء في تلك الأيام مملكة أبدية لا تتغير ولا تزول وإنها تزيل جميع الممالك وسلطانها يبطل جميع السلاطين وتقوم هي إلى الدهر الداهر فهذا تفسير الحجر الذي رأيت أنه يقطع من جبل بلا قاطع حتى دق الحديد والنحاس والخزف والله أعلم بما يكون في آخر الزمان. فهذه هي البشارات الواردة في الكتب المتقدمة بمبعث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلّم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/406)

أما قوله تعالى : {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} فقالت المعتزلة : ذلك العهد هو ما دل العقل عليه من أن الله تعالى يجب عليه إيصال الثواب إلى المطيع وصح وصف ذلك الوجوب بالعهد لأنه بحيث يجب الوفاء به فكان ذلك أوكد من العهد بالإيجاب بالنذر واليمين : وقال أصحابنا : إنه لا يجب للعبد على الله شيء ، وفي هذه الآية ما يدل على ذلك لأنه تعالى لما قدم ذكر النعم ، ثم رتب عليه الأمر بالوفاء بالعهد دل على أن تلك النعم السالفة توجب عهد العبودية ، وإذا كان كذلك كان أداء العبادات أداء لما وجب بسبب النعم السالفة وأداء الواجب لا يكون سبباً لواجب آخر ، فثبت أن أداء التكاليف لا يوجب الثواب فبطل قول المعتزلة بل التفسير الحق من وجهين : الأول : أنه تعالى لما وعد بالثواب وكل ما وعد به استحال أن لا يوجد ، لأنه لو لم يوجد لانقلب خبره الصدق كذباً والكذب عليه محال ، والمفضي إلى المحال محال فكان ذلك واجب الوقوع فكان ذلك آكد مما ثبت باليمين والنذر ، الثاني : أن يقال العهد هو الأمر والعبد يجوز أن يكون مأموراً إلا أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مأموراً لكنه سبحانه وتعالى جرى في ذلك على موافقة اللفظ كقوله : {يُخَـادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَـادِعُهُمْ} (النساء : 142) ، {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه } (آل عمران : 54) وأما قوله : {وَإِيَّـاىَ فَارْهَبُونِ} فاعلم أن الرهبة هي الخوف قال المتكلمون : الخوف منه تعالى هو الخوف من عقابه وقد يقال في المكلف إنه خائف على وجهين : أحدهما : مع العلم والآخر مع الظن ، أما العلم فإذا كان على يقين من أنه أتى بكل ما أمر به واحترز عن كل ما نهى عنه فإن خوفه إنما يكون عن المستقبل وعلى هذا نصف الملائكة والأنبياء عليهم السلام بالخوف والرهبة. قال تعالى : {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} (النحل : 50) وأما الظن فإذا لم يقطع بأنه فعل المأمورات واحترز عن المنهيات فحينئذ يخاف أن لا يكون من أهل الثواب ، واعلم أن كل من كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس. روى : "أنه ينادي مناد يوم القيامة وعزتي وجلالي إني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة ومن خافني في الدنيا أمنته يوم / القيامة" وقال العارفون : الخوف خوفان خوف العقاب وخوف الجلال ، والأول : نصيب أهل الظاهر ، والثاني : نصيب أهل القلب ، والأول : يزول ، والثاني : لا يزول. واعلم أن في الآية دلالة على أن كثرة النعم تعظم المعصية ، ودلالة على ما تقدم العهد يعظم المخالفة ودلالة على أن الرسول كما كان مبعوثاً إلى العرب كان مبعوثاً إلى بني إسرائيل. وقوله : {وَإِيَّـاىَ فَارْهَبُونِ} يدل على أن المرء يجب أن لا يخاف أحداً إلا الله تعالى ، وكما يجب ذلك في الخوف فكذا في الرجاء والأمل وذلك يدل على أن الكل بقضاء الله وقدره إذ لو كان العبد مستقلاً بالفعل لوجب أن يخاف منه كما يخاف من الله تعالى وحينئذ يبطل الحصر الذي دل عليه قوله تعالى : {وَإِيَّـاىَ فَارْهَبُونِ} بل كان يجب أن لا يرهب إلا نفسه ، لأن مفاتيح الثواب والعقاب بيده لا بيد الله تعالى فوجب أن لا يخاف إلا نفسه وأن لا يخاف إلا نفسه وأن لا يخاف الله ألبتة ، وفيها دلالة على أنه يجب على المكلف أن يأتي بالطاعات للخوف والرجاء وأن ذلك لا بد منه في صحتها والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
0
اعلم أن المخاطبين بقوله : {وَءَامِنُوا } هم بنوا اسرائيل ويدل عليه وجهان. الأول : أنه معطوف على قوله : {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} كأنه قيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي وآمنوا بما أنزلت. الثاني : أن قوله تعالى : {مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ} يدل على ذلك.
أما قوله : {بِمَآ أَنزَلْتُ} ففيه قولان ، الأقوى أنه القرآن وعليه دليلان. أحدهما : أنه وصفه بكونه منزلاً وذلك هو القرآن لأنه تعالى قال : {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَـابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاـاةِ وَالانجِيلَ} (آل عمران : 3). والثاني : وصفه بكونه مصدقاً لما معهم من الكتب وذلك هو القرآن. وقال قتادة : المراد {بِمَآ أَنزَلْتُ} من كتاب ورسول تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/407)

أما قوله : {مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ} ففيه تفسيران : أحدهما : أن في القرآن أن موسى وعيسى حق وأن التوراة والإنجيل حق وأن التوراة أنزلت على موسى والإنجيل على عيسى عليهما السلام فكان الإيمان بالقرآن مؤكداً للإيمان بالتوراة والإنجيل فكأنه قيل لهم : إن كنتم تريدون المبالغة في الإيمان بالتوراة والإنجيل فآمنوا بالقرآن فإن الإيمان به يؤكد الإيمان بالتوراة والإنجيل. والثاني : أنه حصلت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلّم وبالقرآن في التوراة والإنجيل فكأن الإيمان بمحمد وبالقرآن تصديقاً للتوراة والإنجيل ، وتكذيب محمد والقرآن تكذيباً للتوراة / والإنجيل ، وهذا التفسير أولى لأن على التفسير الأول لا يلزم الإيمان بمحمد عليه السلام لأنه بمجرد كونه مخبراً عن كون التوراة والإنجيل حقاً لا يجب الإيمان بنبوته : أما على التفسير الثاني يلزم الإيمان به لأن التوراة والإنجيل إذا اشتملا على كون محمد صلى الله عليه وسلّم صادقاً فالإيمان بالتوراة والإنجيل يوجب الإيمان بكون محمد صادقاً لا محالة ، ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة عليهم في وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلّم ، فثبت أن هذا التفسير أولى. واعلم أن هذا التفسير الثاني يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم من وجهين : الأول : أن شهادة كتب الأنبياء عليهم السلام لا تكون إلا حقاً ، والثاني : أنه عليه السلام أخبر عن كتبهم ولم يكن له معرفة بذلك إلا من قبل الوحي. أما قوله : {وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرا بِه } فمعناه أول من كفر به أو أول فريق أو فوج كافر به أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به. ثم فيه سؤلان : الأول : كيف جعلوا أول من كفر به وقد سبقهم إلى الكفر به مشركو العرب ؟
والجواب من وجوه : أحدها : أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته ولأنهم كانوا هم المبشرون بزمان محمد صلى الله عليه وسلّم والمستفتحون على الذين كفروا به فلما بعث كان أمرهم على العكس لقوله تعالى : {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه } . (البقرة : 89). وثانيها : يجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة ، أي ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة والإنجيل مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له. وثالثها : ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل وإن كانت قريش كفروا به قبل ذلك. ورابعها : ولا تكونوا أول كافر به ، يعني بكتابكم يقول ذلك ولعلمائهم : أي كذب لا تكونوا أول أحد من أمتكم كذلك كتابكم لأن تكذيبكم بمحمد صلى الله عليه وسلّم يوجب تكذيبكم بكتابكم. وخامسها : أن المراد منه بيان تغليظ كفرهم وذلك لأنهم لما شاهدوا المعجزات الدالة على صدقه عرفوا البشارات الواردة في التوراة والإنجيل بمقدمه فكان كفرهم أشد من كفر من لم يعرف إلا نوعاً واحداً من الدليل والسابق إلى الكفر يكون أعظم ذنباً ممن بعده لقوله عليه السلام : "من سن سيئة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" فلما كان كفرهم عظيماً وكفر من كان سابقاً في الكفر عظيماً فقد اشتركا من هذا الوجه فصح إطلاق اسم أحدهما على الآخر على سبيل الاستعارة. وسادسها : المعنى ولا تكونوا أول من جحد مع المعرفة لأن كفر قريش كان مع الجهل لا مع المعرفة. وسابعها : أول كافر به من اليهود لأن النبي صلى الله عليه وسلّم قدم المدينة وبها قريظة والنضير فكفروا به ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر فكأنه قيل : أول من كفر به من أهل الكتاب وهو كقوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
(1/408)

{وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ} (البقرة : 47 ، 122) أي على عالمي زمانهم. وثامنها : ولا تكونوا أول كافر به عند سماعكم بذكره بل تثبتوا فيه وراجعوا عقولكم فيه ، وتاسعها : أن لفظ : "أول" صلة والمعنى ولا تكونوا كافرين به ، وهذا ضعيف ، السؤال / الثاني : أنه كان يجوز لهم الكفر إذ لم يكونوا أولاً ، والجواب من وجوه : أحدها : أنه ليس في ذكر تلك الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه ، وثانيها : أن في قوله : {وَءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ} دلالة على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور ، وثالثها : أن قوله : {رَفَعَ السَّمَـاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } (الرعد : 2) لا يدل على وجود عمد لا يرونها. وقوله : {وَقَتْلِهِمُ الانابِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} (النساء : 155) لا يدل على وقوع قتل الأنبياء بحق. وقوله : عقيب هذه الآية : {وَلا تَشْتَرُوا بِاَايَـاتِى ثَمَنًا قَلِيلا} لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير ، فكذا ههنا ، بل المقصود من هذه السياقة استعظام وقوع الجحد والإنكار ممن قرأ في الكتب نعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم صفته. ورابعها : قال المبرد : هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم فقيل لهم لا تكفروا بمحمد فإنه سيكون بعدكم الكفار فلا تكونوا أنتم أول الكفار لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإثم وذلك لأنهم إذا سبقوا إلى الكفر فإما أن يقتدي بهم غيرهم في ذلك الكفر أو لا يكون كذلك. فإن اقتدى بهم غيرهم في ذلك الكفر كان لهم وزر ذلك الكفر ووزر كل من كفر إلى يوم القيامة ، وإن لم يقتد بهم غيرهم اجتمع عليهم أمران ، أحدهما : السبق إلى الكفر ، والثاني : التفرد به ، ولا شك في أنه منقصة عظيمة ، فقوله : {وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرا بِه } إشارة إلى هذا المعنى.
أما قوله : {وَلا تَشْتَرُوا بِاَايَـاتِى ثَمَنًا قَلِيلا} فقد بينا في قوله : { أولئك الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَـالَةَ بِالْهُدَى } (البقرة : 16) ، أن الاشتراء يوضع موضع الاستبدال فكذا الثمن يوضع موضع البدل عن الشيء ، والعوض عنه ، فإذا اختير على ثواب الله شيء من الدنيا فقد جعل ذلك الشيء ثمناً عند فاعله. قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن رؤساء اليهود مثل كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهدايا وعلموا أنهم لو اتبعوا محمداً لانقطعت عنهم تلك الهدايا ، فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القدر المحقر ، وذلك لأن الدنيا كلها بالنسبة إلى الدين قليلة جداً فنسبتها إليه نسبة المتناهي إلى غير المتناهي/ ثم تلك الهدايا كانت في نهاية القلة بالنسبة إلى الدنيا ، فالقليل جداً من القليل جداً أي نسبة له إلى الكثير الذي لا يتناهى ؟
واعلم أن هذا النهي صحيح سواء كان فيهم من فعل ذلك أو لم يكن ، بل لو ثبت أن علماءهم كانوا يأخذون الرشا على كتمان أمر الرسول صلى الله عليه وسلّم وتحريف ما يدل على ذلك من التوراة كان الكلام أبين ، وأما قوله : {وَإِيَّـاىَ فَاتَّقُونِ} فيقرب معناه مما تقدم من قوله : {وَإِيَّـاىَ فَارْهَبُونِ} والفرق أن الرهبة عبارة عن الخوف ، وأما الاتقاء فإنما يحتاج إليه عند الجزم بحصول ما يتقي منه فكأنه تعالى أمرهم بالرهبة لأجل أن جواز العقاب قائم ، ثم أمرهم بالتقوى لأن تعين العقاب قائم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
0
(1/409)

/ أعلم أن قوله سبحانه {وَءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلْتُ} أمر بترك الكفر والضلال وقوله : {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَـاطِلِ} أمر بترك الإغراء والإضلال ، واعلم أن إضلال الغير لا يحصل إلا بطريقين ، وذلك لأن ذلك الغير إن كان قد سمع دلائل الحق فإضلاله لا يمكن إلا بتشويش تلك الدلائل عليه وإن كان ما سمعها فإضلاله إنما يمكن بإخفاء تلك الدلائل عنه ومنعه من الوصول إليها. فقوله : {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَـاطِلِ} إشارة إلى القسم الأول وهو تشويش الدلائل عليه وقوله : {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} إشارة إلى القسم الثاني وهو منعه من الوصول إلى الدلائل ، واعلم أن الأظهر في الباء التي في قوله : {بِالْبَـاطِلِ} أنها باء الاستعانة كالتي في قولك : كتبت بالقلم والمعنى ولا تلبسوا الحق بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين ، وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد عليكم كانت نصوصاً خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال ، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بسبب إلقاء الشبهات ، فهذا هو المراد بقوله : {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَـاطِلِ} فهو المذكور في قوله : {وَجَـادَلُوا بِالْبَـاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} (غافر : 5). أما قوله : {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي تعلمون ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة ، وذلك لأن ذلك التلبيس صار صارفاً للخلق عن قبول الحق إلى يوم القيامة وداعياً لهم إلى الاستمرار على الباطل إلى يوم القيامة ولا شك في أن موقعه عظيم ، وهذا الخطاب وإن ورد فيهم ، فهو تنبيه لسائر الخلق وتحذير من مثله فصار الخطاب وإن كان خاصاً في الصورة لكنه عام في المعنى ، ثم ههنا بحثان :
البحث الأول : قوله : {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} جزم داخل تحت حكم النهي بمعنى ولا تكتموا أو منصوب بإضمار أن.
البحث الثاني : أن النهي عن اللبس والكتمان وإن تقيد بالعلم فلا يدل على جوازهما حال عدم العلم ، وذلك لأنه إذا لم يعلم حال الشيء لم يعلم أن ذلك اللبس والكتمان حق أ وباطل ، وما لا يعرف كونه حقاً أو باطلاً لا يجوز الإقدام عليه بالنفي ولا بالإثبات ، بل يجب التوقف فيه ، وسبب ذلك التقييد أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضاراً أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضاراً ، فلما كانوا عالمين بما في التلبيس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح ، والآية دالة على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 427
485
اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما أمرهم بالإيمان أولاً ثم نهاهم عن لبس الحق بالباطل وكتمان دلائل النبوة ثانياً ، ذكر بعد ذلك بيان ما لزمهم من الشرائع وذكر من جملة الشرائع ما كان كالمقدم / والأصل فيها وهو الصلاة التي هي أعظم العبادات البدنية والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية وههنا مسائل :
المسألة الأولى : القائلون بأنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب قالوا إنما جاء الخطاب في قوله : {وَإِذْ أَخَذْنَا} بعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلّم وصف لهم أركان الصلاة وشرائطها فكأنه تعالى قال : وأقيموا الصلاة التي عرفتموها والقائلون بجواز التأخير قالوا : يجوز أن يراد الأمر بالصلاة وإن كانوا لا يعرفون أن الصلاة ما هي ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما أنه لا نزاع في أن يحسن من السيد أن يقول لعبده : إني آمرك غداً بشيء فلا بد وأن تفعله ويكون غرضه منه بأن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني.
المسألة الثانية ؛ قالت المعتزلة : الصلاة من الأسماء الشرعية قالوا : لأنها أمر حدث في الشرع فاستحال أن يكون الاسم الموضوع قد كان حاصلاً قبل الشرع ، ثم اختلفوا في وجه التشبيه فقال بعضهم : أصلها في اللغة الدعاء قال الأعشى :
عليك مثل الذي صليت فاعتصمي
عينا فإن لجنب المرء مضطجعا
وقال آخر :
وقابلها الريح في دنها
وصلى على دنها وارتسم
وقال بعضهم : الأصل فيها اللزوم قال الشاعر :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
لم أكن من جناتها علم الله
وإني بحرها اليوم صالي
(1/410)

أي ملازم ، وقال آخرون : بل هي مأخوذة من المصلي وهو الفرس الذي يتبع غيره. والأقرب أنها مأخوذة من الدعاء إذ لا صلاة إلا ويقع فيها الدعاء أو ما يجري مجراه ، وقد تكون صلاة ولا يحصل فيها متابعة الغير وإذا حصل في وجه التشبيه ما عم كل الصور كان أولى أن يجعل وجه التشبيه شيئاً يختص ببعض الصور. وقال أصحابنا من المجازات المشهورة في اللغة إطلاق اسم الجزء على الكل ولما كانت الصلاة الشرعية مشتملة على الدعاء لا جرم أطلق اسم الدعاء عليها على سبيل المجاز ، فإن كان مراد المعتزلة من كونها اسماً شرعياً هذا. فذلك حق وإن كان المراد أن الشرع ارتجل هذه اللفظة ابتداء لهذا المسمى فهو باطل وإلا لما كانت هذه اللفظة عربية ، وذلك ينافي قوله تعالى : {إِنَّآ أَنْزَلْنَـاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا} (يوسف : 20) أما الزكاة فهي في اللغة عبارة عن النماء ، يقال : زكا الزرع إذا نما ، وعن التطهير قال الله تعالى : {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةَ } (الكهف : 74) أي طاهرة. وقال : {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى } (الأعلى : 14) أي تطهر وقال : {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُه مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا} (النور : 21) وقال : {وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِه } (فاطر : 18) أي تطهر بطاعة الله ، ولعل إخراج نصف دينار من عشرين ديناراً سمي بالزكاة تشبيهاً بهذين الوجهين ، لأن في إخراج ذلك القدر تنمية للبقية من حيث البركة فإن الله يرفع البلاء عن ذلك المال بسبب تزكية / تلك العطية فصار ذلك الإعطاء نماء في المعنى وإن كان نقصاناً في الصورة ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلّم : "عليكم بالصدقة فإن فيها ست خصال ، ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة ، فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق وتكثر المال وتعمر الديار ، وأما التي في الآخرة فتستر العورة وتصير ظلاً فوق الرأس وتكون ستراً في النار". ويجوز أن تسمى الزكاة بالوجه الثاني من حيث إنها تطهر مخرج الزكاة عن كل الذنوب ، ولهذا قال تعالى لنبيه : {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (التوبة : 103).
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
المسألة الثالثة : قوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـاقَ بَنِى } خطاب مع اليهود وذلك يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. أما قوله تعالى : {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (البقرة : 43) ففيه وجوه أحدها : أن اليهود لا ركوع في صلاتهم فخص الله الركوع بالذكر تحريضاً لهم على الإتيان بصلاة المسلمين ، وثانيها : أن المراد صلوا مع المصلين ، وعلى هذا التكرار لأن في الأول أمر تعالى بإقامتها وأمر في الثاني بفعلها في الجماعة ، وثالثها : أن يكون المراد من الأمر بالركوع هو الأمر بالخضوع لأن الركوع والخضوع في اللغة سواء فيكون نهياً عن الاستكبار المذموم وأمراً بالتذلل كما قال للمؤمنين : {فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه ا أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَـافِرِينَ} (المائدة : 54) وكقوله تأديباً لرسوله عليه السلام : {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (الشعراء : 215) وكمدحه له بقوله : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُم وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ انفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } (آل عمران : 159) وهكذا في قوله تعالى : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُه وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَواةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَواةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة : 55) فكأنه تعالى لما أمرهم بالصلاة والزكاة أمرهم بعد ذلك بالانقياد والخضوع وترك التمرد. وحكى الأصم عن بعضهم أنه إنما أمر الله تعالى بني إسرائيل بالزكاة لأنهم كانوا لا يؤتون الزكاة وهو المراد بقوله تعالى : {وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ } (المائدة : 62 ، 63) وبقوله : {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَـاطِلِ } (النساء : 161) فأظهر الله تعالى في هذا الموضع ما كان مكتوباً ليحذروا أن يفضحهم في سائر أسرارهم ومعاصيهم فيصير هذا كالإخبار عن الغيب الذي هو أحد دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/411)

اعلم أن الهمزة في أتأمرون الناس بالبر للتقرير مع التقريع والتعجب من حالهم ، وأما البر فهو اسم جامع لأعمال الخير ، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما ، ومنه عمل مبرور ، أي قد رضيه الله تعالى وقد يكون بمعنى الصدق كما يقال بر في يمينه أي صدق ولم يحنث ، ويقال : صدقت وبررت ، وقال تعالى : {وَلَـاكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى } (البقرة : 189) فأخبر أن البر جامع للتقوى ، واعلم أنه سبحانه / وتعالى لما أمر بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم ورغبهم في ذلك بناء على مأخذ آخر ، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول ، إذ المقصود من أمر الناس بذلك إما النصيحة أو الشفقة ، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو أن ينصح غيره ويهمل نفسه فحذرهم الله تعالى من ذلك بأن قرعهم بهذا الكلام. واختلفوا في المراد بالبر في هذا الموضع على وجوه ، أحدها : وهو قول السدي أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وينهونهم عن معصية الله ، وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية ، وثانيها : قول ابن جريج أنهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة وهم كانوا يتركونهما. وثالثها : أنه إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد صلى الله عليه وسلّم قالوا : هو صادق فيما يقول وأمره حق فاتبعوه ، وهم كانوا لا يتبعونه لطمعهم في الهدايا والصلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم ، ورابعها : أن جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلّم يخبرون مشركي العرب أن رسولاً سيظهر منكم ويدعو إلى الحق وكانوا يرغبونهم باتباعه فلما بعث الله محمداً حسدوه وكفروا به ، فبكتهم الله تعالى بسبب أنهم كانوا باتباعه قبل ظهوره ، فما ظهر تركوه وأعرضوا عن دينه ، وهذا اختيار أبي مسلم ، وخامسها : وهو قول الزجاج أنهم كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة ، وكانوا يشحون بها لأن الله تعالى وصفهم بقساوة القلوب وأكل الربا والسحت ، وسادسها : لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباع محمد صلى الله عليه وسلّم في الظاهر ، ثم إنهم كانوا في قلوبهم منكرين له فوبخهم الله تعالى عليه ، وسابعاً : أن اليهود كانوا يأمرون غيرهم باتباع التوراة ثم إنهم خالفوه لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلّم ، ثم إنهم ما آمنوا به ، أما قوله : {وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} فالنسيان عبارة عن السهو الحادث بعد حصول العلم والناسي غير مكلف ومن لا يكون مكلفاً لا يجوز أن يذمه الله تعالى على ما صدر منه ، فالمراد بقوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
{وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} أنكم تغفلون عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع ، أما قوله : {وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَـابَ } فمعناه تقرأون التوراة وتدرسونها وتعلمون بما فيها من الحث على أفعال البر والإعراض عن أفعال الإثم. وأما قوله : {أَفَلا تَعْقِلُونَ} (الأنبياء : 67) وسبب التعجب وجوه ، الأول : أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى تحصيل المصلحة وتحذيره عما يوقعه في المفسدة ، والإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال : {أَفَلا تَعْقِلُونَ} . الثاني : أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سبباً لرغبة الناس في المعصية لأن الناس يقولون أنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات وإلا لما أقدم على المعصية فيصير هذا داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجراءة على المعصية ، فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن العصية ثم أتى بفعل / يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين ، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء ، فلهاذا قال : {أَفَلا تَعْقِلُونَ} . الثالث : أن من وعظ فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه نافذاً في القلوب. والإقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول ، فمن وعظ كان غرضه أن يصير وعظه مؤثراً في القلوب ، ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثراً في القلوب. فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء ، ولهذا قال علي رضي الله عنه : قصم ظهري رجلان : عالم متهتك وجاهل متنسك. وبقي ههنا مسائل :
(1/412)

المسألة الأولى : قال بعضهم : ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهي عن النمكر واحتجوا بالآية والمعقول ، أما الآية فقوله : {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} ولا شك أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم ، وقال أيضاً : {لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} (الصف : 2ـ3). وأما المعقول فهو أنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن ينكر عليها في أثناء الزنا على كشفها عن وجهها ، ومعلوم أن ذلك مستنكر. والجواب : أن المكلف مأمور بشيئين ، أحدهما : ترك المعصية. والثاني : منع الغير عن فعل المعصية والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر. أما قوله : {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} فهو نهي عن الجمع بينهما والنهي عن الجمع بين الشيئين يصح حمله على وجهين. أحدهما : أن يكون المراد هو النهي عن نسيان النفس مطلقاً. والآخر : أن يكون المراد هو النهي عن ترغيب الناس في البر حال كونه ناسياً للنفس وعندنا المراد من الآية هو الأول لا الثاني ، وعلى هذا التقدير يسقط قول هذا الخصم ، وأما المعقول الذي ذكروه فيلزمهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
المسألة الثانية : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن فعل العبد غير مخلوق لله عز وجل فقالوا قوله تعالى : {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} إنما يصح ويحسن لو كان ذلك الفعل منهم ، فأما إذا كان مخلوقاً فيهم على سبيل الاضطرار فإن ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن يقال للأسود : لم لا تبيض ؟
لما كان السواد مخلوقاً فيه.
والجواب : أن قدرته لما صلحت للضدين فإن حصل أحد الضدين دون الآخر لا لمرجع كان ذلك محض الاتفاق ، والأمر الاتفاقي لا يمكن التوبيخ عليه. وإن حصل المرجح فإن كان ذلك المرجح منه عاد البحث فيه ، وإن حصل من الله تعالى فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحاً والآخر مرجوحاً والمرجوح ممتنع الوقوع لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع فحال المرجوحية أولى بأن يكون ممتنع الوقوع وإذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر وحينئذ يعود عليكم كل ما أوردتموه علينا. ثم الجواب الحقيقي عن الكل : أنه {لا يُسْـاَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} (الأنبياء : 23).
المسألة الثالثة : (أ) عن أنس رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام : "مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت : يا أخي يا جبريل من هؤلاء ؟
فقال هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم". (ب) وقال عليه الصلاة والسلام : "إن في النار رجلاً يتأذى أهل النار بريحه فقيل من هو يا رسول الله ؟
قال : عالم لا ينتفع بعلمه". (ج) وقال عليه الصلاة والسلام : "مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس / ويحرق نفسه". (د) وعن الشعبي : يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من النار فيقولون : لم دخلتم النار ونحن إنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم ؟
فقالوا : إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله. كما قيل : من وعظ بقوله ضاع كلامه ، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه. وقال الشاعر :
يا أيها الرجل المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا
كيما يصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدي
بالرأي منك وينفع التعليم
قيل : عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل ، وأما من وعظ واتعظ فمحله عند الله عظيم.
روي أن يزيد بن هارون مات وكان واعظاً زاهداً فرؤي في المنام فقيل له : ما فعل الله بك ؟
فقال : غفر لي وأول ما سألني منك ونكير فقالا : من ربك ؟
أما تستحيان من شيخ دعا الناس إلى الله تعالى كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك ؟
وقيل للشبلي عند النزع : قل لا إله إلا الله فقال :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
إن بيتاً أنت ساكنه
غير محتاج إلى السرج
في الآية مسائل :
(1/413)

المسألة الأولى : اختلفوا في المخاطبين بقوله سبحانه وتعالى : {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَواةِ } فقال قوم : هم المؤمنون بالرسول. قال : لأن من ينكر الصلاة أصلاً والصبر على دين محمد صلى الله عليه وسلّم لا يكاد يقال له استعن بالصبر والصلاة ، فلا جرم وجب صرفه إلى من صدق بمحمد صلى الله عليه وسلّم ولا يمتنع أن يكون الخطاب أولاً في بني إسرائيل ، ثم يقع بعد ذلك خطاباً للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلّم ، والأقرب أن المخاطبين هم بنو إسرائيل لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك النظم. فإن قيل : كيف يؤمرون بالصبر والصلاة مع كونهم منكرين لهما ؟
قلنا : لا نسلم كونهم منكرين لهما. وذلك لأن كل أحد يعلم أن الصبر على ما يجب الصبر عليه حسن وأن الصلاة التي هي تواضع للخالق والاشتغال بذكر الله تعالى يسلي عن محن الدنيا وآفاتها ، إنما الاختلاف في الكيفية ، فإن صلاة اليهود واقعة على كيفية وصلاة المسلمين على كيفية أخرى. وإذا كان متعلق الأمر هو الماهية التي هي القدر المشترك زال الإشكال المذكور وعلى هذا نقول : إنه تعالى لما أمرهم بالإيمان وبترك الإضلال وبالتزام الشرائع وهي الصلاة والزكاة ؛ وكان ذلك شاقاً عليهم لما فيه من ترك الرياسات / والإعراض عن المال والجاه لا جرم عالج الله تعالى هذا المرض فقال : {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَواةِ } .
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
المسألة الثانية : ذكروا في الصبر والصلاة وجوهاً ، أحدها : كأنه قيل واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد صلى الله عليه وسلّم بالصبر أي يحبس النفس عن اللذات ، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك تم الأمر ، لأن المشتغل بالصلاة لا بد وأن يكون مشتغلاً بذكر الله عز وجل وذكر جلاله وقهره وذكره رحمته وفضله ، فإذا تذكر رحمته صار مائلاً إلى طاعته وإذا تذكر عقابه ترك معصيته فيسهل عند ذلك اشتغاله بالطاعة وتركه للمعصية ، وثانيها : المراد من الصبر ههنا هو الصوم لأن الصائم صابر عن الطعام والشراب ، ومن حبس نفسه عن قضاء شهوة البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا ، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله تعالى وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثيره الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات ، ولأنه عليه الصلاة والسلام قال : "الصوم جنة من النار". وقال الله تعالى : {اتْلُ مَآ أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَـابِ} (العنكبوت : 45) لأن الصلاة تمنع عن الاشتغال بالدنيا وتخشع القلب ويحصل بسببها تلاوة الكتاب والوقوف على ما فيه من الوعد والوعيد والمواعظ والآداب الجميلة ، وذكر مصير الخلق إلى دار الثواب أو دار العقاب رغبة في الآخرة ونفرة عن الدنيا فيهون على الإنسان حينئذ ترك الرياسة ، ومقطعة عن المخلوقين إلى قبلة خدمة الخالق ونظير هذه الآية قوله تعالى : { يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَواةِا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّـابِرِينَ} (البقرة : 153). أما قوله تعالى : {وَإِنَّهَا} ففي هذا الضمير وجوه ، أحدها : الضمير عائد إلى الصلاة أي صلاة ثقيلة إلاى علاى الخاشعين. وثانيها : الضمير عائد إلى الاستعانة التي يدل عليها قوله : {وَاسْتَعِينُوا } . وثالثها : أنه عائد إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله : {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} (البقرة : 40 ، 47 ، 122) إلى قوله : {وَاسْتَعِينُوا } والعرب قد تضمر الشيء اختصاراً أو تقتصر فيه على الإيماء إذا وثقت بعلم المخاطب فيقول القائل : ما عليها أفضل من فلان يعني الأرض. ويقولون : ما بين لابتيها أكرم من فلان يعنون المدينة. وقال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/414)

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ} (النحل : 61) ، ولا ذكر للأرض ، أما قوله : {لَكَبِيرَةٌ} أي لشاقة ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين فيجب أن يكون ثوابهم أكثر وثواب الخاشع أقل ، وذلك منكر من القول ، قلنا : ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع وكيف يكون ذلك الخاشع يستعمل عند الصلاة جوارحه وقلبه وسمعه وبصره ، ولا يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع ، وإذ تذكر الوعيد لم يخل من حسرة وغم ، وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك ، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم ، وإنما المراد بقوله : وإنها ثقيلة على من لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ولا في تركها عقاباً ، فيصعب عليه فعلها. فالحاصل أن الملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة ثقل عليه فعلها ، لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل / على الطبع ، أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع وفي تركها أعظم المضار لم يثقل ذلك عليه لما يعتقد في فعله من الثواب والفوز العظيم النعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم ، ألا ترى إلى قوله : {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـاقُوا رَبِّهِمْ} أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من عقابه. مثاله إذا قيل للمريض : كل هذا الشيء المر فإن اعتقد أن له فيه شفاء سهل ذلك عليه ، وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه ، وعليه قوله عليه الصلاة والسلام : "وجعلت قرة عيني في الصلاة". وصف الصلاة بذلك للوجوه التي ذكرناها لا لأنها كانت لا تثقل عليه ، وكيف وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى تورمت قدماه ، وأما الخشوع فهو التذلل والخضوع.
أما قوله : {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـاقُوا رَبِّهِمْ} فللمفسرين فيه قولان : الأول : أن الظن بمعنى العلم. قالوا : لأن الظن وه والاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة وذلك كفر والله تعالى مدح على هذا الظن والمدح على الكفر غير جائز ، فوجب أن يكون المراد من الظن ههنا العلم ، وسبب هذا المجاز بيوم القيامة وذلك كفر والله تعالى مدح على هذا الظن والمدح على الكفر غير جائز ، فوجب أن يكون المراد من الظن ههنا العلم ، وسبب هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقاداً راجحاً إلا أن العلم راجح مانع من النقيض والظن راجح غير مانع من النقيض ، فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق اسم أحدها على الآخر ، قال أوس بن حجر :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
فأرسلته مستيقن الظن أنه
مخالط ما بين الشراسيف خائف
وقال تعالى : {إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـاقٍ حِسَابِيَهْ} (الحاقة : 20) وقال : {أَلا يَظُنُّ أولئك أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ} (المطففين : 4) ذكر الله تعالى ذلك إنكاراً عليهم وبعثاً على الظن ولا يجوز أن يبعثم على الاعتقاد المجوز للنقيض فثبت أن المراد بالظم ههنا العلم.
القول الثاني : أن يحمل اللفظ على ظاهره وهو الظن الحقيقي ، ثم ههنا وجوه. الأول : أن تجعل ملاقاة الرب مجازاً عن الموت ، وذلك لأن ملاقاة الرب مسبب عن الموت فأطلق المسبب والمراد منه السبب ، وهذا مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات إنه لقي ربه. إذا ثبت هذا فنقول : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون الموت في كل لحظة ، وذلك لأن كل من كان من كان متوقعاً للموت في كل لحظة فإنه لا يفارق قلبه الخشوع فهم يبادرون إلى التوبة ، لأن خوف الموت مما يقوي دواعي التوبة ولأنه مع خشوعه لا بد في كل حال من أن لا يأمن تقصيراً جرى منه فيلزمه التلافي ، فإذا كان حاله ما ذكرنا كان ذلك داعياً إلى المبادرة إلى التوبة ، الثاني : أن تفسر ملاقاة الرب بملاقاة ثواب الرب وذلك مظنون لا معلوم فإن الزاهد العابد لا يقطع بكونه ملاقياً لثواب الله بل يظن إلا أن ذلك الظن مما يحمله على كمال الخشوع. الثالث : المعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح. بقي هنا مسألتان :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/415)

المسألة الأولى : استدل بعض الأصحاب بقوله : {مُّلَـاقُوا رَبِّهِمْ} على جواز رؤية الله تعالى / وقالت المعتزلة : لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية والدليل عليه الآية والخبر والعرف. أما الآية فقوله تعالى : {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَه } (التوبة : 77) والمنافق لا يرى ربه ، وقال : {وَمَن يَفْعَلْ ذَالِكَ يَلْقَ أَثَامًا} (الفرقان : 68) وقال تعالى في معرض التهديد : {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَـاقُوه } (البقرة : 223) فهذا يتناول الكافر والمؤمن ، والرؤية لا تثبت للكافر فعلمنا أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية. وأما الخبر فقوله عليه السلام : "من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" وليس المراد رأى الله تعالى لأن ذلك وصف أهل النار ، وأما العرف فهو قول المسلمين فيمن مات : لقي الله ، ولا يعنون أنه رأى الله عز وجل ، وأيضاً فاللقاء يراد به القرب ممن يلقاه على وجه يزول الحجاب بينهما. ولذلك يقول الرجل إذا حجب عن الأمير : ما لقيته بعد وإن كان قد رآه ، وإذا أذن له في الدخول عليه يقول : لقيته ، وإن كان ضريراً ، ويقال : لقي فلان جهداً شديداً ولقيت من فلان الداهية. ولاقى فلان حمامه ، وكل ذلك يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية. ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : {فَالْتَقَى الْمَآءُ عَلَى ا أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} (القمر : 12). وهذا إنما يصح في حق الجسم ولا يصح على الله تعالى. قال الأصحاب : اللقاء في أصل اللغة عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه بمسطحة يقال : لقي هذا ذاك إذا ماسه واتصل به ، ولما كانت الملاقاة بين الجنسين المدركين سبباً لحصول الإدراك فحيث يمتنع إجراء اللفظ على المماسة وجب حمله على الإدراك لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز. فثبت أنه يجب حمله لفظ اللقاء على الإدراك أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصور لدليل يخصه فوجب إجراؤه على الإدراك في البواقي ، وعلى هذا التقرير زالت السؤالات. أما قوله : {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَه } (التوبة : 77) والمنافق لا يرى ربه. قلنا : فلأجل هذه الضرورة المراد إلى يوم يلقون حسابه وحكمه إلا أن هذا الإضمار على خلاف الدليل وإنما يصار إليه عند الضرورة. ففي هذا الموضع لما اضطررنا إليه اعتبرناه ، وأما في قوله تعالى : {أَنَّهُم مُّلَـاقُوا رَبِّهِمْ} لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره ولا في إضمار هذه الزيادة ، فلا جرم وجب تعليق اللقاء بالله تعالى لا بحكم الله ، فإن اشتغلوا بذكر الدلائل العقلية التي تمنع من جواز الرؤية بينا ضعفها وحينئذ يستقيم التمسك بالظاهر من هذا الوجه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
المسألة الثانية : المراد من الرجوع إلى الله تعالى الرجوع إلى حيث لا يكون لهم مالك سواه وأن لا يملك لهم أحد نفعاً ولا ضراً غيره ، كما كانوا كذلك في أول الخلق فجعل مصيرهم إلى مثل ما كانوا عليه أولاً رجوعاً إلى الله من حيث كانوا في سائر أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم ويملك أن يضرهم وينفعهم وإن كان الله تعالى مالكاً لهم في جميع أحوالهم ، وقد احتج بهذه الآية فريقان من المبطلين. الأول : المجسمة فإنهم قالوا : الرجوع إلى غير الجسم محال فلما ثبت الرجوع إلى الله وجب كون الله جسماً. الثاني : التناسخية فإنهم قالوا : الرجوع إلى الشيء مسبوق / بالكون عنده ، فدلت هذه الآية على كون الأرواح قديمة وأنها كانت موجودة في عالم الروحانيات والجواب عنها قد حصل بناء على ما تقدم.
(1/416)

اعلم أنه تعالى إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى توكيداً للحجة عليهم وتحذيراً من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلّم ثم قرنه بالوعيد ، وهو قوله : {وَاتَّقُوا يَوْمًا} (البقرة : 48 ، 123) كأنه قال : إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل. أما قوله : {وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ} ففيه سؤال وهو : أنه يلزم أن يكونوا أفضل من محمد عليه السلام وذلك باطل بالاتفاق. والجواب عنه من وجوه. أحدها : قال قوم : العالم عبارة عن الجمع الكثير من الناس كقولك : رأيت عالماً من الناس ، والمراد منه الكثير لا الكل ، وهذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من العلم وهو الدليل ، فكل ما كان دليلاً على الله تعالى كان عالماً ، فكان من العالم ، وهذا تحقيق قول المتكلمين : العالم كل موجود سوى الله ، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ببعض المحدثات. وثانيها : المراد فضلتكم على عالمي زمانكم وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن ذلك الشخص من جملة العالمين حال عدمه لأن شرط العالم أن يكون موجوداً والشيء حال عدمه لا يكون موجوداً. فالشيء حال عدمه لا يكون من العالمين ، وأن محمداً عليه السلام ما كان موجوداً في ذلك الوقت ، فما كان ذلك الوقت من العالمين فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت دونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلّم في ذلك الوقت ، وهذا هو الجواب أيضاً عن قوله تعالى : {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِه يَـاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنابِيَآءَ} (المائدة : 20). وقال : {وَلَقَدِ اخْتَرْنَـاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَـالَمِينَ} (الدخان : 32) وأراد به عالمي ذلك الزمان ، وإنما كانوا أفضل من غيرهم بما أعطوا من الملك والرسالة والكتب الإلهية ، وثالثها : أن قوله : {وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ} عام في العالمين لكنه مطلق في الفضل والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة. فالآية تدل على أن بني إسرائيل فضلوا على العالمين في أمر ما وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور ، بل لعلهم وإن كانوا أفضل من غيرهم في أمر واحد فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر وعند ذلك يظهر أنه لا يصح الاستدلال بقوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ا ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَـالَمِينَ} (آل عمران : 33) على أن الأنبياء أفضل من الملائكة. بقي ههنا أبحاث :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
البحث الأول : قال ابن زيد : أراد به المؤمنين منهم لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير على / ما قال تعالى : {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} (المائدة : 06) وقال : {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنا بَنِى إسرائيل } (المائدة : 78).
البحث الثاني : أن جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم ، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد. قال الله تعالى : {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه ا } (الزمر : 18) ، وقال : {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} (الزمر : 55). وقال : {لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاوْلِى الالْبَـابِ } (يوسف : 11). ولذلك روى قتادة قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول : قد مضى الله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون عن غيركم.
البحث الثالث : قال القفال : "النعمة بكسر النون المنة وما ينعم به الرجل على صاحبه. قال تعالى : {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ} (الشعراء : 22) وأما النعمة بفتح النون فهو ما يتنعم به في العيش ، قال تعالى : {وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَـاكِهِينَ} (الدخان : 27).
البحث الرابع : قوله تعالى : {وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ} يدل على أن رعاية الأصلح لا تجب على الله تعالى لا في الدنيا ولا في الدين لأن قوله : {وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ} يتناول جميع نعم الدنيا والدين ، فذلك التفضيل إما أن يكون واجباً أو لا يكون واجباً ، فإن كان واجباً لم يجز جعله منة عليهم لأن من أدى واجباً فلا منة له على أحد وإن كان غير واجب مع أنه تعالى خصص البعض بذلك دون البعض ، فهذا يدل على أن رعاية الأصلح غير واجبة لا في الدنيا ولا في الدين. فإن قيل : لما خصهم بالنعم العظيمة في الدنيا ، فهذا يناسب أن يخصهم أيضاً بالنعم العظيمة في الآخرة كما قيل : إتمام المعروف خير من ابتدائه ، فلم أردف ذلك التخويف الشديد في قوله : {وَاتَّقُوا يَوْمًا} والجواب : لأن المعصية مع عظم النعمة تكون أقبح وأفحض فلهذا حذرهم عنها.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/417)

البحث الخامس : في بيان أن أي فرق العالم أفضل يعني أن أيهم أكثر استجماعاً لخصال الخير ؟
اعلم أن هذا مما وقع فيه النزاع الشديد بين سكان النواحي فكل طائفة تدعي أنها أفضل وأكثر استجماعاً لصفات الكمال ونحن نشير إلى معاقد الكلام في هذا الباب بتوفيق الله تعالى وعونه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
0
اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب والشدائد لأن نفس اليوم لا يتقي ولا بد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعاً. فالمراد ما ذكرناه ثم إنه تعالى وصف اليوم / بأشد الصفات وأعظمها تهويلاً ، وذلك لأن العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وحاولت أعوانه دفاع ذلك عنه بذلت ما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته ، فإن رأى من لا طاقة له بمانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة ، فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة والليان لم يبق بعده إلا فداء الشيء بمثله. إما مال أو غيره وإن لم تغن عنه هذه الثلاثة تعلل بما يرجوه من نصر الأخلاء والأخوان فأخبر الله سبحانه أنه لا يغني شيء من هذه الأمور عن المجرمين في الآخرة. بقي على هذا الترتيب سؤالان :
السؤال الأول : الفائدة من قوله : {لا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} هي الفائدة من قوله : {وَلا هُمْ يُنصَرُونَ} فما المقصود من هذا التكرار ؟
والجواب : المراد من قوله : {لا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} أنه لا يتحمل عنه غيره ما يلزمه من الجزاء ، وأما النصرة فهي أن يحاول تخليصه عن حكم المعاقب وسنذكر فرقاً آخر إن شاء الله تعالى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/418)

السؤال الثاني : أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه ؟
الجواب : أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة ، ففائدة تغيير الترتيب ، الإشارة إلى هذين الصنفين : ولنذكر الآن تفسير الألفاظ : أما قوله تعالى : {لا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} فقال القفال : الأصل في جزي هذا عند أهل اللغة قضي ومنه الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال لأبي بردة بن يسار : "تجزيك ولا تجزي أحداً بعدك" ، هكذا يرويه أهل العربية : "تجزيك" بفتح التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك وتنوب ، ومعنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئاً ولا تحمل عنها شيئاً مما أصابها ، بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي على العاصي ما كان واجباً عليه. وقد تقع هذه النيابة في الدنيا كالرجل يقضي عن قريبه وصديقه دينه ويتحمل عنه ، فأما يوم القيامة فإن قضاء الحقوق إنما يقع فيه من الحسنات. روى أبو هريرة قال : قال عليه السلام : "رحم الله عبداً كان عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته وإن لم يكن له حسنات حمل من سيئاته". قال صاحب الكشاف : و(شيئاً) مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلاً من الجزاء كقوله تعالى : {وَلا يُظْلَمُونَ شَيْـاًا} (مريم : 60). ومن قرأ : "لا يجزي" من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئاً من الإجزاء وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوماً. فإن قيل : فأين العائد منها إلى الموصوف ؟
قلنا : هو محذوف تقديره لا تجزي فيه ومعنى التنكير أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس غيرها شيئاً من الأشياء وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع. أما قوله تعالى : {وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ} فالشفاعة / أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع الذي هو ضد الوتر/ كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار الشفيع له شفعاً أي صارا زوجاً. واعلم أن الضمير في قوله : {وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا} راجع إلى النفس الثانية العاصية وهي التي لا يؤخذ منها عدل ، ومعنى لا يقبل منها شفاعة إنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها ، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى ، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها كما لا تجزي عنها شيئاً. أما قوله تعالى : {وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي فدية ، وأصل الكلمة من معادلة الشيء تقول : ما أعدل بفلان أحداً ، أي لا أرى له نظيراً. قال تعالى : {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} (المائدة : 36) ونظيره هذه الآية قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى الارْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَه مَعَه لِيَفْتَدُوا بِه مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَـامَةِ مَا} (المائدة : 36) وقال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الارْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِه } (آل عمران : 91) وقال : {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَآ } (الأنعام : 70).
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
أما قوله تعالى : {وَلا هُمْ يُنصَرُونَ} فاعلم أن التناصر إنما يكون في الدنيا بالمخالطة والقرابة وقد أخير الله تعالى أنه ليس يومئذ خلة ولا شفاعة وأنه لا أنساب بينهم ، وإنما المرء يفر من أخيه وأمه وأبيه وقرابته ، قال القفال : والنصر يراد به المعونة كقوله : "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" ، ومنه معنى الإغاثة : تقول العرب : أرض منصورة أي ممطورة ، والغيث ينصر البلاد إذا أنبتها فكأنه أغاث أهلها وقيل في قوله تعالى : {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ} (الحج : 15) أي أن لن يرزقه كما يرزق الغيث البلاد ، ويسمى الانتقام نصرة وانتصاراً ، قال تعالى : {وَنَصَرْنَـاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَآ } (الأنبياء : 77) قالوا معناه : فانتقمنا له ، فقوله تعالى : {وَلا هُمْ يُنصَرُونَ} يحتمل هذه الوجوه فإنهم يوم القيامة لا يغاثون ، ويحتمل أنهم إذا عذبوا لم يجدوا من ينتقم لهم من الله ، وفي الجملة كأن النصر هو دفع الشدائد ، فأخبر الله تعالى أنه لا دافع هناك من عذابه ، بقي في الآية مسألتان :
(1/419)

المسألة الأولى : أن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة ، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة ، ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذراً خائفاً في كل حال ، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم.
المسألة الثانية : أجمعت الأمة على أن لمحمد صلى الله عليه وسلّم شفاعة في الآخرة وحمل على ذلك قوله تعالى : {عَسَى ا أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} (الإسراء : 79) وقوله تعالى : {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } (الضحى : 5) ثم اختلفوا بعد هذا في أن شفاعته عليه السلام لمن تكون أتكون للمؤمنين المستحقين / للثواب ، أم تكون لأهل الكبائر المستحقين للعقاب ؟
فذهبت المعتزلة على أنها للمستحقين للثواب وتأثير الشفاعة في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه ، وقال أصحابنا : تأثيرها في إسقاط العذاب عن المستحقين للعقاب ، إما بأن يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار وإن دخلوا النار فيشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة واتفقوا على أنها ليست للكفار/ واستدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر بوجوه. أحدها : هذه الآية : قالوا إنها تدل على نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
الأول : قوله تعالى : {لا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئاً. الثاني : قوله تعالى : {وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ} وهذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة ، والثالث : قوله تعالى : {وَلا هُمْ يُنصَرُونَ} ولو كان محمد شفيعاً لأحد من العصاة لكان ناصراً له وذلك على خلاف الآية. لا يقال الكلام على الآية من وجهين : الأول : أن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم يشفعون لهم فأيسوا من ذلك ، فالآية نزلت فيهم. الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعة مطلقاً إلا أنا أجمعنا على تطرق التخصيص إليه في حق زيادة الثواب لأهل الطاعة ، فنحن أيضاً نخصه في حق المسلم صاحب الكبيرة بالدلائل التي نذكرها ، لأنا نجيب عن الأول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وعن الثاني أنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية نفي الشفاعة في زيادة المنافع لأنه تعالى حذر من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة ، وليس يحصل التحذير إذا رجع نفي الشفاعة إلى تحصيل زيادة النفع لأن عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر ولا ضرر يبين ذلك أنه تعالى لو قال : اتقوا يوماً لا أزيد فيه منافع المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي ، ولو قال : اتقوا يوماً لا أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة شفيع كان ذلك زجراً عن المعاصي ، فثبت أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط العقاب لا نفي تأثيرها في زيادة المنافع. وثانيها : قوله تعالى : {مَا لِلظَّـالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} (غافر : 18) والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره ، لا يقال إنه تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع يطاع ولم ينف شفيعاً يجاب ونحن نقول بموجبه فإنه لا يكون في الآخرة شفيع يطاع ، لأن المطاع يكون فوق المطيع ، وليس فوقه تعالى أحد يطيعه الله تعالى ، لأنا نقول : لا يجوز حمل الآية على ما قلتم من وجهين ، الأول : أن العلم بأنه ليس فوقه تعالى أحد يطيعه ، متفق عليه بين العقلاء. أما من أثبته سبحانه فقد اعترف أنه لا يطيع أحداً ، وأما من نفاه فمع القول بالنفي استحال أن يعتقد فيه كونه مطيعاً لغيره ، فإذا ثبت هذا كان حمل الآية على ما ذكرتم حملاً لها على معنى لا يفيد. الثاني : أنه تعالى نفى شفيعاً يطاع ، والشفيع لا يكون إلا دون المشفوع إليه لأن من فوقه يكون آمراً له وحاكماً عليه ومثله لا يسمى شفيعاً فأفاد قوله : "شفيع" كونه دون الله تعالى فلم يمكن حمل قوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/420)

{يُطَاعُ} على من فوقه فوجب حمله / على أن المراد به أن لا يكون لهم شفيع يجاب. وثالثها : قوله تعالى : {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَـاعَةٌ } (البقرة : 254) ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعات بأسرها. ورابعها : قوله تعالى : {وَمَا لِلظَّـالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} (البقرة : 270) ولو كان الرسول يشفع للفاسق من أمته لوصفوا بأنهم منصورون لأنه إذا تخلص بسبب شفاعة الرسول عن العذاب فقد بلغ الرسول النهاية في نصرته. وخامسها : قوله تعالى : {وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى } (الأنبياء : 28) أخبر تعالى عن ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه الله عز وجل والفاسق ليس بمرتضى عند الله تعالى ، وإذا لم تشفع الملائكة له فكذا الأنبياء عليهم السلام ، لأنه لا قائل بالفرق. وسادسها : قوله تعالى : {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـاعَةُ الشَّـافِعِينَ} (المدثر : 48) ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت الشفاعة قد تنفعهم وذلك ضد الآية. وسابعها : أن الأمة مجمعة على أنه ينبغي أن نرغب إلى الله تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعته عليه السلام ويقولون في جملة أدعيتهم : واجعلنا من أهل شفاعته ، فلو كان المستحق للشفاعة هو الذي خرج من الدنيا مصراً على الكبائر لكانوا قد رغبوا إلى الله تعالى في أن يختم لهم مصرين على الكبائر. لا يقال لم لا يجوز أن يقال : إنهم يرغبون إلى الله تعالى في أن يجعلهم من أهل شفاعته إذا خرجوا مصرين لا أنهم يرغبون في أن يختم لهم مصرين كما أنهم يقولون في دعائهم : اجعلنا من التوابين وليسوا يرغبون في أن يذنبوا ثم يتوبوا وإنما يرغبون في أن يوفقهم للتوبة إذا كانوا مذنبين وكلتا الرغبتين مشروطة بشرط وهو تقدم الإصرار وتقدم الذنب ، لأنا نقول : الجواب عنه من وجهين. الأول : ليس يجب إذا شرطنا شرطاً في قولنا : اللهم اجعلنا من التوابين ، أن نزيد شرطاً في قولنا اجعلنا من أهل الشفاعة. الثاني : أن الأمة في كلتا الرغبتين إلى الله تعالى يسألون منه تعالى أن يفعل بهم ما يوصلهم إلى المرغوب فيه ففي قولهم : اجعلنا من التوابين ، أن يرغبون في أن يوفقهم للتوبة من الذنوب ، وفي الثاني يرغبون في أن يفعل بهم ما كانوا عنده أهلاً لشفاعته عليه السلام ، فلو لم تحصل أهلية الشفاعة إلا بالخروج من الدنيا مصراً على الكبائر لكان سؤال أهلية الشفاعة سؤالاً للاخراج من الدنيا حال الإصرار على الكبائر ، وذلك غير جائز بالإجماع. أما على قولنا : إن أهلية الشفاعة إنما تحصل بالخروج على الكبائر ، وذلك غير جائز بالإجماع. أما على قولنا إن أهلية الشفاعة إنما تحصل بالخروج من الدنيا مستحقاً للثواب كان سؤال أهلية الشفاعة حسناً فظهر الفرق. وثانيها : أن قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/421)

{وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآاـاِبِينَ} (الانفطار : 14 ـ 16) يدل على أن كل الفجار يدخلون النار وأنهم لا يغيبون عنها وإذا ثبت أنهم لا يغيبون عنها ثبت أنهم لا يخرجون منها ، وإذا كان كذلك لم يكن للشفاعة أثر لا في العفو عن العقاب ولا في الإخراج من النار بعد الإدخال فيها. وتاسعها : قوله تعالى : {يُدَبِّرُ الامْرَا مَا مِن شَفِيعٍ إِلا مِنا بَعْدِ إِذْنِه } (يونس : 3) فنفى الشفاعة عمن لم يأذن في شفاعته وكذا قوله : {مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَه ا إِلا بِإِذْنِه } (البقرة : 255) وكذا قوله تعالى : {لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـانُ وَقَالَ صَوَابًا} (سبأ : 38) وإنه تعالى لم يأذن في الشفاعة في حق أصحاب الكبائر لأن هذا الإذن لو عرف لعرف إما بالعقل أو بالنقل ، أما العقل فلا مجال له فيه ، وأما النقل / فأما بالتواتر أو بالآحاد ، والآحاد لا مجال له فيه لأن رواية الآحاد لا تفيد إلا الظن والمسألة علمية والتمسك في المطالب العلمية بالدلائل الظنية غير جائز. وأما بالتواتر فباطل لأنه لو حصل ذلك لعرفه جمهور المسلمين ولو كان كذلك لما أنكروا هذه الشفاعة. فحيث أطبق الأكثرون على الأنكار علمنا أنه لم يوجد هذا الإذن. وعاشرها : قوله تعالى : {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَه يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِه وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} ولو كانت الشفاعة حاصلة للفاسق لم يكن لتقييدها بالتوبة ومتابعة السبيل معنى. الحادي عشر : الأخبار الدالة على أنه لا توجد الشفاعة في حق أصحاب الكبائر وهي أربعة. الأول : ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام دخل المقبرة فقال : "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أني قد رأيت اخواننا : قالوا : يا رسول الله ألسنا إخوانك. قال : بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. قالوا : يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك ؟
قال : أرأيت إن كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم فهل لا يعرف خيله ؟
قالوا : بلى يا رسول الله ، قال فانهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء ، وأما فرطهم على الحوض ، ألا فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ، ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقاً فسحقاً". والاستدلال بهذا الخبر على نفي الشفاعة أنه لو كان شفيعاًلهم لم يكن يقول فسحقاً فسحقاً ، لأن الشفيع لا يقول ذلك ، وكيف يجوز أن يكون شفيعاً لهم في الخلاص من العقاب الدائم وهو يمنعهم شربة ماء. الثاني : روى عبد الرحمن ابن ساباط عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لكعب بن عجرة : "يا كعب بن عجرة أعيذك بالله من إمارة السفهاء إنه سيكون أمراء من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني ولست منه ولن يرد على الحوض ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وسيرد على الحوض ، يا كعب بن عجرة الصلاة قربان والصوم جنة والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفيء الماء النار ، يا كعب بن عجرة لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت). والاستدلال بهذا الحديث من ثلاثة أوجه. أحدها : أنه إذا لم يكن من النبي ولا النبي منه فكيف يشفع له ، وثانيها : قوله : "لم يرد على الحوض" دليل على نفي الشفاعة لأنه إذا منع من الوصول إلى الرسول حتى لا يرد عليه الحوض فبأن يمتنع الرسول من خلاصه من العقاب أولى. وثالثها : أن قوله : "لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت" صريح في أنه لا أثر للشفاعة في حق صاحب الكبيرة. الثالث : عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام : "لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول : يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك". وهذا صريح في المطلوب ، لأنه إذا لم يملك له من الله شيئاً فليس له في الشفاعة نصيب. الرابع : عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : "ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة ، ومن كنت خصيمه خصمته ، رجل / أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حراً فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجرته". والاستدلال به أنه عليه الصلاة والسلام لما كان خصيماً لهؤلاء استحال أن يكون شفيعاً لهم ، فهذا مجموع وجوه المعتزلة في هذا الباب. أما أصحابنا فقد تمسكوا فيه بوجوه. أحدها : قوله سبحانه وتعالى : حكاية عن عيسى عليه السلام :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/422)

{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَا وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، وجه الاستدلال أن هذه الشفاعة من عيسى عليه السلام إما أن يقال إنها كانت في حق الكفار أو في حق المسلم المطيع أو في حق المسلم صاحب الصغيرة أو المسلم صاحب الكبيرة بعد التوبة أو المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة. والقسم الأول باطل لأن قوله تعالى : {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (المائدة : 118) ، لا يليق بالكفار ، والقسم الثاني والثالث والرابع باطل لأن المسلم المطيع والمسلم صاحب الصغيرة والمسلم صاحب الكبيرة لا يجوز بعد التوبة تعذيبه عقلاً عند الخصم ، وإذا كان كذلك لم يكن قوله : {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } لائقاً بهم وإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال : إن هذه الشفاعة إنما وردت في حق المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة وإذا صح القول بهذه الشفاعة في حق عيسى عليه السلام صح القول بها في حق محمد صلى الله عليه وسلّم ضرورة أنه لا قائل بالفرق. وثانيها : قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : {فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّه مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فقوله : {وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (إبراهيم : 36) لا يجوز حمله على الكافر لأنه ليس أهلاً للمغفرة بالإجماع ولا حمله على صاحب الصغيرة ولا على صاحب الكبيرة بعد التوبة لأن غفرانه لهم واجب عقلاً عند الخصم فلا حاجة له إلى الشفاعة فلم يبق إلا حمله على صاحب الكبيرة قبل التوبة. ومما يؤكد دلالة هاتين الآيتين على ما قلناه ما رواه البيهقي في كتاب شعب الإيمان أنه عليه الصلاة والسلام تلا قوله تعالى في إبراهيم : {وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقول عيسى عليه السلام : {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } الآية ، ثم رفع يديه وقال : "اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى : يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك ؟
فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلّم بما قال ، فقال الله عز وجل : يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك". رواه مسلم في الصحيح. وثالثها : قوله تعالى في سورة مريم :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/423)

{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَـن ِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لا يَمْلِكُونَ الشَّفَـاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـن ِ عَهْدًا} (مريم : 85 ـ 87) ، فنقول ليس في ظاهر الآية أن المقصود من الآية أن المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم أو أنهم لا يملكون شفاعة غيرهم لهم لأن المصدر كما يجوز ويحسن إضافته إلى الفاعل يجوز ويحسن إضافته إلى المفعول إلا أنا نقول حمل الآية على الوجه الثاني أولى ، لأن حملها على الوجه الأول يجري مجرى إيضاح الواضحات ، فإن كل أحد يعلم أن المجرمين الذين يساقون إلى جهنم ورداً لا يملكون الشفاعة لغيرهم ، فتعين حملها على الوجه الثاني. إذا ثبت هذا فنقول : الآية تدل على حصول الشفاعة لأهل الكبائر ، لأنه قال عقيبه : {إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـن ِ عَهْدًا} ، والتقدير أن المجرمين لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا اتخذوا عند / الرحمن عهداً ، فكل من اتخذ عند الرحمن عهداً وجب دخوله فيه ، وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهداً وهو التوحيد والإسلام ، فوجب أن يكون داخلاً تحته أقصى ما في الباب أن يقال : واليهودي اتخذ عند الرحمن عهداً وهو الإيمان بالله فوجب دخوله تحته لكنا نقول ترك العمل به في حقه لضرورة الإجماع فوجب أن يكون معمولاً به فيما وراءه. ورابعها : قوله تعالى في صفة الملائكة : {وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى } (الأنبياء : 28) وجه الاستدلال به أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى ، وكل من كان مرتضى عند الله تعالى وجب أن يكون من أهل الشفاعة ، إنما قلنا : إن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى لأنه مرتضى عند الله بحسب إيمانه وتوحيده وكل من صدق عليه أنه مرتضى عند الله بحسب هذا الوصف يصدق عليه أنه مرتضى عند الله تعالى لأن المرتضى عند الله جزء من مفهوم قولنا : مرتضى عند الله بحسب إيمانه ، ومتى صدق المركب صدق المفرد ، فثبت أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون من أهل الشفاعة لقوله تعالى : {وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى } نفي الشفاعة إلا لمن كان مرتضى والاستثناء عن النفي إثبات ، فوجب أن يكون المرتضى أهلاً لشفاعتهم ، وإذا ثبت أن صاحب الكبيرة داخل في شفاعة الملائكة وجب دخوله في شفاعة الأنبياء وشفاعة محمد صلى الله عليه وسلّم ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق. فإن قيل : الكلام على هذا الاستدلال من وجهين ، الأول : أن الفاسق ليس بمرتضى فوجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة الملائكة/ وإذا لم يكن أهلاً لشفاعة الملائكة وجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة محمد صلى الله عليه وسلّم ، إنما قلنا : إنه ليس بمرتضى لأنه ليس بمرتضى بحسب فسقه وفجوره ومن صدق عليه أنه ليس بمرتضى بحسب فسقه صدق عليه أنه ليس بمرتضى بعين ما ذكرتم من الدليل ، وإذا ثبت أنه ليس بمرتضى وجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة الملائكة ، لأن قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
{وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى } يدل على نفي الشفاعة عن الكل إلا في حق المرتضى ، فإذا كان صاحب الكبيرة غير مرتضى وجب أن يكون داخلاً في النفي. الوجه الثاني : أن الاستدلال بالآية إنما يتم لو كان قوله : {وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى } محمولاً على أن المراد منه ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله ، أما لو حملناه على أن المراد منه ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله منه شفاعته فحينئذ لا تدل الآية إلا إذا ثبت أن الله تعالى ارتضى شفاعة صاحب الكبيرة ، وهذا أول المسألة.
(1/424)

والجواب عن الأول : أنه ثبت في العلوم المنطقية أن المهملتين لا يتناقضان ، فقولنا : زيد عالم ، زيد ليس بعالم لا يتناقضان لاحتمال أن يكون المراد زيد عالم بالفقه ، زيد ليس بعالم بالكلام ، وإذا ثبت هذا فكذا قولنا صاحب الكبيرة مرتضى صاحب الكبيرة ليس بمرتضى ، لا يتناقضان لاحتمال أن يقال : إنه مرتضى بحسب دينه ، ليس بمرتضى بحسب فسقه ، وأيضاً فمتى ثبت أنه مرتضى بحسب إسلامه ثبت مسمى كونه مرتضى ، وإذا كان المستثنى هو مجرد كونه مرتضى ، ومجرد كونه / مرتضى حاصل عند كونه مرتضى بحسب إيمانه وجب دخوله تحت الاستثناء وخروجه عن المستثنى منه ، ومتى كان كذلك ثبت أنه من أهل الشفاعة. وأما السؤال الثاني : فجوابه أن حمل الآية على أن يكون معناها ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله أولى من حملها على أن المراد ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله شفاعته ، لأن على التقدير الأول تفيد الآية الترغيب والتحريض على طلب مرضاة الله عز وجل والاحتراز عن معاصيه ، وعلى التقدير الثاني لا تفيد الآية ذلك ، ولا شك أن تفسير كلام الله تعالى بما كان أكثر فائدة أولى. وخامسها : قوله تعالى في صفة الكفار : {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـاعَةُ الشَّـافِعِينَ} (المدثر : 48) خصهم بذلك فوجب أن يكون حال المسلم بخلافه بناء على مسألة دليل الخطاب ، وسادسها : قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلّم : {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنابِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ } (محمد : 19) دلت الآية على أنه تعالى أمر محمداً بأن يستغفر لكل المؤمنين والمؤمنات وقد بينا في تفسير قوله تعالى : {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} (البقرة : 3) أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإذا كان كذلك ثبت أن محمداً صلى الله عليه وسلّم استغفر لهم ، وإذا كان كذلك ثبت أن الله تعالى قد غفر لهم. وإلا لكان الله تعالى قد أمره بالدعاء ليرد دعاءه فيصير ذلك محض التحقير والايذاء وهو غير لائق بالله تعالى ولا بمحمد صلى الله عليه وسلّم فدل على أن الله تعالى لما أمر محمداً بالاستغفار لكل العصاة فقد استجاب دعاءه ، وذلك إنما يتم لو غفر لهم ولا معنى للشفاعة إلا هذا ، وسابعها : قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/425)

{وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ } (النساء : 86) فالله تعالى أمر الكل بأنهم إذا حياهم أحد بتحية أن يقابلوا تلك التحية بأحسن منها أو يردوها ، ثم أمرنا بتحية محمد صلى الله عليه وسلّم حيث قال : {النَّبِىِّا يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب : 56) الصلاة من الله رحمة ولا شك أن هذا تحية ، فلما طلبنا من الله الرحمة لمحمد عليه الصلاة والسلام وجب بمقتضى قوله : {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ } ، أن يفعل محمد مثله وهو أن يطلب لكل المسلمين الرحمة من الله تعالى ، وهذا هو معنى الشفاعة ، ثم توافقنا على أنه عليه الصلاة والسلام غير مردود الدعاء ، فوجب أن يقبل الله شفاعته في الكل وهو المطلوب. وثامنها : قوله تعالى : {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} (النساء : 64) وليس في الآية ذكر التوبة ، والآية تدل على أن الرسول متى استغفر للعصاة والظالمين فإن الله يغفر لهم ، وهذا يدل على أن شفاعة الرسول في حق أهل الكبائر مقبولة في الدنيا ، فوجب أن تكون مقبولة في الآخرة ، لأنه لا قائل بالفرق. وتاسعها : أجمعنا على وجوب الشفاعة لمحمد صلى الله عليه وسلّم فتأثيرها إما أن يكون في زيادة المنافع أو في إسقاط المضار والأول باطل وإلا لكنا شافعين للرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلبنا من الله تعالى أن يزيد في فضله عند ما نقول : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو المطلوب ، فإن قيل : إنما لا يطلق علينا كوننا شافعين لمحمد صلى الله عليه وسلّم لوجهين ، الأول : أن / الشفيع لا بد أن يكون أعلى رتبة من المشفوع له ، ونحن وإن كنا نطلب الخير له عليه الصلاة والسلام ولكن لما كنا أدنى رتبة منه عليه الصلاة والسلام لم يصح أن نوصف بكوننا شافعين له. الثاني : قال أبو الحسين : سؤال المنافع للغير إنما يكون شفاعة إذا كان فعل تلك المنافع لأجل سؤاله ولولاه لم تفعل أو كان لسؤاله تأثير في فعلها ، فأما إذا كانت تفعل سواء سألها أو لم يسألها ، وكان غرض السائل التقرب بذلك إلى المسؤول ، وإن لم يستحق المسؤول له بذلك السؤال منفعة زائدة فإن ذلك لا يكون شفاعة له ، ألا ترى أن السلطان إذا عزم على أن يعقد لابنه ولاية فحثه بعض أوليائه على ذلك وكان يفعل ذلك لا محالة سواء حثه عليه أو لم يحثه ، وقصد بذلك التقرب إلى السلطان ليحصل له بذلك منزلة عنده فإنه لا يقال إنه يشفع لابن السلطان : وهذه حالتنا في حق الرسول صلى الله عليه وسلّم فيما نسأله له من الله تعالى ، فلم يصح أن نكون شافعين ، والجواب على الأول ، لا نسلم أن الرتبة معتبرة في الشفاعة. والدليل عليه أن الشفيع إنما سمي شفيعاً مأخوذاً من الشفع ، وهذا المعنى لا تعتبر فيه الرتبة ، فسقط قولهم ، وبهذا الوجه يسقط السؤال الثاني ، وأيضاً فنقول في الجواب عن السؤال الثاني : إنا وإن كنا نقطع بأن الله تعالى يكرم رسوله ويعظمه سواء سألت الأمة ذلك أم لم تسأل ، ولكنا لا نقطع بأنه لا يجوز أن يزيد في إكرامه بسبب سؤال الأمة ذلك على وجه لولا سؤال الأمة لما حصلت تلك الزيادة وإذا كان هذا الاحتمال يجوز ، وجب أن يبقى تجويز كوننا شافعين للرسول صلى الله عليه وسلّم ولما بطل ذلك باتفاق الأمة بطل قولهم. وعاشرها : قوله تعالى في صفة الملائكة :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/426)

{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَه يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِه وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا } وصاحب الكبيرة من جملة المؤمنين فوجب دخوله في جملة من تستغفر الملائكة لهم ، أقصى ما في الباب أنه ورد بعد ذلك قوله : {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} (غافر : 7) ، إلا أن هذا لا يقتضي تخصيص ذلك العام لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ العام إذا ذكر بعده بعض أقسامه فإن ذلك لا يوجب تخصيص ذلك العام بذلك الخاص. الحادي عشر : الأخبار الدالة على حصول الشفاعة لأهل الكبائر ، ولنذكر منها ثلاثة أوجه ، الأول : قوله عليه الصلاة والسلام : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"/ قالت المعتزلة : الإعتراض عليه من ثلاثة وجوه : أحدها : أنه خبر واحد ورد على مضادة القرآن ، فإنا بينا أن كثيراً من الآيات يدل على نفي هذه الشفاعة وخبر الواحد إذا ورد على خلاف القرآن وجب رده ، وثانيها : أنه يدل على أن شفاعته ليست إلا لأهل الكبائر وهذا غير جائز ، لأن شفاعته منصب عظيم فتخصيصه بأهل الكبائر فقط يقتضي حرمان أهل الثواب عنه وذلك غير جائز ، لأنه لا أقل من التسوية ، وثالثها : أن هذه المسألة ليست من المسائل العملية فلا يجوز الاكتفاء فيها بالظن وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلا يجوز التمسك في هذه المسألة بهذا الخبر. ثم إن سلمنا صحة الخبر لكن فيه احتمالات ، أحدها : أن يكون المراد منه الاستفهام بمعنى / الانكار يعني أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي كما أن المراد من قوله : {هَـاذَا رَبِّى } أي أهذا ربي ، وثانيها : أن لفظ الكبيرة غير مختص لا في أصل اللغة ولا في عرف الشرع بالمعصية بل كما يتناول المعصية بل كما يتناول المعصية يتناول الطاعة. قال تعالى في صفة الصلاة : {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَـاشِعِينَ} ، وإذا كان كذلك فقوله لأهل الكبائر : لا يجب أن يكون المراد منه أهل المعاصي الكبيرة بل لعل المراد منه أهل الطاعات الكبيرة. فإن قيل : هب أن لفظ الكبيرة يتناول الطاعات والمعاصي ولكن قوله أهل الكبائر صيغة جمع مقرونة بالألف واللام فيفيد العموم فوجب أن يدل الخبر على ثبوت الشفاعة لكل من كان من أهل الكبائر سواء كان من أهل الطاعات الكبيرة أو المعاصي الكبيرة قلنا : لفظ الكبائر وإن كان للعموم إلا أن
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
لفظ "أهل" مفرد فلا يفيد العموم فيكفي في صدق الخبر شخص واحد من أهل الكبائر فنحمله على الشخص الآتي بكل الطاعات ، فإنه يكفي في العمل بمقتضى الحديث حمله عليه. وثالثها : هب أنه يجب حمل أهل الكبائر على أهل المعاصي الكبيرة لكن أهل المعاصي الكبيرة أعم من أهل المعاصي الكبيرة بعد التوبة أو قبل التوبة فنحن نحمل الخبر على أهل المعاصي الكبيرة بعد التوبة ، ويكون تأثير الشفاعة في أن يتفضل الله عليه بما انحبط من ثواب طاعته المتقدمة على فسقه سلمنا دلالة الخبر على قولكم لكنه معارض بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : "أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" ذكره مع همزة الاستفهام على سبيل الإنكار. وروى الحسن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : "ما ادخرت شفاعتي إلا لأهل الكبائر من أمتي" واعلم أن الإنصاف أنه لا يمكن التمسك في مثل هذه المسألة بهذا الخبر وحده ، ولكن بمجموع الأخبار الواردة في باب الشفاعة وإن سائر الأخبار دالة على سقوط كل هذه التأويلات. الثاني : روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً" رواه مسلم في الصحيح والاستدلال به أن الحديث صريح في أن شفاعته صلى الله عليه وسلّم تنال كل من مات أمته لا يشرك بالله شيئاً وصاحب الكبيرة كذلك ، فوجب أن تناله الشفاعة. والثالث : عن أبي هريرة قال : "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم يوماً بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال : أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون لم ذلك ؟
قالوا : لا يا رسول الله ، قال : يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس ، فيبلّغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون فيقول بعض الناس لبعض : ألا ترون ما أنتم فيه ؟
ألا ترون ما قد بلغكم ألا تذهبون إلى من يشفع لكم إلى ربكم ؟
فيقول بعض الناس لبعض : أبوكم آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك/ اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا ؟
فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته. نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى / نوح. فيأتون نوحاً فيقولون : يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/427)

الأرض ، وسماك الله عبداً شكوراً ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟
فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم عليه السلام فيقولون : أنت إبراهيم نبي الله وخليله من أهل الأرض ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟
فيقول لهم إبراهيم : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ، وذكر كذباته ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى موسى ، فيأتون موسى ويقولون : يا موسى أنت رسول الله ، فضلك الله برسلاته وبكلامه على الناس ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟
فيقول لهم موسى : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى عيسى بن مريم ، فيأتون عيسى فيقولون : أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟
فيقول لهم عيسى : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله ، ولم يذكر له ذنباً ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى محمد. فيأتوني فيقولون : يا محمد أنت رسول الله وخاتم النبيين وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟
فأنطلق واستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً ، فيدعني ما شاء أن يدعني ثم يقول لي : يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع فإذا رأيت ربي تبارك وتعالى وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول : أرفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول : يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم اشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة. ثم ارجع فأقول : يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ، أي وجب عليه الخلود" ، وأكثر هذا الخبر مخرج بلفظه في الصحيحين. قالت المعتزلة : الكلام على هذا الخبر وأمثاله من وجوه ، أحدها : أن هذه الأخبار أخبار طويلة فلا يمكن ضبطها بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلّم ، فالظاهر أن الراوي إنما رواها بلفظ نفسه ، وعلى هذا التقدير لا يكون شيء منها حجة ، وثانيها : أنها خبر عن واقعة واحدة ، وأنها رويت على وجوه مختلفة مع الزيادات والنقصانات ، وذلك أيضاً مما يطرق التهمة إليها. وثالثها : أنها مشتملة على التشبيه وذلك باطل أيضاً يطرق التهمة إليها. ورابعها : أنها وردت على خلاف ظاهر القرآن. وذلك أيضاً بطرق التهمة إليها. وخامسها : أنها خبر عن واقعة عظيمة تتوافر الدواعي على نقلها ، فلو كان صحيحاً لوجب / بلوغه إلى حد التواتر وحيث لم يكن كذلك فقد تطرقت التهمة إليها ، وسادسها : أن الاعتماد على خبر الواحد الذي لا يفيد إلا الظن في المسائل القطعية غير جائز. أجاب أصحابنا عن هذه المطاعن بأن كل واحد من هذه الأخبار وإن كان مروياً بالآحاد إلا أنها كثيرة جداً وبينها قدر مشترك واحد وهو خروج أهل العقاب من النار بسبب الشفاعة فيصير هذا المعنى مروياً على سبيل التواتر/ فيكون حجة والله أعلم. والجواب على جميع أدلة المعتزلة بحرف واحد وهو أن أدلتهم على نفي الشفاعة تفيد نفي جميع أقسام الشفاعات ، وأدلتنا على إثبات الشفاعة تفيد إثبات شفاعة خاصة والعام والخاص إذا تعارضا قدم الخاص على العام فكانت دلائلنا مقدمة على دلائلهم ، ثم إنا نخص كل واحد من الوجوه التي ذكروها بجواب على حدة :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
أما الوجه الأول : وهو التمسك بقوله تعالى : {وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ} فهب أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أن تخصيص مثل هذا العام بذلك السبب المخصوص يكفي فيه أدنى دليل ، فإذا قامت الدلائل الدالة على وجود الشفاعة وجب المصير إلى تخصيصها.
وأما الوجه الثاني : وهو قوله تعالى : {مَا لِلظَّـالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} (غافر : 18) فالجواب عنه أن قوله : {مَا لِلظَّـالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ} نقيض لقولنا : للظالمين حميم وشفيع ، لكن قولنا للظالمين : حميم وشفيع موجبة كلية ، ونقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية ، والسالبة يكفي في صدقها تحقق ذلك السلب في بعض الصور ، ولا يحتاج فيه إلى تحقق ذلك السلب في جميع الصور ، وعلى هذا فنحن نقول بموجبه لأن عندنا أنه ليس لبعض الظالمين حميم ولا شفيع يجاب وهم الكفار ، فأما أن يحكم على كل واحد منهم بسلب الحميم والشفيع فلا.
(1/428)

وأما الوجه الثالث : وهو قوله : {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَـاعَةٌ } (البقرة : 254) فالجواب عنه ما تقدم في الوجه الأول.
وأما الوجه الرابع : وهو قوله : {وَمَا لِلظَّـالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} (البقرة : 270) فالجواب عنه أنه نقيض لقولنا : للظالمين أنصار وهذه موجبة كلية فقوله : {وَمَا لِلظَّـالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} سالبة جزئية فكيون مدلوله سلب العموم وسلب العموم لا يفيد عموم السلب.
وأما الوجه الخامس : وهو قوله : {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـاعَةُ الشَّـافِعِينَ} (المدثر : 48) فهذا وارد في حق الكفار وهو يدل بسبب التخصيص على ضد هذا الحكم في حق المؤمنين.
وأما الوجه السادس : وهو قوله : {وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى } (الأنبياء : 28) فقد تقدم القول فيه.
وأما الوجه السابع : وهو قول المسلمين : اللهم اجعلنا من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلّم ، فالجواب عنه أن عندنا تأثير الشفاعة في جلب أمر مطلوب وأعني به القدر المشترك بين جلب المنافع الزائدة على قدر الاستحقاق ودفع المضار المستحقة على المعاصي ، وذلك القدر المشترك لا يتوقف على كون العبد عاصياً فاندفع السؤال.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
وأما الوجه الثامن : وهو التمسك بقوله : {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ} (الانفطار : 14) فالكلام عليه سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألة الوعيد.
وأما الوجه التاسع : وهو قوله لم يوجد ما يدل على إذن الله عز وجل في الشفاعة لأصحاب الكبائر ، فجوابه أن هذا ممنوع والدليل عليه ما أوردنا من الدلائل الدالة على حصول هذه الشفاعة.
وأما الوجه العاشر : وهو قوله في حق الملائكة : {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا } (غافر : 7) فجوابه ما بينا أن خصوص آخر هذه الآية لا يقدح في عموم أولها.
وأما الأحاديث فهي دالة على أن محمد صلى الله عليه وسلّم لا يشفع لبعض الناس ولا يشفع في بعض مواطن القيامة ، وذلك لا يدل على أنه لا يشفع لأحد ألبتة من أصحاب الكبائر ، ولا أنه يمتنع من الشفاعة في جميع المواطن. والذي نحققه أنه تعالى بين أن أحداً من الشافعين لا يشفع إلا بإذن الله ، فلعل الرسول لم يكن مأذوناً في بعض المواضع وبعض الأوقات ، فلا يشفع في ذلك المكان ولا في ذلك الزمان ، ثم يصير مأذوناً في موضع آخر وفي وقت آخر في الشفاعة فيشفع هناك والله أعلم.
قالت الفلاسفة في تأويل الشفاعة : إن واجب الوجود عام الفيض تام الجود ، فحيث لا يحصل فإنما لا يحصل لعدم كون القابل مستعداً ، ومن الجائز أن لا يكون الشيء مستعداً لقبول الفيض عن واجب الوجود إلا أن يكون مستعداً لقبول ذلك الفيض من شيء قبله عن واجب الوجود ، فيكون ذلك الشيء كالمتوسط بين واجب الوجود وبين ذلك الشيء الأول ، ومثاله في المحسوس أن الشمس لا تضيء إلا للقابل المقابل ، وسقف البيت لما لم يكن مقابلاً لجرم الشمس لا جرم لم يكن فيه استعداد لقبول النور عن الشمس ، إلا أنه إذا وضع طست مملوء من الماء الصافي ووقع عليه ضوء الشمس انعكس ذلك الضوء من ذلك الماء إلى السقف فيكون ذلك الماء الصافي متوسطاً في وصول النور من قرص الشمس إلى السقف الذي هو غير مقابل للشمس ، وأرواح الأنبياء كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام الخلق في وصول فيض واجب الوجود إلى أرواح العامة ، فهذا ما قالوه في الشفاعة تفريعاً على أصولهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
0
(1/429)

اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالاً بين بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة ، فكأنه قال : اذكروا نعمتي واذكروا إذ نجيناكم / واذكروا إذ فرقنا بكم البحر وهي إنعامات ، والمذكور في هذه الآية هو الإنعام الأول. أما قوله : {وَإِذْ نَجَّيْنَـاكُم} فقرىء أيضاً أنجيناكم ونجيتكم ، قال القفال : أصل الأنجاء والتنجية التخليص ، وأن بيان الشيء من الشيء حتى لا يتصلا وهما لغتان نجى وأنجى ونجا بنفسه ، وقالوا لمكان العالي : نجوة لأن من صار إليه نجا ، أي تخلص ولأن الموضع المرتفع بائن عما انحط عنه فكأنه متخلص منه. قال صاحب الكشاف : أصل آل أهل ولذلك يصغر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفاً وخص استعماله بأولى الخطر والشأن ، كالملوك وأشباههم ولا يقال : آل الحجام والإسكاف ، قال عيسى : الأهل أعم من الآل ، يقال : أهل الكوفة وأهل البلد وأهل العلم ولا يقال : آل الكوفة وآل البلد وآل العلم ، فكأنه قال : الأهل هم خاصة الشيء من جهة تغليبه عليهم ، والآل خاصة الرجل من جهة قرابة أو صحبة. وحكى عن أبي عبيدة أنه سمع فصيحاً يقول : أهل مكة آل الله. أما فرعون فهو علم لمن ملك مصر من العمالقة كقيصر وهرقل لملك الروم وكسرى لملك الفرس وتبع لملك اليمن وخاقان لملك الترك ، واختلفوا في فرعون من وجهين ، أحدهما : أنهم اختلفوا في اسمه فحكى ابن جريج عن قوم أنهم قالوا : مصعب بن ريان ، وقال ابن اسحق : هو الوليد ابن مصعب ، ولم يكن من الفراعنة أحد أشد غلظة ولا أقسى قلباً منه ، وذكر وهب بن منبه أن أهل الكتابين قالوا : إن اسم فرعون كان قابوس وكان من القبط ، الثاني : قال ابن وهب : إن فرعون يوسف عليه السلام هو فرعون موسى وهذا غير صحيح ، إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين أن دخلها موسى أكثر من أربعمائة سنة ، وقال محمد بن اسحق : هو غير فرعون يوسف وأن فرعون يوسف كان اسمه الريان بن الوليد ، أما آل فرعون فلا شك أن المراد منه ههنا من كان من قوم فرعون وهم الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل ليكون تعالى منجياً لهم منهم بما تفضل به من الأحوال التي توجب بقاءهم وهلاك فرعون وقومه. أما قوله تعالى : {يَسُومُونَكُمْ} فهو من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً ، قال عمرو بن كلثوم :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
إذا ما الملك سام الناس خسفا
أبينا أن نقر الخسف فينا
وأصله من سام السلعة إذا طلبها ، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونه بكم ، والسوء مصدر ساء بمعنى السيىء ، يقال : أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفعل يراد قبحهما ، ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيىء أشده وأصعبه كأن قبحه (زاد) بالإضافة إلى ساء ، واختلف المفسرون في المراد من "سوء العذاب" فقال محمد بن إسحق : إنه جعلهم خولاً وخدماً له وصنفهم في أعماله أصنافاً ، فصنف كانوا يبنون له ، وصنف كانوا يحرثون له ، وصنف كانوا يزرعون له ، فهم كانوا في أعماله ومن لم يكن في نوع من أعماله كان يأمر بأن يوضع عليه جزية يؤديها ، وقال السدي : كان قد جعلهم في الأعمال القذرة الصعبة مثل لنس المبرز وعمل الطين ونحت الجبال ، وحكى الله تعالى عن بني إسرائيل أنهم قالوا لموسى : {أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنا بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } (الأعراف : 129). وقال موسى لفرعون : (وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني اسرائيل)/ واعلم أن كون الإنسان / تحت يد الغير بحيث يتصرف فيه كما يشاء لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة الصعبة القذرة ، فإن ذلك يكون من أشد أنواع العذاب ، حتى أن من هذه حالته ربما تمنى الموت فبين الله تعالى عظيم نعمه عليهم بأن نجاهم من ذلك ، ثم إنه تعالى أتبع ذلك بنعمة أخرى أعظم منها ، فقال : {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} ومعناه يقتلون الذكورة من الأولاد دون الإناث. وههنا أبحاث.
(1/430)

البحث الأول : أن ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه ، أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضي فناء الرجال ، وذلك يقتضي انقطاع النسل ، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن ألبتة في ذلك ، وذلك يقضي آخر الآمر إلى هلاك الرجال والنساء ، وثانيها : أن هلاك الرجال يقتضي فساد مصالح النساء في أمر المعيشة ، فإن المرأة لتتمنى وقد انقطع عنها تعهد الرجال وقيامهم بأمرها الموت ، لما قد يقع إليها من نكد العيش بالإنفراد فصارت هذه الخصلة عظيمة في المحن ، والنجاة منها في العظم تكون بحسبها ، وثالثها : أن قتل الولد عقيب الحمل الطويل وتحمل الكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب ، لأن قتله والحالة هذه أشد من قتل من بقي المدة الطويلة مستمتعاً به مسروراً بأحواله ، فنعمة الله من التخليص لهم من ذلك بحسب شدة المحنة فيه ، ورابعها : أن الأبناء أحب إلى الوالدين من البنات ، ولذلك فإن أكثر الناس يستثقلون البنات ويكرهونهن وإن كثر ذكرانهم ، ولذلك قال تعالى : {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالانثَى ظَلَّ وَجْهُه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُواءِ مَا بُشِّرَ بِه } (النحل : 58) الآية ، ولذلك نهى العرب عن الوأد بقوله : {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـاقٍ } (الإسراء : 31) وإنما كانوا يئدون الإناث دون الذكور ، وخامسها : أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
البحث الثاني : ذكر في هذه السورة {يُذَبِّحُونَ} بلا واو وفي سورة إبراهيم ذكره مع الواو ، والوجه فيه أنه إذا جعل قوله : {يَسُومُونَكُمْ سُواءَ الْعَذَابِ} مفسراً بقوله : {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} لم يحتج إلى الواو ، وأما إذا جعل قوله : {يَسُومُونَكُمْ سُواءَ الْعَذَابِ} مفسراً بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح وجعل الذبح شيئاً آخر سوى سوء العذاب ، احتيج فيه إلى الواو ، وفي الموضعين يحتمل الوجهين ، إلا أن الفائدة التي يجوز أن تكون هي المقصودة من ذكر حرف العطف في سورة إبراهيم أن يقال : إنه تعالى قال قبل تلك الآية : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِـاَايَـاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَـاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّـاـامِ اللَّه } (إبراهيم : ) والتذكير بأيام الله لا يحصل إلا بتعديد نعم الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد من قوله : {يَسُومُونَكُمْ سُواءَ الْعَذَابِ} نوعاً من العذاب ، والمراد من قوله : {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} نوعاً آخر ليكون التخلص منهما نوعين من النعمة. فلهذا وجب ذكر العطف هناك ، وأما في هذه الآية لم يرد الأمر إلا بتذكير جنس النعمة وهي قوله : {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} (البقرة : 40 ، 47 ، 122) فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلاً فظهر الفرق.
البحث الثالث : قال بعضهم : أراد بقوله : {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} الرجال دون الأطفال ليكون / في مقابلة النساء إذ النساء هن البالغات ، وكذا المراد من الأبناء هم الرجال البالغون ، قالوا : إنه كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره. وأكثر المفسرين على أن المراد بالآية الأطفال دون البالغين/ وهذا هو الأولى لوجوه : الأول : حملاً للفظ الأبناء على ظاهره. الثاني : أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم. الثالث : أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة. الرابع : أنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى عليه السلام في التابوت حال صغره معنى ، أما قوله وجب حمله على الرجال ليكون في مقابلة النساء ففيه جوابان : الأول : أن الأبناء لما قتلوا حال الطفولية لم يصيروا رجالاً ، فلم يجز إطلاق اسم الرجال عليهم ، أما البنات لما لم يقتلن بل وصلن إلى حد النساء جاز إطلاق اسم النساء عليهن. الثاني : قال بعضهم : المراد بقوله : {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ } ، أي يفتشون حياء المرأة أي فرجها هل بها حمل أم لا ، وأبطل ذلك بأن ما في بطونهن إذا لم يكن للعيون ظاهراً لم يعلم بالتفتيش ولم يوصل إلى استخراجه باليد.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/431)

البحث الرابع : في سبب قتل الأبناء ذكروا فيه وجوهاً. أحدها : قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على إعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه ، فلما رأوا كبارهم يموتون وصغارهم يذبحون خافوا الفناء فحينئذ لا يجدون من يباشر الأعمال الشاقة ، فصاروا يتقلون عاماً دون عام. وثانيها : قول السدي : إن فرعون رأى ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك ؟
فقالوا : يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده ، وثالثها : أن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة فلهذا كان يقتل أبناءهم في تلك السنة والأقرب هو الأول ، لأن الذي يستفاد من علم التعبير وعلم النجوم لا يكون أمراً مفصلاً وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزاً بل يكون أمراً مجملاً والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على مثل هذا الأمر العظيم بسببه ، فإن قيل : إن فرعون كان كافراً بالله فكان بأن يكون كافراً بالرسل أولى ، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يقدم على هذا الأمر العظيم بسبب إخبار إبراهيم عليه السلام عنه. قلنا : لعل فرعون كان عارفاً بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافراً كفر الجحود والعناد أو يقال : إنه كان شاكاً متحيراً في دينه وكان يجوز صدق إبراهيم عليه السلام فأقدم على ذلك الفعل احتياطاً.
البحث الخامس : اعلم أن الفائدة في ذكر هذه النعمة من وجوه ، أحدها : أن هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة صار تخليص الله إياهم من هذه المحن من أعظم النعم وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم وشاهدوا ذل من بالغ في إذلالهم ولا شك في أن ذلك من أعظم النعم وتعظيم النعمة يوجب الانقياد والطاعة ، ويقتضي نهاية قبح المخالفة والمعاندة ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه النعمة العظيمة مبالغة في إلزام الحجة عليهم وقطعاً لعذرهم. وثانيها : أنهم لما عرفوا أنهم كانوا في نهاية الذل وكان خصمهم في نهاية / العز إلا أنهم كانوا محقين وكان خصمهم مبطلاً لا جرم زال ذل المحقين وبطل عز المبطلين ، فكأنه تعالى قال : لا تغتروا بفقر محمد وقلة أنصاره في الحال ، فإنه محق لا بد وأن ينقلب العز إلى جانبه والذل إلى جانب أعدائه ، وثالثها : أن الله تعالى نبه بذلك على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء ، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا بل عليه السعي في طلب عز الآخرة. أما قوله تعالى : {وَفِى ذَالِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} قال القفال : أصل الكلمة من الابتلاء وهو الاختيار والامتحان قال تعالى : {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } (الأنبياء : 35) وقال : {وَبَلَوْنَـاهُم بِالْحَسَنَـاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} (الأعراف : 168) والبلوى واقعة على النوعين ، فيقال للنعمة بلاء وللمحنة الشديدة بلاء والأكثر أن يقال في الخير إبلاء وفي الشر بلاء وقد يدخل أحدهما على الآخر. قال زهير :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم
وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
إذ عرفت هذا فنقول : البلاء ههنا هو المحنة إن أشير بلفظ : "ذلكم" إلى صنع فرعون والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء وحمله على النعمة أولى لأنها هي التي صدرت من الرب تعالى ، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
0
هذا هو النعمة الثانية ، وقوله : {فَرَقْنَا} أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم وقرىء : {فَرَقْنَا} بالتشديد بمعنى فصلنا. يقال : فرق بين الشيئين وفرق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنتي عشرة على عدد الأسباط ، فإن قلت : ما معنى : (بكم) ؟
قلنا : فيها وجهان ، أحدهما : أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما ، الثاني : فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم ثم ههنا أبحاث :
(1/432)

البحث الأول : روي أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط ، وذلك لغرضين. أحدهما : ليخرجوا خلفهم لأجل المال ، والثاني : أن تبقى أموالهم في أيديهم ثم نزل جبريل عليه السلام بالعشي وقال لموسى : أخرج قومك ليلاً ، وهو المراد من قوله : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى ا أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى } (طه : 77) وكانوا ستمائة ألف نفس لأنهم كانوا اثني عشر سبطاً كل سبط خمسون ألفاً ، فلما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون ، فقال : لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. قال الراوي : فوالله ما صاح ليلته ديك فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال : لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط ، وقال قتادة : اجتمع إليه ألف ألف / ومائتا ألف نفس كل واحد منهم على فرس حصان فتبعوهم نهاراً. وهو قوله تعالى : {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} (الشعراء : 60) أي بعد طلوع الشمس. {فَلَمَّا تَرَا ءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـابُ مُوسَى ا إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} (الشعرا : 61) فقال موسى : {كَلا إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ} (الشعراء : 62) فلما سار بهم موسى وأتى البحر قال له يوشع بن نون : أين أمرك ربك ؟
فقال موسى : إلى أمامك وأشار إلى البحر فأقحم يوشع بن نون فرسه في البحر فكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر ، فسبح الفرس وهو عليه ثم رجع وقال له : يا موسى أين أمرك ربك ؟
فقال البحر ، فقال : والله ما كذبت ، ففعل ذلك ثلاث مرات ، فأوحى الله إليه :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
{أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَا فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} (الشعراء : 67) ، فانشق البحر اثني عشر جبلاً في كل واحد منها طريق ، فقال له : ادخل فكان فيه وحل فهبت الصبا فجف البحر ، وكل طريق فيه حتى صار طريقاً يابساً كما قال تعالى : {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسًا} (طه : 77) ، فأخذ كل سبط منهم طريقاً ودخلوا فيه فقالوا لموسى : إن بعضنا لا يرى صاحبه ، فضرب موسى عصاه على البحر فصار بين الطرق منافذ وكوى فرأى بعضهم بعضاً ، ثم أتبعهم فرعون ، فلما بلغ شاطىء البحر رأى إبليس واقفاً فنهاه عن الدخول فهم بأن لا يدخل البحر فجاء جبريل عليه السلام على حجرة فتقدم فرعون وهو كان على فحل فتبعه فرس فرعون ودخل البحر ، فلما دخل فرعون البحر صاح ميكائيل بهم الحقوا آخركم بأولكم ، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله الماء حتى نزل عليهم في ذلك قوله تعالى : {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـاكُمْ} وقيل كان ذلك اليوم يوم عاشوراء ، فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكراً لله تعالى.
البحث الثاني : اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعماً كثيرة في الدين والدنيا ، أما نعم الدنيا في حق موسى عليه السلام فهي من وجوه ، أحدها : أنهم لما وقعوا في ذلك المضيق الذي من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر/ فإن توقفوا أدركهم العدو وأهلكهم بأشد العذاب وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ذلك ، ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من ذلك. وثانيها : أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة ، وذلك سبب لظهور كرامتهم على الله تعالى. وثالثها : أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم أن الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم ، فكيف إذا حصل معه ذلك الإكرام العظيم وإهلاك العدو. ورابعها : أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم. وخامسها : أنه تعالى لما أغرق آل فرعون فقد خلص بني إسرائيل منهم ، وذلك نعمة عظيمة لأنه كان خائفاً منهم ، ولو أنه تعالى خلص موسى وقومه من تلك الورطة وما أهلك فرعون وقومه لكان الخوف باقياً من حيث إنه ربما اجتمعوا واحتالوا بحيلة وقصدوا إيذاء موسى عليه السلام وقومه ، ولكن الله تعالى لما أغرقهم فقد حسم مادة الخوف بالكلية. وسادسها : أنه وقع ذلك الإغراق بمحضر من بني إسرائيل وهو المراد من قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/433)

{وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} وأما نعم الدين في حق موسى عليه السلام فمن وجوه ، أحدها : أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات ، فإن دلالة مثل هذا المعجز / على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى عليه السلام تقرب من العلم الضروري ، فكأنه تعالى رفع عنهم تحمل النظر الدقيق والاستدلال الشاق. وثانيها : أنهم لما عاينوا ذلك صار داعياً لهم إلى الثبات على تصديق موسى والإنقياد له وصار ذلك داعياً لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى عليه السلام والإقدام على تكذيب فرعون. وثالثها : أنهم عرفوا أن الأمور بيد الله فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون ولا شدة أشد مما كانت ببني إسرائيل ، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلاً والذليل عزيزاً ، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا والإقبال بالكلية على خدمة الخالق والتوكل عليه في كل الأمور ، وأما النعم الحاصلة لأمة محمد صلى الله عليه وسلّم من ذكر هذه القصة فكثيرة ، أحدها : أنه كالحجة لمحمد صلى الله عليه وسلّم على أهل الكتاب لأنه كان معلوماً من حال محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط أهل الكتاب فإذا أورد عليهم من أخبارهم المفصلة ما لا يعلم إلا من الكتب علموا أنه أخبر عن الوحي وأنه صادق ، فصار ذلك حجة له عليه السلام على اليهود وحجة لنا في تصديقه. وثانيها : أنا إذا تصورنا ما جرى لهم وعليهم من هذه الأمور العظيمة علمنا أن من خالف الله شقي في الدنيا والآخرة ومن أطاعه فقد سعد في الدنيا والآخرة ، فصار ذلك مرغباً لنا في الطاعة ومنفراً عن المعصية. وثالثها : أن أمة موسى عليه السلام مع أنهم خصوا بهذه المعجزات الظاهرة والبراهين الباهرة ، فقد خالفوا موسى عليه السلام في أمور حتى قالوا : {اجْعَل لَّنَآ إِلَـاهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ } ، وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلّم فمع أن معجزتهم هي القرآن الذي لا يعرف كونه معجزاً إلا بالدلائل الدقيقة انقادوا لمحمد صلى الله عليه وسلّم وما خالفوه في أمر ألبتة ، وهذا يدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلّم أفضل من أمة موسى عليه السلام. وبقي على الآية سؤالان :
السؤال الأول : أن فلق البحر في الدلالة على وجود الصانع القادر وفي الدلالة على صدق موسى كالأمر الضروري ، فكيف يجوز فعله في زمان التكليف ؟
والجواب : أما على قولنا فظاهر ، وأما المعتزلة فقد أجاب الكعبي الجواب الكلي بأن في المكلفين من يبعد عن الفطنة والذكاء ويختص بالبلادة وعامة بني إسرائيل كانوا كذلك ، فاحتاجوا في التنبيه إلى معاينة الآيات العظام كفلق البحر ورفع الطور وإحياء الموتى/ ألا ترى أنهم بعد ذلك مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا : (يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) ، وأما العرب فحالهم بخلاف ذلك ، لأنهم كانوا في نهاية الكمال في العقول ، فلا جرم ، اقتصر الله تعالى معهم على الدلائل الدقيقة والمعجزات اللطيفة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
السؤال الثاني : أن فرعون لما شاهد فلق البحر وكان عاقلاً فلا بد وأن يعلم أن ذلك ما كان من فعله بل لا بد من قادر عالم مخالف لسائر القادرين ، فكيف بقي على الكفر مع ذلك ؟
فإن قلت : إنه كان عارفاً بربه إلا أنه كان كافراً على سبيل العناد والجحود. قلت : فإذا عرف ذلك بقلبه فكيف استخار توريط نفسه في المهلكة ودخول البحر مع أنه كان في تلك الساعة كالمضطر / إلى العلم بوجود الصانع وصدق موسى عليه السلام ، والجواب : حب الشيء يعمي ويصم فحبه الجاه والتلبيس حمله على اقتحام تلك المهلكة.
وأما قوله تعالى : {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} ففيه وجوه. أحدها : أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه. وثانيها : أن قوم موسى عليه السلام سألوه أن يريهم الله تعالى حالهم فسأل موسى عليه السلام ربه أن يريهم إياهم فلفظهم البحر ألف ألف ومائتي ألف نفس وفرعون معهم ، فنظروا إليهم طافين وإن البحر لم يقبل واحداً منهم لشؤم كفرهم فهو قوله تعالى : {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً } (يونس : 92) أي نخرجك من مضيق البحر إلى سعة الفضاء ليراك الناس ، وتكون عبرة لهم. وثالثها : أن المراد وأنتم بالقرب منهم حيث توجهونهم وتقابلونهم وإن كانوا لا يرونهم بأبصارهم ، قال الفراء وهو مثل قولك : لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
0
(1/434)

اعلم أن هذا هو الإنعام الثالث. فأما قوله تعالى : {وَإِذْ وَاعَدْنَا} فقرأ أبو عمرو ويعقوب وإذ وعدنا موسى بغير ألف في هذه السورة وفي الأعراف وطه وقرأ الباقون واعدنا بالألف في المواضع الثلاثة ، فأما بغير ألف فوجهه ظاهر لأن الوعد كان من الله تعالى ، والمواعدة مفاعلة ولا بد من اثنين ، وأما بالألف فله وجوه ، أحدها : أن الوعد وإن كان من الله تعالى فقبوله كان من موسى عليه السلام وقبول الوعد يشبه الوعد ، لأن القابل للوعد لا بد وأن يقول أفعل ذلك ، وثانيها : قال القفال : لا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله ويكون معناه يعاهد الله. وثالثها : أنه أمر جرى بين اثنين فجاز أن يقال واعدنا. ورابعها : وهو الأقوى أن الله تعالى وعده الوحي وهو وعد الله المجيء للميقات إلى الطور ، أما موسى ففيه وجوه ، أحدها : وزنه فعلي والميم فيه أصلية أخذت من ماس يميس إذا تبختر في مشيته وكان موسى عليه السلام كذلك. وثانيها : وزنه مفعل فالميم فيه زائدة وهو من أوسيت الشجرة إذا أخذت ما عليها من الورق وكأنه سمي بذلك لصلعه ، وثالثها : أنها كلمة مركبة من كلمتين بالعبرانية فمو هو الماء بلسانهم ، وسى هو الشجر ، وإنما سمي بذلك لأن أمه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون فألقته في البحر فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون ، فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأخذنه / فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه وهو الماء والشجر. واعلم أن الوجهين الأولين فاسدان جداً ، أما الأول : فلأن بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلمون بلغة العرب فلا يجوز أن يكون مرادهم ذلك ، وأما الثاني : فلأن هذه اللفظة اسم علم واسم العلم لا يفيد معنى في الذات والأقرب هو الوجه الثالث وهو أمر معتاد بين الناس ، فأما نسبه صلى الله عليه وسلّم فهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام. أما قوله تعالى : {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} ففيه أبحاث :
البحث الأول : أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل : إن خرجنا من البحر سالمين أتيتكم من عند الله بكتاب بين لكم فيه ما يجب عليكم من الفعل والترك ، فلما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل وأغرق الله فرعون قالوا : يا موسى ائتنا بذلك الكتاب الموعود فذهب إلى ربه ووعدهم أربعين ليلة وذلك قوله تعالى : {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَـاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَـاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَـاتُ رَبِّه أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } (الأعراف : 142) واستخلف عليهم هارون ومكث على الطور أربعين ليلة وأنزل الله التوراة عليه في الألواح ، وكانت الألواح من زبرجد فقربه الرب نجياً وكلمه من غير واسطة وأسمعه صرير القلم ، قال أبو العالية وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
البحث الثاني : إنما قال أربعين ليلة لأن الشهور تبدأ من الليالي.
البحث الثالث : قوله تعالى : {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى ا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} معناه واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة كقولهم : اليوم أربعون يوماً منذ خرج فلان ، أي تمام الأربعين ، والحاصل أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، كما في قوله تعالى : {وَسْـاَلِ الْقَرْيَةَ} (يوسف : 82) وأيضاً فليس المراد انقضاء أي أربعين كان ، بل أربعين معيناً وهو الثلاثون من ذي القعدة والعشر الأول من ذي الحجة لأن موسى عليه السلام كان عالماً بأن المراد هو هذه الأربعون/ وأيضاً فقوله تعالى : {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى ا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} يحتمل أن يكون المراد أنه وعد قبل هذه الأربعين أن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين حتى تنزل عليه التوراة ، ويحتمل أن يكون المراد أنه أمر بأن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين ووعد بأنه ستنزل عليه بعد ذلك التوراة ، وهذا الاحتمال الثاني هو المتأيد بالأخبار.
البحث الرابع : قوله ههنا : {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى ا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين ، وقوله في الأعراف {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَـاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَـاهَا بِعَشْرٍ} يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين فكيف التوفيق بينهما ؟
أجاب الحسن البصري فقال : ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعاً ، وهو كقوله : {ثَلَـاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } (البقرة : 196).
أما قوله تعالى : {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنا بَعْدِه } ففيه أبحاث :
(1/435)

/ البحث الأول : إنما ذكر لفظه (ثم) لأنه تعالى وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين. وأظهر في ذلك درجة موسى عليه السلام وفضيلة بني إسرائيل ليكون ذلك تنبيهاً للحاضرين على علو درجتهم وتعريفاً للغائبين وتكملة للدين ، كان ذلك من أعظم النعم فلما أتوا عقيب ذلك بأقبح أنواع الجهل والكفر كان ذلك في محل التعجب فهو كمن يقول إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ، ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
البحث الثاني : قال أهل السير إن الله تعالى لما أغرق فرعون ووعد موسى عليه السلام إنزال التوراة عليه قال موسى لأخيه هارون : {اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} (الأعراف : 142) ، فلما ذهب موسى إلى الطور ، وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي الذي استعاروه من القبط قال لهم هارون إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها فجمعوا ناراً وأحرقوها ، وكان السامري في مسيره مع موسى عليه السلام في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل عليه السلام حين تقدم على فرعون في دخول البحر فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة ، ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب والفضة وصور منه عجلاً وألقى ذلك التراب فيه فخرج منه صوت كأنه الخوار ، فقال للقوم : {هَـاذَآ إِلَـاهُكُمْ وَإِلَـاهُ مُوسَى } (طه : 88) ، فاتخذه القوم إلهاً لأنفسهم فهذا ما في الرواية ولقائل أن يقول : الجمع العظيم من العقلاء لا يجوز أن يتفقوا على ما يعلم فساده ببديهة العقل وهذه الحكاية كذلك لوجوه : أحدها : أن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أن الصنم المتخذ من الذهب الذي لا يتحرك ولا يحس ولا يعقل يستحيل أن يكون إله السموات والأرض ، وهب أنه ظهر من خوار ولكن هذا القدر لا يصلح أن يكون شبهة في قلب أحد من العقلاء في كونه إلهاً ، وثانيها : أن القوم كانوا قد شاهدوا قبل ذلك من المعجزات القاهرة التي تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق موسى عليه السلام ، فمع قوة هذه الدلالة وبلوغها إلى حد الضرورة ومع أن صدور الخوار من ذلك العجل المتخذ من الذهب يستحيل أن يقتضي شبهة في كون ذلك الجسم المصوت إلهاً. والجواب : هذه الواقعة لا يمكن تصحيحها إلا على وجه واحد ، وهو أن يقال : إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى عليه السلام إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية وكان يقدر بواسطتها على هذه المعجزات ، فقال السامري للقوم : وأنا أتخذ لكم طلسماً مثل طلسمه وروح عليهم ذلك بأن جعله بحث خرج منه صوت عجيب فأطمعهم في أن يصيروا مثل موسى عليه السلام في الإتيان بالخوارق/ أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام فلذلك وقعوا في تلك الشبهة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
البحث الثالث : هذه القصة فيها فوائد : أحدها : أنها تدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلّم خير الأمم ، لأن أولئك اليهود مع أنهم شاهدوا تلك البراهين القاهرة اغتروا بهذه الشبهة الركيكة جداً ، وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلّم فانهم مع أنهم محتاجون في معرفة كون القرآن / معجزاً إلى الدلائل الدقيقة لم يعتروا بالشبهات القوية العظيمة ، وذلك يدل على أن هذه الأمة خير من أولئك وأكمل عقلاً وأزكى خاطراً منهم. وثانيها : أنه عليه الصلاة والسلام ذكر هذه الحكاية مع أنه لم يتعلم علماً ، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام استفادها من الوحي. وثالثها : فيه تحذير عظيم من التقليد والجهل بالدلائل فإن أولئك الأقوام لو أنهم عرفوا الله بالدليل معرفة تامة لما وقعوا في شبهة السامري. ورابعها : في تسلية النبي صلى الله عليه وسلّم مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى بالخلاف عليه وكأنه تعالى أمره بالصبر على ذلك كما صبر موسى عليه الصلاة والسلام في هذه الواقعة النكدة فإنهم بعد أن خلصهم الله من فرعون وأراهم المعجزات العجيبة من أول ظهور موسى إلى ذلك الوقت اغتروا بتلك الشبهة الركيكة ، ثم إن موسى عليه السلام صبر على ذلك فلأن يصبر محمد عليه الصلاة والسلام على أذية قومه كان ذلك أولى. وخامسها : أن أشد الناس مجادلة مع الرسول صلى الله عليه وسلّم وعداوة له هم اليهود فكأنه تعالى قال : إن هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم ، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد فكيف هؤلاء الأخلاف.
أما قوله تعالى : {وَأَنتُمْ ظَـالِمُونَ} ففيه أبحاث :
(1/436)

البحث الأول : في تفسير الظلم وفيه وجهان. الأول : قال أبو مسلم الظلم في أصل اللغة هو النقص ، قال الله تعالى : {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْـاًا } (الكهف : 33) ، والمعنى أنهم لما تركوا عبادة الخالق المحيي المميت واشتغلوا بعبادة العجل فقد صاروا ناقصين في خيرات الدين والدنيا. والثاني : أن الظلم في عرف الشرع عبارة عن الضرر الخالي من نفع يزيد عليه ودفع مضرة أعظم منه والاستحقاق عن الغير في علمه أو ظنه ، فإذا كان الفعل بهذه الصفة كان فاعله ظالماً ثم إن الرجل إذا فعل ما يؤديه إلى العقاب والنار قيل : إنه ظالم نفسه وإن كان في الحال نفعاً ولذة كما قال تعالى : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان : 13) ، وقال : {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِه } (فاطر : 32) ولما كانت عبادتهم لغير الله شركا(وكان الشرك مؤدياً إلى النار سمي ظلماً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
البحث الثاني : استدلت المعتزلة بقوله : {وَأَنتُمْ ظَـالِمُونَ} على أن المعاصي ليست بخلق الله تعالى من وجوه ، أحدها : أنه تعالى ذمهم عليها ولو كانت مخلوقة لله تعالى لما استحق الذم إلا من فعلها. وثانيها : أنها لو كانت بإرادة الله تعالى لكانوا مطيعين لله تعالى بفعلها لأن الطاعة عبارة عن فعل المراد. وثالثها : لو كان العصيان مخلوقاً لله تعالى لكان الذم بسببه يجري مجرى الذم بسبب كونه أسود وأبيض وطويلاً وقصيراً ، والجواب : هذا تمسك بفعل المدح والذم وهو معارض بمسألتي الداعي والعلم ذلك مراراً.
البحث الثالث : في الآية تنبيه على أن ضرر الكفر لا يعود إلا عليهم لأنهم ما استفادوا بذلك إلا أنهم ظلموا أنفسهم ، وذلك يدل على أن جلال الله منزه عن الاستكمال بطاعة الاتقياء والانتقاص بمعصية الأشقياء.
/ أما قوله تعالى : {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنا بَعْدِ ذَالِكَ} فقالت المعتزلة : المراد ثم عفونا عنكم بسبب إتيانكم بالتوبة وهي قتل بعضهم بعضاً/ وهذا ضعيف من وجهين ، الأول : أن قبول التوبة واجب عقلاً فلو كان المراد ذلك لما جاز عده في معرض الأنعام لأن أداء الواجب لا يعد من باب الأنعام والمقصود من هذه الآيات تعديد نعم الله تعالى عليهم. الثاني : أن العفو اسم لإسقاط العقاب المستحق فأما إسقاط ما يجب إسقاطه فذاك لا يسمى عفواً ألا ترى أن الظالم لما لم يجز له تعذيب المظلوم ، فإذا ترك ذلك العذاب لايسمى ذلك الترك عفواً فكذا ههنا ، وإذا ثبت هذا فنقول لا شك في حصول التوبة في هذه الصورة لقوله تعالى : {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } وإذا كان كذلك دلت هذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً ، وإذا ثبت ذلك ثبت أيضاً أنه تعالى قد أسقط عقاب من يجوز عقابه عقلاً وشرعاً ، وذلك أيضاً خلاف قول المعتزلة ، وإذا ثبت أنه تعالى عفا عن كفار قوم موسى فلأن يعفو عن فساق أمة محمد صلى الله عليه وسلّم مع أنهم : (خير أمة أخرجت للناس) كان أولى.
أما قوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فاعلم أن الكلام في تفسير "لعل" قد تقدم في قوله : {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام : 153) (الأعراف : 17) (البقرة : 21 ، 33) وأما الكلام في حقيقة الشكر وماهيته فطويل وسيجيء إن شاء الله تعالى ، ثم قالت المعتزلة : إنه تعالى بين أنه إنما عفا عنهم ولم يؤاخذهم لكي يشكروا ، وذلك يدل على أنه تعالى لم يرد منهم إلا الشكر ، والجواب : لو أراد الله تعالى منهم الشكر لأراد ذلك إما بشرط أن يحصل للشاكر داعية الشكر أولاً بهذا الشرط فإن كان هذا الشرط من العبد لزم افتقار الداعية إلى داعية أخرى ، وإن كان من الله فحيث خلق الله الداعي حصل الشكر لا محالة وحيث لم يخلق الداعي استحال حصول الشكر ، وذلك ضد قول المعتزلة وإن أراد حصول الشكر منه من غير هذه الداعية فقد أراد منه المحال لأن الفعل بدون الداعي محال فثبت أن الإشكال وارد عليهم أيضاً والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
0
(1/437)

اعلم أن هذا هو الإنعام الرابع والمراد من الفرقان يحتمل أن يكون هو التوراة وأن يكون شيئاً داخلاً في التوراة وأن يكون شيئاً خارجاً عن التوراة فهذه أقسام ثلاثة لا مزيد عليها وتقرير الاحتمال الأول أن التوراة لها صفتان كونها كتاباً منزلاً وكونها فرقاناً تفرق بين الحق والباطل فهو كقولك : رأيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة ونظيره قوله تعالى : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَـارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْرًا} (الأنبياء : 48) وأما تقرير الاحتمال الثاني فهو أن يكون المراد من الفرقان ما في التوراة من بيان الدين لأنه إذا أبان ظهر الحق متميزاً من / الباطل ، فالمراد من الفرقان بعض ما في التوراة وهو بيان أصول الدين وفروعه. وأما تقرير الاحتمال الثالث فمن وجوه ، أحدها : أن يكون المراد من الفرقان ما أوتي موسى عليه السلام من اليد والعصا وسائر الآيات وسميت بالفرقان لأنها فرقت بين الحق والباطل. وثانيها : أن يكون المراد من الفرقان النصر والفرج الذي آتاه الله بني إسرائيل على قوم فرعون ، قال تعالى : {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } (الأنفال : 41) والمراد النصر الذي آتاه الله يوم بدر ، وذلك لأن قبل ظهور النصر يتوقع كل واحد من الخصمين في أن يكون هو المستولي وصاحبه هو المقهور ، فإذا ظهر النصر تميز الراجح من المرجوح وانفرق الطمع الصادق من الطمع الكاذب ، وثالثها : قال قطرب الفرقان هو انفراق البحر لموسى عليه السلام. فإن قلت : فهذا قد صار مذكوراً في قوله تعالى : {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} (البقرة : 50) وأيضاً فقوله تعالى بعد ذلك : {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لا يليق إلا بالكتاب لأن ذلك لا يذكر إلا عقيب الهدى. قلت : الجواب عن الأول أنه تعالى لم يبين في قوله تعالى : {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} أن ذلك كان لأجل موسى عليه السلام ، وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص ، وعن الثاني أن فرق البحر كان من الدلائل فلعل المراد أنا لما آتينا موسى فرقان البحر استدلوا بذلك على وجود الصانع ، وصدق موسى عليه السلام وذلك هو الهداية وأيضاً فالهدى قد يراد به الفوز والنجاة كما يراد به الدلالة ، فكأنه تعالى بين أنه آتاهم الكتاب نعمة في الدين والفرقان الذي حصل به خلاصهم من الخصم نعمة عاجلة. واعلم أن من الناس من غلط فظن أن الفرقان هو القرآن ، وأنه أنزل على موسى عليه السلام وذلك باطل لأن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكل دليل كذلك فلا وجه لتخصيص هذا اللفظ بالقرآن. وقال آخرون : المعنى : {وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَـابَ} يعني التوراة وآتينا محمداً صلى الله عليه وسلّم الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب. وقد مال إلى هذا القول من علماء النحو الفراء وثعلب وقطرب وهذا تعسف شديد من غير حاجة ألبتة إليه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
وأما قوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} فقد تقدم تفسير لعل وتفسير الاهتداء ، واستدلت المعتزلة بقوله : {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} على أن الله تعالى أراد الاهتداء من الكل وذلك يبطل قول من قال : أراد الكفر من الكافر ، وأيضاً فإذا كان عندهم أنه تعالى : يخلق الاهتداء ، فيمن يهتدي والضلال فيمن يضل ، فما الفائدة في أن ينزل الكتاب والفرقان ويقول : {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ومعلوم أن الاهتداء إذا كان يخلقه ، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لو خلق الاهتداء ولا كتاب لحصل الاهتداء/ ولو أنزل بدلاً من الكتاب الواحد ألف كتاب ولم يخلق الاهتداء فيهم لما حصل الاهتداء ، فكيف يجوز أن يقول أنزلت الكتاب لكي تهتدوا ؟
واعلم أن هذا الكلام قد تقدم مراراً لا تحصى مع الجواب والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
0
(1/438)

اعلم أن هذا الإنعام الخامس قال بعض المفسرين : هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم وذلك ، لأنها أمر بالقتل لا يكون نعمة وهذا ضعيف من وجوه ، أحدها : أن الله تعالى نبههم على عظم ذنبهم ، ثم نبههم على ما به يتخلصون عن ذلك الذنب العظيم وذلك من أعظم النعم في الدين ، وإذا كان الله تعالى قد عدد عليهم النعم الدنيوية فبأن يعدد عليهم هذه النعمة الدينية أولى ، ثم إن هذه النعمة وهي كيفية هذه التوبة لما لم يكن وصفها إلا بمقدمة ذكر المعصية كان ذكرها أيضاً في تمام النعمة. فصار كل ما تضمنته هذه الآية معدوداً في نعم الله فجاز التذكير بها. وثانيها : أن الله تعالى لما أمرهم بالقتل رفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم بالكلية فكان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين. وفي حق الذين كانوا موجودين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، لأنه تعالى لولا أنه رفع القتل عن آبائهم لما وجد أولئك الأبناء فحسن إيراده في معرض الامتنان على الحاضرين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، وثالثها : أنه تعالى لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل مع أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان يقول لهم : لا حاجة بكم الآن في التوبة إلى القتل بل إن رجعتم عن كفركم وآمنتم قبل الله إيمانكم منكم فكان بيان التشديد في تلك التوبة تنبيهاً على الإنعام العظيم بقبول مثل هذه التوبة السهلة الهينة. ورابعها : أن فيه ترغيباً شديداً لأمة محمد صلوات الله وسلامه عليه في التوبة ، فإن أمة موسى عليه السلام لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب الواحد منا في التوبة التي هي مجرد الندم كان أولى. ومعلوم أن ترغيب الإنسان فيما هو المصلحة المهمة من أعظم النعم.
وأما قوله تعالى : {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِه } أي واذكروا إذ قال موسى لقومه بعدما رجع من الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد اتخذوا العجل يا قوم : {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم} وللمفسرين في الظلم قولان : أحدهما : أنكم نقصتم أنفسكم الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى عليه السلام ، والثاني : أن الظلم هو الإصرار الذي ليس بمستحق ولا فيه نفع ولا دفع مضرة لا علماً ولا / طباً ، فلما عبدوا العجل كانوا قد أضروا بأنفسهم لأن ما يؤدي إلى ضرر الأبد من أعظم الظلم ، ولذلك قال تعالى : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان : 13) لكن هذا الظلم من حقه أن يقيد لئلا يوهم إطلاقه إنه ظلم الغير لأن الأصل في الظلم ما يتعدى ، فلذلك قال : {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم} .
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
أما قوله تعالى : {بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} ففيه حذف لأنهم لم يظلموا أنفسهم بهذا القدر لأنهم لو اتخذوه ولم يجعلوه إلهاً لم يكن فعلهم ظلماً ، فالمراد باتخاذكم العجل إلهاً ، لكن لما دلت مقدمة الآية على هذا المحذوف حسن الحذف.
أما قوله تعالى : {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } ففيه سؤالات.
السؤال الأول : قوله تعالى : {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } يقتضي كون التوبة مفسرة بقتل النفس كما أن قوله عليه السلام : "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ثم يديه" ، يقتضي أن وضع الطهور مواضعه مفسر بغسل الوجه واليدين ولكن ذلك باطل لأن التوبة عبارة عن الندم على الفعل القبيح الذي مضى والعزم على أن لا يأتي بمثله بعد ذلك وذلك مغاير لقتل النفس وغير مستلزم له فكيف يجوز تفسيره به ؟
والجواب ليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان أن توبتهم لا تتم ولا تحصل إلا بقتل النفس وإنما كان كذلك لأن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن شرط توبتهم قتل النفس كما أن القاتل عمداً لا تتم توبته إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء المقتول أو يقتلوه فلا يمتنع أن يكون من شرع موسى عليه السلام أن توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل. إذا ثبت هذا فنقول شرط الشيء قد يطلق عليه اسم ذلك الشيء مجازاً كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة أن توبتك ردماً غصبت يعني أن توبتك لا تتم إلا به فكذا ههنا.
السؤال الثاني : ما معنى قوله تعالى : {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} والتوبة لا تكون إلا للبارىء ، والجواب : المراد منه النهي عن الرياء في التوبة كأنه قال لهم : لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله الذي هو مطلع على ضميركم ، وإنما تبتم إلى الناس وذلك مما لا فائدة فيه ، فإنكم إذا أذنبتم إلى الله.
السؤال الثالث : كيف اختص هذا الموضع بذكر البارىء ؟
والجواب : البارىء هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت : {مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَـن ِ مِن تَفَـاوُتٍ } (الملك : 3) ومتميزاً بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة فكان ذلك تنبيهاً على أن من كان كذلك فهو أحق بالعبادة من البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة.
(1/439)

السؤال الرابع : ما الفرق بين الفاء في قوله : {فَتُوبُوا } والفاء في قوله : {فَاقْتُلُوا } ؟
الجواب : أن الفاء الأولى للسبب لأن الظلم سبب التوبة والثانية للتعقيب لأن القتل من تمام التوبة فمعنى قوله : {فَتُوبُوا } أي فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
السؤال الخامس : ما المراد بقوله : {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } أهو ما يقتضيه ظاهره من أن يقتل كل / واحد نفسه أو المراد غير ذلك ؟
الجواب : اختلف الناس فيه فقال قوم من المفسرين. لا يجوز أن يكون المراد أمر كل واحد من التائبين بقتل نفسه وهو اختيار القاضي عبد الجبار ، واحتجوا عليه بوجهين. الأول : وهو الذي عول عليه أهل التفيسر أن المفسرين أجمعوا على أنهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ولو كانوا مأمورين بذلك لصاروا عصاة بترك ذلك ، الثاني : وهو الذي عول عليه القاضي عبد الجبار أن القتل هو نقض البنية التي عندها يجب أن يخرج من أن يكون حياً وما عدا ذلك مما يؤدي إلى أن يموت قريباً أو بعيداً إنما سمي قتلاً على طريق المجاز. إذا عرفت حقيقة القتل فنقول : إنه لا يجوز أن يأمر الله تعالى به لأن العبادات الشرعية إنما تحسن لكونها مصالح لذلك المكلف ولا تكون مصلحة إلا في الأمور المستقبلة وليس بعد القتل حال تكليف حتى يكون القتل مصلحة فيه وهذا بخلاف ما يفعله الله تعالى من الإماتة لأن ذلك من فعل الله فيحسن أن يفعله إذا كان صلاحاً لمكلف آخر ويعوض ذلك المكلف بالعوض العظيم وبخلاف أن يأمر الله تعالى بأن يجرح نفسه أو يقطع عضواً من أعضائه ولا يحصل الموت عقبه لأنه لما بقي بعد ذلك الفعل حياً لم يمتنع أن يكون ذلك الفعل صلاحاً في الأفعال المستقبلة. ولقائل أن يقول : لا نسلم أن القتل اسم للفعل المزهق للروح في الحال بل هو عبارة عن الفعل المؤدي إلى الزهوق إما في الحال أو بعده والدليل عليه أنه لو حلف أن لا يقتل إنساناً فجرحه جراحة عظيمة وبقي بعد تلك الجراحة حياً لحظة واحدة ثم مات فإنه يحنث في يمينه وتسميه كل أهل هذه اللغة قاتلاً والأصل في الاستعمال الحقيقة فدل على أن اسم القتل اسم الفعل المؤدي إلى الزهوق سواء أدى إليه في الحال أو بعد ذلك وأنت سلمت جواز ورود الأمر بالجراحة التي لا تستعقب الزهوق في الحال وإذا كان كذلك ثبت جواز أن يراد الأمر بأن يقتل الإنسان نفسه/ سلمنا أن القتل اسم الفعل المزهق للروح في الحال فلم لا يجوز ورود الأمر به ؟
قوله : لا بد في ورود الأمر به من مصلحة استقبالية ، قلنا : أولاً لا نسلم أنه لا بد فيه من مصلحة ، والدليل عليه أنه أمر من يعلم كفره بالإيمان ولا مصلحة في ذلك إذ لا فائدة من ذلك التكليف إلا حصول العقاب ، سلمنا أنه لا بد من مصلحة ولكن لم قلت إنه لا بد من عود تلك المصلحة إليه ، ولم لا يجوز أن قتله نفسه مصلحة لغيره فالله تعالى أمره بذلك لينتفع به ذلك الغير ، ثم إنه تعالى يوصل العوض العظيم إليه. سلمنا أنه لا بد من عود المصلحة إليه ، لكن لم لا يجوز أن يقال إن علمه بكونه مأموراً بذلك الفعل مصلحة له ، مثل أنه لما أمر بأن يقتل نفسه غداً فإن علمه بذلك يصير داعياً له إلى ترك القبائح من ذلك الزمان إلى ورود الغد ، وإذا كانت هذه الاحتمالات ممكنة سقط ما قال القاضي ، بل الوجه الأول الذي عول عليه المفسرون أقوى ، وعلى هذا يجب صرف الآية عن ظاهرها ، ثم فيه وجهان ، الأول : أن يقال أمر كل واحد من أولئك التائبين بأن يقتل بعضهم بعضاً فقوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
(1/440)

{اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} معناه ليقتل بعضكم بعضاً وهو كقوله في موضع آخر : {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } (النساء : 29) ومعناه لا يقتل بعضكم بعضاً وتحقيقه أن المؤمنين كالنفس الوحدة ، وقيل / في قوله تعالى : {وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} (الحجرات : 11) أي إخوانكم من المؤمنين ، وفي قوله : {لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَـاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} (النور : 12) أي بأمثالهم من المسلمين ، وكقوله : {فَسَلِّمُوا عَلَى ا أَنفُسِكُمْ} (النور : 61) أي ليسلم بعضكم على بعض. ثم قال المفسرون : أولئك التائبون برزوا صفين فضرب بعضهم بعضاً إلى الليل. الوجه الثاني : أن الله تعالى أمر غير أولئك التائبين بقتل أولئك التائبين فيكون المراد من قوله : {اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} أي استسلموا للقتل ، وهذا الوجه الثاني أقرب لأن في الوجه الأول تزداد المشقة لأن الجماعة إذا اشتركت في الذنب كان بعضهم أشد عطفاً على البعض من غيرهم عليهم فإذا كلفوا بأن يقتل بعضهم بعضاً عظمت المشقة في ذلك ثم اختلفت الروايات ، فالأول : أنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم ، وكان المقتولون سبعين ألفاً فما تحركوا حتى قتلوا على ثلاثة أيام ، وهذا لقول ذكره محمد بن إسحاق. الثاني : أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبروا على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة وأتاهم هارون بالإثني عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل ألبتة وبأيديهم السيوف ، فقال التائبون : إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا الله واصبروا فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل يقولون أمين ، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء وقام موسى وهارون عليهما السلام يدعوان الله ويقولان البقية البقية يا إلهنا فأوحى الله تعالى إليهما ، قد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي ، قال : وكان القتلى سبعين ألفاً ، هذه رواية الكلبي. الثالث : أن بني إسرائيل كانوا قسمين : منهم من عبد العجل ومنهم من لم يعبده ولكن لم ينكر على من عبده ، فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة ، ثم قال المفسرون : إن الرجل كان يبصر والده وولده وجاره فلم يمكنه المضي لأمر الله فأرسل الله تعالى سحابة سوداء ، ثم أمر بالقتل فقتلوا إلى المساء حتى دعا موسى وهارون عليهما السلام وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فانكشفت السحابة ونزلت التوراة وسقطت الشفار من أيديهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
السؤال السادس : كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الردة والتائب من الردة لا يقتل ؟
الجواب : ذلك مما يختلف بالشرائع فلعل شرع موسى عليه السلام كان يقتضي قتل التائب عن الردة إما عاماً في حق الكل أو كان خاصاً بذلك القوم.
السؤال السابع : هل يصح ما روي أن منهم من لم يقتل ممن قبل الله توبته ؟
الجواب : لا يمتنع ذلك لأن قوله تعالى : {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم} خطاب مشافهة فلعله كان مع البعض أو إنه كان عاماً فالعام قد يتطرق إليه التخصيص.
أما قوله تعالى : {ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} ففيه تنبيه على ما لأجله يمكن تحمل هذه المشقة وذلك لأن حالتهم كانت دائرة بين ضرر الدنيا وضرر الآخرة ، والأول أولى بالتحمل لأنه / متناه ، وضرر الآخرة غير متناه ، ولأن الموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقدم والتأخير ، وأما الخلاص من العقاب والفوز بالثواب فذاك هو الغرض الأعظم.
أما قوله تعالى : {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } ففيه محذوف تم فيه وجهان : أحدهما : أن يقدر من قول موسى عليه السلام كأنه قال : فإن فعلتم فقد تاب عليكم ، والآخر : أن يكون خطاباً من الله لهم على طريقة الالتفات فيكون التقدير ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم.
وأما معنى قوله تعالى : {فَتَابَ عَلَيْكُم إِنَّه هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ، فقد تقدم في قوله : {فَتَابَ عَلَيْه إِنَّه هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .
جزء : 3 رقم الصفحة : 485
518
(1/441)

اعلم أن هذا هو الإنعام السادس ، بيانه من وجوه ، أحدها : كأنه تعالى قال : اذكروا نعمتي حين قلتم لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ثم أحييتكم لتتوبوا عن بغيكم وتتخلصوا عن العقاب وتفوزوا بالثواب ، وثانيها : أن فيها تحذيراً لمن كان في زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك. وثالثها : تشبيههم في جحودهم معجزات النبي صلى الله عليه وسلّم بأسلافهم في جحود نبوة موسى عليه السلام مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات الظاهرة وتنبيهاً على أنه تعالى إنما لا يظهر عن النبي صلى الله عليه وسلّم مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها ولو جحدوها لاستحقوا العقاب مثل ما استحقه أسلافهم ، ورابعها : فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلّم مما كان يلاقي منهم وتثبيت لقلبه على الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. وخامسها : فيه إزالة شبهة من يقول : إن نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب لما أنهم عرفوا خبره ، وذلك لأنه تعالى بين أن أسلافهم مع مشاهدتهم تلك الآيات الباهرة على نبوة موسى عليه السلام كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه ويخالفونه فلا يتعجب من مخالفتهم لمحمد عليه الصلاة والسلام وإن وجدوا في كتبهم الأخبار عن نبوته. وسادسها : لما أخبر محمد عليه الصلاة والسلام عن هذه القصص مع أنه كان أمياً لم يشتغل بالتعلم ألبتة وجب أن يكون ذلك عن الوحي.
البحث الثاني : للمفسرين في هذه الواقعة قولان ، الأول : أن هذه الواقعة كانت بعد أن كلف الله عبدة العجل بالقتل ، قال محمد بن اسحاق : لما رجع موسى عليه السلام من الطور إلى قومه / فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال. وحرق العجل وألقاه في البحر ، اختار من قومه سبعين رجلاً من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى : سل ربك حتى يسمعنا كلامه ، فسأل موسى عليه السلام ذلك فأجابه الله إليه ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم : ادخلوا وعوا ، وكان موسى عليه السلام متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه ، وسمع القوم كلام الله مع موسى عليه السلام يقول له : افعل ولا تفعل ، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعاً وقام موسى رافعاً يديه إلى السماء يدعو ويقول : يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي بقبول توبتهم ، فارجع إليهم وليس معي منهم واحد ، فما الذي يقولون فيّ ، فلم يزل موسى مشتغلاً بالدعاء حتى رد الله إليهم أرواحهم وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال : لا إلا أن يقتلوا أنفسهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 518
القول الثاني : أن هذه الواقعة كانت بعد القتل ، قال السدي : لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم أمر الله تعالى أن يأتيهم موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل ، فاختار موسى سبعين رجلاً ، فلما أتوا الطور قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة وماتوا فقام موسى يبكي ويقول : يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل ، فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بقيتهم هؤلاء/ فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي منهم أحد فماذا أقول لهم ؟
فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلهاً فقال موسى : {إِنْ هِىَ إِلا فِتْنَتُكَ} (الأعراف : 155) إلى قوله : {إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ } (الأعراف : 56) ثم إنه تعالى أحياهم فقاموا ونظر كل واحد منهم إلى الآخر كيف يحييه الله تعالى ، فقالوا : يا موسى إنك لا تسأل الله شيئاً إلا أعطاك فادعه يجعلنا أنبياء ، فدعاه بذلك فأجاب الله دعوته. واعلم أنه ليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر وكذلك ليس فيها ما يدل على أن الذين سألوا الرؤية هم الذين عبدوا العجل أو غيرهم.
أما قوله تعالى : {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} فمعناه لا نصدقك ولا نعترف بنبوتك حتى نرى الله جهرة (أي) عياناً. قال صاحب الكشاف : وهي مصدر من قولك : جهرت بالقراءة وبالدعاء كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية والذي يرى بالقب مخافت بها وانتصار بها على المصدر لأنها نوع من الرؤية ، فنصبت بفعلها كما ينصب القرفصاء بفعل الجلوس أو على الحال بمعنى ذوي جهرة وقرىء جهرة بفتح الهاء وهي إما مصدر كالغلبة وإما جمع جاهر ، وقال القفال أصل الجهرة من الظهور يقال جهرت الشيء (إذا) كشفته وجهرت البئر إذا كان ماؤها مغطى بالطين فنقيته حتى ظهر ماؤه ويقال صوت جهير ورجل جهوري الصوت ، إذا كان صوته عالياً ، ويقال : وجه جهير إذا كان ظاهر الوضاءة ، وإنما قالوا : جهرة تأكيداً لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على (نحو) ما يراد النائم.
(1/442)

/ أما قوله تعالى : {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّـاعِقَةُ} ففيه أبحاث :
جزء : 3 رقم الصفحة : 518
البحث الأول : استدلت المعتزلة بذلك على أن رؤية الله ممتنعة ، قال القاضي عبد الجبار : إنها لو كانت جائزة لكانوا قد التمسوا أمراً مجوزاً فوجب أن لا تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم العقوبة لما التمسوا النقل من قوت إلى قوت وطعام إلى طعام في قوله تعالى : {لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُانبِتُ الارْضُ} (البقرة : 61) ، وقال أبو الحسين في كتاب التصفح : إن الله تعالى ما ذكر سؤال الرؤية إلا استعظمه ، وذلك في آيات. أحدها : هذه الآية فإن الرؤية لو كانت جائزة لكان قولهم : (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) كقول الأمم لأنبيائهم : لن نؤمن إلا باحياء ميت في أنه لا يستعظم ولا تأخذهم الصاعقة. وثانيها : قوله تعالى : {يَسْـاَلُكَ أَهْلُ الْكِتَـابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـابًا مِّنَ السَّمَآءِا فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى ا أَكْبَرَ مِن ذَالِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} (النساء : 153) ، فسمي ذلك ظلماً وعاقبهم في الحال ، فلو كانت الرؤية جائزة لجرى سؤالهم لها مجرى من يسأل معجزة زائدة. فإن قلت أليس إنه سبحانه وتعالى قد أجرى إنزال الكتاب من السماء مجرى الرؤية في كون كل واحد منهما عتوا ، فكما أن إنزال الكتاب غير ممتنع في نفسه فكذا سؤال الرؤية. قلت : الظاهر يقتضي كون كل واحد منهما ممتنعاً ترك العمل به في إنزال الكتاب فيبقى معمولاً به في الرؤية. وثالثها : قوله تعالى : {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَـا اـاِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا} (الفرقان : 21) فالرؤية لو كانت جائزة وهي عند مجزيها من أعظم المنافع لم يكن التماسها عتواً لأن من سأل الله تعالى نعمة في الدين أو الدنيا لم يكن عاتياً وجرى ذلك مجرى ما يقال : لن نؤمن لك حتى يحيي الله بدعائك هذا الميت.
جزء : 3 رقم الصفحة : 518
واعلم أن هذه الوجوه مشتركة في حرف واحد وهو أن الرؤية لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتواً ومنكراً/ وذلك ممنوع. (و) قوله : إن طلب سائر المنافع من النقل من طعام إلى طعام لما كان ممكناً لم يكن طالبه عاتياً وكذا القول في طلب سائر المعجزات. قلنا : ولم قلت إنه لما كان طالب ذلك الممكن ليس بعات وجب أن يكون طالب كل ممكن غير عات والاعتماد في مثل هذا الموضع على ضروب الأمثلة لا يليق بأهل العلم وكيف وأن الله تعالى ما ذكر الرؤية إلا وذكر معها شيئاً ممكناً حكمنا بجوازه بالاتفاق وهو إما نزول الكتاب من السماء أو نزول الملائكة. وأثبت صفة العتو على مجموع الأمرين ، وذلك كالدلالة القاطعة في أن صفة العتو ما حصلت لأجل كون المطلوب ممتنعاً. أما قوله أبي الحسين : الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعاً ترك العمل به في البعض فيبقى معمولاً به في الباقي. قلنا : إنك ما أقمت دليلاً على أن الاستعظام لا يتحقق إلا إذا كان المطلوب ممتنعاً وإنما عولت فيه على ضروب الأمثلة ، والمثال لا ينفع في هذا الباب ، فبطل قولك : الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعاً. فظهر بما قلنا سقوط كلام المعتزلة. فإن قال قائل : فما السبب في استعظام سؤال الرؤية ؟
الجواب في ذلك يحتمل وجوهاً. أحدها : أن رؤية الله تعالى لا تحصل إلا في الآخرة ، فكان طلبها في الدنيا / مستنكراً. وثانيها : أن حكم الله تعالى أن يزيل التكليف عن العبد حال ما يرى الله فكان طلب الرؤية طلباً لإزالة التكليف وهذا على قول المعتزلة أولى ، لأن الرؤية تتضمن العلم الضروري والعلم الضروري ينافي التكليف ، وثالثها : أنه لما تمت الدلائل على صدق المدعي كان طلب الدلائل الزائدة تعنتاً والمتعنت يستوجب التعنيف ، ورابعها : لا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن في منع الخلق عن رؤيته سبحانه في الدنيا ضرباً من المصلحة المهمة ، فلذلك استنكر طلب الرؤية في الدنيا كما علم أن في إنزال الكتاب من السماء وإنزال الملائكة من السماء مفسدة عظيمة فلذلك استنكر طلب ذلك والله أعلم.
(1/443)

البحث الثاني : للمفسرين في الصاعقة قولان. الأول : أنها هي الموت وهو قول الحسن وقتادة واحتجوا عليه بقوله تعالى : {فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَن فِى الارْضِ إِلا مَن شَآءَ اللَّه } (الزمر : 68) ، وهذا ضعيف لوجوه. أحدها : قوله تعالى : {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّـاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصاعقة ، وثانيها : أنه تعالى قال في حق موسى : {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } (الأعراف : 143) أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتاً لأنه قال : {فَلَمَّآ أَفَاقَ} والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي ، وثالثها : أن الصاعقة وهي التي تصعق وذلك إشارة إلى سبب الموت. ورابعها : أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم لا يعلمون. ولذلك قال : {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} منبهاً على عظم العقوبة ، القول الثاني : وهو قول المحققين : إن الصاعقة هي سبب الموت ولذلك قال في سورة الأعراف : {فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} واختلفوا في أن ذلك السبب أي شيء كان على ثلاثة أوجه. أحدها : أنها نار وقعت من السماء فأحرقتهم. وثانيها : صيحة جاءت من السماء ، وثالثها : أرسل الله تعالى جنوداً سمعوا بخسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 518
أما قوله تعالى : {ثُمَّ بَعَثْنَـاكُم مِّنا بَعْدِ مَوْتِكُمْ} لأن البعث قد (لا) يكون إلا بعد الموت ، كقوله تعالى : {فَضَرَبْنَا عَلَى ا ءَاذَانِهِمْ فِى الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَـاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} (اكلهف : 11 ، 12). فإن قلت : هل دخل موسى عليه السلام في هذا الكلام ؟
قلت : لا ، لوجهين. الأول : أنه خطاب مشافهة فلا يحب أن يتناول موسى عليه السلام. الثاني : أنه لو تناول موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى في حق موسى : {فَلَمَّآ أَفَاقَ} مع أن لفظة الإفاقة لا تستعمل في الموت ، وقال ابن قتيبة : إن موسى عليه السلام قد مات وهو خطأ لما بيناه. أما قوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فالمراد أنه تعالى إنما بعثهم بعد الموت في دار الدنيا ليكلفهم وليتمكنوا من الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الجرائم ، أما أنه كلفهم فلقوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ولفظ الشكر يتناول جميع الطاعات لقوله تعالى : {اعْمَلُوا ءَالَ دَاوُادَ شُكْرًا } (سبأ : 13) ، فإن قيل : كيف يجوز أن يكلفهم وقد أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكلف أهل الآخرة إذا بعثهم بعد الموت ؟
قلنا : الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة ليس هو الإماتة ثم الإحياء ، وإنما يمنع من ذلك أنه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته وإلى معرفة ما في الجنة من اللذات / وما في النار من الآلام وبعد العلم الضروري لا تكليف فإذا كان المانع هو هذا لم يمتنع في هؤلاء الذين أماتهم الله بالصاعقة أن لا يكون قد اضطرهم ، وإذا كان كذلك صح أن يكلفوا من بعد ويكون موتهم ثم الأحياء بمنزلة النوم أو بمنزلة الإغماء. ونقل عن الحسن البصري أنه تعالى قطع آجالهم بهذه الإماتة ثم أعادهم كما أحيا الذي أماته حين مر على قرية وهي خاوية على عروشها وأحيا الذين أماتهم بعدما خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت وهذا ضعيف لأنه تعالى ما أماتهم بالصاعقة إلا وقد كتب وأخبر بذلك فصار ذلك الوقت أجلاً لموتهم الأول ثم الوقت الآخر أجلاً لحياتهم.
وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل فجوابنا عنه قد تقدم مراراً فلا حاجة إلى الإعادة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 518
0
اعلم أن هذا هو الإنعام السابع الذي ذكره الله تعالى وقد ذكر الله تعالى هذه الآية بهذه الألفاظ في سورة الأعراف ، وظاهر هذه الآية يدل على أن هذا الإظلال كان بعد أن بعثهم لأنه تعالى قال : {ثُمَّ بَعَثْنَـاكُم مِّنا بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} بعضه معطوف على بعض وإن كان لا يمتنع خلاف ذلك ، لأن الغرض تعريف النعم التي خصهم الله تعالى بها.
قال المفسرون ، {وَظَلَّلْنَا} وجعلن الغمام تظلكم ، وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع ويبعث الله إليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه {كُلُوا } على إرادة القول : {وَمَا ظَلَمُونَا} يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم أو بأن أخذوا أزيد مما أطلق لهم في أخذه أو بأن سألوا غير ذلك الجنس وما ظلمونا فاختصر الكلام بحذفه لدلالة {وَمَا ظَلَمُونَا} عليه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 518
522
(1/444)

اعلم أن هذا هو الإنعام الثامن ، وهذه الآية معطوفة على النعم المتقدمة لأنه تعالى كما بين نعمه عليهم بأن ظلل لهم من الغمام وأنزل (عليهم) من المن والسلوى وهو من النعم العاجلة أتبعه بنعمه عليهم في باب الدين حيث أمرهم بما يمحو ذنوبهم وبين لهم طريق المخلص مما استوجبوه من العقوبة.
واعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين :
النوع الأول : ما يتعلق بالتفسير فنقول : أما قوله تعالى : {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَـاذِهِ الْقَرْيَةَ} (البقرة : 58) فاعلم أنه أمر تكليف ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه تعالى أمر بدخول الباب سجداً ، وذلك فعل شاق فكان الأمر به تكليفاً ودخول الباب سجداً مشروط بدخول القرية ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فثبت أن الأمر بدخول القرية أمر تكليف لا أمر إباحة. الثاني : أن قوله : {ادْخُلُوا الارْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى ا أَدْبَارِكُمْ} (المائدة : 21) دليل على ما ذكرناه. أما القرية فظاهر القرآن لا يدل على عينها ، وإنما يرجع في ذلك إلى الأخبار ، وفيه أقوال : أحدها : وهو اختيار قتادة والربيع وأبي مسلم الأصفهاني أنها بيت المقدس ، واستدلوا عليه بقوله تعالى في سورة المائدة : {ادْخُلُوا الارْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} ، ولا شك أن المراد بالقرية في الآيتين واحد ، وثانيها : أنها نفس مصر ، وثالثها : وهو قول ابن عباس وأبي زيد إنها أريحاء وهي قريبة من بيت المقدس ، واحتج هؤلاء على أنه لا يجوز أن تكون تلك القرية بيت المقدس لأن الفاء في قوله تعالى : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } تقتضي التعقيب فوجب أن يكون ذلك التبديل وقع منهم عقيب هذا الأمر في حياة موسى ، لكن موسى مات في أرض التيه ولم يدخل بيت المقدس ، فثبت أنه ليس المراد من هذه القرية بيت المقدس. وأجاب الأولون بأنه ليس في هذه الآية : أنا قلنا ادخلوا هذه القرية على لسان موسى أو على لسان يوشع ، وإذا حملناه على لسان يوشع زال الإشكال. وأما قوله تعالى : {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} فقد مر تفسيره في قصة آدم عليه السلام وهو أمر إباحة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
أما قوله تعالى : {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} ففيه بحثان.
الأول : اختلفوا في الباب على وجهين : أحدهما : وهو قول ابن عباس والضحاك ومجاهد وقتادة إنه باب يدعى باب الحطة من بيت المقدس ، وثانيهما : حكى الأصم عن بعضهم أنه عني بالباب جهة من جهات القرية ومدخلاً إليها.
الثاني : اختلفوا في المراد بالسجود فقال الحسن أراد به نفس السجود الذي هو الصاق / الوجه بالأرض وهذا بعيد لأن الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال السجود فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك ، ومنهم من حمله على غير السجود ، وهؤلاء ذكروا وجهين : الأول : رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن المراد هو الركوع ، لأن الباب كان صغيراً ضيقاً يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء ، وهذا بعيد لأنه لو كان ضيقاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعاً فما كان يحتاج فيه إلى الأمر. الثاني : أراد به الخضوع وهو الأقرب ، لأنه لما تعذر حمله على حقيقة السجود وجب حمله على التواضع/ لأنهم إذا أخذوا في التوبة فالتائب عن الذنب لا بد أن يكون خاضعاً مستكيناً. أما قوله تعالى : {وَقُولُوا حِطَّةٌ} ففيه وجوه. أحدها : وهو قول القاضي : المعنى أنه تعالى بعد أن أمرهم بدخول الباب على وجه الخضوع أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة ، وذلك لأن التوبة صفة القلب ، فلا يطلع الغير عليها ، فإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب ، لأن التوبة لا تتم إلا به ، إذ الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة ، ولإزالة التهمة عن نفسه ، وكذلك من عرف بمذهب خطأ ، ثم تبين له الحق فإنه يلزمه أن يعرف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ عدوله عنه ، لتزول عنه التهمة في الثبات على الباطل وليعودوا إلى موالاته بعد معاداته ، فلهذا السبب ألزم الله تعالى بني إسرائيل مع الخضوع الذي هو صفة القلب أن يذكروا اللفظ الدال على تلك التوبة وهو قوله : {وَقُولُوا حِطَّةٌ} (البقرة : 58) ، فالحاصل أنه أمر القوم بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان ، وهذا الوجه أحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق. ثانيها : قول الأصم : إن هذه اللفظة من ألفاظ أهل الكتاب أي لا يعرف معناها في العربية. وثالثها : قال صاحب الكشاف (حطة) فعلة من الحط كالجلسة والركبة وهي خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة والأصل النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
صبر جميل فكلانا مبتلي
(1/445)

والأصل صبراً على تقدير اصبر صبراً ، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب. ورابعها : قول أبي مسلم الأصفهاني معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها ، وزيف القاضي ذلك بأن قال : لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خطاياهم متعلقاً به ولكن قوله : {وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـايَـاكُمْ } (البقرة : 58) ، يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل قولهم حطة ، ويمكن الجواب عنه بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجداً مع التواضع كان الغفران متعلقاً به. وخامسها قول القفال : معناه اللهم حط عنا ذنوبنا فإنا إنما انحططنا لوجهك وإرادة التذلل لك ، فحط عنا ذنوبنا. فإن قال قائل : هل كان التكليف وارداً بذكر هذه اللفظة بعينها أم لا ؟
قلنا روي عن ابن عباس أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها وهذا محتمل ولكن الأقرب خلافه لوجهين. أحدهما : أن هذه اللفظة عربية وهم / ما كانوا يتكلمون بالعربية ، وثانيهما : وهو الأقرب أنهم أمروا بأن يقولوا قولاً دالاً على لتوبة والندم والخضوع حتى أنهم لو قالوا مكان قولهم : {حِطَّةٌ} اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً ، لأن المقصود من التوبة ، إما القلب وإما اللسان ، أما القلب فالندم ، وأما اللسان فذكر لفظ يدل على حصول الندم في القلب وذلك لا يتوقف على ذكر لفظة بعينها.
أما قوله تعالى : {نَّغْفِرْ لَكُمْ} فالكلام في المغفرة قد تقدم. ثم ههنا بحثان :
الأول : أن قوله : {نَّغْفِرْ لَكُمْ} ذكره الله تعالى في معرض الامتنان ، ولو كان قبول التوبة واجباً عقلاً على ما تقوله المعتزلة لما كان الأمر كذلك ، بل كان أداء للواجب وأداء الواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان.
الثاني : ههنا قراءات. أحدها : قرأ أبو عمرو وابن المنادي بالنون وكسر الفاء. وثانيها : قرأ نافع بالياء وفتحها. وثالثها : قرأ الباقون من أهل المدينة وجبلة عن المفضل بالتاء وضمها وفتح الفاء ، ورابعها : قرأ الحسن وقتادة وأبو حيوة والجحدري بالياء وضمها وفتح الفاء. قال القفال : والمعنى في هذه القراءات كلها واحد/ لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى فقد غفرت وإذا غفرت فإنما يغفرها الله ، والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث كقوله : {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} (هود : 67) والمراد من الخطيئة الجنس لا الخطيئة الواحدة بالعدد. أما قوله تعالى : {خَطَـايَـاكُمْ } ففيه قراءات ، أحدها : قرأ الجحدري "خطيئتكم" بمدة وهمزة وتاء مرفوعة بعد الهمزة على واحدة. وثانيها : الأعمش "خطيئاتكم" بمدة وهمزة وألف بعد الهمزة قبل التاء وكسر التاء. وثالثها : الحسن كذلك إلا أنه يرفع التاء ، ورابعها : الكسائي خطاياكم بهمزة ساكنة بعد الطاء قبل الياء ، وخامسها : ابن كثير بهمزة ساكنة بعد الياء وقبل الكاف. وسادسها : الكسائي بكسر الطاء والتاء ، والباقون بإمالة الياء فقط.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
أما قوله تعالى : {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} فإما أن يكون المراد من المحسن من كان محسناً بالطاعة في هذا التكليف أو من كان محسناً بطاعات أخرى في سائر التكاليف. أما على التقدير الأول : فالزيادة الموعودة يمكن أن تكون من منافع الدنيا وأن تكون من منافع الدين. أما الاحتمال الأول : وهو أن تكون من منافع الدنيا ، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة فإنا نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية ، وأما الاحتمال الثاني : وهو أن تكون من منافع الآخرة ، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة والتوبة فإنا نغفر له خطاياه ونزيده على غفران الذنوب إعطاء الثواب الجزيل كما قال : {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } (يونس : 26) ، أي نجازيهم بالإحسان إحساناً وزيادة كما جعل الثواب للحسنة الواحدة عشراً ، وأكثر من ذلك ، وأما إن كان المراد من "المحسنين" من كان محسناً بطاعات أخرى بعد هذه التوبة ، فيكون المعنى أنا نجعل دخولكم الباب سجداً وقولكم حطة مؤثراً في غفران الذنوب ، ثم إذا أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى أعطيناكم / الثواب على تلك الطاعات الزائدة ، وفي الآية تأويل آخر ، وهو أن المعنى من كان خاطئاً غفرنا له ذنبه بهذا الفعل ، ومن لم يكن خاطئاً بل كان محسناً زدنا في إحسانه ، أي كتبنا تلك الطاعة في حسناته وزدناه زيادة منا فيها فتكون المغفرة للمؤمنين والزيادة للمطيعين.
(1/446)

أما قوله تعالى : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } ففيه قولان. الأول : قال أبو مسلم قوله تعالى : {فَبَدَّلَ} يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به ، لا على أنهم أتوا له ببدل ، والدليل عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة ، قال تعالى : {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الاعْرَابِ} (الفتح : 11) إلى قوله : {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَـامَ اللَّه } (الفتح : 15) ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذا ههنا ، فيكون المعنى أنهم لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله ولم يلتفتوا إليه. الثاني : وهو قول جمهور المفسرين : إن المراد من التبديل أنهم أتوا ببدل له لأن التبديل مشتق من البدل ، فلا بد من حصول البدل ، وهذا كما يقال : فلان بدل دينه ، يفيد أنه انتقل من دين إلى دين آخر ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : {قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} ثم اختلفوا في أن ذلك القول والفعل أي شيء كان ؟
فروي عن ابن عباس أنهم دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجداً زاحفين على أستاههم ، قائلين حنطة من شعيرة ، وعن مجاهد أنهم دخلوا على أدبارهم وقالوا : حنطة استهزاء ، وقال ابن زيد : استهزاء بموسى. وقالوا : ما شاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا حطة حطة أي شيء حطة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
أما قوله تعالى : {الَّذِينَ ظَلَمُوا } فإنما وصفهم الله بذلك إما لأنهم سعوا في نقصان خيراتهم في الدنيا والدين أو لأنهم أضروا بأنفسهم/ وذلك ظلم على ما تقدم.
أما قوله تعالى : {فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ} ففيه بحثان :
الأول : أن في تكرير : {الَّذِينَ ظَلَمُوا } زيادة في تقبيح أمرهم وإيذاناً بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم. الثاني : أن الرجز هو العذاب والدليل عليه قوله تعالى : {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ} أي العقوبة ، وكذا قوله تعالى : {لَـاـاِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ} (الأعراف : 134) وذكر الزجاج أن الرجز والرجس معناهما واحد وهو العذاب.
وأما قوله : {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَـانِ} (الأنفال : 11) فمعناه لطخه وما يدعوا إليه من الكفر ، ثم إن تلك العقوبة أي شيء كانت لا دلالة في الآية عليه ، فقال ابن عباس : مات منهم بالفجأة أربعة وعشرون ألفاً في ساعة واحدة ، وقال ابن زيد : بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي خمس وعشرون ألفاً ، ولم يبق منهم أحد.
أما قوله تعالى : {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} ، فالفسق من الخروج المضر ، يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وفي الشرع عبارة عن الخروج من طاعة الله إلى معصيته ، قال أبو مسلم : هذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله تعالى : {عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } وفائدة التكرار التأكيد والحق أنه غير مكرر لوجهين. الأول : أن الظلم قد يكون من الصغائر ، وقد يكون من الكبائر ، ولذلك وصف الله الأنبياء بالظلم / في قوله تعالى : {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} (الأعراف : 23) ولأنه تعالى قال : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان : 13) ولو لم يكن الظلم إلا عظيماً لكان ذكر العظيم تكريراً والفسق لا بد وأن يكون من الكبائر فلما وصفهم الله بالظلم أولاً : وصفهم بالفسق ، ثانياً : ليعرف أن ظلمهم كان من الكبائر لا من الصغائر. الثاني : يحتمل أنهم استحقوا اسم الظالم بسبب ذلك التبديل فنزل الرجز عليهم من السماء بسبب ذلك التبديل بل للفسق الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل وعلى هذا الوجه يزول التكرار.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
النوع الثاني من الكلام في هذه الآية : اعلم أن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة الأعراف وهو قوله : {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَـاذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِى ئَـاتِكُم سَنَزِيدُ} (الأعراف : 161 ، 162) واعلم أن من الناس من يحتج بقوله تعالى : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } على أن ما ورد به التوقيف من الأذكار أنه غير جائز تغييرها ولا تبديلها بغيرها ، وربما احتج أصحاب الشافعي رضي الله عنه في أنه لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح ولا تجوز القراءة بالفارسية وأجاب أبو بكر الرازي بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول ، فلا جرم استوجبوا الذم ، فأما من غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك والجواب أن ظاهر قوله : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} يتناول كل من بدل قولاً بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أو لم يتفقا ، وههنا سؤالات :
(1/447)

السؤال الأول : لم قال في سورة البقرة : {وَإِذْ قُلْنَا} وقال في الأعراف : {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} الجواب أن الله تعالى صرح في أول القرآن بأن قائل هذا القول هو الله تعالى إزالة للإبهام ولأنه ذكر في أول الكلام : {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} (البقرة : 40) ثم أخذ يعدد (نعمه) نعمة نعمة فاللائق بهذا المقام أن يقول : {وَإِذْ قُلْنَا} أما في سورة الأعراف فلا يبقى في قوله تعالى : {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} إبهام بعد تقديم التصريح به في سورة البقرة.
السؤال الثاني : لم قال في البقرة : {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا } وفي الأعراف : {اسْكُنُوا } ؟
الجواب : الدخول مقدم على السكون ولا بد منهما فلا جرم ذكر الدخول في السورة المتقدمة والسكون في السورة المتأخرة.
السؤال الثالث : لم قال في البقرة : {فَكُلُوا } بالفاء وفي الأعراف : {وَكُلُوا } بالواو ؟
والجواب ههنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة : {وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا} وفي الأعراف : {فَكُلا} .
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
السؤال الرابع : لم قال في البقرة : {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـايَـاكُمْ } وفي الأعراف : {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِى ئَـاتِكُمْ } ، الجواب : الخطايا جمع الكثرة والخطيئات جمع السلامة فهو للقلة ، وفي سورة البقرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه فقال : {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَـاذِهِ الْقَرْيَةَ} لا جرم قرن به ما يليق جوده وكرمه وهو غفران الذنوب الكثيرة ، فذكر بلفظ الجمع الدال على الكثرة ، وفي الأعراف / لما لم يضف ذلك إلى نفسه بل قال : {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة ، فالحاصل أنه لما ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثيرة (ة) وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم يذكر اللفظ الدال على الكثرة.
السؤال الخامس : لم ذكر قوله : {رَغَدًا} في البقرة وحذفه في الأعراف ؟
الجواب عن هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغداً ، وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه.
السؤال السادس : لم ذكر في البقرة : {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} وفي الأعراف قدم المؤخر ؟
الجواب : الواو للجمع المطلق وأيضاً فالمخاطبون بقوله : {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} ، يحتمل أن يقال : إن بعضهم كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين ، فالمذنب لا بد أن يكون اشتغاله بحط الذنوب مقدماً على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة ، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا أولاً "حطة" ثم يدخلوا الباب سجداً ، وأما الذي لا يكون مذنباً فالأولى به أن يشتغل أولاً بالعبادة ثم يذكر التوبة ، ثانياً : على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجداً أولاً ثم يقولوا حطة ثانياً ، فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى.
السؤال السابع : لم قال : {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} في البقرة مع الواو وفي الأعراف : {سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} من غير الواو ؟
الجواب : أما في الأعراف فذكر فيه أمرين : أحدهما : قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة ، وثانيها : دخول الباب سجداً وهو إشارة إلى العبادة ، ثم ذكر جزأين : أحدهما : قوله تعالى : {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـايَـاكُمْ } وهو واقع في مقابلة قول الحطة. والآخر : قوله : {سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} وهو واقع في مقابلة دخول الباب سجداً فترك الواو يفيد توزع كل واحد من الجزأين على كل واحد من الشرطين. وأما في سورة البقرة فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحداً لمجموع الفعلين أعني دخول الباب وقول الحطة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
(1/448)

السؤال الثامن : قال الله تعالى في سورة البقرة : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا} وفي الأعراف : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلا} فما الفائدة في زيادة كلمة "منهم" في الأعراف ؟
الجواب : سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف أن أول القصة ههنا مبني على التخصيص بلفظ "من" لأنه تعالى قال : {وَمِن قَوْمِ مُوسَى ا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يَعْدِلُونَ} (الأعراف : 159) فذكر أن منهم من يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم ، فلما انتهت القصة قال الله تعالى : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} فذكر لفظة : {مِنْهُم} في آخر القصة كما ذكرها في أول القصة ليكون آخر الكلام مطابقاً لأوله فيكون الظالمون من قوم موسى بإزاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة ، وههنا ذكر أمة جابرة وكلتاهما من قوم / موسى فهذا هو السبب في ذكر هذه الكلمة في سورة الأعراف ، وأما في سورة البقرة فإنه لم يذكر في الآيات التي قبل قوله : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص فظهر الفرق.
السؤال التاسع : لم قال في البقرة : {فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا} وقال في الأعراف : {فَأَرْسَلْنَآ} الجواب : الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصاله لهم بالكلية ، وذلك إنما يحدث بالآخرة.
السؤال العاشر : لم قال في البقرة : {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} وفي الأعراف : {بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} ، الجواب : أنه تعالى لما بين في سورة البقرة كون ذلك الظلم فسقاً اكتفى بلفظ الظلم في سورة الأعراف لأجل ما تقدم من البيان في سورة البقرة والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
0
قراءة العامة اثنتا عشرة بسكون الشين على التخفيف وقراءة أبي جعفر بكسر الشين ، وعن بعضهم بفتح الشين ، والوجه هو الأول لأنه أخف وعليه أكثر القراء ، واعلم أن هذا هو الإنعام التاسع من الإنعامات المعدودة على بني إسرائيل ، وهو جامع لنعم الدنيا والدين ، أما في الدنيا فلأنه تعالى أزال عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا في التيه ، كما لولا إنزاله المن والسلوى لهلكوا ، فقد قال تعالى : {وَمَا جَعَلْنَـاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} (الأنبياء : 8) وقال : {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ } (الأنبياء : 30) بل الإنعام بالماء في التيه أعظم من الإنعام بالماء المعتاد لأن الإنسان إذا اشتدت حاجته إلى الماء في المفازة وقد انسدت عليه أبواب الرجاء لكونه في مكان لا ماء فيه ولا نبات ، فإذا رزقه الله الماء من حجر ضرب بالعصا فانشق واستقى منه علم أن هذه النعمة لا يكاد يعدلها شيء من النعم ، وأما كونه من نعم الدين فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع وقدرته وعلمه ومن أصدق الدلائل على صدق موسى عليه السلام ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : جمهور المفسرين أجمعوا على أن هذا الاستسقاء كان في التيه ، لأن الله تعالى لما ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل ثيابهم بحيث لا تبلى ولا تتسخ خافوا / العطش فأعطاهم الله الماء من ذلك الحجر ، وأنكر أبو مسلم حمل هذه المعجزة على أيام مسيرهم إلى التيه فقال : بل هو كلام مفرد بذاته ، ومعنى الاستسقاء طلب السقيا من المطر على عادة الناس إذا أقحطوا ويكون ما فعله الله من تفجير الحجر بالماء فوق الإجابة بالسقيا وإنزال الغيث والحق أنه ليس في الآية ما يدل على أن الحق هذا أو ذاك وإن كان الأقرب أن ذلك وقع في التيه ، ويدل عليه وجهان. أحدهما : أن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب الماء إلا في النادر ، الثاني : ما روي أنهم كانوا يحملون الحجر مع أنفسهم لأنه صار معداً لذلك فكما كان المن والسلوى ينزلان عليهم في كل غداة فكذلك الماء ينفجر لهم في كل وقت وذلك لا يليق إلا بأيامهم في التيه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
المسألة الثانية : اختلفوا في العصا ، فقال الحسن : كانت عصا أخذها من بعض الأشجار ، وقيل كانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة والذي يدل عليه القرآن أن مقدارها كان مقداراً يصح أن يتوكأ عليها وأن تنقلب حية عظيمة ولا تكون كذلك إلا ولها قدر من الطول والغلظ وما زاد على ذلك فلا دلالة عليه.
واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفي فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولى تركها.
(1/449)

المسألة الثالثة : اللام في "الحجر" إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم ، فروي أنه حجر طوري حمله معه وكان مربعاً له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك السبط ، وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً ، وقيل اهبط مع آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا ، وقيل : هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة ففر به ، فقال له جبريل : يقول الله تعالى : ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة ، فحمله في مخلاته/ وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر ، وعن الحسن : لم يأمروه أن يضرب حجراً بعينه. قال : وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة ، وروي أنهم قالوا : كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة فحمل حجراً في مخلاته فحينما نزلوا ألقاه وقيل : كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس ، فقالوا : إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً. فأوحى الله إليه لا تقرع الحجارة ، وكلمها تطعك ، واختلفوا في صفة الحجر فقيل : كان من رخام وكان ذراعاً في ذراع ، وقيل : مثل رأس الإنسان. والمختار عندنا تفويض علمه إلى الله تعالى.
المسألة الرابعة ؛ الفاء في قوله : {فَانفَجَرَتْ} متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أو فإن ضربت فقد انفجرت. بقي هنا سؤالات :
السؤال الأول : هل يجوز أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر فينفجر من غير ضرب حتى يستغني عن تقدير هذا المحذوف ؟
الجواب : لا يمتنع في القدرة أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر ومن قبل أن يضرب ينفجر على قدر الحاجة لأن ذلك لو قيل إنه أبلغ في / قيل : إنه أبلغ في الإعجاز لكان أقرب ، لكن الصحيح أنه ضرب فانفجرت لأنه تعالى لو أمر رسوله بشيء ، ثم إن الرسول لا يفعله لصار الرسول عاصياً ، ولأنه إذا انفجر من غير ضرب صار الأمر بالضرب بالعصا عبثاً ، كأنه لا معنى له ولأن المروي في الأخبار أن تقديره : فضرب فانفجرت كما في قوله تعالى : {فَانفَلَقَ} (الشعراء : 63) من أن المراد فضرب فانفلق.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
السؤال الثاني : أنه تعالى ذكر ههنا : {فَانفَجَرَتْ} وفي الأعراف : {فَانابَجَسَتْ} (الأعراف : 16) وبينهما تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة والانبجاس خروجه قليلاً. الجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : الفجر الشق في الأصل ، والانفجار الانشقاق ، ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بخروجه إلى الفسق ، والانبجاس اسم للشق الضيق القليل ، فهما مختلفان اختلاف العام والخاص ، فلا يتناقضان ، وثانيها : لعله انبجس أولاً ، ثم انفجر ثانياً ، وكذا العيون : يظهر الماء منها قليلاً ثم يكثر لدوام خروجه. وثالثها : لا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر ، أي يخرج الماء كثيراً ثم كانت تقل فكان الماء ينبجس أي يخرج قليلاً.
السؤال الثالث : كيف يعقل خروج المياه العظيمة من الحجر الصغير ؟
الجواب : هذا السائل إما أن يسلم وجود الفاعل المختار أو ينكره ، فإن سلم فقد زال السؤال ، لأنه قادر على أن يخلق الجسم كيف شاء كما خلق البحار وغيرها ، وإن نازع فلا فائدة له في البحث عن معنى القرآن والنظر في تفسيره ، وهذا هو الجواب عن كل ما يستبعدونه من المعجزات التي حكاها الله تعالى في القرآن من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وأيضاً فالفلاسفة لا يمكنهم القطع بفساد ذلك لأن العناصر الأربعة لها هيولى مشتركة عندهم ، وقالوا : إنه يصح الكون والفساد عليها ، وإنه يصح انقلاب الهواء ماء وبالعكس وكذلك قالوا : (الهواء) إذا وضع في الكوز الفضة جمد فإنه يجتمع على أطراف الكوز قطرات الماء ، فقالوا : تلك القطرات إنما حصلت لأن الهواء انقلب ماء فثبت أن ذلك ممكن في الجملة والحوادث السفلية مطيعة للاتصالات الفلكية ، فلم يكن مستبعداً أن يحدث اتصال فلكي يقتضي وقوع هذا الأمر الغريب في هذا العالم. فثبت أن الفلاسفة لا يمكنهم الجزم بفساد ذلك.
أما المعتزلة فإنهم لما اعتقدوا كون العبد موجداً لأفعاله لا جرم قلنا لهم : لم لا يجوز أن يقدر العبد على خلق الجسم ؟
فذكروا في ذلك طريقين ضعيفين جداً سنذكرهما إن شاء الله تعالى في تفسير آية السحر ، ونذكر وجه ضعفهما وسقوطهما. وإذا كان كذلك فلا يمكنهم القطع بأن ذلك من فعل الله تعالى فتنسد عليهم أبواب المعجزات والنبوات ، أما أصحابنا فإنهم لما اعتقدوا أنه لا موجد إلا الله تعالى لا جرم جزموا أن المحدث لهذه الأفعال الخارقة للعادات هو الله تعالى/ فلا جرم أمكنهم الاستدلال بظهورها على يد المدعي على كونه صادقاً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
(1/450)

السؤال الرابع : أتقولون إن ذلك الماء كان مستكناً في الحجر ثم ظهر أو قلب الله الهواء ماء أو خلق الماء ابتداء ؟
والجواب : أما الأول فباطل لأن الظرف الصغير لا يحوي الجسم العظيم / إلا على سبيل التداخل وهو محال. أما الوجهان الأخيران فكل واحد منهما محتمل ، فإن كان على الوجه الأول فقد أزال الله تعالى اليبوسة عن أجزاء الهواء وخلق الرطوبة فيها وإن كان على الوجه الثاني فقد خلق تلك الأجزاء وخلق الرطوبة فيها. واعلم أن الكلام في هذا الباب كالكلام فيما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بعض الغزوات وقد ضاق بهم الماء فوضع يده في متوضئه ففار الماء من بين أصابعه حتى استكفوا.
السؤال الخامس : معجزة موسى في هذا المعنى أعظم أم معجزة محمد عليه السلام ؟
الجواب : كل واحدة منهما معجزة باهرة قاهرة ، لكن التي لمحمد صلى الله عليه وسلّم أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة ، أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد ألبتة فكان ذلك أقوى.
السؤال السادس : ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عيناً ؟
والجواب : أنه كان في قوم موسى كثرة والكثير من الناس إذا اشتدت بهم الحاجة إلى الماء ثم وجدوه فإنه يقع بينهم تشاجر وتنازع وربما أفضى ذلك إلى الفتن العظيمة فأكمل الله تعالى هذه النعمة بأن عين لكل سبط منهم ماء معيناً لا يختلط بغيره والعادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين.
السؤال السابع : من كم وجه يدل هذا الانفجار على الإعجاز ؟
والجواب : من وجوه : أحدها : أن نفس ظهور الماء معجز ، وثانيها : خروج الماء العظيم من الحجر الصغير ، وثالثها : خروج الماء بقدر حاجتهم ، ورابعها : خروج الماء عند ضرب الحجر بالعصا ، وخامسها : انقطاع الماء عند الاستغناء عنه ، فهذه الوجوه الخمسة لا يمكن تحصيلها إلا بقدرة تامة نافذة في كل الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات وحكمة عالية على الدهر والزمان ، وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى.
أما قوله تعالى : {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ } فنقول : إنما علموا ذلك لأنه أمر كل إنسان أن لايشرب إلا من جدول معين كيلا يختلفوا عند الحاجة إلى الماء ، وأما إضافة المشرب إليهم فلأنه تعالى لما أباح لكل سبط من الأسباط ذلك الماء الذي ظهر من ذلك الشق الذي يليه صار ذلك كالملك لهم وجازت إضافته إليهم.
أما قوله تعالى : {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ} ففيه حذف ، والمعنى : فقلنا لهم أو قال لهم موسى : كلوا واشربوا ، وإنما قال : كلوا لوجهين ، أحدهما : لما تقدم من ذكر المن والسلوى ، فكأنه قال : كلوا من المن والسلوى الذي رزقكم الله بلا تعب ولا نصب واشربوا من هذا الماء. والثاني : أن الأغذية لا تكون إلا بالماء ، فلما أعطاهم الماء فكأنه تعالى أعطاهم المأكول والمشروب. واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال ، قالوا : لأن أقل درجات قوله : {كُلُوا وَاشْرَبُوا } الإباحة ، وهذا يقتضي كون الرزق مباحاً ، فلو وجد رزق حرام لكان ذلك الرزق مباحاً وحراماً وإنه / غير جائز.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
أما قوله تعالى : {وَلا تَعْثَوْا فِى الارْضِ مُفْسِدِينَ} فالعثي أشد الفساد ، فقيل لهم : لا تتمادوا في الفساد في حالة إفسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه ، والمقصود منه ما جرت العادة بين الناس من التشاجر والتنازع في الماء عند اشتداد الحاجة إليه ، فكأنه تعالى قال : إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في التنازع والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
0
اعلم أن القراءة المعروفة يخرج لنا بضم الياء وكسر الراء ، تنبت بضم التاء وكسر التاء ، وقرأ زيد بن علي بفتح الياء وضم الراء ، تنبت بفتح التاء وضم الباء ، ثم اعلم أن أكثر الظاهريين من المفسرين زعموا أن ذلك السؤال كان معصية ، وعندنا أنه ليس الأمر كذلك ، والدليل عليه أن قوله تعالى : {كُلُوا وَاشْرَبُوا } من قبل هذه الآية عند إنزال المن والسلوى ليس بإيجاب بل هو إباحة ، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم : {لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ} معصية لأن من أبيح له ضرب من الطعام يحسن منه أن يسأل غير ذلك إما بنفسه أو على لسان الرسول ، فلما كان عندهم أنهم إذا سألوا موسى أن يسأل ذلك من ربه كان الدعاء أقرب إلى الإجابة جاز لهم ذلك ولم يكن فيه معصية.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
(1/451)

واعلم أن سؤال النوع الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض : الأول : أنهم لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره ، الثاني : لعلهم في أصل الخلقة ما تعودوا ذلك النوع وإنما تعودوا سائر الأنواع ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان / خسيساً فوق رغبته فيما لم يعتده وإن كان شريفاً. الثالث : لعلهم ملوا من البقاء في التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس تلك الأطعمة. الرابع : أن المواظبة على الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الالتذاذ ، فثبت أن تبديل النوع بالنوع يصلح أن يكون مقصود العقلاء ، وثبت أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه ، فثبت أن هذا القدر لا يجوز أن يكون معصية ، ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى : {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ } كالإجابة لما طلبوا ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية وهي غير جائزة على الأنبياء ، لا يقال : إنهم لما أبوا شيئاً اختاره الله لهم أعطاهم عاجل ما سألوه كما قال : {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِه مِنْهَا} (الشورى : 20) لأنا نقول هذا خلاف الظاهر ، واحتجوا على أن ذلك السؤال كان معصية بوجوه. الأول : أن قولهم : {لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} دلالة على أنهم كرهوا إنزال المن والسلوى وتلك الكراهة معصية ، الثاني : أن قول موسى عليه السلام : {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ } استفهام على سبيل الإنكار ، وذلك يدل على كونه معصية. الثالث : أن موسى عليه السلام وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير وذلك يدل على ما قلناه ، والجواب عن الأول : أنه ليس تحت قولهم : {لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} دلالة على أنهم ما كانوا راضين به فقط ، بل اشتهوا شيئاً آخر ، ولأن قولهم : {لَن نَّصْبِرَ} إشارة إلى المستقبل لأن كلمة لن للنفي في المستقبل فلا يدل على أنهم سخطوا الواقع/ وعن الثاني : أن الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا وقد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الآخرة ، وعن الثالث : بقريب من ذلك ، فإن الشيء قد يوصف بأنه خير من حيث كان الانتفاع به حاضراً متيقناً ومن حيث إنه يحصل عفواً بلا كد كما يقال ذلك في الحاضر ، فقد يقال في الغائب المشكوك فيه : إنه أدنى من حيث لا يتيقن ومن حيث لا يوصل إليه إلا بالكد ، فلا يمتنع أن يكون مراده : {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ } هذا المعنى أو بعضه فثبت بما ذكرنا أن ذلك السؤال ما كان معصية بل كان سؤالاً مباحاً ، وإذا كان كذلك فقوله تعالى : {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّه } ، لا يجوز أن يكون لما تقدم بل لما ذكره الله تعالى بعد ذلك وهو قوله تعالى : {ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِاَايَـاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّانَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} فبين أنه إنما ضرب الذلة والمسكنة عليهم وجعلهم محل الغضب والعقاب من حيث كانوا يكفرون لا لأنهم سألوا ذلك.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
المسألة الثانية : قوله تعالى : {لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} ليس المراد أنه واحد في النوع بل أنه واحد في النهج وهو كما يقال : إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغير عن نهجه.
المسألة الثالثة : القراءة المعروفة : {وَقِثَّآئِهَا} بكسر القاف ، وقرأ الأعمش وطلحة وقثائها بضم القاف والقراءة المعروفة : {وَفُومِهَا} بالفاء وعن علقمة عن ابن مسعود وثومها وهي قراءة / ابن عباس قالوا : وهذا أوفق لذكر البصل واختلفوا في الفوم فعن ابن عباس أنه الحنطة ، وعنه أيضاً أن الفوم هو الخبز وهو أيضاً المروي عن مجاهد وعطاء وابن زيد وحكي عن بعض العرب : فوموا لنا أي اخبزوا لنا وقيل هو الثوم وهو مروي أيضاً عن ابن عباس ومجاهد واختيار الكسائي واحتجوا عليه بوجوه. الأول : أنه في حرف عبد الله بن مسعود وثومها. الثاني : أن المراد لو كان هو الحنطة لما جاز أن يقال : {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ } لأن الحنطة أشرف الأطعمة. الثالث : أن الثوم أوفق للعدس والبصل من الحنطة.
(1/452)

المسألة الرابعة : القراءة المعروفة : {أَتَسْتَبْدِلُونَ} وفي حرف أبي بن كعب : (أتبدلون) بإسكان الباء وعن زهير الفرقبي : (أدنأ) بالهمزة من الدناءة. واختلفوا في المراد بالأدنى وضبط القول فيه أن المراد إما أن يكون أدنى في المصلحة في الدين أو في المنفعة في الدنيا ، والأول غير مراد لأن الذي كانوا عليه لو كان أنفع في باب الدين من الذي طلبوه لما جاز أن يجيبهم إليه ، لكنه قد أجابهم إليه بقوله : {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ } ، فبقي أن يكون المراد منه المنفعة في الدنيا ثم لا يجوز أن يكون المراد أن هذا النوع الذي أنتم عليه أفضل من الذي تطلبونه لما بينا أن الطعام الذي يكون ألذ الأطعمة عند قوم قد يكون أخسها عند آخرين ، بل المراد ما بينا أن المن والسلوى متيقن الحصول وما يطلبونه مشكوك الحصول والمتيقين خير من المشكوك أو لأن هذا يحصل من غير كد ولا تعب ، وذلك لا يحصل إلا مع الكد والتعب ، فيكون الأول أولى. فإن قيل : كان لهم أن يقولوا هذا الذي يحصل عفواً صفواً لما كرهناه بطباعنا كان تناوله أشق من الذي لا يحصل إلا مع الكد إذا اشتهته طباعنا. قلنا : هب أنه وقع التعارض من هذه الجهة لكنه وقع الترجيح بما أن الحاضر المتيقن راجع على الغائب المشكوك.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
المسألة الخامسة : القراءة المعروفة : {اهْبِطُوا } بكسر الباء وقرىء بضم الباء ، القراءة المشهورة : {مِصْرًا} بالتنوين وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث لسكون وسطه كقوله : {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُا وَمِن ذُرِّيَّتِه دَاوُادَ وَسُلَيْمَـانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَـارُونَا وَكَذَالِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَا كُلٌّ مِّنَ الصَّـالِحِينَ * وَإِسْمَـاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى} (الأنعام : 86 ، 84) وفيهما العجمة والتعريف وإن أريد به البلد ، فما فيه إلا سبب واحد ، وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش : {اهْبِطُوا مِصْرًا} بغير تنوين كقوله : {ادْخُلُوا مِصْرَ} واختلف المفسرون في قوله : {اهْبِطُوا مِصْرًا} روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب ترك التنوين ، وقال الحسن : الألف في مصراً زيادة من الكاتب فحينئذ تكون معرفة فيجب أن تحمل على ما هو المختص بهذا الاسم وهو البلد الذي كان فيه فرعون وهو مروي عن أبي العالية والربيع ، وأما الذين قرؤوا بالتنوين وهي القراءة المشهورة فقد اختلفوا ، فمنهم من قال : المراد البلد الذي كان فيه فرعون ودخول التنوين فيه كدخوله في نوح ولوط ، وقال آخرون : المراد الأمر بدخول أي بلد كان كأنه قيل لهم ادخلوا بلداً أي بلد كان لتجدوا فيه هذه الأشياء ، وبالجملة فالمفسرون قد اختلفوا في أن المراد من مصر هو البلد الذي كانوا فيه أولاً أو بلد آخر ، فقال كثير من المفسرين : لا يجوز / أن يكون هو البلد الذي كانوا فيه مع فرعون واحتجوا عليه بقوله تعالى : {ادْخُلُوا الارْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى ا أَدْبَارِكُمْ} (المائدة : 21) والاستدلال بهذه الآية من ثلاثة أوجه. الأول : أن قوله تعالى : {ادْخُلُوا الارْضَ الْمُقَدَّسَةَ} إيجاب لدخول تلك الأرض ، وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى. والثاني : أن قوله : {كَتَبَ اللَّهُ} يقتضي دوام كونهم فيه. والثالث : أن قوله : {وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى ا أَدْبَارِكُمْ} صريح في المنع من الرجوع عن بيت المقدس. الرابع : أنه تعالى بعد أن أمر بدخول الأرض المقدسة قال :
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
(1/453)

{فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ سَنَةًا يَتِيهُونَ فِى الارْضِ } فإذا تقدم هذا الأمر ثم بين تعالى أنهم ممنوعون من دخولها هذه المدة فعند زوال العذر وجب أن يلزمهم دخولها ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من مصر سواها. فإن قيل : هذه الوجوه ضعيفة. أما الأول : فلأن قوله : {ادْخُلُوا الارْضَ الْمُقَدَّسَةَ} أمر والأمر للندب فلعلهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة مع أنهم ما منعوا من دخول مصر ، أما الثاني : فهو كقوله : {كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } فذلك يدل على دوام تلك الندبية. وأما الثالث : وهو قوله تعالى : {وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى ا أَدْبَارِكُمْ} فلا نسلم أن معناه ولا ترجعوا إلى مصر بل فيه وجهان آخران. الأول : المراد لا تعصوا فيما أمرتم به إذ العرب تقول لمن عصى فيما يؤمر به : ارتد على عقبه. والمراد من هذا العصيان أن ينكر أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى. الثاني : أن يخصص ذلك النهي بوقت معين فقط. قلنا : ثبت في أصول الفقه أن ظاهر الأمر للوجوب فيتم دليلنا بناء على هذا الأصل ، وأيضاً فهب أنه للندب ولكن الإذن في تركه يكون إذناً في ترك المندوب ، وذلك لا يليق بالأنبياء. قوله : لا نسلم أن المراد من قوله : {وَلا تَرْتَدُّوا } لا ترجعوا. قلنا : الدليل عليه أنه لما أمر بدخول الأرض المقدسة ، ثم قال بعده : {وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى ا أَدْبَارِكُمْ} تبادر إلى الفهم أن هذا النهي يرجع إلى ما تعلق به ذلك الأمر. قوله : أن يخصص ذلك النهي بوقت معين ، قلنا : التخصيص خلاف الظاهر ، أما أبو مسلم الأصفهاني فإنه جوز أن يكون المراد مصر فرعون واحتج عليه بوجهين. الأول : أنا إن قرأنا : {اهْبِطُوا مِصْرًا} بغير تنوين كان لا محالة علماً لبلد معين وليس في العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سوى هذه البلدة المعينة فوجب حمل اللفظ عليه ولأن اللفظ إذا دار بين كونه علماً وبين كونه صفة فحمله على العلم أولى من حمله على الصفة مثل ظالم وحادث/ فإنهما لما جاءا علمين كان حملهما على العلمية أولى. أما إن قرأناه بالتنوين فإما أن نجعله مع ذلك اسم علم ونقول : إنه إنما دخل فيه التنوين لسكون وسطه كما في نوح ولوط فيكون التقرير أيضاً ما تقدم بعينه ، وأما إن جعلناه اسم جنس فقوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
{اهْبِطُوا مِصْرًا} يقتضي التخيير كما إذ قال : أعتق رقبة فإنه يقتضي التخيير بين جميع رقاب الدنيا. الوجه الثاني : أن الله تعالى ورث بني إسرائيل أرض مصر وإذا كانت موروثة لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها بيان أنها موروثة لهم ، قوله تعالى : {فَأَخْرَجْنَـاهُم مِّن جَنَّـاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} إلى قوله : {كَذَالِكَ وَأَوْرَثْنَـاهَا بَنِى إسرائيل } (الشعراء : 57 ـ 59) ولما ثبت أنها موروثة لهم وجب أن لا يكونوا ممنوعين من دخولها / لأن الإرث يفيد الملك والملك مطلق للتصرف. فإن قيل : الرجل قد يكون مالكاً للدار وإن كان ممنوعاً عن دخولها بوجه آخر ، كحال من أوجب على نفسه اعتكاف أيام في المسجد ، فإن داره وإن كانت مملوكة له لكنه يحرم عليه دخولها ، فلم لا يجوز أن يقال : إن الله ورثهم مصر بمعنى الولاية والتصرف فيها ، ثم إنه تعالى حرم عليهم دخولها من حيث أوجب عليهم أن يسكنوا الأرض المقدسة بقوله : {ادْخُلُوا الارْضَ الْمُقَدَّسَةَ} قلنا الأصل أن الملك مطلق للتصرف والمنع من التصرف خلاف الدليل ، أجاب الفريق الأول عن هاتين الحجتين اللتين ذكرهما أبو مسلم فقالوا : أما الوجه الأول فالجواب عنه أنا نتمسك بالقراءة المشهورة وهي التي فيها التنوين. قوله : هذه القراءة تقتضي التخيير ، قلنا : نعم لكنا نخصص العموم في حق هذه البلدة المعينة بما ذكرناه من الدليل.
أما الوجه الثاني : فالجواب عنه أنا لا ننازع في أن الملك مطلق للتصرف ولكن قد يترك هذا الأصل لعارض كالمرهون والمستأجر ، فنحن تركنا هذا الأصل لما قدمناه من الدلالة.
أما قوله تعالى : {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} فالمعنى جعلت الذلة محيطة بهم حتى مشتملة عليهم فهم فيها كمن يكون في القبة المضروبة أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازم كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه والأقرب في الذلة أن يكون المراد منها ما يجري مجرى الاستحقاق كقوله تعالى فيمن يحارب ويفسد : {ذَالِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا } فأما من يقول المراد به الجزية خاصة على ما قال تعالى : {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـاغِرُونَ} (التوبة : 29) فقوله بعيد لأن الجزية ما كانت مضروبة عليهم من أول الأمر.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
أما قوله تعالى : {وَالْمَسْكَنَةُ} فالمراد به الفقر والفاقة وتشديد المحنة ، فهذا الجنس يجوز أن يكون كالعقوبة ، ومن العلماء من عد هذا من باب المعجزات لأنه عليه السلام أخبر عن ضرب الذلة والمسكنة عليهم ووقع الأمر كذلك فكان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً.
(1/454)

أما قوله تعالى : {وَبَآءُو} ففيه وجوه. أحدها : البوء الرجوع ، فقوله : أي رجعوا وانصرفوا بذلك ولا يقال باء إلا بشر. وثانيها : البوء التسوية. فقوله : أي استوى عليهم غضب الله. قال الزجاج. وثالثها : باؤ أي استحقوا ، ومنه قوله تعالى : {الْعَـالَمِينَ * إِنِّى أُرِيدُ أَن تَبُواأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ} (المائدة : 29) أي تستحق الإثمين جميعاً. وأما غضب الله فهو إرادة الانتقام.
أما قوله تعالى : {ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِاَايَـاتِ اللَّهِ} فهو علة لما تقدم ذكره من ضرب الذلة والمسكنة عليهم وإلحاق الغضب بهم. قالت المعتزلة : لو كان الكفر حصل فيهم بخلق الله تعالى كما حصلت الذلة والمسكنة فيهم بخلقه لما كان جعل أحدهما جزاء الثاني أولى من العكس ، وجوابه المعارضة بالعلم والداعي/ وأما حقيقة الكفر فقد تقدم القول فيها.
أما قوله تعالى : {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّانَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} فالمعنى أنهم يستحقون ما تقدم لأجل هذه الأفعال أيضاً وفيه سؤالات.
/ السؤال الأول : أن قوله تعالى : {يَكْفُرُونَ} دخل تحته قتل الأنبياء فلم أعاد ذكره مرة أخرى ؟
الجواب : المذكور ههنا الكفر بآيات الله ، وذلك هو الجهل والجحد بآياته فلا يدخل تحته قتل الأنبياء.
السؤال الثاني : لم قال : {بِغَيْرِ الْحَقِّ} وقتل الأنبياء لا يكون إلا على هذا الوجه ؟
الجواب من وجهين : الأول : أن الإتيان بالباطل قد يكون حقاً لأن الآتي به اعتقده حقاً لشبهة وقعت في قلبه وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلاً ، ولا شك أن الثاني أقبح فقوله : {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّانَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي أنهم قتلوهم من غير أن كان ذلك القتل حقاً في اعتقادهم وخيالهم بل كانوا عالمين بقبحه ومع ذلك فقد فعلوه. وثانيها : أن هذا التكرير لأجل التأكيد كقوله تعالى : {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهًا ءَاخَرَ لا بُرْهَـانَ لَه بِه } (المؤمنون : 117) ويستحيل أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان. وثالثها : أن الله تعالى لو ذمهم على مجرد القتل لقالوا : أليس أن الله يقتلهم ولكنه تعالى قال : القتل الصادر من الله قتل بحق ومن غير الله قتل بغير حق.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
وأما قوله تعالى : {ذَالِكَ بِمَا عَصَوا } فهو تأكيد بتكرير الشيء بغير اللفظ الأول وهو بمنزلة أن يقول الرجل لعبده وقد احتمل منه ذنوباً سلفت منه فعاقبه عند آخرها : هذا بما عصيتني وخالفت أمري ، هذا بما تجرأت علي واغتررت بحلمي ، هذا بكذا فيعد عليه ذنوبه بألفاظ مختلفة تبكيتاً. أما قوله تعالى : {وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ} فالمراد منه الظلم : أي تجاوزوا الحق إلى الباطل. واعلم أنه تعالى لما ذكر إنزال العقوبة بهم بين علة ذلك فبدأ أولاً بما فعلوه في حق الله تعالى وهو جهلهم به وجحدهم لنعمه ثم ثناه بما يتلوه في العظم وهو قتل الأنبياء ثم ثلثه بما يكون منهم من المعاصي التي تخصهم ثم ربع بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير مثل الاعتداء والظلم ، وذلك في نهاية حسن الترتيب. فإن قيل : قال ههنا : {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّانَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} ذكر الحق بالألف واللام معرفة ، وقال في آل عمران : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاَايَـاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّانَ بِغَيْرِ حَقٍّ} (آل عمران : 21) نكرة ، وكذلك في هذه السورة : {وَيَقْتُلُونَ الانابِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّا ذَالِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * لَيْسُوا سَوَآءً } (آل عمران : 112 ، 113) فما الفرق ؟
الجواب : الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل ، قال عليه السلام ، لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى معانٍ ثلاث ، "كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق" ، فالحق المذكور بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 522
535
(1/455)

اعلم أن القراءة المشهورة : {هَادُوا } بضم الدال وعن الضحاك ومجاهد بفتح الدال وإسكان الواو والقراءة المعروفة الصابئين والصابئون بالهمزة فيهما حيث كانا وعن نافع وشيبة والزهري والصابين بياء ساكنة من غير همز ، والصابون بباء مضمومة وحذف الهمزة ، وعن العمري يجعل الهمزة فيهما ، وعن أبي جعفر بياءين خالصتين فهما بدل الهمزة ، فأما ترك الهمزة فيحتمل وجهين. أحدهما : أن يكون من صبا يصبو إذا مال إلى الشيء فأحبه ، والآخر : قلب الهمزة فنقول : الصابيين والصابيون والاختيار الهمز لأنه قراءة الأكثر وإلى معنى التفسير أقرب لأن أهل العلم قالوا : هو الخارج من دين إلى دين ، واعلم أن عادة الله إذا ذكر وعداً أو وعيداً عقبه بما يضاده ليكون الكلام تاماً فههنا لما ذكر حكم الكفرة من أهل الكتاب وما حل بهم من العقوبة أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم والثواب الكريم دالاً على أنه سبحانه وتعالى يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته كما قال : {لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَـا ـاُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} (النجم : 31) فقال : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا } واختلف المفسرون في المراد منه ، وسبب هذا الاختلاف قوله تعالى في آخر الآية : {مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ} فإن ذلك يقتضي أن يكون المراد من الإيمان في قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا } غير المراد منه في قوله تعالى : {مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ} ونظيره في الإشكال قوله تعالى : {خَبِيرًا * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا } (النساء : 136) فلأجل هذا الإشكال ذكروا وجوهاً ، أحدها : وهو قول ابن عباس. المراد الذين آمنوا قبل مبعث محمد بعيسى عليهما السلام مع البراءة عن أباطيل اليهود والنصارى مثل قس بن ساعدة ، وبحيرى الراهب وحبيب النجار وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري ووفد النجاشي فكأنه تعالى قال : إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد والذين كانوا على الدين الباطل الذي لليهود والذين كانوا على الدين الباطل الذي للنصارى كل من آمن منهم بعد مبعث محمد عليه السلام بالله واليوم الآخر وبمحمد فلهم أجرهم عند ربهم ، وثانيها : أنه تعالى ذكر في أول هذه السورة طريقة المنافقين ثم طريقة اليهود ، فالمراد من قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا } هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب وهم المنافقون ، فذكر المنافقين ثم اليهود والنصارى والصابئين فكأنه تعالى قال : هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند الله وهو قول سفيان الثوري ، وثالثها : المراد من قوله : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا } هم المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام في الحقيقة وهو عائد إلى / الماضي ، ثم قوله تعالى : {مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ} يقتضي المستقبل فالمراد الذين آمنوا في الماضي وثبتوا على ذلك واستمروا عليه في المستقبل وهو قول المتكلمين.
جزء : 3 رقم الصفحة : 535
أما قوله تعالى : {وَالَّذِينَ هَادُوا } فقد اختلفوا في اشتقاقه على وجوه. أحدها : إنما سموا به حين تابوا من عبادة العجل وقالوا : {إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ } (الأعراف : 156) أي تبنا ورجعنا ، وهو عن ابن عباس. وثانيها : سموا به لأنهم نسبوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب وإنما قالت العرب بالدال للتعريب/ فإن العرب إذا نقلوا أسماء من العجمية إلى لغتهم غيروا بعض حروفها. وثالثها : قال أبو عمرو بن العلاء : سموا بذلك لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة ، وأما النصارى ففي اشتقاق هذا الاسم وجوه. أحدها : أن القرية التي كان ينزلها عيسى عليه السلام تسمى ناصرة فنسبوا إليها وهو قول ابن عباس وقتادة وابن جريج ، وثانيها : لتناصر هم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضاً. وثالثها : لأن عيسى عليه السلام قال للحواريين من أنصاري إلى الله ، قال صاحب الكشاف : النصارى جمع نصران يقال رجل نصران ، وامرأة نصرانة والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري لأنهم نصروا المسيح.
(1/456)

أما قوله تعالى : {وَالصَّـابِئِينَ} فهو من صبأ إذا خرج من دينه إلى دين آخر ، وكذلك كانت العرب يسمون النبي عليه السلام صابئاً لأنه أظهر ديناً بخلاف أديانهم وصبأت النجوم إذا أخرجت من مطلعها. وصبأنا به إذا خرجنا به ، وللمفسرين في تفسير مذهبهم أقوال ، أحدها : قال مجاهد والحسن : هم طائفة من المجوس واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ، وثانيها : قال قتاد : هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات. وقال أيضاً : الأديان خمسة منها للشيطان أربعة وواحد للرحمن : الصابئون وهم يعبدون الملائكة ، والمجوس وهم يعبدون النار ، والذين أشركوا يعبدون الأوثان ، واليهود والنصارى. وثالثها : وهو الأقرب أنهم قوم يعبدون الكواكب ، ثم لهم قولان. الأول : أن خالق العالم هو الله سبحانه ، إلا أنه سبحانه أمربتعظيم هذه الكواكب واتخاذه قبلة للصلاة والدعاء والتعظيم. والثاني : أن الله سبحانه خلق الأفلاك والكواكب ، ثم إن الكواكب هي المدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر والصحة والمرض ، والخالقة لها فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم ثم إنها تعبد الله سبحانه ، وهذا المذهب هو القول المنسوب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم عليه السلام راداً عليهم ومبطلاً لقولهم ، ثم إنه سبحانه بين في هذه الفرق الأربعة أنهم إذا آمنوا بالله فلهم الثواب في الآخرة ليعرف أن جميع أرباب الضلال إذا رجعوا عن ضلالهم وآمنوا بالدين الحق فإن الله سبحانه وتعالى يقبل إيمانهم وطاعتهم ولا يردهم عن حضرته ألبتة ، واعلم أنه قد دخل في الإيمان بالله الإيمان بما أوجبه ، أعني الإيمان برسله ودخل في الإيمان باليوم الآخر جميع أحكام الآخرة ، فهذان القولان قد جمعا كل ما يتصل بالأديان في حال التكليف وفي حال الآخرة من ثواب وعقاب.
جزء : 3 رقم الصفحة : 535
أما قوله تعالى : {عِندَ رَبِّهِمْ} فليس المراد العندية المكانية ، فإن ذلك محال في حق الله تعالى ولا / الحفظ كالودائع بل المراد أن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند ربهم.
وأما قوله تعالى : {وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} فقيل : أراد زوال الخوف والحزن عنهم في الدنيا ومنهم من قال في الآخرة في حال الثواب ، وهذا أصح لأن قوله : {وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} عام في النفي ، وكذلك : {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} وهذه الصفة لا تحصل في الدنيا وخصوصاً في المكلفين لأنهم في كل وقت لا ينفكون من خوف وحزن ، إما في أسباب الدنيا وإما في أمور الآخرة ، فكأنه سبحانه وعدهم في الآخرة بالأجر ، ثم بين أن من صفة ذلك الأجر أن يكون خالياً عن الخوف والحزن ، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائماً لأنهم لو جوزوا كونه منقطعاً لاعتراهم الحزن العظيم. فإن قال قائل : إن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة المائدة هكذا : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّـابِئُونَ وَالنَّصَـارَى مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ وَعَمِلَ صَـالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ} (المائدة : 69) وفي سورة الحج : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّـابِـاِينَ وَالنَّصَـارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِا إِنَّ اللَّهَ عَلَى } (الحج : 17) فهل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الصنوف وتأخيرها ورفع "الصابئين" في آية ونصبها في أخرى فائدة تقتضي ذلك ؟
والجواب : لما كان المتكلم أحكم الحاكمين فلا بد لهذه التغييرات من حكم وفوائد ، فإن أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال وإن عجزنا أحلنا القصور على عقولنا لا على كلام الحكيم والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 535
537
اعلم أن هذا هو الإنعام العاشر وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم فصار ذلك من إنعامه عليهم :
أما قوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـاقَكُمْ} ففيه بحثان :
(1/457)

الأول : اعلم أن الميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة ، والمفسرون ذكروا في تفسير الميثاق وجوهاً ، أحدها : ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته والدلائل الدالة على صدق أنبيائه ورسله ، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق / والعهود لأنها لا تحتمل الخلف والتبديل بوجه ألبتة وهو قول الأصم ، وثانيها : ما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح قال لهم : إن فيها كتاب الله فقالوا : لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول : هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم ثم قال لهم بعد ذلك : خذوا كتاب الله فأبوا فرفع فوقهم الطور وقيل لهم : خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم ، فأخذوه فرفع الطور هو الميثاق ، وذلك لأن رفع الطور آية باهرة عجيبة تبهر العقول وترد المكذب إلى التصديق والشاك إلى اليقين ، فلما رأوا ذلك وعرفوا أنه من قبله تعالى علماً لموسى عليه السلام علماً مضافاً إلى سائر الآيات أقروا له بالصدق فيما جاء به وأظهروا التوبة وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كان منهم من عبادة العجل وأن يقوموا بالتوراة فكان هذا عهداً موثقاً جعلوه لله على أنفسهم ، وهذا هو اختيار أبي مسلم. وثالثها : أن لله ميثاقين ، فالأول : حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم ، والثاني : أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء والمراد ههنا هو هذا العهد. هذا قول ابن عباس وهو ضعيف. الثاني : قال القفال رحمه الله : إنما قال : (ميثاقكم) ولم يقل مواثيقكم لوجهين ، أحدهما : أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال : {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا} (غافر : 67) أي كل واحد منكم. والثاني : أنه كان شيئاً واحداً أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقاً واحداً ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 537
وأما قوله تعالى : {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ} فنظيره قوله تعالى : {وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّه ظُلَّةٌ} (الأعراف : 171) وفيه أبحاث :
البحث الأول : الواو في قوله تعالى : {وَرَفَعْنَا} واو عطف على تفسير ابن عباس والمعنى أن أخذ الميثاق كان متقدماً فلما نقضوه بالامتناع عن قبول الكتاب رفع عليهم الجبل ، وأما على تفسير أبي مسلم فليست واو عطف ولكنها واو الحال كما يقال : فعلت ذلك والزمان زمان فكأنه قال : وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم. الثاني : قيل : إن الطور كل جبل قال العجاج :
داني جناحيه من الطور فمر
تقضي البازي إذا البازي كسر
أما الخليل فقال في كتابه : إن الطور اسم جبل معلوم وهذا هو الأقرب لأن لام التعريف فيه تقتضي حمله على جبل معهود عرف كونه مسمى بهذا الاسم ، والمعهود هو الجبل الذي وقعت المناجاة عليه وقد يجوز أن ينقله الله تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم لأن القادر أن يسكن الجبل في الهواء قادر أيضاً على أن يقلعه وينقله إليهم من المكان البعيد/ وقال ابن عباس : أمر تعالى جبلاً من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظلة وكان المعسكر فرسخاً في فرسخ فأوحى الله إليهم أن اقبلوا التوراة وإلا رميت الجبل عليكم ، فلما رأوا أن لا مهرب قبلوا التوراة بما فيها وسجدوا للفزع سجوداً يلاحظون الجبل ، فلذلك سجدت اليهود على أنصاف وجوههم. / الثالث : من الملاحدة من أنكر إمكان وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد وأما الأرض فقالوا إنما وقفت لأنها بطبعها طالبة للمركز فلا جرم وقفت في المركز ، ودليلنا على فساد قولهم أنه سبحانه قادر على كل الممكنات ووقوف الثقيل في الهواء من الممكنات فوجب أن يكون الله قادراً عليه وتمام تقرير هاتين المقدمتين معلوم في كتب الأصول. الرابع : قال بعضهم : إظلال الجبل غير جائز لأن ذلك لو وقع لكان يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان وهو ينافي التكليف. أجاب القاضي بأنه لا يلجيء لأن أكثر ما فيه خوف السقوط عليهم ، فإذا استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا السموات مرفوعة فوقهم بلا عماد جاز ههنا أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف.
أما قوله تعالى : {خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَـاكُم بِقُوَّةٍ} أي بجد وعزيمة كاملة وعدول عن التغافل والتكاسل ، قال الجبائي : هذا يدل على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنه لا يجوز أن يقال : خذ هذا بقوة ولا قوة حاصلة كما لا يقال : اكتب بالقلم ولا قلم ، وأجاب أصحابنا بأن المراد : خذوا ما آتيناكم بجد وعزيمة وعندنا العزيمة قد تكون متقدمة على الفعل.
جزء : 3 رقم الصفحة : 537
(1/458)

وأما قوله تعالى : {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} أي احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه. فإن قيل : هلا حملتموه على نفس الذكر ؟
قلنا : لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله تعالى فكيف يجوز الأمر به. فأما إذا حملناه على المدارسة فلا إشكال.
أما قوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لكي تتقوا ، واحتج الجبائي بذلك على أنه تعالى أراد فعل الطاعة من الكل ، وجوابه ما تقدم.
واعلم أن المفهوم من قوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَـاكُم بِقُوَّةٍ} أنهم فعلوا ذلك وإلا لم يكن ذلك أخذاً للميثاق ولا صح قوله من بعد : {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} فدل ذلك منهم على القبول والالتزام.
أما قوله تعالى : {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنا بَعْدِ ذَالِكَ } أي ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به ، قال القفال رحمه الله : قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة ، فحرفوا التوراة وتركوا العمل بها وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرون بها ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس وكفروا بالمسيح وهموا بقتله. والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة فالجملة معروفة وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد عليه / الصلاة والسلام من الكتاب وجحودهم لحقه وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر والله أعلم.
أما قوله تعالى : {فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُه لَكُنتُم مِّنَ الْخَـاسِرِينَ} ففيه بحثان :
الأول : ذكر القفال في تفسيره وجهين. الأول : لولا ما تفضل الله به عليكم من إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم/ فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم بالإمهال حتى تابوا. الثاني : أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله تعالى : {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنا بَعْدِ ذَالِكَ } ثم قيل : {فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُه } رجوعاً بالكلام إلى أوله ، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم الكتاب ولكنه تفضل عليكم ورحمكم فلطف بكم بذلك حتى تبتم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 537
البحث الثاني : أن لقائل أن يقول كلمة {لَوْلا} تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره ، فهذا يقتضي أن انتفاء الخسران من لوازم حصول فضل الله تعالى فحيث حصل الخسران وجب أن لا يحصل هناك لطف الله تعالى. وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يفعل بالكافر شيئاً من الألطاف الدينية وذلك خلاف قول المعتزلة : أجاب الكعبي بأنه تعالى سوى بين الكل في الفضل لكن انتفع بعضهم دون بعض ، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده في العطية فانتفع بعضهم : لولا أن أباك فضلك لكنت فقيراً ، وهذا الجواب ضعيف لأن أهل اللغة نصوا على أن : "لولا" تفيد اتنفاء الشيء لثبوت غيره وبعد ثبوت هذه المقدمة فكلام الكعبي ساقط جداً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 537
0
اعلم أنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولاً ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات ، وهذا هو النوع الأول وفيه مسائل :
المسألة الأولى : روي عن ابن عباس أن هؤلاء القوم كانوا في زمان داود عليه السلام بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة وهي القرية المذكورة في قوله : {وَسْـاَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى السَّبْتِ} (الأعراف : 163) فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة فلما طال / العهد استسن الأبناء بسنة الآباء واتخذوا الأموال فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد يوم السبت ونهوهم فلم ينتهوا وقالوا : نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً ، فقيل لهم : لا تغتروا فربما نزل بكم العذاب والهلاك فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا.
(1/459)

المسألة الثانية : المقصود من ذكر هذه القصة أمران. الأول : إظهار معجزة محمد عليه السلام فإن قوله : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} كالخطاب لليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه السلام فلما أخبرهم محمد عليه السلام عن هذه الواقعة مع أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك على أنه عليه السلام إنما عرفه من الوحي. الثاني : أنه تعالى لما أخبرهم بما عامل به أصحاب السبت فكأنه يقول لهم أما تخافون أن ينزل عليكم بسبب تمردكم ما نزل عليهم من العذاب فلا تغتروا بالإمهال الممدود لكم ونظيره قوله تعالى : { يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى ا أَدْبَارِهَآ} (النساء : 47).
جزء : 3 رقم الصفحة : 537
المسألة الثالثة : الكلام فيه حذف كأنه قال : ولقد علمتم اعتداء من اعتدى منكم في السبت لكي يكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك ، ولفظ الاعتداء يدل على أن الذي فعلوه في السبت كان محرماً عليهم وتفصيل ذلك غير مذكور في هذه الآية لكنه مذكور في قوله : {وَسْـاَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} ثم يحتمل أن يقال : إنهم إنما تعدوا في ذلك الاصطياد فقط ، وأن يقال : إنما تعدوا لأنهم اصطادوا مع أنهم استحلوا ذلك الاصطياد.
المسألة الرابعة : قال صاحب الكشاف : السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت. فإن قيل : لما كان الله نهاهم عن الإصطيات يوم السبت فما الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام كما قال : {تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَا لا تَأْتِيهِم كَذَلِكَ نَبْلُوهُم} (الأعراف : 163) وهل هذا إلا إثارة الفتنة وإرادة الاضلال. قلنا : أما على مذهب أهل السنة فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى وأما على مذهب المعتزلة فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب.
أما قوله تعالى : {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَـاسِئِينَ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : (قردة خاسئين) خبر : أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء ، وهو الصغار والطرد.
المسألة الثانية : قوله تعالى : {كُونُوا قِرَدَةً خَـاسِئِينَ} ليس بأمر لأنهم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة بل المراد منه سرعة التكوين كقوله تعالى : {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـاهُ أَن نَّقُولَ لَه كُن فَيَكُونُ} (النحل : 4) وكقوله تعالى : {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآاـاِعِينَ} (فصلت : 11) والمعنى أنه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء بل لما قال لهم ؛ {كُونُوا قِرَدَةً خَـاسِئِينَ} كذلك أي لما أراد / ذلك بهم صاروا كما أراد وهو كقوله : {نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَـابَ السَّبْتِا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا} (النساء : 47) ولا يمتنع أيضاً أن يتكلم الله بذلك عند هذا التكوين إلا أن المؤثر في هذا التكوين هو القدرة والإرادة. فإن قيل : لما لم يكن لهذا القول أثر في التكوين فأي فائدة فيه ؟
قلنا : أما عندنا فأحكام الله تعالى وأفعاله لا تتوقف على رعاية المصالح ألبتة ، وأما عند المعتزلة فلعل هذا القول يكون لفظاً لبعض الملائكة أو لغيرهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 537
(1/460)

المسألة الثالثة : المروي عن مجاهد أنه سبحانه وتعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله تعالى : {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَا } (الجمعة : 5) ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجح في تعليمه : كن حماراً. واحتج على امتناعه بأمرين. الأول : أن الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المحسوسة فإذا أبطلها وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله كان ذلك إعداماً للإنسان وإيجاداً للقرد فيرجع حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنساناً وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قرداً فهذا يكون إعداماً وإيجاداً لا أنه يكون مسخاً. والثاني : إن جوزنا ذلك لما آمنا في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً ، وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات. وأجيب عن الأول بأن الإنسان ليس هو تمام هذا الهيكل ، وذلك لأن هذا الإنسان قد يصير سميناً بعد أن كان هزيلاً ، وبالعكس فالأجزاء متبدلة والإنسان المعين هو الذي كان موجوداً والباقي غير الزائل ، فالإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس ، وذلك الأمر إما أن يكون جسماً سارياً في البدن أو جزءاً في بعض جوانب البدن كقلب أو دماغ أو موجوداً مجرداً على ما يقوله الفلاسفة وعلى جميع التقديرات فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ وبهذا التقدير يجوز في المالك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول عليه السلام. وعن الثاني أن الأمان يحصل بإجماع الأمة ، ولما ثبت بما قررنا جواز المسخ أمكن إجراء الآية على ظاهرها ، ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد رحمه الله وإن كان ما ذكره غير مستبعد جداً ، لأن الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البينات فقد يقال في العرف الظاهر إنه حمار وقرد ، وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور ألبتة. بقي ههنا سؤالان.
السؤال الأول : أنه بعد أن يصير قرداً لا يبقى له فهم ولا عقل ولا علم فلا يعلم ما نزل به من العذاب ومجرد القردية غير مؤلم بدليل أن القرود حال سلامتها غير متألمة فمن أين يحصل العذاب بسببه ؟
الجواب : لم لا يجوز أن يقال أن الأمر الذي به يكون الإنسان إنساناً عاقلاً فاهماً كان باقياً إلا أنه لما تغيرت الخلقة والصورة لا جرم أنها ما كانت تقدر على النطق والأفعال الإنسانية إلا أنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب شؤم المعصية وكانت في نهاية الخوف / والخجالة/ فربما كانت متألمة بسبب تغير تلك الأعضاء ولا يلزم من عدم تألم القرود الأصلية بتلك الصورة عدم تألم الإنسان بتلك الصورة الغريبة العرضية.
جزء : 3 رقم الصفحة : 537
السؤال الثاني : أولئك القردة بقوا أو أفناهم الله ، وإن قلنا إنهم بقوا فهذه القردة التي في زماننا هل يجوز أن يقال إنها من نسل أولئك الممسوخين أم لا ؟
الجواب : الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا.
المسألة الرابعة : قال أهل اللغة : الخاسىء الصاغر المبعد المطرود كالكلب إذا دنا من الناس قيل له اخسأ ، أي تباعد وانطرد صاغراً فليس هذا الموضع من مواضعك ، قال الله تعالى : {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} (الملك : 4) يحتمل صاغراً ذليلاً ممنوعاً عن معاودة النظر لأنه تعالى قال : {الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَـن ِ مِن تَفَـاوُتٍا فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ اْرجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} ، فكأنه قال : ردد البصر في السماء ترديد من يطلب فطوراً فإنك وإن أكثرت من ذلك لم تجد فطوراً فيرتد إليك طرفك ذليلاً كما يرتد الخائب بعد طول سعيه في طلب شيء ولا يظفر به فإنه يرجع خائباً صاغراً مطروداً من حيث كان يقصده من أن يعاوده.
(1/461)

أما قوله : {فَجَعَلْنَـاهَا} فقد اختلفوا في أن هذا الضمير إلى أي شيء يعود على وجوه. أحدها : قال الفراء : (جعلناها) يعني المسخة التي مسخوها ، وثانيها : قال الأخفش : أي جعلنا القردة نكالاً. وثالثها : جعلنا قرية أصحاب السبت نكالاً. رابعها : جعلنا هذه الأمة نكالاً لأن قوله تعالى : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى السَّبْتِ} يدل على الأمة والجماعة أو نحوها والأقرب هو الوجهان الأولان لأنه إذا أمكن رد الكناية إلى مذكور متقدم فلا وجه لردها إلى غيره ، فليس في الآية المتقدمة إلا ذكرهم وذكر عقوبتهم ، أما النكال فقال القفال رحمه الله : إنه العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع منها ، ويقال للقيد النكل ، وللجام الثقيل أيضاً نكل لما فيهما من المنع والحبس ، ونظيره قوله تعالى : {إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالا وَجَحِيمًا} (المزمل : 12) وقال الله تعالى : {وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلا} (النساء : 84) والمعنى : أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء القوم عقوبة رادعة لغيرهم أي لم نقصد بذلك ما يقصده الآدميون من التشفي لأن ذلك إنما يكون ممن تضره المعاصي وتنقص من ملكه وتؤثر فيه ، وأما نحن فإنما نعاقب لمصالح العباد فعقابنا زجر وموعظة ، قال القاضي : اليسير من الذم لا يوصف بأنه نكال حتى إذ عظم وكثر واشتهر ، يوصف به وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في السارق المصر القطع جزاء ونكالاً وأراد به أن يفعل على وجه الإهانة والاستخفاف فهو بمنزلة الخزي الذي لا يكاد يستعمل إلا في الذم العظيم ، فكأنه تعالى لما بين ما أنزله بهؤلاء القوم الذين اعتدوا في السبت واستحلوا من اصطياد الحيتان وغيره ما حرمه عليهم ابتغاء الدنيا ونقضوا ما كان منهم من المواثيق ، فبين أنه تعالى أنزل بهم عقوبة لا على وجه المصلحة لأنه كان لا يمتنع أن يقلل مقدار مسخهم ويغير صورهم بمنزلة ما ينزل بالمكلف من الأمراض المغيرة للصورة ، ويكون / محنة لا عقوبة فبين تعالى بقوله : {فَجَعَلْنَـاهَا نَكَـالا} أنه تعالى فعلها عقوبة على ما كان منهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 537
أما قوله تعالى : {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} ففيه وجوه. أحدها : لما قبلها وما معها وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسخهم ذكر في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغ إليه خبر هذه الواقعة من الآخرين/ وثانيها : أريد بما بين يديها ما يحضرها من القرون والأمم ، وثالثها : المراد أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من هذا الفعل وما بعده وهو قول الحسن.
أما قوله تعالى : {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} ففيه وجهان. أحدهما : أن من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم ، وإن لم ينزل عاجلاً فلا بد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم. وأما تخصيصه المتقين بالذكر فكمثل ما بيناه في أول السورة عند قوله : {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} لأنهم إذا اختصموا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك صلح أن يخصوا به ، لأنه ليس بمنفعة لغيرهم. الثاني : أن يكون معنى قوله : {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} أن يعظ المتقون بعضهم بعضاً أي جعلناها نكالاً وليعظ به بعض المتقين بعضاً فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون بها ، وهذا خاص لهم دون غير المتقين والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 537
543
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التشديدات. روي عن ابن عباس وسائر المفسرين أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام فاجتهد موسى في تعرف القاتل ، فلما لم يظهر قالوا له : سل لنا ربك حتى يبينه ، فسأله فأوحى الله إليه : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً } فتعجبوا من ذلك ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال واستقصوا في طلب الوصف فلما تعينت لم يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسان معين ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها ، فاشتروها وذبحوها وأمرهم موسى أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل ، ففعلوا فصار المقتول حياً وسمي لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً ، ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : أن الإيلام والذبح حسن وإلا لما أمر الله به ، ثم عندنا وجه الحسن فيه أنه تعالى مالك الملك فلا اعتراض لأحد عليه ، وعند المعتزلة إنما يحسن لأجل الأعواض.
المسألة الثانية : أنه تعالى أمر بذبح بقرة من بقر الدنيا وهذا هو الواجب المخير فدل ذلك على صحة قولنا بالواجب المخير.
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
(1/462)

المسألة الثالثة : الاقئلون بالعموم اتفقوا على أن قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً } معناه اذبحوا أي بقرة شئتم فهذه الصيغة تفيد هذا العموم ، وقال منكروا العموم : إن هذا لا يدل على العموم واحتجوا عليه بوجوه : الأول : أن المفهوم من قول القائل اذبح بقرة. يمكن تقسيمه إلى قسمين ، فإنه يصح أن يقال : اذبح بقرة معينة من شأنها كيت وكيت ويصح أيضاً / أن يقال اذبح بقرة أي بقرة شئت ، فأذن المفهوم من قولك "اذبح" معنى مشترك بين هذين القسمين والمشترك بين القسمين لا يستلزم واحداً منهما ، فأذن قوله اذبحوا بقرة لا يستلزم معناه معنى قوله : اذبحوا بقرة ، أي بقرة شئتم ، فثبت أنه لا يفيد العموم لأنه لو أفاد العموم لكان قوله : اذبحوا بقرة أي بقرة شئتم تكريراً ولكان قوله : اذبحوا بقرة معينة نقضاً ، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القول. الثاني : أن قوله تعالى : {إِنَّهَا بَقَرَةٌ} كالنقيض لقولنا لا تذبحوا بقرة ، وقولنا لا تذبحوا بقرة يفيد النفي العام فوجب أن يكون قولنا اذبحوا بقرة يرفع عموم النفي ويكفي في ارتفاع عموم النفي خصوص الثبوت على وجه واحد/ فأذن قوله : اذبحوا بقرة يفيد الأمر بذبح بقرة واحدة فقط ، أما الإطلاق في ذبح أي بقرة شاءوا فذلك لا حاجة إليه في ارتفاع ذلك النفي فوجب أن لا يكون مستفاداً من اللفظ ، الثالث : أن قوله تعالى : {بَقَرَةٌ} لفظة مفردة منكرة والمفرد المنكر إنما يفيد فرداً معيناً في نفسه غير معين بحسب القول الدال عليه ولا يجوز أن يفيد فرداً أي فرد كان بدليل أنه إذا قال : رأيت رجلاً فإنه لا يفيد إلا ما ذكرناه فإذا ثبت أنه في الخبر كذلك وجب أن يكون في الأمر كذلك ، واحتج القائلون بالعموم بأنه لو ذبح أي بقرة كانت فإنه يخرج عن العهدة فوجب أن يفيد العموم. والجواب : أن هذا مصادرة على المطلوب الأول ، فإن هذا إنما يثبت لو ثبت أن قوله : اذبح بقرة معناه اذبح أي بقرة شئت ، وهذا هو عين المتنازع فيه. فهذا هو الكلام في هذه المسألة. إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في أن قوله تعالى : {إِنَّهَا بَقَرَةٌ} هل هو أمر بذبح بقرة معينة مبينة أو هو أمر بذبح بقرة أي بقرة كانت ، فالذين يجوزون تأخير البيان عن وقت الخطاب قالوا : إنه كان أمراً بذبح بقرة معينة ولكنها ما كانت مبينة ، وقال المانعون منه : هو وإن كان أمراً بذبح أي بقرة كانت إلا أن القوم لما سألوا تغير التكليف عند ذلك ، وذلك لأن التكليف الأول كان كافياً لو أطاعوا وكان التخيير في جنس البقر إذ ذاك هو الصلاح ، فلما عصوا ولم يمتثلوا ورجعوا بالمسألة لم يمتنع تغير المصلحة وذلك معلوم في المشاهد ، لأن المدبر لولده قد يأمره بالسهل اختياراً ، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب فكذا ههنا. واحتج الفريق الأول بوجوه. الأول : قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
(1/463)

{ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ } و{مَا لَوْنُهَا } وقول الله تعالى : {قَالَ إِنَّه يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الارْضَ} منصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة أي بقرة كانت ، بل كان المأمور به ذبح بقرة معينة. الثاني : أن الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثاني إما أن يقال : إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها أولاً أو صفات بقرة وجبت عليهم عند ذلك السؤال وانتسخ ما كان واجباً عليهم قبل ذلك ، والأول هو المطلوب ، والثاني : يقتضي أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة آخراً ، وأن لا يجب حصول الصفات المذكورة قبل ذلك ، ولما أجمع المسلمون / على أن تلك الصفات بأسرها كانت معتبرة علمنا فساد هذا القسم. فإن قيل أما الكنايات فلا نسلم عودها إلى البقرة فلم لا يجوز أن يقال : إنها كنايات عن القصة والشأن ، وهذه طريقة مشهورة عند العرب ؟
قلنا : هذا باطل لوجوه. أحدها : أن هذه الكنايات لو كانت عائدة إلى القصة والشأن لبقي ما بعد هذه الكنايات غير مفيد ، لأنه لا فائدة في قوله : {بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ} بل لا بد من إضمار شيء آخر وذلك خلاف الأصل ، أما إذا جعلنا الكنايات عائدة إلى المأمور به أولاً لم يلزم هذا المحذور. وثانيها : أن الحكم برجوع الكناية إلى القصة والشأن خلاف الأصل ، لأن الكناية يجب عودها إلى شيء جرى ذكره والقصة والشأن لم يجر ذكرهما فلا يجوز عود الكناية إليهما لكنا خالفنا هذا الدليل للضرورة في بعض المواضع فبقي ما عداه على الأصل. وثالثها : أن الضمير في قوله : {مَا لَوْنُهَا } لا شك أنه عائد إلى البقرة المأمور بها فوجب أن يكون الضمير في قوله : {إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ} عائداً إلى تلك البقرة وإلا لم يكن الجواب مطابقاً للسؤال. الثالث : أنهم لو كانوا سائلين معاندين لم يكن في مقدار ما أمرهم به موسى ما يزيل الاحتمال لأن مقدار ما ذكره موسى أن تكون بقرة صفراء متوسطة في السن كاملة في القوة/ وهذا القدر موضع للاحتمالات الكثيرة ، فلما سكتوا ههنا واكتفوا به علمنا أنهم ما كانوا معاندين. واحتج الفريق الثاني بوجوه. أحدها : أن قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً }
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
معناه يأمركم أن تذبحوا بقرة أي بقرة كانت ، وذلك يقتضي العموم ، وذلك يقتضي أن يكون اعتبار الصفة بعد ذلك تكليفاً جديداً ، وثانيها : لو كان المراد ذبح بقرة معينة لما استحقوا التعنيف على طلب البيان بل كانوا يستحقون المدح عليه ، فلما عنفهم الله تعالى في قوله : {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} ، وفي قوله : {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} علمنا تقصيرهم في الإتيان بما أمروا به أولاً وذلك إنما يكون لو كان المأمور به أولاً ذبح بقرة معينة. الثالث : ما روي عن ابن عباس أنه قال : لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجزأت منهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. ورابعها : أن الوقت الذي فيه أمروا بذبح البقرة كانوا محتاجين إلى ذبحها ، فلو كان المأمور به ذبح بقرة معينة مع أن الله تعالى ما بينها لكان ذلك تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة وإنه غير جائز ، والجواب : عن الأول ما بينا في أول المسألة أن قوله : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً } لا يدل على أن المأمور به ذبح بقرة ، أي بقرة كانت ، وعن الثاني : أن قوله تعالى : {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} ليس فيه دلالة على أنهم فرطوا في أول القصة وأنهم كادوا يفرطون بعد استكمال البيان ، بل اللفظ محتمل لكل واحد منهما فنحمله على الأخير وهو أنهم لما وقفوا على تمام البيان توقفوا عند ذلك وما كادوا يفعلونه ، وعن الثالث : أن هذه الرواية عن ابن عباس من باب الآحاد وبتقدير الصحة ، فلا تصلح أن تكون معارضة لكتاب الله تعالى ، وعن الرابع : أن تأخير البيان عن وقت الحاجة إنما يلزم أن لو دل الأمر على الفور وذلك عندنا ممنوع.
(1/464)

/ واعلم أنا إذا فرعنا على القول بأن المأمور به بقرة أي بقرة كانت ، فلا بد وأن نقول : التكاليف مغايرة فكلفوا في الأول : أي بقرة كانت ، وثانياً : أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً ، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء ، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون مع ذلك لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث. ثم اختلف القائلون بهذا المذهب ، منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً لكل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارض ولا بكر وصفراء فاقع ، ومنهم من يقول : إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط ، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند تردد الامتثال ، وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر فلا بد من كونه تكليفاً بعد تكليف ، وذلك يدل على أن الأسهل قدينسخ بالأشق ويدل على جواز النسخ قبل الفعل ولكنه لا يدل على جواز النسخ قبل وقت الفعل ، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه السلام ، وله أيضاً تعلق بمسألة أن الزيادة على النسخ هل هو نسخ أم لا ، ويدل على حسن وقوع التكليف ثانياً لمن عصى ولم يفعل ما كلف أولاً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
أما قوله تعالى : {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرىء : {هُزُوًا } بالضم وهزؤا بسكون الزاي نحو كفؤاً وكفء وقرأ حفص : (هزواً) بالضمتين والواو وكذلك كفواً.
المسألة الثانية : قال القفال قوله تعالى : {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا} استفهام على معنى الانكار والهزء يجوز أن يكون في معنى المهزوء به كما يقال : كان هذا في علم الله أي في معلومه والله رجاؤنا أي مرجونا ونظيره قوله تعالى : {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} (المؤمنون : 110) قال صاحب "الكشاف" : (أتتخذنا هزؤاً) أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوأ بنا والهزء نفسه فرط الاستهزاء.
المسألة الثالثة : القوم إنما قالوا ذلك لأنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال موسى : اذبحوا بقرة لم يعرفوا بين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة ، فظنوا أنه عليه السلام يلاعبهم ، لأنه من المحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة ضربوا القتيل ببعضها فيصير حياً فلا جرم ، وقع هذا القول منهم موقع الهزء ، ويحتمل أنه عليه السلام وإن كان قد بين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يصير حياً بأن يضربوه ببعض أجزاء البقرة فظنوا أن ذلك يجزي مجرى الاستهزاء.
المسألة الرابعة : قال بعضهم : إن أولئك القوم كفروا بقولهم لموسى عليه السلام : أتتخذنا هزؤاً لأنهم إن قالوا ذلك وشكوا في قدرة الله تعالى على إحياء الميت ، فهو كفر وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل هو بأمر الله تعالى ، فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي ، وذلك أيضاً كفر. ومن الناس من قال : إنه لا يوجب الكفر وبيانه من وجهين. / الأول : أن الملاعبة على الأنبياء جائزة فلعلهم ظنوا به عليه السلام أنه يلاعبهم ملاعبة حقة ، وذلك لايوجب الكفر. الثاني : أن معنى قوله تعالى : {أَتَتَّخِذُنَا} أي ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزىء بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء.
أما قوله تعالى : {هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَـاهِلِينَ} ففيه وجوه. أحدها : أن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل ومنصب النبوة لا يحتمل الإقدام على الاستهزاء ، فلم يستعذ موسى عليه السلام من نفس الشيء الذي نسبوه إليه ، لكنه استعاذ من السبب الموجب له كما قد يقول الرجل عند مثل ذلك : أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى ، والحاصل أنه أطلق اسم السبب على المسبب مجازاً هذا هو الوجه الأقوى. وثانيها : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين بما في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد والوعيد العظيم ، فإني متى علمت ذلك امتنع إقدامي على الاستهزاء. وثالثها : قال بعضهم : إن نفس الهزء قد يسمى جهلاً وجهالة ، فقد روي عن بعض أهل اللغة : إن الجهل ضد الحلم كما قال بعضهم إنه ضد العلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
واعلم أن هذا القول من موسى عليه السلام يدل على أن الاستهزاء من الكبائر العظام وقد سبق تمام القول فيه في قوله تعالى : {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} (البقرة : 14 ـ 15).
واعلم أن القوم سألوا موسى عليه السلام عن أمور ثلاثة مما يتعلق بالبقرة :
السؤال الأول : ما حكى الله تعالى عنهم أنهم : {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ } فأجاب موسى عليه السلام بقوله : {إِنَّه يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَالِكَا فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} واعلم أن في الآية أبحاثاً :
(1/465)

الأول : أنا إذا قلنا إن قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً } يدل على الأمر بذبح بقرة معينة في نفسها غير مبين التعيين حسن موقع سؤالهم ، لأن المأمور به لما كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام. أما على قول من يقول : إنه في أصل اللغة للعموم فلا بد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار ؟
وفيه وجوه. أحدها : أن موسى عليه السلام لما أخبرهم بأنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً تعجبوا من أمر تلك البقرة ، وظنوا أن تلك البقرة التي يكون لها مثل هذه الخاصة لا تكون إلا بقرة معينة ، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من بين سائر العصي بتلك الخواص/ إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك ، لأن هذه الآية العجيبة ما كانت خاصية البقرة ، بل كانت معجزة يظهرها الله تعالى على يد موسى عليه السلام. وثانيها : لعل القوم أرادوا بقرة ، أي بقرة كانت ، إلا أن القاتل خاف من الفضيحة ، فألقى الشبهة في التبيين وقال المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة ، لما وقعت المنازعة فيه ، رجعوا عند ذلك إلى موسى. وثالثها : أن الخطاب الأول وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فيه ، فسألوا طلباً لمزيد البيان وإزالة لسائر الاحتمالات ، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة.
/ البحث الثاني : أن سؤال "ما هي" طلب لتعريف الماهية والحقيقة ، لأن "ما" سؤال ، و"هي" إشارة إلى الحقيقة ، فما هي لا بد وأن يكون طلباً للحقيقة وتعريف الماهية والحقيقة لا يكون إلا بذكر أجزائها ومقدماتها لا بذكر صفاتها الخارجة عن ماهيتها ، ومعلوم أن وصف السن من الأمور الخارجة عن الماهية فوجب أن لا يكون هذا الجواب مطابقاً لهذا السؤال : والجواب عنه : أن الأمر وإن كان كما ذكرتم لكن قرينة الحال تدل على أنه ما كان مقصودهم من قولهم : ما البقر طلب ماهيته وشرح حقيقته بل كان مقصودهم طلب الصفات التي بسببها يتميز بعض البقر عن بعض ، فلهذا حسن ذكر الصفات الخارجة جواباً عن هذا السؤال.
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
البحث الثالث : قال صاحب "الكشاف" : الفارض المسنة وسميت فارضاً لأنها فرضت سنها ، أي قطعتها وبلغت آخرها ، والبكر : الفتية والعوان النصف ، قال القاضي : أما البكر ، فقيل : إنها الصغيرة وقيل ما لم تلد ، وقيل : إنها التي ولدت مرة واحدة ، قال المفضل بن سلمة (الضبي) : إنه ذكر في الفارض أنها المسنة وفي البكر أنها الشابة وهي من النساء التي لم توطأ ومن الإبل التي وضعت بطناً واحداً. قال القفال : البكر يدل على الأول ومنه الباكورة لأول الثمر ومنه بكرة النهار ويقال : بكرت عليهما البارحة إذا جاء في أول الليل ، وكأن الأظهر أنها هي التي لم تلد لأن المعروف من اسم البكر من الإناث في بني آدم ما لم ينز عليها الفحل ، وقال بعضهم : العوان التي ولدت بطناً بعد بطن. وحرب عوان : إذا كانت حرباً قد قوتل فيها مرة بعد مرة ، وحاجة عوان : إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة.
البحث الرابع : احتج العلماء بقوله تعالى : {عَوَانٌ بَيْنَ ذَالِكَ } على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا من طريق الاجتهاد وههنا سؤالان :
الأول : لفظة "بين" تقتضي شيئين فصاعداً فمن أين جاز دخوله على ذلك ؟
الجواب : لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.
السؤال الثاني : كيف جاز أن يشار بلفظه : (ذلك) إلى مؤنثين مع أنه للإشارة إلى واحد مذكر ؟
الجواب : جاز ذكر ذلك على تأويل ما ذكر أو ما تقدم للاختصار في الكلام.
أما قوله تعالى : {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} ففيه تأويلان : الأول : فافعلوا ما تؤمرون به من قولك : أمرتك الخير. والثاني : أن يكون المراد فافعلوا أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير. واعلم أن المقصود الأصلي من هذا الجواب كون البقرة في أكمل أحوالها ، وذلك لأن الصغيرة تكون ناقصة لأنها بعدما وصلت إلى حالة الكمال ، والمسنة كأنها صارت ناقصة وتجاوزت عن حد الكمال ، فأما المتوسطة فهي التي تكوى في حالة الكمال. ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله تعالى : {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا } واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال اللون فأجابهم الله تعالى بأنها : {صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا} ، والفقوع / أشدها يكون من الصفرة وأنصعه ، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق وأحمر قانٍ وأخضر ناضر/ وههنا سؤالان :
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
الأول : "فاقع" ههنا واقع خبراً عن اللون فكيف يقع تأكيداً لصفراء ؟
الجواب : لم يقع خبراً عن اللون إنما وقع تأكيداً لصفراء إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها ، فلم يكن فرق بين قولك : صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها.
(1/466)

السؤال الثاني : فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون ؟
الجواب : الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة ، فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك : جد جده وجنون مجنون. وعن وهب : إذ نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.
أما قوله تعالى : {تَسُرُّ النَّـاظِرِينَ} فالمعنى أن هذه البقرة لحسن لونها تسر من نظر إليها ، قال الحسن : الصفراء ههنا بمعنى السوداء ، لأن العرب تسمي الأسود أصفر ، نظيره قوله تعالى في صفة الدخان : {كَأَنَّه جِمَـالَتٌ صُفْرٌ} (المرسلات : 33) أي سود ، واعترضوا على هذا التأويل بأن الأصفر لا يفهم منه الأسود ألبتة ، فلم يكن حقيقة فيه ، وأيضاً السواد لا ينعت بالفقوع ، إنما يقال : أصفر فاقع وأسود حالك والله أعلم ، وأما السرور فإنه حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع ، ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثالث وهو قوله تعالى : {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَـابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً" ، واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله ، ولذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلّم : {وَلا تَقُولَنَّ لِشَا ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَالِكَ غَدًا * إِلا أَن يَشَآءَ اللَّه } (الكهف : 23) ، وفيه استعانة بالله وتفويض الأمر إليه ، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته.
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة ، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة. أما على قول أصحابنا فإنه تعالى قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولنا إن شاء الله فائدة.
المسألة الثالثة : احتجت المعتزلة على أن مشيئة الله تعالى محدثة بقوله : {إِن شَآءَ اللَّهُ} من وجهين : الأول : أن دخول كلمة "أن" عليه يقتضي الحدوث. والثاني : وهو أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء ، فلما لم يكن حصول الاهتداء أزلياً وجب أن لا تكون مشيئة الاهتداء أزلية. ولنرجع إلى التفسير ، فأما قوله تعالى : {يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ} ففيه السؤال المذكور وهو أن قولنا : ما هو طلب بيان الحقيقة ، والمذكور ههنا في الجواب الصفات العرضية المفارقة فكيف يكون هذا الجواب مطابقاً للسؤال ؟
وقد تقدم جوابه.
/
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
أما قوله تعالى : {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَـابَهَ عَلَيْنَا} فالمعنى أن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح ، وقرىء تشابه بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين و(قرىء) تشابهت ومتشابهة ومتشابه.
أما قوله تعالى : {وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} ففيه وجوه ذكرها القفال. أحدها : وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عدها. وثانيها : وإنا إن شاء الله تعريفها إيانا بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها. وثالثها : وإنا إن شاء الله على هدى في استقصائنا في السؤال عن أوصاف البقرة أي نرجوا أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث. ورابعها : إنا بمشيئة الله نهتدي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما به تمتاز هي عما سواها ثم أجاب الله تعالى عن سؤالهم بقوله تعالى : {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الارْضَ} وقوله : {لا ذَلُولٌ} صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول بمعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض ولا هي من البقر التي يسقى عليها فتسقى الحرث و"لا" الأولى للنفي والثانية مزيدة لتوكيد الأولى ، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقى على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية ، وجملة القول أن الذلول بالعمل لا بد من أن تكون ناقصة فبين تعالى أنها لا تثير الأرض ولا تسقى الحرث لأن هذين العملين يظهر بهما النقص.
أما قوله تعالى : {مُسَلَّمَةٌ} ففيه وجوه. أحدها : من العيوب مطلقاً. وثانيها : من آثار العمل المذكور. وثالثها : مسلمة أي وحشية مرسلة عن الحبس. ورابعها : مسلمة من الشية التي هي خلاف لونها أي خلصت صفرتها عن اختلاط سائر الألوان بها ، وهذا الرابع ضعيف وإلا لكان قوله : {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ} تكراراً غير مفيد ، بل الأولى حمله على السلامة من العيوب واللفظ يقتضي ذلك لأن ذلك يفيد السلامة الكاملة عن العلل والمعايب ، واحتج العلماء به على جواز استعمال الظاهر مع تجويز أن يكون الباطن بخلافه لأن قوله : {مُسَلَّمَةٌ} إذا فسرناها بأنها مسلمة من العيوب فذلك لا نعلمه من طريق الحقيقة إنما نعلمه من طريق الظاهر :
(1/467)

أما قوله تعالى : {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ} فالمراد أن صفرتها خالصة غير ممتزجة بسائر الألوان لأن البقرة الصفراء قد توصف بذلك إذا حصلت الصفرة في أكثرها فأراد تعالى أن يبين عموم ذلك بقوله : {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ} روي أنها كانت صفراء الأظلاف صفراء القرون ، والوشي خلط لون بلون. ثم أخبر الله تعالى عنهم بأنهم وقفوا عند هذا البيان واقتصروا عليه فقالوا : {قَالَ إِنَّه يَقُولُ} أي الآن بانت هذه البقرة عن غيرها لأنها بقرة عوان صفراء غير مذللة بالعمل ، قال القاضي : قوله تعالى : {قَالَ إِنَّه يَقُولُ} كفر من قبلهم لا محالة لأنه يدل على أنهم اعتقدوا فيما تقدم من الأوامر أنها ما كانت حقه ، وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد الآن ظهرت حقيقة ما أمرنا به حتى تميزت من غيرها فلا يكون كفراً.
/
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
أما قوله تعالى : {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} فالمعنى فذبحوا البقرة وما كادوا يذبحونها ، وههنا بحث : وهو أن النحويين ذكروا "لكاد" تفسيرين. الأول : قالوا : إن نفيه إثبات وإثباته نفي. فقولنا : كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه ما فعله وقولنا : ما كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه فعله. والثاني : وهو اختيار الشيخ عبد القاهر (الجرجاني) النحوي أن كاد معناه المقاربة فقولنا كاد يفعل معناه قرب من الفعل وقولنا ما كاد يفعل معناه ما قرب منه وللأولين أن يحتجوا على فساد هذا الثاني بهذه الآية لأن قوله تعالى : {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} معناه وما قاربوا الفعل ونفي المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل ، فلو كان كاد للمقاربة لزم وقوع التناقض في هذه الآية. وههنا أبحاث :
البحث الأول : روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال : اللهم إني استودعتكها لابني حتى تكبر وكان براً بوالديه فشبت وكانت من أحسن البقر واسمنها فتساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير ، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة.
البحث الثاني : روي عن الحسن أن البقرة تذبح ولا تنحر وعن عطاء أنها تنحر ، قال : فتلوت الآية عليه فقال : الذبح والنحر سواء ، وحكي عن قتادة والزهري إن شئت نحرت وإن شئت ذبحت وظاهر الآية يدل على أنهم أمروا بالذبح وأنهم فعلوا ما يسمى ذبحاً والنحر وإن أجزأ عن الذبح فصورته مخالفة لصورة الذبح/ فالظاهر يقتضي ما قلناه حتى لو نحروا ولا دليل يدل على قيامه مقام الذبح لكان لا يجزي.
البحث الثالث : اختلفوا في السبب الذي لأجله ما كادوا يذبحون ، فعن بعضهم لأجل غلاء ثمنها وعن آخرين أنهم خافوا الشهرة والفضيخة ، وعلى كلا الوجهين ، فالاحجام عن المأمور به غير جائز ، أما الأول : فلأنهم لما أمروا بذبح البقرة المعينة ، وذلك الفعل ما كان يتم إلا بالثمن الكثيرو جب عليهم أداؤه لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إلا أن يدل الدليل على خلافه ، وإنما لا يلزم المصلي أن يتطهر بالماء إذا لم يجده إلا بغلاء من حيث الشرع ، ولولاه للزم ذلك إذا وجب التطهر مطلقاً. وأما الثاني : وهو خوف الفضيحة فذاك لا يرفع التكليف ، فإن القود إذا كان واجباً عليه لزمه تسليم النفس من ولي الدم إذا طالب وربما لزمه التعريف ليزول الشر والفتنة وربما لزمه ذلك لتزول التهمة في القتل عن القوم الذين طرح القتيل بالقرب منهم ، لأنه الذي عرضهم للتهمة فيلزمه إزالتها فكيف يجوز جعله سبباً للتثاقل في هذا الفعل.
/
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
البحث الرابع : احتج القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية ، وذلك لأنه لم يوجد في هذه الصورة إلا مجرد الأمر ، ثم إنه تعالى ذم التثاقل فيه والتكاسل في الاشتغال بمقتضاه ، وذلك يدل على أن الأمر للوجوب. قال القاضي : إذا كان الغرض من المأمور إزالة شر وفتنة دل ذلك على وجوبه وإنما أمر تعالى بذبحها لكي يظهر القاتل فتزول الفتنة والشر المخوف فيهم ، والتحرز عن هذا الجنس الضار واجب ، فلما كان العلاج إزالته بهذا الفعل صار واجباً وأيضاً فغير ممتنع أن في تلك الشريعة أن التعبد بالقربان لا يكون إلا سبيل الوجوب ، فلما تقدم علمهم بذلك كفاهم مجرد الأمر. وأقول : حاصل هذين السؤالين يرجع إلى حرف واحد وهو أنا وإنا كنا لا نقول إن الأمر يقتضي الوجوب فلا نقول : إنه ينافي الوجوب أيضاً فلعله فهم الوجوب ههنا بسبب آخر سوى الأمر ، وذلك السبب المنفصل إما قرينة حالية وهي العلم بأن دفع المضار واجب ، أو مقالية وهي ما تقدم بيانه من أن القربان لا يكون مشروعاً إلا على وجه الوجوب. والجواب : أن المذكور مجرد قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً } فلما ذكر الذم والتوبيخ على ترك الذبح المأمور به علمنا إن منشأ ذلك هو مجرد ورود الأمر به لما ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم.
(1/468)

البحث الخامس : احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية ، قالوا : لأنه ورد التعنيف على ترك المأمور به عند ورود الأمر المجرد فدل على أنه للفور.
أما قوله تعالى : {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَءاْتُمْ فِيهَا } فاعلم أن وقوع ذلك القتل لا بد وأن يكون متقدماً لأمره تعالى بالذبح. أما الإخبار عن وقوع ذلك القتل وعن أنه لا بد وأن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون متقدماً على الإخبار عن قصة البقرة ، فقول من يقول : هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى خطأ ، لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأول في الوجود ، فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة يتقدم ذكر السبب على ذكر الحكم وأخرى على العكس من ذلك ، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم تعالى بذبح البقرة فلما ذبحوها قال : وإذ قتلتم نفساً من قبل واختلفتم وتنازعتم فإني مظهر لكم القاتل الذي سترتموه بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة ، وذلك مستقيم. فإن قيل : هب أنه لا خلل في هذا النظم ، ولكن النظم الآخر كان مستحسناً فما الفائدة في ترجيح هذا النظم ؟
قلنا : إنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولو كانت قصة واحدة لذهب الغرض من بينية التفريع.
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
أما قوله تعالى : {فَادَّارَءاْتُمْ فِيهَا } ففيه وجوه. أحدها : اختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدافعه ويزاحمه. وثانيها : "أدارأتم" أي يغي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره. وثالثها : دفع بعضكم بعضاً عن البراءة والتهمة ، وجملة القول / فيه أن الدرء هو الدفع. فالمتخاصمون إذا تخاصموا فقد دفع كل واحد منهم عن نفسه تلك التهمة ، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه عن تلك الفعلة ، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه في إسناد تلك التهمة إلى غيره وحجة صاحبه في براءته عنه ، قال القفال : والكناية في (فيها) للنفس ، أي فاختلفتم في النفس ويحتمل في القتلة لأن قوله : {قَتَلْتُمْ} يدل على المصدر.
أما قوله تعالى : {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل. فإن قيل : كيف اعمل "مخرج" وهو في معنى المضي ؟
قلنا : قد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارء كما حكى الحاضر في قوله : {بَـاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} (الكهف : 18) وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما "ادارأتم ، فقلنا" ثم فيه مسائل :
المسألة الأولى : قالت المعتزلة قوله : {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} أي لا بد وأن يفعل ذلك وإنما حكم بأنه لا بد وأن يفعل ذلك ، لأن الاختلاف والتنازع في باب القتل يكون سبباً للفتن والفساد والله لا يحب الفساد فلأجل هذا قال : لا بد وأن يزيل هذا الكتمان ليزول ذلك الفساد ، فدل ذلك على أنه سبحانه لا يريد الفساد ولا يرضى به ولا يخلقه.
المسألة الثانية : الآية تدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات وإلا لما قدر على إظهار ما كتموه.
المسألة الثالثة : تدل الآية على أن ما يسره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فإن الله سيظهره. قال عليه الصلاة والسلام : "إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس" وكذلك المعصية. وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام : "قل لبني إسرائيل يخفون إلى أعمالهم وعلي أن أظهرها لهم".
المسألة الرابعة : دلت الآية على أنه يجوز ورود العام لإرادة الخاص لأن قوله : {مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} يتناول كل المكتومات ثم إن الله تعالى أراد هذه الواقعة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
أما قوله تعالى : {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : المروي عن ابن عباس أن صاحب بقرة بني إسرائيل طلبها أربعين سنة حتى وجدها ، ثم ذبحت إلا أن هذه الرواية على خلاف ظاهر القرآن لأن الفاء في قوله تعالى : {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } للتعقيب ، وذلك يدل على أن قوله : {اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } حصل عقيب قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً } .
المسألة الثانية : الهاء في قوله تعالى : {اضْرِبُوهُ} ضمير وهو إما أن يرجع إلى النفس وحينئذ يكون التذكير على تأويل الشخص والإنسان وإما إلى القتيل وهو الذي دل عليه قوله : {مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} .
المسألة الثالثة : يجوز أن يكون الله تعالى إنما أمر بذبح البقرة ، لأنه تعلق بذبحها مصلحة / لا تحصل إلا بذبحها ويجوز أن يكون الحال فيها وفي غيرها على السوية والأقرب هو الأول ، لأنه لو قام غيرها مقامها لما وجبت على التعيين ، بل على التخير بينها وبين غيرها وههنا سؤالان :
(1/469)

السؤال الأول : ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله تعالى قادر على أن يحييه ابتداء ؟
الجواب : الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد وعن الحيلة أبعد فقد كان يجوز لملحد أن يوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر والحيلة ، فإنه إذا حيي عندما يضرب بقطعة من البقرة المذبوحة انتفت الشبهة في أنه لم يحي بشيء انتقل إليه من الجسم الذي ضرب به/ إذا كان ذلك إنما حيي بفعل فعلوه هم ، فدل ذلك على أن إعلام الأنبياء إنما يكون من عند الله لا بتمويه من العباد وأيضاً فتقديم القربان مما يعظم أمر القربان.
السؤال الثاني : هلا أمر بذبح غير البقرة ، وأجابوا بأن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيه ، ثم ذكروا فيها فوائد ، منها التقرب بالقربان الذي كانت العادة به جارية ولأن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكلفة في تحصيل هذه البقرة على غلاء ثمنها ، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة.
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن ذلك البعض الذي ضربوا القتيل به ما هو ؟
والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به ، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله : {اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه ، وذلك يقتضي التخيير. واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل : لسانها وقيل : فخذها اليمنى وقيل : ذنبها وقيل : العظم الذي يلى الغضروف وهو أصل الآذان ، وقيل : البضعة بين الكتفين ، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
المسألة الخامسة : في الكلام محذوف والتقدير ، فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى : {كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى } وعليه هو كقوله تعالى : {اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَا فَانفَجَرَتْ} (البقرة : 60) أي فضرب فانفجرت ، روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً ، وقال قتلني فلان ، وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً : وقتلاً.
أما قوله تعالى : {كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في هذه الآية وجهان : أحدهما : أن يكون إشارة إلى نفس ذلك الميت. والثاني : أنه احتجاج في صحة الإعادة ، ثم هذا الاحتجاج أهو على المشركين أو على غيرهم ؟
فيه وجهان. الأول : قال الأصم : إنه على المشركين لأنه إن ظهر لهم بالتواتر أن هذا الإحياء قد كان على هذا الوجه علموا صحة الإعادة ، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر فإنه يكون داعية لهم إلى التفكر. قال القاضي : وهذا هو الأقرب لأنه تقدم منه تعالى ذكر الأمر بالضرب وأنه سبب إحياء ذلك / الميت ، ثم قال : {كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى } فجمع {الْمَوْتَى } ولو كان المراد ذلك القتيل لما جمع في القول فكأنه قال : دل بذلك على أن الإعادة كالابتداء في قدرته. الثاني : قال القفال : ظاهر الكلام يدل على أن الله تعالى قال لبني إسرائيل : إحياء الله تعالى لسائر الموتى يكون مثل هذا الإحياء الذي شاهدتم ، لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا به إلا من طريق الاستدلال ولم يشاهدوا شيئاً منه ، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم وانتفت عنهم الشبهة التي لا يخلو منها المستدل ، وقد قال إبراهيم عليه السلام : {رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى } إلى قوله : {لِّيَطْمَـاـاِنَّ قَلْبِى } (البقرة : 26) فأحيا الله تعالى لبني إسرائيل القتيل عياناً ، ثم قال لهم : {كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى } أي كالذي أحياه في الدنيا يحيي في الآخرة من غير احتياج في ذلك الإيجاد إلى مادة ومدة ومثال وآلة.
المسألة الثانية : من الناس من استدل بقوله تعالى : {كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى } على أن المقتول ميت وهو ضعيف لأنه تعالى قاس على إحياء ذلك القتيل إحياء الموتى ، فلا يلزم من هذا كون القتيل ميتاً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
أما قوله تعالى : {وَيُرِيكُمْ ءَايَـاتِه } فلقائل أن يقول : إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت بالآيات ؟
والجواب : أنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات. العالم بكل المعلومات ، المختار في الإيجاد والإبداع ، وعلى صدق موسى عليه السلام ، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلاً. وعلى تعين تلك التهمة على من باشر ذلك القتل ، فهي وإن كانت آية واحدة إلا أنها لما دلت على هذه المدلولات الكثيرة لا جرم جرت مجرى الآيات الكثيرة.
أما قوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ففيه بحثان :
الأول : أن كلمة "لعل" قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .
(1/470)

الثاني : أن القوم كانوا عقلاء قبل عرض هذه الآيات عليهم وإذا كان العقل حاصلاً امتنع أن يقال : إني عرضت عليك الآية الفلانية لكي تصير عاقلاً ، فإذن لا يمكن إجراء الآية على ظاهرها بل لا بد من التأويل وهو أن يكون المراد لعلكم تعملون على قضية عقولكم وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص ، حتى لا ينكروا البعث ، هذا آخر الكلام في تفسير الآية. واعلم أن كثيراً من المتقدمين ذكر أن من جملة أحكام هذه الآية أن القاتل هل يرث أم لا ؟
قالوا : لا. لأنه روي عن عبيدة السلماني أن الرجل الذي كان قاتلاً في هذه الواقعة حرم من الميراث لأجل كونه قاتلاً. قال القاضي : لا يجوز جعل هذه المسألة من أحكام هذه الآية لأنه ليس في الظاهر أن القاتل هل كان وارثاً لقتيله أم لا ؟
وبتقدير أن يكون وارثاً له فهل حرم الميراث أم لا ؟
وليس يجب إذا روي عن أبي عبيدة أن القاتل حرم لمكان قتله الميراث أن يعد ذلك في جملة أحكام القرآن إذا كان لا يدل عليه لا مجملاً ولا مفصلاً ، وإذا كان لم يثبت أن شرعهم كشرعنا وأنه لا يلزم الاقتداء بهم ، فإدخال هذا الكلام في أحكام القرآن تعسف.
/ واعلم أن الذي قاله القاضي حق ، ومع ذلك فلنذكر هذه المسألة فنقول : اختلف المجتهدون في أن القاتل هل يرث أم لا ، فعند الشافعي رضي الله عنه لا يرث سواء كان القتل غير مستحق عمداً كان أو خطأ أو كان مستحقاً كالعادل إذا قتل الباغي ، وعند أبي حنيفة رحمه الله ، لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه ، وكذا القاتل إذا كان صبياً أو مجنوناً يرثه لا من ديته ولا من سائر أمواله ، وهو قول علي وعمر وابن عباس وسعيد بن المسيب ، وقال عثمان البتي : قاتل الخطأ يرث وقاتل العمد لا يرث ، وقال مالك : لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله وهو قول الحسن ومجاهد والزهري والأوزاعي. واحتج الشافعي رضي الله عنه بعموم الخبر المشهور المستفيض أنه صلى الله عليه وسلّم قال : "ليس للقاتل من الميراث شيء" إلا أن الاستدلال بهذا الخبر إنما يصح لو جوزنا تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد ، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه ، ثم ههنا دقيقة وهي أن تطرق التخصيص إلى العام يفيد نوع ضعف فلو خصصنا هذا الخبر ببعض الصور فحينئذ يتوالى عليه أسباب الضعف ، فإن كونه خبر واحد يوجب الضعف وكونه على مصادمة الكتاب سبب آخر وكونه مخصوصاً سبب آخر ، فلو خصصنا عموم الكتاب به لكنا قد رجحنا الضعيف جداً على القوي جداً. أما إذا لم يخصص هذا الخبر ألبتة اندفع عنه بعض أسباب الضعف فحينئذ لا يبعد تخصيص عموم الكتاب به. واحتج أبو بكر الرازي على أن العادل إذا قتل الباغي فإنه لا يصير محروماً عن الميراث بأنا لا نعلم خلافاً أن من وجب له القود على إنسان فقتله قوداً أنه لا يحرم من الميراث ، واعلم أن الشافعية يمنعون هذه الصورة والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
0
اعلم أن قوله تعالى : {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنا بَعْدِ ذَالِكَ} فيه مسائل :
المسألة الأولى : الشيء الذي من شأنه بأصل ذاته أن يقبل الأثر عن شيء آخر ثم إنه عرض لذلك القابل ما لأجله صار بحيث لا يقبل الأثر فيقال لذلك القابل : إنه صار صلباً غليظاً قاسياً ، فالجسم من حيث إنه جسم يقبل الأثر عن الغير إلا أن صفة الحجرية لما عرضت للجسم صار / جسم الحجر غير قابل وكذلك القلب من شأنه أن يتأثر عن مطالعة الدلائل والآيات والعبر وتأثره عبارة عن ترك التمرد والعتو والاستكبار وإظهار الطاعة والخضوع لله والخوف من الله تعالى ، فإذا عرض للقلب عارض أخرجه عن هذه الصفة صار في عدم التأثر شبيهاً بالحجر فيقال : قسا القلب وغلظ ، ولذلك كان الله تعالى وصف المؤمنين بالرقة فقال : {كِتَـابًا مُّتَشَـابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} (الزمر : 23).
المسألة الثانية : قال القفال : يجوز أن يكون المخاطبون بقوله : {قُلُوبُكُم} أهل الكتاب الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلّم ، أي اشتدت قلوبكم وقست وصلبت من بعد البينات التي جاءت أوائلكم والأمور التي جرت عليهم والعقاب الذي نزل بمن أصر على المعصية منهم والآيات التي جاءهم بها أنبياؤهم والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم وعلى كل من دان بالتوراة ممن سواهم ، فاخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب ، وهذا أولى لأن قوله تعالى : {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم} خطاب مشافهة ، فحمله على الحاضرين أولى ، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصاً ، ويجوز أن يريد من قبلهم من سلفهم.
(1/471)

المسألة الثالثة : قوله تعالى : {مِّنا بَعْدِ ذَالِكَ } يحتمل أن يكون المراد من بعد ما أظهره الله تعالى من إحياء ذلك القتيل عند ضربه ببعض البقرة المذبوحة حتى عين القاتل ، فإنه روي أن ذلك القتيل لما عين القاتل نسبه القاتل إلى الكذب وما ترك الإنكار ، بل طلب الفتنة وساعده عليه جمع ، فعنده قال تعالى واصفاً لهم : إنهم بعد ظهور مثل هذه الآية قست قلوبهم ، أي صارت قلوبهم بعد ظهور مثل هذه الآية في القسوة كالحجارة ويحتمل أن يكون قوله : {مِّنا بَعْدِ ذَالِكَ } إشارة إلى جميع ما عدد الله سبحانه من النعم العظيمة والآيات الباهرة التي أظهرها على يد موسى عليه السلام ، فإن أولئك اليهود بعد أن كثرت مشاهدتهم لها ما خلوا من العناد والاعتراض على موسى عليه السلام وذلك بين في أخبارهم في التيه لمن نظر فيها.
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
أما قوله تعالى : {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } فيه مسائل.
المسألة الأولى : كلمة "أو" للترديد وهي لا تليق بعلام الغيوب ، فلا بد من التأويل وهو وجوه. أحدها : أنها بمعنى الواو كقوله تعالى : {إِلَى مِا ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} (الصافات : 147) بمعنى ويزيدون ، وكقوله تعالى : {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } (النور : 31) والمعنى وآبائهن وكقوله : {لَّيْسَ عَلَى الاعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الاعْرَجِ} (النور : 61) يعني وبيوت آبائكم. ومن نظائره قوله تعالى : {لَّعَلَّه يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } (طه : 44) ، فالملقيات ذكراً عذراً أو نذراً} (المرسلات : 5 ، 6). وثانيها : أنه تعالى أراد أن يبهمه على العباد فقال ذلك كما يقول المرء لغيره : أكلت خبزاً أو تمراً وهو لا يشك أنه أكل أحدهما إذا أراد أن يبينه لصاحبه. وثالثها : أن يكون المراد فهي كالحجارة ، ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة ، ورابعها : أن الآدميين إذا / اطلعوا على أحوال قلوبهم قالوا : إنها كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة وهو المراد في قوله : (المرسلات : 5 ، 6). وثانيها : أنه تعالى أراد أن يبهمه على العباد فقال ذلك كما يقول المرء لغيره : أكلت خبزاً أو تمراً وهو لا يشك أنه أكل أحدهما إذا أراد أن يبينه لصاحبه. وثالثها : أن يكون المراد فهي كالحجارة ، ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة ، ورابعها : أن الآدميين إذا / اطلعوا على أحوال قلوبهم قالوا : إنها كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة وهو المراد في قوله : {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } (النجم : 9) أي في نظركم واعتقادكم. وخامسها : أن كلمة "أو" بمعنى بل وأنشدوا :
فوالله ما أدري أسلمى تغولت
أم القوم أو كل إلي حبيب
قالوا : أراد بل كل. وسادسها : أنه على حد قولك ما آكل إلا حلواً أو حامضاً أي طعامي لا يخرج عن هذين ، بل يتردد عليهما ، وبالجملة : فليس الغرض إيقاع التردد بينهما ، بل نفي غيرهما. وسابعها : أن "أو" حرف إباحة كأنه قيل بأي هذين شبهت قلوبهم كان صدقاً كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين أي أيهما جالست كنت مصيباً ولو جالستهما معاً كنت مصيباً أيضاً.
المسألة الثانية : قال صاحب "الكشاف" : "أشد" معطوف على الكاف ، إما على معنى أو مثل : "أشد قسوة" فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وإما على أو هي أنفسها أشد قسوة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
المسألة الثالثة : إنما وصفها بأنها أشد قسوة لوجوه. أحدها : أن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلنها كما قال : {لَوْ أَنزَلْنَا هَـاذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَه خَـاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّه } (الحشر : 21). وثانيها : أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى وإن كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره ، وهؤلاء مع ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه وهو كقوله تعالى : {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى الارْضِ وَلا طَـا اـاِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} (الأنعام : 38) إلى قوله تعالى : {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى الظُّلُمَـاتِ } (الأنعام : 39) كأن المعنى أن الحيوانات من غير بني آدم أمم سخر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم. وثالثها : أو أشد قسوة ، لأن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه ، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال ، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها ألبتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه.
(1/472)

المسألة الرابعة : قال القاضي : إن كان تعالى هو الخالق فيهم الدوام على ما هم عليه من الكفر ، فكيف يحسن ذمهم بهذه الطريقة ولو أن موسى عليه السلام خاطبهم فقالوا له : إن الذي خلق الصلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القسوة والخالق في الحجارة انفجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا عما نحن عليه من الكفر بخلق الإيمان فينا ، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت حجتهم عليه أوكد من حجته عليهم ، وهذا النمط من الكلام قد تقدم تقريراً وتفريعاً مراراً وأطواراً.
المسألة الخامسة : إنما قال : {أَشَدُّ قَسْوَةً } ولم يقل أقسى/ لأن ذلك أدل على فرط القسوة ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل : اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة ، وقرىء "قساوة" وترك ضمير المفضل عليه لعدم الالباس / كقولك : زيد كريم وعمرو أكرم. ثم إنه سبحانه وتعالى فضل الحجارة على قلوبهم بأن بين أن الحجارة قد يحصل منها ثلاثة أنواع من المنافع ، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع. فأولها : قوله تعالى : {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الانْهَـارُ } وفيه مسائل :
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
المسألة الأولى : قرىء : "وإن" بالتخفيف وهي إن المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة ، ومنها قوله تعالى : {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} (يس : 32).
المسألة الثانية : التفجر التفتح بالسعة والكثرة ، يقال : انفجرت قرحة فلان ، أي انشقت بالمدة ومنه الفجر والفجور. وقرأ مالك بن دينار "ينفجر" بمعنى وإن من الحجارة ما ينشق فيخرج منه الماء الذي يجري حتى تكون منه الأنهار. قالت الحكماء : إن الأنهار إنما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض ، فإن كان ظاهر الأرض رخواً انشقت تلك الأبخرة وانفصلت ، وإن كان ظاهر الأرض صلباً حجرياً اجتمعت تلك الأبخرة ، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتى تكثر كثرة عظيمة فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهاراً. وثانيها : قوله تعالى : {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ } ، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عيناً لا نهراً جارياً ، أي أن الحجارة قد تندى بالماء الكثير وبالماء القليل ، وفي ذلك دليل تفاوت الرطوبة فيها ، وأنها قد تكثر في حال حتى يخرج منها ما يجري منه الأنهار ، وقد تقل ، وهؤلاء قلوبهم في نهاية الصلابة لا تندى بقبول شيء من المواعظ ولا تنشرح لذلك ولا تتوجه إلى الاهتداء وقوله تعالى : {يَشَّقَّقُ} أي يتشقق ، فأدغم التاء كقوله : {يَذَّكَّرُ} أي يتذكر وقوله : {عَدَدَا * يَـا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} (المزمل : 1) ، يا أيها المدثر} (المدثر : 1). وثالثها : قوله تعالى : (المدثر : 1). وثالثها : قوله تعالى : {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه } .
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
(1/473)

واعلم أن فيه إشكالاً وهو أن الهبوط من خشية الله صفة الأحياء العقلاء ، والحجر جماد فلا يتحقق ذلك فيه ، فلهذا الإشكال ذكروا في هذه الآية وجوهاً. أحدها : قول أبي مسلم خاصة وهو أن الضمير في قوله تعالى : {وَإِنَّ مِنْهَا} راجع إلى القلوب ، فإنه يجوز عليها الخشية والحجارة لا يجوز عليها الخشية : وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة ، أقصى ما في الباب أن الحجارة أقرب المذكورين ، إلا أن هذا الوصف لما كان لائقاً بالقلوب دون الحجارة وجب رجوع هذا الضمير إلى القلوب دون الحجارة ، واعترضوا عليه من وجهين. الأول : أن قوله تعالى : {فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } جملة تامة ، ثم ابتدأ تعالى فذكر حال الحجارة بقوله : {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الانْهَـارُ } فيجب في قوله تعالى : {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه } أن يكون راجعاً إليها ، الثاني : أن الهبوط يليق بالحجارة لا بالقلوب ، فليس تأويل الهبوط أولى من تأويل الخشية ، وثانيها : قول جمع من المفسرين : إن الضمير عائد إلى الحجارة ، لكن لا نسلم أن الحجارة ليست حية عاملة ، بيانه أن المراد من ذلك جبل موسى عليه السلام حين تقطع وتجلى / له ربه ، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك ، وهذا غير مستبعد في قدرة الله ، ونظيره قوله تعالى : {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ} (فصلت : 21) ، فكما جعل الجلد ينطق ويسمع ويعقل ، فكذلك الجبل وصفه بالخشية ، وقال أيضاً : {لَوْ أَنزَلْنَا هَـاذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَه خَـاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّه } (الحشر : 21) ، والتقدير أنه تعالى لو جعل فيه العقل والفهم لصار كذلك ، وروي أنه حن الجزع لصعود رسول الله صلى الله عليه وسلّم المنبر ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه لما أتاه الوحي في أول المبعث وانصرف النبي صلى الله عليه وسلّم إلى منزله سلمت عليه الأحجار والأشجار ، فكلها كانت تقول : السلام عليك يا رسول الله ، قالوا : فغير ممتنع أن يخلق في بعض الأحجار عقل وفهم حتى تحصل الخشية فيه ، وأنكرت المعتزلة هذا التأويل لما أن عندهم البنية واعتدال المزاج شرط قبول الحياة والعقل ، ولا دلالة لهم على اشتراط البنية إلا مجرد الاستبعاد ، فوجب أن لا يلتفت إليهم. وثالثها : قول أكثر المفسرين وهو أن الضمير عائد إلى الحجارة ، وأن الحجارة لا تعقل ولا تفهم ، وذكروا على هذا القول أنواعاً من التأويل. الأول : أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون فيه فينزل إلى أسفل وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر ، فكأن الهبوط من العلو جعل مثلاً للانقياد ، وقوله : {مِنْ خَشْيَةِ اللَّه } ، أي ذلك الهبوط لو وجد من العاقل المختار لكان به خاشياً لله وهو كقوله : {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَه } (الكهف : 77) ، أي جداراً قد ظهر فيه الميلان ومقاربة السقوط ما لو ظهر مثله في حي مختار لكان مريداً للانقضاض ، ونحو هذا قول بعضهم :
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
بخيل تضل البلق من حجراته
ترى الأكم فيه سجداً للحوافر
وقول جرير :
لما أتى خبر الزبير تضعضعت
سور المدينة والجبال الخشع
(1/474)

فجعل الأول ما ظهر في الأكم من أثر الحوافر مع عدم امتناعها من دفع ذلك عن نفسها كالسجود منها للحوافر ، وكذلك الثاني : جعل ما ظهر في أهل المدينة من آثار الجزع كالخشوع. وعلى هذا الوجه تأول أهل النظر قوله تعالى : {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَـاوَاتُ السَّبْعُ وَالارْضُ وَمَن فِيهِنَّا وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَه } (الإسرا : 44) ، وقوله تعالى : {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ} (النحل : 49) الآية ، وقوله تعالى : {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} (الرحمن : 6). الوجه الثاني : في التأويل : أن قوله تعالى : {مِنْ خَشْيَةِ اللَّه } أي ومن الحجارة ما ينزل وما ينشق ويتزايل بعضه عن بعض ، عند الزلازل من أجل ما يريد الله بذلك من خشية عباده له وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة. وتحقيقه أنه لما كان المقصود الأصلي من إهباط الأحجار في الزلازل الشديدة أن تحصل خشية الله تعالى في قلوب العباد صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في حصول ذلك الهبوط ، فكلمة "من" لابتداء الغاية فقوله : {مِنْ خَشْيَةِ اللَّه } ، أي بسبب أن تحصل خشية الله في القلوب ، الوجه الثالث : ما ذكره الجبائي وهو أنه فسر الحجارة بالبرد الذي يهبط من السحاب تخويفاً من الله تعالى لعباده ليزجرهم به. قال وقوله تعالى : / {مِنْ خَشْيَةِ اللَّه } أي خشية الله ، أي ينزل بالتخويف للعباد أو بما يوجب الخشية لله كما يقال : نزل القرآن بتحريم كذا وتحليل كذا أي بإيجاب ذلك على الناس ، قال القاضي : هذا التأويل ترك للظاهر من غير ضرورة لأن البرد لا يوصف بالحجارة ، لأنه وإن اشتد عند النزول فهو ماء في الحقيقة ولأنه لا يليق ذلك بالتسمية.
أما قوله تعالى : {وَمَا اللَّهُ بِغَـافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فالمعنى أن الله تعالى بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم محصي لها فهو يجازيهم بها في الدنيا والآخرة وهو كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} وفي هذا وعيد لهم وتخويف كبير لينزجروا. فإن قيل : هل يصح أن يوصف الله بأنه ليس بغافل ؟
قلنا : قال القاضي : لا يصح لأنه يوهم جواز الغفلة عليه وليس الأمر كذلك لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها عليه ، بدليل قوله تعالى : {أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ } والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 543
558
اعلم أنه سبحانه لما ذكر قبائح أفعال أسلاف اليهود إلى ههنا ، شرح من هنا قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلّم ، قال القفال رحمه الله : إن فيما ذكره الله تعالى في هذه السورة من أقاصيص بني إسرائيل وجوهاً من المقصد ، أحدها : الدلالة بها على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم لأنه أخبر عنها من غير تعلم ، وذلك لا يمكن أن يكون إلا بالوحي ويشترك في الانتفاع بهذه الدلالة أهل الكتاب والعرب ، أما أهل الكتاب فلأنهم كانوا يعلمون هذه القصص فلما سمعوها من محمد من غير تفاوت أصلاً ، علموا لا محالة أنه ما أخذها إلا من الوحي. وأما العرب فلما يشاهدون من أن أهل الكتاب يصدقون محمداً في هذه الأخبار. وثانيها : تعديد النعم على بني إسرائيل وما منّ الله تعالى به على أسلافهم من أنواع الكرامة والفضل كالإنجاء من آل فرعون بعدما كانوا مقهورين مستعبدين ونصره إياهم وجعلهم أنبياء وملوكاً وتمكينه لهم في الأرض وفرقه بهم البحر وإهلاكه عدوهم وإنزاله النور والبيان عليهم بواسطة إنزال التوراة والصفح عن الذنوب التي ارتكبوها من عبادة العجل ونقض المواثيق ومسألة النظر إلى الله جهرة ، ثم ما أخرجه لهم في التيه من الماء العذب من الحجر وإنزاله عليهم المن والسلوى ووقايتهم من حر الشمس بتظليل الغمام ، فذكرهم الله هذه النعم القديمة والحديثة ، وثالثها : إخبار النبي عليه السلام / بتقديم كفرهم وخلافهم وشقاقهم وتعنتهم مع الأنبياء ومعاندتهم لهم وبلوغهم في ذلك ما لم يبلغه أحد من الأمم قبلهم ، وذلك لأنهم بعد مشاهدتهم الآيات الباهرة عبدوا العجل بعد مفارقة موسى عليه السلام إياهم بالمدة اليسيرة ، فدل على بلادتهم ، ثم لما أمروا بدخول الباب سجداً وأن يقولوا حطة ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم ويزيد في ثواب محسنهم بدلوا القول وفسقوا ، ثم سألوا الفوم والبصل بدل المن والسلوى ، ثم امتنعوا من قبول التوراة بعد إيمانهم بموسى وضمانهم له بالمواثيق أن يؤمنوا به وينقادوا لما يأتي به حتى رفع فوقهم الجبل ثم استحلوا الصيد في السبت واعتدوا ، ثم لما أمروا بذبح البقرة شافهوا موسى عليه السلام بقولهم : {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } (
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
(1/475)

البقرة : 67) ، ثم لما شاهدوا إحياء الموتى ازدادوا قسوة ، فكأن الله تعالى يقول : إذا كانت هذه أفعالهم فيما بينهم ومعاملاتهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به وأنقذهم من الرق والآفة بسببه ، فغير بديع ما يعامل به أخلافهم محمداً عليه السلام ، فليهن عليكم أيها النبي والمؤمنون ما ترونه من عنادهم وإعراضهم عن الحق. ورابعها : تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلّم من نزول العذاب عليهم كما نزل بأسلافهم في تلك الوقائع المعدودة. وخامسها : تحذير مشركي العرب أن ينزل العذاب عليهم كما نزل على أولئك اليهود ، وسادسها : أنه احتجاج على مشركي العرب المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء ، وهو المراد من قوله تعالى : {كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى } (البقرة : 73) إذا عرفت هذا فنقول : إنه عليه السلام كان شديد الحرص على الدعاء إلى الحق وقبولهم الإيمان منه ، وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم ، فقص الله تعالى عليه أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل الكتاب في زمانه من قلة القبول والاستجابة ، فقال تعالى : {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ} وههنا مسائل :
المسألة الأولى : في قوله تعالى : {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ} وجهان : الأول : وهو قول ابن عباس أنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلّم خاصة لأنه هو الداعي وهو المقصود بالاستجابة واللفظ وإن كان للعموم ، لكنا حملناه على الخصوص لهذه القرينة ، روي أنه عليه السلام حين دخل المدينة ودعا اليهود إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية. الثاني : وهو قول الحسن أنه خطاب مع الرسول والمؤمنين. قال القاضي : وهذا أليق بالظاهر لأنه عليه السلام وإن كان الأصل في الدعاء فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها ، فصح أن يقول تعالى : {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ} ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا كان ذلك صحيحاً فلا وجه لترك الظاهر.
المسألة الثانية : المراد بقوله : {أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ} هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول عليه السلام لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا وخلافه لأن الطمع إنما يصح في المستقبل لا في الواقع.
/
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
المسألة الثالثة : ذكروا في سبب الاستبعاد وجوهاً. أحدها : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه السلام ، وكان هو السبب في أن الله خلصهم من الذل وفضلهم على الكل ، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين. الثاني : أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك ، بل غيره وبدله. الثالث : أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه.
المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : القوم مكلفون بأن يؤمنوا بالله. فما الفائدة في قوله : {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ} ؟
الجواب : أنه يكون إقراراً لهم بما دعوا إليه ولو كان الإيمان لله كما قال تعالى : {فَـاَامَنَ لَه لُوطٌ } لما أقر بنبوته وبتصديقه ، ويجوز أن يراد بذلك أن يؤمنوا لأجلكم ولأجل تشددكم في دعائهم إليه فيكون هذا معنى الإضافة.
أما قوله تعالى : {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} فقد اختلفوا في ذلك الفريق ، منهم من قال : المراد بالفريق من كان في أيام موسى عليه السلام لأنه تعالى وصف هذا الفريق بأنهم يسمعون كلام الله. والذين سمعوا كلام الله هم أهل الميقات ، ومنهم من قال : بل المراد بالفريق من كان في زمن محمد عليه الصلاة والسلام ، وهذا أقرب لأن الضمير في قوله تعالى : {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله : {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ} وقد بينا أن الذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. فإن قيل : الذين سمعوا كلام الله هم الذين حضروا الميقات ، قلنا : لا نسلم بل قد يجوز فيمن سمع التوراة أن يقال : إنه سمع كلام الله كما يقال لأحدنا سمع كلام الله إذا قرىء عليه القرآن.
أما قوله تعالى : {ثُمَّ يُحَرِّفُونَه } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال القفال : التحريف التغيير والتبديل وأصله من الانحراف عن الشيء والتحريف عنه ، قال تعالى : {إِلا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} (الأنفال : 16) والتحريف هو إمالة الشيء عن حقه ، يقال : قلم محرف إذا كان رأسه قط مائلاً غير مستقيم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
(1/476)

المسألة الثانية ؛ قال القاضي : إن التحريف إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى ، وحمل التحريف على تغيير اللفظ أولى من حمله على تغيير المعنى ، لأن كلام الله تعالى إذا كان باقياً على جهته وغيروا تأويله فإنما يكونون مغيرين لمعناه لا لنفس الكلام المسموع/ فإن أمكن أن يحمل على ذلك كما روي عن ابن عباس من أنهم زادوا فيه ونقصوا فهو أولى ، وإن لم يمكن ذلك فيجب أن يحمل على تغيير تأويله وإن كان التنزيل ثابتاً ، وإنما يمتنع ذلك إذا ظهر كلام الله ظهوراً متواتراً كظهور القرآن ، فأما قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع تحريف نفس كلامه ، لكن ذلك ينظر فيه ، فإن كان تغييرهم له يؤثر في قيام الحجة به فلا بد من أن يمنع الله تعالى منه وإن لم يؤثر في ذلك صح / وقوعه فالتحريف الذي يصح في الكلام يجب أن يقسم على ما ذكرناه ، فأما تحريف المعنى فقد يصح على وجه ما ، لم يعلم قصد الرسول باضطرار فإنه متى علم ذلك امتنع منهم التحريف لما تقدم من علمهم بخلافه كما يمتنع الآن أن يتأول متأول تحريم لحم الخنزير والميتة والدم على غيرها.
المسألة الثالثة : اعلم أنا إن قلنا بأن المحرفين هم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام ، فالأقرب أنهم حرفوا ما لا يتصل بأمر محمد صلى الله عليه وسلّم. روي أن قوماً من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به موسى وما نهى عنه ، ثم قالوا : سمعنا الله يقول في آخره : إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس ، وأما إن قلنا : المحرفون هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام فالأقرب أن المراد تحريف أمر محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك إما أنهم حرفوا نعت الرسول وصفته أو لأنهم حرفوا الشرائع كما حرفوا آية الرجم وظاهر القرآن لا يدل على أنهم أي شيء حرفوا.
المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول اليأس من إيمان الباقين ، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين ؟
أجاب القفال عنه فقال : يحتمل أن يكون المعنى كيف يؤمن هؤلاء وهم إنما يأخذون دينهم ويتعلمونه من قوم هم يتعمدون التحريف عناداً ، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وغيروه عن وجهه والمقلدة لا يقبلون إلا ذلك ولا يلتفتون إلى قول أهل الحق وهو كقولك للرجل : كيف تفلح وأستاذك فلان أي وأنت عنه تأخذ ولا تأخذ عن غيره.
المسألة الخامسة : اختلفوا في قوله : {أَفَتَطْمَعُونَ} فقال قائلون : آيسهم الله تعالى من إيمان هذه الفرقة وهم جماعة بأعيانهم. وقال آخرون : لم يؤيسهم من ذلك إلا من جهة الاستبعاد له منهم مع ما هم عليه من التحريف والتبديل والعناد ، قالوا : وهو كما لا نطمع لعبيدنا وخدمنا أن يملكوا بلادنا. ثم إنا لا نقطع بأنهم لا يملكون بل نستبعد ذلك. ولقائل أن يقول : إن قوله تعالى : {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ} استهفام على سبيل الإنكار ، فكان ذلك جزماً بأنهم لا يؤمنون ألبتة فإيمان من أخبر الله عنه أنه لا يؤمن ممتنع ، فحينئذ تعود الوجوه المقررة للخبر على ما تقدم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
أما قوله تعالى : {مِنا بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} ، فالمراد أنهم علموا بصحته وفساد ما خلقوه فكانوا معاندين مقدمين على ذلك بالعمد ، فلأجل ذلك يجب أن يحمل الكلام على أنهم العلماء منهم وأنهم فعلوا ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه الله تعالى من بعد في قوله تعالى : {وَاشْتَرَوْا بِه ثَمَنًا قَلِيلا } (آل عمران : 187) وقال تعالى : {يَعْرِفُونَه كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ } (البقرة : 146) (الأنعام : 20) ويجب أن يكون في عددهم قلة لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم كتمان ما يعتقدون لأنا إن جوزنا ذلك لم يعلم المحق من المبطل وإن كثر العدد.
أما قوله تعالى : {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فلقائل أن يقول : قوله تعالى : {عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تكرار / لا فائدة فيه : أجاب القفال عنه من وجهين ، الأول : من بعد ما عقلوه مراد الله فأولوه تأويلاً فاسداً يعلمون أنه غير مراد الله تعالى. الثاني : أنهم عقلوا مراد الله تعالى ، وعلموا أن التأويل الفاسد يكسبهم الوزر والعقوبة من الله تعالى ، ومتى تعمدوا التحريف مع العلم بما فيه من الوزر كانت قسوتهم أشد وجراءتهم أعظم ، ولما كان المقصود من ذلك تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتصبيره على عنادهم فكلما كان عنادهم أعظم كان ذلك في التسلية أقوى ، وفي الآية مسألتان :
(1/477)

المسألة الأولى : قال القاضي قوله تعالى : {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ} على ما تقدم تفسيره ، يدل على أن إيمانهم من قبلهم لأنه لو كان بخلق الله تعالى فيهم لكان لا يتغير حال الطمع فيهم بصفة الفريق الذي تقدم ذكرهم ، ولما صح كون ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلّم وللمؤمنين لأن على هذا القول أمرهم في الإيمان موقوف على خلقه تعالى ذلك ، وزواله موقوف على أن لا يخلقه فيهم ومن وجه آخر وهو أعظامه تعالى لذنبهم في التحريف من حيث فعلوه وهم يعلمون صحته ، ولو كان ذلك من خلقه لكان بأن يعلموا أو لا يعلموا لا يتغير ذلك وإضافته تعالى التحريف إليهم على وجه الذم تدل على ذلك ، واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة.
المسألة الثانية : قال أبو بكر الرازي : تدل الآية على أن العالم المعاند فيه أبعد من الرشد وأقرب إلى اليأس من الجاهل ، لأن قوله تعالى : {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ} يفيد زوال الطمع في رشدهم لمكابرتهم الحق بعد العلم به.
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
0
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلّم والمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم قالوا لهم : آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في كتابنا ، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجوكم به ، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف / بشهادة التوراة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم فلا حجة أقوى من ذلك ، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضاً من الاعتراف بذلك عند محمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه ، قال القفال : قوله : {فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} مأخوذ من قولهم قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه.
أما قوله : {عِندَ رَبِّكُمْ } ففيه وجوه. أحدها : أنهم جعلوا محاجتهم به وقوله هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله ، ألا تراك تقول هو في كتاب الله هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد. وثانيها : قال الحسن : أي ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم الله تعالى من اتباع الرسل تصح أن توصف بأنها محاجة فيه لأنها محاجة في دينه. وثالثها : قال الأصم : المراد يحاجوكم يوم القيامة وعند التساؤل فيكون ذلك زائداً في توبيخكم وظهور فضيحتكم على رؤوس الخلائق في الموقف لأنه ليس من اعتراف بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإنكار فكان القوم يعتقدون أن ظهور ذلك مما يزيد في انكشاف فضيحتهم في الآخرة. ورابعها : قال القاضي أبو بكر : إن المحتج بالشيء قد يحتج ويكون غرضه من إظهار تلك الحجة حصول السرور بسبب غلبة الخصم وقد يكون غرضه منه الديانة والنصيحة ، فقط ليقطع عذر خصمه ويقرر حجة الله عليه فقال القوم عند الخلوة قد حدثتموهم بما فتح الله عليكم من حجتهم في التوراة فصاروا يتمكنون من الاحتجاج به على وجه الديانة والنصيحة ، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه قد أوجبت عليك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي فإن قبلت أحسنت إلى نفسك وإن جحدت كنت الخاسر الخائب. وخامسها : قال القفال : يقال : فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي ، وهذا عند الشافعي حلال وعند أبي حنيفة حرام ، أي في حكمهما وقوله : {لِيُحَآجُّوكُم بِه عِندَ رَبِّكُمْ } أي لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله. وتأول بعض العلماء قوله تعالى : {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَآءِ فَ أولئك عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَـاذِبُونَ} (النور : 13) أي في حكم الله وقضائه لأن القاذف إذا لم يأت بالشهود لزمه حكم الكاذبين وإن كان في نفسه صادقاً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
0
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلّم والمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم قالوا لهم : آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في كتابنا ، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجوكم به ، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف / بشهادة التوراة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم فلا حجة أقوى من ذلك ، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضاً من الاعتراف بذلك عند محمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه ، قال القفال : قوله : {فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} مأخوذ من قولهم قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه.
(1/478)

أما قوله : {عِندَ رَبِّكُمْ } ففيه وجوه. أحدها : أنهم جعلوا محاجتهم به وقوله هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله ، ألا تراك تقول هو في كتاب الله هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد. وثانيها : قال الحسن : أي ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم الله تعالى من اتباع الرسل تصح أن توصف بأنها محاجة فيه لأنها محاجة في دينه. وثالثها : قال الأصم : المراد يحاجوكم يوم القيامة وعند التساؤل فيكون ذلك زائداً في توبيخكم وظهور فضيحتكم على رؤوس الخلائق في الموقف لأنه ليس من اعتراف بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإنكار فكان القوم يعتقدون أن ظهور ذلك مما يزيد في انكشاف فضيحتهم في الآخرة. ورابعها : قال القاضي أبو بكر : إن المحتج بالشيء قد يحتج ويكون غرضه من إظهار تلك الحجة حصول السرور بسبب غلبة الخصم وقد يكون غرضه منه الديانة والنصيحة ، فقط ليقطع عذر خصمه ويقرر حجة الله عليه فقال القوم عند الخلوة قد حدثتموهم بما فتح الله عليكم من حجتهم في التوراة فصاروا يتمكنون من الاحتجاج به على وجه الديانة والنصيحة ، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه قد أوجبت عليك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي فإن قبلت أحسنت إلى نفسك وإن جحدت كنت الخاسر الخائب. وخامسها : قال القفال : يقال : فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي ، وهذا عند الشافعي حلال وعند أبي حنيفة حرام ، أي في حكمهما وقوله : {لِيُحَآجُّوكُم بِه عِندَ رَبِّكُمْ } أي لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله. وتأول بعض العلماء قوله تعالى : {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَآءِ فَ أولئك عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَـاذِبُونَ} (النور : 13) أي في حكم الله وقضائه لأن القاذف إذا لم يأت بالشهود لزمه حكم الكاذبين وإن كان في نفسه صادقاً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
أما قوله : {أَفَلا تَعْقِلُونَ} ففيه وجوه. أحدها : أنه يرجع إلى المؤمنين فكأنه تعالى قال : أفلا تعقلون لما ذكرته لكم من صفتهم أن الأمر لا مطمع لكم في إيمانهم. وهو قول الحسن. وثانيها : أنه راجع إليهم فكأن عند ما خلا بعضهم ببعض قالوا لهم أتحدثونهم بما يرجع وباله عليكم وتصيرون محجوجين به ، أفلا تعقلون أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه. وهذا الوجه أظهر لأنه من تمام الحكاية عنهم فلا وجه لصرفه عنهم إلى غيرهم.
أما قوله تعالى : {أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} ففيه قولان ، الأول : وهو قول الأكثرين إن اليهود كانوا يعرفون الله ويعرفون أنه تعالى يعلم السر والعلانية فخوفهم الله به. الثاني : أنهم ما علموا بذلك فرغبهم بهذا القول في أن يتفكروا فيعرفوا أن لهم رباً يعلم سرهم وعلانيتهم وأنهم لا يأمنون حلول العقاب بسبب نفاقهم ، وعلى القولين جميعاً ، فهذا الكلام زجر / لهم عن النفاق ، وعن وصية بعضهم بعضاً بكتمان دلائل نبوة محمد. والأقرب أن اليهود المخاطبين بذلك كانوا عالمين بذلك ، لأنه لا يكاد يقال على طريق الزجر : أولا يعلم كيت وكيت إلا وهو عالم بذلك الشيء ، ويكون ذلك الشيء زاجراً له عن ذلك الفعل ، وقال بعضهم : هؤلاء اليهود كيف يستجيزون أن يسر إلى إخوانهم النهي عن إظهار دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم وهم ليسوا كالمنافين الذين لا يعلمون الله ولا يعلمون كونه عالماً بالسر والعلانية ، فشأنهم من هذه الجهة أعجب. قال القاضي : الآية تدل على أمور. أحدها : أنه تعالى إن كان هو الخالق لأفعال العباد فكيف يصح أن يزجرهم عن تلك الأقوال والأفعال. وثانيها : أنها تدل على صحة الحجاج والنظر وأن ذلك كان طريقة الصحابة والمؤمنين وأن ذلك كان ظاهراً عند اليهود حتى قال بعضهم لبعض ما قالوه ، وثالثها : أنها تدل على أن الحجة قد تكون إلزامية لأنهم لما اعترفوا بصحة التوراة وباشتمالها على ما يدل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا جرم لزمهم الاعتراف بالنبوة ولو منعوا إحدى تينك المقدمتين لما تمت الدلالة. ورابعها : أنها تدل على أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية يكون أعظم جرماً ووزراً والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
0
(1/479)

اعلم أن المراد بقوله : {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} اليهود لأنه تعالى لما وصفهم بالعناد وأزال الطمع عن إيمانهم بين فرقهم ، فالفرقة الأولى هي الفرقة الضالة المضلة ، وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. والفرقة الثانية : المنافقون ، والفرقة الثالثة : الذين يجادلون المنافقين ، والفرقة الرابعة : هم المذكورون في هذه الآية وهم العامة الأميون الذين لا معرفة عندهم بقراءة ولا كتابة وطريقتهم التقليد وقبول ما يقال لهم ، فبين الله تعالى أن الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الامتناع واحداً بل لكل قسم منهم سبب آخر ومن تأمل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من شرح فرق اليهود وجد ذلك بعينه في فرق هذه الأمة ، فإن فيهم من يعاند الحق ويسعى في إضلال الغير وفيهم من يكون متوسطاً ، وفيهم من يكون عامياً محضاً مقلداً ، وههنا مسائل :
/ المسألة الأولى : اختلفوا في الأمي فقال بعضهم هو من لا يقر بكتاب ولا برسول. وقال آخرون : من لا يحسن الكتابة والقراءة وهذا الثاني أصوب لأن الآية في اليهود وكانوا مقرين بالكتاب والرسول ولأنه عليه الصلاة والسلام قال : "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" وذلك يدل على هذا القول ، ولأن قوله : {لا يَعْلَمُونَ الْكِتَـابَ} لا يليق إلا بذلك.
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
المسألة الثانية : "الأماني" جمع أمنية ولها معانٍ مشتركة في أصل واحد ، أحدها : ما تخيله الإنسان فيقدر في نفسه وقوعه ويحدثها بكونه ، ومن هذا قولهم : فلان يعد فلاناً ويمنيه ومنه قوله تعالى : {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِم وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَـانُ إِلا غُرُورًا} (النساء : 12) فإن فسرنا الأماني بهذا كان قوله : (إلا أماني إلا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله تعالى لا يؤاخذهم بخطاياهم) وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة. وثانيها : {إِلا أَمَانِىَّ} إلا أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد ، قال أعرابي لابن دأب في شيء حدث به : أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته. وثالثها : {إِلا أَمَانِىَّ} أي إلا ما يقرأون من قوله : تمنى كتاب الله أول ليلة. قال صاحب "الكشاف" والاشتقاق منى من ، إذا قدر لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوز ما يتمناه ، وكذلك المختلق والقارىء يقدر أن كلمة كذا بعد كذا ، قال أبو مسلم : حمله على تمنى القلب أولى بدليل قوله تعالى : {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـارَى ا تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } (البقرة : 111) أي تمنيهم. وقال الله تعالى : {لَّيْسَ بِأَمَـانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَـابِا مَن يَعْمَلْ سُواءًا يُجْزَ بِه } (النساء : 123) وقال : {تِلْكَ أَمَانِيُّهُم قُلْ هَاتُوا بُرْهَـانَكُمْ} (البقرة : 111) وقال تعالى : {وَقَالُوا مَا هِىَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلا الدَّهْرُا وَمَا لَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍا إِنْ هُمْ} (الجاثية : 24) بمعنى يقدرون ويخرصون. وقال الأكثرون : حمله على القراءة أولى كقوله تعالى : {إِذَا تَمَنَّى ا أَلْقَى الشَّيْطَـانُ فِى أُمْنِيَّتِه } (الحج : 52) ولأن حمله على القراءة أليق بطريقة الاستثناء لأنا إذا حملناه على ذلك كان له به تعلق فكأنه قال : لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه ، ثم إنهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل ، وإذا حمل على أن المراد الأحاديث والأكاذيب أو الظن والتقدير وحديث النفس كان الاستثناء فيه نادراً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
المسألة الثالثة : قوله تعالى : {إِلا أَمَانِىَّ} من الاستثناء المنقطع ، قال النابغة :
حلفت يميناً غير ذي مثنوية
ولا علم إلا حسن ظن بغائب
(1/480)

وقرىء "إلا أماني" بالتخفيف. أما قوله تعالى : {وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ} فكالمحقق لما قلناه لأن الأماني إن أريد بها التقدير والفكر لأمور لا حقيقة لها ، فهي ظن ويكون ذلك تكراراً. ولقائل أن يقول : حديث النفس غير والظن غير فلا يلزم التكرار وإذا حملناه على التلاوة عليهم يحسن معناه ، فكأنه تعالى قال : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا بأن يتلى عليهم فيسمعوه وإلا بأن يذكرهم تأويله كما يراد فيظنون ، وبين تعالى أن هذه الطريقة لا توصل إلى الحق ، وفي الآية مسائل. أحدها : أن المعارف كسبية لا ضرورية فلذلك ذم من لا يعلم ويظن. وثانيها : بطلان التقليد مطلقاً وهو مشكل لأن / التقليد في الفروع جائز عندنا. وثالثها : أن المضل وإن كان مذموماً فالمغتر بإضلال المضل أيضاً مذموم لأنه تعالى ذمهم وإن كانوا بهذه الصفة ، ورابعها : أن الاكتفاء بالظن في أصول الدين غير جائز والله أعلم. أما قوله تعالى : {فَوَيْلٌ} فقالوا : الويل كلمة يقولها كل مكروب ، وقال ابن عباس : إنه العذاب الأليم. وعن سفيان الثوري : إنه مسيل صديد أهل جهنم ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "إنه واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره". قال القاضي : "ويل" يتضمن نهاية الوعيد والتهديد فهذا القدر لا شبهة فيه سواء كان الويل عبارة عن وادٍ في جهنم أو عن العذاب العظيم.
أما قوله تعالى : {يَكْتُبُونَ الْكِتَـابَ بِأَيْدِيهِمْ} ففيه وجهان. الأول : أن الرجل قد يقول كتبت إذا أمر بذلك ففائدة قوله : {بِأَيْدِيهِمْ} أنه لم يقع منهم إلا على هذا الوجه. الثاني : أنه تأكيد وهذا الموضع مما يحسن فيه التأكيد كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه : يا هذا كتبته بيمينك. أما قوله تعالى : {ثُمَّ يَقُولُونَ هَـاذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ} فالمراد أن من يكتب هذه الكتابة ويكسب هذا الكسب في غاية الرداءة لأنهم ضلوا عن الدين وأضلوا وباعوا آخرتهم بدنياهم ، فذنبهم أعظم من ذنب غيرهم ، فإن المعلوم أن الكذب على الغير بما يضر يعظم إثمه فكيف بمن يكذب على الله ويضم إلى الكذب الإضلال ويضم إليهما حب الدنيا والاحتيال في تحصيلها ويضم إليها أنه مهد طريقاً في الإضلال باقياً على وجه الدهر ، فلذلك عظم تعالى ما فعلوه. فإن قيل : إنه تعالى حكى عنهم أمرين. أحدهما : كتبة الكتاب والآخر : إسناده إلى الله تعالى على سبيل الكذب ، فهذا الوعيد مرتب على الكتبة أو على إسناد المكتوب إلى الله أو عليهما معاً ؟
قلنا : لا شك أن كتبة الأشياء الباطلة لقصد الإضلال من المنكرات والكذب على الله تعالى أيضاً كذلك والجمع بينهما منكر عظيم جداً. أما قوله تعالى : {لِيَشْتَرُوا بِه ثَمَنًا قَلِيلا } فهو تنبيه على أمرين. الأول : أنه تنبيه على نهاية شقاوتهم لأن العاقل يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في الآخرة لأجل الأجر العظيم في الدنيا ، فكيف يليق به أن يرضى بالعقاب العظيم في الآخرة لأجل النفع الحقير في الدنيا ، الثاني : أنه يدل على أنهم ما فعلوا ذلك التحريف ديانة بل إنما فعلوه طلباً للمال والجاه/ وهذا يدل على أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم ، لأن الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبة ورضا ، ومع ذلك فقد نبه تعالى على تحريمه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
أما قوله تعالى : {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} فالمراد أن كتبتهم لما كتبوه ذنب عظيم بانفراده ، وكذلك أخذهم المال عليه ، فلذلك أعاد ذكر الويل في الكسب ، ولو لم يعد ذكره كان يجوز أن يقال : إن مجموعهما يقتضي الوعيد العظيم دون كل واحد منهما ، فأزال الله تعالى هذه الشبهة واختلفوا في قوله تعالى : {مِّمَّا يَكْسِبُونَ} هل المراد ما كانوا يأخذون على هذه الكتابة والتحريف فقط أو المراد بذلك سائر معاصيهم والأقرب في نظام الكلام أنه راجع إلى المذكور من المال المأخوذ على هذا الوجه وإن كان الأقرب من حيث العموم أنه يشمل الكل ، لكن الذي يرجح الأول أنه متى لم يقيد كسبهم بهذا القيد لم يحسن الوعيد عليه لأن الكسب يدخل فيه الحلال والحرام ، فلا بد من تقييده وأولى ما يقيد / به ما تقدم ذكره. قال القاضي : دلت الآية على أن كتابتهم ليست خلقاً لله تعالى ، لأنها لو كانت خلقاً لله تعالى لكانت إضافتها إليه تعالى بقولهم : {هُوَ مِنْ عِندِ اللَّه } ذلك حقيقة لأنه تعالى إذا خلقها فيهم فهب أن العبد مكتسب إلا أن انتساب الفعل إلى الخالق أقوى من انتسابه إلى المكتسب فكان اسناد تلك الكتبة إلى الله تعالى أولى من إسنادها إلى العبد ، فكان يجب أن يستحقوا الحمد على قولهم فيها. إنها من عند الله ولما لم يكن كذلك علمنا أن تلك الكتبة ليست مخلوقة لله تعالى. والجواب : أن الداعية الموجبة لها من خلق الله تعالى بالدلائل المذكورة فهي أيضاً تكون كذلك والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
0
(1/481)

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أقوالهم وأفعالهم وهو جزمهم بأن الله تعالى لا يعذبهم إلا أياماً قليلة ، وهذا الجزم لا سبيل إليه بالعقل ألبتة أما على قولنا ، فلأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه في فعله ، فلا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي ، وأما على قول المعتزلة فلأن العقل يدل عندهم على أن المعاصي يستحق بها من الله العقاب الدائم ، فلما دل العقل على ذلك احتج في تقدير العقاب مدة ثم في زواله بعدها إلى سمع يبين ذلك ، فثبت أن على المذهبين لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي ، وحيث توجد الدلالة السمعية لم يجز الجزم بذلك ، وههنا مسألتان :
المسألة الأولى : ذكروا في تفسير الأيام المعدودة وجهين. الأول : أن لفظ الأيام لا تضاف إلا إلى العشرة فما دونها ، ولا تضاف إلى ما فوقها. فيقال : أيام خمسة وأيام عشرة ولا يقال أيام أحد عشر إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ } (البقرة : 183 ، 184) هي أيام الشهر كله ، وهي أزيد من العشرة. ثم قال القاضي : إذا ثبت أن الأيام محمولة على العشرة فما دونها فالأشبه أن يقال : إنه الأقل أو الأكثر لأن من يقول ثلاثة يقول أحمله على أقل الحقيقة فله وجه ، ومن يقول عشرة يقول أحمله على الأكثر وله وجه ، فأما حمله على الواسطة أعني على ما هو أقل من العشرة وأزيد من الثلاثة فلا وجه له ، لأنه ليس عدد أولى من عدد اللهم إلا إذا جاءت في تقديرها رواية صحيحة فحينئذ يجب القول بها ، وجماعة من المفسرين قدروها بسبعة أيام ، قال مجاهد : إن اليهود كانت تقول : الدنيا سبعة آلاف سنة فالله تعالى يعذبهم مكان كل ألف سنة يوماً ، فكانوا يقولون : إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام. وحكى الأصم عن بعض اليهود أنهم عبدوا العجل سبعة أيام فكانوا يقولون إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام وهذان الوجهان ضعيفان. أما الأول : فلأنه / ليس بين كون الدنيا سبعة آلاف سنة وبين كون العذاب سبعة أيام مناسبة وملازمة ألبتة. وأما الثاني : فلأنه لا يلزم من كون المعصية مقدرة بسبعة أيام أن يكون عذابها كذلك. أما على قولنا فلأنه يحسن من الله كل شيء بحكم المالكية ، وأما عند المعتزلة فلأن العاصي يستحق على عصيانه العقاب الدائم ما لم توجد التوبة أو العفو ، فإن قيل : أليس أنه تعالى منع من استيفاء الزيادة فقال : {وَجَزَا ؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } (الشورى : 40) فوجب أن لا يزيد العقاب على المعصية ؟
قلنا : إن المعصية تزداد بقدر النعمة. فلما كانت نعم الله على العباد خارجة عن الحصر والحد لا جرم كانت معصيتهم عظيمة جداً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
الوجه الثاني : روي عن ابن عباس أنه فسر هذه الأيام بالأربعين ، وهو عدد الأيام التي عبدوا العجل فيها ، والكلام عليه أيضاً كالكلام على السبعة.
الوجه الثالث : قيل في معنى "معدودة" قليلة ، كقوله تعالى : {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} (يوسف : 20) والله أعلم.
المسألة الثانية ؛ ذهبت الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة ، واحتجوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلّم : "دعي الصلاة أيام إقرائك" ، فمدة الحيض ما يسمى أياماً وأقل عدد يسمى أياماً ثلاثة وأكثره عشرة على ما بيناه/ فوجب أن يكون أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة ، والإشكال عليه ما تقدم.
المسألة الثالثة : ذكر ههنا : {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } وفي آل عمران : {إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ } (آل عمران : 24) ولقائل أن يقول : لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو "أياماً" ؟
والجواب : أن الاسم إن كان مذكراً فالأصل في صفة جمعه التاء. يقال : كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان مؤنثاً كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء ، يقال : جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات. إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادراً نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى : {فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ } و{فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـاتٍ} فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله : {أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } وفي آل عمران بما هو الفرع.
أما قوله تعالى : {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَه ا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : العهد في هذا الموضع يجري مجرى الوعد والخبر ، وإنما سمي خبره سبحانه عهداً لأن خبره سبحانه أوكد من العهود المؤكدة منا بالقسم والنذر ، فالعهد من الله لا يكون إلا بهذا الوجه.
المسألة الثانية : قال صاحب "الكشاف" : "فلن يخلف الله" متعلق بمحذوف وتقديره إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده.
(1/482)

المسألة الثالثة : قوله تعالى : {اتَّخَذْتُمُ} ليس باستفهام ، بل هو إنكار لأنه لا يجوز أن يجعل تعالى حجة رسوله في إبطال قولهم أن يستفهمهم ، بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال وهي أنه لا سبيل / إلى معرفة هذا التقدير إلا بالسمع ، فلما لم يوجد الدليل السمعي وجب ألا يجوز الجزم بهذا التقدير.
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
المسألة الرابعة : قوله تعالى : {فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَه ا } يدل على أنه سبحانه وتعالى منزه عن الكذب وعده ووعيده. قال أصحابنا : لأن الكذب صفة نقص ، والنقص على الله محال ، وقالت المعتزلة : لأنه سبحانه عالم بقبح القبيح وعالم بكونه غنياً عنه ، والكذب قبيح لأنه كذب والعالم بقبح القبيح وبكونه غنياً عنه يستحيل أن يفعله ، فدل على أن الكذب منه محال ، فلهذا قال : {فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَه ا } ، فإن قيل : العهد هو الوعد وتخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي ما عداه ، فلما خص الوعد بأنه لا يخلفه علمنا أن الخلف في الوعيد جائز ، ثم العقل يطابق ذلك ، لأن الخلف في الوعد لؤم وفي الوعيد كرم. قلنا : الدلالة المذكورة قائمة في جميع أنواع الكذب.
المسألة الخامسة : قال الجبائي : دلت الآية على أنه تعالى لم يكن وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده على أنه تعالى يخرج أهل المعاصي والكبائر من النار بعد التكذيب ، لأنه لو وعدهم بذلك لما جاز أن ينكر على اليهود هذا القول ، وإذا ثبت أنه تعالى ما دلهم على ذلك وثبت أنه تعالى دلهم على وعيد العصاة إذا كان بذلك زجرهم عن الذنوب ، فقد وجب أن يكون عذابهم دائماً على ما هو قول الوعيدية ، وإذا ثبت ذلك في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة ، لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم ، إذ كان قدر المعصية من الجميع لا يختلف ، واعلم أن هذا الوجه في نهاية التعسف فنقول : لا نسلم أنه تعالى ما وعد موسى أنه يخرج أهل الكبائر من النار ، قوله : لو وعدهم بذلك لما أنكر على اليهود قولهم ، قلنا : لم قلت إنه تعالى لو وعدهم ذلك لما أنكر على اليهود ذلك ، وما الدليل على هذه الملازمة ؟
ثم إنا نبين شرعاً أن ذلك غير لازم من وجوه. أحدها : لعل الله تعالى إنما أنكر عليهم لأنهم قللوا أيام العذاب/ فإن قولهم : {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } ، يدل على أيام قليلة جداً ، فالله تعالى أنكر عليهم جزمهم بهذه القلة لا أنه تعالى أنكر عليهم انقطاع العذاب. وثانيها : أن المرجئة يقطعون في الجملة بالعفو ، فأما في حق الشخص المعين فلا سبيل إلى القطع ، فلما حكموا في حق أنفسهم بالتخفيف على سبيل الجزم لا جرم أنكر الله عليهم ذلك. وثالثها : أنهم كانوا كافرين وعندنا عذاب الكافر دائم لا ينقطع ، سلمنا أنه تعالى ما وعد موسى عليه السلام أنه يخرج أهل الكبائر من النار ، فلم قلت أنه لا يخرجهم من النار ؟
بيانه أنه فرق بين أن يقال إنه تعالى ما وعده إخراجهم من النار وبين أن يقال : إنه أخبره أنه لا يخرجهم من النار والأول لا مضرة فيه ، فإنه تعالى ربما لم يقل ذلك لموسى إلا أنه سيفعله يوم القيامة ، وإنما رد على اليهود وذلك لأنهم جزموا به من غير دليل ، فكان يلزمهم أن يتوقفوا فيه وأن لا يقطعوا لا بالنفي ولا بالإثبات ، سلمنا أنه تعالى لا يخرج عصاة قوم موسى من النار ، فلم قلت : إنه لا يخرج عصاة هذه الأمة من النار ، وأما قول الجبائي : لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم. فهو تحكم محض ، فإن العقاب حق الله تعالى ، فله أن يتفضل على البعض بالإسقاط وأن لا يتفضل بذلك على الباقين ، فثبت أن هذا الاستدلال / ضعيف. أما قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
{أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} فهو بيان لتمام الحجة المذكورة ، فإنه إذا كان لا طريق إلى التقدير المذكور إلا السمع وثبت أنه لم يوجد السمع ، كان الجزم بذلك التقدير قولاً على الله تعالى بما لا يكون معلوماً لا محالة ، وهذه الآية تدل على فوائد. أحدها : أنه تعالى لما عاب عليهم القول الذي قالوه لا عن دليل علمنا أن القول بغير دليل باطل. وثانيها : أن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلاً لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي. وثالثها : أن منكري القياس وخبر الواحد يتمسكون بهذه الآية. قالوا : لأن القياس وخبر الواحد لا يفيد العلم ، فوجب أن لا يكون التمسك به جائزاً لقوله تعالى : {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} ذكر ذلك في معرض الإنكار. والجواب : أنه لما دلت الدلالة على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد كان وجوب العمل معلوماً ، فكان القول به قولاً بالمعلوم لا بغير المعلوم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 558
568
(1/483)

قال صاحب الكشاف : "بلى" إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله تعالى : {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ} ، أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله : {هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ} . أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي. قال تعالى : {وَجَزَا ؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } (الشورى : 40) ، {مَن يَعْمَلْ سُواءًا يُجْزَ بِه } (النساء : 123) ولما كان من الجائز أن يظن أن كل سيئة صغرت أو كبرت فحالها سواء في أن فاعلها يخلد في النار لا جرم بين تعالى أن الذي يستحق به الخلود أن يكون سيئة محيطة به ، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة السور بالبلد والكوز بالماء وذلك ههنا ممتنع فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة لوجهين. أحدهما : أن المحيط يستر المحاط به والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات كالساترة لتلك الطاعات ، فكانت المشابهة حاصلة من هذه الجهة ، والثاني : أن الكبيرة إذا أحبطت ثواب الطاعات فكأنها استولت على تلك الطاعات وأحاطت بها كما يحيط عسكر العدو بالإنسان ، بحيث لا يتمكن الإنسان من التخلص منه ، فكأنه تعالى قال : بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، فإن قيل : هذه الآية وردت في حق اليهود ، قلنا : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، هذا هو الوجه الذي استدلت المعتزلة به في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر.
واعلم أن هذه المسألة من معظمات المسائل ، ولنذكرها ههنا فنقول : اختلف أهل القبلة في وعيد أصحاب الكبائر ، فمن الناس من قطع بوعيدهم وهم فريقان ، منهم من أثبت الوعيد المؤبد وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج. ومنهم من أثبت وعيداً منقطعاً وهو قول بشر المريسي / والخالد ، ومن الناس من قطع بأنه لا وعيد لهم وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر ، والقول الثالث : أنا نقطع بأنه سبحانه وتعالى يعفو عن بعض المعاصي ولكنا نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا ، ونقطع بأنه تعالى إذا عذب أحداً منهم مدة فإنه لا يعذبه أبداً ، بل يقطع عذابه ، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة وأكثر الإمامية ، فيشتمل هذا البحث على مسألتين. إحداهما : في القطع بالوعيد ، والأخرى : في أنه لو ثبت الوعيد فهل يكون ذلك على نعت الدوام أم لا ؟
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
المسألة الأولى : في الوعيد ولنذكر دلائل المعتزلة أولاً. ثم دلائل المرجئة الخالصة ثم دلائل أصحابنا رحمهم الله. أما المعتزلة فإنهم عولوا على العمومات الواردة في هذا الباب وتلك العمومات على جهتين. بعضها وردت بصيغة "من" في معرض الشرط وبعضها وردت بصيغة الجمع ، أما النوع الأول فآيات ، إحداها : قوله تعالى في آية المواريث : {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} (البقرة : 187) إلى قوله : {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَه وَيَتَعَدَّ حُدُودَه يُدْخِلْهُ نَارًا خَـالِدًا فِيهَا} (النساء : 14) ، وقد علمنا أن من ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وارتكب شرب الخمر والزنا وقتل النفس المحرمة فهو متعد لحدود الله ، فيجب أن يكون من أهل العقاب ، وذلك لأن كلمة "من" في معرض الشرط تفيد العموم على ما ثبت في أصول الفقه ، فمتى حمل الخصم هذه الآية على الكافر دون المؤمن كان ذلك على خلاف الدليل ثم الذي يبطل قوله وجهان. أحدهما : أنه تعالى بين حدوده في المواريث ثم وعد من يطيعه في تلك الحدود وتوعد من يعصيه فيها ، ومن تمسك بالإيمان والتصديق به تعالى فهو أقرب إليها إلى الطاعة فيها ممن يكون منكراً لربوبيته ومكذباً لرسله وشرائعه/ فترغيبه في الطاعة فيها أخص ممن هو أقرب إلى الطاعة فيها وهو المؤمن ، ومتى كان المؤمن مراداً بأول الآية فكذلك بآخرها ، الثاني : أنه قال : {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} ولا شبهة في أن المراد به الحدود المذكورة ، ثم علق بالطاعة فيها الوعد وبالمعصية فيها الوعيد ، فاقتضى سياق الآية أن الوعيد متعلق بالمعصية في هذه الحدود فقط دون أن يضم إلى ذلك تعدي حدود أخر ، ولهذا كان مزجوراً بهذا الوعيد في تعدي هذه الحدود فقط ولو لم يكن مراداً بهذا الوعيد لما كان مزجوراً به ، وإذا ثبت أن المؤمن مراد بها كالكافر بطل قول من يخصها بالكافر ، فإن قيل : إن قوله تعالى : {وَيَتَعَدَّ حُدُودَه } (النساء : 14) جمع مضاف والجمع المضاف عندكم يفيد العموم ، كما لو قيل : ضربت عبيدي ، فإنه يكون ذلك شاملاً لجميع عبيده ، وإذا ثبت ذلك اختصت هذه الآية بمن تعدى جميع حدود الله وذلك هو الكافر لا محالة دون المؤمن ، قلنا : الأمر وإن كان كما ذكرتم نظراً إلى اللفظ لكنه وجدت قرائن تدل على أنه ليس المراد ههنا تعدي جميع الحدود ، أحدها : أنه تعالى قدم على قوله : {وَيَتَعَدَّ حُدُودَه }
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/484)

قوله تعالى : {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} فانصرف قوله : {وَيَتَعَدَّ حُدُودَه } إلى تلك الحدود ، وثانيها : أن الأمة متفقون على أن المؤمن مزجور بهذه الآية عن المعاصي ، ولو صح ما ذكرتم / لكان المؤمن غير مزجور بها ، وثالثها : أنا لو حملنا الآية على تعدي جميع الحدود لم يكن للوعيد بها فائدة لأن أحداً من المكلفين لا يتعدى جميع حدود الله ، لأن في الحدود ما لا يمكن الجمع بينها في التعدي لتضادها ، فإنه لا يتمكن أحد من أن يعتقد في حالة واحدة مذهب الثنوية والنصرانية وليس يوجد في المكلفين من يعصي الله بجميع المعاصي ، ورابعها : قوله تعالى في قاتل المؤمن عمداً : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُه جَهَنَّمُ خَـالِدًا فِيهَا} (النساء : 93) ، دلت الآية على أن ذلك جزاؤه ، فوجب أن يحصل له هذا الجزاء لقوله تعالى : {مَن يَعْمَلْ سُواءًا يُجْزَ بِه } (النساء : 123). وخامسها : قوله تعالى : {النَّارِ * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } إلى قوله : {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَـاـاِذٍ دُبُرَه ا إِلا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاـاهُ جَهَنَّمُا وَبِئْسَ} (الأنفال : 15 ، 16). وسادسها : قوله تعالى : {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه } (الزلزلة : 7 ، 8). وسابعها : قوله تعالى : { يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَـاطِلِ} إلى قوله تعالى : {وَمَن يَفْعَلْ ذَالِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا } (النساء : 29 ، 30). وثامنها : قوله تعالى : {إِنَّه مَن يَأْتِ رَبَّه مُجْرِمًا فَإِنَّ لَه جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى * وَمَن يَأْتِه مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّـالِحَـاتِ فَ أولئك لَهُمُ الدَّرَجَـاتُ الْعُلَى } (طه : 74 ، 75) فبين تعالى أن الكافر والفاسق من أهل العقاب الدائم كما أن المؤمن من أهل الثواب. وتاسعها : قوله تعالى : {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} (
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/485)

طه : 111) وهذا يوجب أن يكون الظالم من أهل الصلاة داخلاً تحت هذا الوعيد ، وعاشرها : قوله تعالى بعد تعداد المعاصي : {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهًا ءَاخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَا وَمَن يَفْعَلْ ذَالِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَـاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ وَيَخْلُدْ فِيه مُهَانًا} (الفرقان : 68 ، 69) بين أن الفاسق كالكافر في أنه من أهل الخلود ، إلا من تاب من الفساق أو آمن من الكفار/ والحادية عشرة : قوله تعالى : {مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَه خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَـاـاِذٍ ءَامِنُونَ * وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ} (النمل : 89 ، 90) الآية ، وهذا يدل على أن المعاصي كلها متوعد عليها كما أن الطاعات كلها موعود عليها ، والثانية عشرة : قوله تعالى : {فَأَمَّا مَن طَغَى * وَءَاثَرَ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى } (النازعات : 37). والثالثة عشرة : قوله تعالى : {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَه فَإِنَّ لَه نَارَ جَهَنَّمَ} (الجن : 23) الآية ولم يفصل بين الكافر والفاسق ، والرابعة عشرة : قوله تعالى : {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَـاطَتْ بِه خَطِى ـئَتُه } الآية ، فحكي في أول الآية قول المرجئة من اليهود فقال : {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } (البقرة : 80) ثم إن الله كذبهم فيه ، ثم قال : {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَـاطَتْ بِه خَطِى ـئَتُه فَأُوالَـا ئِكَ أَصْحَـابُ النَّارِا هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ} فهذه هي الآيات التي تمسكوا بها في المسألة لاشتمالها على صيغة "من" في معرض الشرط واستدلوا على أن هذه اللفظة تفيد العموم بوجوه. أحدها : أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص أو مشتركة بينهما والقسمان باطلان ، فوجب كونها موضوعة للعموم ، أما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للخصوص فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلم أن يعطي الجزاء لكل من أتى بالشرط ، لأن على هذا التقدير لايكون ذلك الجزاء مرتباً على ذلك الشرط ، لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته أنه يحسن أن يكرم كل من دخل داره فعلمنا أن هذه اللفظة ليست للخصوص ، وأما أنه لا يجوز أن / تكون موضوعة للاشتراك ، أما أولاً : فلأن الاشتراك خلاف الأصل ، وأما ثانياً : فلأنه لو كان كذلك لما عرف كيفية ترتيب الجزاء على الشرط إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته ، فيقال له : أردت الرجال أو النساء ، فإذا قال : أردت الرجال يقال له : أردت العرب أو العجم ، فإذا قال : أردت العرب يقال له : أردت ربيعة أو مضر وهلم جراً إلى أن يأتي على جميع التقسيمات الممكنة ، ولما علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان قبح ذلك علمنا أن القول بالاشتراك باطل. وثانيها : أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته حسن استثناء كل واحد من العقلاء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه لأنه لا نزاع في أن المستثنى من الجنس لا بد وأن يكون بحيث يصح دخوله تحت المستثنى منه ، فإما أن يعتبر مع الصحة الوجوب أو لا يعتبر والأول باطل ، أما أولاً : فلأنه يلزم أن لا يبقى بين الاستثناء من الجمع المنكر كقوله : جاءني الفقهاء إلا زيداً وبين الاستثناء من الجمع المعرف كقوله : جاءني الفقهاء إلا زيداً فرق لصحة دخول زيد في الكلامين ، لكن الفرق بينهما معلوم بالضرورة. وأما ثانياً : فلأن الاستثناء من العدد يخرج ما لولاه لوجب دخوله تحته فوجب أن يكون هذا فائدة الاستثناء في جميع المواضع لأن أحداً من أهل اللغة لم يفصل بين الاستثناء الداخل على العدد وبين الداخل على غيره من الألفاظ ، فثبت بما ذكرنا أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك يدل على أن صيغة "من" في معرض الشرط للعموم ، وثالثها : أنه تعالى لما أنزل قوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/486)

{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} (الأنبياء : 98) الآية قال ابن الزبعري : لأخصمن محمداً ثم قال : يا محمد أليس قد عبدت الملائكة أليس قد عبد عيسى ابن مريم فتمسك بعموم اللفظ والنبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر عليه ذلك ، فدل على أن هذه الصيغة تفيد العموم. النوع الثاني : من دلائل المعتزلة : التمسك في الوعيد بصيغة الجمع المعرفة بالألف واللام وهي في آيات. إحداها : قوله تعالى : {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ} (الإنفطار : 14) واعلم أن القاضي والجبائي وأبا الحسن يقولون : إن هذه الصيغة تفيد العموم ، وأبو هاشم يقول : إنها لا تفيد العموم ، فنقول : الذي يدل على أنها للعموم وجوه. أحدها : أن الأنصار لما طلبوا الإمامة احتج عليهم أبو بكر رضي الله عنه بقوله عليه الصلاة والسلام : "الأئمة من قريش" والأنصار سلموا تلك الحجة ولو لم يدل الجمع المعرف بلام الجنس على الاستغراق لما صحت تلك الدلالة ، لأن قولنا : بعض الأئمة من قريش لا ينافي وجود إمام من قوم آخرين. أما كون كل الأئمة من قريش ينافي كون بعض الأئمة من غيرهم ، وروي أن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر لما هم بقتال مانعي الزكاة : أليس قال النبي صلى الله عليه وسلّم : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" احتج على أبي بكر بعموم اللفظ ثم لم يقل أبو بكر ولا أحد من الصحابة : إن اللفظ لا يفيده بل عدل إلى الاستثناء ، فقال إنه عليه الصلاة والسلام قال : "إلا بحقها" وإن كان الزكاة من حقها ، وثانيها : / أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق ، فوجب أن يفيد الاستغراق ، أما أنه يؤكد فلقوله تعالى : {فَسَجَدَ الْمَلَـا اـاِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} (ص : 73) وأما أنه بعد التأكيد يقتضي الاستغراق ، فبالاجماع ، وأما أنه متى كان كذلك وجب كون المؤكد في أصله للاستغراق لأن هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد أجماعاً ، والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ثابتاً في الأصل ، فلو لم يكن الاستغراق حاصلاً في الأصل ، وإنما حصل بهذه الألفاظ ابتداء لم يكن تأثير هذه الألفاظ في تقوية الحكم ، بل في إعطاء حكم جديد ، وكانت مبينة للمجمل لا مؤكدة ، وحيث أجمعوا على أنها مؤكدة علمنا أن اقتضاء الاستغراق كان حاصلاً في الأصل. وثالثها : أن الألف واللام إذا دخلا في الاسم صار الاسم معرفة ، كذا نقل عن أهل اللغة فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة ، وإنما تحصل المعرفة عند إطلاقه بصرفه إلى الكل ، لأنه معلوم للمخاطب ، وأما صرفه إلى ما دون الكل فإنه لا يفيد المعرفة ، لأنه ليس بعض الجمع أولى من بعض ، فكان يبقى مجهولاً. فإن قلت : إذا أفاد جمعاً مخصوصاً من ذلك الجنس فقد أفاد تعريف ذلك الجنس ، قلت : هذه الفائدة كانت حاصلة بدون الألف واللام ، لأنه لو قال : رأيت رجالاً ، أفاد تعريف ذلك الجنس وتميزه عن غيره ، فدل على أن للألف واللام فائدة زائدة وما هي إلا الاستغراق. ورابعها : أنه يصح استثناء أي واحد كان منه وذلك يفيد العموم. وخامسها : الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر ، لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف ولا ينعكس فإنه يجوز أن يقال : رأيت رجالاً من الرجال ، ولا يقال رأيت الرجال من رجال ، ومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع ، إذا ثبت هذا ، فنقول : إن المفهوم من الجمع المعرف ، إما الكل أو ما دونه ، والثاني : باطل لأنه ما من عدد دون الكل إلا ويصح انتزاعه من الجمع المعرف ، وقد علمت أن المنتزع منه أكثر فوجب أن يكون الجمع المعرف مفيداً للكل والله أعلم. أما على طريقة أبي هاشم ، وهي أن الجمع المعرف لا يفيد العموم فيمكن التمسك بالآية من وجهين آخرين. الأول : أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فقوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/487)

{وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ} يقتضي أن الفجور هي العلة ، وإذا ثبت ذلك لزم عموم الحكم لعموم علته وهو المطلوب ، وفي هذا الباب طريقة ثالثة يذكرها النحويون وهي أن اللام في قوله : {وَإِنَّ الْفُجَّارَ} ليست لام تعريف ، بل هي بمعنى الذي ، ويدل عليه وجهان. أحدهما : أنها تجاب بالفاء كقوله تعالى : {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (المائدة : 38) ، وكما تقول الذي يلقاني فله درهم. الثاني : أنه يصح عطف الفعل على الشيء الذي دخلت هذه اللام عليه قال تعالى : {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَـاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} (الحديد : 18) فلولا أن قوله : {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ} بمعنى : إن الذين أصدقوا لما صح أن يعطف عليه قوله : {وَأَقْرِضُواُ اللَّهَ} وإذا ثبت ذلك كان قوله : {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ} معناه : إن الذين فجروا فهم في الجحيم ، وذلك يفيد العموم. الآية الثانية في هذا الباب : قوله تعالى : {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَـن ِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} (مريم : 85 ، 86) ولفظ المجرمين صيغة جمع معرفة بالألف واللام / وثالثها : قوله تعالى : {وَّنَذَرُ الظَّـالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} (مريم : 72) ورابعها : قوله تعالى : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـاكِن يُؤَخِّرُهُمْ} (النحل : 61) بين أنه يؤخر عقابهم إلى يوم آخر وذلك إنما يصدق أن لو حصل عقابهم في ذلك اليوم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
النوع الثالث : من العمومات : صيغ الجموع المقرونة بحرف الذي ، فأحدها : قوله تعالى : {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} (المطففين : 1 ، 2). وثانيها : قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَـامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا } (النساء : 10). وثالثها : قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّـاـاهُمُ الْمَلَـا ئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ} (النحل : 28) فبين ما يستحق على ترك الهجرة وترك النصرة وإن كان معترفاً بالله ورسوله. ورابعها : قوله تعالى : {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةا بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } (يونس : 27) ولم يفصل في الوعيد بين الكافر وغيره ، وخامسها : قوله تعالى : {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (التوبة : 34). وسادسها ؛ قوله تعالى : {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّـاَاتِ} (النساء : 18) ولو لم يكن الفاسق من أهل الوعيد والعذاب لم يكن لهذا القول معنى ، بل لم يكن به إلى التوبة حاجة ، وسابعها : قوله تعالى : {إِنَّمَا جَزَا ؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه وَيَسْعَوْنَ فِى الارْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا } (المائدة : 33) فبين ما على الفاسق من العذاب في الدنيا والآخرة ، وثامنها : قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَـانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أولئك لا خَلَـاقَ لَهُمْ فِى الاخِرَةِ} (آل عمران : 77).
النواع الرابع : من العمومات ، قوله تعالى : {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِه يَوْمَ الْقِيَـامَةِ } (آل عمران : 180) توعد على منع الزكاة.
النوع الخامس من العمومات : لفظة "كل" وهو قوله تعالى : {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى الارْضِ افْتَدَتْ بِه } (يونس : 54) فبين ما يستحق الظالم على ظلمه.
النوع السادس : ما يدل على أنه سبحانه لا بد وأن يفعل ما توعدهم به وهو قوله تعالى : {قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَآ أَنَا بِظَلَّـامٍ لِّلْعَبِيدِ} (ق : 28 ، 29) بين أنه لا يبدل قوله في الوعيد والاستدلال بالآية من وجهين. أحدهما : أنه تعالى جعل العلة في إزاحة العذر تقديم الوعيد ، أي بعد تقديم الوعيد لم يبق لأحد علة ولا مخلص من عذابه ، والثاني : قوله تعالى : {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ} وهذا صريح في أنه تعالى لا بد وأن يفعل ما دل اللفظ عليه ، فهذا مجموع ما تمسكوا به من عمومات القرآن. أما عمومات الأخبار فكثيرة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/488)

فالنوع الأول : المذكور بصيغة "من" أحدها : ما روى وقاص بن ربيعة عن المسور بن شداد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "من أكل بأخيه أكلة أطعمه الله من نار جهنم ، ومن أخذ بأخيه كسوة كساه الله من نار جهنم ومن قام مقام رياء وسمعة أقامه الله يوم القيامة مقام رياء وسمعة" ، وهذا نص في وعيد الفاسق ، ومعنى أقامه : أي جازاه على ذلك ، وثانيها : قال عليه السلام : "من كان ذا لسانين وذا وجهين كان في النار ذا لسانين وذا وجهين" ولم يفصل بين المنافق وبين غيره في هذا الباب ، وثالثها : عن سعيد بن زيد قال عليه السلام : "من ظلم قيد شبر من / أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين ، ورابعها : عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هاجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه". وهذا الخبر يدل على وعيد الفاسق الظالم ويدل على أنه غير مؤمن ولا مسلم على ما يقوله المعتزلة من المنزلة بين المنزلتين. وخامسها : عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "من جاء يوم القيامة بريئاً من ثلاثة ، دخل الجنة : الكبر والغلول والدين" ، وهذا يدل على أن صاحب هذه الثلاثة لا يدخل الجنة وإلا لم يكن لهذا الكلام معنى ، والمراد من الدين من مات عاصياً مانعاً ولم يرد التوبة ولم يتب عنه. وسادسها : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "من سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له طريقاً من طرق الجنة ، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه". وهذا نص في أن الثواب لا يكون إلا بالطاعة ، والخلاص من النار لا يكون إلا بالعمل الصالح ، وسابعها : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "كل مسكر خمر وكل خمر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة" ، وهو صريح في وعيد الفاسق وأنه من أهل الخلود ، لأنه إذا لم يشربها لم يدخل الجنة لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وثامنها : عن أم سلمة قالت : قال عليه السلام : "إنما أنا بشر مثلكم ولعلكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه فإنما قطعت له قطعة من النار". وتاسعها : عن ثابت بن الضحاك قال : قال عليه السلام : "من حلف بملة سوى الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال ومن قتل نفسه بشيء يعذب به في نار جهنم". وعاشرها : عن عبد الله بن عمر قال : قال عليه الصلاة والسلام في الصلاة : "من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة ولا ثواباً وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأبي بن خلف". وهذا نص في أن ترك الصلاة يحبط العمل ويوجب وعيد الأبد ، الحادي عشر : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال عليه السلام : "من لقي الله مدمن خمر لقيه كعابد وثن" ، ولما ثبت أنه لا يكفر علمنا أن المراد منه إحباط العمل ، الثاني عشر : عن أبي هريرة قال : قال عليه السلام : "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يهوي في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومن تردى من جبل متعمداً فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً" ، الثالث عشر : عن أبي ذر قال عليه السلام : "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم/ قلت يا رسول الله من هم خابوا وخسروا ؟
قال : المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف كاذباً" ، يعني بالمسبل المتكبر الذي يسبل إزاره ، ومعلوم أن من لم يكلمه الله ولم يرحمه وله عذاب أليم فهو من أهل النار ، ووروده في الفاسق نص في الباب ، الرابع عشر : عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : "من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من / الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ، ومن لم يجد عرف الجنة فلا شك أنه في النار لأن المكلف لا بد وأن يكون في الجنة أو في النار". الخامس عشر : عن أبي هريرة قال : قال عليه السلام : "من كتم علماً ألجم بلجام من نار يوم القيامة". السادس عشر : عن ابن مسعود قال : قال عليه السلام : "من حلف على يمين كاذباً ليقطع بها مال أخيه لقي الله وهو عليه غضبان" ، وذلك لأن الله تعالى يقول :
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/489)

{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَـانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا} (آل عمران : 77) إلى آخر الآية ، وهذا نص في الوعيد ونص في أن الآية واردة في الفساق كورودها في الكفار ، السابع عشر : عن أبي أمامة قال : قال عليه السلام : "من حلف على يمين فاجرة ليقطع بها مال امرىء مسلم بغير حقه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار ، قيل يا رسول الله : وإن كان شيئاً يسيراً ، قال : وإن كان قضيباً من أراك". الثامن عشر : عن سعيد بن جبير قال : كنت عند ابن عباس فأتاه رجل وقال : إني رجل معيشتي من هذه التصاوير ، فقال ابن عباس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : "من صور فإن الله يعذبه حتى ينفخ فيه الروح وليس بنافخ ، ومن استمع إلى حديث قوم يفرون منه صب في أذنيه الآنك ومن يرى عينيه في المنام ما لم يره كلف أن يعقد بين شعرتين". التاسع عشر : عن معقل بن يسار قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت ، وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة". العشرون : عن ابن عمر في مناظرته مع عثمان حين أراد أن يوليه القضاء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : "من كان قاضياً يقضي بالجهل كان من أهل النار ، ومن كان قاضياً يقضي بالجور كان من أهل النار". الحادي والعشرون : قال عليه السلام : "من ادعى أباً في الإسلام وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام". الثاني والعشرون : عن الحسن عن أبي بكرة قال عليه السلام : "من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة" ، وإذا كان في قتل الكفار هكذا فما ظنك بقتل أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، الثالث والعشرون : عن أبي سعيد الخدري قال : قال عليه السلام : "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" وإذا لم يلبسه في الآخرة وجب أن لا يكون من أهل الجنة لقوله تعالى : {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الانفُسُ} (الزخرف : 71).
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/490)

النوع الثاني : من العمومات الإخبارية الواردة لا بصيغة "من" وهي كثيرة جداً ، الأول : عن نافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : قال عليه السلام : "لا يدخل الجنة مسكين متكبر ولا شيخ زان ولا منان على الله بعمله ، ومن لم يدخل الجنة من المكلفين فهو من أهل النار بالإجماع". الثاني : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال عليه السلام : "ثلاثة يدخلون الجنة : الشهيد ، وعبد نصح سيده وأحسن عبادة ربه ، وعفيف متعفف ، وثلاثة يدخلون النار : أمير مسلط ، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله ، وفقير فخور". الثالث : عن أبي هريرة قال : قال عليه السلام : "إن الله خلق الرحم ، فلما فرغ من خلقه قامت الرحم ، فقالت هذا مقام العائذ من / القطيعة ، قال : نعم ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟
قالت : بلى. قال : فهو ذاك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "فاقرؤوا إن شئتم" ، فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ، {أَوالَـا اـاِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى ا أَبْصَـارَهُمْ} (محمد : 33) ، وهذا نص في وعيد قاطع الرحم وتفسير الآية ، وفي حديث عبد الرحمن بن عوف قال الله تعالى : (أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته). وفي حديث أبي بكرة أنه عليه السلام قال : "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم". الرابع : عن معاذ بن جبل قال : قال عليه السلام لبعض الحاضرين : "ما حق الله على العباد ؟
قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. قال : فما حقهم على الله إذا فعلوا ذلك ؟
قال : أن يغفر لهم ولا يعذبهم". ومعلوم أن المعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط فيلزم أن لا يغفر لهم إذا لم يعبدوه. الخامس : عن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "إذا اقتتل المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار ، فقال : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟
قال : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه" رواه مسلم. السادس : عن أم سلمة قالت : قال عليه السلام : "الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم". السابع : عن أبي سعيد الخدري قال : قال عليه السلام : "والذي نفسي بيده لا يبغض أهل البيت رجل إلا أدخله الله النار" ، وإذا استحقوا النار ببعضهم فلأن يستحقوها بقتلهم أولى. الثامن : في حديث أبي هريرة : أنا خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في عام خيبر إلى أن كنا بوادي القرى ، فبينما يحفظ رجل رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذ جاءه سهم وقتله فقال الناس هنيئاً له الجنة ، قال رسول الله : "كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم حنين من الغنائم لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً". فلما سمع الناس بذلك جاء رجل بشراك أو بشراكين إلى رسول الله فقال عليه السلام : شراك من نار أو شراكين من النار. التاسع : عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "ثلاثة لا يدخلون الجنة : مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق السحر". العاشر : عن أبي هريرة قال عليه السلام : "ما من عبد له مال لا يؤدي زكاته إلا جمع الله له يوم القيامة عليه صفائح من نار جهنم يكوي بها جبهته وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون". هذا مجموع استدلال المعتزلة بعمومات القرآن والأخبار. أجاب أصحابنا عنها من وجوه. أولها : أنا لا نسلم أن صيغة "من" في معرض الشرط للعموم ، ولا نسلم أن صيغة الجمع إذا كانت معرفة باللام للعموم والذي يدل عليه أمور. الأول : أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض على هاتين اللفظتين ، كل من دخل داري أكرمته وبعض من دخل داري أكرمته ، ويقال أيضاً : كل الناس كذا ، وبعض الناس كذا ، ولو كانت لفظة "من" للشرط تفيد الاستغراق لكان إدخال لفظ الكل عليه / تكريراً وإدخال لفظ البعض عليه نقضاً ، وكذلك في لفظ الجمع المعرف ، فثبت أن هذه الصيغ لا تفيد العموم. الثاني : وهو أن هذه الصيغ جاءت في كتاب الله ، والمراد منها تارة الاستغراق وأخرى البعض ، فإن أكثر عمومات القرآن مخصوصة ، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل ولا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بين العموم والخصوص وذلك هو أن يحمل على إفادة الأكثر من غير بيان أنه يفيد الاستغراق أو لا يفيد. الثالث : وهو أن هذه الصيغ لو أفادت العموم إفادة قطعية لاستحال إدخال لفظ التأكيد عليها ، لأنها تحصيل الحاصل محال فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم لا محالة/ سلما أنها تفيد معنى ولكن إفادة قطعية أو ظنية ؟
الأول : ممنوع وباطل قطعاً لأن من المعلوم بالضرورة أن الناس كثيراً ما يعبرون عن الأكثر بلفظ الكل والجميع على سبيل المبالغة كقوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/491)

{وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ} (النمل : 23) فإذا كانت هذه الألفاظ تفيد معنى العموم إفادة ظنية ، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية لم يجز التمسك فيها بهذه العمومات ، سلمنا أنها تفيد معنى العموم إفادة قطعية ولكن لا بد من اشتراط أن لا يوجد شيء من المخصصات ، فإنه لا نزاع في جواز تطرق التخصيص إلى العام ، فلم قلتم : إنه لم يوجد شيء من المخصصات ؟
أقصى ما في الباب أن يقال : بحثنا فلم نجد شيئاً من المخصصات لكنك تعلم أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. وإذا كانت إفادة هذه الألفاظ لمعنى الاستغراق متوقفة على نفي المخصصات ، وهذا الشرط غير معلوم كانت الدلالة موقوفة على شرط غير معلوم ، فوجب أن لا تحصل الدلالة ، ومما يؤكد هذا المقام قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَا ءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} (البقرة : 6) حكم على كل الذين كفروا أنهم لا يؤمنون ، ثم إنا شاهدنا قوماً منهم قد آمنوا فعلمنا أنه لا بد من أحد الأمرين : إما لأن هذه الصيغة ليست موضوعة للشمول أو لأنها وإن كانت موضوعة لهذا المعنى إلا أنه قد وجدت قرينة في زمان الرسول صلى الله عليه وسلّم كانوا يعلمون لأجلها أن مراد الله تعالى من هذا العموم هو الخصوص. وأما ما كان هناك فلم يجوز مثله ههنا ؟
سلمنا أنه لا بد من بيان المخصص ، لكن آيات العفو مخصصة لها والرجحان معنا لأن آيات العفو بالنسبة إلى آيات الوعيد خاصة بالنسبة إلى العام والخاص ، مقدم على العام لا محالة ، سلمنا أنه لم يوجد المخصص ولكن عمومات الوعيد معارضة بعمومات الوعد ، ولا بد من الترجيح وهو معنا من وجوه ، الأول : أن الوفاء بالوعد أدخل في الكرم من الوفاء بالوعيد ، والثاني : أنه قد اشتهر في الأخبار أن رحمة الله سابقة على غضبه وغالبة عليه فكان ترجيح عمومات الوعد أولى. الثالث : وهو أن الوعيد حق الله تعالى والوعد حق العبد ، وحق العبد أولى بالتحصيل من حق الله تعالى ، سلمنا أنه لم يوجد المعارض ولكن هذه العمومات نزلت في حق الكفار ، فلا تكون قاطعة في العمومات ، فإن قيل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، قلنا : هب أنه كذلك ، ولكن لما رأينا كثيراً من الألفاظ العامة وردت في الأسباب الخاصة ، والمراد تلك الأسباب الخاصة فقط علمنا أن / إفادتها للعموم لا يكون قوياً والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/492)

أما الذين قطعوا بنفي العقاب عن أهل الكبائر فقد احتجوا بوجوه. الأول : قوله تعالى : {إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّواءَ عَلَى الْكَـافِرِينَ} (النحل : 27) وقوله تعالى : {إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى } (طه : 48) دلت هذه الآية على أن ماهية الخزي والسوء والعذاب مختصة بالكافر ، فوجب أن لا يحصل فرد من أفراد هذه الماهية لأحد سوى الكافرين. الثاني : قوله تعالى : {قُلْ يَـاعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى ا أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّه إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر : 53) ، حكم تعالى بأنه يغفر كل الذنوب ولم يعتبر التوبة ولا غيرها ، وهذا يفيد القطع بغفران كل الذنوب. الثالث : قوله تعالى : {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ } (الرعد : 6) وكلمة "على" تفيد الحال كقولك : رأيت الملك على أكله ، أي رأيته حال اشتغاله بالأكل ، فكذا ههنا وجب أن يغفر لهم الله حال اشتغالهم بالظلم وحال الاشتغال بالظلم يستحيل حصول التوبة منهم/ فعلمنا أنه يحصل الغفران بدون التوبة ومقتضى هذه الآية أن يغفر للكافر لقوله تعالى : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان : 13) إلا أنه ترك العمل به هناك فبقي معمولاً به في الباقي. والفرق أن الكفر أعظم حالاً من المعصية. الرابع : قوله تعالى : {فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلَـاـاهَآ إِلا الاشْقَى * الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى } (الليل : 14 ـ 16) ، وكل نار فإنها متلظية لا محالة ، فكأنه تعالى قال إن النار لا يصلاها إلا الأشقى الذي هو المكذب المتولي. الخامس : قوله تعالى : {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِا كُلَّمَآ أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلا فِى ضَلَـالٍ كَبِيرٍ} (الملك : 8 ، 9) ، دلت الآية على أن جميع أهل النار مكذب لا يقال هذه الآية خاصة في الكفار ، ألا ترى أنه يقول قبله : {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَآ أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ } . وهذا يدل على أنها مخصوصة في بعض الكفار وهم الذين قالوا : {بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ} (الملك : 6 ـ 9) ، وليس هذا من قول جميع الكفار لأنا نقول : دلالة ما قبل هذه الآية على الكفار لا تمنع من عموم ما بعدها.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/493)

أما قوله : إن هذا ليس من قول الكفار قلنا : لا نسلم ، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون : ما نزل الله من شيء على محمد ، وإذا كان كذلك فقد صدق عليهم أنهم كانوا يقولون ما نزل الله من شيء. السادس : قوله تعالى : {وَهَلْ نُجَـازِى إِلا الْكَفُورَ} (سبأ : 17) وهذا بناء المبالغة فوجب أن يختص بالكفر الأصلي. السابع : أنه تعالى بعدما أخبر أن الناس صنفان : بيض الوجوه وسودهم قال : {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ} (آل عمران : 106) فذكر أنهم الكفار. والثامن : أنه تعالى بعدما جعل الناس ثلاثة أصناف ، السابقون وأصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ، بين أن السابقين وأصحاب الميمنة في الجنة وأصحاب المشأمة في النار ، ثم بين أنهم كفار بقوله : {وَكَانُوا يَقُولُونَ أَاـاِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـامًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} (الواقعة : 47). التاسع : إن صاحب الكبيرة لا يخزى وكل من أدخل النار فإنه يخزى فإذن صاحب الكبيرة لا يدخل النار وإنما قلنا إن صاحب الكبيرة / لا يخزى لأن صاحب الكبيرة مؤمن والمؤمن لا يخزى ، وإنما قلنا : إنه مؤمن لما سبق بيانه في تفسير قوله : {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} (البقرة : 3) من أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإنما قلنا : إن المؤمن لا يخزى لوجوه. أحدها : قوله تعالى : { يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ} (التحريم : 8). وثانيها : قوله : {إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّواءَ عَلَى الْكَـافِرِينَ} (النحل : 27). وثالثها : قوله تعالى : {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَـامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} (آل عمران : 191) إلى أن حكى عنهم أنهم قالوا : {وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَـامَةِ } (آل عمران : 194) ، ثم إنه تعالى قال : {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} (آل عمران : 195) ومعلوم أن الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض يدخل فيه العاصي والزاني وشارب الخمر ، فلما حكى الله عنهم أنهم قالوا : {وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَـامَةِ }
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
ثم بين أنه تعالى استجاب لهم في ذلك ثبت أنه تعالى لا يخزيهم/ فثبت بما ذكرنا أنه تعالى لا يخزي عصاة أهل القبلة ، وإنما قلنا : إن كل من أدخل النار فقد أخزي لقوله تعالى : {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَه } (آل عمران : 192) ، فثبت بمجموع هاتين المقدمتين أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار. العاشر : العمومات الكثيرة الواردة في الوعد نحو قوله : {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أولئك عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِم وَ أولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (البقرة : 4 ـ 5) ، فحكم بالفلاح على كل من آمن ، وقال : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَـارَى وَالصَّـابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ وَعَمِلَ صَـالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا} (البقرة : 62). فقوله : {وَعَمِلَ صَـالِحًا} نكرة في الإثبات فيكفي فيه الإثبات بعمل واحد وقال : {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّـالِحَـاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَ أولئك يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} (النساء : 124) وإنها كثيرة جداً ، ولنا فيه رسالة مفردة من أرادها فليطالع تلك الرسالة. والجواب عن هذه الوجوه : أنها معارضة بعمومات الوعيد ، والكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات يجيء في موضعه إن شاء الله تعالى ، أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض وتوقفوا في البعض فقد احتجوا من القرآن بآيات. الحجة الأولى : الآيات الدالة على كون الله تعالى عفواً غفوراً كقوله تعالى : {وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِه وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّـاَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (الشورى : 25) وقوله تعالى : {وَمَآ أَصَـابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ} (الشورى : 30) وقوله : {وَمِنْ ءَايَـاتِهِ الْجَوَارِ فِى الْبَحْرِ كَالاعْلَـامِ} (الشورى : 32) إلى قوله : {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} (الشورى : 34) وأيضاً أجمعت الأمة على أن الله يعفو عن عباده وأجمعوا على أن من جملة أسمائه العفو فنقول : العفو إما أن يكون عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه أو عمن لا يحسن عقابه ، وهذا القسم الثاني باطل ، لأن عقاب من لا يحسن عقابه قبيح ، ومن ترك مثل هذا الفعل لا يقال : إنه عفا ، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يظلم أحداً لا يقال : أنه عفا عنع ، إنما يقال له : عفا إذا كان له أن يعذبه فتركه ولهذا قال :
(1/494)

جزء : 3 رقم الصفحة : 568
{وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } (البقرة : 237) ولأنه تعالى قال : {وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِه وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّـاَاتِ} (الشورى : 25) ، فلو كان العفو عبارة عن إسقاط العقاب عن التائب لكان ذلك تكريراً / من غير فائدة ، فعلمنا أن العفو عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه وذلك هو مذهبنا. الحجة الثانية : الآيات الدالة على كونه تعالى غافراً وغفوراً وغفاراً ، قال تعالى : {غَافِرِ الذَّنابِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} (غافر : 3) وقال : {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ } (الكهف : 58) وقال : {وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ} (طه : 82) وقال : {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة : 285). والمغفرة ليست عبارة عن إسقاط العقاب عمن لا يحسن عقابه فوجب أن يكون ذلك عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه ، وإنما قلنا : إن الوجه الأول باطل لأنه تعالى يذكر صفة المغفرة في معرض الامتنان على العباد ولو حملناه على الأول لم يبق هذا المعنى لأن ترك القبيح لا يكون منة على العبد بل كأنه أحسن إلى نفسه فإنه لو فعله لاستحق الذم واللوم والخروج عن حد الإلهية فهو بترك القبائح لا يستحق الثناء من العبد/ ولما بطل ذلك تعين حمله على الوجه الثاني وهو المطلوب. فإن قيل : لم يجوز حمل العفو والمغفرة على تأخير العقاب من الدنيا إلى الآخرة والدليل على أن العفو مستعمل في تأخير العذاب عن الدنيا قوله تعالى في قصة اليهود : {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنا بَعْدِ ذَالِكَ} (البقرة : 52) والمراد ليس إسقاط العقاب ، بل تأخيره إلى الآخرة وكذلك قوله تعالى : {وَمَآ أَصَـابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ} أي ما يعجل الله تعالى من مصائب عقابه إما على جهة المحنة أو على جهة العقوبة المعجلة فبذنوبكم ولا يعجل المحنة والعقاب على كثير منها ، وكذا قوله تعالى : {وَمِنْ ءَايَـاتِهِ الْجَوَارِ فِى الْبَحْرِ كَالاعْلَـامِ} إلى قوله : {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} أي لو شاء إهلاكهن لأهلكهن ولا يهلك على كثير من الذنوب. والجواب : العفو أصله من عفا أثره أي أزاله ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المسمى من العفو الإزالة لهذا قال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
{فَمَنْ عُفِىَ لَه مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ} (البقرة : 178) وليس المراد منه التأخير ، بل الإزالة وكذا قوله : {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } وليس المراد منه التأخير إلى وقت معلوم ، بل الإسقاط المطلق ، ومما يدل على أن العفو لا يتناول التأخير أن الغريم إذا أخر المطالبة لا يقال : إنه عفا عنه ولو أسقطه يقال : إنه عفا عنه فثبت أن العفو لا يمكن تفسيره بالتأخير. الحجة الثالثة : الآيات الدالة على كونه تعالى رحماناً رحيماً والاستدلال بها أن رحمته سبحانه إما أن تظهر بالنسبة إلى المطيعين الذين يستحقون الثواب أو إلى العصاة الذين يستحقون العقاب ، والأول : باطل لأن رحمته في حقهم إما أن تحصل لأنه تعالى أعطاهم الثواب الذي هو حقهم أو لأنه تفضل عليهم بما هو أزيد من حقهم. والأول : باطل لأن أداء الواجب لا يسمى رحمة ، ألا ترى أن من كان له على إنسان مائة دينار فأخذها منه قهراً وتكليفاً لا يقال في المعطي إنه أعطى الآخذ ذلك القدر رحمة ، والثاني : باطل لأن المكلف صار بما أخذ من الثواب الذي هو حقه كالمستغني عن ذلك التفضل فتلك الزيادة تسمى زيادة في الإنعام ولا تسمى ألبتة رحمة ، ألا ترى أن السلطان المعظم إذا كان في خدمته أمير له ثروة عظيمة ومملكة كاملة ، ثم إن السلطان ضم إلى ماله من الملك مملكة أخرى ، فإنه لا يقال : إن السلطان رحمه بل يقال : زاد في الإنعام عليه فكذا / ههنا. أما القسم الثاني : وهو أن رحمته إنما تظهر بالنسبة إلى من يستحق العقاب ، فإما أن تكون رحمته لأنه تعالى ترك العذاب الزائد على العذاب المستحق ، وهذا باطل لأن ترك ذلك واجب والواجب لا يسمى رحمة ولأنه يلزم أن يكون كل كافر وظالم رحيماً علينا لأجل أنه ما ظلمنا ، فبقي أنه إنما يكون رحيماً لأنه ترك العقاب المستحق وذلك لا يتحقق في حق صاحب الصغيرة ولا في حق صاحب الكبيرة بعد التوبة ، لأن ترك عقابهم واجب ، فدل على أن رحمته إنما حصلت لأنه ترك عقاب صاحب الكبيرة قبل التوبة ، فإن قيل : لم لا يجوز أن تكون رحمته لأجل أن الخلق والتكليف والرزق كلها تفضل ، ولأنه تعالى يخفف عن عقاب صاحب الكبيرة ؟
قلنا : أما الأول فإنه يفيد كونه رحيماً في الدنيا فأين رحمته في الآخرة مع أن الأمة مجتمعة على أن رحمته في الآخرة أعظم من رحمته في الدنيا. وأما الثاني : فلأن عندكم التخفيف عن العقاب غير جائز هكذا قول المعتزلة الوعيدية ، إذا ثبت حصول التخفيف بمقتضى هذه الآية ثبت جواز العفو لأن كل من قال بأحدهما قال بالآخر.
(1/495)

جزء : 3 رقم الصفحة : 568
الحجة الرابعة : قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِه وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءُ } (النساء : 48) ، فنقول : "لمن يشاء" لا يجوز أن يتناول صاحب الصغيرة ولا صاحب الكبيرة بعد التوبة ، فوجب أن يكون المراد منه صاحب الكبيرة قبل التوبة ، وإنما قلنا : لا يجوز حمله على الصغيرة ولا على الكبيرة بعد التوبة لوجوه. أحدها : أن قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِه وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ} ، معناه أنه لا يغفره تفضلاً لا أنه لا يغفره استحقاقاً دل عليه العقل والسمع وإذا كان كذلك لزم أن يكون معنى قوله : {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءُ } أي ويتفضل بغفران ما دون ذلك الشرك حتى يكون النفي والإثبات متوجهين إلى شيء واحد ، ألا ترى أنه لو قال : فلان لا يتفضل بمائة دينار ويعطي ما دونها لمن استحق لم يكن كلاماً منتظماً ، ولما كان غفران صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة مستحقاً امتنع كونهما مرادين بالآية. وثانيها : أنه لو كان قوله : {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءُ } أنه يغفر المستحقين كالتائبين وأصحاب الصغائر لم يبق لتمييز الشرك مما دون الشرك معنى لأنه تعالى كما يغفر ما دون الشرك عند الاستحقاق ولا يغفره عند عدم الاستحقاق فكذلك يغفر الشرك عند الاستحقاق ولا يغفره عند عدم الاستحقاق ، فلا يبقى للفصل والتمييز فائدة ، وثالثها : أن غفران التائبين وأصحاب الصغائر واجب والواجب غير معلق على المشيئة ، لأن المعلق على المشيئة هو الذي إن شاء فاعله فعله يفعله وإن شاء تركه يتركه فالواجب هو الذي لا بد من فعله شاء أو أبى ، والمغفرة المذكورة في الآية معلقة على المشيئة فلا يجوز أن تكون للمغفرة المذكورة في الآية مغفرة التائبين وأصحاب الصغائر ، واعلم أن هذه الوجوه بأسرها مبينة على قول المعتزلة من أنه يجب غفران صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة ، وأما نحن فلا نقول ذلك. ورابعها : أن قوله : {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءُ } يفيد القطع بأنه يغفر كل ما سوى / الشرك وذلك يندرج فيه الصغيرة والكبيرة بعد التوبة وقبل التوبة إلا أن غفران كل هذه الثلاثة يحمل قسمين ، لأنه يحتمل أن يغفر كلها لكل أحد وأن يغفر كلها للبعض دون البعض فقوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/496)

{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ} يدل على أنه تعالى يغفر كل هذه الثلاثة ، ثم قوله : {لِمَن يَشَآءُ } يدل على أنه تعالى يغفر كل تلك الأشياء لا للكل بل للبعض. وهذا الوجه هو اللائق بأصولنا ، فإن قيل : لا نسلم أن المغفرة تدل على أنه تعالى لا يعذب العصاة في الآخرة بيانه أن المغفرة إسقاط العقاب وإسقاط العقاب أعم من إسقاط العقاب دائماً أو لا دائماً واللفظ الموضوع بإزاء القدر المشترك لا إشعار له بكل واحد من ذينك القيدين ، فإذن لفظ المغفرة لا دلالة فيه على الإسقاط الدائم. إذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى لا يؤخر عقوبة الشرك عن الدنيا ويؤخر عقوبة ما دون الشرك عن الدنيا لمن يشاء ، لا يقال : كيف يصح هذا ونحن لا نرى مزيداً للكفار في عقاب الدنيا على المؤمنين لأنا نقول : تقدير الآية أن الله لا يؤخر عقاب الشرك في الدنيا لمن يشاء ويؤخر عقاب ما دون الشرك في الدنيا لمن يشاء فحصل بذلك تخويف كلا الفريقين بتعجيل العقاب للكفار والفساق لتجويز كل واحد من هؤلاء أن يعجل عقابه ، وإن كان لا يفعل ذلك بكثير منهم. سلمنا أن الغفران عبارة عن الإسقاط على سبيل الدوام فلم قلتم إنه لا يمكن حمله على مغفرة التائب ومغفرة صاحب الصغيرة ؟
أما الوجوه الثلاثة الأول : فهي مبنية على أصول لا يقولون بها وهي وجوب مغفرة صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة ، وأما الوجه الرابع : فلا نسلم أن قوله : {مَا دُونَ ذَالِكَ} يفيد العموم ، والدليل عليه أنه يصح إدخال لفظ "كل" و"بعض" على البدل عليه مثل أن يقال : ويغفر كل ما دون ذلك. ويغفر بعض ما دون ذلك ولو كان قوله : {مَا دُونَ ذَالِكَ} يفيد العموم لما صح ذلك ، سلمنا أنه للعموم ولكنا نخصصه بصاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة ، وذلك لأن الآيات الواردة في الوعيد كل واحد منها مختص بنوع واحد من الكبائر مثل القتل والزنا ، وهذه الآية متناولة لجميع المعاصي والخاص مقدم على العام ، فآيات الوعيد يجب أن تكون مقدمة على هذه الآية. والجواب عن الأول : أنا إذا حملنا المغفرة على تأخير العقاب وجب بحكم الآية أن يكون عقاب المشركين في الدنيا أكثر من عقاب المؤمنين وإلا لم يكن في هذا التفصيل فائدة ، ومعلوم أنه ليس كذلك بدليل قوله تعالى : {وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ} (النساء : 48 ، 116) الآية. قوله : لم قلتم إن قوله : {مَا دُونَ ذَالِكَ} يفيد العموم ؟
قلنا : لأن قوله : "ما" تفيد الإشارة إلى الماهية الموصوفة بأنها دون الشرك ، وهذه الماهية ماهية واحدة ، وقد حكم قطعاً بأنه يغفرها ، ففي كل صورة تتحقق فيها هذه الماهية وجب تحقق الغفران ، فثبت أنه للعموم ولأنه يصح استثناء أي معصية كانت منها وعند الوعيدية صحة الاستثناء تدل على العموم ، أما قوله : آيات الوعيد أخص من هذه الآية ، قلنا : لكن هذه الآية أخص منها لأنها تفيد العفو عن البعض دون البعض / وما ذكرتموه يفيد الوعيد للكل ، ولأن ترجيح آيات العفو أولى لكثرة ما جاء في القرآن والأخبار من الترغيب في العفو.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
الحجة الخامسة : أن نتمسك بعمومات الوعد وهي كثيرة في القرآن ، ثم نقول : لما وقع التعارض فلا بد من الترجيح أو من التوفيق ، والترجيح معناه من وجوه. أحدها : أن عمومات الوعد أكثر والترجيح بكثرة الأدلة أمر معتبر في الشرع ، وقد دللنا على صحته في أصول الفقه ، وثانيها : أن قوله تعالى : {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّاَاتِ } (هود : 114) يدل على أن الحسنة إنما كانت مذهبة للسيئة لكونها حسنة على ما ثبت في أصول الفقه ، فوجب بحكم هذا الإيماء أن تكون كل حسنة مذهبة لكل سيئة ترك العمل به في حق الحسنات الصادرة من الكفار ، فإنها لا تذهب سيئاتهم فيبقى معمولاً به في الباقي. وثالثها : قوله تعالى : {مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَه عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى ا إِلا مِثْلَهَا} (الأنعام : 165) ، ثم إنه تعالى زاد على العشرة فقال : {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنابَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنابُلَةٍ مِّا ئَةُ حَبَّةٍ } ثم زاد عليه فقال : {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ } (البقرة : 261) وأما في جانب السيئة فقال : {وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى ا إِلا مِثْلَهَا} ، وهذا في غاية الدلالة على أن جانب الحسنة راجع عند الله تعالى على جانب السيئة. ورابعها : أنه تعالى قال في آية الوعد في سورة النساء : {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ} فقوله : {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا } (النساء : 122) إنما ذكره للتأكيد ولم يقل في شيء من المواضع وعيد الله حقاً.
(1/497)

جزء : 3 رقم الصفحة : 568
أما قوله تعالى : {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ} (ق : 29) الآية ، يتناول الوعد والوعيد. وخامسها : قوله تعالى : {وَمَن يَعْمَلْ سُواءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَه ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُه عَلَى نَفْسِه ا وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء : 110 ـ 111) والاستغفار طلب المغفرة وهو غير التوبة/ فصرح ههنا بأنه سواء تاب أو لم يتب فإذا استغفر غفر الله له ، ولم يقل ومن يكسب إثماً فإنه يجد الله معذباً معاقباً ، بل قال : {فَإِنَّمَا يَكْسِبُه عَلَى نَفْسِه } فدل هذا على أن جانب الحسنة راجح ونظيره قوله تعالى : {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لانفُسِكُم وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } (الإسراء : 7) ولم يقل : وإن أسأتم أسأتم لها فكأنها تعالى أظهر إحسانه بأن أعاده مرتين وستر عليه إساءته بأن لم يذكرها إلا مرة واحدة ، وكل ذلك يدل على أن جانب الحسنة راجح. وسادسها : أنا قد دللنا على أن قوله تعالى : {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءُ } (النساء : 48) لا يتناول إلا العفو عن صاحب الكبيرة ثم إنه تعالى أعاد هذه الآية في السورة الواحدة مرتين والإعادة لا تحسن إلا للتأكيد ، ولم يذكر شيئاً من آيات الوعيد على وجه الإعادة بلفظ واحد ، لا في سورة واحدة ولا في سورتين ، فدل على أن عناية الله بجانب الوعد على الحسنات والعفو عن السيئات أتم. وسابعها : أن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضت فلا بد من صرف التأويل إلى أحد الجانبين وصرف التأويل إلى الوعيد أحسن من صرفه إلى الوعد لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف وإهمال الوعد مستقبح في العرف ، فكان صرف التأويل إلى الوعيد أولى من صرفه إلى الوعد. وثامنها : / أن القرآن مملوء من كونه تعالى غافراً غفوراً غفاراً وأن له الغفران والمغفرة ، وأنه تعالى رحيم كريم ، وأن له العفو والإحسان والفضل والإفضال ، والأخبار الدالة على هذه الأشياء قد بلغت مبلغ التواتر وكل ذلك مما يؤكد جانب الوعد وليس في القرآن ما يدل على أنه تعالى بعيد عن الرحمة والكرم والعفو ، وكل ذلك يوجب رجحان جانب الوعد على جانب الوعيد. وتاسعها : أن هذا الإنسان أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر ، بل أتى بالشر الذي هو في طبقة القبائح ليس في الغاية والسيد الذي له عبد ثم أتى عبده بأعظم الطاعات وأتى بمعصية متوسطة فلو رجع المولى تلك المعصية المتوسطة على الطاعة العظيمة لعد ذلك السيد لئيماً مؤذياً فكذا ههنا ، فلما لم يجز ذلك على الله ثبت أن الرجحان لجانب الوعد. وعاشرها : قال يحيى بن معاذ الرازي : إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي وإلا فالكفر أعظم من الإيمان فإن يكن كذلك فلا أقل من رجاء العفو. وهو كلام حسن ، الحادي عشر : أنا قد بينا بالدليل أن قوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/498)

{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءُ } لا يمكن حمله على الصغيرة ولا على الكبيرة بعد التوبة ، فلو لم تحمله على الكبيرة قبل التوبة لزم تعطيل الآية ، أما لو خصصنا عمومات الوعيد بمن يستحلها لم يلزم منه إلا تخصيص العموم ، ومعلوم أن التخصيص أهون من التعطيل ، قالت المعتزلة : ترجيح جانب الوعيد أولى من وجوه. أولها : هو أن الأمة اتفقت على أن الفاسق يلعن ويحد على سبيل التنكيل والعذاب وأنه أهل الخزي وذلك يدل على أنه مستحق للعقاب وإذا كان مستحقاً للعقاب استحال أن يبقى في تلك الحالة مستحقاً للثواب ، وإذا ثبت هذا كان جانب الوعيد راجحاً على جانب الوعد. أما بيان أنه يلعن ، فالقرآن والإجماع ، أما القرآن فقوله تعالى في قاتل المؤمن : {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَه } (النساء : 93) وكذا قوله : {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّـالِمِينَ} (الأعراف : 44) وأما الإجماع فظاهر ، وأما أنه يحد على سبيل التنكيل فلقوله تعالى : {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءَا بِمَا كَسَبَا نَكَـالا مِّنَ اللَّه } (المائدة : 38) وأما أنه يحد على سبيل العذاب فلقوله تعالى في الزاني : {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآاـاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} (النور : 2) ، وأما أنهم أهل الخزي فلقوله تعالى في قطاع الطريق : {إِنَّمَا جَزَا ؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه } إلى قوله تعالى : {ذَالِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة : 33). وإذا ثبت كون الفاسق موصوفاً بهذه الصفات ثبت أنه مستحق للعذاب والذم ، ومن كان مستحقاً لهما دائماً ومتى استحقهما دائماً امتنع أن يبقى مستحقاً للثواب ، لأن الثواب والعقاب متنافيان ، فالجمع بين استحقاقهما محال ، وإذا لم يبق مستحقاً للثواب ثبت أن جانب الوعيد راجح على جانب الوعد ، وثانيها : أن آيات الوعد عامة وآيات الوعيد خاصة والخاص مقدم على العام. وثالثها : أن الناس جبلوا على الفساد والظلم فكانت الحاجة إلى الزجر أشد ، فكان جانب الوعيد أولى ، قلنا : الجواب عن الأول من / وجوه : الأول : كما وجدت آيات دالة على أنهم يلعنون ويعذبون في الدنيا بسبب معاصيهم كذلك أيضاً وجدت آيات دالة على أنهم يعظمون ويكرمون في الدنيا بسبب إيمانهم. قال الله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
{وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـاَايَـاتِنَا فَقُلْ سَلَـامٌ عَلَيْكُم كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } (الأنعام : 54) ، فليس ترجيح آيات الوعيد في الآخرة بالآيات الدالة على أنهم يذمون ويعذبون في الدنيا بأولى من ترجيح آيات الوعد في الآخرة بالآيات الدالة على أنهم يعظمون بسبب إيمانهم في الدنيا. الثاني : فكما أن آيات الوعد معارضة لآيات الوعيد في الآخرة فهي معارضة لآيات الوعيد والنكال في الدنيا ، فلم كان ترجيح آيات وعيد الدنيا على آيات وعيد الآخرة أولى من العكس. الثالث : أنا أجمعنا على أن السارق وإن تاب إلا أنه تقطع يده لا نكالاً ولكن امتحاناً ، فثبت أن قوله : {جَزَآءَا بِمَا كَسَبَا نَكَـالا} (المائدة : 38) مشروط بعدم التوبة ، فلم لا يجوز أيضاً أن يكون مشروطاً بعدم العفو. والرابع : أن الجزاء ما يجزي ويكفي وإذا كان كافياً وجب أن لا يجوز العقاب في الآخرة وإلا قدح ذلك في كونه مجزياً وكافياً ، فثبت أن هذا ينافي العذاب في الآخرة ، وإذا ثبت فساد قولهم في ترجيح جانب الوعيد فنقول : الآيتان الدالتان على الوعد والوعيد موجودتان فلا بد من التوفيق بينهما ، فأما أن يقال : العبد يصل إليه الثواب ثم ينقل إلى دار العقاب وهو قول باطل بإجماع الأمة ، أو يقال : العبد يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب. أما الترجيح الثاني فهو ضعيف لأن قوله : {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ} لا يتناول الكفر وقوله : {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَه } (النساء : 14) (الأحزاب : 36) يتناول الكل فكان قولنا هو الخاص والله أعلم.
الحجة السادسة : أنا قد دللنا على أن تأثير شفاعة محمد صلى الله عليه وسلّم في إسقاط العقاب وذلك يدل على مذهبنا في هذه المسألة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/499)

الحجة السابعة : قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } (الزمر : 53) وهو نص في المسألة. فإن قيل : هذه الآية إن دلت فإنما تدل على القطع بالمغفرة لكل العصاة ، وأنتم لا تقولون بهذا المذهب ، فما تدل الآية عليه لا تقولون به وما تقولون به لا تدل الآية عليه ؟
سلمنا ذلك ، لكن المراد بها أنه تعالى يغفر جميع الذنوب مع التوبة وحمل الآية على هذا المحمل أولى لوجهين : أحدهما : أنا إذا حملناها على هذا الوجه فقد حملناها على جميع الذنوب من غير تخصيص ، الثاني : أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قوله تعالى : {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَه مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ} (الزمر : 54) والإنابة هي التوبة. فدل على أن التوبة شرط فيه ، والجواب عن الأول. أن قوله : {يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } وعد منه بأنه تعالى سيسقطها في المستقبل ، ونحن نقطع بأنه سيفعل في المستقبل ذلك ، فإنا نقطع بأنه تعالى سيخرج المؤمنين من النار لا محالة ، فيكون هذا قطعاً بالغفران لا محالة ، وبهذا ثبت أنه لا حاجة في إجراء الآية على ظاهرها على قيد التوبة ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة وبالله التوفيق. ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول : إن المعتزلة فسروا كون الخطيئة محبطة بكونها كبيرة محبطة لثواب فاعلها ، والاعتراض عليه / من وجوه ، الأول : أنه كما أن من شرط كون السيئة محيطة بالإنسان كونها كبيرة فكذلك شرط هذه الإحاطة عدم العفو ، لأنه لو تحقق العفو لما تحققت إحاطة السيئة بالإنسان ، فإذن لا يثبت كون السيئة محيطة بالإنسان إلا إذا ثبت عدم العفو ، وهذا أول المسألة ويتوقف الاستدلال بهذه الآية على ثبوت المطلوب وهو باطل. الثاني : أنا لا نفسر إحاطة الخطيئة بكونها كبيرة ، بل نفسرها بأن يكون ظاهره وباطنه موصوفاً بالمعصية ، وذلك إنما يتحقق في حق الكافر الذي يكون عاصياً لله بقلبه ولسانه وجوارحه ، فأما المسلم الذي يكون مطيعاً لله بقلبه ولسانه ويكون عاصياً لله تعالى ببعض أعضائه دون البعض فههنا لا تتحق إحاطة الخطيئة بالعبد ، ولا شك أن تفسير الإحاطة بما ذكرناه أولى ، لأن الجسم إذا مس بعض أجزاء جسم آخر دون بعض لا يقال : إنه محيط به ، وعند هذا يظهر أنه لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد إلا إذا كان كافراً. إذا ثبت هذا فنقول قوله : {فَأُوالَـا ئِكَ أَصْحَـابُ النَّارِ } يقتضي أن أصحاب النار ليسوا إلا هم وذلك يقتضي أن لا يكون صاحب الكبيرة من أهل النار ، الثالث : أن قوله تعالى : {فَأُوالَـا ئِكَ أَصْحَـابُ النَّارِ } يقتضي كونهم في النار في الحال وذلك باطل ، فوجب حمله على أنهم يستحقون النار. ونحن نقول بموجبه : لكن لا نزاع في أنه تعالى هل يعفو عن هذا الحق وهذا أول المسألة ، ولنختم الكلام في هذه الآية بقاعدة فقهية : وهي أن الشرط ههنا أمران ، أحدهما : اكتساب السيئة ، والثاني : إحاطة تلك السيئة بالعبد والجزاء المعلق على وجود الشرطين لا يوجد عند حصل أحدهما. وهذا يدل على أن من عقد اليمين على شرطين في طلاق أو إعتاق أنه لا يحنث بوجود أحدهما والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
0
اعلم أنه سبحانه وتعالى ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر بجنبها آية في الوعد ، وذلك لفوائد : أحدها : ليظهر بذلك عدله سبحانه ، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان ، وثانيها : أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قال عليه الصلاة والسلام : "لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا" ، وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق ، وثالثها : أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصير ذلك سبباً للعرفان ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان لأنه تعالى قال : {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ} فلو دل الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر العمل الصالح بعد الإيمان تكراراً / أجاب القاضي بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة ، إلا أن قوله : آمن لا يفيد إلا أنه فعل فعلاً واحداً من أفعال الإيمان ، فلهذا حسن أن يقول : {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ} . والجواب : أن فعل الماضي يدل على حصول المصدر في زمان مضى والإيمان هو المصدر ، فلو دل ذلك على جميع الأعمال الصالحة لكان قوله : آمن دليلاً على صدور كل تلك الأعمال منه والله أعلم.
(1/500)

المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن صاحب الكبيرة قد يدخل الجنة لأنا نتكلم فيمن أتى بالإيمان وبالأعمال الصالحة ، ثم أتى بعد ذلك بالكبيرة ولم يتب عنها ، فهذا الشخص قبل إتيانه بالكبيرة كان قد صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت ، ومن صدق عليه ذلك صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات وإذا صدق عليه ذلك وجب اندراجه تحت قوله : {أُوالَـا ئِكَ أَصْحَـابُ الْجَنَّةِا هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ} ، فإن قيل قوله تعالى : {وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ} لا يصدق عليه إلا إذا أتى بجميع الصالحات ومن جملة الصالحات التوبة ، فإذا لم يأت بها لم يكن آتياً بالصالحات ، فلا يندرج تحت الآية. قلنا : قد بينا أنه قبل الإتيان بالكبيرة صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت وإذا صدق عليه ذلك فقد صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت وإذا صدق عليه ذلك فقد صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات ، لأنه متى صدق المركب يجب صدق المفرد ، بل إنه إذا أتى بالكبيرة لم يصدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في كل الأوقات ، لكن قولنا : آمن وعمل الصالحات أعم من قولنا : إنه كذلك في كل الأوقات أو في بعض الأوقات ، والمعتبر في الآية هو القدر المشترك ، فثبت أنه مندرج تحت حكم الوعد. بقي قولهم : إن الفاسق أحبط عقاب معصيته ثواب طاعته فيكون الترجيح لجانب الوعيد إلا أن الكلام عليه قد تقدم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
المسألة الثالثة : احتج الجبائي بهذه الآية على أن من يدخل الجنة لا يدخلها تفضلاً ، لأن قوله : {أُوالَـا ئِكَ أَصْحَـابُ الْجَنَّةِ } للحصر ، فدل على أنه ليس للجنة أصحاب إلا هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، قلنا : لم لا يجوز أن يكون المراد أنهم هم الذين يستحقونها فمن أعطى الجنة تفضلاً لم يدخل تحت هذا الحكم والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
0
/ اعلم أن هذا نوع آخر من أنواع النعم التي خصهم الله بها ، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم وهو الجنة ، والموصل إلى النعمة نعمة ، فهذا التكليف لا محالة من النعم ، ثم إنه تعالى بين ههنا أنه كلفهم بأشياء : التكليف الأول : قوله تعالى : {لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي "يعبدون" بالياء والباقون بالتاء ، ووجه الياء أنهم غيب أخبر عنهم ، ووجه التاء أنهم كانوا مخاطبين والاختيار التاء ، قال أبو عمرو : ألا ترى أنه جل ذكره قال : {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} فدلت المخاطبة على التاء.
المسألة الثانية : اختلفوا في موضع "يعبدون" من الأعراب على خمسة أقوال :
القول الأول : قال الكسائي : رفعه على أن لا يعبدوا كأنه قيل : أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا إلا أنه لما أسقطت "أن" رفع الفعل كما قال طرفة :
ألا أيهذا اللاثمي أحضر الوغى
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
أراد أن أحضر ولذلك عطف عليه "أن" وأجاز هذا الوجه الأخفش والفراء والزجاج وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم.
القول الثاني : موضعه رفع على أنه جواب القسم ، كأنه قيل : وإذا أقسمنا عليهم لا يعبدون ، وأجاز هذا الوجه المبرد والكسائي والفراء والزجاج وهو أحد قولي الأخفش.
القول الثالث : قول قطرب : أنه يكون في موضع الحال فيكون موضعه نصباً كأنه قال : أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله.
القول الرابع : قول الفراء أن موضع "لا تعبدون" على النهي إلا أنه جاء على لفظ الخبر كقوله تعالى : {لا تُضَآرَّ وَالِدَة بِوَلَدِهَا} (البقرة : 233) بالرفع والمعنى على النهي ، والذي يؤكد كونه نهياً أمور. أحدها : قوله : {أَقِيمُوا } ، وثانيها ؛ أنه ينصره قراءة عبد الله وأبي : {لا تَعْبُدُوا } . وثالثها : أن الإخبار في معنى الأمر والنهي آكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي ، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
القول الخامس : التقدير أن لا تعبدوا تكون "أن" مع الفعل بدلاً عن الميثاق ، كأنه قيل : أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم.
المسألة الثالثة : هذا الميثاق يدل على تمام ما لا بد منه في الدين لأنه تعالى لما أمر بعبادة الله تعالى ونهى عن عبادة غيره ، ولا شك أن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه ، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد والبراءة عن الصاحبة والأولاد ، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة ، فقوله : {لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ} يتضمن كل ما اشتمل عليه علم الكلام وعلم الفقه والأحكام لأن العبادة لا تتأتى إلا معها.
/ التكليف الثاني : قوله تعالى : {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَـانًا } وفيه مسائل :
(1/501)

المسألة الأولى : يقال : بم يتصل الباء في قوله تعالى : {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَـانًا } وعلام انتصب ؟
قلنا فيه ثلاثة أقوال : الأول : قال الزجاج : انتصب على معنى أحسنوا بالوالدين إحساناً. والثاني : قيل على معنى وصيناهم بالوالدين إحساناً لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول لكان. وإلى الوالدين كأنه قيل : وأحسنوا إلى الوالدين. الثالث : قيل : بل هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا.
المسألة الثانية : إنما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه. أحدها : أن نعمة الله تعالى على العبد أعظم ، فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعم النعم ، وذلك لأن الوالدين هما الأصل والسبب في كون الولد ووجوده كما أنهما منعمان عليه بالتربية ، وأما غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود ، بل بالتربية فقط ، فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام الله تعالى. وثانيها : أن الله سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة والوالدان هما المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر ، فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه بالمؤثر بحسب العرف الظاهر. وثالثها : أن الله تعالى لا يطلب بإنعامه على العبد عوضاً ألبتة بل المقصود إنما هو محض الإنعام والوالدان كذلك ، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضاً مالياً ولا ثواباً ، فإن من ينكر الميعاد يحسن إلى ولده ويربيه ، فمن هذا الوجه أشبه إنعامهما إنعام الله تعالى. الرابع : أن الله تعالى لا يمل من الإنعام على العبد ولو أتى العبد بأعظم الجرائم ، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه وروادف كرمه ، وكذا الوالدان لا يملان الولد ولا يقطعان عنه مواد منحهما وكرمهما ، وإن كان الولد مسيئاً إلى الوالدين. الخامس : كما أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان ، فكذا الحق سبحانه وتعالى متصرف في طاعة العبد فيصونها عن الضياع ثم إنه سبحانه يجعل أعماله التي لا تبقى كالشيء الباقي أبد الآباد كما قال : {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنابَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنابُلَةٍ مِّا ئَةُ حَبَّةٍ } (البقرة : 261). السادس : أن نعمة الله وإن كانت أعظم من نعمة الوالدين ولكن نعمة الله معلومة بالاستدلال ونعمة الوالدين معلومة بالضرورة ، إلا أنها قليلة بالنسبة إلى نعم الله فاعتدلا من هذه الجهة والرجحان لنعم الله فلا جرم جعلنا نعم الوالدين كالتالية لنعم الله تعالى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
المسألة الثالثة : اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين ، ويدل عليه وجوه. أحدها : أن قوله في هذه الآية : {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَـانًا } غير مقيد بكونهما مؤمنين أم لا ، ولأنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف مشعر بعلية الوصف ، فدلت هذه الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم ، وهكذا الاستدلال بقوله تعالى : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَـانًا } . وثانيها : قوله تعالى : {فَلا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} الآية ، وهذا نهاية المبالغة في المنع من إياذئهما ، ثم إنه تعالى قال في آخر الآية : {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا} (الإسراء : 23 ، 24) فصرح ببيان السبب في وجوب هذا التعظيم. وثالثها : أن الله تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه كيف تلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله : {لابِيهِ يَـا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِى عَنكَ شَيْـاًا} (مريم : 42) ثم إن أباه كان يؤذيه ويذكر الجواب الغليظ وهو عليه السلام كان يتحمل ذلك ، وإذا ثبت ذلك في حق إبراهيم عليه السلام ثبت مثله في حق هذه الأمة لقوله تعالى : {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } (النحل : 123).
المسألة الرابعة : اعلم أن الإحسان إليهما هو ألا يؤذيهما ألبتة ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه ، فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين.
التكليف الثالث : قوله تعالى : {وَذِى الْقُرْبَى } وفيه مسائل :
(1/502)

المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث المحرم وغير المحرم ، ولا يدخل الأب والابن لأنهما لا يعرفان بالقريب ، ويدخل الأحفاد والأجداد ، وقيل : لا يدخل الأصول والفروع وقيل بدخول الكل. وههنا دقيقة ، وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية فيتسع نسلهم وكلهم أقارب ، فلو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا ، فلهذا قال الشافعي رضي الله عنه : يرتقي إلى أقرب جد ينتسب هو إليه ويعرف به وإن كان كافراً ، وذكر الأصحاب في مثاله : أنه لو أوصى لأقارب الشافعي رضي الله عنه فإنا نصرفه إلى بني شافع دون بني المطلب وبني عبد مناف وإن كانوا أقارب ، لأن الشافعي ينتسب في المشهور إلى شافع دون عبد مناف. قال الشيخ الغزالي : وهذا في زمان الشافعي ، أما في زماننا فلا ينصرف إلا إلى أولاد الشافعي رضي الله عنه ولا يرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا ، أما قرابة الأم فإنها تدخل في وصية العجم ولا تدخل في وصية العرب على الأظهر ، لأنهم لا يعدون ذلك قرابة ، أما لو قال لأرحام فلان دخل فيه قرابة الأب والأم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
المسألة الثانية : اعلم أن حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين والاتصال بالوالدين مقدم على الاتصال بذي القربى ، فلهذا أخر الله ذكره عن الوالدين ، وعن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : "إن الرحم سجنة من الرحمن فإذا كان يوم القيامة يقول : أي رب إني ظلمت ، إني أسيء إلي ، إني قطعت. قال فيجيبها ربها : ألا ترضين أني أقطع من قطعك وأصل من وصلك ، ثم قرأ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِى الارْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} ، والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة ، فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على القلب وأبلغ في الإيلام والإيحاش والضرورة ، وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب ، فلهذا وجبت رعاية حقوق الأقارب.
/ التكليف الرابع : قوله تعالى : {وَالْيَتَـامَى } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اليتيم الذي مات أبوه حتى يبلغ الحلم وجمعه أيتام ويتامى ، كقولهم : نديم وندامى ، ولا يقال لمن ماتت أمه إنه يتيم. قال الزجاج : هذا في الإنسان ، أما في غير الإنسان فيتمه من قبل أمه.
المسألة الثانية : اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب وذلك لأنه لصغره لا ينتفع به وليتمه وخلوه عمن يقوم به ، يحتاج إلى من ينفعه والإنسان قلما يرغب في صحبة مثل هذا ، وإذا كان هذا التكليف شاقاً على النفس لا جرم كانت درجته عظيمة في الدين.
التكليف الخامس : قوله تعالى : {وَالْمَسَـاكِينَ} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : "والمساكين" واحدها مسكين ، أخذ من السكون كأن الفقر قد سكنه وهو أشد فقراً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه واحتجوا بقوله تعالى : {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} (البلد : 16) وعند الشافعي رضي الله عنه : الفقير أسوأ حالاً ، لأن الفقير اشتقاقه من فقار الظهر كأن فقاره انكسر لشدة حاجته وهو قول ابن الأنباري. واحتجوا عليه بقوله تعالى : {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـاكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ} (الكهف : 79) جعلهم مساكين مع أن السفينة كانت ملكاً لهم.
المسألة الثانية ؛ إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسكين قد يكون بحيث ينتفع به في الاستخدام فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى ، ولأن المسكين أيضاً يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته ، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
المسألة الثالثة : الإحسان إلى ذي القربى واليتامى ، لا بد وأن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير.
التكليف السادس : قوله تعالى : {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : (حسناً) بفتح الحاء والسين على معنى الوصف للقول ، كأنه قال : قولوا للناس قولاً حسناً ، والباقون بضم الحاء وسكون السين ، واستشهدوا بقوله تعالى : {وَوَصَّيْنَا الانسَـانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } (العنكبوت : 8) وبقوله : {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُواءٍ} (النحل : 11) وفيه أوجه ، الأول : قال الأخفش : معناه قولاً ذا حسن. الثاني : يجوز أن يكون حسناً في موضع حسناً كما تقول : رجل عدل. الثالث : أن يكون معنى قوله : {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} أي ليحسن قولكم نصب على مصدر الفعل الذي دل عليه الكلام الأول. الرابع : حسناً أي قول هو حسن في نفسه لإفراط حسنه.
(1/503)

المسألة الثانية : يقال : لم خوطبوا بقولوا بعد الإخبار ؟
والجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه على طريقة الالتفات كقوله تعالى : {حَتَّى ا إِذَا كُنتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} (يونس : 22). وثانيها : فيه حذف أي قلنا لهم قولوا. وثالثها : الميثاق لا يكون إلا كلاماً كأنه قيل : قلت لا تعبدوا وقولوا.
/ المسألة الثالثة : اختلفوا في أن المخاطب بقوله : {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} من هو ؟
فيحتمل أن يقال : إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله وعلى أن يقولوا للناس حسناً ويحتمل أن يقال : إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله ثم قال لموسى وأمته : قولوا للناس حسناً والكل ممكن بحسب اللفظ وإن كان الأول أقرب حتى تكون القصة قصة واحدة مشتملة على محاسن العادات ومكارم الأخلاق من كل الوجوه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
المسألة الرابعة : منهم من قال : إنما يجب القول الحسن مع المؤمنين ، أما مع الكفار والفساق فلا ، والدليل عليه وجهان ، الأول : أنه يجب لعنهم وذمهم والمحاربة معهم ، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسناً ، والثاني : قوله تعالى : {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّواءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَن ظُلِمَ } (النساء : 148) فأباح الجهر بالسوء لمن ظلم ، ثم إن القائلين بهذا القول منهم من زعم أن هذا الأمر صار منسوخاً بآية القتال ، ومنهم من قال : إنه دخله التخصيص ، وعلى هذا التقدير يحصل ههنا احتمالان ، أحدهما : أن يكون التخصيص واقعاً بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد وقولوا للمؤمنين حسناً. والثاني : أن يقع بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد قولوا للناس حسناً في الدعاء إلى الله تعالى. وفي الأمر المعروف ، فعلى الوجه الأول : يتطرق التخصيص إلى المخاطب دون الخطاب وعلى الثاني : يتطرق إلى الخطاب دون المخاطب ، وزعم أبو جعفر محمد بن علي الباقر أن هذا العموم باق على ظاهره وأنه لا حاجة إلى التخصيص ، وهذا هو الأقوى والدليل عليه أن موسى وهرون مع جلال منصبهما أمرا بالرفق واللين مع فرعون ، وكذلك محمد صلى الله عليه وسلّم مأمور بالرفق وترك الغلظة وكذلك قوله تعالى : {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } (النحل : 125) وقال تعالى : {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوَا بِغَيْرِ عِلْمٍ } (الأنعام : 108) وقوله : {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (الفرقان : 72) وقوله : {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَـاهِلِينَ} (الأعراف : 199) أما الذي تمسكوا به أولاً من أنه يجب لعنهم وذمهم فلا يمكنهم القول الحسن معهم ، قلنا : أولاً لا نسلم أنه يجب لعنهم وسبهم والدليل عليه قوله تعالى : {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} (الأنعام : 108) سلمنا أنه يجب لعنهم لكن لا نسلم أن اللعن ليس قولاً حسناً بيانه : أن القول الحسن ليس عبارة عن القول الذي يشتهونه ويحبونه ، بل القول الحسن هو الذي يحصل انتفاعهم به ونحن إذا لعناهم وذممناهم ليرتدعوا به عن الفعل القبيح كان ذلك المعنى نافعاً في حقهم فكان ذلك اللعن قولاً حسناً ونافعاً ، كما أن تغليظ الوالد في القول قد يكون حسناً ونافعاً من حيث إنه يرتدع به عن الفعل القبيح ، سلمنا أن لعنهم ليس قولاً حسناً ولكن لا نسلم أن وجوبه ينافي وجوب القول الحسن ، بيانه أنه لا منافاة بين كون الشخص مستحقاً للتعظيم بسبب إحسانه إلينا ومستحقاً للتحقير بسبب كفره ، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يكون وجوب القول الحسن معهم ، وأما الذي تمسكوا به ثانياً وهو قوله تعالى : {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّواءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَن ظُلِمَ } (النساء : 148) فالجواب لم لا يجوز أن يكون المراد منه كشف حال الظالم / ليحترز الناس عنه ؟
وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلّم : "اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس".
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
(1/504)

المسألة الخامسة : قال أهل التحقيق : كلام الناس مع الناس إما أن يكون في الأمور الدينية أو في الأمور الدنيوية ، فإن كان في الأمور الدينية فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان وهو مع الكفار أو في الدعوة إلى الطاعة وهو مع الفاسق ، أما الدعوة إلى الإيمان فلا بد وأن تكون بالقول الحسن كما قال تعالى لموسى وهارون : {فَقُولا لَه قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّه يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } (طه : 44) أمرهما الله تعالى بالرفق مع فرعون مع جلالتهما ونهاية كفر فرعون وتمرده وعتوه على الله تعالى ، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلّم : {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ انفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } (آل عمران : 159) الآية ، وأما دعوة الفساق فالقول الحسن فيه معتبر ، قال تعالى : {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } (النحل : 125) وقال : {ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَه عَدَاوَةٌ كَأَنَّه وَلِىٌّ حَمِيمٌ} (فصلت : 34) وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن سواه ، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله تعالى : {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} .
المسألة السادسة : ظاهر الآية يدل على أن الإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين كان واجباً عليهم في دينهم ، وكذا القول الحسن للناس كان واجباً عليهم ، لأن أخذ الميثاق يدل على الوجوب ، وذلك لأن ظاهر الأمر للوجوب ولأنه تعالى ذمهم على التولي عنه وذلك يفيد الوجوب والأمر في شرعنا أيضاً ، كذلك من بعض الوجوه ، وروي عن ابن عباس أنه قال : إن الزكاة نسخت كل حق ، وهذا ضعيف لأنه لا خلاف أن من اشتدت به الحاجة وشاهدناه بهذه الصفة فإنه يلزمنا التصدق عليه ، وإن لم يجب علينا الزكاة حتى أنه إن لم تندفع حاجتهم بالزكاة كان التصدق واجباً ولا شك في وجوب مكالمة الناس بطريق لا يتضررون به.
التكليف السابع والثامن : قوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـاقَ بَنِى } وقد تقدم تفسيرهما.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
واعلم أنه تعالى لما شرح أنه أخذ الميثاق عليهم في هذه التكاليف الثمانية/ بين أنه مع إنعامه عليهم بأخذ الميثاق عليهم بكل ذلك ليقبلوا فتحصل لهم المنزلة العظمى عند ربهم ، تولوا وأساءوا إلى أنفسهم ولم يتلقوا نعم ربهم بالقبول مع توكيد الدلائل والمواثيق عليهم ، وذلك يزيد في قبح ما هم عليه من الإعراض والتولي ، لأن الإقدام على مخالفة الله تعالى بعد أن بلغ الغاية في البيان والتوثق يكون أعظم من المخالفة مع الجهالة ، واختلفوا فيمن المراد بقوله : {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} على ثلاثة أوجه : أحدها : أنه من تقدم من بني إسرائيل ، وثانيها : أنه خطاب لمن كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلّم من اليهود ، يعني أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم ، وثالثها : المراد بقوله : {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} من تقدم بقوله : {وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ} ومن تأخر. أما وجه القول الأول أنه إذا كان الكلام الأول في المتقدمين منهم فظاهر الخطاب يقتضي أن آخره فيهم أيضاً إلا بدليل يوجب الانصراف عن / هذا الظاهر ، يبين ذلك أنه تعالى ساق الكلام الأول سياقة إظهار النعم بإقامة الحجج عليهم ، ثم بين من بعد أنهم تولوا إلا قليلاً منهم فإنهم بقوا على ما دخلوا فيه. أما وجه القول الثاني أن قوله : {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} خطاب مشافهة وهو بالحاضرين أليق وما تقدم حكاية ، وهو بسلفهم الغائبين أليق ، فكأنه تعالى بين أن تلك العهود والمواثيق كما لزمهم التمسك بها فذلك هو لازم لكم لأنكم تعلمون ما في التوراة من حال محمد صلى الله عليه وسلّم وصحة نبوته ، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم وأعرضتم عن ذلك إلا قليلاً منكم وهم الذين آمنوا وأسلموا ، فهذا محتمل ، وأما وجه القول الثالث فهو أنه تعالى لما بين أنه أنعم عليهم بتلك النعم ، ثم إنهم تولوا عنها كان ذلك دالاً على نهاية قبح أفعالهم ويكون قوله : {وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ} مختصاً بمن في زمان محمد صلى الله عليه وسلّم أي أنكم بمنزلة المتقدمين الذين تولوا بعد أخذ هذه المواثيق فإنكم بعد اطلاعكم على دلائل صدق محمد صلى الله عليه وسلّم أعرضتم عنه وكفرتم به ، فكنتم في هذا الإعراض بمثابة أولئك المتقدمين في ذلك التولي والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 568
590
اعلم أن هذه الآية تدل على نوع آخر من نعم الله عليهم وهو أنه تعالى كلفهم هذا التكليف وأنهم أقروا بصحته ثم خالفوا العهد فيه.
(1/505)

وأما قوله : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـاقَكُمْ} ففيه وجوه. أحدها : أنه خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وسلّم ، وثانيها : أنه خطاب مع أسلافهم ، وتقديره وإذ أخذنا ميثاق آبائكم. وثالثها : أنه خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف ومعنى : {أَخَذْنَا مِيثَـاقَكُمْ} أمرناكم وأكدنا الأمر وقبلتم وأقررتم بلزومه ووجوبه.
أما قوله تعالى : {لا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} ففيه إشكال ، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه ، وإذا كان كذلك فلا فائدة في النهي عنه. والجواب عنه من أوجه ، أحدها : أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت في أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور والصلاح أو كثير ممن صعب عليه الزمان ، وثقل عليه أمر من الأمور ، فيقتل نفسه ، فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صح كونه مكلفاً به ، وثانيها : المراد لا يقتل بعضكم بعضاً ، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به نسباً وديناً وهو كقوله تعالى : {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } (البقرة : 54) / وثالثها : أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه ، ورابعها : لا تتعرضوا لمقاتلة من يقتلكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم ، وخامسها : لا تسفكون دماءكم من قوامكم في مصالح الدنيا بهم فتكونون مهلكين لأنفسكم.
أما قوله تعالى : {وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم} ففيه وجهان ، الأول : لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم ، الثاني : المراد النهي عن إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم لأن ذلك مما يعظم فيه المحنة والشدة حتى يقرب من الهلاك.
أما قوله تعالى : {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} ففيه وجوه ، أحدها : وهو الأقوى ، أي : ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه وأنتم تشهدون عليها كقولك فلان مقر على نفسه بكذا أي شاهد عليها ، وثانيها : اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك لأنه كان شائعاً فيما بينهم مشهوراً. وثالثها : وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق ، ورابعها : الإقرار الذي هو الرضاء بالأمر والصبر عليه كأن يقال : فلان لا يقر على الضيم فيكون المعنى أنه تعالى يأمركم بذلك ورضيتم به فأقمتم عليه وشهدتم بوجوبه وصحته ، فإن قيل : لم قال : {أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} والمعنى واحد ، قلنا فيه ثلاثة أقوال : الأول : أقررتم يعني أسلافكم وأنتم تشهدون الآن يعني على إقرارهم ، الثاني : أقررتم في وقت الميثاق الذي مضى وأنتم بعد ذلك تشهدون ، الثالث : أنه للتأكيد.
جزء : 3 رقم الصفحة : 590
591
أما قوله تعالى : {ثُمَّ أَنتُمْ هَـا ؤُلاءِ} ففيه إشكال لأن قوله : {أَنتُمْ} للحاضرين و{هَـا ؤُلاءِ} للغائبين فكيف يكون الحاضر نفس الغائب ، وجوابه من وجوه ، أحدها : تقديره ثم أنتم يا هؤلاء ، وثانيها : تقديره ثم أنتم أعني هؤلاء الحاضرين ، وثالثها : أنه بمعنى الذي وصلته "تقتلون" وموضع تقتلون رفع إذا كان خبراً ولا موضع له إذا كان صلة. قال الزجاج : ومثله في الصلة قوله تعالى : {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـامُوسَى } (طه : 17) يعني وما تلك التي بيمينك ، ورابعها : هؤلاء تأكيد لأنتم ، والخبر "تقتلون" ، وأما قوله تعالى : {تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} فقد ذكرنا فيه الوجوه ، وأصحها أن المراد يقتل بعضكم بعضاً ، وقتل البعض للبعض قد يقال فيه إنه قتل للنفس إذ كان الكل بمنزلة النفس الواحدة وبينا المراد بالإخراج من الديار ما هو.
أما قوله تعالى : {تَظَـاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالاثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي "تظاهرون" بتخفيف الظاء ، والباقون بالتشديد فوجه التخفيف الحذف لإحدى التاءين كقوله : {وَلا تَعَاوَنُوا } ووجه التشديد إدغام التاء في الظاء ، كقوله تعالى : {اثَّاقَلْتُمْ} (التوبة : 38) والحذف أخف والادغام أدل على الأصل.
المسألة الثانية : اعلم أن التظاهر هو التعاون ، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة بين الله تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان.
جزء : 3 رقم الصفحة : 591
المسألة الثالثة : الآية تدل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة ، فإن قيل : أليس أن الله تعالى لما أقدر الظالم على الظلم وأزال العوائق والموانع وسلط عليه الشهوة الداعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم ، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحة لوجب أن لا يوجد ذلك من الله تعالى ، والجواب : أنه تعالى وإن مكن الظالم من ذلك فقد زجره عن الظلم بالتهديد والزجر ، بخلاف المعين للظالم على ظلمه فإنه يرغبه فيه ويحسنه في عينه ويدعوه إليه فظهر الفرق.
(1/506)

المسألة الرابعة : الآية لا تدل على أن قدر ذنب المعين مثل قدر ذنب المباشر ، بل الدليل دل على أنه دونه لأن الإعانة لو حصلت بدون المباشرة لما أثرت في حصول الظلم ولو حصلت المباشرة بدون الإعانة لحصل الضرر والظلم ، فعلمنا أن المباشرة أدخل في الحرمة من الإعانة.
أما قوله تعالى : {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـارَى تُفَـادُوهُمْ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع وعاصم والكسائي : (أسارى تفادوهم) بالألف فيهما ، وقرأ حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون : "أسارى" بالألف و"تفدوهم" بغير ألف و"الأسرى" جمع أسير كجريح وجرحى ، وفي أسارى قولان : أحدهما : أنه جمع أسرى كسكرى وسكارى ، والثاني : جمع أسير ، وفرق أبو عمرو بين الأسرى والأسارى ، وقال : الأسارى الذين في وثاق ، والأسرى الذين في اليد ، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة/ وأنكر ثعلب ذلك ، وقال / علي ابن عيسى : الاختيار أسارى بالألف لأن عليه أكثر الأئمة ولأنه أدل على معنى الجمع إذ كان يقال بكثرة فيه ، وهو قليل في الواحد نحو شكاعى ولأنها لغة أهل الحجاز.
المسألة الثانية : تفدوهم وتفادوهم لغتان مشهورتان تفدوهم من الفداء وهو العوض من الشيء صيانة له ، يقال : فداه فدية وتفادوهم من المفاداة.
المسألة الثالثة : جمهور المفسرين قالوا : المراد من قوله : {تُفَـادُوهُمْ} وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم ، وذكر أبو مسلم أنه ضد ذلك ، والمراد أنكم مع القتل والإخراج إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال ، وإن كان ذلك محرماً عليكم ثم عنده تخرجونه من الأسر ، قال أبو مسلم والمفسرون : إنما أتوا من جهة قوله تعالى : {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَـابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } ، وهذا ضعيف لأن هذا القول راجع إلى ما تقدم من ذكر النبي صلى الله عليه وسلّم وما أنزل عليهم ، والمراد أنه إذا كان في الكتاب الذي معكم نبأ محمد فجحدتموه فقد آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض ، وكلا القولين يحتمل لفظ المفادة لأن الباذل عن الأسير يوصف بأنه فاداه والأخذ منه للتخليص يوصف أيضاً بذلك ، إلا أن الذي أجمع المفسرون عليه أقرب ، لأن عود قوله : {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَـابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية أولى من عوده إلى أمور تقدم ذكرها بعد آيات.
جزء : 3 رقم الصفحة : 591
المسألة الرابعة : قال بعضهم : الذين أخرجوا والذين فودوا فريق واحد ، وذلك أن قريظة والنضير كانا أخوين كالأوس والخزرج ، فافترقوا فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس. فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه ، فعيرتهم العرب وقالوا : كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم فيقولون : أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا ، وقال آخرون : ليس الذين أخرجوهم فودوا ولكنهم قوم آخرون فعابهم الله عليه.
أما قوله تعالى : {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } ففي قوله : {وَهُوَ} وجهان ، الأول : أنه ضمير القصة والشأن كأنه قيل والقصة محرم عليكم إخراجهم ، الثاني : أنه كناية عن الإخراج أعيد ذكره توكيداً لأنه فصل بينهما بكلام فموضعه على هذا رفع كأنه قيل وإخراجهم محرم عليكم ، ثم أعيد ذكر إخراجهم مبيناً للأول.
أما قوله : {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَـابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } فقد اختلف العلماء فيه على وجهين. أحدهما : أخراجهم كفر ، وفداؤهم إيمان ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وابن جريج ، ولم يذمهم على الفداء ، وإنما ذمهم على المناقضة إذ أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض ، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم لا يقال هب أن ذلك الإخراج معصية ، فلم سماها كفراً مع أنه ثبت أن العاصي لا يكفر ، لأنا نقول لعلهم صرحوا أن ذلك الإخراج غير واجب / مع أن صريح التوراة كان دالاً على وجوبه. وثالثهما : المراد منه التنبيه على أنهم في تمسكهم بنبوة موسى عليه السلام مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلّم مع أن الحجة في أمرهما على سواء يجري مجرى طريقة السلف منهم في أن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض والكل في الميثاق سواء.
(1/507)

أما قوله تعالى : {ثُمَّ أَنتُمْ هَـا ؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} فأصل الخزي الذل والمقت. يقال : أخزاه الله ، إذا مقته وأبعده ، وقيل : أصله الاستحياء ، فإذا قيل : أخزاه الله كأنه قيل : أوقعه موقعاً يستحيا منه ، وبالجملة فالمراد منه الذم العظيم ، واختلفوا في هذا الخزي على وجوه. أحدها : قال الحسن : المراد الجزية والصغار/ وهو ضعيف لأنه لا دلالة على أن الجزية كانت ثابتة في شريعتهم ، بل إن حملنا الآية على الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلّم صح هذا الوجه ، لأن من جملة الخزي الواقع بأهل الذمة أخذ الجزية منهم. وثانيها : إخراج بني النضير من ديارهم ، وقتل بني قريظة وسبي ذراريهم ، وهذا إنما يصح لو حملنا الآية على الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلّم ، وثالثها : وهو الأولى أن المراد منه الذم العظيم والتحقير البالغ من غير تخصيص ذلك ببعض الوجوه دون بعض والتنكير في قوله : "خزي" يدل على أن الذم واقع في النهاية العظمى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 591
أما قوله : {وَيَوْمَ الْقِيَـامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى ا أَشَدِّ الْعَذَابِ } ففيه سؤال وهو أن عذاب الدهرية الذين ينكرون الصانع يجب أن يكون أشد من عذاب اليهود ، فكيف قال في حق اليهود : {يُرَدُّونَ إِلَى ا أَشَدِّ الْعَذَابِ } والجواب : المراد منه أنه أشد من الخزي الحاصل في الدنيا ، فلفظ "الأشد" وإن كان مطلقاً إلا أن المراد أشد من هذه الجهة.
أما قوله تعالى : {وَمَا اللَّهُ بِغَـافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وعاصم بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبية ، وجه الأول : البناء على أول الكلام ، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ، ووجه الثاني : البناء على أنه آخر الكلام واختيار الخطاب لأن عليه الأكثر ولأنه أدل على المعنى لتغليب الخطاب على الغيبة إذا اجتمعا.
المسألة الثانية : قوله تعالى : {وَمَا اللَّهُ بِغَـافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة ، لأن الغفلة إذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع أنه أقدر القادرين وصلت الحقوق لا محالة إلى مستحقيها.
جزء : 3 رقم الصفحة : 591
0
/ اعلم أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله سبحانه مكن المكلف من تحصيل أيهما شاء وأراد ، فإذا اشتغل بتحصيل أحدهما فقد فوت الآخر على نفسه ، فجعل الله ما أعرض اليهود عنه من الإيمان بما في كتبهم وما حصل في أيديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء ، وذلك من الله تعالى في نهاية الذم لهم لأن المغبون في البيع والشراء في الدنيا مذموم حتى يوصف بأنه تغير في عقله فبأن يذم مشتري متاع الدنيا بالآخرة أولى.
أما قوله تعالى : {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ} ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في دخول الفاء في قوله : {فَلا يُخَفَّفُ} قولان ، أحدهما : العطف على {اشْتَرَوُا } والقول الآخر بمعنى جواب الأمر ، كقولك أولئك الضلال انتبه فلا خير فيهم والأول أوجه لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار.
المسألة الثانية : بعضهم حمل التخفيف على أنه لا ينقطع بل يدوم ، لأنه لو انقطع لكان قد خف ، وحمله آخرون على شدته لا على دوامه والأولى أن يقال : إن العذاب قد يخف بالانقطاع وقد يخف بالقلة في كل وقت أو في بعض الأوقات ، فإذا وصف تعالى عذابهم بأنه لا يخفف اقتضى ذلك نفي جميع ما ذكرناه.
أما قوله تعالى : {وَلا هُمْ يُنصَرُونَ} ففيه وجهان : الأكثرون حملوه على نفي النصرة في الآخرة يعني أن أحداً لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا هم ينصرون على من يريد عذابهم ومنهم من حمله على نفي النصرة في الدنيا ، والأول أولى لأنه تعالى جعل ذلك جزاء على صنيعهم ، ولذلك قال : {فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} وهذه الصفة لا تليق إلا بالآخرة ، لأن عذاب الدنيا وإن حصل فيصير كالحدود التي تقام على المقصر ولأن الكفار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض الأوقات.
جزء : 3 رقم الصفحة : 591
594
اعلم أن هذا نوع آخر من النعم التي أفاضها الله عليهم ثم إنهم قابلوه بالكفر والأفعال القبيحة ، وذلك لأنه تعالى لما وصف حال اليهود من قبل بأنهم يخالفون أمر الله تعالى في قتل / أنفسهم وإخراج بعضهم بعضاً من ديارهم وبين أنهم بهذا الصنيع اشتروا الدنيا بالآخرة ، زاد في تبكيتهم بما ذكره في هذه الآية. أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله إياها جملة واحدة ، روي عن ابن عباس أن التوراة لما نزلت أمر الله تعالى موسى بحملها فلم يطق ذلك ، فبعث الله لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها فخففها الله على موسى فحملها.
وأما قوله تعالى : {وَقَفَّيْنَا مِنا بَعْدِه بِالرُّسُلِ } ففيه مسألتان :
(1/508)

المسألة الأولى : قفينا ، أتبعنا مأخوذ من الشيء يأتي في قفاه الشيء ، أي بعد نحو ذنبه من الذنب ، ونظيره قوله : {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا } (المؤمنون : 44).
المسألة الثانية : روي أن بعد موسى عليه السلام إلى أيام عيسى عليه السلام كانت الرسل تتواتر ويظهر بعضهم في أثر بعض ، والشريعة واحدة إلى أيام عيسى عليه السلام ، فإنه صلوات الله عليه جاء بشريعة مجددة ، واستدلوا على صحة ذلك بقوله تعالى : {وَقَفَّيْنَا مِنا بَعْدِه بِالرُّسُلِ } فإنه يقتضي أنهم على حد واحد في الشريعة يتبع بعضهم بعضاً فيها ، قال القاضي : إن الرسول الثاني لا يجوز أن يكون على شريعة الأول حتى لا يؤدي إلى تلك الشريعة بعينها من غير زيادة ولا نقصان ، مع أن تلك الشريعة محفوظة يمكن معرفتها بالتواتر عن الأول ، لأن الرسول إذا كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلا ما كان قد علم من قبل أو يمكن أن يعلم من قبل ، فكما لا يجوز أن يبعث الله تعالى رسولاً لا شريعة معه أصلاً ، تبين العقليات لهذه العلة ، فكذا القول في مسألتنا : فثبت أنه لا بد في الرسل الذين جاؤوا من بعد موسى عليه السلام أن يكونوا قد أتوا بشريعة جديدة إن كانت الأولى محفوظة أو محيية لبعض ما اندرس من الشريعة الأولى. والجواب : لم لا يجوز أن يكون المقصود من بعثة هؤلاء الرسل تنفيذ تلك الشريعة السالفة على الأمة أو نوع آخر من الألطاف لا يعلمها إلا الله ، وبالجملة ، فالقاضي ما أتى في هذه الدلالة إلا بإعادة الدعوى ، فلم قال : إنه لا يجوز بعث هؤلاء الرسل إلا لشريعة جديدة أو لإحياء شريعة اندرست وهل النزاع وقع إلا في هذا ؟
جزء : 3 رقم الصفحة : 594
المسألة الثالثة : هؤلاء الرسل هم : يوشع ، وشمويل ، وشمعون ، وداود ، وسليمان وشعياء ، وأرمياء ، وعزيز ، وحزقيل ، وإلياس ، واليسع ، ويونس ، وزكريا ، ويحيى ، وغيرهم.
أما قوله تعالى : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَـابَ وَقَفَّيْنَا} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : السبب في أن الله تعالى أجمل ذكر الرسول ثم فصل ذكر عيسى لأن من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متبعين له ، وليس كذلك عيسى ، لأن شرعة نسخ أكثر شرع موسى عليه السلام.
المسألة الثانية : قيل عيسى بالسريانية أيشوع ، ومريم بمعنى الخادم ، وقيل : مريم بالعبرانية من النساء كزير من الرجال ، وبه فسر قول رؤبة :
قلت لزير لم تصله مريمة
المسألة الثالثة : في البينات وجوه. أحدها : المعجزات من إحياء الموتى ونحوها عن ابن عباس/ وثانيها : أنها الإنجيل. وثالثها : وهو الأقوى أن الكل يدخل فيه ، لأن المعجز يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية شريعته فلا يكون للتخصيص معنى.
أما قوله تعالى تعالى : {وَأَيَّدْنَـاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرىء وأيدناه قرأ ابن كثير "القدس" بالتخفيف والباقون بالتثقيل وهما لغتان مثل رعب ورعب.
المسألة الثانية : اختلفوا في الروح على وجوه. أحدها : أنه جبريل عليه السلام وإنما سمي بذلك لوجوه. الأول : أن المراد من روح القدس الروح المقدسة كما يقال : حاتم الجود ورجل صدق فوصف جبريل بذلك تشريفاً له وبياناً لعلو مرتبته عند الله تعالى. الثاني : سمي جبريل عليه السلام بذلك لأنه يحيا به الدين كما يحيا البدن بالروح فإنه هو المتولى لإنزال الوحي إلى الأنبياء والمكلفون في ذلك يحيون في دينهم. الثالث : أن الغالب عليه الروحانية وكذلك سائر الملائكة غير أن روحانيته أتم وأكمل. الرابع : سمي جبريل عليه السلام روحاً ، لأنه ما ضمته أصلاب الفحول وأرحام الأمهات ، وثانيها : المراد بروح القدس الإنجيل ، كما قال في القرآن : {رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا } (الشورى : 52) وسمي به لأن الدين يحيا به ومصالح الدنيا تنتظم لأجله. وثالثها : أنه الاسم الذي كان يحيي به عليه السلام الموتى ، عن ابن عباس وسعيد بن جبير ، ورابعها : أنه الروح الذي نفخ فيه والقدس هو الله تعالى فنسب روح عيسى عليه السلام إلى نفسه تعظيماً له وتشريفاً ، كما يقال : بيت الله وناقة الله ، عن الربيع ، وعلى هذاب المراد به الروح الذي يحيا به الإنسان.
جزء : 3 رقم الصفحة : 594
(1/509)

واعلم أن اطلاق اسم الروح على جبريل وعلى الانجيل وعلى الاسم الأعظم مجاز لأن الروح هو الريح المتردد في مخلوق الإنسان ومنافذه ومعلوم أن هذه الثلاثة ما كانت كذلك إلا أنه سمي كل واحد من هذه الثلاثة بالروح على سبيل التشبيه من حيث أن الروح كما أنه سبب لحياة الرجل ، فكذلك جبريل عليه السلام سبب لحياة القلوب بالعلوم ، والانجيل سبب لظهور الشرائع وحياتها ، والاسم الأعظم سبب لأن يتوسل به إلى تحصيل الأغراض إلا أن المشابهة بين مسمى الروح وبين جبريل أتم لوجوه. أحدها : لأن جبريل عليه السلام مخلوق من هواء نوراً ، لطيف فكانت المشابهة أتم ، فكان إطلاق اسم الروح على جبريل أولى. وثانيها : أن هذه التسمية فيه أظهر منها فيما عداه ، وثالثها : أن قوله تعالى : {وَأَيَّدْنَـاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } يعني قويناه ، والمراد من هذه التقوية الإعانة وإسناد الإعانة إلى جبريل عليه السلام حقيقة وإسنادها إلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز ، فكان ذلك أولى ، ورابعها : وهو أن اختصاص عيسى بجبريل عليهما السلام من آكد وجوه الاختصاص بحيث لم يكن لأحد من الأنبياء عليهم السلام مثل ذلك لأنه هو الذي بشر مريم / بولادتها وإنما ولد عيسى عليه السلام من نفخة جبريل عليه السلام وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء.
أما قوله تعالى : {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولُا بِمَا لا تَهْوَى ا أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ} فهو نهاية الذم لهم ، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه ، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه. وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق ، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل ، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم.
أما قوله تعالى : {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} فلقائل أن يقول : هلا قيل وفريقاً قتلتم ؟
وجوابه من وجهين : أحدهما : أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب. الثاني : أن يراد فريقاً تقتلونهم بعد لأنكم حاولتم قتل محمد صلى الله عليه وسلّم لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة. وقال عليه السلام عند موته : "ما زالت أكلة خيبر تعاودني. فهذا أوان انقطاع أبهري" والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 594
597
أما الغلف ففيه ثلاثة أوجه. أحدها : أنه جمع أغلف والأغلف هو ما في غلاف أي قلوبنا مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها ، وثانيها : روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غلف بالعلم ومملوءة بالحكمة فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد عليه السلام ، وثالثها : غلف أي كالغلاف الخالي لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك. أما المعتزلة فإنهم اختاروا الوجه الأول ، ثم قالوا : هذه الآية تدل على أنه ليس في قلوب الكفار ما لا يمكنهم معه الإيمان ، لا غلاف ولا كن ولا سد على ما يقوله المجبرة لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صادقين في هذا القول ، فكان لا يكذبهم الله بقوله : {بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} لأنه تعالى إنما يذم الكاذب المبطل لا الصادق المحق المعذور ، قالوا : وهذا يدل على أن معنى قوله : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـاَايَـاتِ رَبِّه فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا} (الكهف : 57) وقوله : {إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنَـاقِهِمْ أَغْلَـالا} وقوله : {وَجَعَلْنَا مِنا بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا} (يس : 8 ، 9) ليس المراد كونهم ممنوعين من الإيمان ، بل المراد إما منع الألطاف أو تشبيه حالهم في إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على الكفر. قالوا : ونظير ذم الله تعالى اليهود على هذه المقالة ذمه تعالى الكافرين على مثل هذه المقالة وهو قوله تعالى : {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِى ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنا بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} (فصلت : 5) ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هئلاء القوم صادقين في ذلك ، ولو كانوا / صادقين لما ذمهم بل كان الذي حكاه عنهم إظهاراً لعذرهم ومسقطاً للومهم.
واعلم أنا بينا في تفسير الغلف وجوهاً ثلاثة فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل. سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلت إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم ؟
(1/510)

أما قوله تعالى : {بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} ففيه أجوبة. أحدها : هذا يدل على أنه تعالى لعنهم بسبب كفرهم ، أما لم قلتم بأنه إنما لعنهم بسبب هذه المقالة فلعله تعالى حكى عنهم قولاً ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم. وثانيها : المراد من قوله : {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفُا } أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار يعني ليست قلوبنا في أغلاف ولا في أغطية ، بل قوية وخواطرنا منيرة ثم إنا بهذه الخواطر والأفهام تأملنا في دلائلك يا محمد ، فلم يجد منها شيئاً قوياً. فلما ذكروا هذا التصلف الكاذب لا جرم لعنهم الله على كفرهم الحاصل بسبب هذا القول ، وثالثها ؛ لعل قلوبهم ما كانت في الأغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى : {يَعْرِفُونَه كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ } (الأنعام : 20) (البقرة : 146) إلا أنهم أنكروا تلك المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف وغير واقفة على ذلك فكان كفرهم كفر العناد فلا جرم لعنهم الله على ذلك الكفر.
جزء : 3 رقم الصفحة : 597
أما قوله تعالى : {فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ} ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في تفسيره ثلاثة أوجه. أحدها : أن القليل صفة المؤمن ، أي لا يؤمن منهم إلا القليل عن قتادة والأصم وأبي مسلم. وثانيها : أنه صفة الإيمان ، أي لا يؤمنون إلا بقليل مما كلفوا به لأنهم كانوا يؤمنون بالله ، إلا أنهم كانوا يكفرن بالرسل. وثالثها : معناه لا يؤمنون أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً كما يقال : قليلاً ما يفعل بمعنى لا يفعل ألبتة. قال الكسائي : تقول العرب : مررنا بأرض قليلاً ما تنبت ، يريدون ولا تنبت شيئاً. والوجه الأول أولى لأنه نظير قوله : {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا} (النساء : 155) ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم.
المسألة الثانية : في انتصاب "قليلاً" وجوه. أحدها : فإيماناً قليلاً ما يؤمنون "وما" مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب ، وثانيها : انتصب بنزع الخافض أي بقليل يؤمنون. وثالثها : فصاروا قليلاً ما يؤمنون.
جزء : 3 رقم الصفحة : 597
598
اعلم أن هذا نوع من قبائح اليهود. أما قوله تعالى : {كِتَـابَ} فقد اتفقوا على أن هذا الكتاب هو القرآن لأن قوله تعالى : {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم وما ذاك إلا القرآن. أما قوله تعالى : {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : لا شبهة في أن القرآن مصدق لما معهم في أمر يتعلق بتكليفهم بصديق محمد صلى الله عليه وسلّم في النبوة واللائق بذلك هو كونه موافقاً لما معهم في دلالة نبوته إذ قد عرفوا أنه ليس بموافق لما معهم في سائر الشرائع وعرفنا أنه لم يرد الموافقة في باب أدلة القرآن ، لأن جميع كتب الله كذلك ولما بطل الكل ثبت أن المراد موافقته لكتبهم فيما يختص بالنبوة وما يدل عليها من العلامات والنعوت والصفات.
المسألة الثانية : قرىء : {مُصَدِّقًا} على الحال ، فإن قيل : كيف جاز نصبها عن النكرة ؟
قلنا : إذا وصفت النكرة تخصصت فصح انتصاب الحال عنها وقد وصف {كِتَـابَ} بقوله : {مِّنْ عِندِ اللَّهِ} .
المسألة الثالثة : في جواب "لما" ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه محذوف كقوله تعالى : {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} (الرعد : 31) فإن جوابه محذوف وهو. لكان هذا القرآن ، عن الأخفش والزجاج ، وثانيها : أنه على التكرير لطول الكلام والجواب : كفروا به كقوله تعالى : {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ} إلى قوله تعالى : {أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ} (المؤمنون : 35) عن المبرد ، وثالثها : أن تكون الفاء جواباً للما الأولى {كَفَرُوا بِه } جواباً للما الثانية وهو كقوله : {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} (البقرة : 38) (طه : 133) الآية عن الفراء.
(1/511)

أما قوله تعالى : {وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } ففي سبب النزول وجوه. أحدها : أن اليهود من قبل مبعث محمد عليه السلام ونزول القرآن كانوا يستفتحون ، أي يسألون الفتح والنصرة وكانوا يقولون : اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأمي. وثانيها ؛ كانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال : هذا نبي قد أظل زمانه ينصرنا عليكم ، عن ابن عباس. وثالثها : كانوا يسألون العرب عن مولده ويصفونه بأنه نبي من صفته كذا وكذا ، ويتفحصون عنه على الذين كفروا أي على مشركي العرب ، عن أبي مسلم. ورابعها : نزلت في بني قريظة والنضير ، كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل المبعث. عن ابن عباس وقتادة والسدي. وخامسها : نزلت في أحبار اليهود كانوا إذا قرؤوا وذكروا محمداً في التوراة وأنه مبعوث وأنه من العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصفات ليعلموا أنه هل ولد فيهم من يوافق حاله حال هذا المبعوث.
جزء : 3 رقم الصفحة : 598
أما قوله تعالى : {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : تدل الآية على أنهم كانوا عارفين بنبوته وفيه سؤال : وهو أن التوراة / نقلت نقلاً متواتراً ، فأما أن يقال : إنه حصل فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلّم على سبيل التفصيل ، أعني بيان أن الشخص الموصوف بالصورة الفلانية والسيرة الفلانية سيظره في السنة الفلانية في المكان الفلاني ، أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه ، فإن كان الأول كان القوم مضطرين إلى معرفة شهادة التوراة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام/ فكيف يجوز على أهل التواتر إطباقهم على الكذب وإن لم يكن الوصف على هذه الصفة لم يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة كون محمد صلى الله عليه وسلّم رسولاً ، فكيف قال الله تعالى : {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه } ؟
والجواب : أن الوصف المذكور في التوراة كان وصفاً إجمالياً وأن محمداً صلى الله عليه وسلّم لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف ، بل بظهور المعجزات صارت تلك الأوصاف كالمؤكدة ، فلهذا ذمهم الله تعالى على الإنكار.
المسألة الثانية : يحتمل أن يقال : كفروا به لوجوه. أحدها : أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه ، فلما بعث الله تعالى محمداً من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه ، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول. وثانيها : اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار. وثالثها : لعلهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به.
المسألة الثالثة : أنه تعالى كفرهم بعد ما بين كونهم عالمين بنبوته ، وهذا يدل على أن الكفر ليس هو الجهل بالله تعالى فقط.
أما قوله تعالى : {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَـافِرِينَ} فالمراد الإبعاد من خيرات الآخرة ، لأن المبعد من خيرات الدنيا لا يكون ملعوناً. فإن قيل : أليس أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة : {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة : 83) وقال : {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوَا بِغَيْرِ عِلْمٍ } (الأنعام : 108) قلنا : العام قد يتطرق إليه التخصيص على أنا بينا فيما قبل أن لعن من يستحق اللعن من القول الحسن والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 598
599
اعلم أن البحث عن حقيقة بئسما لا يحصل إلا في مسائل :
/ المسألة الأولى : أصل نعم وبئس نعم وبئس بفتح الأول وكسر الثاني كقولنا : "علم" إلا أن ما كان ثانيه حرف حلق وهو مكسور يجوز فيه أربع لغات ، الأول : على الأصل أعني بفتح الأول وكسر الثاني. والثاني : اتباع الأول للثاني وهو أن يكون بكسر النون والعين ، وكذا يقال : فخذ بكسر الفاء والخاء ، وهم وإن كانوا يفرون من الجمع بين الكسرتين إلا أنهم جوزوه ههنا لكون الحرف الحلقي مستتبعاً لما يجاوره. الثالث : إسكان الحرف الحلقي المكسور وترك ما قبله على ما كان فيقال : نعم وبئس بفتح الأول وإسكان الثاني كما يقال : فخذ بفتح الفاء وإسكان الخاء. الرابع : أن يسكن الحرف الحلقي وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال : نعم بكسر النون وإسكان العين كما يقال : فخذ بكسر الفاء وإسكان الخاء.
واعلم أن هذا التغيير الأخير وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين إلا أنهم جعلوه لازماً لهما لخروجهما عما وضعت له الأفعال الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان الماضي وصيرورتهما كلمتي مدح وذم ويراد بهما المبالغة في المدح والذم ، ليدل هذا التغيير اللازم في اللفظ على التغيير عن الأصل في المعنى فيقولون : نعم الرجل زيد ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشعر كما أنشد المبرد :
ففداء لبني قيس على
ما أصاب الناس من شر وضر
ما أقلت قدماي إنهم
نعم الساعون في الأمر المبر
(1/512)

المسألة الثانية : أنهما فعلان من نعم ينعم وبئس ويبأس والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما ، فيقال : نعمت وبئست ، والفراء يجعلهما بمنزلة الأسماء ويحتج بقول حسان ابن ثابت رضي الله عنه.
ألسنا بنعم الجار يؤلف بيته
من الناس ذا مال كثير ومعدما
وبما روي أن أعرابياً بشر بمولودة فقيل له : نعم المولود مولودتك ، فقال : والله ما هي بنعم المولودة والبصريون يجيبون عنه بأن ذلك بطريق الحكاية.
المسألة الثالثة : اعلم أن "نعم وبئس" أصلان للصلاح والرداءة ويكون فاعلهما اسماً يستغرق الجنس إما مظهراً وإما مضمراً ، والمظهر على وجهين ، الأول : نحو قولك ، نعم الرجل زيد لا تريد رجلاً دون الرجل وإنما تقصد الرجل على الإطلاق. والثاني : نحو قولك نعم غلام الرجل زيد ، أما قوله :
جزء : 3 رقم الصفحة : 599
فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم
وصاحب الركب عثمان بن عفانا
فنادر وقيل : كان ذلك لأجل أن قوله : "وصاحب الركب" قد يدل على المقصود إذ المراد واحد فإذا أتى في الركب بالألف واللام فكأنه قد أتى به في القوم ، وأما المضمر فكقولك : نعم رجلاً زيد ، الأصل : نعم الرجل رجلاً زيد ثم ترك ذكر الأول لأن النكرة المنصوبة تدل عليه / ورجلاً نصب على التمييز ، مثله في قولك : عشرون رجلاً والمميز لا يكون إلا نكرة ، ألا ترى أن أحداً لا يقول عشرون الدرهم ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا : نعم الرجل بالنصب لكان نقضاً للغرض/ إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا وقالوا نعم الرجل وكفوا أنفسهم مؤنة الإضمار وإنما أضمروا الفاعل قصداً للاختصار ، إذ كان "نعم رجلاً" يدل على الجنس الذي فضل عليه.
المسألة الرابعة : إذا قلت نعم الرجل زيد فهو على وجهين : أحدهما : أن يكون مبتدأ مؤخراً كأنه قيل : زيد نعم الرجل ، أخرت زيداً والنية به التقديم ، كما تقول : مررت به المسكين تريد المسكين مررت به ، فأما الراجع إلى المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعاً ينتظم فيه الجنس كان زيد داخلاً تحته فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه ، والوجه الآخر : أن يكون زيد في قولك : نعم الرجل زيد خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قيل : نعم الرجل ، قيل : من هذا الذي أثنى عليه ؟
فقيل : زيد أي هو زيد.
المسألة الخامسة : المخصوص بالمدح والذم لا يكون إلا من جنس المذكور بعد نعم وبئس كزيد من الرجال وإذا كان كذلك كان المضاف إلى القوم في قوله تعالى : {سَآءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَا} (الأعراف : 177) محذوفاً وتقديره ساء مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ، وإذ قد لخصنا هذه المسائل فلنرجع إلى التفسير.
أما قوله تعالى : {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِه ا أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : "ما" نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس الشيء شيئاً اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم "أن يكفروا".
جزء : 3 رقم الصفحة : 599
المسألة الثانية : في الشراء ههنا قولان ، أحدهما : أنه بمعنى البيع ، وبيانه أنه تعالى لما مكن المكلف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة والكفر الذي يؤدي به إلى النار صار اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار تملك سلعة على سلعة فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونجاته. قيل : نعم ما اشترى ، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال ملك يملك صلح أن يوصف كل واحد منهما بأنه بائع ومشتر لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما فصح تأويل قوله تعالى : {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِه ا أَنفُسَهُمْ} بأن المراد باعوا أنفسهم بكفرهم لأن الذي حصلوه على منافع أنفسهم لما كان هو الكفر صاروا بائعين أنفسهم بذلك ، الوجه الثاني : وهو الأصح عندي أن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال ، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنها تخلصهم من العقاب ، وتوصلهم إلى الثواب فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بها ، فذمهم الله تعالى ، وقال : {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِه ا أَنفُسَهُمْ} وهذا الوجه أقرب إلى المعنى واللفظ من الأول ، ثم إنه تعالى بين تفسير ما اشتروا به أنفسهم بقوله / تعالى : {أَن يَكْفُرُوا بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ} ولا شبهة أن المراد بذلك كفرهم بالقرآن لأن الخطاب في اليهود وكانوا مؤمنين بغيره ، ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر بما أنزل الله فقال : {بَغْيًا} وأشار بذلك إلى غرضهم بالكفر كما يقال يعادي فلان فلاناً حسداً تنبيهاً بذلك على غرضه ولولا هذا القول لجوزنا أن يكفروا جهلاً لا بغياً.
(1/513)

واعلم أن هذه الآية تدل على أن الحسد حرام. ولما كان البغي قد يكون لوجوه شتى بين تعالى غرضهم من هذا البغي بقوله : {أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِه عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِه } والقصة لا تليق إلا بما حكيناه من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في قومهم فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد.
أما قوله تعالى : {فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير الغضبين وجوه ، أحدها : أنه لا بد من إثبات سببين للغضبين. أحدهما : ما تقدم وهو تكذيبهم عيسى عليه السلام وما أنزل عليه والآخر تكذيبهم محمد عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه فصار ذلك دخولاً في غضب بعد غضب وسخط بعد سخط من قبله تعالى لأجل أنهم دخلوا في سبب بعد سبب ، وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة ، الثاني : ليس المراد إثبات غضبين فقط بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم : {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} (التوبة : 30). {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ } (المائدة : 64). {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ } (آل عمران : 181) وغير ذلك من أنواع كفرهم ، وهو قول عطاء وعبيد بن عمير ، الثالث : أن المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه عظم ، وهو قول أبي مسلم. الرابع : الأول بعبادتهم العجل والثاني بكتمانهم صفة محمد وجحدهم نبوته عن السدي.
جزء : 3 رقم الصفحة : 599
المسألة الثانية : الغضب عبارة عن التغير الذي يعرض للإنسان في مزاجه عند غليان دم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه وذلك محال في حق الله تعالى ، فهو محمول على إرادته لمن عصاه الإضرار من جهة اللعن والأمر بذلك.
المسألة الثالثة : أنه يصح وصفه تعالى بالغضب وأن غضبه يتزايد ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته من العذاب فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة كغضبه على من كفر بخصال كثيرة.
أما قوله تعالى : {وَلِلْكَـافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : {وَلِلْكَـافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} له مزية على قوله ولهم عذاب مهين لأن العبارة الأولى يدخل فيها أولئك الكفار وغيرهم والعبارة الثانية لا يدخل فيها إلا هم.
المسألة الثانية : العذاب في الحقيقة لا يكون مهيناً لأن معنى ذلك أنه أهان غيره وذلك مما لا يتأتى إلا فيما يعقل ، فالله تعالى هو المهين للمعذبين بالعذاب الكثير إلا أن الإهانة لما / حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه ، فإن قيل : العذاب لا يكون إلا مع الإهانة فما الفائدة في هذا الوصف ؟
قلنا : كون العذاب مقروناً بالإهانة أمر لا بد فيه من الدليل ، فالله تعالى ذكر ذلك ليكون دليلاً عليه.
المسألة الثالثة : قال قوم : قوله تعالى : {وَلِلْكَـافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} يدل على أنه لا عذاب إلا للكافرين ، ثم بعد تقرير هذه المقدمة احتج بهذه الآية فريقان ، أحدهما : الخوارج قالوا : ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب ، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر فيلزم أن يقال الفاسق كافر. وثانيها : المرجئة قالوا : ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر وثبت أن الفاسق ليس بكافر ، فوجب القطع بأنه لا يعذب وفساد هذين القولين لا يخفى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 599
602
اعلم أن هذا النوع أيضاً من قبائح أفعالهم : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} يعني به اليهود : {بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا } أي بكل ما أنزل الله ، والقائلون بالعموم احتجوا بهذه الآية على أن لفظة "ما" بمعنى الذي تفيد العموم ، قالوا : لأن الله تعالى أمرهم بأن يؤمنوا بما أنزل الله فلما آمنوا بالبعض دون البعض ذمهم على ذلك ولولا أن لفظة "ما" تفيد العموم لما حسن هذا الذم ، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أمروا بذلك : {قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا} يعني بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى عليه السلام ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم يكفرون بما وراءه وهو الإنجيل والقرآن. وأورده هذه الحكاية عنهم على سبيل الذم لهم وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم آمنوا بما أنزل الله إلا ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلاً من عند الله وإلا كان ذلك تكليف ما لا يطاق وإذا دل الدليل على كونه منزلاً من عند الله وجب الإيمان به ، فثبت أن الإيمان ببعض ما أنزل الله دون البعض تناقض.
(1/514)

أما قوله تعالى : {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ } فهو كالإشارة إلى ما يدل على وجوب الإيمان / بمحمد صلى الله عليه وسلّم ، وبيانه من وجهين : الأول : ما دل عليه قوله تعالى : {وَهُوَ الْحَقُّ} أنه لما ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم بالمعجزات التي ظهرت عليه ، إنه عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى وأنه أمر المكلفين بالإيمان به وكان الإيمان به واجباً لا محالة ، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعض الأنبياء وبعض الكتب محال. الثاني : ما دل عليه قوله : {مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ } وتقريره من وجهين ، الأول : أن محمداً صلوات الله وسلامه عليه لم يتعلم علماً ولا استفاد من أستاذ ، فلما أتى بالحكايات والقصص موافقة لما في التوراة من غير تفاوت أصلاً علمنا أنه عليه الصلاة والسلام إنما استفادها من الوحي والتنزيل. الثاني : أن القرآن يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق للتوراة وجب اشتمال التوراة على الإخبار عن نبوته ، وإلا لم يكن القرآن مصدقاً للتوراة بل مكذباً لها وإذا كانت التوراة مشتملة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وهم قد اعترفوا بوجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد عليه الصلاة والسلام.
جزء : 3 رقم الصفحة : 602
أما قوله تعالى : {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنابِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه سبحانه وتعالى بين من جهة أخرى أن دعواهم كونهم مؤمنين بالتوراة متناقضة من وجوه أخر ، وذلك لأن التوراة دلت على أن المعجزة تدل على الصدق ودلت على أن من كان صادقاً في ادعاء النبوة فإن قتله كفر ، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي في قتل يحيى وزكريا وعيسى عليهم السلام كفراً فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة.
المسألة الثانية : هذه الآية دالة على أن المجادلة في الدين من حرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن إيراد المناقضة على الخصم جائز.
المسألة الثالثة : قوله : {فَلِمَ تَقْتُلُونَ} وإن كان خطاب مشافهة لكن المراد من تقدم من سلفهم ويدل عليه وجوه/ أحدها : أن الأنبياء في ذلك الزمان ما كانوا موجودين. وثانيها : أنهم ما أقدموا على ذلك ، وثالثها : أنه لا يتأتى فيه من قبل. فأما المراد به الماضي فظاهر لأن القرينة دالة عليه. فإن قيل قوله : {ءَامَنُوا } خطاب لهؤلاء الموجودين : {فَلِمَ تَقْتُلُونَ} حكاية فعل أسلافهم فكيف وجه الجمع بينهما ؟
قلنا معناه : أنكم بهذا التكذيب خرجتم من الإيمان بما آمنتم كما خرج أسلافكم بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بالباقين.
المسألة الرابعة : يقال كيف جاز قوله : لم تقتلون من قبل ولا يجوز أن يقال : أنا أضربك أمس ؟
والجواب فيه قولان. أحدهما : أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله : ويحك لم تكذب ؟
كأنك قلت : لم يكن هذا من شأنك. قال الله تعالى : {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَـاطِينُ} (البقرة : 102) ولم يقل ما تلت لأنه أراد من شأنها التلاوة. والثاني : كأنه قال : لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم آمنتم بالتوراة والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 602
604
اعلم أن تكرير هذه الآية يغني عن تفسيرها والسبب في تكريرها أنه تعالى لما حكى طريقة اليهود في زمان محمد صلى الله عليه وسلّم ووصفهم بالعناد والتكذيب ومثلهم بسلفهم في قتلهم الأنبياء الذي يناسب التكذيب لهم بل يزيد عليه ، أعاد ذكر موسى عليه السلام وما جاء به من البينات وأنهم مع وضوح ذلك أجازوا أن يتخذوا العجل إلهاً وهو مع ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه فكذلك القول في حالي معكم وإن بالغتم في التكذيب والإنكار.
جزء : 3 رقم الصفحة : 604
(1/515)

604
اعلم أن في الإعادة وجوهاً : أحدها : أن التكرار في هذا وأمثاله للتأكيد وإيجاب الحجة على الخصم على عادة العرب ، وثانيها : أنه إنما ذكر ذلك مع زيادة وهي قولهم : {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} وذلك يدل على نهاية لجاجهم.
أما قوله تعالى : {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أن إظلال الجبل لاشك أنه من أعظم المخوفات ومع ذلك فقد أصروا على كفرهم وصرحوا بقولهم {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} وهذا يدل على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد.
المسألة الثانية : الأكثرون من المفسرين اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول ، قال أبو مسلم : وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه كقوله تعالى : {أَن يَقُولَ لَه كُن فَيَكُونُ} (البقرة : 177) وكقوله : {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآاـاِعِينَ} (فصلت : 11) والأول أولى لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير الدليل لا يجوز.
أما قوله تعالى : {وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : واشربوا في قلوبهم حب العجل ، وفي وجه هذا الاستعارة وجهان ، الأول : معناه تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب ، وقوله : {فِى قُلُوبِهِمُ} بيان / لمكان الإشراف كقوله : {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا } (النساء : 10). الثاني : كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال.
المسألة الثانية : قوله : {وَاشْرَبُوا } يدل على أن فاعلاً غيرهم فعل بهم ذلك ، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى الله ، أجابت المعتزلة عنه من وجهين : الأول : ما أراد الله أن غيرهم فعل بهم ذلك لكنهم لفرط ولوعهم وإلفهم بعبادته أشربوا قلوبهم حبه فذكر ذلك على ما لم يسم فاعله كما يقال فلان : معجب بنفسه ، الثاني : أن المراد من أشرب أي زينة عندهم ودعاهم إليه كالسامري وإبليس وشياطين الإنس والجن. أجاب الأصحاب عن الوجهين بأن كلا الوجهين صرف اللفظ عن ظاهره وذلك لا يجوز المصير إليه إلا لدليل منفصل ، ولما أقمنا الدلائل العقلية القطعية على أن محدث كل الأشياء هو الله لم يكن بنا حاجة إلى ترك هذا الظاهر.
جزء : 3 رقم الصفحة : 604
أما قوله تعالى : {بِكُفْرِهِمْ} فالمراد باعتقادهم التشبيه على الله وتجويزهم العبادة لغيره سبحانه وتعالى.
أما قوله : {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِه إِيمَـانُكُمْ} ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : المراد بئسما يأمركم به إيمانكم بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال في قصة شعيب : {أَصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ} (هود : 87) وكذلك إضافة الإيمان إليهم.
المسألة الثانية : الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي لكن الداعي إلى الفعل قد يشبه بالآمر كقوله تعالى : {اتْلُ مَآ أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَـابِ} (العنكبوت : 45).
أما قوله تعالى : {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فالمراد التشكيك في إيمانهم والقدح في صحة دعواهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 604
605
(1/516)

اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس ويدل عليه وجوه. أحدها : أنه لا يجوز أن يقال على طريق الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح الزام الثاني عليه. وثانيها : ما حكى الله عنهم في قوله : {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـارَى } (البقرة : 111) وفي قوله : {نَحْنُ أَبْنَـا ؤُا اللَّهِ وَأَحِبَّـا ؤُه } (المائدة : 18) وفي قوله : {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } (البقرة : 89). وثالثها : اعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقون لأن النسخ غير جائز في شرعهم ، وأن سائر الفرق مبطلون ، ورابعها : اعتقادهم أن انتسابهم إلى أكابر الأنبياء عليهم السلام أعني يعقوب وإسحاق وإبراهيم يخلصهم من عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه ، ثم إنهم لهذه الأشياء عظموا شأن أنفسهم فكانوا يفتخرون على العرب وربما جعلوه كالحجة في أن النبي المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلّم ، ثم إن الله احتج على فساد قولهم بقوله : {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الاخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة بالقياس إلى نعم الآخرة ، ثم إن نعم الدنيا على قلتها كانت منغصة عليهم بسبب ظهور محمد صلى الله عليه وسلّم ومنازعته معهم بالجدال والقتال ، ومن كان في النعم القليلة المنغصة ، ثم إن تيقن أنه بعد الموت لا بد وأن ينتقل إلى تلك النعم العظيمة فإنه لا بد وأن يكون راغباً في الموت لأن تلك النعم العظيمة مطلوبة ولا سبيل إليها إلا بالموت وما يتوقف عليه المطلوب وجب أن يكون مطلوباً فوجب أن يكون هذا الإنسان راضياً بالموت متمنياً له ، فثبت أن الدار الآخرة لو كانت لهم خالصة لوجب أن يتمنوا الموت. ثم إن الله تعالى أخبر أنهم ما تمنوا الموت بل لن يتمنوه أبداً ، وحينئذ يلزم قطعاً بطلان ادعائهم في قولهم إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس.
جزء : 3 رقم الصفحة : 605
فإن قيل لا نسلم أنه لو كانت لهم الدار الآخرة خالصة لوجب أن يتمنوا الموت ، قوله لأن نعيم الآخرة مطلوب ولا سبيل إليه إلا بالموت والذي يتوقف عليه المطلوب ، لا بد وأن يكون مطلوباً. قلنا : قلنا الذي يتوقف عليه المطلوب يجوز أن يكون مطلوباً نظراً إلى كونه وسيلة إلى ذلك المطلوب إلا أنه يكون مكروهاً نظراً إلى ذاته والموت مما لا يحصل إلا بالآلام العظيمة وما كانوا يطيقونها فلا جرم ما تمنوا الموت.
السؤال الثاني : أنه كان لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد صلى الله عليه وسلّم فيقولوا : إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر فإن كان الأمر كذلك فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك ، فإنا نراك ونرى أمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم بسبب الجدال والقتال وبعد الموت فإنكم تتخلصون إلى نعيم الجنة فوجب أن ترضوا بقتلكم
السؤال الثالث : لعلهم كانوا يقولون الدار الآخرة خالصة لمن كان على دينهم لكن بشرط الاحتراز عن الكبائر ، فأما صاحب الكبيرة فإنه يبقى مخلداً في النار أبداً لأنهم كانوا وعيدية أو لأنهم جوزوا في صاحب الكبيرة أن يصير معذباً فلأجل هذا ما تمنوا الموت وليس لأحد أن يدفع هذا السؤال بأن مذهبهم أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة لأن كل يوم من أيام القيامة / كألف سنة مما تعدون فكانت هذه الأيام وإن كانت قليلة بحسب العدد لكنها طويلة بحسب المدة فلا جرم ما تمنوا الموت بسبب هذا الخوف.
السؤال الرابع : أنه عليه الصلاة والسلام نهي عن تمني الموت فقال : "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل اللهم أحيني إن كانت الحياة خيراً لي وتوفني إن كانت الوفاة خيراً لي" وأيضاً قال الله تعالى في كتابه : {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا} (الشورى : 18) فكيف يجوز أن ينهي عن الاستعجال ، ثم إنه يتحدى القوم بذلك.
السؤال الخامس : أن لفظ التمني مشترك بين التمني الذي هو المعنى القائم بالقلب وبين اللفظ الدال على ذلك المعنى وهو قول القائل : ليتني مت ، لليهود أن يقولوا إنك طلبت منا التمني والتمني لفظ مشترك ، فإن ذكرناه باللسان فله أن يقول : ما أردت به هذا اللفظ ، وإنما أردت به المعنى الذي في القلب وإن فعلنا ذلك المعنى القائم بالقلب فله أن يقول : كذبتم ما أتيتم بذلك في قلوبكم ولما علم اليهود أنه أتى بلفظة مشتركة لا يمكن الاعتراض عليها لا جرم لم يلتفتوا إليه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 605
(1/517)

السؤال السادس : هب أن الدار الآخرة لو كانت لهم لوجب أن يتمنوا الموت فلم قلتم إنهم ما تمنوا الموت والاستدلال بقوله تعالى : {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَا } ضعيف لأن الاستدلال بهذا إنما يصح لو ثبت كون القرآن حقاً ، والنزاع ليس إلا فيه. الجواب : قوله (أولاً) كون الموت متضمناً للألم يكون كالصارف عن تمنيه ، قلنا كما أن الألم الحاصل عند الحجامة لا يصرف عن الحجامة للعلم الحاصل بأن المنفعة الحاصلة بسبب الحجامة عظيمة وجب أن يكون الأمر ههنا كذلك. قوله ثانياً : إنهم لو قلبوا الكلام على محمد صلى الله عليه وسلّم لزمه أن يرضى بالقتل ، قلنا : الفرق بين محمد عليه السلام وبينهم أن محمداً كان يقول إني بعثت لتبليغ الشرائع إلى أهل التواتر ، وهذا المقصود لم يحصل بعد فلأجل هذا لا أرضى بالقتل وأما أنتم فلستم كذلك فظهر الفرق ، قوله ثالثاً : كانوا خائفين من عقاب الكبائر ، قلنا : القوم ادعوا كون الآخرة خالصة لهم وذلك يؤمنهم من امتزاج ثوابها بالعقاب قوله رابعاً : نهى عن تمني الموت قلنا هذا النهي طريقة الشرع فيجوز أن يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الأوقات ، روي أن علياً رضي الله عنه كان يطوف بين الصفين في غلالة فقال له ابنه الحسن رضي الله عنه ما هذا بزي المحاربين فقال يا بني لا يبالي أبوك أعلى الموت سقط أم عليه يسقط الموت ، وقال عمار رضي الله عنه بصفين :
الآن ألاقي الأحبة
محمداً وحزبه
وقد ظهر عن الأنبياء في كثير من الأوقات تمنى الموت على أن هذا النهي مختص بسبب مخصوص فإنه عليه الصلاة والسلام حرم أن يتمنى الإنسان الموت عند الشدائد لأن ذلك كالجزع والخروج عن الرضاء بما قسم الله ، فأين هذا من التمني الذي يدل على صحة النبوة. قوله خامساً : إنهم ما عرفوا أن المراد هو التمني باللسان أو بالقلب ، قلنا : التمني في لغة العرب لا يعرف إلا / ما يظهر (منه) كما أن الخبر لا يعرف إلا ما يظهر بالقول والذي في القلب من ذلك لا يسمى بهذا الاسم ، وأيضاً فمن المحال أن يقول النبي عليه الصلاة والسلام لهم تمنوا الموت ويريد بذلك ما لا يمكن الوقوف عليه مع أن الغرض بذلك لا يتم إلا بظهوره ، قوله سادساً : ما الدليل على أنه ما وجد التمني ، قلنا من وجوه ، أحدها : أنه لو حصل ذلك لنقل نقلاً متواتراً لأنه أمر عظيم فإن بتقدير عدمه يثبت القول بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم وبتقدير حصول هذا التمني يبطل القول بنبوته وما كان كذلك كان من الوقائع العظيمة ، فوجب أن ينقل نقلاً متواتراً ، ولما لم ينقل علمنا أنه لم يوجد ، وثانيها : أنه عليه الصلاة والسلام مع تقدمه في الرأي والحزم وحسن النظر في العاقبة والوصول إلى المنصب الذي وصل إليه في الدنيا والدين والوصول إلى الرياسة العظيمة التي انقاد لها المخالف قهراً والموافق طوعاً لا يجوز وهو غير واثق من جهة ربه بالوحي النازل عليه أن يتحداهم بأمر لا يأمن عاقبة الحال فيه ولا يأمن من خصمه أن يقهره بالدليل والحجة لأن العاقل الذي لم يجرب الأمور لا يكاد يرضى بذلك فكيف الحال في أعقل العقلاء فيثبت أنه عليه الصلاة والسلام ما أقدم على تحرير هذه الأدلة إلا وقد أوحى الله تعالى إليه بأنهم لا يتمنونه. وثالثها : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار ولو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً" ، وقال ابن عباس : لو تمنوا الموت لشرقوا به ولماتوا ، وبالجملة فالأخبار الواردة في أنهم ما تمنوا بلغت مبلغ التواتر فحصلت الحجة ، فهذا آخر الكلام في تقرير هذا الاستدلال ، ولنرجع إلى التفسير.
جزء : 3 رقم الصفحة : 605
أما قوله تعالى : {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الاخِرَةُ} فالمراد الجنة لأنها هي المطلوبة من دار الآخرة دون النار لأنهم كانوا يزعمون أن لهم الجنة.
وأما قوله تعالى : {عِندَ اللَّه } فليس المراد المكان بل المنزلة ولا بعد أيضاً في حمله على المكان فلعل اليهود كانوا مشبهة فاعتقدوا العندية المكانية فأبطل الله كل ذلك بالدلالة التي ذكرها.
وأما قوله تعالى : {خَالِصَةً} فنصب على الحال من الدار الآخرة ، أي سالمة لكم خاصة بكم ليس لأحد سواكم فيها حق ، يعني إن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى و(الناس) للجنس ، وقيل : للعهد وهم المسلمون والجنس أولى لقوله إلا من كان هوداً أو نصارى ولأنه لم يوجد ههنا معهود.
وأما قوله : {مِّن دُونِ النَّاسِ} فالمراد به سوى لا معنى المكان كما يقول القائل لمن وهب منه ملكاً : هذا لك من دون الناس.
وأما قوله تعالى : {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ} ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : هذا أمر معلق على شرط مفقود وهو كونهم صادقين فلا يكون الأمر موجوداً والغرض منه التحدي وإظهار كذبهم في دعواهم :
(1/518)

المسألة الثانية : في هذا التمني قولان ، أحدهما : قول ابن عباس إنهم يتحدوا بأن يدعو / الفريقان بالموت على أي فريق كان أكذب. والثاني : أن يقولوا ليتنا نموت وهذا الثاني أولى لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ.
أما قوله تعالى : {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ} فخبر قاطع عن أن ذلك لا يقع في المستقبل وهذا إخبار عن الغيب لأن مع توفر الدواعي على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلّم وسهولة الإتيان بهذه الكلمة ، أخبر بأنهم لا يأتون بذلك فهذا إخبار جازم عن أمر قامت الأمارات على ضده فلا يمكن الوصول إليه إلا بالوحي.
وأما قوله تعالى : {أَبَدَا } فهو غيب آخر لأنه أخبر أن ذلك لا يوجد ولا في شيء من الأزمنة الآتية في المستقبل ولا شك أن الإخبار عن عدمه بالنسبة إلى عموم الأوقات فهما غيبان.
وأما قوله تعالى : {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } فبيان للعلة التي لها لا يتمنون (الموت) لأنهم إذا علموا سوء طريقتهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى أن لا يتمنوا الموت.
جزء : 3 رقم الصفحة : 605
وأما قوله تعالى : {وَاللَّهُ عَلِيمُا بِالظَّـالِمِينَ} فهو كالزجر والتهديد لأنه إذا كان عالماً بالسر والنجوى ولم يمكن إخفاء شيء عنه صار تصور المكلف لذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي ، وإنما ذكر الظالمين لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافراً فلما كان ذلك أعم كان أولى بالذكر فإن قيل : إنه تعالى قال ههنا : {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَا } وقال في سورة الجمعة : {وَلا يَتَمَنَّونَه ا أَبَدَا } فلم ذكر ههنا (لن) وفي سورة الجمعة "لا" قلنا : إنهم في هذه السورة ، ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس وادعوا في سورة الجمعة أنهم أولياء لله من دون الناس والله تعالى أبطل هذين الأمرين بأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمنوا الموت والدعوى الأولى أعظم من الثانية إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب ، وأما مرتبة الولاية فهي وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة فلما كانت الدعوة الأولى أعظم لا جرم بين تعالى فساد قولهم بلفظ : "لن" لأنه أقوى الألفاظ النافية ولما كانت الدعوى الثانية ليست في غاية العظمة لا جرم اكتفى في إبطالها بلفظ "لا" لأنه ليس في نهاية القوة في إفادة معنى النفي والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 605
609
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم لا يتمنون الموت أخبر في هذه الآية أنهم في غاية الحرص على الحياة لأن ههنا قسماً ثالثاً وهو أن يكون الإنسان بحيث لا يتمنى الموت ولا يتمنى الحياة فقال : {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَواةٍ} .
/ أما قوله تعالى : {وَلَتَجِدَنَّهُمْ} فهو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى المفعولين في قوله : وجدت زيداً ذا حفاظ ، ومفعولاه "هم" و"أحرص" وإنما قال : {عَلَى حَيَواةٍ} بالتنكير لأنه حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي "على الحياة" أما الواو في قوله : {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } ففيه (ثلاثة أقول) :
أحدها : أنها واو عطف والمعنى أن اليهود أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا كقولك : هو أسخى الناس ومن حاتم. هذا قول الفراء والأصم. فإن قيل : ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس ؟
قلنا : بلى ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا ألا يؤمنون بالمعاد وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقياً باعظم التوبيخ ، فإن قيل : ولم زاد حرصهم على حرص المشركين ؟
قلنا : لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك.
القول الثاني : أن هذه الواو واو استئناف وقد تم الكلام عند قوله : "على حياة" (و) تقديره ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم على حذف الموصوف كقوله : {وَمَا مِنَّآ إِلا لَه مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} (الصافات : 164).
القول الثالث : أن فيه تقديماً وتأخيراً وتقديره. ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة ، ثم فسر هذه المحبة بقوله : {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} وهو قول أبي مسلم ، والقول الأول أولى لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر أن يكون المراد : ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم. إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 609
(1/519)

المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله تعالى : {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } على ثلاثة أقوال قيل المجوس : لأنهم كانوا يقولون لملكهم : عش ألف نيروز وألف مهرجان ، وعن ابن عباس هو قول الأعاجم : زي هزارسال ، وقيل : المراد مشركوا العرب وقيل : كل مشرك لا يؤمن بالمعاد ، لأنا بينا أن حرص هؤلاء على الدنيا ينبغي أن يكون أكثر وليس المراد من ذكر ألف سنة قول الأعاجم عش ألف سنة ، بل المراد به التكثير وهو معروف في كلام العرب.
أما قوله تعالى : {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} فالمراد أنه تعالى بين بعدهم عن تمني الموت من حيث إنهم يتمنون هذا البقاء ويحرصون عليه هذا الحرص الشديد ، ومن هذا حاله كيف يتصور منه تمني الموت ؟
أما قوله تعالى : {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِه مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في أن قوله : {وَمَا هُوَ} كناية عماذا ؟
فيه ثلاثة أقوال ، أحدها : أنه كناية عن "أحدهم" الذي جرى ذكره أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره/ وثانيها : أنه ضمير لما دل عليه "يعمر" من مصدره و(أن يعمر) بدل منه ، وثالثها : أن يكون مبهماً و(أن يعمر) موضحه.
المسألة الثانية : الزحزحة التبعيد والإنحاء ، قال القاضي : والمراد أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير ولو قال تعالى : وما هو بمبعده وبمنجيه لم يدل على قلة التأثير كدلالة هذا القول.
وأما قوله تعالى : {وَاللَّهُ بَصِيرُا بِمَا يَعْمَلُونَ} فاعلم أن البصر قد يراد به العلم ، يقال : إن لفلان بصراً بهذا الأمر ، أي معرفة ، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها وكلاً الوصفين يصحان عليه سبحانه إلا أن من قال : إن في الأعمال ما لا يصح أن يرى هذا البصر على العلم لا محالة والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 609
610
اعلم أن هذا النوع أيضاً من أنواع قبائح اليهود ومنكرات أقوالهم وأفعالهم وفيه مسائل :
(1/520)

المسألة الأولى : أن قوله تعالى : {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} لا بد له من سبب وأمر قد ظهر من اليهود حتى يأمره تعالى بأن يخاطبهم بذلك لأنه يجري مجرى المحاجة ، فإذا لم يثبت منهم في ذلك أمر لا يجوز أن يأمره الله تعالى بذلك والمفسرون ذكروا أموراً ، أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا فقال : يا محمد كيف نومك ، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان ؟
فقال عليه السلام : "تنام عيناي ولا ينام قلبي" قال : صدقت يا محمد ، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة ؟
فقال : أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل ، وأما اللحم والدم والظفر والشعر ، فمن المرأة فقال صدقت. فما بال الرجل يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه ؟
فقال : أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له ، قال : صدقت فقال : أخبرني أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه ؟
فقال عليه السلام : "أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر لله نذراً لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب ، وهو لحمان الإبل وألبانها ؟
فقالوا : نعم. فقال له : بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك ، أي ملك يأتيك بما تقول عن الله ؟
قال جبريل : قال إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة ، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك ، فقال عمر : وما مبدأ هذه العداوة ؟
فقال ابن صوريا / مبدأ هذه العداوة أن الله تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب في زمان رجل يقال له : بختنصر ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً فدفع عنه جبريل وقال : إن سلطكم الله على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر الله عنه أنه سيخرب بيت المقدس ، فلا فائدة في قتله ، ثم إنه كبر وقوى وملك وغزانا وخرب بيت المقدس وقتلنا ، فلذلك نتخذه عدواً ، وأما ميكائيل فإنه عدو جبريل فقال عمر ؛ فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل وهما عدوان لمن عداهما فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين. وثانيها : روي أنه كان لعمر أرض بأعلى المدينة وكان ممره على مدراس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا : يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال : والله ما أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلّم وأرى آثاره في كتابكم ، ثم سألهم عن جبريل فقالوا : ذاك عدونا يطلع محمداً على أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب ، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلم فقال لهم : وما منزلتهما من الله ؟
قالوا : أقرب منزلة ، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وميكائيل عدواً لجبريل فقال عمر : لئن كان كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير ، ومن كان عدو لأحدهما كان عدواً للآخر ومن كان عدواً لهما كان عدواً الله ، ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوحي فقال النبي صلى الله عليه وسلّم : "لقد وافقك ربك يا عمر" قال عمر : لقد رأيتني في دين بعد ذلك أصلب من الحجر/ وثالثها : قال مقاتل زعمت اليهود أن جبريل عليه السلام عدونا ، أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا فأنزل الله هذه الآيات.
جزء : 3 رقم الصفحة : 610
واعلم أن الأقرب أن يكون سبب عداوتهم له أنه كان ينزل القرآن على محمد عليه السلام لأن قوله : {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّه نَزَّلَه عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة وتقرير هذا من وجوه ، أولها : أن الذي نزله جبريل من القرآن بشارة المطيعين بالثواب وإنذار العصاة بالعقاب والأمر بالمحاربة والمقاتلة لما لم يكن ذلك باختياره بل بأمر الله الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره ولا سبيل إلى مخالفته فعداوة من هذا سبيله توجب عداوة الله وعداوة الله كفر ، فيلزم أن عداوة من هذا سبيله كفر ، وثانيها : أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب فإما أن يقال : إنه كان يتمرد أو يأبى عن قبول أمر الله وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين أو كان يقبله ويأتي به على وفق أمر الله فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة ؟
وثالثها : أن إنزال القرآن على محمد كما شق على اليهود فإنزال التوراة على موسى شق على قوم آخرين ، فإن اقتضت نفرة بعض الناس لإنزال القرآن قبحه فلتقتض نقرة أولئك المتقدمين إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه ومعلوم أن كل ذلك باطل فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه.
(1/521)

/ المسألة الثانية : من الناس من استبعد أن يقول قوم من اليهود : إن جبريل عدوهم قالوا : لأنا نرى اليهود في زماننا هذا مطبقين على إنكار ذلك مصرين على أن أحداً من سلفهم لم يقل بذلك ، واعلم أن هذا باطل لأن حكاية الله أصدق ، ولأن جهلهم كان شديداً وهم الذين قالوا ؛ {اجْعَل لَّنَآ إِلَـاهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ } (الأعراف : 138).
المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير : "جبريل" بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بفتح الجيم والراء مهموزاً والباقون بكسر الجيم والراء غير مهموز بوزن قنديل وفيه سبع لغات ثلاث منها ذكرناها ، وجبرائيل على وزن جبراعل وجرائيل على وزن جبراعيل وجبرايل على وزن جبراعل وجبرين بالنون ومنع الصرف للتعريف والعجمة.
المسألة الرابعة : قال بعضهم : جبريل معناه عبد الله ، فـ "جبر" عبد و"إيل" الله : وميكائيل عبد الله وهو قول ابن عباس وجماعة من أهل العلم ، قال : أبو علي السوسي : هذا لا يصح لوجهين : أحدهما : أنه لا يعرف من أسماء الله "أيل" والثاني : أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجروراً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 610
أما قوله تعالى : {فَإِنَّه نَزَّلَه عَلَى قَلْبِكَ} ففيه سؤالات :
السؤال الأول : الهاء في قوله تعالى : "فإنه" وفي قوله : "نزله" إلى ماذا يعود ؟
الجواب فيه قولان : أحدهما : أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية : على القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم كقوله : {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} (فاطر : 45) يعني على الأرض وهذا قول ابن عباس وأكثر أهل العلم. أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن الله. قال صاحب "الكشاف" : إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته ، وثانيهما : المعنى فإن الله نزل جبريل عليه السلام لا أنه نزل نفسه.
السؤال الثاني : القرآن : إنما نزل على محمد صلى الله عليه وسلّم فما السبب في قوله نزله على قلبك ؟
الجواب : هذه المسألة ذكرناها في سورة الشعراء في قوله : {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الامِينُ * عَلَى قَلْبِكَ} (الشعراء : 193) وأكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه لا على قلبه إلا أنه خص القلب بالذكر لأجل أن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظاً حتى أداه إلى أمته ، فلما كان سبب تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظاً جاز أن يقال : نزله على قلبك وإن كان في الحقيقة نزله عليه لا على قلبه.
السؤال الثالث : كان حق الكلام أن يقال على قلبي ، والجواب : جاءت على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل : قل ما تكلمت به من قولي ، من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك.
السؤال الرابع : كيف استقام قوله : {فَإِنَّه نَزَّلَه } جزاء للشرط ؟
والجواب فيه وجهان : الأول : أنه سبحانه وتعالى بين أن هذه العداوة فاسدة لأنه ما أتى إلا أنه أمر بإنزال كتاب فيه الهداية والبشارة فأنزله ، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذوراً ، ومن حيث إنه أتى / بالهداية والبشارة يجب أن يكون مشكوراً فكيف تليق به العداوة ، والثاني : أنه تعالى بين أن اليهود إن كانوا يعادونه فيحق لهم ذاك ، لأنه نزل عليك الكتاب برهاناً على نبوتك ، ومصداقاً لصدقك وهم يكرهون ذلك فكيف لا يبغضون من أكد عليهم الأمر الذي يكرهونه :
أما قوله تعالى : {بِإِذْنِ اللَّهِ} فالأظهر بأمر الله وهو أولى من تفسيرة بالعلم لوجوه. أولها ؛ أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن. وثانيها : أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم. وثالثها : أن ذلك الإنزال إذا كان عن أمر لازم كان أوكد في الحجة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 610
أما قوله تعالى : {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} فمحمول على ما أجمع عليه أكثر المفسرين من أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء ولا معنى لتخصيص كتاب ، ومنهم من خصه بالتوراة وزعم أنه أشار إلى أن القرآن يوافق التوراة في الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم. فإن قيل : أليس أن شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكتب ، فلم صار بأن يكون مصدقاً لها لكونها متوافقة في الدلالة على التوحيد ونبوة محمد أولى بأن يكون غير مصدق لها ؟
قلنا : الشرائع التي تشتمل عليها سائر الكتب كانت مقدرة بتلك الأوقات ومنتهية في هذا الوقت بناء على أن النسخ بيان انتهاء مدة العبادة ، وحينئذ لا يكون بين القرآن وبين سائر الكتب اختلاف في الشرائع.
(1/522)

أما قوله تعالى : {وَهُدًى} فالمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين. أحدهما : بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهو من هذا الوجه هدى. وثانيهما : بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى ، ولما كان الأول مقدماً على الثاني في الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى ، فإن قيل : ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل ؟
الجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى إنما خصهم بذلك ، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى : {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} . والثاني : أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين ، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين ، فلهذا خصهم الله به.
أما الآية الثانية وهي قوله تعالى : {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلـا ـاـاِكَتِه } فاعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى : {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد ، وجب أن يكون عدواً لله تعالى ، بين في هذه الآية أن من كان عدواً لله كان عدواً له ، فبين أن في مقابلة عداوتهم ما يعظم ضرر الله عليهم وهو عداوة الله لهم ، لأن عداوتهم لا تؤثر ولا تنفع ولا تضر ، وعداوته تعالى تؤدي إلى العذاب الدائم الأليم الذي لا ضرر أعظم منه ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : كيف يجوز أن يكونوا أعداء الله ومن حق العداوة الإضرار بالعدو ، وذلك محال على الله تعالى ؟
والجواب : أن معنى العداوة على الحقيقة لا يصح إلا فينا لأن العدو / للغير هو الذي يريد إنزال المضار به ، وذلك محال على الله تعالى ، بل المراد منه أحد وجهين ، إما أن يعادوا أولياء الله فيكون ذلك عداوة لله كقوله : {إِنَّمَا جَزَا ؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه } (المائدة : 33) وكقوله : {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه } (الأحزاب : 57) لأن المراد بالآيتين أولياء الله دونه لاستحالة المحاربة والأذية عليه ، وإما أن يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وعبادته وبعدهم عن التمسك بذلك فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له شبه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة ، فأما عداوتهم لجبريل والرسل فصحيحة لأن الإضرار جائز عليهم لكن عداوتهم لا تؤثر فيهم لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم ، وعداوتهم مؤثرة في اليهود لأنها في العاجل تقتضي الذلة والمسكنة ، وفي الآجل تقتضي العذاب الدائم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 610
السؤال الثاني : لما ذكر الملائكة فلم أعاد ذكر جبريل وميكائيل مع اندراجهما في الملائكة ؟
الجواب لوجهين ، الأول : أفردهما بالذكر لفضلهما كأنهما لكمال فضلهما صارا جنساً آخر سوى جنس الملائكة ، الثاني : أن الذي جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما والآية إنما نزلت بسببهما ، فلا جرم نص على اسميهما ، واعلم أن هذا يقتضي كونهما أشرف من جميع الملائكة وإلا لم يصح هذا التأويل ، وإذا ثبت هذا فنقول : يجب أن يكون جبريل عليه السلام أفضل من ميكائيل لوجوه ، أحدها : أنه تعالى قدم جبريل عليه السلام في الذكر ، وتقديم المفضول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفاً فوجب أن يكون مستقبحاً شرعاً لقوله عليه السلام : "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن" ، وثانيها : أن جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن والوحي والعلم وهو مادة بقاء الأرواح ، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار وهي مادة بقاء الأبدان ، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل ، وثالثها : قوله تعالى في صفة جبريل : {مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} ذكره يوصف المطاع على الإطلاق ، وظاهره يقتضي كونه مطاعاً بالنسبة إلى ميكائيل فوجب أن يكون أفضل منه.
المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم ميكال بوزن قنطار ، ونافع ميكائل مختلسة ليس بعد الهمزة ياء على وزن ميكاعل ، وقرأ الباقون ميكائيل على وزن ميكاعيل ، وفيه لغة أخرى ميكئيل على وزن ميكعيل ، وميكئيل كميكعيل ، قال ابن جنى : العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه.
المسألة الثالثة : الواو في جبريل وميكال ، قيل : واو العطف ، وقيل : بمعنى أو يعني من كان عدواً لأحد من هؤلاء فإن الله عدو لجميع الكافرين.
المسألة الرابعة : {عَدُوٌّ لِّلْكَـافِرِينَ} أراد عدو لهم إلا أنه جاء بالظاهر ليدل على أن الله تعالى إنما عاداهم لكفرهم وأن عداوة الملائكة كفر.
جزء : 3 رقم الصفحة : 610
614
(1/523)

اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم قال ابن عباس : إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلّم قبل مبعثه فلما بعث من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه : فقال لهم معاذ بن جبل يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته ، فقال بعضهم ما جاءنا بشيء من البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى هذه الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى : الأظهر أن المراد من الآيات البينات القرآن الذي لا يأتي بمثله الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ، وقال بعضهم : لا يمتنع أن يكون المراد من الآيات البينات القرآن مع سائر الدلائل نحو امتناعهم من المباهلة ومن تمنى الموت وسائر المعجزات نحو إشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ونبوع الماء من بين أصابعه وانشقاق القمر. قال القاضي : الأولى تخصيص ذلك بالقرآن لأن الآيات إذا قرنت إلى التنزيل كانت أخص بالقرآن والله أعلم.
المسألة الثانية : الوجه في تسمية القرآن بالآيات وجوه ، أحدها : أن الآية هي الدالة وإذا كانت أبعاض القرآن دالة بفصاحتها على صدق المدعي كانت آيات ، وثانيها : أن منها ما يدل على الإخبار عن الغيوب فهي دالة على تلك الغيوب ، وثالثها : أنها دالة على دلائل التوحيد والنبوة والشرائع فهي آيات من هذه الجهة ، فإن قيل : الدليل لا يكون إلا بيناً فما معنى وصف الآيات بكونها بينة ، وليس لأحد أن يقول المراد كون بعضها أبين من بعض لأن هذا إنما يصح لو أمكن في العلوم أن يكون بعضها أقوى من بعض وذلك محال ، وذلك لأن العالم بالشيء إما أن يحصل معه تجويز نقيض ما اعتقده أو لا يحصل ، فإن حصل معه ذلك التجويز لم يكن ذلك الاعتقاد علماً وإن لم يحصل استحال أن يكون شيء آخر آكد منه. قلنا : التفاوت لا يقع في نفس العلم بل في طريقه ؛ فإن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصول إليه أصعب ، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب ، وهذا هو الآية البينة.
المسألة الثالثة : الإنزال عبارة عن تحريك الشيء من الأعلى إلى الأسفل وذاك لا يتحقق إلا في الجسمي فهو على هذا الكلام محال لكن جبريل لما نزل من الأعلى إلى الأسفل وأخبر به سمي ذلك إنزالاً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 614
أما قوله : {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلا الْفَـاسِقُونَ} ففيه مسائل :
/ المسألة الأولى : الكفر بها من وجهين. أحدهما : جحودها مع العلم بصحتها. والثاني : جحودها مع الجهل وترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها وليس في الظاهر تخصيص فيدخل الكل فيه.
المسألة الثانية : الفسق في اللغة خروج الإنسان عما حد له قال الله تعالى : {إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه } (الكهف : 50) وتقول العرب للنواة : إذا خرجت من الرطبة عند سقوطها فسقت النواة ، وقد يقرب من معناه الفجور لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع الذي يفسد (إذا صار إليه) فشبه تعدي الإنسان ما حد له إلى الفساد بالذي فجر السد حتى صار إلى حيث يفسد. فإن قيل : أليس أن صاحب الصغيرة تجاوز أمر الله ولا يوصف بالفسق والفجور ؟
قلنا : إنه إنما يسمى بهما كل أمر يعظم من الباب الذي ذكرنا لأن من فتح من النهر نقباً يسيراً لا يوصف بأنه فجر ذلك النهر وكذلك الفسق إنما يقال : إذا عظم التعدي. إذا ثبت هذا فنقول في قوله : {إِلا الْفَـاسِقُونَ} وجهان ، أحدهما : أن كل كافر فاسق ولا ينعكس فكأن ذكر الفاسق يأتي على الكافر وغيره فكان أولى. الثاني : أن يكون المراد ما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره والمعنى أن هذه الآيات لما كانت بينة ظاهرة لم يكفر بها إلا الكافر الذي يبلغ في الكفر إلى النهاية القصوى وتجاوز عن كل حد مستحسن في العقل والشرع.
جزء : 3 رقم الصفحة : 614
615
اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : {أَوَكُلَّمَا عَـاهَدُوا عَهْدًا} واو عطف دخلت عليه همزة الاستفهام وقيل الواو زائدة وليس بصحيح لأنه مع صحة معناه لا يجوز أن يحكم بالزيادة.
المسألة الثانية : قال صاحب "الكشاف" : الواو للعطف على محذوف معناه : أكفروا بالآيات والبينات وكلما عاهدوا ، وقرأ أبو السماك بسكون الواو على أن الفاسقون بمعنى الذين فسقوا فكأنه قيل وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهد الله مراراً كثيرة وقرىء عوهدوا وعهدوا.
(1/524)

المسألة الثالثة : المقصود من هذا الاستفهام ، الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه لأن مثل ذلك إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التنكير والتبكيت ودل بقول : {أَوَكُلَّمَا عَـاهَدُوا } على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه ، بل يدل على أن ذلك كالعادة فيهم فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم ، بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم على ما بينه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالاً بعد حال لأن من يعتاد / منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك.
المسألة الرابعة : في العهد وجوه ، أحدها : أن الله تعالى لما أظهر الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم وعلى صحة شرعه كان ذلك كالعهد منه سبحانه وقبولهم لتلك الدلائل كالمعاهدة منهم لله سبحانه وتعالى ، وثانيها : أن العهد هو الذي كانوا يقولون قبل مبعثه عليه السلام لئن خرج النبي لنؤمنن به ولنخرجن المشركين من ديارهم ، وثالثها : أنهم كانوا يعاهدون الله كثيراً وينقضونه ، ورابعها : أن اليهود كانوا قد عاهدوه على أن لا يعينوا عليه أحداً من الكافرين فنقضوا ذلك وأعانوا عليه قريشاً يوم الخندق ، قال القاضي : إن صحت هذه الرواية لم يمتنع دخوله تحت الآية لكن لا يجوز قصر الآية عليه بل الأقرب أن يكون المراد ما له تعلق بما تقدم ذكره من كفرهم بآيات الله ، وإذا كان كذلك فحمله على نقض العهد فيما تضمنته الكتب المتقدمة والدلائل العقلية من صحة القول ونبوة محمد صلى الله عليه وسلّم أقوى.
المسألة الخامسة : إنما قال : {نَّبَذَه فَرِيقٌ} لأن في جملة من عاهد من آمن أو يجوز أن يؤمن فلما لم يكن ذلك صفة جميعهم خص الفريق بالذكر ، ثم لما كان يجوز أن يظن أن ذلك الفريق هم الأقلون بين أنهم الأكثرون فقال : {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} وفيه قولان ، الأول : أكثر أولئك الفساق لا يصدقون بك أبداً لحسدهم وبغيهم ، والثاني : لا يؤمنون : أي لا يصدقون بكتابهم لأنهم كانوا في قومهم كالمنافقين مع الرسول يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 615
616
اعلم أن معنى كون الرسول مصدقاً لما معهم هو أنه كان معترفاً بنبوة موسى عليه السلام وبصحة التوراة أو مصدقاً لما معهم من حيث إن التوراة بشرت بمقدم محمد صلى الله عليه وسلّم فإذا أتى محمد كان مجرد مجيئه مصدقاً للتوراة.
أما قوله تعالى : {نَبَذَ فَرِيقٌ} فهو مثل لتركهم وإعراضهم عنه بمثل ما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه.
أما قوله تعالى : {مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ} ففيه قولان ، أحدهما : أن المراد ممن أوتي علم الكتاب من يدرسه ويحفظه ، قال هذا القائل : الدليل عليه أنه تعالى وصف هذا الفريق بالعلم / عند قوله تعالى : {كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ} ، الثاني : المراد من يدعي التمسك بالكتاب سواء علمه أو لم يعلمه ، وهذا كوصف المسلمين بأنهم من أهل القرآن لا يراد بذلك من يختص بمعرفة علومه ، بل المراد من يؤمن به ويتمسك بموجبه.
أما قوله تعالى : {كِتَـابَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} فقيل : إنه التوراة ، وقيل : إنه القرآن ، وهذا هو الأقرب لوجهين ، الأول : أن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولاً وأما إذا لم يلتفتوا إليه لا يقال إنهم نبذوه ، الثاني : أنه قال : {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ} ولو كان المراد به القرآن لم يكن لتخصيص الفريق معنى لأن جميعهم لا يصدقون بالقرآن ، فإن قيل : كيف يصح نبذهم التوراة وهم يتمسكون به ؟
قلنا : إذا كان يدل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لما فيه من النعت والصفة وفيه وجوب الإيمان ثم عدلوا عنه كانوا نابذين للتوراة.
أما قوله تعالى : {كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ} فدلالة على أنهم نبذوه عن علم ومعرفة لأنه لا يقال ذلك إلا فيمن يعلم ، فدلت الآية من هذه الجهة على أن هذا الفريق كانوا عالمين بصحة نبوته إلا أنهم جحدوا ما يعلمون ، وقد ثبت أن الجمع العظيم لا يصح الجحد عليهم فوجب القطع بأن أولئك الجاحدين كانوا في القلة بحيث تجوز المكابرة عليهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 616
617
اعلم أن هذا هو نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو اشتغالهم بالسحر وإقبالهم عليه ودعاؤهم الناس إليه.
أما قوله تعالى : {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَـاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَـانَ } ففيه مسائل :
(1/525)

المسألة الأولى : قوله تعالى : {وَاتَّبَعُوا } حكاية عمن تقدم ذكره وهم اليهود ، ثم فيه أقوال ، أحدها : أنهم اليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، وثانيها : أنهم الذين تقدموا من اليهود ، وثالثها : أنهم الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام من السحرة لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان عليه السلام ويعدونه من جملة الملوك في الدنيا ، فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر ، ورابعها : أنه يتناول الكل وهذا أولى لأنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره ، إذ لا دليل على التخصيص. قال السدي : لما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة فخاصموه بها فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن ، فهذا قوله تعالى : {وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ كِتَـابَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} (البقرة : 101) ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحر.
المسألة الثانية : ذكروا في تفسير : {تَتْلُوا } وجوهاً ، أحدها : أن المراد منه التلاوة والإخبار ، وثانيها : قال أبو مسلم (تتلوا) أي تكذب على ملك سليمان. يقال : تلا عليه إذا كذب وتلا عنه ، إذا صدق وإذا أبهم جاز الأمران. والأقرب هو الأول لأن التلاوة حقيقة في الخبر ، إلا أن المخبر يقال في خبره إذا كان كذباً إنه تلا فلان وإنه قد تلا على فلان ليميز بينه وبين الصدق الذي لا يقال فيه ، روي عن فلان ، بل يقال : روي عن فلان وأخبر عن فلان وتلا عن فلان وذلك لا يليق إلا بالأخبار والتلاوة ، ولا يمتنع أن يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان مما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
المسألة الثالثة : اختلفوا في الشياطين فقيل : المراد شياطين الجن وهو قول الأكثرين ، وقيل : شياطين الإنس وهو قول المتكلمين من المعتزلة ، وقيل : هم شياطين الإنس والجن معاً. أما الذين حملوه على شياطين الجن قالوا : إن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة ، وقد دونوها في كتب يقرءونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا : إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون : هذا علم سليمان وما تم له ملكه إلا بهذا العلم وبه يسخر الجن والإنس والريح التي تجري بأمره. وأما الذين حملوه على شياطين الإنس قالوا : روي في الخبر أن سليمان عليه السلام كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصه الله تعالى بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنه إن هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون/ فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب / تلك الأشياء من بعض الوجوه ، ثم بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان وأنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلا بسبب هذه الأشياء فهذا معنى : "ما تتلوا الشياطين" ، واحتج القائلون بهذا الوجه على فساد القول الأول بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف محققاً فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع وذلك يفضي إلى الطعن في كل الأديان. فإن قيل : إذا جوزتم ذلك على شياطين الإنس فلم لا يجوز مثله على شياطين الجن ؟
قلنا : الفرق أن الذي يفعله الإنسان لا بد وأن يظهر من بعض الوجوه ، أما لو جوزنا هذا الافتعال من الجن وهو أن نزيد في كتب سليمان بخط مثل خط سليمان فإنه لا يظهر ذلك ويبقى مخفياً فيفضي إلى الطعن في جميع الأديان.
المسألة الرابعة : أما قوله : {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَـانَ } فقيل في ملك سليمان ، عن ابن جريج ، وقيل على عهد ملك سليمان والأقرب أن يكون المراد واتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان لأنهم كانوا يقرءون من كتب السحر ويقولون إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب هذا العلم ، فكانت تلاوتهم لتلك الكتب كالافتراء على ملك سليمان.
المسألة الخامسة : اختلفوا في المراد بملك سليمان ، فقال القاضي : إن ملك سليمان هو النبوة ، أو يدخل فيه النبوة وتحت النبوة الكتاب المنزل عليه والشريعة. وإذا صح ذلك ثم أخرج القوم صحيفة فيها ضروب السحر وقد دفنوها تحت سرير ملكه ثم أخرجوها بعد موته وأوهموا أنها من جهته صار ذلك منهم تقولاً على ملكه في الحقيقة. والأصح عندي أن يقال : إن القوم لما ادعوا أن سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء كالافتراء على ملك سليمان.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
(1/526)

المسألة السادسة : السبب في أنهم أضافوا السحر إلى سليمان عليه السلام وجوه. أحدها : أنهم أضافوا السحر إلى سليمان تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره وترغيباً للقوم في قبول ذلك منهم ، وثانيها : أن اليهود ما كانوا يقرون بنبوة سليمان بل كانوا يقولون إنما وجد ذلك الملك بسبب السحر. وثالثها : أن الله تعالى لما سخر الجن لسليمان فكان يخالطهم ويستفيد منهم أسراراً عجيبة فغلب على الظنون أنه عليه الصلاة والسلام استفاد السحر منهم.
أما قوله تعالى : {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـانُ} فهذا تنزيه له عليه السلام عن الكفر ، وذلك يدل على أن القوم نسبوه إلى الكفر والسحر : قيل فيه أشياء ، أحدها : ما روي عن بعض أخبار اليهود أنهم قالوا : ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبياً وما كان إلا ساحراً ، فأنزل الله هذه الآية. وثانيها : أن السحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان فنزهه الله تعالى منه. وثالثها : أن قوماً زعموا أن قوام ملكه كان بالسحر فبرأه الله منه لأن كونه نبياً ينافي كونه ساحراً كافراً ، ثم بين تعالى أن الذي برأه منه لاصق بغيره فقال : {وَلَـاكِنَّ الشَّيَـاطِينَ كَفَرُوا } يشير / به إلى ما تقدم ذكره ممن اتخذ السحر كالحرفة لنفسه وينسبه إلى سليمان ، ثم بين تعالى ما به كفروا فقد كان يجوز أن يتوهم أنهم ما كفروا أولاً بالسحر فقال تعالى : {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} واعلم أن الكلام في السحر يقع من وجوه.
المسألة الأولى : في البحث عنه بحسب اللغة فنقول : ذكر أهل اللغة أنه في الأصل عبارة عما لطف وخفي سببه والسحر بالنصب هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه ، قال لبيد :
ونسحر بالطعام وبالشراب
قيل فيه وجهان ، أحدهما : أنا نعلل ونخدع كالمسحور المخدوع ، والآخر : نغذي وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء وقال :
فإن تسألينا فيم نحن فإننا
عصافير من هذا الأنام المسحر
وهذا البيت يحتمل من المعنى ما احتمله الأول ، ويحتمل أيضاً أن يريد بالمسحر أنه ذو سحر ، والسحر هو الرئة ، وما تعلق بالحلقوم وهذا أيضاً يرجع إلى معنى الخفاء ومنه قول عائشة رضي الله عنها : "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلّم بين سحري ونحري" ، وقوله تعالى : {إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} (الشعراء : 153) ، يعني من المخلوقين الذي يطعم ويشرب يدل عليه قولهم : {مَآ أَنتَ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُنَا} (الشعراء : 154) ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا ، وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال للسحرة : {مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُا إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُه ا } (يونس : 81) وقال : {فَلَمَّآ أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} (الأعراف : 116) فهذا هو معنى السحر في أصل اللغة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
المسألة الثانية : اعلم أن لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع ، ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله. قال تعالى : {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} (الأعراف : 66) يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى وقال تعالى : {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى } (طه : 66) وقد يستعمل مقيداً فيما يمدح ويحمد. روي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلّم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم ، فقال لعمرو : خبرني عن الزبرقان ، فقال : مطاع في ناديه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره ، فقال الزبرقان : هو والله يعلم أني أفضل منه ، فقال عمرو : إنه زمن المروءة ضيق العطن أحمق الأب لئيم الخال يا رسول الله صدقت فيهما ، أرضاني فقلت : أحسن ما علمت وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "إن من البيان لسحراً" فسمى النبي صلى الله عليه وسلّم بعض البيان سحراً لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه وبليغ عبارته ، فإن قيل : كيف يجوز أن يسمى ما يوضح الحق وينبيء عنه سحراً ؟
وهذا القائل إنما قصد إظهار الخفى لا إخفاء الظاهر ولفظ السحر إنما يفيد إخفاء الظاهر ؟
قلنا : إنما سماه سحراً لوجهين ، الأول : أن ذلك القدر للطفه وحسنه استمال القلوب فأشبه السحر الذي يستميل القلوب ، فمن هذا الوجه سمي سحراً ، لا من الوجه الذي ظننت / . الثاني : أن المقتدر على البيان يكون قادراً على تحسين ما يكون قبيحاً وتقبيح ما يكون حسناً فذلك يشبه السحر من هذا الوجه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
(1/527)

المسألة الثالثة : في أقسام السحر : اعلم أن السحر على أقسام. الأول : سحر الكلدانيين والكسدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم ، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام مبطلاً لمقالتهم وراداً عليهم في مذهبهم. أما المعتزلة فقد اتفقت كلمتهم على أن غير الله تعالى لا يقدر على خلق الجسم والحياة واللون والطعم ، واحتجوا بوجوه ذكرها القاضي ولخصها في تفسيره وفي سائر كتبه ونحن ننقل تلك الوجوه وننظر فيها. أولها : وهو النكتة العقلية التي عليها يعولون أن كل ما سوى الله إما متحيز وإما قائم بالمتحيز ، فلو كان غير الله فاعلاً للجسم والحياة لكان ذلك الغير متحيزاً ، وذلك المتحيز لا بد وأن يكون قادراً بالقدرة ، إذ لو كان قادراً لذاته لكان كل جسم كذلك بناء على أن الأجسام متماثلة لكن القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الجسم والحياة ، ويدل عليه وجهان. الأول : أن العلم الضروري حاصل بأن الواحد منا لا يقدر على خلق الجسم والحياة ابتداء ، فقدرتنا مشتركة في امتناع ذلك عليها ، فهذا الامتناع حكم مشترك فلا بد له من علة مشتركة ولا مشترك ههنا إلا كوننا قادرين بالقدرة ، وإذا ثبت هذا وجب فيمن كان قادراً بالقدرة أن يتعذر عليه فعل الجسم والحياة. الثاني : أن هذه القدرة التي لنا لا شك أن بعضها يخالف بعضاً ، فلو قدرنا قدرة صالحة لخلق الجسم والحياة لم تكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض ، فلو كفى ذلك القدر من المخالفة في صلاحيتها لخلق الجسم والحياة لوجب في هذه القدرة أن يخالف بعضها بعضاً ، وأن تكون صالحة لخلق الجسم والحياة ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن القادر بالقدرة لا يقدر على خلق الجسم والحياة. وثانيها : أنا لو جوزنا ذلك لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات لأنا لو جوزنا استحداث الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية لم يمكنا القطع بأن هذه الخوارق التي ظهرت على أيدي الأنبياء عليهم السلام صدرت عن الله تعالى ، بل يجوز فيها أنهم أتوا بها من طريق السحر ، وحينئذ يبطل القول بالنبوات من كل الوجوه. وثالثها : أنا لو جوزنا أن يكون في الناس من يقدر على خلق الجسم والحياة والألوان لقدر ذلك الإنسان على تحصيل الأموال العظيمة من غير تعب ، لكنا نرى من يدعي السحر متوصلاً إلى اكتساب الحقير من المال بجهد جهيد ، فعلمنا كذبه وبهذا الطريق نعلم فساد ما يدعيه قوم من الكيمياء ، لأنا نقول : لو أمكنهم ببعض الأدوية أن يقلبوا غير الذهب ذهباً لكان إما أن يمكنهم ذلك بالقليل من الأموال ، فكان ينبغي أن يغنوا أنفسهم بذلك عن المشقة والذلة أو لا يمكنهم إلا بالآلات العظام والأموال الخطيرة ، فكان يجب أن يظهروا ذلك للملوك المتمكنين من ذلك ، بل كان يجب أن يفطن الملوك لذلك لأنه أنفع لهم من فتح البلاد / الذي لا يتم إلا بإخراج الأموال والكنوز ، وفي علمنا بانصراف النفوس والهمم عن ذلك دلالة على فساد هذا القول ، قال القاضي : فثبت بهذه الجملة أن الساحر لا يصح أن يكون فاعلاً لشيء من ذلك. واعلم أن هذه الدلائل ضعيفة جداً. أما الوجه الأول : فنقول : ما الدليل على أن كل ما سوى الله ، إما أن يكون متحيزاً ، وإما قائماً بالمتحيز ، أما علمتم أن الفلاسفة مصرون على إثبات العقول والنفوس الفلكية والنفوس الناطقة ، وزعموا أنها في أنفسها ليست بمتحيزة ولا قائمة بالمتحيز ، فما الدليل على فساد القول بهذا ؟
فإن قالوا : لو وجد موجود هكذا لزم أن يكون مثلاً لله تعالى ، قلنا : لا نسلم ذلك لأن الاشتراك في الأسلوب لا يقتضي الاشتراك في الماهية ، سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون بعض الأجسام يقدر على ذلك لذاته ؟
قوله : الأجسام متماثلة. فلو كان جسم كذلك لكان كل جسم كذلك ، قلنا : ما الدليل على تماثل الأجسام ، فإن قالوا : إنه لا معنى للجسم إلا الممتد في الجهات ، الشاغل للأحياز ولا تفاوت بينها في هذا المعنى ، قلنا : الامتداد في الجهات والشغل للأحياز صفة من صفاتها ولازم من لوازمها ، ولا يبعد أن تكون الأشياء المختلفة في الماهية مشتركة في بعض اللوازم ، سلمنا أنه يجب أن يكون قادراً بالقدرة ، فلم قلتم إن القادر بالقدرة لا يصح منه خلق الجسم والحياة ؟
قوله : لأن القدرة التي لنا مشتركة في هذا الامتناع وهذا الامتناع حكم مشترك ، فلا بد له من علة مشتركة ولا مشترك سوى كوننا قادرين بالقدرة ، قلنا : هذه المقدمات بأسرها ممنوعة فلا نسلم أن الامتناع حكم معلل وذلك لأن الامتناع عدمي والعدم لا يعلل ، سلمنا أنه أمر وجودي ، ولكن من مذهبهم أن كثيراً من الأحكام لا يعلل ، فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك ، سلمنا أنه معلل ، فلم قلتم : إن الحكم المشترك لا بد له من علة مشتركة ، أليس أن القبح حصل في الظلم معللاً بكونه ظلماً وفي الكذب بكونه كذباً ، وفي الجهل بكونه جهلاً ؟
سلمنا أنه لا بد من علة مشتركة ، لكن لا نسلم أنه لا مشترك إلا
(1/528)

كوننا قادرين بالقدرة ، فلم لا يجوز أن تكون هذه القدرة التي لنا مشتركة في وصف معين وتلك القدرة التي تصلح لخلق الجسم تكون خارجة عن ذلك الوصف ، فما الدليل على أن الأمر ليس كذلك ؟
وأما الوجه الأول : وهو أنه ليست مخالفة تلك القدرة لبعض القدر أشد من مخالفة بعض هذه القدر للبعض ، فنقول : هذا ضعيف ، لأنا لا نعلل صلاحيتها لخلق الجسم بكونها مخالفة لهذه القدر ، بل لخصوصيتها المعينة التي لأجلها خالفت سائر القدر وتلك الخصوصية معلوم أنها غير حاصلة في سائر القدر. ونظير ما ذكروه أن يقال : ليست مخالفة الصوت للبياض بأشد من مخالفة السواد للبياض ، فلو كانت تلك المخالفة مانعة للصوت من صحة أن يرى لوجب لكون السواد مخالفاً للبياض أن يمتنع رؤيته.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
ولما كان هذا الكلام فاسداً فكذا ما قالوه ، والعجب من القاضي أنه لما حكى هذه الوجوه عن الأشعرية في مسألة الرؤية وزيفها بهذه الأسئلة ، ثم إنه نفسه تمسك بها في هذه المسألة التي هي الأصل في إثبات النبوة والرد على من أثبت متوسطاً بين الله وبيننا. أما الوجه الثاني وهو أن / القول بصحة النبوات لا يبقى مع تجويز هذا الأصل فنقول : إما أن يكون القول بصحة النبوات متفرعاً على فساد هذه القاعدة أو لا يكون. فإن كان الأول امتنع فساد هذا الأصل بالبناء على صحة النبوات ، وإلا وقع الدور ، وإن كان الثاني فقد سقط هذا الكلام بالكلية. وأما الوجه الثالث : فلقائل أن يقول الكلام في الإمكان غير ، ونحن لا نقول بأن هذه الحالة حاصلة لكل أحد بل هذه الحالة لا تحصل للبشر إلا في الأعصار المتباعدة فكيف يلزمنا ما ذكرتموه ؟
فهذا هو الكلام في النوع الأول من السحر.
النوع الثاني من السحر : سحر أصحاب الأوهام والنفس القوية ، قالوا : اختلف الناس في أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله : "أنا" ما هو ؟
فمن الناس من يقول : إنه هو هذه البنية ، ومنهم من يقول : إنه جسم صار في هذه البنية ، ومنهم من يقول : بأنه موجود وليس بجسم ولا بجسماني. أما إذا قلنا إن الإنسان هو هذه البنية ، فلا شك أن هذه البنية مركبة من الأخلاط الأربعة ، فلم لا يجوز أن يتفق في بعض الأعصار الباردة أن يكون مزاجه مزاجاً من الأمزجة في ناحية من النواحي يقتضي القدرة على خلق الجسم والعلم بالأمور الغائبة عنا والمتعذرة ، وهكذا الكلام إذا قلنا الإنسان جسم سار في هذه البنية ، أما إذا قلنا : إن الإنسان هو النفس فلم لا يجوز أن يقال : النفوس مختلفة فيتفق في بعض النفوس إن كانت لذاتها قادرة على هذه الحوادث الغريبة مطلعة على الأسرار الغائبة ، فهذا الاحتمال مما لم تقم دلالة على فساده سوى الوجوه المتقدمة ، وقد بان بطلانها ، ثم الذي يؤكد هذا الاحتمال وجوه. أولها : أن الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعاً على الأرض لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر على هاوية تحته ، وما ذاك إلا أن تخيل السقوط متى قوي أوجبه ، وثانيها : اجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر ، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان والدوران ، وما ذاك إلا أن النفوس خلقت مطيعة للأوهام ، وثالثها : حكى صاحب الشفاء عن "أرسطو" أن طبائع الحيوان : أن الدجاجة إذ تشبهت كثيراً بالديكة في الصوت وفي الحراب مع الديكة نبت على ساقها مثل الشيء النابت على ساق الديك ، ثم قال صاحب الشفاء : وهذا يدل على أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية ، ورابعها : أجمعت الأمم على أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل العمل عديم الأثر/ فدل ذلك على أن للهمم والنفوس آثاراً وهذا الاتفاق غير مختص بمسألة معينة وحكمة مخصوصة ، وخامسها : أنك لو أنصفت لعلمت أن المبادىء القريبة للأفعال الحيوانية ليست إلا التصورات النفسانية لأن القوة المحركة المغروزة في العضلات صالحة للفعل وتركه أو ضده ، ولن يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح وما ذاك إلا تصور كون الفعل جميلاً أو لذيذاً أو تصور كونه قبيحاً أو مؤلماً فتلك التصورات هي المبادىء لصيرورة القوى العضلية مبادىء للفعل لوجود الأفعال بعد أن كانت كذلك بالقوة ، وإذا كانت هذه التصورات هي المبادىء لمبادىء هذه الأفعال فأي استبعاد في / كونها مبادىء لأفعال أنفسها وإلغاء الواسطة عن درجة الاعتبار ، وسادسها : التجربة والعيان شاهدان بأن هذه التصورات مبادىء قريبة لحدوث الكيفيات في الأبدان فإن الغضبان تشتد سخونة مزاجه حتى أنه يفيده سخونة قوية.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
(1/529)

يحكى أن بعض الملوك عرض له فالج فأعيا الأطباء مزاولة علاجه ، فدخل عليه بعض الحذاق منهم على حين غفلة منه وشافهه بالشتم والقدح في العرض ، فاشتد غضب الملك وقفز من مرقده قفزة اضطرارية لما ناله من شدة ذلك الكلام فزالت تلك العلة المزمنة والمرضة المهلكة. وإذا جاز كون التصورات مبادىء لحدوث الحوادث في البدن فأي استبعاد من كونها مبادىء لحدوث الحوادث خارج البدن. وسابعها ؛ أن الإصابة بالعين أمر قد اتفق عليه العقلاء وذلك أيضاً يحقق إمكان ما قلناه. إذا عرفت هذا فنقول : النفوس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جداً فتستغني في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات والأدوات وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات. وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم (السماء) كانت كأنها روح من الأرواح السماوية ، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم ، أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف ألبتة إلا في هذه البدن ، فإذا أراد هذا الإنسان صيرورتها بحيث يتعدى تأثير من بدنها إلى بدن آخر اتخذ تمثال ذلك الغير ووضعه عند الحس واشتغل الحس به فيتبعه الخيال عليه وأقبلت النفس الناطقة عليه فقويت التأثيرات النفسانية والتصرفات الروحانية ، ولذلك أجمعت الأمم على أنه لا بد لمزاولة هذه الأعمال من انقطاع المألوفات والمشتهيات وتقليل الغذاء والانقطاع عن مخالطة الخلق. وكلما كانت هذه الأمور أتم كان ذلك التأثير أقوى ، فإذا اتفق أن كانت النفس مناسبة لهذا الأمر نظراً إلى ماهيتها وخاصيتها عظم التأثير ، والسبب المتعين فيه أن النفس إذا أشعلت بالجانب الأول اشتغلت جميع قوتها في ذلك الفعل وإذا اشتغلت بالأفعال الكثيرة تفرقت قوتها وتوزعت على تلك الأفعال تتصل إلى كل واحد من تلك الأفعال شعبة من تلك القوة وجدول من ذلك النهر. ولذلك نرى أن إنسانين يستويان في قوة الخاطر إذا اشتغل أحدهما بصناعة واحدة واشتغل الآخر بصناعتين. فإن (ذا الفن) الواحد يكون أقوى من ذي الفنين ، ومن حاول الوقوف على حقيقة مسألة من المسائل فإنه حال تفكره فيها لا بد وأن يفرغ خاطره عما عداها ، فإنه عند تفريغ الخاطر يتوجه الخاطر بكليته إليه فيكون الفعل أسهل وأحسن ، وإذا كان كذلك فإذا كان الإنسان مشغول الهم والهمة بقضاء اللذات وتحصيل الشهوات كانت القوة النفسانية مشغولة بها مستغرقة فيها ، فلا يكون انجذابها إلى تحصيل الفعل الغريب الذي يحاوله انجذاباً قوياً لا سيما وههنا آفة أخرى وهي أن مثل هذه النفس قد اعتادت الاشتغال باللذات من أول أمرها إلى آخره ، ولم تشتغل قط باستحداث هذه الأفعال الغريبة ، فهي بالطبع حنون إلى الأول عزوف إلى الثاني ، فإذا وجدت مطلوبها من النمط الأول فإنى تلتفت / إلى الجانب الآخر ؟
فقد ظهر من هذا أن مزاولة هذه الأعمال لا تتأتى إلا مع التجرد عن الأحوال الجسمانية وترك مخالطة الخلق والاقبال بالكلية على عالم الصفاء والأرواح. وأما الرقى فإن كانت معلومة فالأمر فيها ظاهر لأن الغرض منها أن حس البصر كما شغلناه بالأمور المناسبة ، لذلك الغرض فحس السمع نشغله أيضاً بالأمور المناسبة لذلك الغرض ، فإن الحواس متى تطابقت على التوجه إلى الغرض الواحد كان توجه النفس إليه حينئذ أقوى ، وأما إن كانت بألفاظ غير معلومة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة ، فإن الإنسان إذا اعتقد أن هذه الكلمات إنما تقرأ للاستعانة بشيء من الأمور الروحانية ولا يدري كيفية تلك الاستعانة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة ، ويحصل للنفس في أثناء ذلك انقطاع عن المحسوسات وإقبال على ذلك الفعل وجد عظيم ، فيقوى التأثير النفساني فيحصل الغرض ، وهكذا القول في الدخن ، قالوا : فقد ثبت أن هذا القدر من القوة النفسانية مشتغل بالتأثير ، فإن انضم إليه النوع الأول من السحر وهو الاستعانة بالكواكب وتأثيراتها عظم التأثير ، بل ههنا نوعان آخران ، الأول : أن النفوس التي فارقت الأبدان قد يكون فيها ما هو شديد المشابهة لهذه النفوس في قوتها وفي تأثيراتها ، فإذا صارت تلك النفوس صافية لم يبعد أن ينجذب إليها ما يتشابهها من النفوس المفارقة ويحصل لتلك النفوس نوع ما من التعلق بهذا البدن فتتعاضد النفوس الكثيرة على ذلك الفعل ، وإذا كملت القوة وتزايدت قوى التأثير ، الثاني : أن هذه النفوس الناطقة إذا صارت صافية عن الكدورات البدنية صارت قابلة للأنوار الفائضة من الأرواح السماوية والنفوس الفلكية ، فتقوى هذه النفوس بأنوار تلك الأرواح ، فتقوى على أمور غريبة خارقة للعادة فهذا شرح سحر أصحاب الأوهام والرقى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
(1/530)

النوع الثالث من السحر : الاستعانة بالأرواح الأرضية ، واعلم أن القول بالجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة ، أما أكابر الفلاسفة فإنهم ما أنكروا القول به إلا أنهم سموها بالأرواح الأرضية وهي في أنفسها مختلفة منها خيرة ومنها شريرة ، فالخيرة هم مؤمنوا الجن والشريرة هم كفار الجن وشياطينهم ، ثم قال الخلف منهم : هذه الأرواح جواهر قائمة بأنفسها لا متحيزة ولا حالة في المتحيز وهي قادرة عالمة مدركة للجزئيات ، واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية ، إلا أن القوة الحاصلة للنفوس الناطقة بسبب اتصالها بهذه الأرواح الأرضية أضعف من القوة الحاصلة إليها بسبب اتصالها بتلك الأرواح السماوية ، أما أن الاتصال أسهل فلأن المناسبة بين نفوسنا وبين هذه الأرواح الأرضية أسهل ، ولأن المشابهة والمشاكلة بينهما أتم وأشد من المشاكلة بين نفوسنا وبين الأرواح السماوية ، وأما أن القوة بسبب الاتصال بالأرواح السماوية أقوى فلأن الأرواح السماوية هي بالنسبة إلى الأرواح الأرضية كالشمس بالنسبة إلى الشعلة ، والبحر بالنسبة إلى القطرة ، والسلطان بالنسبة إلى الرعية. قالوا : وهذه الأشياء وإن لم يقم على وجودها برهان قاهر فلا أقل من الاحتمال والإمكان ، ثم إن / أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن والتجريد ، فهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل تسخير الجن.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
النوع الرابع من السحر : التخيلات والأخذ بالعيون ، وهذا الأخذ مبني على مقدمات : إحداها : أن أغلاط البصر كثيرة ، فإن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركاً. وذلك يدل على أن الساكن يرى متحركاً والمتحرك يرى ساكناً ، والقطرة النازلة ترى خطاً مستقيماً ، والذبالة التي تدار بسرعة ترى دائرة ، والعنبة ترى في الماء كبيرة كالإجاصة/ والشخص الصغير يرى في الضباب عظيماً ، وكبخار الأرض الذي يريك قرص الشمس عند طلوعها عظيماً ، فإذا فارقته وارتفعت عنه صغرت ، وأما رؤية العظيم من البعيد صغيراً فظاهر ، فهذه الأشياء قد هدت العقول إلى أن القوة الباصرة قد تبصر الشيء على خلاف ما هو عليه في الجملة لبعض الأسباب العارضة ، وثانيها : أن القوة الباصرة إنما تقف على المحسوسات وقوفاً تاماً إذا أدركت المحسوس في زمان له مقدار ما ، فأما إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جداً ثم أدركت بعده محسوساً آخر وهكذا فإنه يختلط البعض بالبعض ولا يتميز بعض المحسوسات عن البعض ، وذلك فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطاً كثيرة بألوان مختلفة ثم استدارات ، فإن الحس يرى لوناً واحداً كأنه مركب من كل تلك الألوان ، وثالثها : أن النفس إذا كانت مشغولة بشيء ، فربما حضر عند الحس شيء آخر ولا يشعر الحس به ألبتة كما أن الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان آخر ويتكلم معه ، فلا يعرفه ولا يفهم كلامه ، لما أن قلبه مشغول بشيء آخر ، وكذا الناظر في المرآة فإنه ربما قصد أن يرى قذاة في عينه فيراها ولا يرى ما هو أكبر منها ، إن كان بوجهه أثر أو بجبهته أو بسائر أعضائه التي تقابل المرآة ، وربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستو أم لا فلا يرى شيئاً مما في المرآة ، إذا عرفت هذه المقدمات سهل عند ذلك تصور كيفية هذا النوع من السحر ، وذلك لأن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا استغرقهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة شديدة ، فيبقى ذلك العمل خفياً لتفاوت الشيئين ، أحدهما : اشتغالهم بالأمر الأول ، والثاني : سرعة الإتيان بهذا العمل الثاني وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه فيتعجبون منه جداً ، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه ، لفطن الناظرون لكل ما يفعله ، فهذا هو المراد من قولهم : إن المشعبذ يأخذ بالعيون لأنه بالحقيقة يأخذ العيون إلى غير الجهة التي يحتال فيها وكلما كان أخذه للعيون والخواطر وجذبه لها إلى سوى مقصوده أقوى كان أحذق في عمله ، وكلما كانت الأحوال التي تفيد حس البصر نوعاً من أنواع الخلل أشد كان هذا العمل أحسن ، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جداً ، فإن البصر يفيد البصر كلالاً واختلالاً ، وكذا الظلمة الشديدة / وكذلك الألوان المشرقة القوية تفيد البصر كلالاً واختلالاً ، والألوان المظلمة قلما تقف القوة الباصرة على أحوالها ، فهذا مجامع القول في هذا النوع من السحر.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
(1/531)

النوع الخامس من السحر : الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على النسب الهندسية تارة وعلى ضروب الخيلاء أخرى ، مثل : فارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر ، وكفارس على فرس في يده بوق ، كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد ، ومنها الصور التي يصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان ، حتى يصورونها ضاحكة وباكية ، حتى يفرق فيها ضحك السرور وبين ضحك الخجل ، وضحك الشامت ، فهذه الوجوه من لطيف أمور المخايل ، وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب ، ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات ، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال وهو أن يجر ثقيلاً عظيماً بآلة خفيفة سهلة ، وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر لأن لها أسباباً معلومة نفيسة من اطلع عليها قدر عليها ، إلا أن الاطلاع عليها لما كان عسيراً شديداً لا يصل إليه إلا الفرد بعد الفرد ، لا جرم عد أهل الظاهر ذلك من باب السحر ، ومن هذا الباب عمل "أرجعيانوس" الموسيقار في هيكل أورشليم العتيق عند تجديده إياه وذلك أنه اتفق له أنه كان مجتازاً بفلاة من الأرض فوجد فيها فرخاً من فراخ البراصل/ والبراصل هو طائر عطوف وكان يضمر صغيراً حزيناً بخلاف سائر البراصل وكانت البراصل تجيئه بلطائف الزيتون فتطرحها عنده فيأكل بعضها عند حاجته ويفضل بعضها عن حاجته فوقف هذا الموسيقار هناك وتأمل حال ذلك الفرخ وعلم أن في صفيره المخالف لصفير البراصل ضرباً من التوجع والاستعطاف حتى رقت له الطيور وجاءته بما يأكله فتلطف بعمل آلة تشبه الصفارة إذا استقبل الريح بها أدت ذلك الصفير ولم يزل يجرب ذلك حتى وثق بها وجاءته البراصل بالزيتون كما كانت تجيء إلى ذلك الفرخ لأنها تظن أن هناك فرخاً من جنسها ، فلما صح له ما أراد أظهر النسك وعمد إلى هيكل أورشليم وسأل عن الليلة التي دفن فيها "أسطرخس" الناسك القيم بعمارة ذلك الهيكل فأخبر أنه دفن في أول ليلة من آب فاتخذ صورة من زجاج مجوف على هيئة البرصلة ونصبها فوق ذلك الهيكل ، وجعل فوق تلك الصورة قبة وأمرهم بفتحها في أول آب وكان يظهر صوت البرصلة بسبب نفوذ الريح في تلك الصورة وكانت البراصل تجيء بالزيتون حتى كانت تمتلىء تلك القبة كل يوم من ذلك الزيتون والناس اعتقدوا أنه من كرامات ذلك المدفون ويدخل في الباب أنواع كثيرة لا يليق شرحها في هذا الموضع.
النوع السادس من السحر : الاستعانة بخواص الأدوية مثل أن يجعل في طعامه بعض الأدوية البلدة المزيلة للعقل والدخن المسكرة نحو دماغ الحمار إذا تناوله الإنسان تبلد عقله وقلت فطنته. واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص فإن أثر المغناطيس مشاهد إلا أن الناس قد أكثروا فيه وخلطوا الصدق بالكذب والباطل بالحق.
/
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
النوع السابع من السحر : تعليق القلب وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور ، فإذا اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه ، بذلك وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة ، وإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل حينئذ ما يشاء وإن من جرب الأمور وعرف أحوال أهل العلم علم أن لتعلق القلب أثراً عظيماً في تنفيذ الأعمال وإخفاء الأسرار.
النوع الثامن من السحر : السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفيفة لطيفة وذلك شائع في الناس ، فهذا جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه والله أعلم.
(1/532)

المسألة الرابعة : في أقوال المسلمين في أن هذه الأنواع هل هي ممكنة أم لا ؟
أما المعتزلة فقد اتفقوا على إنكارها إلا النوع المنسوب إلى التخيل والمنسوب إلى إطعام بعض الأدوية المبلدة والمنسوب إلى التضريب والنميمة ، فأما الأقسام الخمسة الأول فقد أنكروها ولعلهم كفروا من قال بها وجوز وجودها ، وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر على أن يطير في الهواء ويقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً ، إلا أنهم قالوا : إن الله تعالى هو الخالق لهذه الأشياء عندما يقرأ الساحر رقى مخصوصة وكلمات معينة. فأما أن يكون المؤثر في ذلك الفلك والنجوم فلا. وأما الفلاسفة والمنجمون والصابئة فقولهم على ما سلف تقريره ، واحتج أصحابنا على فساد قول الصابئة إنه قد ثبت أن العالم محدث فوجب أن يكون موجده قادراً والشيء الذي حكم العقل بأنه مقدور إنما يصح أن يكون مقدوراً لكونه ممكناً والإمكان قدر مشترك بين كل الممكنات ، فأذن كل الممكنات مقدور لله تعالى ولو وجد شيء من تلك المقدورات بسبب آخر يلزم أن يكون ذلك السبب مزيلاً لتعلق قدرة الله تعالى بذلك المقدور فيكون الحادث سبباً لعجز الله وهو محال ، فثبت أنه يستحيل وقوع شيء من الممكنات إلا بقدرة الله وعنده يبطل كل ما قاله الصابئة ، قالوا : إذا ثبت هذا فندعي أنه يمتنع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة فقد احتجوا على وقوع هذا النوع من السحر بالقرآن والخبر. أما القرآن فقوله تعالى في هذه الآية : {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِه مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّه } ، والاستثناء يدل على حصول الآثار بسببه ، وأما الأخبار فهي واردة عنه صلى الله عليه وسلّم متواترة وآحاداً ، أحدها ما روي أنه عليه السلام سحر ، وأن السحر عمل فيه حتى قال : "إنه ليخيل إلى أني أقول الشيء وأفعله ولم أقله ولم أفعله" وأن امرأة يهودية سحرته وجعلت ذلك السحر تحت راعوفة البئر ، فلما استخرج ذلك زال عن النبي صلى الله عليه وسلّم ذلك العارض وأنزل المعوذتان بسببه ، وثانيها : أن امرأة أتت عائشة رضي الله عنها فقالت لها : إني ساحرة فهل لي من توبة ؟
فقالت : وما سحرك ؟
فقالت : صرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت ببابل لطلب علم السحر فقالا : لي يا أمة الله لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا فأبيت ، فقالا لي : اذهبي فبولي على ذلك الرماد ، فذهبت لأبول عليه ففكرت في نفسي فقلت لا أفعل وجئت إليهما فقلت : قد فعلت ، فقالا لي : ما رأيت لما فعلت ؟
فقلت / ما رأيت شيئاً ، فقالا لي : أنت على رأس أمر فاتقي الله ولا تفعلي ، فأبيت فقالا لي : اذهبي فافعلي ، فذهبت ففعلت ، فرأيت كأن فارساً مقنعاً بالحديد قد خرج من فرجي فصعد إلى السماء فجئتهما فأخبرتهما فقالا : إيمانك قد خرج عنك وقد أحسنت السحر ، فقلت : وما هو ؟
قالا : ما تريدين شيئاً فتصوريه في وهمك ، إلا كان فصورت في نفسي حباً من حنطة ، فإذا أنا بحب ، فقلت : أنزرع فانزرع فخرج من ساعته سنبلاً فقلت : انطحن فانطحن من ساعته ، فقلت : أنخبز فانخبز وأنا لا أريد شيئاً أصوره في نفسي إلا حصل ، فقالت عائشة : ليس لك توبة ، وثالثها : ما يذكرونه من الحكايات الكثيرة في هذا الباب وهي مشهورة. أما المعتزلة فقد احتجوا على إنكاره بوجوه ، أحدها : قوله تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
{وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } (الفرقان : 8) ، وثانيها : قوله تعالى في وصف محمد صلى الله عليه وسلّم : {وَقَالَ الظَّـالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَّسْحُورًا} ولو صار عليه السلام مسحوراً لما استحقوا الذم بسبب هذا القول ، وثالثها : أنه لو جاز ذلك من السحر فكيف يتميز المعجز عن السحر ثم قالوا : هذه الدلائل يقينية والأخبار التي ذكرتموها من باب الآحاد فلا تصلح معارضة لهذه الدلائل.
المسألة الخامسة : في أن العلم بالسحر غير قبيح ولا محظور : اتفق المحققون على ذلك لأن العلم لذاته شريف وأيضاً لعموم قوله تعالى : {هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } (الزمر : 9) ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجز ، والعلم بكون المعجز معجزاً واجب وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجباً وما يكون واجباً كيف يكون حراماً وقبيحاً.
المسألة السادسة : في أن الساحر قد يكفر أم لا ، اختلف الفقهاء في أن الساحر هل يكفر أم لا ؟
روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقهما بقول فقد كفر بما أنزل على محمد} عليه السلام واعلم أنه لا نزاع بين الأمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم وهي الخالقة لما فيه من الحوادث والخيرات والشرور ، فإنه يكون كافراً على الاطلاق وهذا هو النوع الأول من السحر.
(1/533)

أما النوع الثاني : وهو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الإنسان في التصفية والقوة إلى حيث يقدر بها على إيجاد الأجسام والحياة والقدرة وتغيير البنية والشكل ، فالأظهر إجماع الأمة أيضاً على تكفيره.
أما النوع الثالث : وهو أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في التصفية وقراءة الرقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله تعالى عقيب أفعاله على سبيل العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل فههنا المعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك قالوا لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه أن يعرف صدق الأنبياء والرسل/ وهذا ركيك من القول. فإن لقائل أن يقول إن الإنسان لو ادعى النبوة وكان كاذباً في دعواه فإنه لا يجوز من الله تعالى إظهار هذه الأشياء على يده لئلا يحصل التلبيس ، أما إذا لم يدع النبوة وأظهر هذه الأشياء على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس فإن المحق يتميز عن / المبطل بما أن المحق تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة والمبطل لا تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة. وأما سائر الأنواع التي عددناها من السحر فلا شك أنه ليس بكفر. فإن قيل : إن اليهود لما أضافوا السحر إلى سليمان قال الله تعالى تنزيهاً له عنه : عليه السلام واعلم أنه لا نزاع بين الأمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم وهي الخالقة لما فيه من الحوادث والخيرات والشرور ، فإنه يكون كافراً على الاطلاق وهذا هو النوع الأول من السحر.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
أما النوع الثاني : وهو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الإنسان في التصفية والقوة إلى حيث يقدر بها على إيجاد الأجسام والحياة والقدرة وتغيير البنية والشكل ، فالأظهر إجماع الأمة أيضاً على تكفيره.
أما النوع الثالث : وهو أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في التصفية وقراءة الرقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله تعالى عقيب أفعاله على سبيل العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل فههنا المعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك قالوا لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه أن يعرف صدق الأنبياء والرسل ، وهذا ركيك من القول. فإن لقائل أن يقول إن الإنسان لو ادعى النبوة وكان كاذباً في دعواه فإنه لا يجوز من الله تعالى إظهار هذه الأشياء على يده لئلا يحصل التلبيس ، أما إذا لم يدع النبوة وأظهر هذه الأشياء على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس فإن المحق يتميز عن / المبطل بما أن المحق تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة والمبطل لا تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة. وأما سائر الأنواع التي عددناها من السحر فلا شك أنه ليس بكفر. فإن قيل : إن اليهود لما أضافوا السحر إلى سليمان قال الله تعالى تنزيهاً له عنه : {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـانُ} وهذا يدل على أن السحر كفر على الإطلاق وأيضاً قال : {وَلَـاكِنَّ الشَّيَـاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} وهذا أيضاً يقتضي أن يكون السحر على الإطلاق كفراً. وحكي عن الملكين أنهما لا يعلمان أحداً السحر حتى يقولا : إنما نحن فتنة فلا تكفر وهو يدل على أن السحر كفر على الإطلاق ، قلنا : حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة فتحملها على سحر من يعتقد إلهية النجوم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
(1/534)

المسألة السابعة : في أنه هل يجب قتلهم أم لا ؟
أما النوع الأول : وهو أن يعتقد في الكواكب كونها آلهة مدبرة. والنوع الثاني : وهو أن يعتقد أن الساحر قد يصير موصوفاً بالقدرة على خلق الأجسام وخلق الحياة والقدرة والعقل وتركيب الأشكال ، فلا شك في كفرهما ، فالمسلم إذا أتى بهذا الاعتقاد كان كالمرتد يستتاب فإن أصر قتل. وروي عن مالك وأبي حنيفة أنه لا تقبل توبته ، لنا أنه أسلم فيقبل إسلامه لقوله عليه السلام : "نحن نحكم بالظاهر" ، أما النوع الثالث : وهو أن يعتقد أن الله تعالى أجرى عادته بخلق الأجسام والحياة وتغيير الشكل والهيئة عند قراءة بعض الرقي وتدخين بعض الأدوية ، فالساحر يعتقد أنه يمكن الوصول إلى استحداث الأجسام والحياة وتغيير الخلقة بهذا الطريق ، وقد ذكرنا عن المعتزلة أنه كفر قالوا : لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه الاستدلال بالمعجز على صدق الأنبياء ، وهذا ركيك لأنه يقال : الفرق هو أن مدعي النبوة إن كان صادقاً في دعواه أمكنه الإتيان بهذه الأشياء وإن كان كاذباً تعذر عليه ذلك فبهذا يظهر الفرق. إذا ثبت أنه ليس بكافر وثبت أنه ممكن الوقوع فإذا أتى الساحر بشيء من ذلك فإن اعتقد أن إتيانه به مباح كفر/ لأنه حكم على المحظور بكونه مباحاً ، وإن اعتقد حرمته فعند الشافعي رضي الله عنه أن حكمه حكم الجناية ، إن قال : إني سحرته وسحري يقتل غالباً ، يجب عليه القود ، وإن قال : سحرته وسحري قد يقتل وقد لا يقتل فهو شبه عمد وإن قال سحرت غيره فوافق اسمه فهو خطأ تجب الدية مخففة في ماله لأنه ثبت بإقراره إلا أن تصدقه الكاملة فحينئذ العاقلة تجب عليهم هذا تفصيل مذهب الشافعي رضي الله عنه ، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال : يقتل الساحر إذا علم أنه ساحر ولا يستتاب ولا يقبل قوله : إني أترك السحر وأتوب منه ، فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه وإن شهد شهدان على أنه ساحر أو وصفوه بصفة يعلم أنه ساحر قتل ولا يستتاب وإن أقر بأني كنت أسحر مرة وقد تركت ذلك منذ زمان قبل منه ولم يقتل ، وحكى محمد بن شجاع عن علي الرازي قال : سألت أبا يوسف عن قول أبي حنيفة في الساحر : يقتل ولا يستتاب لم يكن ذلك بمنزلة المرتد ، فقال : الساحر جمع مع كفره السعي في الأرض بالفساد ومن كان كذلك إذا قتل قتل ، واحتج أصحابنا بأنه لما ثبت أن هذا النوع ليس بكفر فهو فسق / فإن لم يكن جناية على حق الغير كان الحق هو التفصيل الذي ذكرناه. الثاني : أن ساحر اليهود لا يقتل لأنه عليه الصلاة والسلام سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن أعصم وامرأة من يهود خيبر يقال لها زينب ، فلم يقتلهما فوجب أن يكون المؤمن كذلك لقوله عليه الصلاة والسلام : "لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين". واحتج أبو حنيفة رحمه الله على قوله بأخبار ، أحدها : ما روى نافع عن ابن عمر أن جارية لحفصة سحرتها وأخذوها فاعترفت بذلك فأمرت عبد الرحمن بن زيد فقتلها فبلغ عثمان فأنكره فأتاه ابن عمر وأخبره أمرها فكأن عثمان إنما أنكر ذلك لأنها قتلت بغير إذنه ، وثانيها : ما روى عمرو بن دنيار أنه ورد كتاب عمر رضي الله عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلنا ثلاث سواحر ، وثالثها : قال علي بن أبي طالب : إن هؤلاء العرافين كهان العجم ، فمن أتى كاهناً يؤمن له بما يقول : فقد برىء مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلّم. والجواب : لعل السحرة الذين قتلوا كانوا من الكفرة فإن حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة ، وأما سائر أنواع السحر أعني الإتيان بضروب الشعبذة والآلات العجيبة المبنية على ضروب الخيلاء ، والمبنية على النسب الهندسية وكذلك القول فيمن يوهم ضروباً من التخويف والتقريع حتى يصير من به السوداء محكم الاعتقاد فيه ويتمشى بالتضريب والنميمة ويحتال في إيقاع الفرقة بعد الوصلة ، ويوهم أن ذلك بكتابة يكتبها من الاسم الأعظم فكل ذلك ليس بكفر ، وكذلك القول في دفن الأشياء الوسخة في دور الناس ، وكذا القول في إيهام أن الجن يفعلون ذلك ، وكذا القول فيمن يدس الأدوية المبلدة في الأطعمة فإن شيئاً من ذلك لا يبلغ حد الكفر ولا يوجب القتل ألبتة ، فهذا هو الكلام الكلي في السحر والله الكافي والواقي ولنرجع إلى التفسير.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
(1/535)

أما قوله تعالى : {وَلَـاكِنَّ الشَّيَـاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} فظاهر الآية يقتضي أنهم إنما كفروا لأجل أنهم كانوا يعلمون الناس السحر ، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية وتعليم ما لا يكون كفراً لا يوجب الكفر ، فصارت الآية دالة على أن تعليم السحر كفر ، وعلى أن السحر أيضاً كفر ، ولمن منع ذلك أن يقول : لا نسلم أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ، بل المعنى أنهم كفروا وهم مع ذلك يعلمون الناس السحر ، فإن قيل : هذا مشكل لأن الله تعالى أخبر في آخر الآية أن الملكين يعلمان الناس السحر ، فلو كان تعليم السحر كفراً لزم تكفير الملكين ، وإنه غير جائز لما ثبت أن الملائكة بأسرهم معصومون وأيضاً فلأنكم قد دللتم على أنه ليس كل ما يسمى سحراً فهو كفر. قلنا : اللفظ المشترك لا يكون عاماً في جميع مسمياته ، فنحن نحمل هذا السحر الذي هو كفر على النوع الأول من الأشياء المسماة بالسحر ، وهو اعتقاد إلهية الكواكب والاستعانة بها في إظهار المعجزات وخوارق العادات ، فهذا السحر كفر ، والشياطين إنما كفروا لإتيانهم بهذا السحر لا بسائر الأقسام.
وأما الملكان فلا نسلم أنهما علما هذا النوع من السحر ، بل لعلهم يعلمان سائر الأنواع على / ما قال تعالى : {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِه بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه } وأيضاً فبتقدير أن يقال : إنهما علما هذا النوع لكن تعليم هذا النوع إنما يكون كفراً إذا قصد المعلم أن يعتقد حقيقته وكونه صواباً ، فأما أن يعلمه ليحترز عنه فهذا التعليم لا يكون كفراً ، وتعليم الملائكة كان لأجل أن يصير المكلف محترزاً عنه على ما قال تعالى حكاية عنهما : {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ } وأما الشياطين الذين علموا الناس السحر فكان مقصودهم اعتقاد حقية هذه الأشياء فظهر الفرق.
المسألة الثامنة : قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو بتشديد "لكن" و"الشياطين" بالنصب على أنه اسم "لكن" والباقون "لكن" بالتخفيف و"الشياطين" بالرفع والمعنى واحد ، وكذلك في الأنفال : {وَلَـاكِنَّ اللَّهَ رَمَى } . {وَلَـاكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ } (الأنفال : 17) والاختيار أنه إذا كان بالواو كان التشديد أحسن ، وإذا كان بغير الواو فالتخفيف أحسن ، والوجه فيه أن "لكن" بالتخفيف يكون عطفاً فلا يحتاج إلى الواو لاتصال الكلام ، والمشددة لا تكون عطفاً لأنها تعمل عمل "إن".
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
أما قوله تعالى : {وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـارُوتَ وَمَـارُوتَ } ففيه مسائل :
(1/536)

المسألة الأولى : "ما" في قوله : {وَمَآ أَنزَلَ} فيه وجهان. الأول : أنه بمعنى الذي ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال. الأول : أنه عطف على (السحر) أي يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضاً. وثانيها : أنه عطف على قوله : {مَا تَتْلُوا الشَّيَـاطِينُ} أي واتبعوا الذي تلته الشياطين ، ومنه ما تأثيره في التفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على الملكين فكأنه تعالى أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا كلا الأمرين ولم يقتصروا على أحدهما ، وثالثها : أن موضعه جر عطفاً على (ملك سليمان) وتقديره ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين وهو اختيار أبي مسلم رحمه الله ، وأنكر في الملكين أن يكون السحر نازلاً عليهما واحتج عليه بوجوه. الأول : أن السحر لو كان نازلاً عليهما لكان منزله هو الله تعالى ، وذلك غير جائز لأن السحر كفر وعبث ولا يليق بالله إنزال ذلك ، الثاني : أن قوله : {وَلَـاكِنَّ الشَّيَـاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} يدل على أن تعليم السحر كفر ، فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر ، وذلك باطل. الثالث : كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بطريق الأولى ، الرابع : أن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة ، وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب ؟
وهل السحر إلا الباطل المموه وقد جرت عادة الله تعالى بإبطاله كما قال في قصة موسى عليه السلام : {مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُا إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُه ا } (يونس : 81) ثم إنه رحمه الله سلك في تفسير الآية نهجاً آخر يخالف قول أكثر المفسرين ، فقال : كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرأ / عنه ، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر مع أن المنزل عليهما كان مبرأ عن السحر/ وذلك لأن المنزل عليهما كان هو الشرع والدين والدعاء إلى الخير ، وإنما كانا يعلمان الناس ذلك مع قولهما : {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ } توكيداً لبعثهم على القبول والتمسك ، وكانت طائفة تتمسك وأخرى تخالف وتعدل عن ذلك ويتعلمون منهما أي من الفتنة والكفر مقدار ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، فهذا تقرير مذهب أبي مسلم. الوجه الثاني : أن يكون "ما" بمعنى الجحد ويكون معطوفاً على قوله تعالى : {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـانُ} كأنه قال : لم يكفر سليمان ولم ينزل على الملكين سحر لأن السحرة كانت تضيف السحر إلى سليمان وتزعم أنه مما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، فرد الله عليهم في القولين قوله : {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} جحد أيضاً أي لا يعلمان أحداً بل ينهيان عنه أشد النهي.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
أما قوله تعالى : {حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} أي ابتلاء وامتحان فلا تكفر وهو كقولك ما أمرت فلاناً بكذا حتى قلت له إن فعلت كذا نالك كذا ، أي ما أمرت به بل حذرته عنه.
وأعلم أن هذه الأقوال وإن كانت حسنة إلا أن القول الأول أحسن منها ، وذلك لأن عطف قوله : {وَمَآ أَنزَلَ} على ما يليه أولى من عطفه على ما بعد عنه إلا لدليل منفصل ، أما قوله : لو نزل السحر عليهما لكان منزل ذلك السحر هو الله تعالى. قلنا : تعريف صفة الشيء قد يكون لأجل الترغيب في إدخاله في الوجود وقد يكون لأجل أن يقع الاحتراز عنه كما قال الشاعر :
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه
قوله ثانياً : إن تعليم السحر كفر لقوله تعالى : {وَلَـاكِنَّ الشَّيَـاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} ، فالجواب : أنا بينا أنه واقعة حال فيكفي في صدقها صورة واحدة وهي ما إذا اشتغل بتعليم سحر من يقول بإلهية الكواكب ويكون قصده من ذلك التعليم إثبات أن ذلك المذهب حق. قوله ثالثاً : إنه لا يجوز بعثة الأنبياء عليهم السلام لتعليم السحر فكذا الملائكة. قلنا : لا نسلم أنه لا يجوز بعثة الأنبياء عليهم السلام لتعليمه بحيث يكون الغرض من ذلك التعليم التنبيه على إبطاله. قوله رابعاً : إنما يضاف السحر إلى الكفرة والمردة فكيف يضاف إلى الله تعالى ما ينهى عنه ؟
قلنا : فرق بين العمل وبين التعليم فلم لا يجوز أن يكون العمل منهياً عنه ؟
وأما تعليمه لغرض التنبيه على فساده فإنه يكون مأموراً به.
(1/537)

المسألة الثانية : قرأ الحسن : (ملكين) بكسر اللام وهو مروي عن الضحاك وابن عباس ثم اختلفوا ، فقال الحسن : كانا علجين أقلفين ببابل يعلمان الناس السحر ، وقيل : كانا رجلين صالحين من الملوك. والقراءة المشهورة بفتح اللام وهما كانا ملكين نزلا من السماء ، وهاروت وماروت اسمان لهما ، وقيل : هما جبريل وميكائيل عليهما السلام ، وقيل غيرهما : أما الذين كسروا اللام فقد احتجوا بوجوه ، أحدها : أنه لا يليق بالملائكة تعليم السحر ، وثانيها : كيف يجوز إنزال / الملكين مع قوله : {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الامْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ} (الأنعام : 8) ، وثالثها : لو أنزل الملكين لكان إما أن يجعلهما في صورة الرجلين أو لا يجعلهما كذلك ، فإن جعلهما في صورة الرجلين مع أنهما ليسا برجلين كان ذلك تجهيلاً وتلبيساً على الناس وهو غير جائز ، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن كل واحد من الناس الذين نشاهدهم لا يكون في الحقيقة إنساناً ، بل ملكاً من الملائكة ؟
وإن لم يجعلهما في صورة الرجلين قدح ذلك في قوله تعالى : {وَلَوْ جَعَلْنَـاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَـاهُ رَجُلا} (الأنعام : 9) والجواب في الأصل أنا سنبين وجه الحكمة في إنزال الملائكة لتعليم السحر ، وعن الثاني : أن هذه الآية عامة وقراءة الملكين بفتح اللام متواترة وخاصة والخاص مقدم على العام/ وعن الثالث : أن الله تعالى أنزلهما في صورة رجلين وكان الواجب على المكلفين في زمان الأنبياء أن لا يقطعوا على من صورته صورة الإنسان بكونه إنساناً ، كما أنه في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام كان الواجب على من شاهد دحية الكلبي أن لا يقطع بكونه من البشر بل الواجب التوقف فيه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
(1/538)

المسألة الثالثة : إذا قلنا بأنهما كانا من الملائكة فقد اختلفوا في سبب نزولهما فروي عن ابن عباس أن الملائكة لما أعلمهم الله بآدم وقالوا : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ} فأجابهم الله تعالى بقوله : {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} (البقرة : 30) ثم إن الله تعالى وكل عليهم جمعاً من الملائكة وهم الكرام الكاتبون فكانوا يعرجون بأعمالهم الخبيثة فعجبت الملائكة منهم ومن تبقية الله لهم مع ما ظهر منهم من القبائح ، ثم أضافوا إليهما عمل السحر فازداد تعجب الملائكة فأراد الله تعالى أن يبتلي الملائكة ، فقال لهم : اختاروا ملكين من أعظم الملائكة علماً وزهداً وديانة لأنزلهما إلى الأرض فأختبرهما ، فاختاروا هاروت وماروت ، وركب فيهما شهوة الإنس وأنزلهما ونهاهما عن الشرك والقتل والزنا والشرب ، فنزلا فذهبت إليهما امرأة من أحسن النساء وهي الزهرة فراوداها عن نفسها فأبت أن تطيعهما إلا بعد أن يعبدا الصنم ، وإلا بعد أن يشربا الخمر ، فامتنعا أولاً ، ثم غلبت الشهوة عليهما فأطاعاها في كل ذلك ، فعند إقدامهما على الشرب وعبادة الصنم دخل سائل عليهم فقالت : إن أظهر هذا السائل للناس ما رأى منا فسد أمرنا ، فإن اردتما الوصول إلي فاقتلا هذا الرجل ، فامتنعا منه ثم اشتغلا بقتله فلما فرغا من القتل وطلبا المرأة فلم يجداها ، ثم إن الملكين عند ذلك ندما وتحسرا وتضرعا إلى الله تعالى فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا وهما يعذبان ببابل معلقان بين السماء والأرض يعلمان الناس السحر ، ثم لهم في الزهرة قولان ، أحدهما : أن الله تعالى لما ابتلى الملكين بشهوة بني آدم أمر الله الكوكب الذي يقال له الزهرة وفلكها أن اهبطا إلى الأرض إلى أن كان ما كان ، فحينئذ ارتفعت الزهرة وفلكها إلى موضعهما من السماء موبخين لهما على ما شاهداه منهما. والقول الثاني : أن المرأة فاجرة من أهل الأرض وواقعاها بعد شرب الخمر وقتل النفس وعبادة الصنم ، ثم علماها الاسم الذي كانا به يعرجان إلى السماء فتكلمت به وعرجت إلى السماء وكان اسمها "بيدخت" فمسخها الله وجعلها هي الزهرة ، واعلم أن هذه الرواية فاسدة مردودة / غير مبقولة لأنه ليس في كتاب الله ما يدل على ذلك ، بل فيه ما يبطلها من وجوه ، الأول : ما تقدم من الدلائل الدالة على عصمة الملائكة عن كل المعاصي ، وثانيها : أن قولهم إنهما خيرا بين عذاب الدنيا وبين عذاب الآخرة فاسد ، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب لأن الله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره ، فكيف يبخل عليهما بذلك ؟
وثالثها : أن من أعجب الأمور قولهم : إنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما يعاقبان ولما ظهر فساد هذا القول فنقول : السبب في إنزالهما وجوه. أحدها : أن السحرة كثرت في ذلك الزمان واستنبطت أبواباً غريبة في السحر ، وكانوا يدعون النبوة ويتحدون الناس بها ، فبعث الله تعالى هذين الملكين لأجل أن يعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الذين كانوا يدعون النبوة كذباً ، ولا شك أن هذا من أحسن الأغراض والمقاصد ، وثانيها : أن العلم بكون المعجزة مخالفة للسحر متوقف على العلم بماهية المعجزة وبماهية السحر ، والناس كانوا جاهلين بماهية السحر ، فلا جرم هذا تعذرت عليهم معرفة حقيقة المعجزة ، فبعث الله هذين الملكين لتعريف ماهية السحر لأجل هذا الغرض/ وثالثها : لا يمتنع أن يقال : السحر الذي يوقع الفرقة بين أعداء الله والألفة بين أولياء الله كان مباحاً عندهم أو مندوباً ، فالله تعالى بعث الملكين لتعليم السحر لهذا الغرض ، ثم إن القوم تعلموا ذلك منهما واستعملوه في الشر وإيقاع الفرقة بين أولياء الله والألفة بين أعداء الله ، ورابعها : أن تحصيل العلم بكل شيء حسن ولما كان السحر منهياً عنه وجب أن يكون متصوراً معلوماً لأن الذي لا يكون متصوراً امتنع النهي عنه ، وخامسها : لعل الجن كان عندهم أنواع من السحر لم يقدر البشر على الإتيان بمثلها ، فبعث الله الملائكة ليعلموا البشر أموراً يقدرون بها على معارضة الجن ، وسادسها : يجوز أن يكون ذلك تشديداً في التكليف من حيث أنه إذا علمه ما أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة ثم منعه من استعمالها كان ذلك في نهاية المشقة فيستوجب به الثواب الزائد كما ابتلي قوم طالوت بالنهر على ما قال :
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
{فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّه مِنِّى } (البقرة : 249) فثبت بهذه الوجوه أنه لا يبعد من الله تعالى إنزال الملكين لتعليم السحر والله أعلم.
المسألة الرابعة : قال بعضهم : هذه الواقعة إنما وقعت في زمان إدريس عليه السلام لأنهما إذا كانا ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض فلا بد من رسول في وقتهما ليكون ذلك معجزة له ، ولا يجوز كونهما رسولين لأنه ثبت أنه تعالى لا يبعث الرسول إلى الإنس ملكاً.
(1/539)

المسألة الخامسة : "هاروت وماروت" عطف بيان للملكين ، علمان لهما وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف ، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم لانصرفا ، وقرأ الزهري : هاروت وماروت بالرفع على : هما هاروت وماروت.
أما قوله تعالى : {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ } فاعلم أنه تعالى شرح حالهما فقال : وهذان الملكان لا يعلمان السحر إلا بعد التحذير الشديد من العمل به وهو قولهما : / {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ } والمراد ههنا بالفتنة المحنة التي بها يتميز المطيع عن العاصي ، كقولهم : فتنت الذهب بالنار إذا عرض على النار ليتميز الخالص عن المشوب ، وقد بينا الوجوه في أنه كيف يحسن بعثة الملكين لتعليم السحر فالمراد أنهما لا يعلمان أحداً السحر ولا يصفانه لأحد ولا يكشفان له وجوه الاحتيال حتى يبذلا له النصيحة ، فيقولا له : "إنما نحن فتنة" أي هذا الذي نصفه لك وإن كان الغرض منه أن يتميز به الفرق بين السحر وبين المعجز ، ولكنه يمكنك أن تتوصل إلى المفاسد والمعاصي ، فإياك بعد وقوفك عليه أن تستعمله فيما نهيت عنه أو تتوصل به إلى شيء من الأعراض العاجلة.
أما قوله تعالى : {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِه بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في تفسير هذا التفريق وجهين. الأول : أن هذا التفريق إنما يكون بأن يعتقد أن ذلك السحر مؤثر في هذا التفريق فيصير كافراً ، وإذا صار كافراً بانت منه امرأته فيحصل تفرق بينهما ، الثاني : أنه يفرق بينهما بالتمويه والحيل والتضريب وسائر الوجوه المذكورة.
المسألة الثانية : أنه تعالى لم يذكر ذلك لأن الذي يتعلمون منهما ليس إلا هذا القدر ، لكن ذكر هذه الصورة تنبيهاً على سائر الصور ، فإن استكانة المرء إلى زوجته وركونه إليها معروف زائد على كل مودة ، فنبه الله تعالى بذكر ذلك على أن السحر إذا أمكن به هذا الأمر على شدته فغيره به أولى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
أما قوله تعالى : {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِه مِنْ أَحَدٍ} فإنه يدل على ما ذكرناه لأنه أطلق الضرر ، ولم يقصره على التفريق بين المرء وزوجه ، فدل ذلك على أنه تعالى إنما ذكره لأنه من أعلى مراتبه.
أما قوله تعالى : {إِلا بِإِذْنِ اللَّه } فاعلم أن الإذن حقيقة في الأمر والله لا يأمر بالسحر ولأنه تعالى أراد عيبهم وذمهم ، ولو كان قد أمرهم به لما جاز أن يذمهم عليه فلا بد من التأويل وفيه وجوه ، أحدها : قال الحسن : المراد منه التخلية ، يعني السحر إذا سحر إنساناً فإن شاء الله منعه منه وإن شاء خلى بينه وبين ضرر السحر ، وثانيها : قال الأصم : المراد إلا بعلم الله وإنما سمي الأذان أذاناً لأنه إعلام للناس بوقت الصلاة وسمي الأذان إذناً لأن بالحاسة القائمة به يدرك الأذن ، وكذلك قوله تعالى : {وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِه إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ} (التوبة : 3) أي إعلام ، وقوله : {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ} (البقرة : 279) معناه : فاعلموا وقوله : {عَلَى سَوَآءٍ } (الأنبياء : 109) يعني أعلمتكم ، وثالثها : أن الضرر الحاصل عند فعل السحر إنما يحصل بخلق الله وإيجاده وإبداعه وما كان كذلك فإنه يصح أن يضاف إلى إذن الله تعالى كما قال : {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـاهُ أَن نَّقُولَ لَه كُن فَيَكُونُ} (النحل : 40). ورابعها : أن يكون المراد بالإذن الأمر وهذا الوجه لا يليق إلا بأن يفسر التفريق بين المرء وزوجه بأن يصير كافراً والكفر يقتضي التفريق ، فإن هذا حكم شرعي ، وذلك لا يكون إلا بأمر الله تعالى.
/ أما قوله تعالى : {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُم وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاـاهُ مَا لَه فِى الآخِرَةِ مِنْ خَلَـاقٍ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : إنما ذكر لفظ الشراء على سبيل الاستعارة لوجوه ، أحدها : أنهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وأقبلوا على التمسك بما تتلوا الشياطين فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله ، وثانيها ؛ أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة فلما استعمل السحر فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا. وثالثها : أنه لما استعمل السحر علمنا أنه إنما تحمل المشقة ليتمكن من ذلك الاستعمال فكأنه اشترى بالمحن التي تحملها قدرته على ذلك الاستعمال.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
المسألة الثانية : قال الأكثرون : "الخلاق" النصيب ، قال القفال : يشبه أن يكون أصل الكلمة من الخلق ومعناه التقدير ومنه خلق الأديم ، ومنه يقال : قدر للرجل كذا درهماً رزقاً على عمل كذا. وقال آخرون : الخلاق الخلاص ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
يدعون بالويل فيها لاخلاق لهم
إلا سرابيل قطران وأغلال
(1/540)

بقي في الآية سؤال : وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولاً في قوله : {وَلَقَدْ عَلِمُوا } ثم نفاه عنهم في قوله : {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} والجواب من وجوه ، أحدها : أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا ، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه وهم الذين قال الله في حقهم : {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ كِتَـابَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ} وأما الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر فهم الذين لا يعلمون ، وهذا جواب الأخفش وقطرب. وثانيها : لو سلمنا كون القوم واحداً ولكنهم علموا شيئاً وجهلوا شيئاً آخر ، علموا أنهم ليس لهم في الآخرة خلاق ولكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة ، وما حصل لهم من مضارها وعقوباتها. وثالثها : لو سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد ولكنهم لم ينتفعوا بعلمهم بل أعرضوا عنه فصار ذلك العلم كالعدم كما سمى الله تعالى الكفار : {صُمًّا} إذ لم ينتفعوا بهذه الحواس. ويقال للرجل في شيء يفعله لكنه لا يضعه موضعه : صنعت ولم تصنع.
جزء : 3 رقم الصفحة : 617
633
اعلم أن الضمير عائد إلى اليهود الذين تقدم ذكرهم ، فإنه تعالى لما بين فيهم الوعيد بقوله : {مِنْ خَلَـاقٍا وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِه } (البقرة : 102) أتبعه بالوعد جامعاً بين الترهيب والترغيب لأن الجمع بينهما أدعى إلى الطاعة والعدول عن المعصية.
أما قوله تعالى : {ءَامَنُوا } فاعلم أنه تعالى لما قال : {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ كِتَـابَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} (البقرة : 101) ثم وصفهم بأنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين وأنهم تمسكوا بالسحر. قال من بعد : {وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا } يعني بما نبذوه من كتاب الله. فإن حملت ذلك على القرآن جاز ، وإن حملته على كتابهم المصدق للقرآن جاز ؛ وإن حملته على الأمرين جاز ، والمراد من التقوى الاحتراز عن فعل المنهيات وترك المأمورات.
أما قوله تعالى : {لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ } ففيه وجوه ، أحدها : أن الجواب محذوف وتقديره ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا إلا أنه تركت الجملة الفعلية إلى هذه الإسمية لما في الجملة الإسمية من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها. فإن قيل : هلا قيل لمثوبة الله خير ؟
قلنا : لأن المراد لشيء من ثواب الله خير لهم. وثانيها : يجوز أن يكون قوله : {وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا } تمنياً لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم كأنه قيل : وليتهم آمنوا ، ثم ابتدأ. لمثوبة من عند الله خير.
جزء : 3 رقم الصفحة : 633
634
اعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد عليه الصلاة والسلام أراد من ههنا أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلّم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه وهذا هو النوع الأول من هذا الباب وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى : {ذَالِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن. قال ابن عباس : وكان يخاطب في التوراة بقوله : يا أيها المساكين فكأنه سبحانه وتعالى لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت المسكنة لهم آخراً حيث قال : {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} (البقرة : 61) ، وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أولاً فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب في النيران يوم القيامة ، وأيضاً فاسم المؤمن أشرف الأسماء والصفات ، فإذا كان يخاطبنا في الدنيا بأشرف الأسماء والصفات فنرجو من فضله أن يعاملنا في الآخرة بأحسن المعاملات.
جزء : 3 رقم الصفحة : 634
(1/541)

المسألة الثانية : أنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من أحدهما ويأذن في الأخرى ، ولذلك فإن عند الشافعي رضي الله عنه لا تصلح الصلاة بترجمة الفاتحة سواء كانت بالعبرية أو بالفارسية ، فلا يبعد أن يمنع الله من قوله : {رَاعِنَا} ويأذن في قوله : {انظُرْنَا} وإن كانتا مترادفتين ولكن جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قوله : {رَاعِنَا} لاشتمالها على نوع مفسدة ثم ذكروا فيه وجوهاً ، أحدها : كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا تلا عليهم / شيئاً من العلم : راعنا يا رسول الله ، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي "راعينا" ومعناها : اسمع لا سمعت ، فلما سمعوا المؤمنين يقولون : راعنا إفترضوه وخاطبوا به النبي وهم يعنون تلك المسبة ، فنهى المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله : {انظُرْنَا} ، ويدل على صحة هذه التأويل قوله تعالى في سورة النساء : {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيَّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى الدِّينِ } (النساء : 46) ، وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال : يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه ، فقالوا : أولستم تقولونها ؟
فنزلت هذه الآية ، وثانيها : قال قطرب : هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزؤ والسخرية ، فلا جرم نهى الله عنها ، وثالثها : أن اليهود كانوا يقولون : راعينا أي أنت راعي غنمنا فنهاهم الله عنها ، ورابعها : أن قوله : "راعنا" مفاعلة من الرعي بين اثنين ، فكان هذا اللفظ موهماً للمساواة بين المخاطبين كأنهم قالوا : أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا ، فنهاهم الله تعالى عنه وبين أن لا بد من تعظيم الرسول عليه السلام في المخاطبة على ما قال : {لا تَجْعَلُوا دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًا } (النور : 63). وخامسها : أن قوله : "راعنا" خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول : راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره ، وليس في "انظرنا" إلا سؤال الانتظار كأنهم قالوا له توقف في كلامك وبيانك مقدار ما نصل إلى فهمه ، وسادسها : أن قوله : "راعنا" على وزن عاطنا من المعاطاة ، ورامنا من المراماة ، ثم إنهم قلبوا هذه النون إلى النون الأصلية وجعلوها كلمة مشتقة من الرعونة وهي الحق/ فالراعن اسم فاعل من الرعونة ، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر. كقولهم : عياذاً بك ، أي أعوذ عياذاً بك ، فقولهم : راعنا : أي فعلت رعونة. ويحتمل أنهم أرادوا به : صرت راعنا ، أي صرت ذا رعونة ، فلما قصدوا هذه الوجوه الفاسدة لا جرم نهى الله تعالى عن هذه الكلمة. وسابعها : أن يكون المراد لا تقولوا قولاً : راعنا أي : قولاً منسوباً إلى الرعونة بمعنى راعن : كتامر ولابن.
جزء : 3 رقم الصفحة : 634
أما قوله تعالى : {وَقُولُوا انظُرْنَا} ففيه وجوه. أحدها : أنه من نظره أي انظره ، قال تعالى : {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} (الحديد : 13) فأمرهم تعالى بأن يسألوه الإمهال لينقلوا عنه ، فلا يحتاجون إلى الاستعاذة. فإن قيل : أفكان النبي صلى الله عليه وسلّم يعجل عليهم حق يقولون هذا ؟
فالجواب من وجهين : أحدهما : أن هذه اللفظة قد تقال في خلال الكلام وإن لم تكن هناك عجلة تحوج إلى ذلك كقول الرجل في خلال حديثه : اسمع أو سمعت. الثاني : أنهم فسروا قوله تعالى : {لا تُحَرِّكْ بِه لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه } أنه عليه السلام كان يعجل قول ما يلقيه إليه جبريل عليه السلام حرصاً على تحصيل الوحي وأخذ القرآن ، فقيل له : لا تحرك به لسانك لتعجل به فلا يبعد أن يعجل فيما يحدث به أصحابه من أمر الدين حرصاً على تعجيل أفهامهم فكانوا يسألونه في هذه الحالة أن يمهلهم فيما يخاطبهم به إلى أن يفهموا كل ذلك الكلام ، وثانيها : "انظرنا" معناه "انظر" إلينا إلا أنه حذف / حرف "إلى" كما في قوله : {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَه } (الأعراف : 155) والمعنى من قومه ، والمقصود منه أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كان إيراده للكلام على نعت الإفهام والتعريف أظهر وأقوى. وثالثها : قرأ أبي بن كعب "أنظرنا" من النظرة أي أمهلنا.
أما قوله تعالى : {وَاسْمَعُوا } فحصول السماع عند سلامة الحاسة أمر ضروري خارج عن قدرة البشر ، فلا يجوز وقوع الأمر به ، فإذن المراد منه أحد أمور ثلاثة ، أحدها : فرغوا أسماعكم لما يقول النبي عليه السلام حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة ، وثانيها : اسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم سماع اليهود حيث قالوا : سمعنا وعصينا ، وثالثها : اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيداً عليهم ، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع الرسول هذه الطريقة من الإعظام والتبجيل والإصغاء إلى ما يقول والتفكر فيما يقول ، ومعنى "العذاب الأليم" قد تقدم.
(1/542)

جزء : 3 رقم الصفحة : 634
635
واعلم أنه تعالى لما بين حال اليهود والكفار في العداوة والمعاندة حذر المؤمنين منهم فقال : {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا } فنفى عن قلوبهم الود والمحبة لكل ما يظهر به فضل المؤمنين وههنا مسألتان :
المسألة الأولى : "من" الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان : أهل الكتاب والمشكرون ، والدليل عليه قوله تعالى : {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَـابِ وَالْمُشْرِكِينَ} (البينة : 1)والثانية : مزبده لاستغراق الخير ، والثالثة : لابتداء الغاية.
المسألة الثانية : الخير الوحي وكذلك الرحمة ، يدل عليه قوله تعالى : {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ } (الزخرف : 32) المعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحي إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي.
ثم بين سبحانه أن ذلك الحسد لا يؤثر في زوال ذلك ، فإنه سبحانه يختص برحمته وإحسانه من يشاء.
جزء : 3 رقم الصفحة : 635
636
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من طعن اليهود في الإسلام ، فقالوا : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولاً وغداً يرجع عنه ، فنزلت هذه الآية ، والكلام في الآية مرتب على مسائل :
المسألة الأولى : النسخ في أصل اللغة بمعنى إبطال الشيء ، وقال القفال : إنه للنقل والتحويل لنا أنه يقال : نسخت الريح آثار القوم إذا عدمت ، ونسخت الشمس الظل إذا عدم ، لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل إليه ، وقال تعالى : {إِلا إِذَا تَمَنَّى ا أَلْقَى الشَّيْطَـانُ فِى أُمْنِيَّتِه فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَـانُ} (الحج : 52) أي يزيله ويبطله ، والأصل في الكلام الحقيقة. وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب أن لا يكون حقيقة في النقل دفعاً للاشتراك. فإن قيل : وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار ، والشمس بأنها ناسخة للظل مجاز ، لأن المزيل للآثار والظل هو الله تعالى ، وإذا كان ذلك مجازاً امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله ثم نعارض ما ذكرتموه ونقول : بل النسخ هو النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر كأنه ينقله إليه أو ينقل حكايته ، ومنه تناسخ الأرواح وتناسخ القرون قرناً بعد قرن ، وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلاً عن الأول ، وقال تعالى : {هَـاذَا كِتَـابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّا إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الجاثية : 29) فوجب أن يكون اللفظ حقيقة في النقل ويلزم أن لا يكون حقيقة في الإبطال دفعاً للاشتراك ، والجواب عن الأول من وجهين. أحدهما : أنه لا يمتنع أن يكون الله هو الناسخ لذلك من حيث إنه فعل الشمس والريح المؤثرتين في تلك الإزالة ويكونان أيضاً ناسخين لكونهما مختصين بذلك التأثير. والثاني : أن أهل اللغة إنما أخطأوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح ، فهب أنه كذلك ، لكن متمسكنا إطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لاسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس ، وعن الثاني : أن النقل أخص من الإبطال لأنه حيث وجد النقل فقد عدمت صفة وحصل عقيبها صفة أخرى ، فإن مطلق العدم أهم من عدم يحصل عقيبه شيء آخر ، وإذا دار اللفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 636
(1/543)

المسألة الثانية : قرأ ابن عامر : (ما ننسخ) بضم النون وكسر السين والباقون بفتحهما ، أما قراءة ابن عامر ففيها وجهان. أحدهما : أن يكون نسخ وأنسخ بمعنى واحد. والثاني : أنسخته جعتله ذا نسخ كما قال قوم للحجاج وقد صلب رجلاً. أقبروا فلاناً ، أي اجعلوه ذا قبر ، قال تعالى : {ثُمَّ أَمَاتَه فَأَقْبَرَه } (عبس : 21) ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : (ننسأها) بفتح النون والهمزة وهو جزم بالشرط ولا يدع أبو عمرو الهمزة في مثل هذا ، لأن سكونها علامة للجزم وهو من النسء وهو التأخير. ومنه : {إِنَّمَا النَّسِى ءُ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ } (التوبة : 37) ومنه سمي بيع الأجل نسيئة ، وقال أهل اللغة : أنسأ الله أجله ونسأ في أجله ، أي أخر وزاد ، وقال عليه الصلاة والسلام : "من سره النسء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه". والباقون بضم النون وكسر السين وهو من النسيان ، ثم / الأكثرون حملوه على النسيان الذي هو ضد الذكر ، ومنهم من حمل النسيان على الترك على حد قوله تعالى : {فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَه عَزْمًا} (طه : 155) أي فترك وقال : {فَالْيَوْمَ نَنسَـاـاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـاذَا} (الأعراف : 51) أي نتركهم كما تركوا ، والأظهر أن حمل النسيان على الترك مجاز ، لأن المنسي يكون متروكاً ، فلما كان الترك من لوازم النسيان أطلقوا اسم الملزوم على اللازم وقرىء ننسها وننسها بالتشديد ، وتنسها وتنسها على خطاب الرسول ، وقرأ عبد الله : ما ننسك من آية أو ننسخها ، وقرأ حذيفة : ما ننسخ من آية أو ننسكها.
المسألة الثالثة : "ما" في هذه الآية جزائية كقولك : ما تصنع أصنع وعملها الجزم في الشرط والجزاء إذا كانا مضارعين فقوله : (ننسخ) شرط وقوله : (نأت) جزاء وكلاهما مجزومان.
المسألة الرابعة : اعلم أن التناسخ في اصطلاح العلماء عبارة عن طريق شرعي يدل على أن الحكم الذي كان ثابتاً بطريق شرعي لا يوجد بعد ذلك مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتاً ، فقولنا : طريق شرعي نعني به القدر المشترك بين القول الصادر عن الله تعالى وعن رسوله ، والفعل المنقول عنهما ، ويخرج عنه إجماع الأمة على أحد القولين ، لأن ذلك ليس بطريق شرعي على هذا التفسير ، ولا يلزم أن يكون الشرع ناسخاً لحكم العقل ، لأن العقل ليس طريقاً شرعياً. ولا يلزم أن يكون المعجز ناسخاً للحكم الشرعي لأن المعجز ليس طريقاً شرعياً ولا يلزم تقيد الحكم بغاية أو شرط أو استثناء ، لأن ذلك غير متراخ ، ولا يلزم ما إذا أمرنا الله بفعل واحد ثم نهانا عن مثله لأنه لو لم يكن مثل هذا النهي ناسخاً لم يكن مثل حكم الأمر ثابتاً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 636
(1/544)

المسألة الخامسة : النسخ عندنا جائز عقلاً واقع سمعاً خلافاً لليهود ، فإن منهم من أنكره عقلاً ومنهم من جوزه عقلاً ، لكنه منع منه سمعاً ، ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ ، واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه ، لأن الدلائل دلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم ونبوته لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من قبله ، فوجب القطع بالنسخ ، وأيضاً قلنا : على اليهود إلزامان. الأول : جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من الفلك : "إني جعلت كل دابة مأكلاً لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه} ، ثم إنه تعالى حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيراً من الحيوان ، الثاني : كان آدم عليه السلام يزوج الأخت من الأخ وقد حرمه بعد ذلك على موسى عليه السلام. قال منكرو النسخ : لا نسلم أن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا تصح إلا مع القول بالنسخ لأن من الجائز أن يقال : إن موسى وعيسى عليهما السلام أمر الناس بشرعهما إلى زمان ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم بعد ذلك أمر الناس باتباع محمد عليه الصلاة والسلام فعند ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام زال التكليف بشرعهما وحصل التكليف بشرع محمد عليه الصلاة والسلام ، لكنه لا يكون ذلك نسخاً ، بل جارياً مجرى قوله : ، ثم إنه تعالى حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيراً من الحيوان ، الثاني : كان آدم عليه السلام يزوج الأخت من الأخ وقد حرمه بعد ذلك على موسى عليه السلام. قال منكرو النسخ : لا نسلم أن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا تصح إلا مع القول بالنسخ لأن من الجائز أن يقال : إن موسى وعيسى عليهما السلام أمر الناس بشرعهما إلى زمان ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم بعد ذلك أمر الناس باتباع محمد عليه الصلاة والسلام فعند ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام زال التكليف بشرعهما وحصل التكليف بشرع محمد عليه الصلاة والسلام ، لكنه لا يكون ذلك نسخاً ، بل جارياً مجرى قوله : {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ } (البقرة : 187) والمسلمون الذين أنكروا وقوع النسخ أصلاً / بنوا مذهبهم على هذا الحرف وقالوا : قد ثبت في القرآن أن موسى وعيسى عليهما السلام قد بشرا في التوراة والإنجيل بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام/ وأن عند ظهوره يجب الرجوع إلى شرعه ، وإذا كان الأمر كذلك فمع قيام هذا الاحتمال امتنع الجزم بوقوع النسخ وهذا هو الاعتراض على الإلزامين المذكورين ، واحتج منكروا النسخ بأن قالوا : إن الله تعالى لما بين شرع عيسى عليه السلام ، فاللفظ الدال على تلك الشريعة ، إما أن يقال : إنها دالة على دوامها أو لا على دوامها أو ما كان فيها دلالة على الدوام ولا على اللادوام ، فإن بين فيها ثبوتها على الدوام ، ثم تبين أنها ما دامت كان الخبر الأول كذباً وإنه غير جائز على الشرع ، وأيضاً ، فلو جوزنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى العلم بأن شرعنا لا يصير منسوخاً ، لأن أقصى ما في الباب أن يقول الشرع : هذه الشريعة دائمة ولا تصير منسوخة قط ألبتة ، ولكنا إذا رأينا مثل هذا الكلام حاصلاً في شرع موسى وعيسى عليهما السلام مع أنهما لم يدوما زال الوثوق عنه في كل الصور. فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : ذكر اللفظ الدال على الدوام ، ثم قرن به ما يدل على أنه سينسخه أو ما قرن به إلا أنه نص على ذلك إلا أنه لم ينقل إلينا في الجملة ؟
قلنا : هذا ضعيف لوجوه. أحدها : أن التنصيص على اللفظ الدال على الدوام مع التنصيص على أنه لا يدوم جمع بين كلامين متناقضين ، وإنه سفه وعبث ، وثانيها : على هذا التقدير قد بين الله تعالى أن شرعهما سيصير منسوخاً ، فإذا نقل شرعه وجب أن ينقل هذه الكيفية أيضاً ، لأنه لو جاز أن ينقل أصل الشرع بدون هذه الكيفية لجاز مثله في شرعنا أيضاً ، وحينئذ لا يكون لنا طريق إلى القطع بأن شرعنا غير منسوخ لأن ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفر فيها الدواعي على نقله ، وما كان كذلك وجب اشتهاره وبلوغه إلى حد التواتر ، وإلا فلعل القرآن عورض ، ولم تنقل معارضته ولعل محمداً صلى الله عليه وسلّم غير هذا الشرع عن هذا الوضع ولم ينقل ، وإذا ثبت وجوب أن تنقل هذه الكيفية على سبيل التواتر فنقول : لو أن الله تعالى نص في زمان موسى وعيسى عليهما السلام على أن شرعيهما سيصيران منسوخين لكان ذلك مشهوراً لأهل التواتر ، ومعلوماً لهم بالضرورة ، ولو كان كذلك لاستحال منازعة الجمع العظيم فيه ، فحيث رأينا اليهود والنصارى مطبقين على إنكار ذلك علمنا أنه لم يوجد التنصيص على أن شرعيهما يصيران منسوخين.
جزء : 3 رقم الصفحة : 636
وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن الله تعالى نص على شرع موسى عليه السلام وقرن به ما يدل به على أنه منقطع غير دائم. فهذا باطل لما ثبت أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة لأهل التواتر ، وأيضاً فبتقدير صحته لا يكون ذلك نسخاً ، بل يكون ذلك انتهاء للغاية.
(1/545)

وأما القسم الثالث : وهو أنه تعالى نص على شرع موسى عليه السلام ولم يبين فيه كونه دائماً أو كونه غير دائم فنقول : قد ثبت في أصول الفقه أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار وإنما يفيد / المرة الواحدة ، فإذا أتى المكلف بالمرة الواحدة فقد خرج عن عهدة الأمر ، فورود أمر آخر بعد ذلك لا يكون نسخاً للأمر الأول ، فثبت بهذا التقسيم أن القول بالنسخ محال.
واعلم أنا بعد أن قررنا هذه الجملة في كتاب المحصول في أصول الفقه تمسكنا في وقوع النسخ بقوله تعالى : {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ } ، والاستدلال به أيضاً ضعيف ، لأن "ما" ههنا تفيد الشرط والجزاء ، وكما أن قولك : ومن جاءك فأكرمه لا يدل على حصول المجيء ، بل على أنه متى جاء وجب الإكرام ، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ ، بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه ، فالأقوى أن نعول في الإثبات على قوله تعالى : {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ } (النحل : 101) وقوله : {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُا وَعِندَه ا أُمُّ الْكِتَـابِ} (الرعد : 39) والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة : اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن ، وقال أبو مسلم بن بحر : إنه لم يقع ، واحتج الجمهور على وقوعه في القرآن بوجوه. أحدها : هذه الآية وهي قوله تعالى : {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ } ، أجاب أبو مسلم عنه بوجوه. الأول : أن المراد من الآيات المنسوخة هي الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل ، كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله تعالى عنا وتعبدنا بغيره ، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون : لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، فأبطل الله عليهم ذلك بهذه الآية ، الوجه الثاني : المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب وهو كما يقال نسخت الكتاب. الوجه الثالث : أنا بينا أن هذه الآية لا تدل على وقوع النسخ ، بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير منه ، ومن الناس من أجاب عن الاعتراض الأول بأن الآيات إذا أطلقت فالمراد بها آيات القرآن لأنه هو المعهود عندنا ، وعن الثاني : بأن نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن وهذا النسخ مختص ببعضه ، ولقائل أن يقول على الأول : لا نسلم أن لفظ الآية مختص بالقرآن ، بل هو عام في جميع الدلائل ، وعلى الثاني : لا نسلم أن النسخ المذكور في الآية مختص ببعض القرآن ، بل التقدير والله أعلم ما ننسخ من اللوح المحفوظ فإنا نأتي بعده بما هو خير منه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 636
الحجة الثانية للقائلين بوقوع النسخ في القرآن : أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولاً كاملاً وذلك في قوله : {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لازْوَاجِهِم مَّتَـاعًا إِلَى الْحَوْلِ} (البقرة : 240) ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما قال : {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } (البقرة : 234) قال أبو مسلم : الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولاً كاملاً ، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا ناسخاً ، والجواب : أن مدة عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر فجعل السنة العدة يكون زائلاً بالكلية.
الحجة الثالثة : أمر الله بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول بقوله تعالى : { يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَـاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاـاكُمْ صَدَقَةً } (المجادلة : 12) ثم نسخ ذلك ، قال أبو مسلم : إنما زال ذلك لزوال سببه لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون من حيث لا يتصدقون عن المؤمنين ، فلما حصل هذا الغرض سقط التعبد. والجواب : لو كان كذلك لكان من لم يتصدق منافقاً وهو باطل لأنه روي أنه لم يتصدق غير علي رضي الله عنه ويدل عليه قوله تعالى : {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} (المجادلة : 13).
الحجة الرابعة : أنه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى : {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـابِرُونَ يَغْلِبُوا مِا ئَتَيْنِ } ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : {الْـاَـانَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِا ئَتَيْنِ } (الأنفال : 65/66).
(1/546)

الحجة الخامسة : قوله تعالى : {سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّـاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا } (البقرة : 142) ثم إنه تعالى أزالهم عنها بقوله : {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } (البقرة : 144). قال أبو مسلم : حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليها عند الإشكال أو مع العلم إذا كان هناك عذر. الجواب : أن على ما ذكرته لا فرق بين بيت المقدس وسائر الجهات ، فالخصوصية التي بها امتاز بيت المقدس عن سائر الجهات قد زالت بالكلية فكان نسخاً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 636
الحجة السادسة : قوله تعالى : {وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرا } (النحل : 101) والتبديل يشتمل على رفع وإثبات ، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم ، فكيف كان فهو رفع ونسخ ، وإنما أطنبنا في هذه الدلائل لأن كل واحد منها يدل على وقوع النسخ في الجملة واحتج أبو مسلم بأن الله تعالى وصف كتابه بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل. والجواب : أن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله ولا يأتيه من بعده أيضاً ما يبطله.
المسألة السابعة : المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط أو التلاوة فقط أو هما معاً ، أما الذي يكون المنسوخ هو الحكم دون التلاوة فكهذه الآيات التي عددناها ، وأما الذي يكون المنسوخ هو التلاوة فقط فكما يروى عن عمر أنه قال : كنا نقرأ آية الرجم : "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" وروي : "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب" ، وأما الذي يكون منسوخ الحكم والتلاوة معاً ، فهو ما روت عائشة رضي الله عنها أن القرآن قد نزل في الرضاع بعشر معلومات ثم نسخن بخمس معلومات ، فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم. ويروى أيضاً أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان فيه.
المسألة الثامنة : اختلف المفسرون في قوله تعالى : {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا} فمنهم من / فسر النسخ بالإزالة ومنهم من فسره بالنسخ بمعنى نسخت الكتاب وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب ، ومن قال بالقول الأول ذكروا فيه وجوهاً ، أحدها : ما ننسخ من آية وأنتم تقرءونه أو ننسها أي من القرآن ما قرىء بينكم ثم نسيتم وهو قول الحسن والأصم وأكثر المتكلمين فحملوه على نسخ الحكم دون التلاوة ، وننسها على نسخ الحكم والتلاوة معاً ، فإن قيل : وقوع هذا النسيان ممنوع عقلاً وشرعاً. أما العقل فلأن القرآن لا بد من إيصاله إلى أهل التواتر ، والنسيان على أهل التواتر بأجمعهم ممتنع. وأما النقل فلقوله تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَه لَحَـافِظُونَ} (الحجر : 9) والجواب عن الأول من وجهين. الأول : أن النسيان يصح بأن يأمر الله تعالى بطرحه من القرآن وإخراجه من جملة ما يتلى ويؤتى به في الصلاة أو يحتج به ، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي أو إن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد فيصير لهذا الوجه منسياً عن الصدور ، الجواب الثاني : أن ذلك يكون معجزة للرسول عليه الصلاة والسلام ، ويروى فيه خبر : أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها ، والجواب عن الثاني : أنه معارض بقوله تعالى : {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَآءَ اللَّه } (الأعلى : 6) وبقوله : {وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} (الكهف : 24).
جزء : 3 رقم الصفحة : 636
القول الثاني : ما ننسخ من آية أي نبدلها ، إما بأن نبدل حكمها فقط أو تلاوتها فقط أو نبدلهما ، أما قوله تعالى : {أَوْ نُنسِهَا} فالمراد نتركها كما كانت فلا نبدلها ، وقد بينا أن النسيان بمعنى الترك قد جاء ، فيصير حاصل الآية أن الذي نبدله فإنا نأتي بخير منه أو مثله.
القول الثالث : ما ننسخ من آية ، أي ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها على قراءة الهمزة أي نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ/ أو يكون المراد نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال ، فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة.
القول الرابع : ما ننسخ من آية ، وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم والتلاوة معاً ، أو ننسها ، أي نتركها وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم ولكنها غير منسوخة في التلاوة ، بل هي باقية في التلاوة ، فأما من قال بالقول الثاني : ما ننسخ من آية ، أي ننسخها من اللوح المحفوظ أو ننسأها ، نؤخرها. وأما قراءة "ننسها" فالمعنى نتركها يعني نترك نسخها فلا ننسخها.
وأما قوله : {مِنْ ءَايَةٍ} فكل المفسرين حملوه على الآية من القرآن غير أبي مسلم فإنه حمل ذلك على التوراة والإنجيل وقد تقدم القول فيه.
(1/547)

أما قوله تعالى : {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ } ففيه قولان. أحدهما : أنه الأخف ، والثاني : أنه الأصلح ، وهذا أولى لأنه تعالى يصرف المكلف على مصالحه لا على ما هو أخف على طباعه. فإن قيل : لو كان الثاني أصلح من الأول لكان الأول ناقص الصلاح فكيف أمر الله به ؟
قلنا : الأول أصلح من الثاني بالنسبة إلى الوقت الأول ، والثاني بالعكس منه فزال السؤال. واعلم أن الناس استنبطوا من هذه الآية أكثر مسائل النسخ.
/ المسألة الأولى : قال قوم : لا يجوز نسخ الحكم إلا إلى بدل ، واحتجوا بأن هذه الآية تدل على أنه تعالى إذا نسخ لا بد وأن يأتي بعده بما هو خير منه أو بما يكون مثله ، وذلك صريح في وجوب البدل. والجواب : لم لا يجوز أن يقال : المراد أن نفي ذلك الحكم وإسقاط التبعد به خير من ثبوته في ذلك الوقت ، ثم الذي يدل على وقوع النسخ لا إلى بدل أنه نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلّم لا إلى البدل.
المسألة الثانية : قال قوم : لا يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه واحتجوا بأن قوله : {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ } ينافي كونه أثقل ، لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله. والجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد بالخير ما يكون أكثر ثواباً في الآخرة ، ثم إن الذي يدل على وقوعه أن الله سبحانه نسخ في حق الزناة الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم ، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان ، وكانت الصلاة ركعتين عند قوم فنسخت بأربع في الحضر. إذا عرفت هذا فنقول : أما نسخ الشيء إلى الأثقل فقد وقع في الصور المذكورة ، وأما نسخه إلى الأخف فكنسخ العدة من حول إلى أربعة أشهر وعشر ، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها. وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 636
المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة واستدل عليه بهذه الآية من وجوه. أحدها : أنه تعالى أخبر أن ما ينسخه من الآيات يأت بخير منها وذلك يفيد أنه يأتي بما هو من جنسه ، كما إذا قال الإنسان : ما آخذ منك من ثواب آتيك بخير منه ، يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه ، وإذا ثبت أنه لا بد وأن يكون من جنسه فجنس القرآن قرآن ، وثانيها : أن قوله تعالى : {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ} يفيد أنه هو المنفرد بالإتيان بذلك الخير ، وذلك هو القرآن الذي هو كلام الله دون السنة التي يأتي بها الرسول عليه السلام ، وثالثها : أن قوله : {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ} يفيد أن المأتي به خير من الآية ، والسنة لا تكون خيراً من القرآن ، ورابعها : أنه قال : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} دل على أن الآتي بذلك الخير هو المختص بالقدرة على جميع الخيرات وذلك هو الله تعالى. والجواب عن الوجوه الأربعة بأسرها : أن قوله تعالى : {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ} ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخاً ، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئاً مغايراً للناسخ يحصل بعد حصول النسخ/ والذي يدل على تحقيق هذا الاحتمال أن هذه الآية صريحة في أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى ، فلو كان نسخ تلك الآية مرتباً على الإتيان بهذا الخير لزم الدور وهو باطل ، ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة لأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله عليه الصلاة والسلام : "ألا لا وصية لوارث" وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم. قال الشافعي رضي الله عنه : أما الأول : فضعيف لأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية ، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية ، وأما الثاني : / فضعيف أيضاً لأن عمر رضي الله عنه روى أن قوله : "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" كان قرآناً فلعل النسخ إنما وقع به ، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه والله أعلم.
أما قوله تعالى : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فتنبيه للنبي صلى الله عليه وسلّم وغيره على قدرته تعالى على تصريف المكلف تحت مشيئته وحكمه وحكمته ، وأنه لا دافع لما أراد ولا مانع لما اختار.
جزء : 3 رقم الصفحة : 636
(1/548)

المسألة التاسعة : استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن القرآن مخلوق من وجوه ، أحدها : أن كلام الله تعالى لو كان قديماً لكان الناسخ والمنسوخ قديمين ، لكن ذلك محال ، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخراً عن المنسوخ ، والمتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون قديماً ، وأما المنسوخ فلأنه يجب أن يزول ويرتفع ، وما ثبت زواله استحال قدمه بالإتفاق ، وثانيها : أن الآية دلت على أن بعض القرآن خير من بعض ، وما كان كذلك لا يكون قديماً ، وثالثها : أن قوله : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يدل على أن المراد أنه تعالى هو القادر على نسخ بعضها والإتيان بشيء آخر بدلاً من الأول ، وما كان داخلاً تحت القدرة وكان فعلاً كان محدثاً ، أجاب الأصحاب عنه : بأن كونه ناسخاً ومنسوخاً إنما هو من عوارض الألفاظ والعبارات واللغات ولا نزاع في حدوثها ، فلم قلتم إن المعنى الحقيقي الذي هو مدلول العبارات والاصطلاحات محدث ؟
قالت المعتزلة : ذلك المعنى الذي هو مدلول العبارات واللغات لا شك أن تعلقه الأول قد زال وحدث له تعلق آخر ، فالتعلق الأول محدث لأنه زال والقديم لا يزول ، والتعلق الثاني حادث لأنه حصل بعدما لم يكن ، والكلام الحقيقي لا ينفك عن هذه التعلقات ، وما لا ينفك عن هذه التعلقات (محدث) وما لا ينفك عن المحدث محدث والكلام الذي تعلقت به يلزم أن يكون محدثاً. أجاب الأصحاب : أن قدرة الله كانت في الأزل متعلقة بإيجاد العالم ، فعند دخول العالم في الوجود هل بقي ذلك التعلق أو لم يبق ؟
فإن بقي يلزم أن يكون القادر قادراً على إيجاد الموجود وهو محال ، وإن لم يبق فقد زال ذلك التعلق فيلزمكم حدوث قدرة الله على الوجه الذي ذكرتموه ، وكذلك علم الله كان متعلقاً بأن العالم سيوجد ، فعند دخول العالم في الوجود إن بقي التعلق الأول كان جهلاً ، وإن لم يبق فيلزمكم كون التعلق الأول حادثاً ، لأنه لو كان قديماً لما زال ، وبكون التعلق الذي حصل بعد ذلك حادثاً فإذن عالمية الله تعالى لا تنفك عن التعلقات الحادثة ، وما لا ينفك عن المحدث محدث فعالمية الله محدثة. فكل ما تجعلونه جواباً عن العالمية والقادرية فهو جوابنا عن الكلام.
المسألة العاشرة : احتجوا بقوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} على أن المعدوم شيء وقد تقدم وجه تقريره فلا نعيده ، والقدير فعيل بمعنى الفاعل وهو بناء المبالغة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 636
643
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بجواز النسخ عقبه ببيان أن ملك السموات والأرض له لا لغيره ، وهذا هو التنبيه على أنه سبحانه وتعالى إنما حسن منه الأمر والنهي لكونه مالكاً للخلق وهذا هو مذهب أصحابنا وإنه إنما حسن التكليف منه لمحض كونه مالكاً للخلق مستولياً عليهم لا لثواب يحصل ، أو لعقاب يندفع. قال القفال : ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى أمر القبلة ، فإنه تعالى أخبرهم بأنه مالك السموات والأرض وأن الأمكنة والجهات كلها له وأنه ليس بعض الجهات أكبر حرمة من البعض إلا من حيث يجعلها هو تعالى له ، وإذا كان كذلك وكان الأمر باستقبال القبلة إنما هو محض التخصيص بالتشريف ، فلا مانع يمنع من تغيره من جهة إلى جهة ، وأما الولي والنصير فكلاهما فعيل بمعنى فاعل على وجه المبالغة ، ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن الملك غير القدرة ، فقال : إنه تعالى قال أولاً : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ثم قال بعده : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَه مُلْكُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } فلو كان الملك عبارة عن القدرة لكان هذا تكريراً من غير فائدة ، والكلام في حقيقة الملك والقدرة قد تقدم في قوله : {مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (الفاتحة : 4).
جزء : 3 رقم الصفحة : 643
643
المسألة الأولى : "أم" على ضربين متصلة ومنقطعة ، فالمتصلة عديلة الألف وهي مفرقة لما جمعته أي ، كما أن "أو" مفرقة لما جمعته تقول : اضرب أيهم شئت زيداً أم عمراً ، فإذا قلت : اضرب أحدهم قلت : اضرب زيداً أو عمراً ، والمنقطعة لا تكون إلا بعد كلام تام ، لأنها بمعنى بل والألف ، كقول العرب : إنها الإبل أم شاء ، كأنه قال : بل هي شاء ، ومنه قوله تعالى : {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاـاه } (الأحقاف : 8) أي : بل يقولون ، قال الأخطل :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
غلس الظلام من الرباب خيالا
(1/549)

/ المسألة الثانية : اختلفوا في المخاطب به على وجوه. أحدها : أنهم المسلمون وهو قول الأصم والجبائي وأبي مسلم ، واستدلوا عليه بوجوه. الأول : أنه قال في آخر الآية : {وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالايمَـانِ} وهذا الكلام لا يصح إلا في حق المؤمنين. الثاني : أن قوله : {أَمْ تُرِيدُونَ} يقتضي معطوفاً عليه وهو قوله : {لا تَقُولُوا رَاعِنَا} (البقرة : 104) فكأنه قال : وقولوا انظرنا واسمعوا فهل تفعلون ذلك كما أمرتم أم تريدون أن تسألوا رسولكم ؟
الثالث : أن المسلمين كانوا يسألون محمداً صلى الله عليه وسلّم عن أمور لا خير لهم في البحث عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى عليه السلام ما لم يكن لهم فيه خير عن البحث عنه ، الرابع : سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط ، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب ، كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة. القول الثاني : أنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد. قال : إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم في رهط من قريش فقال : يا محمد والله ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ، أو يكون لك بيت من زخرف ، أو ترقى في السماء بأن تصعد ، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فاتبعوه. وقال له بقية الرهط : فإن لم تستطع ذلك فائتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله فيها كل ذلك ، فنؤمن بك عند ذلك. فأنزل الله تعالى : أم تريدون أن تسألوا رسولكم محمداً أن يأتيكم الآيات من عند الله كما سأل السبعون فقالوا : أرنا الله جهرة. وعن مجاهد أن قريشاً سألت محمداً عليه السلام أن يجعل لهم الصفا ذهباً وفضة ، فقال : نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا.
جزء : 3 رقم الصفحة : 643
القول الثالث : المراد اليهود ، وهذا القول أصح لأن هذه السورة من أول قوله : {يَـابَنِى إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} حكاية عنهم ومحاجة معهم ولأن الآية مدنية ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم ، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأله فإذا سأله كا متبدلاً كفراً بالإيمان.
المسألة الثالثة : ليس في ظاهر قوله : {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـاَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُـاـاِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ } أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفية السؤال ، بل المرجع فيه إلى الروايات التي ذكرناها في أنهم سألوا والله أعلم.
المسألة الرابعة : اعلم أن السؤال الذي ذكروه إن كان ذلك طلباً للمعجزات فمن أين أنه كفر ؟
ومعلوم أن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفراً ، وإن كان ذلك طلباً لوجه الحكمة المفصلة في نسخ الأحكام ، فهذا أيضاً لا يكون كفراً ؛ فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلقة البشر ولم يكن ذلك كفراً ، فلعل الأولى حمل الآية على أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة ، وإن كانوا طلبوا المعجزات فإنهم يطلبونها على سبيل التعنت واللجاج فلهذا كفروا بسبب هذا السؤال.
/ المسألة الخامسة : ذكروا في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوهاً ، أحدها : أنه تعالى لما حكم بجواز النسخ في الشرائع فلعلهم كانوا يطالبونه بتفاصيل ذلك الحكم فمنعهم الله تعالى عنها وبين أنهم ليس لهم أن يشتغلوا بهذه الأسئلة كما أنه ما كان لقوم موسى أن يذكروا أسئلتهم الفاسدة. وثانيها : لما تقدم من الأوامر والنواهي قال لهم : إن لم تقبلوا ما أمرتكم به وتمردتم عن الطاعة كنتم كمن سأل موسى ما ليس له أن يسأله ، عن أبي مسلم ، وثالثها : لما أمر ونهى قال : أتفعلون ما أمرتم أم تفعلون كما فعل من قبلكم من قوم موسى ؟
المسألة السادسة : {سَوَآءَ السَّبِيلِ} وسطه قال تعالى : {فَاطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ الْجَحِيمِ} أي وسط الجحيم ، والغرض التشبيه دون نفس الحقيقة ، ووجه التشبيه في ذلك أن من سلك طريقة الإيمان فهو جار على الاستقامة المؤدية إلى الفوز والظفر بالطلبة من الثواب والنعيم ، فالمبدل لذلك بالكفر عادل عن الاستقامة فقيل فيه إنه ضل سواء السبيل.
جزء : 3 رقم الصفحة : 643
644
(1/550)

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من كيد اليهود مع المسلمين ، وذلك لأنه روي أن فنحاص ابن عازوراء ، وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد : ألم تروا ما أصابكم ، ولو كنتم على الحق ما هزمتم ، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلاً ، فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم ؟
قالوا : شديد ، قال : فإني قد عاهدت أني لا أكفر بمحمد ما عشت ، فقالت اليهود : أما هذا فقد صبأ ، وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً ، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأخبراه فقال : أصبتما خيراً وأفلحتما ، فنزلت هذه الآية ، واعلم أنا نتكلم أولاً في الحسد ثم نرجع إلى التفسير.
المسألة الأولى : في ذم الحسد ويدل عليه أخبار كثيرة ، الأول : قوله عليه السلام : "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". الثاني : قال أنس : "كنا يوماً جالسين عند النبي / صلى الله عليه وسلّم فقال : يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة ، فطلع رجل من الأنصار ينظف لحيته من وضوئه وقد علق نعليه في شماله فسلم ، فلما كان الغد قال عليه السلام مثل ذلك فطلع ذلك الرجل ، وقال في اليوم الثالث مثل ذلك فطلع ذلك الرجل ، فلما قام النبي عليه السلام تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال : إني تأذيت من أبي فأقسمت لا أدخل عليه ثلاثاً ، فإن رأيت أن تذهب بي إلى دارك فعلت ، قال : نعم ، فبات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا انقلب على فراشه ذكر الله ولا يقوم حتى يقوم لصلاة الفجر ، غير أني لم أسمعه يقول : إلا خيراً ، فلما مرت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله ، قلت : يا عبد الله لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجر ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول كذا وكذا ، فأردت أن أعرف عملك ، فلم أرك تعمل عملاً كثيراً ، فما الذي بلغ بك ذاك ؟
قال : ما هو إلا ما رأيت. فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لم أجد على أحد من المسلمين في نفسي عيباً ولا حسداً على خير أعطاه الله إياه ، فقال عبد الله : هي التي بلغت بك وهي التي لا تطاق". الثالث : قال عليه السلام : "دب إليكم داء الأمم قبلكم ، الحسد والبغضاء والبغضة هي الحالقة ، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين". الرابع : قال : "إنه سيصيب أمتي داء الأمم ، قالوا : ما داء الأمم ؟
قال : الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباعد والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج". الخامس : أن موسى عليه السلام لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلاً يغبط بمكانه وقال : إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال : أحدثك من عمله ثلاثاً : كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله ، وكان لا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة. السادس : قال عليه السلام : "إن لنعم الله أعداء ، قيل : وما أولئك ؟
قال : الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله". السابع : قال عليه السلام : "ستة يدخلون النار قبل الحساب ، الأمراء بالجور ، والعرب بالعصبية والدهاقين بالتكبر ، والتجار بالخيانة ، وأهل الرستاق بالجهالة ، والعلماء بالحسد".
جزء : 3 رقم الصفحة : 644
أما الآثار ، فالأول : حكي أن عوف بن عبد الله دخل على الفضل بن المهلب وكان يومئذ على واسط/ فقال : إني أريد أن أعظك بشيء ، إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس ، ثم قرأ : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـا ئِكَةِ اسْجُدُوا لادَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} (البقرة : 34) وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة. أسكنه الله في جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها ، فأخرجه الله ، ثم قرأ : {اهْبِطَا مِنْهَا} (طه : 123) وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين حسده ، ثم قرأ : {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ} (المائدة : 27). الثاني : قال ابن الزبير : ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة ، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار. الثالث : قال رجل للحسن : هل يحسد المؤمن ؟
قال : ما أنساك بني يعقوب إلا أنه لا يضرك ما لم تعد به يداً ولساناً. الرابع : قال معاوية : كل الناس أقدر على / رضاه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة. الخامس : قيل : الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلاً ، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضاً ، ولا ينال من الخلق إلا جزعاً وغماً ، ولا ينال عند الفزع إلا شدة وهولاً ، وعند الموقف إلا فضيحة ونكالاً.
جزء : 3 رقم الصفحة : 644
(1/551)

المسألة الثانية : في حقيقة الحسد : إذا أنعم الله على أخيك فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد ، وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة ، أما الأول : فحرام بكل حال ، إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر يستعين بها على الشر والفساد فلا يضرك محبتك لزوالها فإنك ما تحب زوالها من حيث إنها نعمة ، بل من حيث إنها يتوسل بها إلى الفساد والشر والأذى. والذي يدل على أن الحسد ما ذكرنا آيات. أحدها : هذه الآية وهي قوله تعالى : {لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنا بَعْدِ إِيمَـانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم} فأخبر أن حبهم زوال نعمة الإيمان حسد. وثانيها : قوله تعالى : {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَآءً } (النساء : 89). وثالثها : قوله تعالى : {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا } (آل عمران : 120) وهذا الفرح شماتة ، والحسد والشماتة متلازمان. ورابعها : ذكر الله تعالى حسد إخوة يوسف وعبر عما في قلوبهم بقوله : {قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى ا أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَـالٍ مُّبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} (يوسف : 8 ، 9) فبين تعالى أن حسدهم له عبارة عن كراهتهم حصول تلك النعمة له. وخامسها : قوله تعالى : {وَلا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا } (الحشر : 9) أي لا تضيق به صدورهم ولا يغتمون ، فأثنى الله عليهم بعدم الحسد. وسادسها : قال تعالى في معرض الإنكار : {مَآ ءَاتَـاـاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِه ا فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَاهِيمَ} (النساء : 54). وسابعها : قال الله تعالى : {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّانَ} (البقرة : 213) إلى قوله : {إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنا بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَـاتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ } (الشورى : 14) قيل في التفسير : حسداً. وثامنها : قوله تعالى : {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنا بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ } فأنزل الله العلم ليؤلف بينهم على طاعته فتحاسدوا واختلفوا ، إذ أراد كل واحد أن ينفرد بالرياسة وقبول القول. وتاسعها : قال ابن عباس : كانت اليهود قبل مبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قوماً قالوا : نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا تنصرنا/ فكانوا ينصرون ، فلما جاء النبي عليه السلام من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه فقال تعالى :
جزء : 3 رقم الصفحة : 644
(1/552)

{وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } (البقرة : 19) إلى قوله : {أَن يَكْفُرُوا بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا} (البقرة : 90) أي حسداً. وقالت صفية بنت حيي للنبي عليه السلام : جاء أبي وعمي من عندك فقال أبي لعمي ما تقول فيه ؟
قال : أقول : إنه النبي الذي بشر به موسى عليه السلام ، قال : فما ترى ؟
قال : أرى معاداته أيام الحياة ، فهذا حكم الحسد. أما المنافسة فليست بحرام وهي مشتقة من النفاسة ، والذي يدل على أنها ليست بحرام وجوه. أولها : قوله تعالى : {وَفِى ذَالِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَـافِسُونَ} (المطففين : 26). وثانيها : قوله تعالى : {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} وإنما المسابقة عند خوف الفوت وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة / مولاهما إذ يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها. وثالثها : قوله عليه السلام : "لا حسد إلا في اثنتين ، رجل آتاه الله مالاً فأنفقه في سبيل الله ، ورجل آتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلمه الناس". وهذا الحديث يدل على أن لفظ الحسد قد يطلق على المنافسة ، ثم نقول : المنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة ، أما الواجبة فكما إذا كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة ، فههنا يجب عليه أن يكون له مثل ذلك ، لأنه إن لم يحب ذلك كان راضياً بالمعصية وذلك حرام ، وأما إن كانت تلك النعمة من الفضائل المندوبة كالإنفاق في سبيل الله والتشمير لتعليم الناس كانت المنافسة فيها مندوبة ، وأما إن كانت تلك النعمة من المباحات كانت المنافسة فيها من المباحات ، وبالجملة فالمذموم أن يحب زوالها عن الغير ، فأما أن يحب حصولها له وزوال النقصان عنه فهذا غير مذموم ، لكن ههنا دقيقة وهي أن زوال النقصان عنه بالنسبة إلى الغير له طريقان. أحدهما : أن يحصل له مثل ما حصل للغير. والثاني : أن يزول عن الغير ما لم يحصل له فإذا حصل اليأس عن أحد الطريقين فيكاد القلب لا ينفك عن شهوة الطريق الآخر ، فههنا إن وجد قلبه بحيث لو قدر على إزالة تلك الفضيلة عن تلك الشخص لأزالها ، فهو صاحب الحسد المذموم وإن كان يجد قلبه بحيث تردعه التقوى عن إزالة تلك النعمة عن الغير فالمرجو من الله تعالى أن يعفو عن ذلك ، ولعل هذا هو المراد من قوله عليه السلام : "ثلاث لا ينفك المؤمن منهن ، الحسد والظن والطيرة ، ثم قال : وله منهم مخرج إذا حسدت فلا تبغ" ، أي إن وجدت في قلبك شيئاً فلا تعمل به ، فهذا هو الكلام في حقيقة الحسد وكله من كلام الشيخ الغزالي رحمة الله عليه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 644
المسألة الثالثة : في مراتب الحسد ، قال الغزالي رحمه الله هي أربعة. الأولى : أن يحب زوال تلك النعمة وإن كان ذلك لا يحصل له وهذا غاية الحسد. والثانية : أن يحب زوال تلك النعمة عنه إلا وذلك مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جملة أو ولاية نافذة نالها غيره وهو يحب أن تكون له ، فالمطلوب بالذات حصوله له ، فأما زواله عن غيره فمطلوب بالعرض. الثالثة : أن لا يشتهي عنها بل يشتهي لنفسه مثلها ، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها لكي لا يظهر التفاوت بينهما. الرابعة : أن يشتهي لنفسه مثلها ، فإن لم يحصل فلا يحب زوالها ، وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا والمندوب إليه إن كان في الدين ، والثالثة : منها مذمومة وغير مذمومة ، والثانية : أخف من الثالثة ، والأول : مذموم محض قال تعالى : {وَلا تَتَمَنَّوا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِه بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } (النساء : 32) فتمنيه لمثل ذلك غير مذموم وأما تمنيه عين ذلك فهو مذموم.
المسألة الرابعة : ذكر الشيخ الغزالي رحمة الله عليه للحسد سبعة أسباب :
السبب الأول : العداوة والبغضاء ، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه ، وذلك / الغضب يولد الحقد والحقد يقتضي التشفي والانتقام ، فإن عجز المبغض عن التشفي بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان ، فمهما أصاب عدوه آفة وبلاء فرح ، ومهما أصابته نعمة ساءته ، وذلك لأنه ضد مراده ، فالحسد من لوازم البغض والعداوة ولا يفارقهما ، وأقصى الإمكان في هذا الباب أن لا يظهر تلك العداوة من نفسه وأن يكره تلك الحالة من نفسه ، فأما أن يبغض إنساناً ثم تستوي عنده مسرته ومساءته فهذا غير ممكن ، وهذا النوع من الحسد هو الذي وصف الله الكفار به ، إذ قال : {هَـا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَـابِ كُلِّه وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الانَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ } (آل عمران : 119 ، 120) وكذا قال : {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} (آل عمران : 118). واعلم أن الحسد ربما أفضى إلى التنازع والتقاتل.
(1/553)

السبب الثاني : التعزز ، فإن واحداً من أمثاله إذا نال منصباً عالياً ترفع عليه وهو لا يمكنه تحمل ذلك ، فيريد زوال ذلك المنصب عنه وليس من غرضه أن يتكبر ، بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد يرضى بمساواته ولكنه لا يرضى بترفعه عليه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 644
السبب الثالث : أن يكون في طبيعته أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض ، ومن هذا الباب كان حسد أكثر الكفار للرسول عليه الصلاة والسلام إذ قالوا : كيف يتقدم علينا غلام يتيم وكيف نطأطيء له رؤوسنا ؟
فقالوا : (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) وقال تعالى يصف قول قريش : {أَهَـا ؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنا بَيْنِنَآ } (الأنعام : 53) كالاستحقار بهم والأنفة منهم.
السبب الرابع : التعجب كما أخبر الله عن الأمم الماضية إذ قالوا : {إِنْ أَنتُمْ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُنَا} (إبراهيم : 10) ، وقالوا : {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـابِدُونَ} (المؤمنون : 47) ، {وَ لئن أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَـاسِرُونَ} (المؤمنون : 34) وقالوا متعجبين : {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولا} (الإسراء : 94) وقالوا : {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَـا اـاِكَةُ} (الفرقان : 21) وقال : {عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} (الأعراف : 63/69).
السبب الخامس : الخوف من فوت المقاصد وذلك يختص بالمتزاحمين على مقصود واحد ، فإن كل واحد منهما يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عوناً له في الانفراد بمقصوده ، ومن هذا الباب تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية ، وتحاسد الأخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلوب الأبوين للتوصل إلى مقاصد المال والكرامة ، وكذلك تحاسد الواعظين المتزاحمين على أهل بلدة واحدة ، إذ كان غرضهما نيل المال والقبول عندهم.
السبب السادس : حب الرياسة وطلب الجاه نفسه من غير توسل به إلى مقصوده ، وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون ، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته وزوال النعمة التي بها يشاركه في المنزلة من شجاعة أو علم أو زهد أو ثروة ويفرح بسبب تفرده.
/ السبب السابع : شح النفس بالخير على عباد الله ، فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ولا بكبر ولا بطلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق عليه ذلك ، وإذا وصف اضطراب أمور الناس وإدبارهم وتنغص عيشهم فرح به فهو أبداً يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده/ كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته ، ويقال : البخيل من بخل بمال غيره ، فهذا يبخل بنعمة الله على عباده الذين ليس بينهم وبينه لا عداوة ولا رابطة وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث النفس ورذالة جبلته في الطبع ، لأن سائر أنواع الحسد يرجى زواله لإزالة سببه ، وهذا خبث في الجبلة لا عن سبب عارض فتعسر إزالته. فهذه هي أسباب الحسد ، وقد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد فيعظم فيه الحسد ويقوى قوة لا يقوى صاحبها معها على الإخفاء والمجاملة بل يهتك حجاب المجاملة ويظهر العداوة بالمكاشفة وأكثر المحاسدات تجتمع فيها جملة من هذه الأسباب وقلما يتجرد واحد منها.
جزء : 3 رقم الصفحة : 644
(1/554)

المسألة الخامسة : في سبب كثرة الحسد وقلته وقوته وضعفه. اعلم أن الحسد إنما يكثر بين قوم تكثر فيهم الأسباب التي ذكرناها ، إذ الشخص الواحد يجوز أن يحسد لأنه يمتنع من قول المتكبر ولأنه يتكبر ولأنه عدو لغير ذلك من الأسباب وهذه الأسباب إنما تكثر بين قوم تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض والمنازعة مظنة المنافرة ، والمنافرة مؤدية إلى الحسد فحيث لا مخالطة فليس هناك محاسدة ، ولما لم توجد الرابطة بين شخصين في بلدين لا جرم لم يكن بينهما محاسدة ، فلذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد والعابد يحسد العابد دون العالم ، والتاجر يحسد التاجر ، بل الاسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزاز ، ويحسد الرجل أخاه وابن عمه أكثر مما يحسد الأجانب والمرأة تحسد ضرتها وسريَّة زوجها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته ، لأن مقصد البزاز غير مقصد الإسكاف فلا يتزاحمون على المقاصد ، ثم مزاحمة البزاز المجاور له أكثر من مزاحمة البعيد عنه إلى طرف السوق وبالجملة فأصل الحسد العداوة وأصل العداوة التزاحم على غرض واحد والغرض الواحد لا يجمع متباعدين بل لا يجمع إلا متناسبين ، فلذلك يكثر الحسد بينهم ، نعم من اشتد حرصه على الجاه العريض والصيت في أطراف العالم فإنه يحسد كل من في العالم ممن يشاركه في الخصلة التي يتفاخر بها ، أقول : والسبب الحقيقي فيه أن الكمال محبوب بالذات وضد المحبوب مكروه ومن جملة أنواع الكمال التفرد بالكمال ، فلا جرم كان الشريك في الكمال مبغضاً لكونه منازعاً في الفردانية التي هي من أعظم أبواب الكمال ، إلا أن هذا النوع من الكمال لما امتنع حصوله إلا الله سبحانه ووقع اليأس عنه فاختص الحسد بالأمور الدنيوية ، وذلك لأن الدنيا لا تفي بالمتزاحمين ، أما الآخرة فلا ضيق فيها ، وإنما مثال الآخرة نعمة العلم ، فلا جرم من يحب معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وملائكته فلا يحسد غيره إذا عرف ذلك ، لأن المعرفة لا تضيق على العارفين بل المعلوم الواحد يعرفه ألف / ألف ويفرح بمعرفته ويلتذ به ولا تنقص لذة أحد بسبب غيره ، بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس ، فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة لأن مقصدهم معرفة الله ، وهي بحر واسع لا ضيق فيها وغرضهم المنزلة عند الله ولا ضيق فيها ، نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه ، تحاسدوا لأن المال أعيان إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر ، ومعنى الجاه ملء القلوب ، ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر ، أما إذا امتلأ قلب بالفرح بمعرفة الله لم يمنع ذلك أن يمتلىء قلب غيره وأن يفرح به فلذلك وصفهم الله تعالى بعدم الحسد فقال : {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَـابِلِينَ} (الحجر : 47).
جزء : 3 رقم الصفحة : 644
(1/555)

المسألة السادسة : في الدواء المزيل للحسد وهو أمران : العلم والعمل. أما العلم ففيه مقامان إجمالي وتفصيلي ، أما الإجمالي فهو أن يعلم أن كل ما دخل في الوجود فقد كان ذلك من لوازم قضاء الله وقدره/ لأن الممكن ما لم ينته إلى الواجب لم يقف ، ومتى كان كذلك فلا فائدة في النفرة عنه ، وإذا حصل الرضا بالقضاء زال الحسد. وأما التفصيلي فهو أن تعلم أن الحسد ضرر عليك في الدين والدنيا ، وأنه ليس فيه على المحسود ضرر في الدين والدنيا ، بل ينتفع به في الدين والدنيا ، أما أنه ضرر عليك في الدين فمن وجوه. أحدها : أنك بالحسد كرهت حكم الله ونازعته في قسمته التي قسمها لعباده وعدله الذي أقامه في خلقه بخفي حكمته ، وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الإيمان. وثانيها : أنك إن غششت رجلاً من المؤمنين فارقت أولياء الله في حبهم الخير لعباد الله وشاركت إبليس وسائر الكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا ، وثالثها : العقاب العظيم المرتب عليه في الآخرة ، وأما كونه ضرراً عليك في الدنيا فهو أنك بسبب الحسد لا تزال تكون في الغم والكمد وأعداؤك لا يخليهم الله من أنواع النعم فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم فتبقى أبداً مغموماً مهموماً ، فقد حصل لك ما أردت حصوله لأعدائك وأراد أعداؤك حصوله لك فقد كنت تريد المحنة لعدوك فسعيت في تحصيل المحنة لنفسك. ثم إن ذلك الغم إذا استولى عليك أمرض بدنك وأزال الصحة عنك وأوقعك في الوساوس ونغص عليك لذة المطعم والمشرب. وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك ، بل ما قدره الله من إقبال ونعمة فلا بد وأن يدوم إلى أجل قدرة الله ، فإن كان كل شيء عنده بمقدار ولكل أجل كتاب ، ومهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا عليه إثم في الآخرة ، ولعلك تقول : ليت النعمة كانت لي وتزول عن المحسود بحسدي وهذا غاية الجهل فإنه بلاء تشتهيه أولاً لنفسك فإنك أيضاً لا تخلو عن عدو يحسدك ، فلو زالت النعمة بالحسد لم يبق لله عليك نعمة لا في الدين ولا في الدنيا ، وإن اشتهيت أن تزول النعمة عن الخلق بحسدك ولا تزول عنك بحسد غيرك فهذا أيضاً جهل ، فإن كل واحد من حمقى الحساد يشتهي أن يختص بهذه الخاصية ، ولست أولى بذلك من الغير ، فنعمة الله عليك في أن لم يزل النعمة بالحسد / مما يجب شكرها عليك وأنت بجهلك تكرهها. وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح ، أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجت الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساوئه ، فهي هدايا يهديها الله إليه ، أعني أنك تهدي إليه حسناتك فإنك كلما ذكرته بسوء نقل إلى ديوانه حسناتك وازدادت سيئاتك ، فكأنك اشتهيت زوال نعم الله عنه إليك فأزيلت نعم الله عنك إليه ، ولم تزل في كل حين وأوان تزداد شقاوة ، وأما منفعته في الدنيا فمن وجوه. الأول : أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء وكونهم مغمومين معذبين ولا عذاب أعظم مما أنت فيه من ألم الحسد ، بل العاقل لا يشتهي موت عدوه بل يريد طول حياته ليكون في عذاب الحسد لينظر في كل حين وأوان إلى نعم الله عليه فيتقطع قلبه بذلك ، ولذلك قيل :
جزء : 3 رقم الصفحة : 644
لا مات أعداؤك بل خلدوا
حتى يروا منك الذي يكمد
لا زلت محسوداً على نعمة
فإنما الكامل من يحسد
(1/556)

الثاني : أن الناس يعلمون أن المحسود لا بد وأن يكون ذا نعمة فيستدلون بحسد الحاسد على كونه مخصوصاً من عند الله بأنواع الفضائل والمناقب ، وأعظم الفضائل مما لا يستطاع دفعه وهو الذي يورث الحسد فصار الحسد من أقوى الدلائل على اتصاف المحسود بأنواع الفضائل والمناقب. الثالث : أن الحاسد يصير مذموماً بين الخلق ملعوناً عند الخالق وهذا من أعظم المقاصد للمحسود. الرابع : وهو أنه سبب لازدياد مسرة إبليس وذلك لأن الحاسد لما خلا عن الفضائل التي اختص المحسود بها فإن رضي بذلك استوجب الثواب العظيم فخاف إبليس من أن يرضى بذلك فيصير مستوجباً لذلك الثواب ، فلما لم يرض به بل أظهر الحسد فاته ذلك الثواب واستوجب العقاب فيصير ذلك سبباً لفرح إبليس وغضب الله تعالى. الخامس : أنك عساك تحسد رجلاً من أهل العلم وتحب أن يخطىء في دين الله وتكشف خطأه ليفتضح وتحب أن يخرس لسانه حتى لا يتكلم أو يمرض حتى لا يعلم ولا يتعلم وأي إثم يزيد على ذلك ، وأي مرتبة أخس من هذه. وقد ظهر من هذه الوجوه أيها الحاسد أنك بمثابة من يرمي حجراً إلى عدوه ليصيب به مقتله فلا يصيبه ، بل يرجع إلى حدقته اليمنى فيقلعها فيزداد غضبه فيعود ويرميه ثانياً أشد من الأول فيرجع الحجر على عينه الأخرى فيعميه فيزداد غيظه ويعود ثالثاً فيعود على رأسه فيشجه وعدوه سالم في كل الأحوال ، والوبال راجع إليه دائماً وأعداؤه حواليه يفرحون به ويضحكون عليه ، بل حال الحاسد أقبح من هذا لأن الحجر العائد لم يفوت إلا العين ولو بقيت لفاتت بالموت ، وأما حسده فإنه يسوق إلى غضب الله وإلى النار ، فلأن تذهب عينه في الدنيا خير له من أن يبقى له عين ويدخل بها النار فانظر كيف انتقم الله من الحاسد إذا أراد زوال النعمة عن المحسود فما أزالها عنه ثم أزال نعمة الحاسد تصديقاً لقوله تعالى : {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِه } (فاطر : 43) فهذه الأدوية العلمية فمهما تفكر / الإنسان فيها بذهن صاف وقلب حاضر انطفأ من قلبه نار الحسد ، وأما العمل النافع فهو أن يأتي بالأفعال المضادة لمقتضيات الحسد ، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسانه المدح له وإن حمله على التكبر عليه كلف نفسه التواضع له وإن حمله على قطع أسباب الخير عنه كلف نفسه السعي في إيصال الخيرات إليه ، فمهما عرف المحسود ذلك طاب قلبه وأحب الحاسد وذلك يفضي آخر الأمر إلى زوال الحسد من وجهين. الأول : أن المسحود إذا أحب الحاسد فعل ما يحبه الحاسد فحينئذ يصير الحاسد محباً للمحسود ويزول الحسد حينئذ. الثاني : أن الحاسد إذا أتى بضد موجبات الحسد على سبيل التكلف يصير ذلك بالآخرة طبعاً له فيزول الحسد عنه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 644
المسألة السابعة : اعلم أن النفرة القائمة بقلب الحاسد من المحسود أمر غير داخل في وسعه ، فكيف يعاقب عليه ؟
وأما الذي في وسعه أمران ، أحدهما : كونه راضياً بتلك النفرة ، والثاني : إظهار آثار تلك النفرة من القدح فيه والقصد إلى إزالة تلك النعمة عنه وجر أسباب المحبة إليه ، فهذا هو الداخل تحت التكليف ، ولنرجع إلى التفسير :
أما قوله تعالى : {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَـابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنا بَعْدِ إِيمَـانِكُمْ كُفَّارًا} فالمراد أنهم كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعد ما تبين لهم أن الإيمان صواب وحق ، والعالم بأن غيره على حق لا يجوز أن يريد رده عنه إلا بشبهة يلقيها إليه ، لأن المحق لا يعدل عن الحق إلا بشبهة والشبهة ضربان ، أحدهما : ما يتصل بالدنيا وهو أن يقال لهم : قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم وضيق الأمر عليكم واستمرار المخافة بكم ، فاتركوا الإيمان الذي ساقكم إلى هذه الأشياء ، والثاني : في باب الدين : بطرح الشبه في المعجزات أو تحريف ما في التوراة.
أما قوله تعالى : {حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى بين أن حبهم لأن يرجعوا عن الإيمان إنما كان لأجل الحسد. قال الجبائي : عني بقوله : {كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم} أنهم لم يؤتوا ذلك من قبله تعالى وإن كفرهم هو فعلهم لا من خلق الله فيهم/ والجواب أن قوله : {مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم} فيه وجهان ، أحدهما : أنه متعلق بـ "ود" على معنى أنهم أحبوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق فكيف يكون تمنيهم من قبل طلب الحق ؟
الثاني : أنه متعلق بحسد أي حسد عظيم منبعث من عند أنفسهم.
(1/557)

أما قوله تعالى : {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا } فهذا يدل على أن اليهود بعدما أرادوا صرف المؤمنين عن الإيمان احتالوا في ذلك بإلقاء الشبه على ما بيناه ، ولا يجوز أن يأمرهم تعالى بالعفو والصفح على وجه الرضا بما فعلوا ، لأن ذلك كفر ، فوجب حمله على أحد أمرين ، الأول : أن المراد ترك المقابلة والإعراض عن الجواب ، لأن ذلك أقرب إلى تسكين الثائرة في الوقت ، فكأنه تعالى أمر الرسول بالعفو والصفح عن اليهود فكذا أمره بالعفو والصفح عن مشركي العرب بقوله / تعالى : {قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} (الجاثية : 14) وقوله : {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا} (المزمل : 10) ولذلك لم يأمر بذلك على الدوام بل علقه بغاية فقال : {وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِه } وذكروا فيه وجوه ، أحدها : أنه المجازاة يوم القيامة عن الحسن ، وثانيها : أنه قوة الرسول وكثرة أمته. وثالثها : وهو قول أكثر الصحابة والتابعين ، إنه الأمر بالقتال لأن عنده يتعين أحد أمرين : إما الإسلام ، وإما الخضوع لدفع الجزية وتحمل الذل والصغار ، فلهذا قال العلماء : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعلاى : {قَـاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الاخِرِ} (التوبة : 29) وعن الباقر رضي الله عنه أنه لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بقتال حتى نزل جبريل عليه السلام بقوله : {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } (الحج : 39) وقلده سيف فكان أول قتال قاتل أصحاب عبد الله بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر ، وههنا سؤالان :
جزء : 3 رقم الصفحة : 644
السؤال الأول : كيف يكون منسوخاً وهو معلق بغاية كقوله : {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ } (البقرة : 187) وإن لم يكن ورود الليل ناسخاً فكذا ههنا ، الجواب : أن الغاية التي يعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعاً لم يخرج ذلك الوارد شرعاً عن أن يكون ناسخاً ويحل محل قوله : {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا } إلى أن أنسحه عنكم. السؤال الثاني : كيف يعفون ويصفحون والكفار كانوا أصحاب الشوكة والقوة والصفح لا يكون إلا عن قدرة ؟
والجواب : أن الرجل من المسلمين كان ينال بالأذى فيقدر في تلك الحالة قبل اجتماع الأعداء أن يدفع عدوه عن نفسه وأن يستعين بأصحابه ، فأمر الله تعالى عند ذلك بالعفو والصفح كي لا يهيجوا شراً وقتالاً.
القول الثاني : في التفسير قوله : {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا } حسن الاستدعاء ، واستعمل ما يلزم فيه من النصح والإشفاق والتشدد فيه ، وعلى هذا التفسير لا يجوز نسخه وإنما يجوز نسخه على التفسير الأول.
أما قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} فهو تحذير لهم بالوعيد سواء حمل على الأمر بالقتال أو غيره.
جزء : 3 رقم الصفحة : 644
5
اعلم أنه تعالى أمر بالعفو والصفح عن اليهود ، ثم عقبه بقوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـاقَ بَنِى } تنبيهاً على أنه كما ألزمهم لحظ الغير وصلاحه العفو والصفح ، فكذلك ألزمهم لحظ أنفسهم وصلاحها القيام بالصلاة والزكاة الواجبتين ، ونبه بهما على ما عداهما من الواجبات. ثم قال بعده : {وَمَا تُقَدِّمُوا لانفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ} والأظهر أن المراد به التطوعات من الصلوات والزكوات ، وبين تعالى أنهم يجدونه وليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال لأنها لا تبقى ولأن وجدان عين تلك الأشياء لا يرغب فيه ، فبقي أن المراد وجدان ثوابه وجزائه ، ثم قال : {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي أنه لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال وهو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى يجازي على القليل كما يجازي على الكثير ، وتحذير من خلافه الذي هو الشر ، وأما الخير فهو النفع الحسن وما يؤدي إليه ، فلما كان ما يأتيه المرء من الطاعة يؤدي به إلى المنافع العظيمة ، وجب أن يوصف بذلك ، وعلى هذا الوجه قال تعالى : {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (الحج : 77).
جزء : 4 رقم الصفحة : 5
5
(1/558)

اعلم أن هذا هو النوع الرابع من تخليط اليهود وإلقاء الشبه في قلوب المسلمين ، واعلم أن اليهود / لا تقول في النصارى : إنها تدخل الجنة ، ولا النصارى في اليهود ، فلا بد من تفصيل في الكلام فكأنه قال : وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، ولا يصح في الكلام سواه ، مع علمنا بأن كل واحد من الفريقين يكفر الآخر ، ونظيره : {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَـارَى } (البقرة : 135) والهود : جمع هائد ، كعائذ وعوذ وبازل وبزل ، فإن قيل : كيف قيل : كان هوداً ، على توحيد الاسم ، وجمع الخبر ؟
قلنا : حمل الاسم على لفظ (من) والخبر على معناه كقراءة الحسن : {إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} (الصافات : 163) وقرأ أبي بن كعب : {إِلا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـارَى } أما قوله تعالى : {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } فالمراد أن ذلك متمنياتهم ، ثم إنهم لشدة تمنيهم لذلك قدروه حقاً في نفسه ، فإن قيل : لم قال : {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } وقولهم : {لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ} أمنية واحدة ؟
قلنا : أشير بها إلى الأماني المذكورة ، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم ، وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً ، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم ، أي : تلك الأماني الباطلة أمانيهم ، وقوله تعالى : {قُلْ هَاتُوا بُرْهَـانَكُمْ} متصل بقوله : {لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـارَى } و{تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } اعتراض ، قال عليه الصلاة والسلام "الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني" وقال علي رضي الله عنه : "لا تتكل على المنى فإنها بضائع التولي".
أما قوله تعالى : {قُلْ هَاتُوا بُرْهَـانَكُمْ} ففيه مسائل :
جزء : 4 رقم الصفحة : 5
المسألة الأولى : هات : صوت بمنزلة هاء في معنى أحضر.
المسألة الثانية : دلت الآية على أن المدعي سواء ادعى نفياً ، أو إثباتاً ، فلا بد له من الدليل والبرهان ، وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد قال الشاعر :
من ادعى شيئاً بلا شاهد
لا بد أن تبطل دعواه
أما قوله تعالى : {بَلَى } ففيه وجوه. الأول : أنه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة. الثاني : أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان أثبت أن لمن أسلم وجهه لله برهاناً. الثالث : كأنه قيل لهم : أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة ، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة ، فيكون ذلك ترغيباً لهم في الإسلام ، وبياناً لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يقلعوا عما هم عليه ويعدلوا إلى هذه الطريقة ، فأما معنى : {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَه لِلَّهِ} فهو إسلام النفس لطاعة الله ، وإنما خص الوجه بالذكر لوجوه. أحدها : لأنه أشرف الأعضاء من حيث أنه معدن الحواس والفكر والتخيل ، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى. وثانيها : أن الوجه قد يكنى به عن النفس ، قال الله تعالى : {كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَه } ، (القصص : 88) {إِلا ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الاعْلَى } (الليل : 20). وثالثها : أن اعظم العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه فلا جرم خص الوجه بالذكر ، ولهذا قال زيد بن عمرو بن نفيل.
/ وأسلمت وجهي لمن أسلمت
له الأرض تحمل صخراً ثقالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت
له المزن تحمل عذباً زلالا
فيكون المرء واهباً نفسه لهذا الأمر باذلالها ، وذكر الوجه وأراد به نفس الشيء ، وذلك لا يكون إلا بالانقياد والخضوع وإذلال النفس في طاعته وتجنب معاصيه ، ومعنى (لله) أي : خالصاً لله لا يشوبه شرك ، فلا يكون عابداً مع الله غيره ، أو معلقاً رجاءه بغيره ، وفي ذلك دلالة على أن المرء لا ينتفع بعمله إلا إذا فعله على وجه العبادة في الإخلاص والقربة.
جزء : 4 رقم الصفحة : 5
(1/559)

أما قوله تعالى : {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي : لا بد وأن يكون تواضعه لله بفعل حسن لا بفعل قبيح ، فإن الهند يتواضعون لله لكن بأفعال قبيحة ، وموضع قوله : {وَهُوَ مُحْسِنٌ} موضع حال كقولك : جاء فلان وهو راكب ، أي جاء فلان راكباً ، ثم بين أن من جمع بين هذين فله أجره عند ربه ، يعني به الثواب العظيم ، ثم مع هذا النعيم لا يلحقه خوف ولا حزن ، فأما الخوف فلا يكون إلا من المستقبل ، وأما الحزن فقد يكون من الواقع والماضي كما قد يكون من المستقبل فنبه تعالى بالأمرين على نهاية السعادة لأن النعيم العظيم إذا دام وكثر وخلص من الخوف والحزن فلا يحزن على أمر فاته ولا على أمر يناله ولا يخاف انقطاع ما هو فيه وتغيره فقد بلغ النهاية وفي ذلك ترغيب في هذه الطريقة وتحذير من خلافها الذي هو طريقة الكفار المذكورين من قبل ، واعلم أنه تعالى وحد أولاً ثم جمع ، ومثله قوله : {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِى السَّمَـاوَاتِ} (النجم : 26) ثم قال : {شَفَـاعَتُهُمْ} وقوله : {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} (الأنعام : 25) وقال في موضع آخر : {يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } (يونس : 42) (الإسراء : 47) وقال : {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى ا إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ} (محمد : 16) ولم يقل : خرج ، واعلم أنا لما فسرنا قوله : {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَه لِلَّهِ} بالإخلاص فلنذكر ههنا حقيقة الإخلاص وذلك لا يمكن بيانه إلا في مسائل :
المسألة الأولى : في فضل النية قال عليه الصلاة والسلام : "إنما الأعمال بالنيات" ، وقال : "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم" وفي الإسرائيليات أن رجلاً مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه : لو كان هذا الرمل طعاماً لقسمته بين الناس فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل له : إن الله قبل صدقتك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاماً فتصدقت به.
المسألة الثانية : الإنسان إذا علم أو ظن أو اعتقد أن له في فعل من الأفعال جلب نفع أو دفع ضر ظهر في قلبه ميل وطلب ، وهو صفة تقتضي ترجيح وجود ذلك الشيء على عدمه ، وهي الإرادة فهذه الإرادة هي النية والباعث له على تلك النية ذلك العلم أو الاعتقاد أو الظن ، إذا عرفت هذا فنقول : الباعث على الفعل إما أن يكون أمراً واحداً ، وإما أن يكون أمرين ، وعلى التقدير الثاني فإما أن يكون كل واحد منهما مستقلاً بالبعث ، أو لا يكون واحد منهما مستقلاً بذلك ، أو يكون أحدهما مستقلاً بذلك دون الآخر ، فهذه أقسام أربعة. الأول : أن يكون الباعث واحداً / وهو كما إذا هجم على الإنسان سبع فلما رآه قام من مكانه فهذا الفعل لا داعي إليه إلا اعتقاده ما في الهرب من النفع وما في ترك الهرب من الضرر ، فهذه النية تسمى خالصة ، ويسمى العمل بموجبها إخلاصاً. الثاني : أن يجتمع على الفعل باعثان مستقلان ، كما إذا سأله رفيقه الفقير حاجة فيقضيها لكونه رفيقاً له ، وكونه فقيراً ، مع كون كل واحد من الوصفين بحيث لو انفرد لاستقل بالاستقضاء ، واسم هذا موافقة الباعث. الثالث : أن لا يستقل واحد منهما لو انفرد ، لكن المجموع مستقل ، واسم هذا مشاركة. الرابع : أن يستقل أحدهما ويكون الآخر معاضداً مثل أن يكون للإنسان ورد من الطاعات فاتفق أن حضر في وقت أدائها جماعة من الناس فصار الفعل عليه أخف بسبب مشاهدتهم ، واسم هذا معاونة.
جزء : 4 رقم الصفحة : 5
(1/560)

المسألة الثالثة : في تفسير قوله عليه السلام : "نية المؤمن خير من عمله" ذكروا فيه وجوهاً. أحدها : أن النية سر ، والعمل علن ، وطاعة السر أفضل من طاعة العلانية ، وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي أن تكون نية الصلاة خيراً من نفس الصلاة. وثانيها : النية تدوم إلى آخر العمل ، والأعمال لا تدوم ، والدائم خير من المنقطع ، وهذا ليس بشيء لأنه يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من العمل القليل ، وأيضاً فنية عمل الصلاة قد لا تحصل إلا في لحظات قليلة ، والأعمال تدوم ، وثالثها : أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده ، وهو ضعيف ، إذ العمل بلا نية لا خير فيه ، وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخيرية. ورابعها : أن لا يكون المراد من الخير إثبات الأفضلية بل المراد أن النية خير من الخيرات الواقعة بعمله ، وهو ضعيف ، لأن حمل الحديث عليه لا يفيد إلا إيضاح الواضحات ، بل الوجه الجيد في التأويل أن يقال : النية ما لم تخل عن جميع أنواع الفتور لا تكون نية جازمة ، ومتى خلت عن جميع جهات الفتور وجب ترتب الفعل عليها لو لم يوجد عائق ، وإذا كان كذلك : ثبت أن النية لا تنفك البتة عن الفعل ، فيدعى أن هذه النية أفضل من ذلك العمل ، وبيانه من وجوه. أولها : أن المقصود من جميع الأعمال تنوير القلب بمعرفة الله وتطهيره عما سوى الله ، والنية صفة القلب ، والفعل ليس صفة القلب ، وتأثير صفة القلب أقوى من تأثير صفة الجوارح في القلب ، فلا جرم نية المؤمن خير من عمله. وثانيها : أنه لا معنى للنية إلا القصد إلى إيقاع تلك الأعمال طاعة للمعبود وانقياداً له ، وإنما يراد الأعمال ليستحفظ التذكر بالتكرير ، فيكون الذكر والقصد الذي في القلب بالنسبة إلى العمل كالمقصود بالنسبة إلى الوسيلة ، ولا شك أن المقصود أشرف من الوسيلة. وثالثها : أن القلب أشرف من الجسد ، ففعله أشرف من فعل الجسد ، فكانت النية أفضل من العمل.
المسألة الرابعة : اعلم أن الأعمال على ثلاثة أقسام : طاعات ، ومعاصي ، ومباحات ، أما المعاصي فهي لا تتغير عن موضوعاتها بالنية ، فلا يظن الجاهل أن قوله عليه الصلاة والسلام : "إنما الأعمال بالنيات" يقتضي انقلاب المعصية طاعة بالنية كالذي يطعم فقيراً من مال غيره ، أو يبني / مسجداً من مال حرام. الثاني : الطاعات وهي مرتبطة بالنيات في الأصل وفي الفضيلة ، أما في الأصل فهو أن ينوي بها عبادة الله تعالى ، فإن نوى الرياء صارت معصية ، وأما الفضيلة فبكثرة النيات تكثر الحسنة كمن قعد في المسجد وينوي فيه نيات كثيرة. أولها : أن يعتقد أنه بيت الله ويقصد به زيارة مولاه كما قال عليه الصلاة والسلام : "من قعد في المسجد فقد زار الله وحق على المزور إكرام زائره". وثانيها : أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون حال الإنتظار كمن هو في الصلاة. وثالثها : إغضاء السمع والبصر وسائر الأعضاء كما لا ينبغي ، فإن الإعتكاف كف وهو في معنى الصوم ، وهو نوع ترهب ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : "رهبانية أمتي القعود في المساجد". ورابعها : صرف القلب ولاسر بالكلية إلى الله تعالى. وخامسها : إزالة ما سوى الله عن القلب. وسادسها : أن يقصد إفادة علم أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر. وسابعها : أن يستفيد أخاً في الله فإن ذلك غنيمة أهل الدين. وثامنها : أن يترك الذنوب حياء من الله فهذا طريق تكثير النيات ، وقس به سائر الطاعات.
جزء : 4 رقم الصفحة : 5
القسم الثالث : سائر المباحات ولا شيء منها إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات ، فما أعظم خسران من يغفل عنها ولا يصرفها إلى القربات ، وفي الخبر : من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك ، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الحيفة فإن قلت : فاشرح لي كيفية هذه النية ، فاعلم أن القصد من التطيب إن كان هو التنعم وريحه أنتن من الحيفة ، فإن قلت : فاشرح لي كيفية هذه النية ، فاعلم أن القصد من التطيب إن كان هو التنعم بلذات الدنيا أو إظهار التفاخر بكثرة المال أو رياء الخلق أو ليتودد به إلى قلوب النساء ، فكل ذلك يجعل التطيب معصية ، وإن كان القصد إقامة السنة ودفع الروائح المؤذية عن عباد الله وتعظيم المسجد ، فهو عين الطاعة ، وإذا عرفت ذلك فقس عليه سائر المباحات ، والضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق ، وكل ما عملته لغير الله فحلالها حساب وحرامها عذاب.
(1/561)

المسألة الخامسة : اعلم أن الجاهل إذا سمع الوجوه العقلية والنقلية في أنه لا بد من النية فيقول في نفسه عند تدريسه وتجارته : نويت أن أدرس لله وأتجر لله يظن أن ذلك نية وهيهات فذاك حديث نفس أو حديث لسان والنية بمعزل عن جميع ذلك إنما النية انبعاث النفس وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلاً وإما آجلاً. والميل إذا لم يحصل لم يقدر الإنسان على اكتسابه وهو كقول الشبعان نويت أن أشتهي الطعام ، أو كقول الفارغ نويت أن أعشق ، بل لا طريق إلى اكتساب الميل إلى الشيء إلا باكتساب أسبابه وليست هي إلا تحصيل العلم بما فيه من المنافع ، ثم هذا العلم لا يوجب هذا الميل إلا عند خلو القلب عن سائر الشواغل ، فإذا غلبت شهوة النكاح ولم يعتقد في الولد غرضاً صحيحاً لا عاجلاً ولا آجلاً ، لا يمكنه أن يواقع على نية الولد بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة إذ النية هي إجابة الباعث ولا باعث إلا الشهوة فكيف ينوي الولد ؟
فثبت أن النية ليست عبارة عن القول باللسان أو بالقلب بل هي عبارة عن حصول هذا الميل ، وذلك أمر معلق بالغيب فقد يتيسر في بعض الأوقات ، وقد يتعذر في بعضها.
/ المسألة السادسة : اعلم أن نيات الناس في الطاعات أقسام : فمنهم من يكون عملهم إجابة لباعث الخوف فإنه يتقي النار ، ومنهم من يعمل لباعث الرجاء وهو الرغبة في الجنة والعامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه ، كالأجير السوء ودرجته درجة البله ، وأما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر الله والفكر فيه حباً لجلاله وسائر الأعمال مؤكدات له وهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وثواب الناس بقدر نياتهم فلا جرم صار المقربون متنعمين بالنظر إلى وجهه الكريم ونسبة شرف الالتذاذ بنعيم الجنة إلى شرف الالتذاذ بهذا المقام كنسبة نعيم الجنة إلى وجهه الكريم.
جزء : 4 رقم الصفحة : 5
9
اعلم أنه تعالى لما جمعهم في الخبر الأول فصلهم في هذه الآية ، وبين قول كل فريق منهم في الآخر ، وكيف ينكر كل طائفة دين الأخرى ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله : {لَيْسَتِ النَّصَـارَى عَلَى شَىْءٍ} أي على شيء يصح ويعتد به وهذه مبالغة عظيمة وهو كقولهم : أقل من لا شيء ، ونظيره قوله تعالى : {قُلْ يَـا أَهْلَ الْكِتَـابِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاـاةَ} (المائدة : 68) ، فإن قيل : كيف قالوا ذلك مع أن الفريقين كانا يثبتان الصانع وصفاته سبحانه وتعالى ، وذلك قول فيه فائدة ؟
قلنا : الجواب من وجهين ، الأول : أنهم لما ضموا إلى ذلك القول الحسن قولاً باطلاً يحبط ثواب الأول ، فكأنهم ما أتوا بذلك الحق. الثاني : أن يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيه ، وهي ما يتصل بباب النبوات.
المسألة الثانية : روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم ، فقالت اليهود : ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل ، وقالت النصارى لهم : نحوه وكفروا بموسى عليه السلام والتوراة.
المسألة الثالثة : اختلفوا فيمن هم الذين عناهم الله تعالى أهم الذين كانوا من بعثة عيسى عليه السلام أو في زمن محمد عليه السلام ، والظاهر الحق أنه لا دليل في الظاهر عليه وإن كان الأولى أن يحمل على كل اليهود وكل النصارى بعد بعثة عيسى عليه السلام ، ولا يجب لما نقل في سبب الآية / أن يهوديا خاطب النصارى بذلك فأنزل الله هذه الآية أن لا يراد بالآية سواه ، إذا أمكن حمله على ظاهره وقوله : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَـارَى عَلَى شَىْءٍ} يفيد العموم فما الوجه في حمله على التخصيص ومعلوم من طريقة اليهود والنصارى أنهم منذ كانوا فهذا قول كل فريق منهما في الآخر.
أما قوله تعالى : {وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَـابَ } قالوا وللحال ، والكتاب للجنس. أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلوم والتلاوة للكتب ، وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني شاهد لصحته ، فإن التوراة مصدقة بعيسى عليه السلام ، والإنجيل مصدق بموسى عليه السلام.
جزء : 4 رقم الصفحة : 9
(1/562)

أما قوله تعالى : {كَذَالِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} فإنه يقتضي أن من تقدم ذكره يجب أن يكون عالماً لكي يصح هذا الفرق ، فبين تعالى أنهم مع المعرفة والتلاوة إذا كانوا يختلفون هذا الاختلاف فكيف حال من لايعلم ، واعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلى الله عليه وسلّم فإن كل طائفة تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن ، ثم اختلفوا فيمن هم الذين لا يعلمون على وجوه. أولها : أنهم كفار العرب الذين قالوا : إن المسلمين ليسوا على شيء فبين تعالى أنه إذا كان قول اليهود والنصارى وهم يقرأون الكتب لا ينبغي أن يقبل ويلتفت إليه فقول كفار العرب أولى أن لا يلتفت إليه. وثانيها : أنه إذا حملنا قوله : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَـارَى عَلَى شَىْءٍ} على الذين كانوا حاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلّم ، حملنا قوله : {كَذَالِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} على المعاندين وعكسه أيضاً محتمل. وثالثها : أن يحمل قوله : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَـارَى عَلَى شَىْءٍ} على علمائهم ويحمل قوله : {كَذَالِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} على عوامهم فصلا بين خواصهم وعوامهم ، والأول أقرب : لأن كل اليهود والنصارى دخلوا في الآية فمن ميز عنهم بقوله : {كَذَالِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} يجب أن يكون غيرهم.
أما قوله تعالى : {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} ففيه أربعة أوجه. أحدها : قال الحسن : يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار. وثانيها ؛ حكم الانتصاف من الظالم المكذب للمظلوم المكذب. وثالثها : يريهم من يدخل الجنة عياناً ومن يدخل النار عياناً ، وهو قول الزجاج. ورابعها : يحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه والله أعلم.
جزء : 4 رقم الصفحة : 9
10
اعلم أن في هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى : اجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد بيان الشرط والجزاء ، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا فإن الله يفعل به كذا بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد وسعى في خرابها ، ثم أن الله تعالى جازاهم بما ذكر في الآية إلا أنهم اختلفوا في أن الذين منعوا من عمارة المسجد وسعوا في خرابه من هم ؟
وذكروا فيه أربعة أوجه. أولها : قال ابن عباس : أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى البقية وأحرق التوراة ، ولم يزل بيت المقدس خراباً حتى بناه أهل الإسلام في زمن عمر. وثانيها : قال الحسن وقتادة والسدي : نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وبعض النصارى أعانه على ذلك بغضاً لليهود.
قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : هذان الوجهان غلطان لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل والنصارى كانوا بعد المسيح فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس وأيضاً فإن النصارى يعتقدون في تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود وأكثر ، فكيف أعانوا على تخريبه. وثالثها : أنها نزلت في مشركي العرب الذين منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الدعاء إلى الله بمكة وألجؤه إلى الهجرة ، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام ، وقد كان الصديق رضي الله عنه بنى مسجداً عند داره فمنع وكان ممن يؤذيه ولدان قريش ونساؤهم ، وقيل : إن قوله تعالى : {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} (الإسراء : 110) نزلت في ذلك فمنع من الجهر لئلا يؤذى ، وطرح أبو جهل العذرة على ظهر لنبي صلى الله عليه وسلّم فقيل : ومن أظلم من هؤلاء المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحدون الله ولا يشركون به شيئاً ويصلون له تذللاً وخشوعاً ، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه ، وألسنتهم بالذكر له ، وجميع جسدهم بالتذلل لعظمته وسلطانه. ورابعها : قال أبو مسلم : المراد منه الذين صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية ، واستشهد بقوله تعالى :
جزء : 4 رقم الصفحة : 10
(1/563)

{هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (الفتح : 25) وبقوله : {وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (الأنفال : 34) وحمل قوله : {إِلا خَآئِفِينَ } بما يعلى الله من يده ، ويظهر من كلمته ، كما قال في المنافقين : {لَّـاـاِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَـافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلا قَلِيلا * مَّلْعُونِينَا أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا} (الأحزاب : 60 ـ 61) وعندي فيه وجه خامس وهو أقرب إلى رعاية النظم : وهو أن يقال : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة ، ولعلهم سعوا أيضاً في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها ، وسعوا أيضاً في تخريب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلّم لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة ، فعابهم الله بذلك وبين سوء طريقتهم فيه ، وهذا التأويل أولى مما قبله ، وذلك لأن الله تعالى لم يذكر في الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود / والنصارى ، وذكر أيضاً بعدها قبائح أفعالهم فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام/ وأما حمل الآية على سعي النصارى في تخريب بيت المقدس فضعيف أيضاً على ما شرحه أبو بكر الرازي ، فلم يبق إلا ما قلناه.
المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : فأما من حملها على النصارى وخراب بيت المقدس قال : تتصل بما قبلها من حيث أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط ، فقيل لهم : كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد والسعي في خرابها هكذا ، وأما من حمله على المسجد الحرام وسائر المساجد قال : جرى ذكر مشركي العرب في قوله : {كَذَالِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ } (البقرة : 113) وقيل : جرى ذكر جميع الكفار وذمهم ، فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى ومرة إلى المشركين.
المسألة الثالثة : قوله : {مَسَـاجِدَ اللَّهِ} عموم فمنهم من قال : المراد به كل المساجد ، ومنهم من حمله على ما ذكرناه من المسجد الحرام وغيره من مساجد مكة ، وقالوا : قد كان لأبي بكر رضي الله عنه مسجد بمكة يدعو الله فيه ، فخربوه قبل الهجرة ، ومنهم من حمله على المسجد الحرام فقط وهو قول أبي مسلم حيث فسر المنع بصد الرسول عن المسجد الحرام عام الحديبية ، فإن قيل : كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد ؟
قلنا : فيه وجوه. أحدها : هذا كمن يقول لمن آذى صالحاً واحداً : ومن أظلم ممن آذى الصالحين. وثانيها : أن المسجد موضع السجود فالمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجداً واحداً بل مساجد.
جزء : 4 رقم الصفحة : 10
المسألة الرابعة : قوله : {أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه } في محل النصب واختلفوا في العامل فيه على أقوال. الأول : أنه ثاني مفعولي منع لأنك تقول : منعته كذا ، ومثله : {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا } . الثاني : قال الأخفش : يجوز أن يكون على حذف (من) كأنه قيل : منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه. الثالث : أن يكون على البدل من مساجد الله. الرابع : قال الزجاج : يجوز أن يكون على معنى كراهة أن يذكر فيها اسمه ، والعامل فيه (منع).
المسألة الخامسة : السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين. أحدهما : منع المصلين والمتعبدين والمتعهدين له من دخوله فيكون ذلك تخريباً. والثاني : بالهدم والتخريب وليس لأحد أن يقول : كيف يصح أن يتأول على بيت الله الحرام ولم يظهر فيه التخريب لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريباً له ، وقيل : إن أبا بكر رضي الله عنه كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر.
المسألة السادسة : ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم وفيه إشكال لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان : 13) مع أن الشرك أعظم من هذا الفعل ، وكذا الزنا وقتل النفس أعظم من هذا الفعل ، والجواب عنه : أقصى ما في الباب أنه عام دخله / التخصيص فلا يقدح فيه.
أما قوله تعالى : {أُوالَـا ئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلا خَآئِفِينَ } فاعلم أن في الآية مسائل :
جزء : 4 رقم الصفحة : 10
(1/564)

المسألة الأولى : ظاهر الكلام أن الذين آمنوا وسعوا في تخريب المسجد هم الذين يحرم عليهم دخوله إلا خائفين ، وأما من يجعله عاماً في الكل فذكروا في تفسير هذا الخوف وجوهاً. أحدها : ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال الهيبة وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليهم ويمنعوا المؤمنين منها ، والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم. وثانيها : أن هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد ، وأنه يذل المشركين لهم حتى لايدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفاً يخاف أن يؤخذ فيعاقب ، أو يقتل أن لم يسلم/ وقد أنجز الله صدق هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام ، ونادى فيهم عام حج أبو بكر رضي الله عنه : ألا لا يحجن بعد العام مشرك ، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج اليهود من جزيرة العرب ، فحج من العام الثاني ظاهراً على المساجد لا يجترىء أحد من المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام ، وهذا هو تفسير أبي مسلم في حمل المنع من المساجد على صدهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن المسجد الحرام عام الحديبية ويحمل هذا الخوف على ظهور أمر الرسول صلى الله عليه وسلّم وغلبته لهم بحيث يصيرون خائفين منه ومن أمته. وثالثها : أن يحمل هذا الخوف على ما يلحقهم من الصغار والذل بالجزية والإذلال. ورابعها : أنه يحرم عليهم دخول المسجد الحرام إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمخاصمة والمحاكمة والمحاجة ، لأن كل ذلك يتضمن الخوف والدليل عليه قوله تعالى : {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَـاجِدَ اللَّهِ شَـاهِدِينَ عَلَى ا أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } (التوبة : 17). وخامسها : قال قتادة والسدي : قوله : {إِلا خَآئِفِينَ } بمعنى أن النصارى لا يدخلون بيت المقدس إلا خائفين ، ولا يوجد فيه نصراني إلا أوجع ضرباً وهذا التأويل مردود ، لأن بيت المقدس بقي أكثر من مائة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفاً ، إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين رحمه الله في زماننا. وسادسها : أن قوله : {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلا خَآئِفِينَ } وإن كان لفظه لفظ الخبر لكن المراد منه النهي عن تمكينهم من الدخول ، والتخلية بينهم وبينه كقوله : {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ} (الأحزاب : 53).
جزء : 4 رقم الصفحة : 10
أما قوله تعالى : {لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ} فقد اختلفوا في الخزي ، فقال بعضهم : ما يلحقهم من الذل بمنعهم من المساجد ، وقال آخرون بالجزية في حق أهل الذمة وبالقتل في حق أهل الحرب ، واعلم أن كل ذلك محتمل فإن الخزي لا يكون إلا ما يجري مجرى العقوبة من الهوان والإذلال فكل ما هذه صفته يدخل تحته وذلك ردع من الله تعالى عن ثباتهم على الكفر لأن الخزي الحاضر يصرف عن التمسك بما يوجبه ويقتضيه ، وأما العذاب العظيم فقد وصفه الله تعالى بما جرى مجرى النهاية / في المبالغة ، لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم ، فبين أنهم يستحقون العقاب العظيم ، وفي الآية مسألتان :
(1/565)

المسألة الأولى : في أحكام المساجد وفيه وجوه. الأول : في بيان فضل المساجد ويدل عليه القرآن والأخبار والمعقول ، أما القرآن فآيات ، أحدها : قوله تعالى : {وَأَنَّ الْمَسَـاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (الجن : 18). أضاف المساجد إلى ذاته يلزم الاختصاص ثم أكد ذلك الاختصاص بقوله : {فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} . وثانيها : قوله تعالى : {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ} (التوبة : 18) فجعل عمارة المسجد دليلاً على الإيمان ، بل الآية تدل بظاهرها على حصر الإيمان فيهم ، لأن كلمة إنما للحصر. وثالثها : قوله تعالى : {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه يُسَبِّحُ لَه فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاصَالِ} (النور : 36). ورابعها : هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله تعالى : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه } فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالاً من المشرك لأن قوله : {وَمَنْ أَظْلَمُ} يتناول المشرك لأنه تعالى قال : يتناول المشرك لأنه تعالى قال : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان : 13) فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان. وأما الأخبار ، فأحدها : ما روى الشيخان في صحيحيهما أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه ، فقال عثمان رضي الله عنه : سمعت النبي صلى الله عليه وسلّم يقول : "من بنى لله مسجداً بنى الله له كهيئته في الجنة". وفي رواية أخرى : "بنى الله له بيتاً في الجنة". وثانيها : ما روى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : "أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" ، واعلم أن هذا الخبر تنبيه على ما هو السر العقلي في تعظيم المساجد وبيانه أن الأمكنة والأزمنة إنما تتشرف بذكر الله تعالى ، فإذا كان المسجد مكاناً لذكر الله تعالى حتى أن الغافل عن ذكر الله إذا دخل المسجد اشتغل بذكر الله والسوق على الضد من ذلك ، لأنه موضع البيع والشراء والإقبال على الدنيا وذلك مما يورث الغفلة عن الله ، والأعراض عن التفكر في سبيل الله ، حتى أن ذاكر الله إذا دخل السوق فإنه يصير غافلاً عن ذكر الله لا جرم كانت المساجد أشرف المواضع والأسواق أخس المواضع. الثاني : في فضل المشي إلى المساجد (أ) عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئته والأخرى ترفع درجته" ، رواه مسلم. (ب) أبو هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : "من غدا أو راح إلى المسجد أعد الله له في الجنة منزلاً كلما غدا أو راح" أخرجاه في الصحيح. (ج) أبي بن كعب قال : كان رجل ما أعلم أحداً من أهل المدينة ممن يصلى إلى القبلة أبعد منزلاً منه من المسجد وكان لا تخطئه الصلوات مع الرسول عليه السلام ، فقيل له : لو اشتريت حماراً لتركبه في الرمضاء والظلماء ، فقال : والله ما أحب أن منزلي بلزق المسجد ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بذلك فسأله فقال : يا رسول الله كيما يكتب أثري وخطاي ورجوعي إلى أهلي وإقبالي وإدباري ، فقال عليه الصلاة والسلام / "لك ما احتسبت أجمع" أخرجه مسلم. (د) جابر قال : خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال لهم : "أنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى قرب المسجد ، فقالوا : نعم قد أردنا ذلك قال يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم". رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في حقهم :
جزء : 4 رقم الصفحة : 10
(1/566)

{إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُوا وَءَاثَارَهُمْ } (يس : 12). (هـ) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : "إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إلى المسجد مشياً والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام في جماعة أعظم أجراً ممن يصليها ثم ينام" أخرجاه في الصحيح. (و) عقبة بن عامر الجهني أنه عليه السلام قال : "إذا تطهر الرجل ثم مر إلى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتبه أو كاتباه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات والقاعد الذي يرعى الصلاة كالقانت ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع". (ز) عن سعيد بن المسيب قال : حضر رجلاً من الأنصار الموت فقال لأهله : من في البيت ، فقالوا : أهلك ، وأما أخوتك وجلساؤك ففي المسجد ، فقال : ارفعوني فأسنده رجل منهم إليه ففتح عينيه وسلم على القوم فردوا عليه وقالوا له : خيراً. فقال : إني مورثكم اليوم حديثاً ما حدثت به أحداً منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلّم احتساباً وما أحدثكموه اليوم إلا احتساباً ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : "من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد يصلي في جماعة المسلمين لم يرفع رجله اليمنى إلا كتب الله له بها حسنة ولم يضع رجله اليسرى إلا حط الله عنه بها خطيئة حتى يأتي المسجد/ فإذا صلى بصلاة الإمام انصرف وقد غفر له ، فإن هو أدرك بعضها وفاته بعض كان كذلك". (ح) عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال : "من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها ولم ينقص ذلك من أجرهم شيئاً". (ط) أبو هريرة قال عليه السلام : "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ، قالوا : بلى يا رسول الله. قال : إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط" رواه أبو مسلم. (ي) قال أبو سلمة بن عبد الرحمن لداود بن صالح : هل تدري فيم نزلت : {الْحِسَابِ * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا } (آل عمران : 200) قال : قلت لا يا ابن أخي ، قال : سمعت أبا هريرة يقول لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلّم غزو يرابط فيه ولكن انتظار الصلاة بعد الصلاة. (يا) بريدة قال عليه السلام : "بشر المشائين في الظلم إلى المسجد بالنور التام يوم القيامة" ، قال النخعي كانوا يرون المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة موجبة. (يب) قال الأوزاعي : كان يقال خمس كان عليها أصحاب محمد عليه السلام والتابعون بإحسان : لزوم الجماعة واتباع السنة ، وعمارة المسجد وتلاوة القرآن والجهاد في سبيل الله. (يج) أبو هريرة قال عليه السلام : "من بنى لله بيتاً يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتاً في الجنة من دور ياقوت. (يد) أبو ذر قال عليه السلام : "من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة". (يه) أبو سعيد الخدري : قال عليه السلام : "إذا رأيتم الرجل / يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ، فإن الله تعالى قال :
جزء : 4 رقم الصفحة : 10
(1/567)

{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ} " (التوبة : 18). (يو) عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنهم قالوا : إن المساجد بيوت الله وأنه لحق على الله أن يكرم من زاره فيها. (يز) أنس قال عليه السلام : "إن عمار بيوت الله هم أهل بيوت الله". (يح) أنس قال عليه السلام : "يقول الله تعالى : كأني لأهم بأهل الأرض عذاباً فإذا نظرت إلى عمار بيوتي والمتحابين في وإلى المستغفرين بالأسحار صرفت عنهم". (يط) عن أنس : قال عليه السلام : "إذا أنزلت عاهة من السماء صرفت عن عمار المساجد". (ك) كتب سلمان إلى أبي الدرداء : يا أخي ليكن بيتك المساجد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : "المسجد بيت كل تقي وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله تعالى". (كا) قال سعيد بن المسيب : عن عبد الله بن سلام : إن المساجد أوتاداً من الناس ، وإن لهم جلساء من الملائكة ، فإذا فقدوهم سألوا عنهم ، وإن كانوا مرضى عادوهم ، وإن كانوا في حاجة أعانوهم. (كب) الحسن قال عليه السلام : "يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة". (كج) أبو هريرة : قال عليه السلام : "إن للمنافقين علامات يعرفون بها تحيتهم لعنة وطعامهم نهبة ، وغنيمتهم غلول ، لا يقربون المساجد إلا هجراً ولا الصلاة إلا دبراً ، لا يتألفون ولا يؤلفون ، خشب بالليل سحب بالنهار". (كد) أبو سعيد الخدري وأبو هريرة : قال عليه السلام : "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". هذا حديث أخرجه الشيخان في الصحيحين. (كه) عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلّم : "من خرج من بيته إلى المسجد كتب له كاتبه بكل خطوة يخطوها عشر حسنات ، والقاعد في المسجد ينتظر الصلاة كالقانت ويكتب من المصلين حتى يرجع إلى بيته". (كو) روى عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق بن الحكم ، قال : سمعت سعيد بن المسيب وسأله أبي : أحضور الجنازة أحب إليك أم القعود في المسجد ؟
قال : من صلى على جنازة فله قيراط ، ومن تبعها حتى تقبر فله قيراطان ، والجلوس في المسجد أحب إلي ، تسبح الله وتهلل وتستغفر والملائكة تقول : آمين اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، فإذا فعلت ذلك فقل : اللهم اغفر لسعيد بن المسيب. الثالث : في تزيين المساجد. (أ) ابن عباس : قال عليه الصلاة والسلام : "ما أمرت بتشييد المساجد" والمراد من التشييد رفع البناء وتطويله ، ومنه قوله تعالى :
جزء : 4 رقم الصفحة : 10
(1/568)

{فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } (النساء : 78) وهي التي يطول بناؤها. (ب) أمر عمر ببناء مسجد وقال للبناء : أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. (ج) روى أن عثمان رأى أثرجة من جص معلقة في المسجد ، فأمر بها فقطعت. (د) قال أبو الدرداء : إذا حليتم مصاحفكم وزينتم مساجدكم فالدمار عليكم. (هـ) قال أبو قلابة : غدونا مع أنس بن مالك إلى / الزواية فحضرت صلاة الصبح فمررنا بمسجد فقال أنس : لو صلينا في هذا المسجد ؟
فقال بعض القوم : حتى نأتي المسجد الآخر ، فقال أنس : أي مسجد ، قالوا : مسجد أحدث الآن ، فقال أنس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : "سيأتي على أمتي زمان يتباهون في المساجد ولا يعمرونها إلا قليلاً". الرابع : في تحية المسجد ، في الصحيحين عن أبي قتادة السلمي أنه عليه الصلاة والسلام قال : "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" ، واعلم أن القول بذلك مذهب الحسن البصري ومكحول وقول الشافعي وأحمد وإسحق ، وذهب قوم إلى أنه يجلس ولا يصلي ، وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة ، وبه قال مالك والثوري وأصحاب الرأي. الخامس : فيما يقول إذا دخل المسجد ، روت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن أبيها ، قالت : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال : رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال قال : رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك". السادس : في فضيلة القعود في المسجد لانتظار الصلاة. (أ) أبو هريرة : قال عليه الصلاة والسلام : "الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ما لم يحدث". وروي أن عثمان بن مظعون أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال : ائذن لي في الاختصاء ، فقال عليه الصلاة والسلام : "ليس منا من خصي أو اختصى إن خصاء أمتي الصيام". فقال : يا رسول الله ائذن لي في السياحة ، فقال : "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" ، فقال : يا رسول الله ائذن لي في الترهب ، فقال : "إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظاراً للصلاة". السابع : في كراهية البيع والشراء في المسجد ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن تناشد الأشعار في المساجد ، وعن البيع والشراء فيه ، وعن أن يتحلق الناس في المساجد يوم الجمعة قبل الصلاة ، واعلم أنه كره قوم من أهل العلم البيع والشراء
جزء : 4 رقم الصفحة : 10
(1/569)

في المسجد وبه يقول أحمد وإسحق وعطاء بن يسار ، وكان إذا مر عليه بعض من يبيع في المسجد قال : عليك بسوق الدنيا فإنما هذا سوق الآخرة ، وكان لسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم رحبة إلى جنب المسجد سماها البطحاء ، وقال : من أراد أن يلغط أو ينشد شعراً أو يرفع صوتاً فليخرج إلى هذه الرحبة/ واعلم أن الحديث الذي رويناه يدل على كراهية التحلق والاجتماع يوم الجمعة قبل الصلاة لمذاكرة العلم ، بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ، ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة ، وأما طلب الضالة في المسجد ، ورفع الصوت بغير الذكر ، فمكروه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل : لا ردها الله عليك ، فإن المساجد لم تبن لهذا ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام قال : "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا أربح الله تجارتك" ، قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله : ويدخل في هذا كل أمر لم يبن له المسجد من أمور معاملات الناس ، واقتضاء حقوقهم ، وقد كره بعض / السلف المسألة في المسجد ، وكان بعضهم يرى أن لا يتصدق على السائل المتعرض في المسجد ، وورد النهي عن إقامة الحدود في المساجد ، قال عمر فيمن لزمه حد : أخرجاه من المسجد ، ويذكر عن علي رضي الله عنه مثله ، وقال معاذ بن جبل : إن المساجد طهرت من خمس : من أن يقام فيها الحدود أو يقبض فيها الخراج ، أو ينطق فيها بالأشعار أو ينشد فيها الضالة أو تتخذ سوقاً ، ولم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأساً ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لاعن بين العجلاني وامرأته في المسجد ولاعن عمر عند منبر النبي صلى الله عليه وسلّم وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد وكان الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد. الثامن : في النوم في المسجد في الصحيحين : عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلّم مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى وعن ابن شهاب قال : كان ذلك من عمر وعثمان وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد مثل جوازها في البيت ، إلا الانبطاح فإنه عليه الصلاة والسلام نهى عنه وقال : أنها ضجعة يبغضها الله ، وعن نافع أن عبد الله كان شاباً أعزب لا أهل له فكان ينام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ورخص قوم من أهل العلم في النوم في المسجد ، وقال ابن عباس : لا تتخذوه مبيتاً أو مقيلاً. التاسع : في كراهية البزاق في المسجد عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام قال : "البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" ، وفي الصحيح عن أبي ذر قال عليه الصلاة والسلام : "عرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت من محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ، ووجدت في مساويء أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن" وفي الحديث : "إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة في النار" ، أي ينضم وينقبض ، فقال بعضهم : المراد أن كونه مسجداً يقتضي التعظيم والقاء النخامة يقتضي التحقير ، وبينهما منافاة ، فعبر عليه الصلاة والسلام عن تلك المنافاة بقوله : لينزوي ، وقال آخرون : أراد أهل المسجد وهم الملائكة ، وفي الصحيحين عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله ما دام في مصلاه ، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً ، ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجليه فيدفنه". وعن أنس أنه عليه الصلاة والسلام رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه فقام فحكه بيده وقال : "إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه فلا يبزقن أحدكم في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه قال : ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض وقال : يفعل هكذا" أخرجه البخاري في صحيحه. العاشر : في الثوم والبصل : في الصحيحين عن أنس وابن عمر وجابر قال عليه الصلاة والسلام : "من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس"/ وعن جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال : "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا" وأن النبي عليه الصلاة والسلام أتى بقدر فيه خضر فوجد لها ريحاً ، فسأل فأخبر بما فيه من البقول ، فقال : "قربوها إلى بعض من كان حاضراً ، وقال / له كل فإني أناجي من لا تناجي" أخرجاه في الصحيحين. الحادي عشر : في المساجد في الدور ، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم ببناء المسجد في الدور ، وأن ينظف ويطيب ، أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم في المسجد ومعه أصحابه إذ جاء أعرابي فبال في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم : مه مه ، فقال عليه الصلاة والسلام : "لا تزرموه" ، ثم دعاه فقال : "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من العذرة والبول والخلاء ، إنما هي لقراءة القرآن وذكر الله والصلاة" ،
(1/570)

ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بدلو من ماء فصبوا عليه.
جزء : 4 رقم الصفحة : 10
المسألة الثانية : اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد ، فجوزه أبو حنيفة مطلقاً ، وأباه مالك مطلقاً ، وقال الشافعي رضي الله عنه : يمنع من دخول الحرم والمسجد الحرام ، احتج الشافعي بوجوه. أولها : قوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـاذَا } (التوبة : 28) قال الشافعي : قد يكون المراد من المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى : {سُبْحَـانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِه لَيْلا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (الإسراء : 1) وإنما أسرى به من بيت خديجة. فالآية دالة إما على المسجد فقط ، أو على الحرم كله ، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، لأن الخلاف حاصل فيهما جميعاً ، فإن قيل : المراد به الحج ولهذا قال : {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـاذَا } لأن الحج إنما يفعل في السنة مرة واحدة ، قلنا : هذا ضعيف لوجوه. أحدها : إنه ترك للظاهر من غير موجب. الثاني : ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وهذا يقتضي أن المانع من قربهم من المسجد الحرام نجاستهم ، وذلك يقتضي أنهم ما داموا مشركين كانوا ممنوعين عن المسجد الحرام. الثالث : أنه تعالى لو أراد الحج لذكر من البقاع ما يقع فيه معظم أركان الحج وهو عرفة. الرابع : الدليل على أن المراد دخول الحرم لا الحج فقط قوله تعالى : {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِه } (التوبة : 28) فأراد به الدخول للتجارة. وثانيها : قوله تعالى : {أُوالَـا ئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلا خَآئِفِينَ } وهذا يقتضي أن يمنعوا من دخول المسجد ، وأنهم متى دخلوا كانوا خائفين من الإخراج إلا ما قام عليه الدليل فإن قيل : هذه الآية مخصوصة بمن خرب بيت المقدس ، أو بمن منع رسول الله صلى الله عليه وسلّم من العبادة في الكعبة ، وأيضاً فقوله : {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلا خَآئِفِينَ } ليس المراد منه خوف الإخراج ، بل خوف الجزية والإخراج ، قلنا : الجواب عن الأول : أن قوله تعالى : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـاجِدَ اللَّهِ} ظاهر في العموم ، فتخصيصه ببعض الصور خلاف الظاهر. وعن الثاني : أن الظاهر قوله :
جزء : 4 رقم الصفحة : 10
{مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلا خَآئِفِينَ } يقتضي أن يكون ذلك الخوف إنما حصل من الدخول ، وعلى ما يقولونه لا يكون الخوف متولداً من الدخول بل من شيء آخر ، فسقط كلامهم. وثالثها : قوله تعالى : {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَـاجِدَ اللَّهِ شَـاهِدِينَ عَلَى ا أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } (التوبة : 17) وعمارتها تكون بوجهين. أحدهما : بناؤها وإصلاحها. والثاني : حضورها ولزومها/ كما تقول : فلان يعمر / مسجد فلان أي يحضره ويلزمه وقال النبي صلى الله عليه وسلّم : "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان" ، وذلك لقوله تعالى : {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ} (التوبة : 18) ، فجعل حضور المساجد عمارة لها. ورابعها : أن الحرم واجب التعظيم لقوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء : "اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً ومهابة" فصونه عما يوجب تحقيره واجب وتمكين الكفار من الدخول فيه تعريض للبيت للتحقير لأنهم لفساد اعتقادهم فيه ربما استخفوا به وأقدموا على تلويثه وتنجيسه. وخامسها : أن الله تعالى أمر بتطهير البيت في قوله : {وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآاـاِفِينَ} (الحج : 26) والمشرك نجس لقوله تعالى ؛ {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (التوبة : 28) والتطهير على النجس واجب فيكون تبعيد الكفار عنه واجباً. وسادسها : أجمعنا على أن الجنب يمنع منه ، فالكافر بأن يمنع منه أولى إلا أن هذا مقتضى مذهب مالك وهو أن يمنع عن كل المساجد واحتج أبو حنيفة رحمه الله بأمور ، الأول : روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قدم عليه وفد يثرب فأنزلهم المسجد. الثاني : قوله عليه الصلاة والسلام : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل الكعبة فهو آمن" وهذا يقتضي إباحة الدخول. الثالث : الكافر جاز له دخول سائر المساجد فكذلك المسجد الحرام كالمسلم ، والجواب عن الحديثين الأولين : أنهما كانا في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بالآية ، وعن القياس أن المسجد الحرام أجل قدراً من سائر المساجد فظهر الفرق والله أعلم.
جزء : 4 رقم الصفحة : 10
18
قوله تعالى : {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُا فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .
اعلم أن في هذه الآية مسائل :
(1/571)

المسألة الأولى : اختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، الضابط أن الأكثرين زعموا أنها إنما نزلت في أمر يختص بالصلاة ومنهم من زعم أنها إنما نزلت في أمر لا يتعلق بالصلاة ، أما القول الأول فهو أقوى لوجهين ، أحدها : أنه هو المروي عن كافة الصحابة والتابعين وقولهم حجة. وثانيهما : أن ظاهر قوله : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا } يفيد التوجه إلى القبلة في الصلاة ، ولهذا لا يعقل من قوله : {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} (البقرة : 144) إلا هذا المعنى إذا ثبت هذا فنقول : القائلون بهذا القول اختلفوا على وجوه :
أحدها : أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة ، فبين تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف كلها مملوكة له سبحانه ومخلوقة له ، فأينما أمركم الله باستقباله فهو القبلة ، لأن القبلة ليست قبلة لذاتها ، بل لأن الله تعالى جعلها قبلة ، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد وهو واسع عليم بمصالحهم فكأنه تعالى ذكر ذلك بياناً لجواز نسخ القبلة من جانب إلى جانب آخر ، فيصير ذلك مقدمة لما كان يريد تعالى من نسخ القبلة. وثانيها : أنه لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت الآية / رداً عليهم وهو قول ابن عباس وهو نظير قوله : {قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُا يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (البقرة : 142). وثالثها : قول أبي مسلم وهو أن اليهود والنصارى كل واحد منهم قال : إن الجنة له لا لغيره ، فرد الله عليهم بهذه الآية لأن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من الصخرة والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى عليه السلام إنما ولد هناك على ما حكى الله ذلك في قوله تعالى : {وَاذْكُرْ فِى الْكِتَـابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} (مريم : 16) فكل واحد من هذين الفريقين وصف معبوده بالحلول في الأماكن ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق ، فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق. ورابعها : قال بعضهم : إن الله تعالى نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاء بهذه الآية ، فكان للمسلمين أن يتوجهوا إلى حيث شاءوا في الصلاة إلا أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يختار التوجه إلى بيت المقدس مع أنه كان له أن يتوجه حيث شاء ، ثم أنه تعالى نسخ ذلك بتعيين الكعبة ، وهو قول قتادة وابن زيد. وخامسها : أن المراد بالآية من هو مشاهد للكعبة فإن له أن يستقبلها من أي جهة شاء وأراد. وسادسها : ما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه ، ثم صلينا فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلّم فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا الحديث يدل على أنهم كانوا قد نقلوا حينئذ إلى الكعبة لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ قبلة بيت المقدس. وسابعها : أن الآية نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث تتوجه به راحلته. وعن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال : إنما نزلت هذه الآية في الرجل يصلي إلى حيث توجهت به راحلته في السفر. وكان عليه السلام إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعاً يوميء برأسه نحو المدينة ، فمعنى الآية :
جزء : 4 رقم الصفحة : 18
(1/572)

{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا } وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم : {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه } فقد صادفتم المطلوب : {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ} الفضل غني ، فمن سعة فضله وغناه رخص لكم في ذلك لأنه لو كلفكم استقبال القبلة في مثل هذه الحال لزم أحد الضررين ، إما ترك النوافل ، وإما النزول عن الراحلة والتخلف عن الرفقة بخلاف الفرائض ، فإنها صلوات معدودة محصورة فتكليف النزول عن الراحلة عند أدائها واستقبال القبلة فيها لا يفضي إلى الحرج بخلاف النوافل ، فإنها غير محصورة ، فتكليف الاستقبال يفضي إلى الحرج. فإن قيل : فأي هذه الأقاويل أقرب إلى الصواب. قلنا : إن قوله : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه } مشعر بالتخيير والتخيير لا يثبت إلا في صورتين. أحدهما : في التطوع على الراحلة. وثانيهما : في السفر عند تعذر الاجتهاد للظلمة أو لغيرها ، لأن في هذين الوجهين المصلي مخير فأما على غير هذين الوجهين فلا تخيير وقول من يقول : إن الله تعالى خير المكلفين في استقبال أي جهة شاءوا بهذه الآية ، وهم كانوا يختارون بيت المقدس لا لأنه لازم ، بل لأنه أفضل وأولى بعيد لأنه لا خلاف أن لبيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة اختصاصاً في الشريعة ولو كان الأمر كما قالوا : لم يثبت / ذلك الاختصاص وأيضاً فكان يجب أن يقال : إن بيت المقدس صار منسوخاً بالكعبة فهذه الدلالة تقتضي أن يكون حمل الآية على الوجه الثالث والرابع ، وأما الذين حملوا الآية على الوجه الأول فلهم أن يقولوا : إن القبلة لما حولت تكلم اليهود في صلاة الرسول صلى الله عليه وسلّم وصلاة المؤمنين إلى بيت المقدس فبين تعالى بهذه الآية أن تلك القبلة كان التوجه إليها صواباً في ذلك الوقت والتوجه إلى الكعبة صواب في هذا الوقت ، وبين أنهم أينما يولوا من هاتين القبلتين في المأذون فيه فثم وجه الله ، قالوا : وحمل الكلام على هذا الوجه أولى ، لأنه يعم كل مصل ، وإذا حمل على الأول لا يعم لأنه يصير محمولاً على التطوع دون الفرض ، وعلى السفر في حالة مخصوصة دون الحضر ، وإذا أمكن إجراء اللفظ العام على عمومه فهو أولى من التخصيص ، وأقصى ما في الباب أن يقال : إن على هذا التأويل لا بد أيضاً من ضرب تقييد وهو أن يقال : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا } من الجهات المأمور بها : {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه } إلا أن هذا الإضمار لا بد منه على كل حال ، لأنه من المحال أن يقول تعالى : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا } بحسب ميل أنفسكم {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه } بل لا بد من الإضمار الذي ذكرناه ، وإذا كان كذلك فقد زالت طريقة التخيير ونظيره : إذا أقبل أحدنا على ولده وقد أمره بأمور كثيرة مترتبة فقال له : كيف تصرفت فقد اتبعت رضائي ، فإنه يحمل ذلك على ما أمره على الوجه الذي أمره من تضييق أو تخيير ، ولا يحمل ذلك على التخيير المطلق فكذا ههنا.
جزء : 4 رقم الصفحة : 18
(1/573)

القول الثاني : وهو قول من زعم أن هذه الآية نزلت في أمر سوى الصلاة فلهم أيضاً وجوه : أولها : أن المعنى أن هؤلاء الذين ظلموا بمنع مساجدي أن يذكر فيها اسمي وسعوا في خرابها أولئك لهم كذا وكذا ، ثم أنهم أينما ولوا هاربين عني وعن سلطاني فإن سلطاني يلحقهم ، وقدرتي تسبقهم وأنا عليم بهم ، لا يخفى علي مكانهم وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها ، وقوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} نظير قوله : {إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ فَانفُذُوا ا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَـانٍ} (الرحمن : 33) فعلى هذا يكون المراد منه سعة العلم ، وهو نظير : {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } (الحديد : 4) وقوله : {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَـاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ} (المجادلة : 7) وقوله : {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} (غافر : 7) وقوله : {وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا} (طه : 98) أي عم كل شيء بعلمه وتدبيره وإحاطته به وعلوه عليه. وثانيها : قال قتادة : إن النبي عليه السلام قال : "إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه ، قالوا : نصلي على رجل ليس بمسلم" فنزل قوله تعالى : {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَـابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِـاَايَـاتِ} (آل عمران : 199) فقالوا : إنه كان يصلي إلى غير القبلة ، أنزل الله تعالى : {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُا فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه } ومعناها أن الجهات التي يصلي إليها أهل الملل من شرق وغرب وما بينهما ، كلها لي فمن وجه وجهه نحو شيء منها بأمر يريدني ويبتغي طاعتي وجدني هناك أي وجد ثوابي فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبالهم المشرق وهو نحو قوله تعالى : {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـانَكُمْ } (البقرة : 143). وثالثها : / لما نزل قوله تعالى : {ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } (غافر : 60) قالوا : أين ندعوه فنزلت هذه الآية ، وهو قول الحسن ومجاهد والضحاك. ورابعها : أنه خطاب للمسلمين ، أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فلله المشرق والمغرب والجهات كلها ، وهو قول علي بن عيسى. وخامسها : من الناس من يزعم أنها نزلت في المجتهدين الوافين بشرائط الاجتهاد سواء كان في الصلاة أو في غيرها ، والمراد منه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد فهو مصيب.
جزء : 4 رقم الصفحة : 18
المسألة الثانية : إن فسرنا الآية بأنها تدل على تجويز التوجه إلى أي جهة أريد ، فالآية منسوخة وإن فسرناها بأنها تدل على نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فالآية ناسخة ، وإن فسرناها بسائر الوجوه فهي لا ناسخة ولا منسوخة.
المسألة الثالثة : اللام في قوله تعالى : {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } لام الاختصاص أي هو خالقهما ومالكهما ، وهو كقوله : {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} (الرحمن : 17) وقوله : {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} ثم أنه سبحانه أشار بذكرهما إلى ذكر من بينهما من المخلوقات ، كما قال : {ثُمَّ اسْتَوَى ا إِلَى السَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلارْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآاـاِعِينَ} (فصلت : 11).
(1/574)

المسألة الرابعة : الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه ، وبيانه من وجهين ، الأول : أنه تعالى قال : {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان له وإنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم طولاً وعرضاً وعمقاً ، وكل ما كان كذلك فهو منقسم ، وكل منقسم فهو مؤلف مركب ، وكل ما كان كذلك فلا بد له من خالق وموجد ، وهذه الدلالة عامة في الجهات كلها ، أعني الفوق والتحت ، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها ، والخالق متقدم على المخلوق لا محالة ، فقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم منزهاً عن الجهات والأحياز ، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة لاستحالة انقلاب الحقائق والماهيات. الوجه الثاني : أنه تعالى قال : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه } ولو كان الله تعالى جسماً وله وجه جسماني لكان وجهه مختصاً بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه } فلما نص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية واحتج الخصم بالآية من وجهين ، الأول : أن الآية تدل على ثبوت الوجه لله تعالى والوجه لا يحصل إلا من كان جسماً. الثاني : أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعاً ، والسعة من صفة الأجسام. والجواب عن الأول : أن الوجه وإن كان في أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه ههنا على العضو لكذب قوله تعالى : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه } لأن الوجه لو كان محاذياً للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذياً للمغرب أيضاً ، فإذن لا بد فيه من التأويل وهو من وجوه. الأول : أن إضافة وجه الله كإضافة بيت الله وناقة الله ، والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف ، فقوله : {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه } أي : فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له بوجهيهما ، والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها / فأي وجه من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق والإيجاد نصبه وعينه فهو قبلة. الثاني : أن يكون المراد من الوجه القصد والنية قال الشاعر :
جزء : 4 رقم الصفحة : 18
استغفر الله ذنباً لست أحصيه
رب العباد إليه الوجه والعمل
ونظيره قوله تعالى : {إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ} (الأنعام : 79). الثالث : أن يكون المراد منه فثم مرضاة الله ، ونظيره قوله تعالى : {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} (الإنسان : 9) يعني لرضوان الله ، وقوله : {كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَه } (القصص : 88) يعني ما كان لرضا الله ، ووجه الاستعارة أن من أراد الذهاب إلى إنسان فإنه لا يزال يقرب من وجهه وقدامه ، فكذلك من يطلب مرضاة أحد فإنه لا يزال يقرب من مرضاته ، فلهذا سمي طلب الرضا بطلب وجهه. الرابع : أن الوجه صلة كقوله : {كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَه } ويقول الناس هذا وجه الأمر لا يريدون به شيئاً آخر غيره ، إنما يريدون به أنه من ههنا ينبغي أن يقصد هذا الأمر ، واعلم أن هذا التفسير صحيح في اللغة إلا أن الكلام يبقى ، فإنه يقال لهذا القائل : فما معنى قوله تعالى : {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه } مع أنه لا يجوز عليه المكان فلا بد من تأويله بأن المراد : فثم قبلته التي يعبد بها ، أو ثم رحمته ونعمته وطريق ثوابه والتماس مرضاته. والجواب عن الثاني : وهو أنه وصف نفسه بكونه واسعاً فلا شك أنه لا يمكن حمله على ظاهره وإلا لكان متجزئاً متبعضاً فيفتقر إلى الخالق ، بل لا بد وأن يحمل على السعة في القدرة والملك ، أو على أنه واسع العطاء والرحمة ، أو على أنه واسع الإنعام ببيان المصلحة للعبيد لكي يصلوا إلى رضوانه ، ولعل هذا الوجه بالكلام أليق ، ولا يجوز حمله على السعة في العلم ، وإلا لكان ذكر العليم بعده تكراراً ، فأما قوله : {عَلِيمٌ} في هذا الموضع فكالتهديد ليكون المصلي على حذر من التفريط من حيث يتصور أنه تعالى يعلم ما يخفي وما يعلن ، وما يخفي على الله من شيء ، فيكون متحذراً عن التساهل ، ويحتمل أن يكون قوله تعالى : {وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أنه تعالى واسع القدرة في توفية ثواب من يقوم بالصلاة على شرطها ، وتوفية عقاب من يتكاسل عنها.
المسألة الخامسة : ولى إذا أقبل ، وولى إذا أدبر ، وهو من الأضداد ومعناه ههنا الإقبال ، وقرأ الحسن : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا } بفتح التاء من التولي ، يريد فأينما توجهوا القبلة.
جزء : 4 رقم الصفحة : 18
22
(1/575)

اعلم أن هذا هو النوع العاشر من مقابح أفعال اليهود والنصارى والمشركين ، واعلم أن الظاهر قوله تعالى : {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } أن يكون راجعاً إلى قوله : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـاجِدَ اللَّهِ} (البقرة : 114) وقد ذكرنا أن منهم من تأوله على النصارى ، ومنهم من تأوله على مشركي العرب ، ونحن قد تأولناه على اليهود وكل هؤلاء أثبتوا الولد لله تعالى ، لأن اليهود قالوا : عزيز ابن الله ، والنصارى قالوا : المسيح ابن الله ، ومشركو العرب قالوا : الملائكة بنات الله فلا جرم صحت هذه الحكاية على جميع التقديرات ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : أنها نزلت في كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، ووهب بن يهودا فإنهم جعلوا عزيزاً ابن الله ، أما قوله تعالى : {سُبْحَـانَه } فهو كلمة تنزيه ينزه بها نفسه عما قالوه ، كما قال تعالى في موضع آخر : {سُبْحَـانَه ا أَن يَكُونَ لَه ا وَلَدٌا } (النساء : 171) فمرة أظهره ، ومرة اقتصر عليه لدلالة الكلام عليه ، واحتج على هذا التنزيه بقوله : {بَل لَّه مَا فِي السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } ووجه الاستدلال بهذا على فساد مذهبهم من وجوه. الأول : أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته محدث ، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود ، والمخلوق لا يكون ولداً ، أما بيان أن ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته ، فلأنه لو وجد موجودان واجبان لذاتهما لاشتركا في وجوب الوجود ، ولامتاز كل واحد منهما عن الآخر بما به التعين ، وما به المشاركة ، غير ما به الممايزة ، ويلزم تركب كل واحد منهما من قيدين ، وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه من غيره ، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فكل واحد من الموجودين الواجبين لذاتهما ممكن لذاته ، هذا خلف ، ثم نقول : إن كان كل واحد من ذينك الجزءين واجباً عاد التقسيم المذكور فيه ، ويقضي إلى كونه مركباً من أجزاء غير متناهية ، وذلك محال ، ومع تسليم أنه غير محال فالمقصود حاصل ، لأن كل كثرة فلا بد فيها من الواحد ، فتلك الآحاد إن كانت واجبة لذواتها كانت مركبة على ما ثبت ، فالبسيط مركب هذا خلف ، وإن كانت ممكنة كان المركب المفتقر إليها أولى بالإمكان ، فثبت بهذا البرهان أن كل ما عدا الموجود الواجب ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فهو محتاج إلى المؤثر ، وتأثير ذلك المؤثر فيه إما أن يكون حال عدمه أو حال وجوده ، فإن كان الأول فذلك الممكن محدث ، وإن كان الثاني فاحتياج ذلك الموجود إلى المؤثر ، إما أن يكون حال بقائه أو حال حدوثه ، والأول محال لأنه يقتضي إيجاد الوجود فتعين الثاني وذلك يقتضي كون ذلك الممكن محدثاً فثبت أن كل ما سوى الله محدث مسبوق بالعدم وأن وجوده إنما حصل بخلق الله تعالى وإيجاده وإبداعه ، فثبت أن كل ما سواه فهو عبده وملكه فيستحل أن يكون شيء مما سواه ولداً له ، وهذا البرهان إنما استفدناه من قوله :
جزء : 4 رقم الصفحة : 22
(1/576)

{بَل لَّه مَا فِي السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } أي له كل ما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع. والثاني : أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده إما أن يكون قديماً أزلياً أو محدثاً ، فإن كان أزلياً لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولداً والآخر والداً أولى من العكس ، فيكون ذلك الحكم حكماً مجرداً من غير دليل / وإن كان الولد حادثاً كان مخلوقاً لذلك القديم وعبداً له فلا يكون ولداً له. والثالث : أن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد ، فلو فرضنا له ولداً لكان مشاركاً له من بعض الوجوه ، وممتازاً عنه من وجه آخر ، وذلك يقتضي كون كل واحد منهما مركباً ومحدثاً وذلك محال ، فإذن المجانسة ممتنعة فالولدية ممتنعة. الرابع : أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه ، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة ، فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد عليه سبحانه وتعالى محالاً ، واعلم أنه تعالى حكى في مواضع كثيرة عن هؤلاء الذين يضيفون إليه الأولاد قولهم ، واحتج عليهم بهذه الحجة وهي أن كل من في السموات والأرض عبد له ، وبأنه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ، وقال في مريم : {ذَالِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَا قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍا سُبْحَـانَه ا إِذَا قَضَى ا أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَه كُن فَيَكُونُ} (مريم : 34 ، 35) وقال أيضاً في آخر هذه السورة : {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَـانُ وَلَدًا} (مريم : 88 ـ 93) فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى استدل في هذه الآية بكونه مالكاً لما في السموات والأرض ، وفي سورة مريم بكونه مالكاً لمن في السموات والأرض على ما قال : {إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ إِلا ءَاتِى الرَّحْمَـن ِ عَبْدًا} قلنا : قوله تعالى في هذه السورة : {بَل لَّه مَا فِي السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } أتم ، لأن كلمة (ما) تتناول جميع الأشياء ، وأما قوله تعالى : {كُلٌّ لَّه قَـانِتُونَ} (الروم : 26) ففيه مسائل :
جزء : 4 رقم الصفحة : 22
المسألة الأولى : القنوت : أصله الدوام ، ثم يستعمل على أربعة أوجه : الطاعة ، كقوله تعالى : {الْعَـالَمِينَ * يَـامَرْيَمُ اقْنُتِى لِرَبِّكِ} (آل عمران : 43) وطول القيام ، كقوله عليه السلام لما سئل : أي الصلاة أفضل ؟
قال : "طول القنوت" وبمعنى السكوت ، كما قال زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى : {وَقُومُوا لِلَّهِ قَـانِتِينَ} (البقرة : 238) فأمسكنا عن الكلام ، ويكون بمعنى الدوام ، إذا عرفت هذا فنقول : قال بعض المفسرين : {كُلٌّ لَّه قَـانِتُونَ} أي كل ما في السموات والأرض قانتون مطيعون ، والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه وهو قول مجاهد وابن عباس ، فقيل لهؤلاء الكفار : ليسوا مطيعين ، فعند هذا قال آخرون : المعنى أنهم يطيعون يوم القيامة ، وهو قول السدي ، فقيل لهؤلاء : هذه صفة المكلفين ، وقوله : {لَّه مَا فِي السَّمَـاوَاتِ} يتناول من لا يكون مكلفاً فعند هذا فسروا القنوت بوجوه أخر. الأول : بكونها شاهدة على وجود الخالق سبحانه بما فيها من آثار الصنعة وأمارات الحدوث والدلالة على الربوبية. الثاني : كون جميعها في ملكه وقهره يتصرف فيها كيف يشاء ، وهو قول أبي مسلم ، وعلى هذين الوجهين الآية عامة. الثالث : أراد به الملائكة وعزيزاً والمسيح ، أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليهم بالولد أنهم قانتون له ، يحكى عن علي بن أبي طالب قال لبعض النصارى : لولا تمرد عيسى عن عبادة الله لصرت على دينه ، فقال النصراني : كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى / عيسى مع جده في طاعة الله ، فقال علي رضي الله عنه : فإن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره إنما العبد هو الذي يليق به العبادة/ فانقطع النصراني.
المسألة الثانية : لما كان القنوت في أصل اللغة عبارة عن الدوام كان معنى الآية أن دوام الممكنات وبقاءها به سبحانه ولأجله وهذا يقتضي أن العالم حال بقائه واستمراره محتاج إليه سبحانه وتعالى ، فثبت أن الممكن يقتضي أن لا تنقطع حاجته عن المؤثر لا حال حدوثه ولا حال بقائه.
المسألة الثالثة : يقال كيف جاء بما الذي لغير أولى العلم مع قوله : {قَـانِتُونَ} جوابه : كأنه جاء بما دون من تحقيراً لشأنهم.
أما قوله تعالى : {بَدِيعُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : البديع والمبدع بمعنى واحد. قال القفال : وهو مثل أليم بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم ، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه وأنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ذلك بمنزلة : سامع وسميع وقد يجيء بديع بمعنى مبدع ، والإبداع الإنشاء ونقيض الإبداع الاختراع على مثال ولهذا السبب فإن الناس يسمون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعاً.
جزء : 4 رقم الصفحة : 22
(1/577)

المسألة الثانية : اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول ، لأنه تعالى قال : {بَل لَّه مَا فِي السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } فبين بذلك كونه مالكاً لما في السموات والأرض ثم بين بعده أنه المالك أيضاً للسموات والأرض ، ثم أنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشيء فقال : {وَإِذَا قَضَى ا أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَه كُن فَيَكُونُ} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال بعض الأدباء : القضاء مصدر في الأصل سمي به ولهذا جمع على أقضية كغطاء وأغطية ، وفي معناه القضية ، وجمعها القضايا ووزنه فعال من تركيب "ق ض ى" وأصله "قضاي" إلا أن الياء لما وقعت طرفاً بعد الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفاً ، ثم لما لاقت هي ألف فعال قلبت همزة لامتناع التقاء الألفين لفظاً ، ومن نظائره المضاء والأتاء ، من مضيت وأتيت والسقاء والشفاء ، من سقيت وشفيت ، والدليل على إصالة الياء دون الهمزة ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة تقول : قضيت وقضينا ، وقضيت إلى قضيتن ، وقضيا وقضين ، وهما يقضيان ، وهي وأنت تقضي ، والمرأتان وأنتما تقضيان ، وهن يقضين ، وأما أنت تقضين ، فالياء فيه ضمير المخاطبة ، وأما معناه فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع ، من ذلك قولهم ؛ قضى القاضي لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم ، لأنه فصل للدعوى ، ولهذا قيل : حاكم فيصل إذا كان قاطعاً للخصومات وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا : القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها ، وقولهم انقضى الشيء إذا تم وانقطع ، وقولهم : قضى حاجته ، معناه قطعها عن المحتاج ودفعها عنه وقضى دينه إذا أداه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه أو انقطع كل منهما عن صاحبه ، / وقولهم : قضى الأمر ، إذا أتمه وأحكمه ، ومنه قوله تعالى : {فَقَضَـاـاهُنَّ سَبْعَ سَمَـاوَاتٍ} (فصلت : 12) وهو من هذا لأن في إتمام العمل قطعاً له وفراغاً منه ، ومنه : درع قضاء من قضاها إذا أحكمها وأتم صنعها ، وأما قولهم ؛ قضى المريض وقضى نحبه إذا مات ، وقضى عليه : قتله فمجاز مما ذكر والجامع بينهما ظاهر ، وأما تقضي البازي فليس من هذا التركيب ، ومما يعضد ذلك دلالة ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه وهو القيض والضيق ، أما الأول فيقال : قاضه فانقاض ، أي شقه فانشق ، ومنه قيض البيض لما انفلق من قشره الأعلى ، وانقاض الحائط إذا انهدم من غير هدم ، والقطع والشق والفلق والهدم متقاربة ، وأما الضيق وما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة ، وذلك أن الشيء إذا قطع ضاق أو على العكس ، ومما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب يدل أيضاً على معنى القطع ، فأولها : قضيه إذا قطعه ، ومنه القضبة المرطبة/ لأنها تقضب أي تقطع تسمية بالمصدر ، والقضيب : الغصن ، فعيل بمعنى مفعول ، والمقضب ما يقضب به كالمنجل. وثانيها ؛ القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان ، لأن فيه قطعاً للمأكول ، وسيف قضيم : في طرفه تكسر وتفلل. وثالثها : القضف وهو الدقة ، يقال رجل قضيف ، أي : نحيف ، لأن القلة من مسببات القطع. ورابعها : القضأة فعلة وهي الفساد ، يقال قضئت القربة إذا عفيت وفسدت وفي حسبه قضأة أي عيب ، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة.
جزء : 4 رقم الصفحة : 22
المسألة الثانية : في محامل لفظ القضاء في القرآن قالوا : أنه يستعمل على وجوه. أحدها : بمعنى الخلق ، قوله تعالى : {فَقَضَـاـاهُنَّ سَبْعَ سَمَـاوَاتٍ} يعني خلقهن. وثانيها : بمعنى الأمر قال تعالى : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} (الإسراء : 23). وثالثها : بمعنى الحكم ، ولهذا يقال للحاكم : القاضي. ورابعاً : بمعنى الإخبار ، قال تعالى : {وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِى إسرائيل فِى الْكِتَـابِ} (الإسراء : 4) أي أخبرناهم ، وهذا يأتي مقروناً بإلى. وخامسها : أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء قال تعالى : {فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} (الأحقاف : 29) يعني لما فرغ من ذلك ، وقال تعالى : {وَقُضِىَ الامْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِىِّ } (هود : 44) يعني فرغ من إهلاك الكفار وقال : {لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} (الحج : 29) بمعنى ليفرغوا منه ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله : {إِذَا قَضَى ا أَمْرًا} (آل عمران : 47) قيل : إذا خلق شيئاً ، وقيل : حكم بأنه يفعل شيئاً ، وقيل : أحكم أمراً ، قال الشاعر :
وعليهما مسرودتان قضاهما
داود أو صنع السوابغ تبع
المسألة الثالثة : اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص ، وهل هو حقيقة في الفعل والشأن الحق ؟
نعم وهو المراد بالأمر ههنا ، وبسط القول فيه مذكور في أصول الفقه.
(1/578)

المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر : {كُن فَيَكُونُ} (آل عمران : 47) بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين : في أول آل عمران : {كُن فَيَكُونُ * الْحَقُّ} (آل عمران : 59 ، 60) وفي الأنعام : {كُن فَيَكُونُا قَوْلُهُ الْحَقُّ } (الأنعام : 73) فإنه رفعهما ، وعن الكسائي بالنصب في النحل ويس وبالرفع في سائر القرآن ، والباقون بالرفع في كل القرآن ، أما النصب فعلى جواب الأمر ، وقيل هو بعيد ، والرفع على الاستئناف أي فهو يكون.
/
جزء : 4 رقم الصفحة : 22
المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى : {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَه كُن فَيَكُونُ} (آل عمران : 47) هو أنه تعالى يقول له : {كُن} فحينئذ يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه. الأول : أن قوله : {كُن فَيَكُونُ} إما أن يكون قديماً أو محدثاً والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على {كُن} إنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قديماً لوجوه. الأول : أن كلمة {كُن} لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على النون ، فالنون لكونه مسبوقاً بالكاف لا بد وأن يكون محدثاً ، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً. الثاني : أن كلمة {إِذَآ} لا تدخل إلا على سبيل الإستقبال ، فذلك القضاء لا بد وأن يكون محدثاً لأنه دخل عليه حرف {إِذَآ} وقوله {كُن} مرتب على القضاء بفاء التعقيب لأنه تعالى قال : {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَه كُن} والمتأخر عن المحدث محدث ، فاستحال أن يكون : {كُن} قديماً. الثالث : أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله : {كُن} بفاء التعقيب فيكون قوله : {كُن} مقدماً على تكون المخلوق بزمان واحد والمتقدم على المحدث بزمان واحد لا بد وأن يكون محدثاً فقوله : {كُن} لا يجوز أن يكون قديماً ، ولا جائز أيضاً أن يكون قوله : {كُن} محدثاً لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله : {كُن} وقوله : {كُن} أيضاً محدث فيلزم افتقار : {كُن} آخر ويلزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله : {كُن} .
الحجة الثانية : أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود أو حال دخوله في الوجود ، والأول : باطل لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه ، والثاني : أيضاً باطل لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن يصير موجوداً وذلك أيضاً لا فائدة فيه.
الحجة الثالثة : أن المخلوق قد يكون جماداً ، وتكليف الجماد عبث ولا يليق بالحكيم.
جزء : 4 رقم الصفحة : 22
الحجة الرابعة : أن القادر هوالذي يصح منه الفعل وتركه بحسب الإرادات ، فإذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله : {كُن} فإما أن يتمكن من الإيجاد والأحداث أو لا يتمكن ، فإن تمكن لم يكن الإيجاد موقوفاً على قوله : {كُن} وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم أن لا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بكن فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمعتم القدرة بكن وذلك نزاع في اللفظ.
الحجة الخامسة : أن {كُن} لو كان له أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير ، ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة.
الحجة السادسة : أن {كُن} كلمة مركبة من الكاف والنون ، بشرط كون الكاف متقدماً على النون ، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو مجموعهما ، فإن كان الأول لم يكن لكلمة {كُن} أثر البتة ، بل التأثير لأحد هذين الحرفين ، وإن كان الثاني فهو محال ، لأنه لا وجود لهذا المجموع البتة لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلاً ، وحين جاء الثاني فقد فات الأول ، وإن لم يكن للمجموع وجود البتة استحال أن يكون للمجموع أثر البتة.
/ الحجة السابعة : قوله تعالى : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَا خَلَقَه مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَه كُن فَيَكُونُ} (آل عمران : 59) بين أن قوله : {كُن} متأخر عن خلقه إذ المتأخر عن الشيء لا يكون مؤثراً في المتقدم عليه ، فعلمنا أنه لا تأثير لقوله : {كُن} في وجود الشيء فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب ، وإذا ثبت هذا فنقول لا بد من التأويل وهو من وجوه :
(1/579)

الأول : وهو الأقوى أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء ، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة ونظيره قوله تعالى عند وصف خلق السموات والأرض : {فَقَالَ لَهَا وَلِلارْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآاـاِعِينَ} (فصلت : 11) من غير قول كان منهما لكن على سبل سرعة نفاذ قدرته في تكوينهما من غير ممانعة ومدافعة ونظيره قول العرب : قال الجدار للوتد لم تشقني ؟
قال : سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي ونظيره قوله تعالى : {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَه وَلَـاكِن لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } (الإسراء : 44). الثاني : أنه علامة يفعلها الله تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً يحكى ذلك عن أبي الهذيل. الثالث : أنه خاص بالموجودين الذين قال لهم ؛ {كُونُوا قِرَدَةً خَـاسِئِينَ} (البقرة : 65) ومن جرى مجراهم وهو قول الأصم. الرابع : أنه أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة والكل ضعيف والقوي هو الأول.
جزء : 4 رقم الصفحة : 22
27
اعلم أن هذا هو النوع الحادي عشر من قبائح اليهود والنصارى والمشركين ، ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أن الله تعالى لما حكى عن اليهود والنصارى والمشركين ما يقدح في التوحيد وهو أنه تعالى اتخذ الولد ، حكى الآن عنهم ما يقدح في النبوة ، وقال أكثر المفسرين ؛ هؤلاء هم مشركو العرب والدليل عليه قوله تعالى : {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الارْضِ يَنابُوعًا} (الإسراء : 90) وقالوا : {بَلْ قَالُوا أَضْغَـاثُ أَحْلَـاما بَلِ} (الأنبياء : 5) ، وقالوا {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَـا اـاِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا } (الفرقان : 21) هذا قول أكثر المفسرين ، إلا أنه ثبت أن أهل الكتاب سألوا ذلك ، والدليل عليه قوله تعالى : {يَسْـاَلُكَ أَهْلُ الْكِتَـابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـابًا مِّنَ السَّمَآءِا فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى ا أَكْبَرَ مِن ذَالِكَ} (النساء : 153) فإن قيل : الدليل على أن المراد مشركو العرب أنه تعالى وصفهم بأنهم لا يعلمون ، وأهل الكتاب أهل العلم ، قلنا : المراد أنهم لا يعلمون التوحيد والنبوة كما ينبغي ، وأهل الكتاب كانوا كذلك.
جزء : 4 رقم الصفحة : 27
المسألة الثانية : تقرير هذه الشبهة التي تمسكوا بها أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء فلا بد / وأن يختار أقرب الطرق المفضية إليه وأبعدها عن الشكوك والشبهات ، إذا ثبت هذا فنقول : إن الله تعالى يكلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول : يا محمد ، إنه كلمك والدليل عليه قوله تعالى : {فَأَوْحَى ا إِلَى عَبْدِه مَآ أَوْحَى } (النجم : 10) فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة وأيضاً فإن كان تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك بآية ومعجزة وهذا منهم طعن في كون القرآن آية ومعجزة ، لأنهم لو أقروا بكونه معجزة لاستحال أن يقولوا : هلا يأتينا بآية ثم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : {كَذَالِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِم تَشَـابَهَتْ قُلُوبُهُم قَدْ بَيَّنَّا الايَـاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ، وحاصل هذا الجواب أنا قد أيدنا قول محمد صلى الله عليه وسلّم بالمعجزات ، وبينا صحة قوله بالآيات وهي القرآن وسائر المعجزات ، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت وإذا كان كذلك لم يجب إجابتها لوجوه. الأول : أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة فقد تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب ، فلو كان غرضه طلب الحق لاكتفى بتلك الدلالة ، فحيث لم يكتف بها وطلب الزائد عليها علمنا أن ذلك للطلب من باب العناد واللجاج ، فلم تكن إجابتها واجبة ونظيره قوله تعالى : {وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـاتٌ مِّن رَّبِّه ا قُلْ إِنَّمَا الايَـاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَـابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } (العنكبوت : 50 ، 51) فبكتهم بما في القرآن من الدلالة الشافية. وثانيها : لو كان في معلوم الله تعالى أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لفعلها ، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجاً فلا جرم لم يفعل ذلك ولذلك قال تعالى : {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُم وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ} (الأنفال : 23). وثالثها : إنما حصل في تلك الآيات أنواع من المفساد وربما أوجب حصولها هلاكهم واستئصالهم إن استمروا بعد ذلك على التكذيب وربما كان بعضها منتهياً إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف ، وربما كانت كثرتها وتعاقبها يقدح في كونها معجزة ، لأن الخوارق متى توالت صار انخراق العادة عادة ، فحينئذ يخرج عن كونه معجزاً وكل ذلك أمور لا يعلمها إلا الله علام الغيوب فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح في النبوة.
(1/580)

جزء : 4 رقم الصفحة : 27
أما قوله تعالى : {تَشَـابَهَتْ قُلُوبُهُمْ } فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم ، فكما أن قوم موسى كانوا أبداً في التعنت واقتراح الأباطيل ، كقولهم : {لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} (البقرة : 61) وقولهم : {اجْعَل لَّنَآ إِلَـاهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ } (الأعراف : 138) وقوله : {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } (البقرة : 67) وقولهم : {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} (النساء : 153) فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبداً في العناد واللجاج وطلب الباطل.
أما قوله تعالى : {قَدْ بَيَّنَّا الايَـاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} فالمراد أن القرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة وكلام الذئب ، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، آيات قاهرة ، ومعجزات باهرة لمن كان طالباً لليقين.
جزء : 4 رقم الصفحة : 27
28
اعلم أن القوم لما أصروا على العناد واللجاج الباطل واقترحوا المعجزات على سبيل التعنت بين الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلّم أنه لا مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة وكما بين ذلك بين أنه لا مزيد على ما فعله الرسول في باب الإبلاغ والتنبيه لكي لايكثر غمه بسبب إصرارهم على كفرهم وفي قوله : {بِالْحَقِّ} وجوه. أحدها : أنه متعلق بالإرسال ، أي أرسلناك إرسالاً بالحق. وثانيها : أنه متعلق بالبشير والنذير أي أنت مبشر بالحق ومنذر به. وثالثها : أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن ، أي أرسلناك بالقرآن حال كونه بشيراً لمن أطاع الله بالثواب ونذيراً لمن كفر بالعقاب ، والأولى أن يكون البشير والنذير صفة للرسول صلى الله عليه وسلّم فكأنه تعالى قال : إنا أرسلناك يا محمد بالحق لتكون مبشراً لمن اتبعك واهتدى بدينك ومنذراً لمن كفر بك وضل عن دينك.
أما قوله تعالى : {وَلا تُسْـاَلُ عَنْ أَصْحَـابِ الْجَحِيمِ} ففيه قراءتان :
الجمهور برفع التاء واللام على الخبر ، وأما نافع فبالجزم وفتح التاء على النهي.
أما على القراءة الأولى ففي التأويل وجوه. أحدها : أن مصيرهم إلى الجحيم فمعصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عن ذلك وهو كقوله : {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَـاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (الرعد : 40) ، وقوله : {عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ } (النور : 54). والثاني : أنك هاد وليس لك من الأمر شيء ، فلا تأسف ولا تغتم لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب ونظيره قوله : {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } (فاطر : 8). الثالث : لا تنظر إلى المطيع والعاصي في الوقت ، فإن الحال قد يتغير فهو غيب فلا تسأل عنه ، وفي الآية دلالة على أن أحداً لا يسأل عن ذنب غيره ولا يؤاخذ بما اجترمه سواه سواء كان قريباً أو كان بعيداً.
أما القراءة الثانية ففيها وجهان ، الأول : روي أنه قال : ليت شعري ما فعل أبواي ؟
فنهي عن السؤال عن الكفرة وهذه الرواية بعيدة لأنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بكفرهم ، وكان عالماً بأن الكافر معذب ، فمع هذا العلم كيف يمكن أن يقول : ليت شعري ما فعل أبواي. والثاني : معنى هذا النهي تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب ، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بلية فيقال لك : لا تسأل عنه ، ووجه التعظيم أن المسؤول يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره ، أو أنت مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره ، فلا تسأل ، والقراءة الأولى يعضدها قراءة أبي : (وما تسأل) وقراءة عبد الله (ولن تسأل).
جزء : 4 رقم الصفحة : 28
29
(1/581)

اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله بما تقدم من الآية وبين أن العلة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم وأنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في تشددهم في باطلهم وثباتهم على كفرهم أنهم يريدون مع ذلك أن يتبع ملتهم ولا يرضون منه بالكتاب ، بل يريدون منه الموافقة لهم فيما هم عليه فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول وشرح ما يوجب اليأس من موافقتهم والملة هي الدين ثم قال : {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى } بمعنى أن هدى الله هو الذي يهدي إلى الإسلام وهو الهدي الحق والذي يصلح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى ، وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى ، ألا ترى إلى قوله : {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم} أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع ، {بَعْدَ الَّذِي جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } أي من الدين المعلوم صحته بالدلائل القاطعة. {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} أي معين يعصمك ويذب عنك ، بل الله يعصمك من الناس إذا أقمت على الطاعة والاعتصام بحبله قالوا : الآية تدل على أمور منها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ، فإن في هذه الصورة علم الله أنه لا يتبع أهواءهم ومع ذلك فقد توعده عليه ونظيره قوله : { لئن أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (الزمر : 65) وإنما حسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هذا الوعيد أحد صوارفه. وثانيها : أن قوله : {بَعْدَ الَّذِي جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } يدل على أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة وإذا صح ذلك فبأن لا يجوز الوعيد إلا بعد القدرة أولى فبطل به قول من يجوز تكليف ما لا يطاق. وثالثها : فيها دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلاً ، فمن هذا الوجه يدل على بطلان التقليد. ورابعها : فيها دلالة على أنه لا شفيع لمستحق العقاب لأن غير الرسول إذا اتبع هواه لو كان يجد شفيعاً ونصيراً لكان الرسول أحق بذلك وهذا ضعيف ، لأن اتباع أهوائهم كفر ، وعندنا لا شفاعة في الكفر.
جزء : 4 رقم الصفحة : 29
29
شا المسألة الأولى : {الَّذِينَ} موضعه رفع بالابتداء. و{أُوالَـا ئِكَ} ابتداء ثان و{يُؤْمِنُونَ بِه } خبره.
المسألة الثانية : المراد بقوله : {الَّذِينَ ءَاتَيْنَـاهُمُ الْكِتَـابَ} من هم فيه قولان :
القول الأول : أنهم المؤمنون الذين آتاهم الله القرآن واحتجوا عليه من وجوه. أحدها : أن قوله : {يَتْلُونَه حَقَّ تِلاوَتِه } حث وترغيب في تلاوة هذا الكتاب ، ومدح على تلك التلاوة ، والكتاب الذي هذا شأنه هو القرآن لا التوراة والإنجيل ، فإن قراءتهما غير جائزة. وثانيها : أن قوله تعالى : {أُوالَـا ئِكَ يُؤْمِنُونَ بِه } يدل على أن الإيمان مقصود عليهم ، ولو كان المراد أهل الكتاب لما كان كذلك. وثالثها : قوله : {وَمن يَكْفُرْ بِه فَ أولئك هُمُ الْخَـاسِرُونَ} والكتاب الذي يليق به هذا الوصف هو القرآن.
القول الثاني : أن المراد بالذين آتاهم الكتاب ، هم الذين آمنوا بالرسول من اليهود ، والدليل عليه أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب فلما ذم طريقتهم وحكى عنهم سوء أفعالهم ، أتبع ذلك بمدح من ترك طريقتهم ، بل تأمل التوراة وترك تحريفها وعرف منها صحة نبوة محمد عليه السلام.
أما قوله تعالى : {يَتْلُونَه حَقَّ تِلاوَتِه } فالتلاوة لها معنيان. أحدهما : القراءة. الثاني : الإتباع فعلاً ، لأن من اتبع غيره يقال تلاه فعلاً ، قال الله تعالى : {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَـاـاهَا} (الشمس : 2) فالظاهر أنه يقع عليهما جميعاً ، ويصح فيهما جميعاً المبالغة لأن التابع لغيره قد يستوفي حق الاتباع فلا يخل بشيء منه ، وكذلك التالي يستوفي حق قراءته فلا يخل بما يلزم فيه ، والذين تأولوه على القراءة هم الذين اختلفوا على وجوه. فأولها : أنهم تدبروه فعملوا بموجبه حتى تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما. وثانيها : أنهم خضعوا عند تلاوته ، وخشعوا إذا قرأوا القرآن في صلاتهم وخلواتهم. وثالثها : أنهم عملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه ، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه وفوضوه إلى الله سبحانه. ورابعها : يقرؤنه كما أنزل الله ، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ، ولا يتأولونه على غير الحق. وخامسها : أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه لأنها مشتركة في مفهوم واحد ، وهو تعظيمها ، والانقياد لها لفظاً ومعنى ، فوجب حمل اللفظ على هذا القدر المشترك تكثيراً لفوائد كلام الله تعالى والله أعلم.
جزء : 4 رقم الصفحة : 29
30
(1/582)

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استقصى في شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ثم في شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم وختم هذا الفصل بما بدأ به وهو قوله : {يَـابَنِى إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ} إلى قوله : {وَلا هُمْ يُنصَرُونَ} شرع سبحانه ههنا في نوع آخر من البيان وهو أن ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وكيفية أحواله ، والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام شخص يعترف بفضله جميع الطوائف والملل ، فالمشركين كانوا معترفين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخادمي بيته. وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا أيضاً مقرين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ، فحكى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام أموراً توجب على المشركين وعلى اليهود والنصارى قبول قول محمد صلى الله عليه وسلّم والاعتراف بدينه والانقياد لشرعه ، وبيانه من وجوه :
أحدها : أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف فلما وفى بها وخرج عن عهدتها لا جرم نال النبوة والإمامة وهذا مما ينبه اليهود والنصارى والمشركين على أن الخير لا يحصل في الدنيا والآخرة إلا بترك التمرد والعناد والانقياد لحكم الله تعالى وتكاليفه. وثانيها : أنه تعالى حكى عنه أنه طلب الإمامة لأولاده فقال الله تعالى : {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ} فدل ذلك على أن منصب الإمامة والرياسة في الدين لا يصل إلى الظالمين ، فهؤلاء متى أرادوا وجدان هذا المنصب وجب عليهم ترك اللجاج والتعصب للباطل. وثالثها : أن الحج من خصائص دين محمد صلى الله عليه وسلّم ، فحكى الله تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحجة على اليهود والنصارى في وجوب الانقياد لذلك. ورابعها : أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود والنصارى ، فبين الله تعالى أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه ووجوب الاقتداء به فكان ذلك مما يوجب زوال ذلك الغضب عن قلوبهم. وخامسها : أن من المفسرين من فسر الكلمات التي ابتلى الله تعالى إبراهيم بها بأمور يرجع حاصلها إلى تنظيف البدن وذلك مما يوجب على المشركين اختيار هذه الطريقة لأنهم كانوا معترفين بفضل إبراهيم عليه السلام ويوجب عليهم ترك ما كانوا عليه من التلطخ بالدماء وترك النظافة ومن المفسرين من فسر تلك الكلمات بما أن إبراهيم عليه السلام صبر على ما ابتلى به في دين الله تعالى / وهو النظر في الكواكب والقمر والشمس ومناظرة عبدة الأوثان ، ثم الانقياد لأحكام الله تعالى في ذبح الولد والإلقاء في النار ، وهذا يوجب على هؤلاء اليهود والنصارى والمشركين الذين يعترفون بفضله أن يتشبهوا به في ذلك ويسلكوا طريقته في ترك الحسد والحمية وكراهة الانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلّم ، فهذه الوجوه التي لأجلها ذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام.
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أموراً يرجع بعضها إلى الأمور الشاقة التي كلفه بها ، وبعضها يرجع إلى التشريفات العظيمة التي خصه الله بها ، ونحن نأتي على تفسيرها إن شاء الله تعالى ، وهذه الآية دالة على تكليف حصل بعده تشريف.
أما التكليف فقوله تعالى : {وَإِذِ ابْتَلَى ا إِبْرَاه مَ رَبُّه بِكَلِمَـاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : العامل في {إِذَآ} إما مضمر نحو : واذكر إذ ابتلى إبراهيم أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت وإما {قَالَ إِنِّى جَـاعِلُكَ} .
(1/583)

المسألة الثانية : أنه تعالى وصف تكليفه إياه ببلوى توسعاً لأن مثل هذا يكون منا على جهة البلوى والتجربة والمحنة من حيث لا يعرف ما يكون ممن يأمره ، فلما كثر ذلك في العرف بيننا جاز أن يصف الله تعالى أمره ونهيه بذلك مجازاً لأنه تعالى لا يجوز عليه الاختبار والامتحان لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد ، وقال هشام بن الحكم : إنه كان في الأزل عالماً بحقائق الأشياء وماهياتها فقط ، فأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو تعالى لا يعلمها إلا عند وقوعها واحتج عليه بالآية والمعقول ، أما الآية فهي هذه الآية ، قال : إنه تعالى صرح بأنه يبتلي عباده ويختبرهم وذكر نظيره في سائر الآيات كقوله تعالى : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَـاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّـابِرِينَ} وقال : {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } وقال في هذه السورة بعد ذلك : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} (البقرة : 155) وذكر أيضاً ما يؤكد هذا المذهب نحو قوله : {فَقُولا لَه قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّه يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } (طه : 44) وكلمة {لَعَلَّ} للترجي وقال : {قَدِيرٌ * يَـا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة : 21) فهذه الآيات ونظائرها دالة على أنه سبحانه وتعالى لا يعلم وقوع الكائنات قبل وقوعها ، أما العقل فدل على وجوه. أحدها : أنه تعالى
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
(1/584)

لو كان عالماً بوقوع الأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق وعن الخلق ، وذلك محال فما أدى إليه مثله بيان الملازمة : أن ما علم الله تعالى وقوعه استحال أن لا يقع لأن العلم بوقوع الشيء وبلا وقوع ذلك الشيء متضادان والجمع بين الضدين محال ، وكذلك ما علم الله أنه لا يقع كان وقوعه محالاً لعين هذه الدلالة ، فلو كان الباري تعالى عالماً بجميع الأشياء الجزئية قبل وقوعها لكان بعضها واجب الوقوع وبعضها ممتنع الوقوع ، ولا قدرة البتة لا على الواجب ولا على الممتنع فيلزم نفي القدرة على هذه الأشياء عن الخالق تعالى وعن الخلق وإنما قلنا : إن ذلك محال أما في حق الخالق فلأنه ثبت أن العالم محدث وله مؤثر وذلك المؤثر يجب أن يكون قادراً إذ لو كان موجباً لذاته لزم من قدمه قدم العالم أو من حدوث العالم حدوثه ، وأما / في حق الخلق فلأنا نجد من أنفسنا وجداناً ضرورياً كوننا متمكنين من الفعل والترك ، على معنى أنا إن شئنا الفعل قدرنا عليه ، وإن شئنا الترك قدرنا على الترك ، فلو كان أحدهما واجباً والآخر ممتنعاً لما حصلت هذه المكنة التي يعرف ثبوتها بالضرورة. وثانيها : أن تعلق العلم بأحد المعلومين مغاير لتعلقه بالمعلوم الآخر ، ولذلك فإنه يصل منا تعقل أحد التعلقين مع الذهول عن التعلق الآخر ، ولو كان التعلقان تعلقاً واحداً لاستحال ذلك ، لأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون معلوماً مذهولاً عنه ، وإذا ثبت هذا فنقول : لو كان تعالى عالماً بجميع هذه الجزئيات ، لكان له تعالى علوم غير متناهية ، أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية ، وعلى التقديرين فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال ، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منه ، فالناقص متناه ، والزائد زاد على المتناهي بتلك العشرة/ والمتناهي إذا ضم إليه غير المتناهي كان الكل متناهياً ، فإذاً وجود أمور غير متناهية محال ، فإن قيل : الموجود هو العلم ، فأما تلك التعلقات فهي أمور نسبية لا وجود لها في الأعيان ، قلنا : العلم إنما يكون علماً لو كان متعلقاً بالمعلوم ، فلو لم يكن ذلك التعلق حاصلاً في نفس الأمر لزم أن لا يكون العلم علماً في نفس الأمر وذلك محال. وثالثها : أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها ، هل يعلم الله عددها أو لا يعلم ، فإن علم عددها فهي متناهية ، لأن كل ما له عدد معين فهو متناه ، وإن لم يعلم الله تعالى عددها لم يكن عالماً بها على سبيل التفصيل ، وكلامنا ليس إلا في العلم التفصيلي. ورابعها : أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه ، وكل متميز عما عداه فإن ما عداه خارج عنه ، وكل ما خرج عنه فهو متناه ، فإذن كل معلوم فهو متناه ، فإذن كل ما هو غير متناه استحال أن يكون معلوماً. وخامسها : أن الشيء إنما يكون معلوماً لو كان للعلم تعلق به ونسبة إليه وانتساب الشيء إلى الشيء يعتبر تحققه في نفسه ، فإنه إذا لم يكن للشيء في نفسه تعين استحال أن يكون لغيره إليه من حيث هو هو نسبة ، والشيء المشخص قبل دخوله في الوجود لم يكن مشخصاً البتة ، فاستحال كونه متعلق العلم ، فإن قيل : يبطل هذا بالمحالات والمركبات قبل دخولها في الوجود ، فإنا نعلمها وإن لم يكن لها تعينات البتة ، قلنا : هذا الذي أوردتموه نقض على كلامنا ، وليس جواباً عن كلامنا ، وذلك مما لا يزيل الشك والشبهة ، قال هشام : فهذه الوجوه العقلية تدل على أنه لا حاجة إلى صرف هذه الآيات عن ظواهرها ، واعلم أن هشاماً كان رئيس الرافضة ، فلذلك ذهب قدماء الروافض إلى القول بالنداء ، أما الجمهور من المسلمين فإنهم اتفقوا على أنه سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات قبل وقوعها ، واحتجوا عليها بأنها قبل وقوعها تصح أن تكون معلومة لله تعالى إنما قلنا أنها تصح أن تكون معلومة لأنا نعلمها قبل وقوعها فإنا نعلم أن الشمس غداً تطلع من مشرقها ، والوقوع يدل على الإمكان ، وإنما قلنا : أنه لما صح أن تكون معلومة وجب أن تكون معلومة لله تعالى ، لأن تعلق علم الله تعالى بالمعلوم أمر ثبت له لذاته ، فليس تعلقه ببعض ما يصح أن يعلم أولى من تعلقه بغيره ، فلو حصل التخصيص لافتقر إلى مخصص ، وذلك / محال ، فوجب أن لا يتعلق بشيء من المعلومات أصلاً وإن تعلق بالبعض فإنه يتعلق بكلها وهو المطلوب.
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
أما الشبهة الأولى : فالجواب عنها أن العلم بالوقوع تبع للوقوع ، والوقوع تبع للقدرة ، فالتابع لا ينافي المتبوع ، فالعلم لازم لا يغني عن القدرة.
وأما الشبهة الثانية : فالجواب عنها : أنها منقوضة بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها.
وأما الشبهة الثالثة : فالجواب عنها : أن الله تعالى لا يعلم عددها ، ولا يلزم منه إثبات الجهل ، لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين ، ثم أن الله تعالى لا يعلم عددها ، فأما إذا لم يكن في نفسها عدد ، لم يلزم من قولنا : أن الله تعالى لا يعلم عددها إثبات الجهل.
(1/585)

وأما الشبهة الرابعة : فالجواب عنها : أنه ليس من شرط المعلوم أن يعلم العلم تميزه عن غيره ، لأن العلم بتميزه عن غيره يتوقف على العلم بذلك الغير ، فلو كان توقف العلم بالشيء على العلم بتميزه عن غيره ، وثبت أن العلم بتميزه من غيره يوقف على العلم بغيره ، لزم أن لا يعلم الإنسان شيئاً واحداً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها.
وأما الشبهة الخامسة : فالجواب عنها بالنقض الذي ذكرناه ، وإذا انتقضت الشبهة سقطت ، فيبقى ما ذكرناه من الدلالة على عموم عالمية الله تعالى سالماً عن المعارض ، وبالله التوفيق.
المسألة الثالثة : اعلم أن الضمير لا بد وأن يكون عائداً إلى مذكور سابق ، فالضمير إما أن يكون متقدماً على المذكور لفظاً ومعنى/ وإما أن يكون متأخراً عنه لفظاً ومعنى ، وإما أن يكون متقدماً لفظاً ومتأخراً معنى ، وإما أن يكون بالعكس منه. أما القسم الأول : وهو أن يكون متقدماً لفظاً ومعنى فالمهشور عند النحويين أنه غير جائز ، وقال ابن جنى بجوازه ، واحتج عليه بالشعر والمعقول ، أما الشعر فقوله :
جزى ربه عني عدي بن حاتم
جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
وأما المعقول فلأن الفاعل مؤثر والمفعول قابل وتعلق الفعل بهما شديد ، فلا يبعد تقديم أي واحد منهما كان على الآخر في اللفظ ، ثم أجمعنا على أنه لو قدم المنصوب على المرفوع في اللفظ فإنه جائز ، فكذا إذا لم يقدم مع أن ذلك التقديم جائز. القسم الثاني : وهو أن يكون الضمير متأخراً لفظاً ومعنى ، وهذا لا نزاع في صحته ، كقولك : ضرب زيد غلامه. القسم الثالث : أن يكون الضمير متقدماً في اللفظ متأخراً في المعنى وهو كقولك : ضرب غلامه زيد ، فههنا الضمير وإن كان متقدماً في اللفظ لكنه متأخر في المعنى ، لأن المنصوب متأخر عن المرفوع في التقدير ، فيصير كأنك قلت : زيد ضرب غلامه فلا جرم كان جائزاً. القسم الرابع : أن يكون الضمير متقدماً في المعنى متأخراً في اللفظ ، وهو كقوله تعالى : {وَإِذِ ابْتَلَى ا إِبْرَاه مَ رَبُّه } فإن المرفوع مقدم في المعنى على المنصوب ، فيصير التقدير : وإذ ابتلى ربه إبراهيم ، إلا أن الأمر وإن كان كذلك بحسب المعنى لكن لما لم يكن الضمير متقدماً في اللفظ بل كان متأخراً لا جرم كان جائزاً حسناً.
/
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر : (إبراهام) بألف بين الهاء والميم ، والباقون (إبراهيم) وهما لغتان ، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة رضي الله عنه (إبراهيم ربه) برفع إبراهيم ونصب ربه ، والمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه الله تعالى إليهن أم لا.
(1/586)

المسألة الخامسة : اختلف المفسرون في أن ظاهر اللفظ هل يدل على تلك الكلمات أم لا ؟
فقال بعضهم : اللفظ يدل عليها وهي التي ذكرها الله تعالى من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بإبعاث محمد صلى الله عليه وسلّم ، فإن هذه الأشياء أمور شاقة ، أما الإمامة فلأن المراد منها ههنا هو النبوة ، وهذا التكليف يتضمن مشاق عظيمة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم يلزمه أن يتحمل جميع المشاق والمتاعب في تبليغ الرسالة ، وأن لا يخون في أداء شيء منها ، ولو لزمه القتل بسبب ذلك ولا شك أن ذلك من أعظم المشاق ، ولهذا قلنا : إن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره ، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده ، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه ، ثم أنه يتضمن إقامة المناسك ، وقد امتحن الله الخليل عليه الصلاة والسلام بالشيطان في الموقف لرمي الجمار وغيره ، وأما اشتغاله بالدعاء في أن يبعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلّم في آخر الزمان ، فهذا مما يحتاج إليه إخلاص العمل لله تعالى ، وإزالة الحسد عن القلب بالكلية ، فثبت أن الأمور المذكورة عقيب هذه الآية : تكاليف شاقة شديدة ، فأمكن أن يكون المراد من ابتلاء الله تعالى إياه بالكلمات هو ذلك ، ثم الذي يدل على أن المراد ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف من حروف العطف فلم يقبل ، وقال : إني جاعلك للناس إماماً ، بل قال : {إِنِّى جَـاعِلُكَ} فدل هذا على أن ذلك الابتلاء ليس إلا التكليف بهذه الأمور المذكورة ، واعترض القاضي على هذا القول فقال : هذا إنما يجوز لو قال الله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمها إبراهيم ، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك : إني جاعلك للناس إماماً فأتمهن ، إلا أنه ليس كذلك/ بل ذكر قوله : {إِنِّى جَـاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } بعد قوله : {فَأَتَمَّهُنَّ } وهذا يدل على أنه تعالى امتحنه بالكلمات وأتمها إبراهيم ، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك : {إِنِّى جَـاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } ويمكن أن يجاب عنه بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط ، بل الإمامة وبناء البيت وتطهيره والدعاء في بعثة محمد صلى الله عليه وسلّم ، كأن الله تعالى ابتلاه بمجموع هذه الأشياء ، فأخبر الله تعالى عنه أنه ابتلاه بأمور على الإجمال ، ثم أخبر عنه أنه أتمها ، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل ، وهذا مما لا يعد فيه. القول الثاني : أن ظاهر الآية لا دلالة فيه على المراد بهذه الكلمات وهذا القول يحتمل وجهين ، أحدهما : بكلمات كلفه الله بهن ، وهي أوامره ونواهيه فكأنه تعالى قال :
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
{وَإِذِ ابْتَلَى ا إِبْرَاه مَ رَبُّه بِكَلِمَـاتٍ} مما شاء كلفه بالأمر بها. والوجه الثاني : بكلمات تكون من إبراهيم يكلم بها قومه ، أي يبلغهم إياها ، والقائلون بالوجه الأول اختلفوا في أن ذلك التكليف بأي شيء كان على أقوال. أحدها : قال ابن عباس : هي عشر خصال كانت فرضاً في شرعه وهي سنة في شرعنا ، خمس في الرأس وخمس في الجسد ، أما التي في الرأس : فالمضمضة ، والإستنشاق / وفرق الرأس ، وقص الشارب ، والسواك ، وأما التي في البدن : فالختان ، وحلق العانة ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظفار ، والاستنجاء بالماء. وثانيها : قال بعضهم : ابتلاه بثلاثين خصلة من خصال الإسلام ، عشر منها في سورة براءة : {التَّـا ئِبُونَ الْعَـابِدُونَ} (التوبة : 112) إلى آخر الآية ، وعشر منها في سورة الأحزاب : {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَـاتِ} (الأحزاب : 35) إلى آخر الآية ، وعشر منها في المؤمنون : {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} (المؤمنون : 1) إلى قوله : { أولئك هُمُ الْوَارِثُونَ} (المؤمنون : 10) وروى عشر في : {سَأَلَ سَآاـاِلُ } (المعارج : 1) إلى قوله : {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (المعارج : 34) فجعلها أربعين سهماً عن ابن عباس. وثالثها : أمره بمناسك الحج ، كالطواف والسعي والرمي والإحرام وهو قول قتادة وابن عباس. ورابعها : ابتلاه بسبعة أشياء : بالشمس ، والقمر ، والكواكب ، والختان على الكبر ، والنار ، وذبح الولد ، والهجرة ، فوفي بالكل فلهذا قال الله تعالى : {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى } (النجم : 37) عن الحسن. وخامسها : أن المراد ما ذكره في قوله : {إِذْ قَالَ لَه رَبُّه ا أَسْلِم قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَـالَمِينَ} (البقرة : 131). وسادسها : المناظرات الكثيرة في التوحيد مع أبيه وقومه ومع نمرود والصلاة والزكاة والصوم ، وقسم الغنائم ، والضيافة ، والصبر عليها ، قال القفال رحمه الله : وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة شدة ومشقة ، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء ويتناول كل واحد منها ، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل ، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض فحينئذ يقع التعارض بين هذه الروايات ، فوجب التوقف والله أعلم.
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
(1/587)

المسألة السادسة : قال القاضي : هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة ، لأن الله تعالى نبه على أن قيامه عليه الصلاة والسلام بهن كالسبب لأن يجعله الله إماماً ، والسبب مقدم على المسبب ، فوجب كون هذا الابتلاء متقدماً في الوجود على صيرورته إماماً وهذا أيضاً ملائم لقضايا العقول ، وذلك لأن الوفاء من شرائط النبوة لا يحصل إلا بالإعراض عن جميع ملاذ الدنيا وشهواتها وترك المداهنة مع الخلق وتقبيح ما هم عليه من الأديان الباطلة والعقائد الفاسدة ، وتحمل الأذى من جميع أصناف الخلق ، ولا شك أن هذا المعنى من أعظم المشاق وأجل المتاعب ، ولهذا السبب يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم أجراً من أمته/ وإذا كان كذلك فالله تعالى ابتلاه بالتكاليف الشاقة ، فلما وفى عليه الصلاة والسلام بها لا جرم أعطاه خلعة النبوة والرسالة ، وقال آخرون : إنه بعد النبوة لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي ، فلا بد من تقدم الوحي على معرفته بكونه كذلك ، أجاب القاضي عنه بأنه يحتمل أنه تعالى أوحى إليه على لسان جبريل عليه السلام بهذه التكاليف الشاقة ، فلما تمم ذلك جعله نبياً مبعوثاً إلى الخلق ، إذا عرفت هذه المسألة فنقول ما قال القاضي : يجوز أن يكون المراد بالكلمات ، ما ذكره الحسن من حديث الكوكب والشمس والقمر ، فإنه عليه الصلاة والسلام ابتلاه الله بذلك قبل النبوة ، أما ذبح الولد والهجرة والنار فكل ذلك كان بعد النبوة ، وكذا الختان ، فإنه عليه السلام يروي أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين سنة ، ثم قال : فإن قامت الدلالة السمعية القاهرة على أن المراد من الكلمات / هذه الأشياء كان المراد من قوله : أنه سبحانه علم من حاله أنه يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة.
المسألة السابعة : الضمير المستكن في {بِكَلِمَـاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } في إحدى القراءتين لإبراهيم بمعنى فقام بهن حق القيام ، وأداهن أحسن التأدية ، من غير تفريط وتوان. ونحوه : {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى } وفي الأخرى لله تعالى بمعنى : فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً.
أما قوله تعالى : {إِنِّى جَـاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } فالإمام اسم من يؤتم به كالإزار لما يؤتزر به ، أي يأتمون بك في دينك. وفيه مسائل :
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
المسألة الأولى : قال أهل التحقيق : المراد من الإمام ههنا النبي ويدل عليه وجوه. أحدها : أن قوله : {لِلنَّاسِ إِمَامًا } يدل على أنه تعالى جعله إماماً لكل الناس والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون رسولاً من عند الله مستقلاً بالشرع لأنه لو كان تبعاً لرسول آخر لكان مأموماً لذلك الرسول لا إماماً له ، فحينئذ يبطل العموم. وثانيها : أن اللفظ يدل على أنه إمام في كل شيء والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون نبياً. وثالثها : أن الأنبياء عليهم السلام أئمة من حيث يجب على الخلق اتباعهم ، قال الله تعالى : {وَجَعَلْنَـاهُمْ أَاـاِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} (الأنبياء : 73) والخلفاء أيضاً أئمة لأنهم رتبوا في المحل الذي يجب على الناس اتباعهم وقبول قولهم وأحكامهم والقضاة والفقهاء أيضاً أئمة لهذا المعنى ، والذي يصلي بالناس يسمى أيضاً إماماً لأن من دخل في صلاته لزمه الائتمام به. قال عليه الصلاة والسلام : "إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ولا تختلفوا على إمامكم" فثبت بهذ أن اسم الإمام لمن استحق الاقتداء به في الدين وقد يسمى بذلك أيضاً من يؤتم به في الباطل ، قال الله تعالى : {وَجَعَلْنَـاهُمْ أَاـاِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ } (القصص : 41) إلا أن اسم الإمام لا يتناوله على الإطلاق بل لا يستعمل فيه إلا مقيداً ، فإنه لما ذكر أئمة الضلال قيده بقوله تعالى : {يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ } كما أن اسم الإله لا يتناول إلا المعبود الحق ، فأما المعبود الباطل فإنما يطلق عليه اسم الإله مع القيد ، قال الله تعالى : {فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ} (هود : 101) وقال : {وَانظُرْ إِلَى ا إِلَـاهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا } (طه : 97) إذا ثبت أن اسم الإمام يتناول ما ذكرناه ، وثبت أن الأنبياء في أعلى مراتب الإمامة وجب حمل اللفظ ههنا عليه ، لأن الله تعالى ذكر لفظ الإمام ههنا في معرض الامتنان ، فلا بد وأن تكون تلك النعمة من أعظم النعم ليحسن نسبة الامتنان فوجب حمل هذه الإمامة على النبوة.
(1/588)

المسألة الثانية : أن الله تعالى لما وعده بأن يجعله إماماً للناس حقق الله تعالى ذلك الوعد فيه إلى قيام الساعة ، فإن أهل الأديان على شدة اختلافها ونهاية تنافيها يعظمون إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويتشرفون بالانتساب إليه إما في النسب وإما في الدين والشريعة حتى إن عبدة الأوثان كانوا معظمين لإبراهيم عليه السلام ، وقال الله تعالى في كتابه : {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } (النحل : 123) وقال : {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاه مَ إِلا مَن سَفِهَ نَفْسَه } (البقرة : 130) وقال في آخر سورة الحج : {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَا هُوَ سَمَّـاـاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} (الحج : 78) وجميع أمة محمد عليه الصلاة والسلام يقولون في آخر الصلاة وارحم محمداً وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
المسألة الثالثة : القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية فقالوا : إنه تعالى بين أنه إنما صار إماماً بسبب التنصيص على إمامته ونظيره قوله تعالى : {إِنِّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً } (البقرة : 30) فبين أنه لا يحصل له منصب الخلافة بالتنصيص عليه وهذا ضعيف لأنا بينا أن المراد بالإمامة ههنا النبوة ، ثم إن سلمنا أن المراد منها مطلق الإمامة لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه ، إنما النزاع في أنه هل تثبت الإمامة بغير النص ، وليس في هذه الآية تعرض لهذه المسألة لا بالنفي ولا بالإثبات.
المسألة الرابعة : قوله : {إِنِّى جَـاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } يدل على أنه عليه السلام كان معصوماً عن جميع الذنوب لأن الإمام هو الذي يؤتم به ويقتدى ، فلو صدرت المعصية منه لوجب علينا الاقتداء به في ذلك ، فيلزم أن يجب علينا فعل المعصية وذلك محال لأن كونه معصية عبارة عن كونه ممنوعاً من فعله وكونه واجباً عبارة عن كونه ممنوعاً من تركه والجميع محال.
أما قوله : {مِن ذُرِّيَّتِى} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الذرية : الأولاد وأولاد الأولاد للرجل وهو من ذرأ الله الخلق وتركوا همزها للخفة كما تركوا في البرية وفيه وجه آخر وه وأن تكون منسوبة إلى الذر.
المسألة الثانية : قوله ؛ {وَمِن ذُرِّيَّتِى } عطف على الكاف كأنه قال : وجاعل بعض ذريتي كما يقال لك : سأكرمك ، فتقول : وزيداً.
المسألة الثالثة : قال بعضهم : إنه تعالى أعلمه أن في ذريته أنبياء فأراد أن يعلم هل يكون ذلك في كلهم أو في بعضهم وهل يصلح جميعهم لهذا الأمر ؟
فأعلمه الله تعالى أن فيهم ظالماً لا يصلح لذلك وقال آخرون : إنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل الاستعلام ولما لم يعلم على وجه المسألة ، فأجابه الله تعالى صريحاً بأن النبوة لا تنال الظالمين منهم ، فإن قيل : هل كان إبراهيم عليه السلام مأذوناً في قوله : {وَمِن ذُرِّيَّتِى } أو لم يكن مأذوناً فيه ؟
فإن أذن الله تعالى في هذا الدعاء فلم رد دعاءه ؟
وإن لم يأذن له فيه كان ذلك ذنباً ، قلنا : قوله : {وَمِن ذُرِّيَّتِى } يدل على أنه عليه السلام طلب أن يكون بعض ذريته أئمة للناس ، وقد حقق الله تعالى إجابة دعائه في المؤمنين من ذريته كاسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وهرون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وجعل آخرهم محمداً صلى الله عليه وسلّم من ذريته الذي هو أفضل الأنبياء والأئمة عليهم السلام.
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
أما قوله تعالى : {قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة وحفص عن عاصم : {عَهْدِي} بإسكان الياء ، والباقون بفتحها ، / وقرأ بعضهم : {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ} أي من كان ظالماً من ذريتك فإنه لا ينال عهدي.
المسألة الثانية : ذكروا في العهد وجوهاً. أحدها : أن هذا العهد هو الإمامة المذكورة فيما قبل ، فإن كان المراد من تلك الإمامة هو النبوة فكذا وإلا فلا. وثانيها : {عَهْدِي} أي رحمتي عن عطاء. وثالثها : طاعتي عن الضحاك. ورابعها : أماني عن أبي عبيد ، والقول الأول أولى لأن قوله : {وَمِن ذُرِّيَّتِى } طلب لتلك الإمامة التي وعده بها بقوله : {إِنِّى جَـاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } فقوله : {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ} لا يكون جواباً عن ذلك السؤال إلا إذا كان المراد بهذا العهد تلك الإمامة.
المسألة الثالثة : الآية دالة على أنه تعالى سيعطي بعض ولده ما سأل ، ولولا ذلك لكان الجواب : لا ، أو يقول : لا ينال عهدي ذريتك ، فإن قيل : أفما كان إبراهيم عليه السلام عالماً بأن النبوة لا تليق بالظالمين ، قلنا : بلى ، ولكن لم يعلم حال ذريته ، فبين الله تعالى أن فيهم من هذا حاله وأن النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم.
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
(1/589)

المسألة الرابعة : الروافض احتجوا بهذه الآية على القدح في إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من ثلاثة أوجه. الأول : أن أبا بكر وعمر كانا كافرين ، فقد كانا حال كفرهما ظالمين ، فوجب أن يصدق عليهما في تلك الحالة أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة ، وإذا صدق عليهما في ذلك الوقت أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة ولا في شيء من الأوقات ثبت أنهما لا يصلحان للإمامة. الثاني : أن من كان مذنباً في الباطن كان من الظالمين ، فإذن ما لم يعرف أن أبا بكر وعمر ما كانا من الظالمين المذنبين ظاهراً وباطناً وجب أن لا يحكم بإمامتهما وذلك إنما يثبت في حق من تثبت عصمته ولما لم يكونا معصومين بالإتفاق وجب أن لا تتحقق إمامتهما البتة. الثالث : قالوا : كانا مشركين ، وكل مشرك ظالم والظالم لا يناله عهد الإمامة فيلزم أن لا ينالهما عهد الإمامة ، أما أنهما كانا مشركين فبالاتفاق ، وأما أن المشرك ظالم فلقوله تعالى : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان : 13) وأما أن الظالم لا يناله عهد الإمامة فلهذه الآية ، لا يقال إنهما كانا ظالمين حال كفرهما ، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول الظالم من وجد منه الظلم ، وقولنا : وجد منه الظلم أعم من قولنا وجد منه الظلم في الماضي أو في الحال بدليل أن هذا المفهوم يمكن تقسيمه إلى هذين القسمين ، ومورد التقسيم بالتقسيم بالقسمين مشترك بين القسمين وما كان مشتركاً بين القسمين لايلزم انتفاؤه لانتفاء أحد القسمين ، فلا يلزم من نفى كونه ظالماً في الحال نفي كونه ظالماً والذي يدل عليه نظراً إلى الدلائل الشرعية أن النائم يسمى مؤمناً والإيمان هو التصديق والتصديق غير حاصل حال كونه نائماً ، فدل على أنه يسمى مؤمناً لأن الإيمان كان حاصلاً قبل ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ظالماً لظلم وجد من قبل ، وأيضاً فالكلام عبارة عن حروف متوالية ، والمشي عبارة عن حصولات متوالية في أحياز متعاقبة ، فمجموع تلك الأشياء البتة لا وجود لها ، فلو كان حصول المشتق منه شرطاً في كون الإسم المشتق حقيقة وجب أن يكون اسم المتكلم والماشي وأمثالهما حقيقة في شيء أصلاً ، وأنه باطل قطعاً / فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطاً لكون الاسم المشتق حقيقة ؟
والجواب : كل ما ذكرتموه معارض ، بما أنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث ، فدل على ما قلناه ، ولأن التائب عن الكفر لا يسمى كافراً والتائب عن المعصية لا يسمى عاصياً ، فكذا القول في نظائره ، ألا ترى إلى قوله : {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } (هود : 113) فإنه نهى عن الركون إليهم حال إقامتهم على الظلم ، وقوله : {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } (التوبة : 91) معناه : ما أقاموا على الإحسان ، على أنا بينا أن المراد من الإمامة في هذه الآية : النبوة ، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة.
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
(1/590)

المسألة الخامسة : قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين : الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له ، واختلفوا في أن الفسق الطارىء هل يبطل الإمامة أم لا ؟
واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية ، ووجه الاستدلال بها من وجهين. الأول : ما بينا أن قوله : {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ} جواب لقوله : {وَمِن ذُرِّيَّتِى } وقوله : {وَمِن ذُرِّيَّتِى } طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة ، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال ، فتصير الآية كأنه تعالى قال : لا ينال الإمامة الظالمين ، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه ، فكانت الآية دالة على ما قلناه ، فإن قيل : ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً ولا يصح ذلك في الأئمة والقضاة ، قلنا : أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً وباطناً ، وأما نحن فنقول : مقتضى الآية ذلك ، إلا أنا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة ، فإن قيل : أليس أن يونس عليه السلام قال : {سُبْحَـانَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّـالِمِينَ} (الأنبياء : 87) وقال آدم : {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} (الأعراف : 23) قلنا : المذكور في الآية هو الظلم المطلق ، وهذا غير موجود في آدم ويونس عليهما السلام. الوجه الثاني : أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر ، قال الله تعالى : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَـابَنِى ءَادَمَ أَن لا تَعْبُدُوا الشَّيطَـانَ } (يس : 60) يعني ألم آمركم بهذا ، وقال الله تعالى : {قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ} (آل عمران : 183) يعني أمرنا ، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إذا ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول : لا يخلو قوله ؛ {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ} من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين ، وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى ، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر ، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين ، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق ، قال عليه السلام : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" ، ودل أيضاً على أن الفاسق لا يكون حاكماً ، وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم ، وكذلك لا تقبل شهادته ولا خبره عن النبي صلى الله عليه وسلّم ، ولا فتياه إذا أفتى ، ولا يقدم للصلاة وإن كان هو بحيث لو اقتدي به فإنه لا تفسد صلاته ، قال أبو بكر الرازي : ومن الناس من يظن / أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماماً وخليفة ، ولا يجوز كون الفاسق قاضياً ، قال : وهذا خطأ ، ولم يفرق أبو حنيفة بين الخليفة والحاكم في أن شرط كل واحد منهما العدالة ، وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة ، وأحكامه غير نافذة ، وكيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء ، وضربه فامتنع من ذلك فحبس ، فلح ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطاً ، فلما خيف عليه ، قال له الفقهاء : تول له شيئاً من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك الضرب ، فتولي له عد أحمال التبن التي تدخل فخلاه ، ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور مدينة المنصور إلى مثل ذلك وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة ، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته والقتال معه ، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن/ ثم قال : وإنما غلط من غلط في هذه الرواية أن قول أبي حنيفة : أن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه ، وتولي القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة ، والصلاة خلفه جائزة ، لأن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه ويمكنه تنفيذ الأحكام كانت أحكامه نافذة ، فلا اعتبار في ذلك بمن ولاه ، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه ، وليس شرط أعوان القاضي أن يكون عدولاً ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعواناً له على من امتنع من قبول أحكامه لكان قضاؤه نافذاً وأن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان والله أعلم.
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
المسألة السادسة : الآية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين. الأول : أنه قد ثبت أن المراد من هذا العهد : الإمامة. ولا شك أن كل نبي إمام ، فإن الإمام هو الذي يؤتم به ، والنبي أولى الناس ، وإذا دلت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقاً ، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقاً فاعلاً للذنب والمعصية أولى. الثاني : قال : {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ} فهذا العهد إن كان هو النبوة ؛ وجب أن تكون لا ينالها أحد من الظالمين وإن كان هو الإمامة ، فكذلك لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماماً يؤتم به ، وكل فاسق ظالم لنفسه فوجب أن لا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين والله أعلم.
(1/591)

المسألة السابعة ؛ اعلم أنه سبحانه بين أن له معك عهداً ، ولك معه عهداً ، وبين أنك متى تفي بعهدك ، فإنه سبحانه يفي أيضاً بعهده فقال : {وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} (البقرة : 40) ثم في سائر الآيات فإنه أفرد عهدك بالذكر ، وأفرد عهد نفسه أيضاً بالذكر ، أما عهدك فقال فيه : {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـاهَدُوا } (البقرة : 177) وقال : {وَالَّذِينَ هُمْ لامَـانَـاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (المؤمنون : 8) وقال : {عَلِيمُ * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } (المائدة : 1) وقال : { يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} (الصف : 32) وأما عهده سبحانه وتعالى فقال فيه : {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِه مِنَ اللَّه } (التوبة : 111) م بين كيفية عهده إلى أبينا آدم فقال : {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَى ا ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَه عَزْمًا} (طه : 115) ثم بين كيفية عهده إلينا فقال : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَـابَنِى ءَادَمَ} (يس : 60) ثم بين كيفية عهده مع بني إسرائيل فقال : {إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ} (آل عمران : 183) ثم بين كيفية عهده مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال : {وَعَهِدْنَآ إِلَى ا إِبْرَاه مَ وَإِسْمَـاعِيلَ} (
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
البقرة : 125) ثم بين في هذه الآية أن عهده لا يصل إلى الظالمين فقال : {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ} فهذه المبالغة الشديدة في هذه المعاهدة تقتضي البحث عن حقيقة هذه المعاهدة فنقول : العهد المأخوذ عليك ليس إلا عهد الخدمة والعبودية ، والعهد الذي التزمه الله تعالى من جهته ليس إلا عهد الرحمة والربوبية ، ثم إن العاقل إذا تأمل في حال هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا نقض هذا العهد ، ومن ربه إلا الوفاء بالعهد ، فلنشرع في معاقد هذا الباب فنقول : أول إنعامه عليك إنعام الخلق والإيجاد والإحياء وإعطاء العقل والآلة والمقصود من كل ذلك اشتغالك بالطاعة والخدمة والعبودية على ما قال : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات : 56) ونزه نفسه عن أن يكون هذا الخلق والإيجاد منه على سبيل العبث فقال : {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالارْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـاعِبِينَ} (الأنبياء : 16) {مَا خَلَقْنَـاهُمَآ إِلا بِالْحَقِّ} (الدخان : 39) وقال أيضاً : {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالارْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـاطِلا ذَالِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا } (ص : 27) وقال : {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} (المؤمنون : 115) ثم بين على سبيل التفصيل ما هو الحكمة في الخلق والإيجاد فقال : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} فهو سبحانه وفى بعهد الربوبية حيث خلقك وأحياك وأنعم عليك بوجوه النعم وجعلك عاقلاً مميزاً فإذا لم تشتغل بخدمته وطاعته وعبوديته فقد نقضت عهد عبوديتك مع أن الله تعالى وفى بعهد ربوبيته. وثانيها : أن عهد الربوبية يقتضي إعطاء التوفيق والهداية وعهد العبودية منك يقتضي الجد والاجتهاد في العمل ، ثم إنه وفى بعهد الربوبية فإنه ما ترك ذرة من الذرات إلا وجعلها هادية لك إلى سبيل الحق : {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَه } (الإسراء : 44) وأنت ما وفيت البتة بعهد الطاعة والعبودية. وثالثها : أن نعمة الله بالإيمان أعظم النعم ، والدليل عليه أن هذه النعمة لو فاتتك لكنت أشقى الأشقياء أبد الآبدين ودهر الداهرين ، ثم هذه النعمة من الله تعالى لقوله :
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
(1/592)

{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه } (النحل : 53) ثم مع أن هذه النعمة منه فإنه يشكرك عليها وقال : {فَ أولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} (الإسراء : 19) فإذا كان الله تعالى يشكرك على هذه النعمة فبأن تشكره على ما أعطى من التوفيق والهداية كان أولى ، ثم إنك ما أتيت إلا بالكفران على ما قال : {قُتِلَ الانسَـانُ مَآ أَكْفَرَه } (عبس : 17) فهو تعالى وفى بعهده ، وأنت نقضت عهدك. ورابعها : أن تنفق نعمه في سيبل مرضاته ، فعهده معك أن يعطيك أصناف النعم وقد فعل وعهدك معه أن تصرف نعمه في سبيل مرضاته وأنت ما فعلت ذلك : {كَلا إِنَّ الانسَـانَ لَيَطْغَى * أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى } (العلق : 6 ، 7). وخامسها : أنعم عليك بأنواع النعم لتكون محسناً إلى الفقراء : {وَأَحْسِنُوا ا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ثم إنك توسلت به إلى إيذاء الناس وإيحاشهم : {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} (الحديد : 24) (النساء : 37). وسادسها : أعطاك النعم العظيمة لتكون مقبلاً على حمده وأنت تحمد غيره فانظر إلى السلطان العظيم لو أنعم عليك بخلعة نفيسة ، ثم إنك في حضرته تعرض عنه وتبقى مشغولاً بخدمة بعض الأسقاط كيف تستوجب الأدب والمقت فكذا ههنا ، واعلم أنا لو اشتغلنا / بشرح كيفية وفائه سبحانه بعهد الإحسان والربوبية وكيفية نقضنا لعهد الإخلاص والعبودية لما قدرنا على ذلك فإنا من أول الحياة إلى آخرها ما صرنا منفكين لحظة واحدة من أنواع نعمه على ظاهرنا وباطننا وكل واحدة من تلك النعم تستدعي شكراً على حدة وخدمة على حدة ، ثم أنا ما أتينا بها بل ما تنبهنا لها وما عرفنا كيفيتها وكميتها ، ثم إنه سبحانه على تزايد غفلتنا وتقصيرنا يزيد في أنواع النعم والرحمة والكرم ، فكنا من أول عمرنا إلى آخره لا نزال نتزايد في درجات النقصان والتقصير واستحقاق الذم ، وهو سبحانه لا يزال يزيد في الإحسان واللطف والكرم ، واستحقاق الحمد والثناء فإنه كلما كان تقصيرنا أشد كان إنعامه علينا بعد ذلك أعظم وقعاً وكلما كان إنعامه علينا أكثر وقعاً ، كان تقصيرنا في شكره أقبح وأسوأ ، فلا تزال أفعالنا تزداد قبائح ومحاسن أفعاله على سبيل الدوام بحيث لا تفضي إلى الانقطاع ثم إنه قال في هذه الآية : {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ} وهذا تخويف شديد لكنا نقول : إلهنا صدر منك ما يليق بك من الكرم والعفو والرحمة والإحسان وصدر منا ما يليق بنا من الجهل والغدر والتقصير والكسل/ فنسألك بك وبفضلك العميم أن تتجاوز عنا يا أرحم الراحمين.
جزء : 4 رقم الصفحة : 30
41
اعلم أنه تعالى بين كيفية حال إبراهيم عليه السلام حين كلفه بالإمامة ، وهذا شرح التكليف الثاني ، وهو التكليف بتطهير البيت ، ثم نقول : أما البيت فإنه يريد البيت الحرام ، واكتفى بذكر البيت مطلقاً لدخول الألف واللام عليه ، إذا كانتا تدخلان لتعريف المعهود أو الجنس ، وقد علم المخاطبون أنه لم يرد به الجنس فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة ، ثم نقول : ليس المراد نفس الكعبة ، لأنه تعالى وصفه بكونه (أمناً) وهذا صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط والدليل على أنه يجوز إطلاق البيت والمراد منه كل الحرم قوله تعالى : {هَدْيَا بَـالِغَ الْكَعْبَةِ} (المائدة : 95) والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها ، لأنه لا يذبح في الكعبة ، ولا في المسجد الحرام وكذلك قوله : {فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـاذَا } (التوبة : 28) ، المراد والله أعلم منعهم من الحج حضور مواضع النسك ، وقال في آية أخرى : {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا} (العنكبوت : 67) وقال الله تعالى في آية أخرى مخبراً عن إبراهيم : {رَبِّ اجْعَلْ هَـاذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا} (إبراهيم : 35) فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن فاقتضى جميع الحرم ، والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت.
أما قوله تعالى : {مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أهل اللغة : أصله من ثاب يثوب مثابة وثوباً إذا رجع يقال : ثاب الماء إذا رجع إلى النهر بعد انقطاعه ، وثاب إلى فلان عقله أي رجع وتفرق عنه الناس ، ثم ثابوا : أي عادوا مجتمعين ، والثواب من هذا أخذ ، كأن ما أخرجه من مال أو غيره فقد رجع إليه ، والمثاب من البئر : مجتمع الماء في أسفلها ، قال القفال قيل : إن مثاباً ومثابة لغتان مثل : مقام ومقامة وهو قول الفراء والزجاج ، وقيل : الهاء إنما دخلت في مثابة مبالغة كما في قولهم : نسابة وعلامة ، وأصل مثابة مثوبة مفعلة.
جزء : 4 رقم الصفحة : 41
(1/593)

المسألة الثانية : قال الحسن : معناه أنهم يثوبون إليه في كل عام ، وعن ابن عباس ومجاهد : أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه ، قال الله تعالى : {فَاجْعَلْ أَفْـاِدَةً مَّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ} (إبراهيم : 37) وقيل : مثابة أي يحجون إليه فيثابون عليه ، فإن قيل : كون البيت مثابة يحصل بمجرد عودهم إليه ، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى ، فما معنى قوله : {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} قلنا : أما على قولنا ففعل العبد مخلوق لله تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة ، وأما على قول المعتزلة فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعياً لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى ، وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا والآخرة ، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق والمغرب يجتمعون هناك ، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع ، وأيضاً فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطريق والبلاد ، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا ، وأما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه في النسك والتقرب إلى الله تعالى ، وإظهار العبودية له ، والمواظبة على العمرة والطواف ، وإقامة الصلاة في ذلك المسجد المكرم والاعتكاف فيه/ يستوجب بذلك ثواباً عظيماً عند الله تعالى.
المسألة الثانية : تمسك بعض أصحابنا في وجوب العمرة بقوله تعالى : {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} ووجه الاستدلال به أن قوله : {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} إخبار عن أنه تعالى جعله موصوفاً بصفة كونه مثابة للناس ، لكن لا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس ، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء ، وإذا ثبت تعذر إجراء الآية على ظاهرها وجب حمل الآية على الوجوب لأنا متى حملناه على الوجوب كان ذلك أفضى إلى صيرورته كذلك مما إذا حملناه على الندب ، فثبت أن الله تعالى أوجب علينا العود إليه مرة بعد أخرى ، وقد توافقنا على أن هذا الوجوب لا يتحقق فيما سوى الطواف ، فوجب تحققه / في الطواف ، هذا وجه الاستدلال بهذه الآية ، وأكثر من تكلم في أحكام القرآن طعن في دلالة هذه الآية على هذا المطلوب ، ونحن قد بينا دلالتها عليه من هذا الوجه الذي بيناه.
جزء : 4 رقم الصفحة : 41
أما قوله تعالى : {وَأَمْنًا} أي موضع أمن ، ثم لا شك أن قوله : {جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا} خبر ، فتارة نتركه على ظاهره ونقول أنه خبر ، وتارة نصرفه عن ظاهره ونقول أنه أمر.
أما القول الأول : فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ما قال : {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا} (العنكبوت : 67) وقوله : {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُجْبَى ا إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍ} (القصص : 57) ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم ، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه ، وأيضاً فالقتل المباح قد يوجد فيه ، قال الله تعالى : {وَلا تُقَـاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَـاتِلُوكُمْ فِيه فَإِن قَـاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } (البقرة : 191) فأخبر عن وقوع القتل فيه.
(1/594)

القول الثاني : أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل ، والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمناً من الغارة والقتل ، فكان البيت محترماً بحكم الله تعالى ، وكانت الجاهلية متمسكين بتحريمه ، لا يهيجون على أحد التجأ إليه ، وكانوا يسمون قريشاً : أهل الله تعظيماً له ، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب ، ورويت الأخبار في تحريم مكة قال عليه الصلاة والسلام : "إن الله حرم مكة وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها كما كانت" ، فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المعنى : أنها لم تحل لأحد بأن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فأما من دخل البيت من الذين تجب عليهم الحدود فقال الشافعي رضي الله عنه : إن الإمام يأمر بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه من الحرم ، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل ، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز ، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجوز ، واحتج الشافعي رحمه الله بأنه عليه الصلاة والسلام أمر عندما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره بمكة غيلة إن قدر عليه ، قال الشافعي رحمه الله : وهذا في الوقت الذي كانت مكة فيه محرمة فدل أنها لا تمنع أحداً من شيء وجب عليه وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها ، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، والجواب عنه أن قوله : {وَأَمْنًا} ليس فيه بيان أنه جعله أمناً فيماذا فيمكن أن يكون أمناً من القحط/ وأن يكون أمناً من نصب الحروب ، وأن يكون أمناً من إقامة الحدود ، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل ، بل حمله على الأمن من القحط والآفات أولى لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر وفي سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك ، فكان قول الشافعي رحمه الله أولى.
جزء : 4 رقم الصفحة : 41
أما قوله تعالى : {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاه مَ مُصَلًّى } ففيه مسائل :
/ المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي : {وَاتَّخِذُوا } بكسر الخاء على صيغة الأمر ، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على صيغة الخبر.
أما القراءة الأولى : فقوله : {وَاتَّخِذُوا } عطف على ماذا ، وفيه أقوال ، الأول : أنه عطف على قوله : {اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ} (البقرة : 122) ، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}. الثاني : إنه عطف على قوله : . الثاني : إنه عطف على قوله : {إِنِّى جَـاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } (البقرة : 124) والمعنى أنه لما ابتلاه بكلمات وأتمهن ، قال له جزاء لما فعله من ذلك : {إِنِّى جَـاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } وقال : {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاه مَ مُصَلًّى } ويجوز أن يكون أمر بهذا ولده ، إلا أنه تعالى أضمر قوله وقال ، ونظيره قوله تعالى : {وَظَنُّوا أَنَّه وَاقِعُا بِهِمْ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَـاكُم بِقُوَّةٍ} (الأعراف : 171). الثالث : أن هذا أمر من الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلّم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وهو كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم عليه السلام ، وكأن وجهه : {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا } أنتم من مقام إبراهيم مصلى والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمناً فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم ، والواو والفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع وإن كانت الفاء أوضح ، أما من قرأ : {وَاتَّخِذُوا } بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى ، فيكون هذا عطفاً على : {جَعَلْنَا الْبَيْتَ} واتخذوه مصلى ، ويجوز أن يكون عطفاً على : {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ} وإذ اتخذوه مصلى.
المسألة الثانية : ذكروا أقوالاً في أن مقام إبراهيم عليه السلام أي شيء هو :
القول الأول : إنه موضع الحجر قام عليه إبراهيم عليه السلام ، ثم هؤلاء ذكروا وجهين : أحدهما : أنه هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم عليه السلام رجله عليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحته وقد غاصت رجله في الحجر فوضعته تحت الرجل الأخرى فغاصت رجله أيضاً فيه فجعله الله تعالى من معجزاته وهذا قول الحسن وقتادة والربيع بن أنس. وثانيها : ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان : {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة : 127) فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام.
(1/595)

جزء : 4 رقم الصفحة : 41
القول الثاني : أن مقام إبراهيم الحرم كله وهو قول مجاهد. الثالث : أنه عرفة والمزدلفة والجمار وهو قول عطاء. الرابع : الحج كله مقام إبراهيم وهو قول ابن عباس ، واتفق المحققون على أن القول الأولى أولى ويدل عليه وجوه. الأول : ما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا قوله تعالى : {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاه مَ مُصَلًّى } فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر. وثانيها : أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع والدليل عليه أن سائلاً لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع / . وثالثها : ما روي أنه عليه السلام مر بالمقام ومعه عمر فقال : يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم ؟
قال : بلى. قال : أفلا نتخذه مصلى ؟
قال : لم أومر بذلك ، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية. ورابعها : أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام ، وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به ، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى. وخامسها : أنه تعالى قال : {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاه مَ مُصَلًّى } وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع ، فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع. وسادسها : أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه ، وثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ ، أعني : مقام إبراهيم عليه السلام على الحجر يكون أولى قال القفال : ومن فسر مقام إبراهيم بالحجر خرج قوله : {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاه مَ مُصَلًّى } على مجاز قول الرجل : اتخذت من فلان صديقاً وقد أعطاني الله من فلان أخاً صالحاً ووهب الله لي منك ولياً مشفقاً وإنما تدخل (من) لبيان المتخذ الموصوف وتميزه في ذلك المعنى من غيره والله أعلم.
المسألة الثالثة : ذكروا في المراد بقوله : {مُصَلًّى } وجوهاً. أحدها : المصلى المدعى فجعله من الصلاة التي هي الدعاء ، قال الله تعالى : {النَّبِىِّا يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} (الأحزاب : 56) وهو قول مجاهد ، وإنما ذهب إلى هذا التأويل ليتم له قوله : إن كل الحرم مقام إبراهيم. وثانيها : قال الحسن : أراد به قبلة. وثالثها : قال قتادة والسدي : أمروا أن يصلوا عنده. قال أهل التحقيق : هذا القول أولى لأن لفظ الصلاة إذا أطلق يعقل منه الصلاة المفعولة بركوع وسجود ألا ترى أن مصلى المصر وهو الموضع الذي يصلى فيه صلاة العيد وقال عليه السلام لأسامة بن زيد المصلى أمامك يعني به موضع الصلاة المفعولة ، وقد دل عليه أيضاً فعل النبي صلى الله عليه وسلّم للصلاة عنده بعد تلاوة الآية ولأن حملها على الصلاة المعهودة أولى لأنها جامعة لسائر المعاني التي فسروا الآية بها وههنا بحث فقهي وهو أن ركعتي الطواف فرض أم سنة ينظر إن كان الطواف فرضاً فللشافعي رضي الله عنه فيه قولان ، أحدهما : فرض لقوله تعالى : {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاه مَ مُصَلًّى } والأمر للوجوب. والثاني : سنة لقوله عليه السلام للأعرابي حين قال : هل على غيرها ، قال : لا إلا أن تطوع وإن كان الطواف نفلاً مثل طواف القدوم فركعتاه سنة والرواية عن أبي حنيفة مختلفة أيضاً في هذه المسألة والله أعلم.
جزء : 4 رقم الصفحة : 41
(1/596)

المسألة الرابعة : في فضائل البيت : روى الشيخ أحمد البيهقي كتاب شعب الإيمان عن أبي ذر قال : "قلت يا رسول الله أي مسجد وضع على الأرض أولاً ؟
قال : المسجد الحرام ، قال : قلت ثم أي ؟
قال : ثم المسجد الأقصى ، قلت : كم بينهما ؟
قال : أربعون سنة فأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد" أخرجاه في الصحيحين ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : خلق البيت قبل الأرض بألفي عام ثم دحيت الأرض منه وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه السلام : "أول بقعة وضعت / في الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض ، وأن أول جبل وضعه الله تعالى على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال". وعن وهب بن منبه قال : إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها ولأنه لم ير فيها أحداً غيره/ فقال : يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري. فقال الله تعالى : إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري فيسبحني فيها خلقي وسأبوئك منها بيتاً أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي واسميه بيتي أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي وأجعله أحق البيوت كلها وأولاها بذكري وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض ، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً آمناً أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي ومن أحله فقد أباح حرمتي ، ومن آمن أهله استوجب بذلك أماني ومن أخافهم فقد أخافني ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني ومن تهاون به فقد صغر في عيني سكانها جيراني وعمارها وفدي وزوارها أضيافي اجعله أول بيت وضع للناس وأعمره بأهل السماء والأرض ، يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً : {وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (الحج : 27) يعجون بالتكبير عجاً إلي ويثجون بالتلبية ثجاً ، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ونزل بي ووفد علي ، فحق لي أن أتحفه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حياً ثم يعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن ونبياً بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له محمد عليه السلام وهو خاتم النبيين فأجعله من سكانه وعماره وحماته وولاته فيكون أميني عليه ما دام حياً ، فإذا انقلب إلي وجدني قد ادخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلى الوسيلة عندي واجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه وتكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي وهو أبوه ، يقال له إبراهيم أرفع له قواعده وأقضي على يديه عمارته وأعلمه مشاعره ومناسكه وأجعله أمة واحدة قانتاً قائماً بأمري داعياً إلى سبيلي أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر ، وآمره فيفعل وينذر لي فيفي ويدعوني فأستجيب دعوته في ولده وذريته من بعده وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته وسقاته وخدامه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا أو يغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الجن والإنس. وعن عطاء قال : أهبط آدم بالهند فقال : يا رب مالي لا أسمع صوت الملائكة كما كنت أسمعها في الجنة ؟
قال : بخطيئتك يا آدم فانطلق إلى مكة فابن بها بيتاً تطوف به كما رأيتهم يطوفون فانطلق إلى مكة فبنى البيت ، فكان موضع قدمي آدم قرى وأنهاراً وعمارة وما بين خطاه مفاوز فحج آدم البيت من الهند أربعين سنة ، وسأل عمر كعباً فقال : أخبرني عن هذا البيت فقال إن هذا البيت أنزله الله تعالى من السماء ياقوته مجوفة مع آدم عليه السلام ، فقال : / يا آدم إن هذا بيتي فطف حوله وصل حوله كما رأيت ملائكتي تطوف حول عرشي وتصلي ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة ، فوضع البيت على القواعد فلما أغرق الله قوم نوح رفعه الله وبقيت قواعده. وعن علي رضي الله عنه قال : البيت المعمور بيت في السماء يقال له الضراح ، وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض ، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً ، وذكر علي رضي الله عنه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة ومر عليه الدهر فانهدم فبنته جرهم ومر عليه الدهر فانهدم فبنته قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلّم يومئذ شاب ، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا : يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم ترفعه جميع القبائل فرفعوه كلهم فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلّم فوضعه ، وعن الزهري قال : بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم عليه السلام ثلاث صفوح في كل صفح منها كتاب ، في الصفح الأول : أنا الله ذوبكة صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر
(1/597)

وحففتها بسبعة أملاك حفاً وباركت لأهلها في اللحم واللبن. وفي الصفح الثاني : أنا الله ذوبكة خلقت الرحم وشققت لها اسماً من إسمي من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته. وفي الثالث : أنا الله ذوبكة خلقت الخير والشر ، فطوبى لمن كان الخير على يديه وويل لمن كان الشر على يديه.
جزء : 4 رقم الصفحة : 41
المسألة الخامسة : في فضائل الحجر والمقام ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال عليه السلام : "الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ولا سقيم إلا شفي" وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه السلام : "إنه كان أشد بياضاً من الثلج فسودته خطايا أهل الشرك" ، وعن ابن عباس قال عليه السلام : "ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به ، يشهد على من استلمه بحق". وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه انتهى إلى الحجر الأسود فقال : إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ، لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقبلك ما قبلتك. أخرجاه في الصحيح.
أما قوله تعالى : {وَعَهِدْنَآ إِلَى ا إِبْرَاه مَ وَإِسْمَـاعِيلَ} فالأولى أن يراد به ألزمناهما ذلك وأمرناهما أمراً وثقناً عليهما فيه وقد تقدم من قبل معنى العهد والميثاق.
أما قوله : {أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ} فيجب أن يراد به التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت ، فإذا كان موضع البيت وحواليه مصلى وجب تطهيره من الأنجاس والأقذار ، وإذا كان موضع العبادة والإخلاص لله تعالى : وجب تطهيره من الشرك وعبادة غير الله. وكل ذلك داخل تحت الكلام ثم إن المفسرين ذكروا وجوهاً. أحدها : أن معنى : {طَهِّرَا بَيْتِىَ} ابنياه وطهراه من الشرك وأسساه على التقوى ، كقوله تعالى : {أَفَمَنْ أَسَّـاسَ بُنْيَـانَه عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ} (التوبة : 109). وثانيها : عرفا الناس أن بيتي / طهرة لهم متى حجوه وزاروه وأقاموا به ، ومجازه : اجعلاه طاهراً عندهم ، كما يقال : الشافعي رضي الله عنه يطهر هذا ، وأبو حنيفة ينجسه. وثالثها : ابنياه ولا تدعا أحداً من أهل الريب والشرك يزاحم الطائفين فيه ، بل أقراه على طهارته من أهل الكفر والريب ، كما يقال : طهر الله الأرض من فلان ، وهذه التأويلات مبنية على أنه لم يكن هناك ما يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان والشرك ، وهو كقوله تعالى : {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ } (البقرة : 25) فمعلوم أنهن لم يطهرن من نجس بل خلقن طاهرات ، وكذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهراً ، والله أعلم. ورابعها : معناه نظفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي ، ليقتدي الناس بكما في ذلك. وخامسها : قال بعضهم : إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف والأقذار فأمر الله تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك ، وهذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجوداً فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيراً للبيت ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتاً لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتاً ولكنه مجاز.
جزء : 4 رقم الصفحة : 41
أما قوله تعالى : {لِلطَّآئِفِينَ وَالْعَـاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : العكف مصدر عكف يعكف بضم الكاف وكسرها عكفاً إذا لزم الشيء وأقام عليه فهو عاكف/ وقيل : إذا أقبل عليه لا يصرف عنه وجهه.
المسألة الثانية : في هذه الأوصاف الثلاثة قولان ، الأول : وهو الأقرب أن يحمل ذلك على فرق ثلاثة ، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والعاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة العطف ، فالمراد بالطائفين : من يقصد البيت حاجاً أو معتمراً فيطوف به ، والمراد بالعاكفين : من يقيم هناك ويجاور ، والمراد بالركع السجود : من يصلي هناك. والقول الثاني : وهو قول عطاء : أنه إذا كان طائفاً فهو من الطائفين ، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين ، وإذا كان مصلياً فهو من الرجع السجود.
(1/598)

المسألة الثالثة : هذه الآية ، تدل على أمور. أحدها : أنا إذا فسرنا الطائفين بالغرباء فحينئذ تدل الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة ، لأنه تعالى كما خصهم بالطواف دل على أن لهم به مزيد اختصاص. وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء : أن الطواف لأهل الأمصار أفضل ، والصلاة لأهل مكة أفضل. وثانيها : تدل الآية على جواز الاعتكاف في البيت. وثالثها : تدل على جواز الصلاة في البيت فرضاً كانت أو نفلاً إذ لم تفرق الآية بين شيئين منها ، وهو خلاف قول مالك في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت ، فإن قيل : لا نسلم دلالة الآية على ذلك ، لأنه تعالى لم يقل : والركع السجود في البيت ، وكما لا تدل الآية على جواز فعل الطواف في جوف البيت ، وإنما دلت على فعله خارج البيت ، كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجهاً إليه ، قلنا : ظاهر الآية يتناول الركوع والسجود إلى البيت ، سواء كان ذلك في البيت أو خارجاً عنه ، وإنما أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت لأن الطواف بالبيت هو أن / يطوف بالبيت ، ولا يسمى طائفاً بالبيت من طاف في جوفه ، والله تعالى إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه ، لقوله تعالى : {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج : 29) وأيضاً المراد لو كان التوجه إليه للصلاة ، لما كان للأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه ، إذا كان حاضر والبيت والغائبون عنه سواء في الأمر بالتوجه إليه ، واحتج مالك بقوله تعالى : {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ومن كان داخل المسجد الحرام لم يكن متوجهاً إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه. والجواب : أن المتوجه الواحد يستحيل أن يكون متوجهاً إلى كل المسجد ، بل لا بد وأن يكون متوجهاً إلى جزء من أجزائه ومن كان داخل البيت فهو كذلك فوجب أن يكون داخلاً تحت الآية. ورابعها : أن قوله : {لِلطَّآئِفِينَ} يتناول مطلق الطواف سواء كان منصوصاً عليه في كتاب الله تعالى ، كقوله تعالى : {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} أو ثبت حكمه بالسنة ، أو كان من المندوبات.
جزء : 4 رقم الصفحة : 41
47
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من أحوال إبراهيم عليه السلام التي حكاها الله تعالى ههنا ، قال القاضي : في هذه الآيات تقديم وتأخير ، لأن قوله : {رَبِّ اجْعَلْ هَـاذَا بَلَدًا ءَامِنًا} لا يمكن إلا بعد دخول البلد في الوجود ، والذي ذكره من بعد وهو قوله : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاه مُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} (البقرة : 128) وإن كان متأخراً في التلاوة فهو متقدم في المعنى ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : المراد من الآية دعاء إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة بالأمن والتوسعة بما يجلب إلى مكة لأنها بلد لا زرع ولا غرس فيه ، فلولا الأمن لم يجلب إليها من النواحي وتعذر العيش فيها. ثم إن الله تعالى أجاب دعاءه وجعله آمناً من الآفات ، فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل ، وههنا سؤالان :
السؤال الأول : أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك ؟
الجواب : لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها ، بل كان مقصوده شيئاً آخر.
السؤال الثاني : المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمناً كثير الخصب ، وهذا مما يتعلق / بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها.
والجواب عنه من وجوه ، أحدها : أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين ، كان ذلك من أعظم أركان الدين ، فإذا كان البلد آمناً وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى ، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك. وثانيها : أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة. وثالثها : لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة ، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة.
المسألة الثانية : {بَلَدًا ءَامِنًا} يحتمل وجهين. أحدهما : مأمون فيه كقوله تعالى : {فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} (القارعة : 7) أي مرضية. والثاني : أن يكون المراد أهل البلد كقوله : {وَسْـاَلِ الْقَرْيَةَ} (يوسف : 82) أي أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد.
جزء : 4 رقم الصفحة : 47
(1/599)

المسألة الثالثة : اختلفوا في الأمن المسؤول في هذه الآية على وجوه. أحدها : سأله الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع. وثانيها : سأله الأمن من الخسف والمسخ. وثالثها : سأله الأمن من القتل وهو قول أبو بكر الرازي ، واحتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولاً ، ثم سأله الرزق ثانياً ، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكراراً فقال في هذه الآية : {رَبِّ اجْعَلْ هَـاذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَارْزُقْ أَهْلَه مِنَ الثَّمَرَاتِ} وقال في آية أخرى : {رَبِّ اجْعَلْ هَـاذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا} ثم قال في آخر القصة : {رَّبَّنَآ إِنِّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ} إلى قوله : {وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ} (إبراهيم : 37) واعلم أن هذه الحجة ضعيفة فإن لقائل أن يقول : لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخسف والمسخ ، أو لعله الأمن من القحط ، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية وقد يكون بالتوسعة فيها فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط وبالسؤال الثاني طلب التوسعة العظيمة.
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو إنما صارت كذلك بدعوته فقال قائلون : إنها كانت كذلك أبداً لقوله عليه السلام : "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" وأيضاً قال إبراهيم : {رَّبَّنَآ إِنِّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} (إبراهيم : 37) وهذا يقتضي أنها كانت محرمة قبل ذلك ، ثم إن إبراهيم عليه السلام أكده بهذا الدعاء ، وقال آخرون : إنها إنما صارت حرماً آمناً بدعاء إبراهيم عليه السلام وقبله كانت لسائر البلاد والدليل عليه قوله عليه السلام : "اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة". والقول الثالث : إنها كانت حراماً قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراماً بعد الدعوة. فالأول : يمنع الله تعالى من الاصطلام وبما جعل في النفوس من التعظيم. والثاني : بالأمر على ألسنة الرسل.
/
جزء : 4 رقم الصفحة : 47
المسألة الخامسة : إنما قال في هذه السورة : {بَلَدًا ءَامِنًا} على التنكير وقال في سورة إبراهيم : {هَـاذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا} على التعريف لوجهين. الأول : أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلداً ، كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلداً آمناً لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : {رَّبَّنَآ إِنِّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ} (إبراهيم : 37) فقال : ههنا اجعل هذا الوادي بلداً آمناً ، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلداً ، فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً ذا أمن وسلامة ، كقولك : جعلت هذا الرجل آمناً. الثاني : أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلداً ، فقوله : {اجْعَلْ هَـاذَا بَلَدًا ءَامِنًا} تقديره : اجعل هذا البلد بلداً آمناً ، كقولك : كان اليوم يوماً حاراً ، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة ، لأن التنكير يدل على المبالغة ، فقوله : {رَبِّ اجْعَلْ هَـاذَا بَلَدًا ءَامِنًا} معناه : اجعله من البلدان الكاملة في الأمن ، وأما قوله : {رَبِّ اجْعَلْ هَـاذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا} فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة ، وأما قوله : {وَارْزُقْ أَهْلَه مِنَ الثَّمَرَاتِ} فالمعنى أنه عليه السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم ، فاستجاب الله تعالى له فصارت مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء ، أما قوله : {مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ} فهو يدل من قوله : {أَهْلُه } يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة ، وهو كقوله : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا } (آل عمران : 97) واعلم أنه تعالى لما أعلمه أن منهم قوماً كفاراً بقوله : {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ} (البقرة : 124) لا جرم خصص دعاءه بالمؤمنين دون الكافرين وسبب هذا التخصيص النص والقياس ، أما النص فقوله تعالى : {فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَـافِرِينَ} (المائدة : 124) وأما القياس فمن وجهين :
الوجه الأول : أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته ، قال الله تعالى : {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ} (البقرة : 124) فصار ذلك تأديباً في المسألة ، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة ، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه بقوله : {فَأُمَتِّعُه قَلِيلا} الفرق بين النبوة ورزق الدنيا ، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين ، لأنه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار ، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر والصادق والمنافق ، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه ، ومن كفر فالنار مستقره ومأواه.
(1/600)

جزء : 4 رقم الصفحة : 47
الوجه الثاني : يحتمل أن إبراهيم عليه السلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج ، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب ، أما قوله تعالى : {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُه قَلِيلا} ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر {فَأُمَتِّعُه } بسكون الميم خفية من أمتعت ، والباقون بفتح الميم مشددة من متعت ، والتشديد يدل على التكثير بخلاف التخفيف.
المسألة الثانية : أمتعه قيل : بالرزق ، وقيل : بالبقاء في الدنيا ، وقيل : بهما إلى خروج محمد صلى الله عليه وسلّم فيقتله أو يخرجه من هذه الديار إن أقام على الكفر ، والمعنى أن الله / تعالى كأنه قال : إنك وإن كنت خصصت بدعائك المؤمنين فإني أمتع الكافر منهم بعاجل الدنيا ، ولا أمنعه من ذلك ما أتفضل به على المؤمنين إلى أن يتم عمره فأقبضه ثم اضطره في الآخرة إلى عذاب النار ، فجعل ما رزق الكافر في دار الدنيا قليلاً ، إذ كان واقعاً في مدة عمره ، وهي مدة واقعة فيما بين الأزل والأبد ، وهو بالنسبة إليهما قليل جداً ، والحاصل أن الله تعالى بين أن نعمة المؤمن في الدنيا موصولة بالنعمة في الآخرة ، بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت وتتخلص منه إلى الآخرة ، أما قوله : {ثُمَّ أَضْطَرُّه ا إِلَى عَذَابِ النَّارِ } فاعلم أن في الإضطرار قولين : أحدهما : أن يفعل به ما يتعذر عليه الخلاص منه وههنا كذلك ، كما قال الله تعالى : {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} و{يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} (القمر : 48) يقال : اضطررته إلى الأمر أي الجأته وحملته عليه من حيث كان كارهاً له ، وقالوا : إن أصله من الضر وهو إدناء الشيء من الشيء ، ومنه ضرة المرأة لدنوها وقربها. والثاني : أن الإضطرار هو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختياراً ، كقوله تعالى : {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ} (البقرة : 173) (الأنعام : 145) (النحل : 115) فوصفه بأنه مضطر إلى تناول الميتة ، وإن كان ذلك الأكل فعله فيكون المعنى : أن الله تعالى يلجئه إلى أن يختار النار والإستقرار فيها بأن أعلمه بأنه لو رام التخلص لمنع منه ، لأن من هذا حاله يجعل ملجأ إلى الوقوع في النار ، ثم بين تعالى أن ذلك بئس المصير ، لأن نعم المصير ما ينال فيه النعيم والسرور ، وبئس المصير ضده.
جزء : 4 رقم الصفحة : 47
50
اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأمور التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وهو أنهما عند بناء البيت ذكرا ثلاثة من الدعاء ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله : {وَإِذْ يَرْفَعُ} حكاية حال ماضية والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس ، والأصل لما فوقه ، وهي صفة غالبة ، ومعناها الثابتة ، ومنه أقعدك الله أي أسأل الله أن يقعدك أي يثبتك ورفع الأساس البناء عليها ، لأنها إذا بني عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه ، ومعنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافاً فوق ساف فقد رفع السافات والله أعلم.
المسألة الثانية : الأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان موجوداً قبل إبراهيم عليه السلام على ما روينا من الأحاديث فيه واحتجوا بقوله : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاه مُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها.
(1/601)

المسألة الثالثة : اختلفوا في أنه هل كان إسماعيل عليه السلام شريكاً لإبراهيم عليه السلام في رفع قواعد البيت وبنائه ؟
قال الأكثرون : إنه كان شريكاً له في ذلك والتقدير وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت والدليل عليه أنه تعالى عطف إسماعيل على إبراهيم فلا بد وأن يكون ذلك العطف في فعل من الأفعال التي سلف ذكرها ولم يتقدم إلا ذكر رفع قواعد البيت موجب أن يكون إسماعيل معطوفاً على إبراهيم في ذلك ، ثم ان اشتراكهما في ذلك يحتمل وجهين. أحدهما : أن يشتركا في البناء ورفع الجدران. والثاني : أن يكون أحدهما بانياً للبيت والآخر يرفع إليه الحجر والطين ، ويهيىء له الآلات والأدوات ، وعلى الوجهين تصح إضافة الرفع إليهما ، وإن كان الوجه الأول أدخل في الحقيقة ومن الناس من قال : إن إسماعيل في ذلك الوقت كان طفلاً صغيراً وروي معناه عن علي رضي الله عنه ، وأنه لما بنى البيت خرج وخلف إسماعيل وهاجر فقالا : إلى من تكلنا ؟
فقال إبراهيم : إلى الله فعطش إسماعيل فلم ير شيئاً من الماء فناداهما جبريل عليه السلام وفحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم وهؤلاء جعلوا الوقف على قوله : {مِنَ الْبَيْتِ} ثم ابتدؤا : وإسماعيل ربنا تقبل منا طاعتنا ببناء هذا البيت فعلى هذا التقدير يكون إسماعيل شريكاً في الدعاء لا في البناء ، وهذا التأويل ضعيف لأن قوله : {تَقَبَّلْ مِنَّآ } ليس فيه ما يدل على أنه تعالى ماذا يقبل فوجب صرفه إلى المذكور السابق وهو رفع البيت فإذا لم يكن ذلك من فعله كيف يدعو الله بأن يتقبله منه ، فإذن هذا القول على خلاف ظاهر القرآن فوجب رده والله أعلم.
جزء : 4 رقم الصفحة : 50
المسألة الرابعة : إنما قال : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاه مُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} ولم يقل يرفع قواعد البيت لأن في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام من تفخيم الشأن ما ليس في العبارة الأخرى ، واعلم أن الله تعالى حكى عنهما بعد ذلك ثلاثة أنواع من الدعاء.
/ النوع الأول : في قوله تعالى : {تَقَبَّلْ مِنَّآا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في تفسير قوله : {تَقَبَّلْ مِنَّآ } فقال المتكلمون : كل عمل يقبله الله تعالى فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه ، والذي لا يثيبه عليه ولا يرضاه منه فهو المردود ، فههنا عبر عن أحد المتلازمين باسم الآخر ، فذكر لفظ القبول وأراد به الثواب والرضا لأن التقبل هو أن يقبل الرجل ما يهدى إليه ، فشبه الفعل من العبد بالعطية ، والرضا من الله بالقبول توسعاً. وقال العارفون : فرق بين القبول والتقبل فإن التقبل عبارة عن أن يتكلف الإنسان في قبوله وذلك إنما يكون حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل فهذا اعتراف منهما بالتقصير في العمل ، واعتراف بالعجز والانكسار ، وأيضاً فلم يكن المقصود إعطاء الثواب عليه ، لأن كون الفعل واقعاً موقع القبول من المخدوم ألذ عند الخادم العاقل من إعطاء الثواب عليه وتمام تحقيقه سيأتي في تفسير المحبة في قوله تعالى : {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّه } (البقرة : 165) والله أعلم.
المسألة الثانية : إنهم بعد أن أتوا بتلك العبادة مخلصين تضرعوا إلى الله تعالى في قبولها وطلبوا الثواب عليها على ما قاله المتكلمون ، ولو كان ترتيب الثواب على الفعل المقرون بالإخلاص واجباً على الله تعالى ، لما كان في هذا الدعاء والتضرع فائدة ، فإنه يجري مجرى أن الإنسان يتضرع إلى الله فيقول : يا إلهي اجعل النار حارة والجمد بارداً بل ذلك الدعاء أحسن لأنه لا استبعاد عند المتكلم في صيرورة النار حال بقائها على صورتها في الإشراق والاشتعال باردة ، والجمد حال بقائه على صورته في الإنجماد والبياض حاراً ويستحيل عند المعتزلة أن لا يترتب الثواب على مثل هذا الفعل فوجب أن يكون الدعاء ههنا أقبح فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا يجب للعبد على الله شيء أصلاً والله أعلم.
المسألة الثانية : إنما عقب هذا الدعاء بقوله : {إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} كأنه يقول : تسمع دعاءنا وتضرعنا ، وتعلم ما في قلبنا من الإخلاص وترك الالتفات إلى أحد سواك. فإن قيل : قوله : {إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} يفيد الحصر وليس الأمر كذلك ، فإن غيره قد يكون سميعاً. قلنا : إنه سبحانه لكماله في هذه الصفة يكون كأنه هو المختص بها دون غيره.
جزء : 4 رقم الصفحة : 50
النوع الثاني : من الدعاء قوله : {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} وفيه مسائل :
(1/602)